داعيًا للعدول عن الظاهر لا يكفي له ولا يتعين ما ادعاه إذ يمكن كون الخمرة على قرب باب الحجرة بحيث تتلقى بأدنى امتداد اليد فلا حاجة للعدول عن ظاهرة العبارة نعم لا يبعد القول بأنه ﷺ لما كان أكثر نافلته بل كلمها في البيت فلم تفرش الخمرة في المسجد إلا عند صلاته بالناس ويتعين المحراب له ومما يدل على تضعيف ما قصده القاضي رحمه الله تعالى أنها لو كانت هي المعطية للخمرة والنبي ﷺ أخذها وهو في المسجد وهي خارجة عنه لما افتقرت إلى إدخال يدها في المسجد لإيتاء الخمرة بل كان النبي ﷺ يأخذها منها ويدها خارجة من المسجد فأفهم وقد يساعد ما قلنا وضع المؤلف (١) هذا الباب لإثبات تناول الحائض شيئًا من المسجد، وقوله بعد ذلك وهو قول عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئًا من المسجد.
[باب في كراهية إتيان الحائض]
.
[قوله من أتى كاهنًا إلخ] المراد بإتيانه إياه تصديقه (٢) له فيما يذكره من أخبار المغيبات لا مطلق الإتيان حتى يلزم تكفير من أتاه ولو لحاجة أو تكذيبًا له وتبكيتًا أو ليسخر به ويستهزئ وكذلك لا يكفر لو أتاه وهو يعلم أو أن الجن تخير الكهنة وأن بعض أخبارهم صادق وبعضها كاذب ثم اعلم أنهم اختلفوا في تأويل قوله ﷺ في من ارتكب كبيرة قد كفر كما في قوله من أتي حائصًا أو امرأة في ديرها، لأن أهل الملل الحقة قاطبة متفقون على أن المسلم بارتكاب الكبيرة لا يكفر ولو كانت حرمتها قطعية ذاتية وما ههنا وإن كان ثابتًا بعبارة النص أو بإشارته كما هو ظاهر فارتكابها لا يكون كفرًا بواحًا فقال بعضهم هذا تغليظ حيث سمى ما ليس كفرًا كفرًا بنوع من التأويل ليحذروا أن يقعوا فيه، وقال بعضهم (٣) هو على الاستحلال
стр. 177
والذي يتحصل من كلام الأستاذ أدام الله ظلال جلاله وأفاض على الطالبين من زلال نواله أن الشرك (١) والكفر لتضمنها من المراتب المتناهية ما يربو على حصر حاصر واشتمالهما من الدرجات المتفاوتة على ما لا يكاد يضبطه لسان ذاكر صارا معدودين في عداد الكليات الغير المتواطئة فكل منهما مقول بالتشكيك على الصغائر حتى اللمم وعلى الكبائر حتى الكفر الحقيقي المقابل للإيمان الأنوار والظلم فكل من تلك المراتب ساغ عليها إطلاق كل منهما لدخوله في مدلول لفظه من غير ارتكاب تكلف وتجتمع به أكثر تلك الروايات من غير عدول عن جادة الطريق وتعسف ومما يدل عليه أنهم اتفقوا من آخرهم على أن المراد بالشرك في قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ هو الزياء لكونه شركًا خفيًا فهذا التفسير منهم تنصيص على أن كل مرتبة من مراتب الإثم مرتبة من الكفر ويؤيده أيضًا ما ورد في بعض الروايات من قوله شرك (٢) دون شرك ولعلك بعد تدبرك
стр. 178
فيما ههنا تعده كالبديهي لكثرة ما يدل على صحته فلتكن على ذكر منك وتدبر في فهم هذا المرام حتى لا تتحير في كثير من أخبار سيد الأنام والله الهادي إلى سبيل الرشاد وأنه الموفق للصواب والسداد.
[إذا كان دمًا أحمر فدينار] لغلظ الجنابة (١) بسبب شدة الأضرار في هذا الوقت وإن كان أصفر فنصف دينار لما فيه من قلة الضرر إضافة إلى الأول وإن تساوى في شمول النهي لهما ثم إن الأمر بالتصديق كما في هذا الحديث فمبني
стр. 179
على أن الشيخ المجبولة عليه الطباع يتقضي الضن بالمال وفي إنفاقه على الجناية إقلاع عنها وامتناع منها لما يتعقبه من بذل المال الثقيل على النفس مع ما فيه من إطفاء نار غضب الرب تعالى وذخيرة الخير المكافئة لما نقصته الخطايا ثم المراد بأمر التكفير (١) في قول الأولين إن كان هو الوجوب فالمراد بقول الآخرين لا كفارة عليه نفي الوجوب ليظهر بين قوليهما فرق وإن كان المراد في قول الأولين هو الاستحباب فمعنى قول هؤلاء لا كفارة عليه أن الكفارة ليست بكافية ما لم يتب منها وأن الكفارة لا تفيد رفع الجناية وإن لم يخل عن فائدة ما، والأظهر أن يقال مقصود الفريقين واحد وإن من أثبت الكفارة قصد استحباب الإتيان بها ومن نفاه نفى الوجوب أو الاكتفاء بها دون التوبة وعلى هذا فذكر المؤلف كلاً من القولين بعبارة أخرى لاختلاف أقوالهما التي وصلت إليه بحسب ألفاظها وإن اتفقت معانيها وأيًا ما كان فاستحباب التكفير لا ينكر (٢).
[باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب]
لما كان الأمر بفرك المني
стр. 180
والتخفيف فيه حتى اكتفى بالتقليل وإن لم يوجد الإزالة يوهم أن الحكم في باب الحيض كذلك لكثرة ما يرد على النساء منه سأل السائل عنه فدفع النبي ﷺ شبهته ذلك بالمبالغة في أمر إزالتها فقال حتيه أي يابسًا ثم أقرصيه بالماء أي بالغي في الدلك بعد صب الماء عليه ثم رشي عليه الماء ليخرج عن الثوب بالكلية ولعل الوجه في التخفيف في باب المني حيث اكتفى فيه بالتقليل والحك وشدد في دم الحيض مع أن الضرورة تشملهما على السوية أن أمر الحيض متعلق بالنساء والمني (١) بالرجال ولا يخفى ما في أمزجتهن من قلة المبالات في أمثال هذه الأمور فلو وجدن فيه سبيلاً إلى التخفيف لأتى الأمر إلى ما لا يكاد يرتضيه عقل ولا شرع فلم يسغ فيه ما ساغ في باب المني لأجل ذلك مع أن النجاسة لعلها في دم الحيض أكثر منها في المني وإن كانت النجاسات كلها تشترك في أنها لا تصح معها صلاة إلا أن منع الحيض عن وجوب الصلاة على المرأة يرشد إلى غلظ في الدم بحسب النجاسة ولا كذلك المني ويمكن توجيه أصل الرواية بأن الفرق بين دم الحيض والاستحاضة بجواز الصلاة والصوم وإتيان الزوج في الثاني دون الأول لما كان يوهم أن نجاسة دم الحيض لعلها تزيد على نجاسة دم الاستحاضة لما ظهر من بون بين بين آثارهما ظن السائل أن دم الحيض لعله لا يطهر بالغسل بالماء بل لا بد له من قرص ذلك الموضع وقرضه حتى يزول بالكلية فقال النبي ﷺ مجيبًا له إن ذلك غير لازم بل الثوب يطهر بالغسل إلا أنه شدد فيه مراعاة لظن السائل لئلا يخرج من قلبه نجاسته وعلى هذا فالأصل في الجواب قوله صلى فيه والباقي تمهيدًا له.
[ولم يوجب بعض أهل العلم إلخ] والظاهر (٢) أن معنى هذا القول أنهم
стр. 181
* * * *
стр. 182
وإن كانوا قائلين بنجاسة الدماء إلا أن قول النبي ﷺ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان أسقط عنه الإعادة إذا صلى جاهلاً أو ناسيًا مع تلبسه بشيء منه قليل أو كثير وعلى هذا فلا فرق بين الشافعي رحمه الله تعالى وبينهم وإن أوجب الشافعي (١) رحمه الله تعالى تشدوا في غسله وعلى هذا فتصريح المؤلف بعزو عدم الإعادة إلى أحمد وإسحاق ليس لبيان الفرق بين مذهبه ومذهبهم بل المذهب واحد وإنما نسب إلى كل منهم ما وصل إليه من أقوالهم ولا يبعد أن يكون الطهارة من النجاسات عند أحمد وإسحاق من الأمور التي أمر بها من غير أن تكون شرط جواز وسقوط فرض كما سبق في أول الكتاب من مذهب مالك رحمه الله تعالى أنه لم يجعل الوضوء (٢) شرطًا لإسقاط الفريضة وإن كان شرطًا للقبول وعلى هذا فلا يحتاج إلى بناء مذهبهما على الرواية التي ذكرناها آنفًا ويتبين الفرق بين مذهب الشافعي ومذهبها ويكون إيراد المؤلف قول كل منهما على ظاهره ويمكن أن يكونا قد جعلاها من الشرائط القابلة للسقوط كالاستقبال والقيام في حق المسبوق هذا، وأما ما ذكره من المذاهب
стр. 183
الثلاثة في غسل دم الحيض فلا يخفى موافقة الأولين منها لمذهب الحنفية (١) لأنهم يأمرون بإعادة الصلاة إذا صلى وفي ثوبه نجس قدر الدرهم وإن كان وجوبًا نعم لا يوافق رأيهم ما ذكره من عدم الإعادة ولو زاد الدم على قدر الدرهم.
[باب كم يمكث النفساء]
.
[كانت النفساء تجلس أربعين (٢) يومًا] يعني إن لم تطهر قبل مضيها وأما إذا فلا.
[باب الرجل يطوف على نسائه (٣) بغسل واحد] هذا يشمل صورتين يخلل
стр. 184
الوضوء بينهما أولاً فبين الثاني يقول الحسن تنصيصًا على أن الرواية التي ذكرناها يحتملهما فيحمل عليهما وعقد للأول بابًا على حدة فقال باب ما جاء إذا أراد أن يعود (١) توضأ وهذا مثل ما مر في الجنب ينام قبل الوضوء أو بعده وهذا مستنبط من عموم قوله غسل واحد.
[باب إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء]
.
[قوله فأخذ بيد رجل] يعني أن عروة يحكي فعل عبد الله فيقول أن عبد الله أخذ بيد رجل بعد الإقامة فقدمه وكان عبد الله إمام القوم فلذلك احتاج إلى الإنابة وبذلك يعلم وجوب إزالة ما يشغل البال عن مخاطبة الكريم ذي الجلال فإن [قوله ليبدأ] صيغة أمر أصلها الوجوب [وقوله سمعت رسول الله ﷺ ] تنبيه على بيان عذره وإرشاد إلى أنه ينبغي له نفي التهمة عن نفسه في مثل هذا المقام.
[لا بأس أن يصلي إلخ] يشير إلى عدم الشدة (٢) فيه يخلاف قوله لا يقوم
стр. 185
إلى الصلاة فإن فيه نهيأ عن الصلاة إذ ذاك.
[باب ما جاء في الوضوء من الموطئ]
وهذا إن لم يكن مذكورًا في لفظ الحديث إلا أنه يعلم منه قياسًا على جر الذيل فإن الذيل لما طهر بعد تلبسه بأجزاء النجاسة الغير الرطبة فطهارة القدم اليابس أولى وجه الأولوية أن الثوب مظنة لبقاء الأجزاء القليلة المقدار فيه لما فيه من التخلخل والتخلل وإن كان غير رقيق ولا كذلك القدم فإنها بمراحل عن ذلك وإنما قيدناها في بيان معنى الحديث باليابسة لأنها إن كانت رطبة لم يطهره (١) ما بعده بل النجاسة تزداد في مثله لأن الرجل أو الثوب إذا تلطخ بشيء من النجاسات الرطبة ثم مشى بها أو به على أرض طاهرة لا يؤثر هذ المرور في إزالة نجاسة شيئًا ولا يتوهم أن النجس إذا لم يكن رطبًا لم يتنجس الثوب حتى يفتقر إلى تطهيره وذلك لأن أجزاء النجاسة لا شك ههنا تتعلق بالذيل وبالرجل أيضًا ثم بالمرور على موضع طاهر تخلفها الأجزاء الطاهرة وتلك الأجزاء النجسة الأولية وإن لم تكن بلغت حد المنع إلا أنها لا ينكر وجودها.
[باب ما جاء في التيمم]
اعلم أن فيه (٢) مذاهب مسح يديه إلى رسغيه
стр. 186
ووجهه بضربة واحدة ومسحهما بضربتين ومسح الوجه بضربة والأيدي مع المرافق بضربة وميل الحافظ إلى الثاني (١) فيشير إلى تأييده بإشارات خفية فدفع ما يرد على رواية عمار المثبتة له من وسمة الاضطراب بأن الأول كان اجتهادًا منه والاكتفاء بالكفين انتهاء على المأمور به.
[وقوله حدثنا يحيى إلخ] تقوية ثانية لما مال إليه.
[وقوله فيه إنما هو الوجه والكفين] من تتمة كلام ابن عباس وهو كالنتيجة عما قبله، والأصل في الجواب والباقي تمهيد، والجواب (٢) أما عن الأول فإن في روايات عمار اختلافًا فقد ذكر في بعضها إلى المناكب والأباط وفي الآخر من غير ذكر غاية وكذلك اختلف فيها في ذكر الضربات ففيها ضربة للوجه والكفين وفيها ضربة للوجه وضربة للكفين فأخذنا بالذي يحصل به فراغ الذمة يقينًا، وأما (٣) عن الثاني فإن القطع عن الزند ليس لترك ذكر الغاية فيه بل لأن فعله ﷺ وقع تفسيرًا ولو لم يبين لكان أظهر من أن يلتبس أيضًا لأن المقصود من الحسم في السارق روعه عما ارتكب وهو حاصل بالحسم عن الزند فالزيادة عليه لا تجدي نفعًا وجهة الخلقية في التيمم تعين المقدار لأن الخلف لا يخالف الأصل لا يقال مسح الخفين خلف عن غسل الرجلين وهو مخالف له في حق المقدار، قلنا لو سلم كونه خلفًا عنه غير مشروع بأصله لكان في بيانه ﷺ بقوله وفعله مقدار المسح على الخفين مندوحة عن ترك هذا الأصل.
стр. 187
[باب]
إطلاقه من غير إضافة إشارة إلى مناسبة له بالأبواب السابقة دون أن يدخل مضمونه في شيء منها.
[وقوله فيه لا يقرأ في المصحف إلا وهو طاهر] يعني به إذا قرأ فيه وهو يمسه فلو لم يمس جازت قراءته (١) عن المصحف وفيه وإن كان على غير وضوء.
[باب البول يصيب الأرض]
.
[قوله ولا ترحم معنا أحدًا] والذي بعثه على تلك المسألة ما رآه فيما يرى من قلة مقادير الانصباء عند كثرة الشركاء ولم يعلم ما في رحمته ﵎ من سعة تغلب كل شيء فسبحانه وتعالى أنعم على خليقته بالنعم الجسام وأولى.
[اهريقوا عليه سجلاً من ماء (٢)] وذلك لأن النجاسة لما لاقت ماء جاريًا ورد عليها في جريانه حكم بطهارة الأرض بمجرد جريانها معه لأن الماء الجاري إذا اختلطت به النجاسة بعد جريانه لا يحكم بنجاسة ما لم يتغير أحد أوصافه بغلبتها ومن المعلوم أنه لم يتغير لما انتشف بعضه في الأرض مع أن الظاهر قلة مقداره من الأصل لتراكم الأصوات عليه فإذا اجتمع هذا الماء في مكان اجتمع طاهرًا لا نجسًا
стр. 188
والمشهور أن تلك الأراقة كانت لإزالة النتن ويحتمل أن تكون لينتشر أثرها فلا يجد أحد في نفسه شيئًا من المقام في عين هذا الموضع ويمكن أن يكون هذا الموضع على طرف المسجد فأريد بإراقة الماء إزالة النجاسة عن المسجد وجمعها خارجه وعلى الأول (١) والأخير يحكم بطهارة الأرض من غير حاجة إلى يبسها وجفافها وعلى الوسطين بعد الجفاف فتفكر (٢).
[إنما بعثتم ميسرين إلخ] راجع إما إلى تبادر الصحابة إليه بأصوات شديدة عالية أو إلى ما قال بعضهم بحفر هذا الموضع وإلقاء ترابه خارجًا وإلقاء التراب الطاهر فيه وتسويته بالأرض للصلاة عليه والله تعالى أعلم.
***
стр. 189
أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ
[قوله أمنى جبرئيل إلخ] استدلت الشافعية بذلك على ما اعوه من جواز اقتداء المفترض بالمتنقل فإن من المعلوم أن جبرئيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لم يكن عليه شيء من الصلوات مفروضًا والجواب أنه لما أمر (١) بصلاته به ﵊ صار مأمورًا به وصارت الصلوات العشر مفروضة عليه وإن لم يكن مكلفًا بها من قبل ومن بعد فهذا ليس من صلاة المفترض خلف المتنقل في شيء وما قيل (٢) من أنه ﷺ لعله أعادها بعد الائتمام به في كل صلاة فمع بعده محتمل.
[قوله عند البيت] وكان هذا للإشارة (٣) إلى أن المكي فرضه في الاستقبال إصابة عينها إلا الاكتفاء بجهتها ومما ينبغي أن يتنبه له أن الصلاة وإن افترضت ليلة الإسراء إلا أنها بما لا يتعين حينئذ لم يلزم أداء صلاة الفجر لعدم الإحاطة بكيفيتها وفائدة الإيجاب اعتقاد حقيته من غير أن يجب الأداء فلما صلى جبرئيل معه الظهر وحصل العلم بكيفيتها صار الأداء فرضًا فأفهم.
стр. 190
[حين كان الفتى مثل الشراك] أي سوى فتى الزوال أراد ذلك بإيراده مطلقًا اتكالاً على الفهم وما وقع مفسرًا في غير هذه الرواية أو نظرًا إلى معناه اللغوي لأن فيه معنى الرجوع فلا يصح إطلاقه بهذا المعنى على ما هو للأشياء عند استواء ذكاء في وسط السماء ويمكن توجيه الكلام بأنه لم يكن للأشياء ظل أصلي في تلك الأيام هناك.
[ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله (١)] أي سوى الفتى أو المراد تقريبًا وإن لم يكن ثمة فتى فالأمر أظهر وأيًا ما كان فالمراد بقوله صلى العصر أخذه فيها وشروعه لا فراغه منها وإتمامه إياها وقتئذ فأفهم.
[حين وجبت الشمس] أي فور سقوطها.
[وقوله أفطر الصائم] توكيد لعدم التأخير وتبيين لكون المدار مجرد الغروب من غير لبث بعده وذلك لأن قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يدل دلالة واضحة على أن الصوم هو الإمساك النهاري وأنه لا يدخل فيه شيء من أجزاء الليل فذكر الإفطار ههنا لبيان أنه لا ينتظر بعد الغروب شيئًا لدخول وقت الصلاة
стр. 191
كما لا ينتظر لدخول وقت الفطر.
[ثم صلى العشاء حين غاب الشفق] واختلاف العلماء في معنى الشفق أورث اختلافًا في آخر وقت المغرب المترتب عليه اختلافهم في أول وقت العشاء.
[ثم قوله صلى الفجر حين يرق الفجر] ظاهره يؤيد قول من قال المعتبر في الصوم هو الانبلاج لا التبين كما ذهب إليه بعض الآخر وإن التبين في قوله تعالى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ الآية هو التيقن والانفصال الحقيقي القطعي لا التخميني ولهم (١) العذر بأن إدارة الإباحة في الأكل والشرب على عدم التبين وتحديد النهي بالتبين أبقى الفجر داخلاً في حكم الليل في باب الصوم خاصة لعلة قامت مقام الفارق بين فرض الصلاة وفرض الصوم فما ههنا لا يمكن إجراؤه إلى ما ثمة كما أن ما ثمة لا يمكن إجراؤه ههنا فيحمل كل من النصوص الواردة في الصلاة والصوم على معانيها ولا يترك ظواهرها بحسب ملاحظة ما ورد في غيرها مع أن الانبلاج ليس نصًا في أول البدو فيحتمل أن يراد به الظهور كالتبين ومثله البروق نعم (٢) قوله وحرم الطعام يفسر الوارد في الصوم أن المراد بالتبين ثمة ليس هو الظهور بل التبين ههنا بمعنى أول انشقاق الفجر وذلك لأنهم مجمعون بأسرهم أن وقت صلاة الفجر لا يتوقف دخوله على الظهور فوجب حمل التبين في آية الصوم عليه لقوله ﷺ المذكور.
[وصلى الظهر المرة الثانية] حين كان ظل كل شيء مثله يعني به مع فتى الزوال وقوله لوقت العصر بالأمس يعني به قريبًا منه لأعينه قال الأستاذ أدام الله علوه ومجده وأفاض على العالمين بره ورفده قوله صلى يستعمل كأكثر الأفعال للشروع في الفعل وللفراغ منه فقوله صلى في أحد الوقتين للفراغ من الصلاة، وفي الثاني للشروع فيها فصار المعنى أنه ﷺ فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني وقت شروعه
стр. 192
في العصر في اليوم الأول ولا يخفى لطفه ولله الحمد (١).
[ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه] هذا يشير إلى أن الوقت المستحب للعصر إنما ينتهي إلى بلوغ الظل إلى المثلين ولا يخفى أنه ليس في شيء من المواقيت كراهة في الاول ففيه دلالة على أن الوقت المستحب لصلاة العصر يبتدئ بعد المثل إلى المثلين وهذا يؤيد مذهب المثل (٢) في صلاة الظهر فأفهم.
[ثم صلى المغرب لوقت الأول] هذا تنبيه (٣) على أن المستحب من وقت
стр. 193
المغرب غير موسع وإلا لصلاهما في اليومين في الوقتين.
[ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل] فعلم منه بقاء وقتها المستحب إليه وهو المذهب عندنا].
[ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض] هذا تعيين لوقته المستحب وللشافعية أن يقولوا هذا انتهاء له فلا يستلزم عدم استحباب الأول وأيًا ما كان ففيه دلالة على أنه مستحب أيضًا فيترجح الأسفار بعده لما فيه من تكشير الجماعة الموجبة لكثرة الفضل.
[هذا وقت الأنبياء من قبلك] الظاهر منه وجوب الصلوات الخمس على الأمم السابقة مع أن في بعض الروايات تصريحًا باختصاص هذه الأمة بصلاة العشاء والجواب أن الاختصاص بالنسبة إلى الأمم دون الأنبياء فالأنبياء كانوا مأمورين (١) بالصلوات الخمس دون أممهم أو الإشارة واردة (٢) على اعتبار أكثرها دون جملتها والمعنى أن أوقات الأنبياء في جملة ما بيناه لك ولا يتوقف صدقه على أن يكون كل ما بين له ﷺ من الأوقات وقتًا لمن قبله نعم يتوقف صدقه على أن لا يتجاوز وقت الأنبياء عما وقته له ﷺ .
ومعنى [قوله والوقت فيما بين هذين] أن الوقت المستحب فيما بين هذين والذي ينبغي أن يعلم أن التجديد بحسب الاستحباب إنما هو في الجانب الآخر لا الأول
стр. 194
إذ ليس قبل تلك الأوقات التي ذكرت وقت لا ناقص ولا كامل حتى ينبغي الاستحباب وإنما المنفى فيه أصل الوقت وفيما بين هذين الإشارة واقعة على أول آن الشروع في اليوم الأول وآخر آن الفراغ في اليوم الثاني وليست إلى الوقت الذي صلى فيه أولاً والذي صلى فيه ثانيًا فلا يرد أن هذا يستلزم أن لا يكون الوقت الذي صلى فيه في اليومين معدودًا في الوقت وذلك لأنه غير داخل فيما بين هذين لأنه عين هذين وأجيب عنه بأن دخول هذين الوقتين فيه وإن لم يصح بلفظة ما بين إلا أنه معلوم بالضرورة إذ لو لم يكن الوقتان داخلين في الوقت المعتبر لما صلى معه ﷺ فيهما.
[وحديث جابر في المواقيت قد رواه إلخ] يعني أن مشهور (١) على اصطلاح المحدثين لكثرة من رواه عن جابر.
[إن للصلاة أولاً وآخرًا] إما أن يحمل (٢) على إطلاقه ثم بيان أول الوقت
стр. 195
وآخره لكونه من جملته كما أن التحريمة والتسليمة من جملة ذلك أو يخص بالوقت إما على حذف المضاف إلى بإرادة السبب بإطلاق المسبب أو إرادة المحل باللفظ الموضوع للحال إلى غير ذلك من العلائق.
[حين تزول الشمس] هذا إشارة إلى أن التشبيه بالشراك حيث وقع في الرواية المتقدمة خارج مخرج العادة وبيان لأدنى مقادير الفتى وإلا فالمعتبر زوال الشمس لا غير فأفهم.
[وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر إلخ] وهذا يحتمل أن يكون متروكًا من أحد الرواة أو يكون النبي ﷺ ترك ذكره لما علم أن الحاضرين قد علموه وتحققوه حق العلم].
[وأن آخر وقتها حين تصفر الشمس] يجب حمل الوقت ههنا على الوقت المستحب (١) أيضًا أعم من أن يبقى بعده وقت مكروه كما في العصر أو لا يبقى كباقي الأوقات سوى وقت العشاء فإن الوقت فيها باق بعد نصف الليل ولا كراهة فيه أيضًا إلا أن التأخير إلى ما بعد الانتصاف لما كان مكروهًا سببًا للفوات بحسب العادة الأكثرية أورده على هذا المنوال فأفهم ثم لا يخفى عليك أنه يلزم على مقتضى هذا الحديث استحباب الوقت الذي فهم من الحديث المار كراهته كالعشاء بعد الثلث إلى الانتصاف والعصر بعد المثلين إلى حين الاصفرار وغاية ما يجاب عنه أن المستحب منه ما هو غاية في الاستحباب ومنه ما هو دونه إلى أن يكون بعض الأوقات المستحبة غاية في الدنو حتى إنه لا يتصور دون استحباب فالأول محمول على أعلى مراتبه، والثاني على أدناها فلا إشكال ولا معارضة فيهما ويمكن أيضًا أن يقال في روايتي الثلث والنصف أن المراد في حديث النصف، الليل الشرعي من الغروب إلى طلوع الفجر، وفي حديث الثلث، الليل العرفي وهو منه إلى طلوع الشمس فلا يجب
стр. 196
أن يكون بينهما بون بعيد ومقتضى الروايتين متقارب أو المراد في حديث الثلث آن الشروع وفي حديث النصف آن الفراغ فتتفق الروايتان والله أعلم (١).
[فأقم معنا إن شاء الله] تعالى أمره بالإقامة لأن العلم بأوقات الصلاة الحاصل بالصلاة معه أصح وأوضح من الحاصل بيانه ﷺ ولا يخفى الاهتمام بشأن الصلاة لكونها أحد أركان الإسلام ولعل الرجل كان رسول قومه فخيف لو اكتفى على مجرد البيان بالكلام التباس الأمر عليهم بتغيير بعض الألفاظ أو في فمهم المراد بها فيقع بذلك ضرر عظيم.
[حاجب الشمس] طرفها الأعلى وذلك لأنها لا يبقى بعد غروب أكثرها إلا على صورة الحاجب.
[قوله فأخر المغرب إلى قبيل] غروب الشفق لئلا يقع آخر أجزاء الصلاة خارجًا عن وقتها.
[كما بين] تلك الكاف زائدة.
ثم اعلم أن الإمام وصاحبيه اختلفا في آخر وقت الظهر ما هو فآخر وقتها عند الإمام إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فتى الزوال وقال صاحباه إذا صار مثله سواه والذي بعد المثل وقت العصر عندهما وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه
стр. 197
الله تعالى أيضًا وما روى (١) أن ما بعد المثل إلى المثلين وقت مهمل ليس بشيء من الصلاتين فغير معتبر بها ولا هي مشهورة عن الإمام ولا تساعدها رواية ولا دراية فلا ينبغي أن يتكل عليه نعم الأحوط الفراغ من الظهر قبل انقضاء المثل والاشتغال بالعصر بعد انقضاء المثلين مع الاعتقاد بأن هذا إما وقت العصر كما هو رأي الثاني والثالث أو وقت الظهر كما هو رأي الأول والمشهور عن الإمام رواية المثلين في آخر وقت الظهر والوجه في اشتهارها عنه وقوعها في المتون فإن أكثرها من تصانيف أهل خراسان وهم قد اعتمدوا عليها فأورودا في المتون ورواية المتون مقدمة كما تقرر إلا أن الدليل يرجحهما (٢) وقد رجحه في البحر والفتح وما استدل به على رواية المثلين لا يخلو شيء منها (٣) عن شيء فمن جملته ما في الهداية وغيرها
стр. 198
من أن بلالاً أذن فأراد أن يقيم فقال له النبي ﷺ أبرد وله ألفاظ أخر منها أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم والإبراد في ديارهم إذ ذاك لا قبله وأنت تعلم ما فيه فإنها دعوى غير مستظهرة (١) بالدليل مع أن الإبراد شيء إضافي لا يمكن أن ينكر حصوله بعد زوال الشمس بقليل نعم لا يحس بهذه الإبراد ولإحاطة الحر لأكناف الأرض وجوانبها فلا يحس الإبراد المعتد به إلا قبيل الغروب ولم يذهب إليه أحد وأما الإبراد الحاصل بالنظر إلى نفس حرارة جرم الشمس فهو حاصل وما يقال إن أوقات إمامة جبرئيل نسخت بفعله ﵊ في المدينة فأمر دون إثباته خرط القتاد (٢) إذ لا بد للنسخ من حجة يعتمد عليها واستدل على صحة رواية المثلين أيضًا بما رواه مالك في موطأه من أن رجلاً سأل أبا هريرة عن وقت الظهر والعصر فقال صل الظهر إذا كان ظلك مثلك والعصر إذا كان ظلك مثليك فإنه صريح في أن وقت العصر إنما يبتدئ بعد المثلين وأن وقت الظهر باق بعد المثل لأنه لما أمره بالصلاة عند صيرورة الظل مثله يلزم منه أن يفرغ منها بعده ولو بقليل ولا يخفى ما فيه إذ المطلوب أن أبا هريرة إنما أمره بأمر فصل لا يفتقر معه إلى السؤال عن وقت الصلاة بعد ذلك في فصول السنة كلها فإنه إذا أخذ في الصلاة وظله مثله مع فتى الزوال فإن كان صيفًا يحصل الامتثال بأمر الإبراد ويقع الفراغ
стр. 199
إذا صار ظله مثله سوى فتى الزوال وإن كان شتاء ففتى الزوال حينئذ قريب من المتل فيقع صلاته في أول وقت الظهر فلم يثبت (١) به المدعي، والحاصل أن الاستدلال بتلك الرواية متوقف على إثبات أن المراد بالمثل فيها سوى الفتى الأصلي ولا يثبت فلا يتمشى حجة. ومن متمسكاتهم في هذا الباب ما رواه أكثر أصحاب الحديث من رواية تمثيل أجر هذه الأمة بمن استعمل أجيرًا من الفجر إلى الظهر ثم آخر منها إلى العصر ثم آخر منها إلى الغروب والأولان اليهود والنصارى، والثالث أمة محمد ﷺ فقال الأولان حين رأوا كثرة عطاءهم مع قلة عملهم مالنا أقل عطاء وأكثر عملاً فهذا يدل على أن وقت العصر أقل من وقت الظهر وإلا لم يصح التمثيل والقلة في وقت العصر لا تستبين إلا إذا ابتدئ بعد المثلين وفيه أن زيادة وقت الظهر على وقت العصر لازمة على كل حال (٢) كما يظهر بالتفحص
стр. 200
عن ذلك غاية ما في الباب أن القلة على تقدير المثل كثيرة وعلى تقدير المثلين قليلة وصحة التشبيه تتوقف على نفس القلة والكثرة دون مقدارها مع أن للكلام فيه مجالاً بعد وهو (١) أن يقال المراد بالصلاة فيهما ليس هو الوقت الأصلي إنما المراد إجارته إياه من حين يصلي القوم العصر بجماعة وهو أوسط وقتها المستحب لاستحباب تأخيرها فلا يضر زيادة وقت العصر على وقت الظهر لتوقف صحة التشبيه على تفاوت وقتيهما بعد أداء المفروضة فأفهم فالتحقيق الذي ارتضاه المحققون أن الصحيح من المذهب هو العمل برواية المثل في الظهر ويدخل بعده وقت العصر ومع ذلك فالأولى أن يفرغ من الظهر قبل انقضاء المثل سوى فتى الزوال ويدخل في صلاة العصر بعد المثلين لئلا يكون صلاته مختلفًا فيها لكن التشدد في ذلك مما لا ينبغي أيضًا فإياك وأن تجادل مع المخالفين لذلك الذي عينا وإياك وأن تظن قطعية العمل بالذي بينا والله ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق إنه الميسر للصعاب وإليه الموئل في كل باب والله الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل.
[قوله باب التغليس بالفجر]
هذا بيان لما أجمله من الوقت المستحب وإشارة إلى ما فعله النبي ﷺ وأمر به من بين ذلك فقال باب التغليس بالفجر، اعلم أن مذهب الشافعي (٢) أن الأحب هو التغليس وذهب في ذلك إلى ما روى أن النبي
стр. 201
صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر أنهم كانوا يصلون بغلس، ولنا ما روى أن النبي ﷺ كان يصلي أحيانًا كذا وأحيانًا كذا فلا يدري أي فعليه كان للاستحباب وأي فعليه كان لعارض فرجعنا إلى أنه هل بين لأحدهما أجرًا ومحمدة، أم كلاهما حسن فرأينا قوله أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر يشفي علتنا ويسقي غلتنا فعلمنا أن المرضى المحبوب عنده الموجب للأجر هو التنوير مع أن فيه تكثير الجماعة فكان هو الأولى وما فعله كان بعارض منه (١) وجود النسوة في الجماعات ولما كان الأسفار مبني للأجر وسببًا له فكلما كان الأسفار أكثر كان الأجر أوفر وقد وقع مثل ذلك في رواية أيضًا، وأما الجواب عما أورده من حديث التغليس فيمكن أيضًا بأن المراد بالتغليس ههنا إنما هو ظلمة داخل المسجد إذا كانت له درجات فالمراد أن النساء كن لا يعرفن من ظلمة المسجد إذ لا يجوز إرادة غير ذلك لأن من المستبعد الغير المسلم أن بعد الصلاة التي رويت عن النبي ﷺ في الفجر بحيث يقرأ فيها ستون آية أو خمسون في كل ركعة تبقى الظلمة مع أن (٢) الأذان وسنة الفجر بعد طلوع الفجر وكذلك كان يسبح بعد قضاء فريضة الفجر ويكبر ويحمد على ما نقل عنه فكيف يتصور بعد كل ذلك بقاء الظلمة في الفضاء حتى لا تعرف النساء في غير البيت من وضع الشخص وطول القامة وغير ذلك من القرائن إذ الوجوه كانت مستورة فلا مصير إلا إلى ما قلنا وقال هؤلاء معناه أن يضح الفجر فلا يشك فيه وأنت تعلم ما فيه من البعد فإن
стр. 202
الوقت ما لم يتيقن به لم يصح الصلاة أصلاً فكيف بعظم الأجر.
[باب ما جاء في تعجيل الظهر]
الجواب عنه مثل ما مر فإن فعله ﷺ يؤيد كلاً الوقتين فإن من الأخبار ما يشير إلى أن النبي ﷺ كان يصلي الظهر في أول وقته، ومنها ما يشير إلى غير ذلك فرأينا قوله ﷺ أبردوا (١) في الظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم) يستثنى ظهر الصيف مطلقًا فقلنا باستحباب تعجيل صلاة الظهر في جميع الأزمان إلا وقتًا استثناه النبي ﷺ وهو وقت شدة الحر أو يقال لم نتعرض بفعله لاحتمال أن يكون ذلك العارض وعملنا على الذي أمرنا بالامتثال به.
[من سأل الناس وله ما يغنيه] هذا القدر ليس فيه بأس وإنما هو فيما بينه في تفصيل مقدار ما يغنيه فبينه حكيم بن جبير بخمسين درهمًا وليس هذا القدر من المال فاضلاً من قوت يومه لمن كثر عياله فيكون بالمال هو المروي في غير هذه الرواية إلا أن هذا منظور فيه إلى بعض الأفراد بخلاف ما اشتهر فتكلموا فيه من أجل ذلك لكن الصحيح أنه متابع في ذلك فلذلك تراهم لم يروا بحديثه بأسًا وإلى هذا أشار الترمذي بقوله حديث حسن إذ لو كان اعتبر كلام القوم في حكيم
стр. 203
ابن جبير لم يحسن الرواية فكأنه لم ير تضعيف شعبة شيئًا يعتد به.
[قال محمد وقد روى عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير] كما روى (١) عن حكيم بن جبير عن إبراهيم.
[قوله فإن شدة الحر من فيح جهنم (٢)] هذا وإن كان مما يستشكل الظاهر لكنه ليس مما يستبعد إذ كما أنا نرى في عالم المحسوسات من الأشياء ما لا يدرك إلا بعد تدقيق النظر كذلك ههنا يمكن أن يجعل الله تعالى بين الشمس والنار التي في جهنم تعلقًا يبلغ به حره إليها والأمر حينئذ لا يبنى إلا على بعد الشمس وقربها من الديار وأما إذا لم توجد العلة في يوم أو في بلد فهل يستحب تأخيره للصلاة فالمسألة مختلفة فيها فمن بنى الأمر على العلة لم يقل بالتأخير حينئذ ومن عمم (٣) الحكم قال به.
[قوله والشمس في حجرتها لم يظهر الفتى من حجرتها] أي من صحن دارها أراد (٤) بذلك تعجيل صلاة العصر جدًا فإن الصحن لم يكن طويلاً قلنا فالجدران
стр. 204
كذلك فلا يثبت المرام، وصورة المسجد والحجرة مع صحتها أن قبلة المدينة إلى الجنوب فالشرق شمالهم والغرب يمينهم ويجنب المسجد إلى جانب الشرق باب دار عائشة التي سماها حجرة فهذا الصحن هو الذي سماه في الحديث حجرة عائشة فتفكر.
[قوله إنه] أي العلاء.
[دخل على أنس بن مالك] وقد كان كبر فلا يخرج من بينه وكان يصلي فيه بجميع أهل بيته.
[في داره بالبصرة] أي دار أنس.
[حين أنصرف] أي العلاء من المسجد بعد الفراغ من الظهر.
[وداره] أي دار أنس بجنب المسجد والظاهر أن أهل المسجد كانوا صلوا (١) الظهر في آخر وقتها بعد تمام الإبراد فإن العلاء بعد أداء الفريضة لعله اشتغل بشيء من السنن والأذكار أو بالنوافل ومع ذلك فليس فيه تصريح أن أنسًا إنما صلى بفور دخول علاء عليه بل الظاهر من دأب الزيادة أنه قال ذلك بعد
стр. 205
ما جلس يسيرًا وتحدث معه فلا يتوهم وقوع الصلاتين في وقت واحد.
[فقال قوموا فصلوا] هذا لأنهم ضلوا العصر على أول وقتها وفعل أنس وإن كان يدل على أفضلية الوقت الأول إلا أن الدليل الذي بينه بقوله تلك صلاة المنافق إلخ إنما يدل على كراهية التأخير الذي يؤدي إلى الاصفرار ولم نقل بذلك والجواب عما ورد في ذلك أن الروايات مختلفة فصرنا إلى كثرة الثواب فيم يحصل فرأينا أن النوافل لا يجوز بعد صلاة العصر ففي تقديم العصر وتعجيلها تقليل النوافل وبعد العصر كانوا لا يشتغلون إلا بالأعمال الدنيوية من البيع والشراء وغير ذلك ففيه أيضًا تكثير الوقت الذي يكون ضائعًا فقلنا بتأخيرها.
[قوله حتى قال بعض أهل العلم ليس لصلاة المغرب إلا وقت واحد] أي الوقت المستحب الذي تصير الصلاة بعده مكروهة وأما من لم يقل بذلك فقال إن تأخيره ذلك مكروه، وأما الصلاة فغير مكروهة إذ لا كراهة في الوقت.
[أنا أعلم] قد يظن الرجل إذا علم واجتهد في التفتيش بشيء والناس لم يبحثوا عنه في أعلم الناس لما أنه كان تعاهد ذلك ما لم يتعاهدوا.
[لأمرتهم] أمر إيجاب بدعاء ذلك من الله تعالى فلا يرد (١) أن النبي ﵇ إنما كان مأمورًا ومقتديًا فكيف يوجب ويعين الوقت.
[ثلث الليل ونصفه] إما تقريبي أو الابتداء بعد الثلث يستلزم الانتهاء إلى النصف.
[النوم قبل العشاء يكره] لمن يظن فوات الجماعة وأما من لا فلا.
[باب الرخصة في السمر بعد العشاء]
.
стр. 206
[قوله لا سمر إلا لمصل] من كان يصلي فإذا وجد النعاس تحدث بسميره فيذهب عنه ما يجد.
[أو لمسافر] يرجو بالمسامرة قطع مسافته فهذا يدل على أن النهي عن السمر ليست بحتم وإنما هو إذا لم يحتج إليه.
[باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل]
لا يرد بهذا ما يرد على الأحناف من قولهم بتأخير الفجر والعصر والظهر في الصيف وعلى الكل بتأخير العشاء لما أن المراد بالأول أول وقت المستحب إذ المقابلة بالآخر يستلزم نفي ما أريد منها وهو وقت الكراهة إذ العفو الذي هو جزاء الصلاة في آخر الوقت لا يكون إلا على ما استلزم (١) كراهة فتدبر.
[قوله أي الأعمال أفضل] اختلف أجوبة النبي ﵇ عن هذا السؤال لاختلاف السائلين والأزمنة والأمكنة فأجاب كلاً بما كان أنسب له أو المراد الفضيلة بالجهات المختلفة.
[قوله الجنازة إذا حضرت] أي في غير الأوقات المكروهة (٢) وهذا إذا أريد بحضورها للصلاة وأما إن أريد الدفن فلا تخصيص عند الجمهور.
[قوله واضطربوا في هذا الحديث] فقال الفضل بن موسى عن عبد الله العمري عن القاسم عن عمته أم فروة وقال وكيع عن القاسم عن بعض أمهاته عن أم فروة، وقال بعضهم عن جدته الدنيا عن أم فروة وقال يعقوب المدني عن عبد
стр. 207
الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر وقال بعضهم غير ذلك خرجه (١) الدارقطني.
[قوله لوقتها الآخر مرتين] أي اختيارًا (٢) منه ﷺ فلا يرد ما صلى خلف جبرئيل ﵇ وما فات منه يوم الخندق وغيره أو المعنى أنه لم يصل مرتين اختيارًا منه ﷺ بل مرة وهو ما إذا صلى لتعليم السائل الذي ذكره الترمذي وغيره، وأما ما صلى مع جبرئيل ﵇ فكان خارجًا من ذلك لأنه لم يك اختيارًا منه أو يقال ليس المراد نفي مرتين وإثبات مرة بل المقصود المبالغة في عدم وقوع ذلك منه ﷺ فلا يحتاج إلى الجواب عما يثبت به ذلك أحيانًا منه ﷺ .
[قوله فإن صليت لوقتها] بالبناء للمجهول كانت هذه [لك نافلة] أي التي صليت مع الإمام وإلا يلزم انتشار الضمائر وهو خلاف الظاهر.
[قوله وإلا كنت قد أحرزت صلاتك] لما كان نفى الشق الأول وهو أن يصلي الإمام في الوقت المستحب يشمل القسمين أن يصلي الإمام في وقت مكروه أو في غير وقت مطلقًا وعلى كل تقدير فالذي يصلي من قبل إما أن يصلي معهم أولاً رتب النبي ﷺ على قوله و ((إلا)) جزاء (٣) يترتب على كل من الاحتمالات الأربع
стр. 208
وهو إحراز صلاته سواء حصل بشموله معهم في صلاتهم نصيبًا أو لا.
[باب ما جاء في النوم عن الصلاة]
هذا الباب معقود لبيان النوم وذكر النسيان إنما وقع تبعًا واستطرادًا بخلاف الباب الآتي إذ الأمر فيه بالعكس ولا يخفى عليك الفرق بين السهو المذكور في الباب الذي تقدم وبين النسيان المذكور في هذا الباب إذ المراد بالسهو ما يلزمه من الغفلة وقلة المبالات والاهتمام بأمر الصلاة لاشتغاله بالأمور الدنيوية وعدم احتياطه فكان التفريط جاء من جانبه فجوزي على فعله وأما في النوم والنسيان فإن كان خسرانه أظهر أن يبين إلا أنه غير مفرط في ذلك، هذا ولا يبعد أن يقال (١) المراد بهما واحد والفرق أن الباب الأول معقود لبيان مقدار الخسارة التي وقعت عليه والثاني لبيان تدارك ما فاته حتى الإمكان والمقدرة.
[وقال بعضهم: لا يصلي حتى تطلع الشمس أو تغرب] هؤلاء القائلون غير الأحناف إذ الأحناف لم يقولوا أن لا يصلي عصر يومه حتى تغرب بل قالوا يشرع في الصلاة وإن أخذت الشمس في الغروب أو نسبه إليهم لما لم يعلم بتفريقهم فيهما.
[وأما أصحابنا فذهبوا إلى قول علي بن أبي طالب] ﵁ وهو أن يصليهما متى ذكرها في وقت أو في غير وقت إجراء للعام على عمومته وهو قوله ﷺ إذا ذكرها فإن ذلك وقتها فإن لفظة إذًا لعموم (٢) الأزمان وأنت تعلم أن الشافعية
стр. 209
تركوا هنا قولهم الذي كان من أصولهم وهو أنه ما من عام إلا وخص منه البعض أو لم يعملوا به هنا أيضًا أو لم تر أن قوله ﷺ .
[فليصلها إذا ذكرها] نص في أداء الصلاة ظاهر في بيان الوقت ونهيه عن الصلاة في الأوقات المكروهة نص في بيان الوقت الذي يحترز عن الصلاة فيه فكيف يعارض به فلذلك قدمنا حديث النهي على حديث الأمر أو يقال هذا عام خص عنه الوقت المكروه بحديث آخر كما أشرنا إليه آنفًا وسيجيئ بعض بيانه أيضًا فيما يأتي.
[شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات] فيه تغليب فإنهم لما شغلوا عن الثلاثة وفي أدائها تأخرت صلاة العشاء أيضًا عن وقتها المعهود فكأنهم شغلوا عن الأربع وهذا هو أصل (١) في ثبوت الترتيب في الفوائت ما بينها وغيرها لصاحب الترتيب.
стр. 210
[قوله إلا أن أبا عبيدة] فعلم أن من المنقطع ما يبلغ درجة الحسن إذا كانوا تلقوه بالقبول.
[قوله ما كدت أصلي العصر حتى تغرب الشمس] أي ما كنت أظن أتى أصلي العصر قبل غروب الشمس وإن كنت أتوهم ذلك، والحاصل أن استعمال كاد لما كان حيث يترصد وقوع الفعل فالمعنى أني لم أكن أتيقن أن أصلي الصلاة وإن كان ذلك يتوهم أيضًا (أي أنه لكنا تهاكه نماز بزهونكا مين قبل إذ غروب).
[قوله والله إن صليتها] كلمة إن نافية وهذا تسلية منه ﷺ لعمر أن هون بعض ما تجد من ذلك فإني أيضًا ما فرغت حتى أصلي ولم يكن عمر يعلم أن النبي ﷺ لم يصل لما كان لكل عن غيره شغل ووقعة غزوة الخندق قد كانت بقيت أيامًا (١) ففات يومًا أربع من الصلوات كما ذكر وفات يومًا صلاة العصر فقط،
стр. 211
واعلم أن هذا والذي روى من حديث التعريس يؤيد ما قلنا من أنه ليس عليه أن يصلي في وقت الطلوع وأن المراد بقوله ﷺ إذا ذكرها إذا لم يكن الوقت مكروهًا وإلا لم يؤخرها فعلم أن لفظة إذا في إذا ذكرها ليست للمفاجأة والفور (١).
[باب ما جاء في الصلاة الوسطى أنها العصر]
.
[قوله وقد سمع عنه] وذلك أنه خرج من المدينة وهو ابن خمس عشرة سنة ولا ينكر لقاؤه بكثير من الصحابة لأن إقامته بمدينة إنما كانت أيام (٢) خلافة علي وقد كان فيها إذًا من الصحابة غير قليل فتحمل روايته عن علي وغيره على الاتصال وإنما كان يعنعن لأنه كان زمان خلافة معاوية وأتباعه فخاف في روايته (٣)
стр. 212
عن علي وقوع فتنة فعنعن يرى بذلك أنه لم يأخذ عنه وإذا جعل دأبه ذلك فيه جعل في غيره كذلك لئلا يظهر المراد وأما روايته عن سمرة فهي مما لا يتطرق فيه احتمال أن يكون بينهما أحد فإن إمكان اللقاء بين الراويين يوجب حمل عنعنة عنه على الاتصال عند مسلم ومن دان دينه وزاد البخاري ومن حذى حذوة ثبوت اللقاء في وقت من الأوقات وإذا ثبت اللقاء بينهما مرة حمل كل الروايات المعنعنة له عنه على أنه سمعه منه من غير وسط وعلى كل من المذهبين فسماع الحسن عن سمرة ثابت لأنه صرح بسماعه منه في حديث عقيقة كما بينه المؤلف فتحمل الروايات جمعاء على التشافه ثم إن الاختلاف في الصلاة الوسطى ظاهر من المذاهب التي بينها المؤلف ولكل منها وجه فوجب المحافظة على الصلوات الخمس ليكون آتيًا بالمأمور به على جهة اليقين ولعل النكتة في إخفائها هو ذلك ولا يبعد (١) أن يقال كل منها وسطى فبعضها من الوسط بمعنى التوسط وبعضها من الوسط بمعنى الخير العدل ويجتمع السببان في بعضها معًا وفيها مذاهب (٢) كثيرة وراء ما ذكره المؤلف ههنا والأكثر على أن المراد بها صلاة ال عصر لتنصيص الروايات على ذلك ولمن ذهب إلى أنها غيرها الاعتذار بأن المقصود في الآية غير المعنية في الرواية وهذا لا يرد. والله تعالى أعلم.
стр. 213
[قوله فيه بهذا الحديث] المراد بهذا الحديث (١)
[قوله أخبرنا منصور وهو ابن زاذان) الفرق (٢) بين قوله هذا وبين قوله منصور بن زاذان هو أن الأول إذا لم يقبل أستاذه إلا لفظ أخبرنا منصور والتلميذ أراد أن ينبه على أنه أي المناصير، وأما قوله منصور بن زاذان فإنما يقال إذا كان هذا من لفظ الأستاذ لا غير.
[باب الصلاة بعد العصر]
.
[قوله قال إنما صلى رسول الله ﷺ الركعتين بعد العصر] هذا اعتذار منه وسببه أن ابن عباس كان يضرب الناس مع عمر على الصلاة بعد العصر فلما قيل لابن عباس أن النبي ﵇ صلى بعد العصر بين أن صلاته تلك ليست بمقيسة عليها وهذا هو الجواب عنا في ذلك فإنه كان إما من خصوصياته ﷺ أو كان واجبًا عليه فلم يك من قبيل التنقل بعد العصر بل من قبيل قضاء الفوائت ونحن لم نمنعه بل هو مؤيد لما ذهبنا إليه في ذلك.
[قوله روى غير واحد عن النبي ﷺ أنه صلى بعد العصر ركعتين] وليس ذلك بمخالف لحديث ابن عباس الذي قدمنا فإن ذلك لا يقتضي دوام النبي ﷺ على ذلك فإن المصحح لثبوت صلى وصدقه إنما هو الصلاة مرة واحدة وأما قول عائشة فيها أن النبي ﵇ ما دخل عليها بعد العصر إلا صلى ركعتين فالجواب عنه (٣).
стр. 214
[قوله هذا خلاف ما روى عنه أنه نهى عن الصلاة بعد العصر] وأنت تعلم أنه لا يخالفه إذا النهي للأمة لا يقتضي النهي له ولعل الوجه في ذلك أن النهي عن الصلاة بعد العصر إنما وجهه التشبه بعابدي الشمس وذلك إنما هو وقت الغروب بعينه لا قبله لكن النهي عن الصلاة بعد العصر مطلقًا سواء كان وقت الغروب أو قبله فإنما ذلك لئلا يفضي شروعه في الصلاة بعد العصر إلى انتهاء الصلاة وقت عين الغروب وأما النبي ﵊ فمع قطع النظر عن تنزهه عن توسخ التشبه كان يعلم وقت الغروب فلم يكن شروعه في الصلاة بعد العصر مفضيًا إلى وقوعها في عين وقت الغروب ومما يدل على كون ذلك مختصًا به ﷺ أنه صلاها في البيت ولولا أنه أراد أن لا يقتدوا به فيهما لصلاهما جهرة وعيانًا.
[قوله فقد روى عن النبي ﷺ رخصة (١) في ذلك] وهو ما أورده
стр. 215
في كتاب الحج أن النبي ﷺ قال يا عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل ونهار وأنت تعلم أن القصد بذلك النهي عن سد أبواب دورهم التي كانت في المطاف وحوالي البيت لا إجازة الصلاة في أي وقت كان فلا يعارض ما سبق النهي عنها وسيجيئ بعض الكلام عليه في الباب (١) الذي أورد الرواة فيه.
[باب ما جاء في الصلاة قبل المغرب]
هذا (٢) مما اختلف فيه علماؤنا