Полный текст (1 886 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
العام على عمومه القطعي ما لم تقم قرينة خصوص، وأن تأويل كلام ظاهره الكفر والمعصية واجب وإن قصد به المتكلم خلافه، فما اشتهر (١) بين العلماء أن الكلام يحمل على تأويل صحيح إن أمكن وإن كان له تسعة وتسعون تأويلاً مؤثمة. قوله: [ممن استثنى الله] أي بقوله: «إلا من شاء الله» وهذه الصعقة غير الصعقة التي قبل الحشر، فإن النفخات (٢) متعددة: نفختان وقت قيام القائمة، الحواشي
(١) )) الظاهر بدله (كما اشتهر) لئلا يحتاج إلى تقدير عباره، وللحذف مساغ.(٢) )) وبذلك جزم ابن حزم إذ قال: إن النفخات يوم القيامة أربع: الأولى نفخة إماتة فيها من بقى حياً في الأرض، والثانية نفخة إحياء يقوم بها كل ميت وينشرون من القبور، والثالثة نفخة فزع وصعق يفيقون منها كالمغشى عليه لا يموت منها أحد، والرابعة نفخة إفاقة من هذا الغشي، هكذا حكاه الحافظ ابن حجر في الفتح، ثم تعقب كلامه فقال: وهذا الذى ذكره من كون الثنتين أربعاً لبس بواضح، بل هما نفختان فقط، ووقع التغائر في كل وحدة منهما باعتبار من يسمعها، فالأولى يموت بها كل من كان حياً ويغشى على من لم يمت استثنى الله، والثانية يعيش بها من مات ويفيق بها من غشى عليه، انتهى. قلت: وحكى صاحب البحر النفخات اثنتان، وحكى صاحب الجمل عن ابن الوردي إنها ثلاثة، وبسط أحوال الثلاثة مفصلة، وقال القاضي كما حكاه النووي: إن حديث الباب من أشكال الأحاديث لأن موسى مات فكيف تدركه الصعقة وإنما تصعق الأحياء، ثم أجاب عنه بأنه يحتمل أن هذه الصعقة صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماوات والأرض، فتنتظم حينئذ الآيات والأحاديث، انتهى.стр. 1647
أولاهما يفنى فيهما كل شيء من العرش والكرسي والجنة والنار والأرواح وغيرها، والثانية يقوم بها كل شيء، ثم بعد ذلك نفخة حين يتجلى الرب سبحانه للحساب يصعق بها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، وهذه هي التي استثنى من الصعق بها أشياء، وهذه الصعقة ليخفى عليهم تجليه سبحانه فإنهم لم يطيقوه، ثم الثانية فإذا هم قيام ينظرون، وهذه بعد التجلي، وهاتان هما المذكورتان في سورة الزمر.
قوله: [فقد كذب] لأن الأنبياء (١) كلهم سواسية في نفس النبوة، أو لأن كل نبي أياً ما كان خير من أمتي أياً ما كان.
قوله: [أورثتموها إلخ] فإن (٢) توريثهم إياها مستلزم دوامهم فيها، وهذه الحواشي
(١) )) وعلى هذا فضمير المتكلم للنبي ﷺ ، ويؤيده حديث عبد الله بن جعفر عند الطبراني بلفظ: لا ينبغي لنبي أن يقول إلخ، وعلى الثاني للعبد، قال في المجمع: لرواية لعبد، وهو على الأول قبل أن يعلم فضله، أو للزجر عن تخيل جاهل حط رتبته بقوله: إذا أبق، أو لا يقوله جاهل مجتهد في العبادة والعلم ونحوهما، فإنه لا يبلغ مبلغ نبوه يونس وإن ذكر بكونه مكظوماً وملوماً، انتهى.(٢) )) لعل المصنف ذكر الحديث في هذه السورة قوله تعالى: «وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين» وإلا فقوله تعالى: «وتلك الجنة التي أورثتموها، الآية في سورة زخرف، والأوجه أنه ذكره ها هنا لما أنه تفسير لقوله تعالى: «وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فأدخلوها خالدين» فالحديث تفسير لنداء الخزنة.стр. 1648
العوارض من أسباب الموت، فإذا انتفى الموت دواعيها، ثم قوله: «بما كنتم تعملون» موهم سببية الأعمال لدخول الجنة مع أن المناط هو الفضل (١) كما هو الحواشي
(١) )) كما صرحت بذلك الروايات الكثيرة: منها ما أخرجه البخاري برواية أبى هريرة قال: قال ﷺ : لن ينجى أحداً منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتعمدني الله برحمته، الحديث.
وبرواية عائشة مرفوعاً بلفظ: لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وفي رواية عنها بلفظ: فإنه لا يدخل أحداً الجنة عمله، قالو: ولا أنت يا رسول الله؟ الحديث.
قال ابن بطال في الجمع بين الحديث والآية ما محصله: أن تحمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها، ثم أورد على الجواب قوله تعالى: «أدخلوها بما كنتم تعملون» فصرح بأن دخول الجنة أيضاً بالأعمال، وأجاب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث، والتقدير: أدخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وقال ابن الجوزي: له أربعة أجوبة: الأول أن التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمة الله ما حصل الأيمان ولا الطاعة، الثاني أن منافع العبد لسيده فعمله مستحق لمولاه، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله، الثالث، دخول الجنة بالرحمة واقتسام الدرجات بالأعمال، الرابع أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير والثواب لا ينفد، فالأنعام الذى لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل لا بمقابلة الأعمال، وقال الكرماني: الباء في قوله تعالى: «بما كنتم تعملون» ليست للسببية، بل للإلصاق أو المصاحبة أو المقابلة نحو أعطيت الشاة بدرهم، وبهذا الأخير جزم الشيخ جمال الدين في المغنى، وسبقه إلى ذلك الشيخ ابن القيم، إلى آخر ما بسطه الحافظ في الفتح.стр. 1649
مسلم عند الجماعات ومصرح في الروايات، والجواب أن إعطاء أمثال هذه النعم الجليلة على تلك التكاليف القليلة ومنة، ثم إن التوفيق بكسبها والأقدار على تحصيلها مكرمة ورحمة، ثم إن قبولها مع ما فيها من النقص وشوائب الرياء وتقصير في الإتيان على حسبها عطوفة وشفقة، ففي كل ذلك وإن كانت الطاعات سبباً ظاهرياً إلا أن الأمر حقيقة إلى المنة والفضل.
قوله: [فأين الناس يومئذ] ليس بمربوط بما سبق من كون الأرض (١) قبضته والسماوات مطويات بيمينه، بل هو مرتبط بما لم يذكره (٢) الراوي ها هنا، أي جرى بيت يديه ﷺ ذكر حتى أن سألته، ولعلها سألت حسب ما سألت فيما سبق (٣) عند قوله ﷺ قولاً يتعلق بتبديل الأرض الحواشي
(١) )) ولعل ذلك لما أن السماوات والأرض كلها إذا صارت مقبوضة ومطوية بيمينه عز اسمه فأي مانع من أن يكون الناس أيضاً هناك، فلأوجه لأشكال عائشة، لكن الروايات بأسرها مقتصرة علي هذا المعنى، فتأمل. والقصة التي أشار إليها الترمذي لعلها هي التي ذكرها الحاكم من سعة جهنم.(٢) )) ورأيت في بعض تقارير القطب الكنكوهي أن منشأ سؤالها ما ورد في بعض الروايات أن تكون الأرض خبزة واحدة نزلاً لأهل الجنة، فلعلها ظنت أنها تخبز قبل دخولها الجنة إذ يأكلونها في أول دخولهم، فسألت أينما يكون الناس إذ تخبز.(٣) )) إشارة إلى ما سبق في تفسير سورة إبراهيم عن مسروق، قال: تلت عائشة هذه الآية «يوم تبدل الأرض غير الأرض» قالت: يا رسول الله فأين يكون الناس؟ قال: على الصراط، ثم اختلفوا في التبديل هل هو باعتبار الذات أو الصفات، وعليه بنى الاختلاف في أرض المحشر هل هي أرض الدنيا بتبديل بعض الصفات من بسط الجبال وغيرها، أو هي أرض غيرها بتبديل الذات، بسطه الحافظ في الفتح، وقال الشيخ في إنجاح الحاجة على هامش حديث عائشة: الظاهر من التبديل ها هنا تغير الذات كما يدل عليه السؤال والجواب، انتهى. ثم قال الحافظ: الحديث أخرجه مسلم عن عائشة أنها سألت أين يكون الناس حينئذ؟ قال: على الصراط، وفي رواية الترمذي: على جسر جهنم، ولأحمد من طريق ابن عباس عن عائشة، قال: على متن جهنم، وأخرج مسلم أيضاً عن ثوبان مرفوعاً: يكونون في الظلمة دون الجسر، وجمع البيهقي بأن المراد بالجسر الصراط، وأن قوله على الصراط مجاز لكونهم يجاوزونه، لأن في حديث ثوبان زيادة يتعين المصير إليها لثبوتها، وكان ذلك عند الزجرة التي تقع عند نقلهم من أرض الدنيا إلى ارض الموقف، انتهى.стр. 1650
[سورة السجدة]
قوله: [وما كنتم تستترون الآية] أي لم يكن استتاركم (١) لخوف الحواشي
(١) )) هكذا فسر الآية صاحب المدارك إذ قال: أي إنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم، لأنكم كنتم عير عالمين بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلاً، ولكنكم إنما سترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون، انتهى. وبنحوه فسر الرازي في الكبير، وقال البيضاوي: أي كنتم تستترون عن الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفصاحة، وما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم فما استترتم عنها، وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق ألا يمر عليه حال إلا وعليه رقيب، انتهى.стр. 1651
شهادة الأعضاء عليكم لأنكم لم تستيقنوا بشهادتها، بل ولا بالبعث، بل الذي أغراكم على استتار المعاصي ظنكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون، فإنهم كانوا كالمتفقين على أنه لا يعلم أفعالهم المستترة، لأن أحدهم نفاه صريحًا، والثاني وزع (١) فكن كالنافي، والثالث أورده على الشك فكأنه وافق من نفي علمه سبحانه وتعالى عما يصفون.
[سورة الشورى]
قوله [قربى آل محمد] إنما أنكر ذلك ابن عباس لأن فيه إثباتًا لما (٢) الحواشي
(١) من التوزيع، وهو التقسيم والتفريق كما في القاموس، والمعنى: أن الثاني فصل بأنه إن يسمع الجهر يسمع الإخفاء أيضًا وإلا لا، ولفظ البخاري بسنده إلى أبي مسعود: كان رجلان من قريش وختن لهما من ثقيف، أو رجلان من ثقيف وختن لهما من قريش في بيت، فقال بعضهم لبعض: أترون أن الله يسمع حديثنا؟ قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: لأن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله، فأنزلت الآية، وذكر الحافظ الاختلاف في أسمائهم.(٢) ويوضح ذلك ما في الجمل إذ قال: في الآية ثلاثة أقوال: منها ما روى الكلبي عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة، فقالت الأنصار: إن هذا الرجل هداكم وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم فأجمعوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها فردها عليهم، ونزل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ الآية، أي إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، قال سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب، انتهى. والحديث أخرجه البخاري من طريق طاوس عن ابن عباس أنه سأل عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد ﷺ ، فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، قال الحافظ: وهذا الذي جزم به سعيد بن جبير قد جاء عنه من روايته عن ابن عباس مرفوعًا وإسناده ضعيف، وهو ساقط لمخالفته هذا الحديث الصحيح، والمعنى: إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني، والخطاب لقريش خاصة، والقربى قرابة العصوبة والرحم، فكأنه قال: احفظوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة، انتهى. ثم قال الحافظ: والحاصل أن سعيد بن جبير ومن وافقه حملوا الآية على أمر المخاطبين بأن يواددوا أقارب النبي ﷺ ، وابن عباس حملها على أن يواددوا النبي ﷺ من أجل القرابة التي بينهم وبينه، فعلى الأول الخطاب عام لجميع المكلفين، وعلى الثاني الخطاب خاص بقريش، انتهى، ثم لا يذهب عليك أن ما في النسخ الهندية من قوله: قال ابن عباس: أعلمت، تحريف من الناسخ، والصواب ما في المصرية من قوله: أعجلت، ويؤيده ما تقدم من لفظ البخاري عجلت، وهكذا بلفظ عجلت ذكره السيوطي في الدر برواية الشيخين والترمذي وغيرهم، وهكذا في جمع الفوائد برواية البخاري والترمذي.стр. 1652
المقصود نفيه وهو سؤال الأجر، لأنه إذا سألهم أن يودوا أهل قرابته كان كالمستعيض على رسالته، غايته أنه لم يأخذ بنفسه وأمر أن يعطوا أهل قرابته وآله، وليس الأمر كذلك بل المقصود أن تراعوا مالكم به من القرابة، فلا تؤذونني كما لا تؤذون إخوانكم الآخر. فكان المراد هو ذلك أن تصلوا رحمكم بي بنصرتي وترك المعاداة بي، لا ما في فهمه سعيد بن جبير من أن المطلوب صلة آل محمد.
قوله [عن بلال ابن أبي بردة] وكان غاية في النرفة والتنعم حبسه الأمير فشدد عليه (١) . الحواشي
(١) كان بلال صديق خالد بن عبد الله القسري فولاه قضاء البصرة ١٠٩ لما ولى خالد إمرتها من قبل هشام بن عبد الملك، فلم يزل قاضيًا حتى قتله يوسف ابن عمر الثقفي لما ولى الأمرة بعد خالد، وعذب خالدًا وعماله ومنهم بلال. وذلك سنة عشرين ومائة، ويقال: إنه مات في حبس يوسف وقتله دماؤه، قال للسجان: أعلم يوسف إني قدمت ولك مني ما يغنيك، فأعلمه، فقال يوسف: أرنبه ميتًا، فجاء السجان فألقى عليه شيئًا غمه حتى مات، ثم أراه يوسف، قال المبرد: أول من أظهر الجور من القضاة في الحكم بلال، هكذا في تهذيب الحافظ والفتح.стр. 1653
قوله [الحمد لله إلخ] إنما قال (١) ذلك نظرًا إلى عاقبة أمره ومثوبته في آخرته، لا شماتة بما دهمه من البلاء، بل شكرًا لما أولاه الله من كفارات الذنوب.
[سورة الزخرف]
قوله [ما ضربوه لك الآية] فكان عاقبتهم الهلاك والدمار بأيدي المسلمين يوم بدر وغيره.
[سورة الدخان]
قوله [إنه يخرج من الأرض الدخان إلخ] قد ورد ذلك في الروايات (٢) الحواشي
(١) هذا هو الظن بالمسلم ألا يظهر الشماتة بأخيه المسلم.(٢) يعني كون الدخان من أشراط الساعة ورد في روايات كثيرة ذكرها الحافظ في الفتح، والسيوطي في الدر في تفسير هذه السورة، منها ما أخرجه مسلم من حديث أبي شريحة رفعه: لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، الحديث. قال الحافظ بعد ما ذكر الروايات وتكلم على بعض طرقه: تظافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلاً، ولو ثبت طريق حذيفة لاحتمل أن يكون هو القاص المراد في الحديث.стр. 1654
وعد من أشراط الساعة. واختلف في تفسير الآية ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ وتعيين المراد بالدخان فيها، فالصحيح (١) الذي لا يحول حماه ريب ويكون مطابقًا للسياق والسباق من غير رجم غيب هو الذي أراد ابن مسعود، وإن الحواشي
(١) أي الصحيح في تفسير الآية، وإلا فكون الدخان من أشراط الساعة مروي في عدة روايات كما تقدم، وعلى هذا القول اكتفى المحلى في الجلالين إذ قال بعد قوله تعالى: ﴿بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾: فأجديت الأرض واشتد بهم الجوع إلى أن رأوا من شدته كهيئة الدخان، قال صاحب الجمل: هذا هو المراد بالدخان هاهنا، وهو أحد أقوال ثلاثة ذكرها المفسرون: أحدها أن الدخان هو ما أصاب قريشًا من الجوع بدعاء النبي ﷺ حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانًا، وهذا قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل، واختيار الفراء والزجاج، وهو قول ابن مسعود، وكان ينكر أن يكون الدخان غير هذا، والقول الثاني ونقل عن علي وابن عباس أيضًا، وابن عمر وأبي هريرة وزيد بن علي والحسن أنه دخان يظهر في العالم في آخر الزمان يكون علامة على قرب الساعة يملأ ما بين المشرق والمغرب وما بين السماء والأرض، يمكث أربعين يومًا وليلة، والقول الثالث أنه الغبار الذي ظهر يوم فتح مكة من ازدحام جنود الإسلام حتى حجب الأبصار عن رؤية السماء قاله عبد الرحمن الأعرج، واحتج الأولون بأنه تعالى حكى عنه قولهم: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾ ثم عللوا ذلك فقالوا: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ فإذا حمل على القحط الذي وقع بمكة استقام، فإنه نقل أن الأمر لما اشتد على أهل مكة مشى إليه أبو سفيان فناشده الله والرحم، وواعده إن دعا لهم وأزال عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به، فلما أزالها الله عنهم رجعوا إلى شركهم.стр. 1655
كان (١) يصح حمل الآية على ما ذكره القاص أيضًا فإنه يبقى أربعين يومًا ثم يكشف بعد ذلك، والقول الثالث (٢) الذي قيل إنه يكون بعد الحشر، قال أصحابه: إنه على التقدير، أي لو كشفنا عنهم العذاب لعادوا، وإنما رد ابن مسعود على القاص قوله ذلك ظنًا منه أنه إنما ذكر ما ذكر من غير أن يستند ذلك إلى نقل عن النبي ﷺ ، فظاهر أن وقائع نزول الآيات لا دخل فيها للعقل، وإنما هي منوطة بالرواية والنقل، ولم يكن قصد ابن مسعود (٣) رد الرواية التي ذكرها الحواشي
(١) بسط الزازي في الكبير في انطباق الآية على هذا القول، وأجاب عما تقدم من الاستدلال في كلام الجمل، فارجع إليه لو شئت التفصيل.(٢) وهذا غير القول الثالث المذكور في كلام الجمل، ولم يذكره عامة المفسرين بل اكتفوا على القولين فقط إلا ما ذكره صاحب البحر المحيط، قال علي ابن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وزيد بن علي والحسن: هو دخان يجيء يوم القيامة، وفي حديث حذيفة: أول الآيات خروج الدجال، والدخان، ونزول عيسى بن مريم، الحديث. فإن كان هو الذي رأته قريش فالناس (أي في قوله تعالى ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾) خاص بالكفار من أهل مكة، وقد مضى كما قال ابن مسعود، وإن كان من أشراط الساعة أو يوم القيامة فالناس عام فيمن أدركه وقت الأشراط وعام بالناس يوم القيامة، انتهى.(٣) قلت: لكن الظاهر من الروايات التي رويت عن ابن مسعود بألفاظ مختلفة أن كون الدخان من الأشراط مسلم عنده وهو مراد الآية، لكن مصداقه هو القحط، ويوضح ذلك ما في الدر برواية ابن مردوديه من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: آية الدخان قد مضت، ومن طريق عتبة عنه قال: الدخان قد مضى، كان أناس أصابهم مخمضة وجوع شديد، الحديث. ومن طريق محمد بن سيرين قال: قال ابن مسعود =كل ما وعدنا الله ورسوله فقد رأيناه غير أربع: طلوع الشمس من مغربها، والدجال. والدابة، ويأجوج ومأجوج، فأما الدخان فمضى، وكان سنى كسنى يوسف، وأما القمر فقد انشق على عهد رسول الله ﷺ ، وأما البطشة الكبرى فيوم بدر، وغير ذلك من الروايات.стр. 1656
القاص فأنها مسلمة، بل المقصود الرد على كون ذلك الدخان الذي هو من أشراط الساعة مراد الآية، فإن مساق الكلام آب عنه.
وله [من المتكلفين] بإظهار ما ليس عندي (١) من العلم. قوله [اللهم أعني عليهم] ولم يكن قصد بذلك إلا هدايتهم، فإن النعمة والثراء مما يمنع القياد (٢) وقبول الحق، فكان حقيقته (٣) لهم وإن كان ظاهره أنه دعاء عليهم.
قوله [العظام] أي ذكر العظام (٤) موضع الميتة. قوله [فهذا لقوله إلخ] وقال آخر لقوله إلخ يعني إنما اختلفا بعد ذلك في ذكر ما قاله ابن مسعود الحواشي
(١) قال الحافظ: قوله: إن من العلم إلخ أي إن تميز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا مناسب لما اشتهر من أن لا أدري نصف العلم، ولأن القول فيما لا يعلم قسم من التكلف، انتهى.(٢) ككتاب: حبل يقاد به، كذا في القاموس، والظاهر الانقياد.(٣) وهذا أوجه مما ذهب إليه الشراح من الاستدلال بذلك على جواز دعاء الهلاك على الظالم، فإن الدعاء بالشدة والقحط غير الدعاء بالهلاك، ثم لما كانت قريش بالغت في الانتهاك لحرمة الدين وإيذاء المسلمين بخلاف دوس لم يبلغوا هذا المبلغ قال لهم النبي ﷺ : اللهم اهد دوسًا وأت بهم.(٤) كما يدل عليه حديث البخاري في التفسير برواية غندر عن شعبة عن الأعمش ومنصور بلفظ: فأخذتهم السنة حتى حصت كل شيء حتى أكلوا العظام والجلود، فقال أحدهم: حتى أكلوا الجلود والميتة، الحديث. وقد اختلفت رواياتهما في ذكر مفعول أكلوا، ففي بعضها اكتفى على ذكر الميتة فقط، وفي أخرى ذكر غيرها أيضًا، ومقصود الكل واحد وهو بيان شدة القحط.стр. 1657
بعد ذكر القصة، فذكر أحد الراويين جزء من الآية، والآخر جزء آخر منها، وإن كان مرادهما واحدًا، هو الإشارة إلى تمام الآية بقراءة بعض منها.
قوله [فهل يكشف عذاب الآخرة] هذه (١) قرينة على ما ذكره ابن مسعود في تفسير الآية، والمنظور فيها قول الله : ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ لا مجرد الدعاء التي ذكرها بقوله: (٢) ، وقد سمعت (٣) عذرهم.
قوله [البطشة واللزام] هذا غير متعرض به في الآية أوردها استطرادًا وتبعًا تتميمًا للفائدة، لعل حاملاً يقص لغير ذلك ويحملهما على غير محملهما. الحواشي
(١) يعني أن القرينة على أن المراد بالدخان ما أصابهم في القحط لا ما ينتظر قرب القيامة أن انطباق قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ﴾ على الأول أظهر، ومعنى قوله (المنظور فيها) أن المقصود من ذكر هذه القصة هي الآية المذكورة لا مجرد دعائه ﷺ بالقحط، لأن مجرد الدعاء لا يدل على صحة ما قاله ابن مسعود بخلاف زوال القحط.(٢) والمقولة محذوفة لظهورها.(٣) يعني من حمل الآية على الدخان قرب القيامة قد عرفت جوابه عن استدلال ابن مسعود وهو أن هذا الدخان أيضًا يبقى أربعين يومًا ثم يكشف عنهم، فينطبق عليه أيضًا ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ﴾.стр. 1658
قوله [قال أحدهما القمر وقال الآخر الروم] يعني إن (١) الأعمش ومنصورًا اتفقا على ذكر ثلاثة أشياء: البطشة، والدخان، واللزم، ثم اختلفا في الرابع، ذكر أحدهما بعد الثلاثة القمر، والآخر الروم.
[سورة الأحقاف]
قوله [فسماني رسول الله ﷺ ] أراد بذلك بيان فضله والاعتماد على صدقه ليسمعوا مقاله وينقادوا له فيما يأمرهم به (٢) . قوله [قال ما صحبه منا أحد] والواقعة (٣) كانت متعددة، فنفي الحضور في إحداها لا يستلزم نفي الأخرى، وإنما نفي الواقعة (٤) التي جرى ذكرها ثم ولم يكن حضرها أحد، وإنما حضر ابن مسعود الثانية، أو يقال: ما صحبه منا أحد أي في الموضع الذي علمهم فيه، وإن كان ابن مسعود الحواشي
(١) وهكذا ذكر البخاري في رواية غندر المذكورة بلفظ: فقد مضى الدخان والبطشة واللزام، وقال أحدهم: القمر، وقال الآخر: الروم، وفي رواية له: والبطشة الكبرى يوم بدر، وقال العيني: اللزام اختلف فيه، فذكر أن أبي حاتم في تفسيره أنه القتل الذي أصابهم ببدر، روى ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب ومجاهد وغيرهم، قال القرطبي: فعلى هذا تكون البطشة واللزام واحدًا، وعن الحسن اللزام يوم القيامة وعند الموت، وقيل: يكون ذنبكم عذابًا لازمًا، وفي المحكم: اللزام الحساب، انتهى.(٢) يعي من المنع عن قتل عثمان، وكان اسمه الحصين فسماه النبي ﷺ عبد الله، هكذا في كتب الصحابة.(٣) تقدم البسط في ذلك في هامش الجزء الأول (باب الوضوء بالنبيذ) وتقدم أن الوقعة كانت ست مرات حضر ابن مسعود ثلاثًا منها.(٤) يحذف المضاف، أي نفي حضور ابن مسعود في هذه الواقعة.стр. 1659
صحب النبي ﷺ في بعض الطريق، ومعنى قوله [افتقدناه] أي (١) افتقده سائر أصحابه، وإن لم يكن فيهم ابن مسعود، أو كان افتقده حين أجلسه في خطه ومضى لسبيله، ومعنى قوله [إذا نحن به يجيء من قبل حراء] أي رأيته يجيء من جانب حراء ثم صاحبته وأتينا القوم فرأونا مقبلين من جهة حراء.
وقوله [وسألوه الزاد] أي ما يتزودونه في عودهم من المدينة وما يأكلونه حين باتوا بها ليلتهم، أو يكون أعم (٢) من ذلك، والظاهر هو الأول، لأن المآكل لهم كثيرة، وإنما احتاجوا إلى السؤال حين مقامهم بها، فإنهم في أرض غربة وليس ثم شيء يأكلوه.
قوله [كل عظم لم يذكر اسم الله عليه] ووقع في رواية مسلم كل عظم ذكر اسم الله عليه، فقيل: الأول للكفار (٣) منهم والثاني لمسلميهم، وليس الحواشي
(١) هذان الجوابان على ثبوت أن ابن مسعود كان في هذه الوقعة أيضًا، وتقدم أنه لم يكن في هذه القصة فلا حاجة إلى الجواب.(٢) يعني لا يكون السؤال مقتصرًا على الزاد المخصوص، بل يكون السؤال لمطلق المأكل، أو مطلق الزاد لأسفارهم، والظاهر الأول للفظ الزاد وقرينة المقام وإن كان العطاء غير مقتصر لموضع خاص كما سيأتي.(٣) هذا هو المشهور عند الشراح. فقد قال النووي تحت رواية مسلم (في باب الجهر بالقراءة في الصبح) بلفظ: وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، فقال النووي: قال بعض العلماء: هذا لمؤمنيهم وأما غيرهم فجاء في حديث آخر: أن طعامهم ما لم يذكر اسم الله عليه، وفي نفع القوت: قال بعضهم: ما لمسلم في حق المؤمنين وما للترمذي في حق الكافرين، قال السهيلي: هو قول صحيح تعضده الأحاديث، انتهى. وفي المجمع: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه أي عند الأكل لا عند الذبح، قيل: هو لمؤمنيهم وما لم يذكر عليه يكون لكفارهم، انتهى.стр. 1660
بسديد، فإن الكفرة منهم لم يحضروا ولم يسألوا حتى يبين لهم، مع أنهم ليسوا بمفتقرين إلى تشريعه ولا منقادين له حتى يلتزموا ما ألزمه إياهم، بل الوجه في الجمع (١) بينهما -والله أعلم- أن المراد بالذكر حيث أثبت هو الذكر عند الذبح، وحيث نفى هو الذكر عند الأكل، يعني أنه ﷺ بين لهم علامة يميزوا بها بين ما ذكر اسم الله عليها عند الذبح وبين ما لم يذكر عليها اسم الله عنده، ثم أمرهم بأكل ما ذكر اسم الله عليها، ونهاهم عما لم يذكر، وبين لهم أيضًا الحواشي
(١) هذا أوجه مما جمع به الشراح، لأن في محملهم لا يكون حديث الباب موافقًا للسؤال، فإنهم سألوا الزاد لأنفسهم، وفي حديث الباب على قولهم زاد لكفرتهم، وأيضًا لا يرتفع التعارض من بين الحديثين بعد هذا الجمع أيضًا، لأنه إذا أريد بالذكر في كلا الحديثين الذكر عند الأكل فيبقى التعارض بأن مؤدى حديث مسلم أن يكون العظم أوفر ما يكون عليه لحمًا إذا ذكر عليه اسم الله، ومؤدى حديث الترمذي أن يكون العظم أوفر ما يكون عليه اللحم عند عدم الذكر، فتعارضا بخلاف ما حمله الشيخ بأن مراد من الذكر في حديث مسلم هو الذكر عند الذبح فيكون العظم أوفر ما يكون عليه إذا كان ذكيًا، ولا يكون إذا كان ميتة، وأما عند الأكل فيكون أوفر إذا لم يذكر عليه اسم الله عند الأكل، بخلاف ما إذا أكل باسم الله، فإن الأكل نفد بركة العظم كلها، ويؤيد كلام الشيخ ما قال ابن عابدين: أستفيد من حديث مسلم أنه لو كان عظم ميتة لا يكره الاستنجاء به، انتهى. فعلم أنه حمل التسمية في حديث مسلم على التسمية عند الذبح خلافًا لما تقدم عن المجمع.стр. 1661
علامة (١) يعرفوا بها الفرق بين العظام التي ذكر اسم الله عليها عند أكل ما عليها من اللحم، وبين ما لبست كذلك، وقال: إن التي لم يذكر اسم الله عليها عند الأكل تكون أوفر لحمًا لأن أكلها لم يحرز بركتها، وإن كانت خالية عن اللحم فيما يبدو للناس، فكلوا منها ومما (٢) لم يذكر اسم الله عليه عند الأكل، فالأول هو محمل رواية مسلم، والثاني محمل رواية الترمذي.
قوله [فلا تستنجوا بهما] هذا لا ينافي ما قلنا من أن السؤال إنما كان للتزود وعدم (٣) الورود لعموم الحكم وبقائه دائمًا وإن كان السؤال عن وقت معين، فافهم.
[سورة محمد ﷺ ]
قوله [في اليوم سبعين] واستغفره (٤) في اليوم مائة، إما يومًا كذا الحواشي
(١) وأقصى ما يرد على ذلك أن العلامة وهي كون اللحم أوفر مشتركة في الذكية والمأكول بعدم التسمية، ويمكن التقصي عنه بأنه يحتمل أن يكونا أوفري اللحم كمية، وبكون فرق ما بينهما باعتبار الكيفية والصورة، نعم يبقى الإيراد بأن الذكية المأكول بالتسمية ينبغي أن يكون أوفر اللحم وغير الأوفر، وللتوجيه مساغ، فتأمل. ثم الحديث حجة لمن قال: إن الجن يأكلون ويشربون، والمسألة خلاف شهير، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنهم لا يأكلون ولا يشربون، والثاني عكس ذلك، والثالث التفريق بأن بعضهم يأكلون ويشربون وبعضهم لا، ثم اختلف الذين قالوا بأكلهم فقيل: أكلهم وشربهم وتشمم واسترواح، وقيل بل مضغ وبلع.(٢) الأول بحذف الواو من قوله: ومما لم يذكر.(٣) يعني عدم ورود الاعتراض لما أن فيما اخترناه سابقًا كان اقتصار السؤال على الزاد المخصوص لا اقتصار العطية على ذلك بل كانت أعم.(٤) إشارة إلى قوله: ويروى إلخ وبيان لاختلاف اللفظين ليجمع بينهما وبنحو ما أفاده الشيخ جمعهما عامة الشراح، قال القارئ: قوله: سبعين مرة يحتمل التحديد للرواية الآتية مائة مرة، ويحتمل أن يراد بهما جميعًا التكثير، قال ابن الملك: توبته ﷺ كل يوم سبعين مرة واستغفاره ليس لذنب لأنه معصوم، بل لاعتقاد قصوره في العبودية عما يليق بحضرة ذي الجلال، وحث للأمة على التوبة والاستغفار، فإنه ﷺ مع كونه معصومًا وخير المخلوقات إذا استغفر وتاب إلى ربه فكيف بالمذنبين، وقيل: استغفاره ﷺ من ذنوب الأمة، فهو كالشفاعة لهم، انتهى.стр. 1662
ويومًا كذا، أو هو تكثير. قوله [عن عبد الله بن جعفر الكثير] أي الروايات (١) الكثيرة.
[سورة الفتح]
.
قوله [فتنحيت إلخ] لما سأله (٢) ولم يكن له علم بنزول الوحي الحواشي
(١) يعني روى علي بن حجر عن عبد الله بن جعفر بدون واسطة أحد روايات كثيرة، لكنه روى هذا الحديث عنه بواسطة إسماعيل، ولا ضير في ذلك فإن عليًا وإسماعيل كليهما من تلامذة عبد الله بن جعفر كما في كتب الرجال.(٢) بيان لعلة التنحي، وحاصله أن عمر لما تكرر منه السؤال ولم يكن يعلم أنه ﷺ مشتغل في نزول الوحي خاف عمر أن يكون النبي ﷺ وجد عليه، ويكون شهوده بمحضر منه ﷺ سببًا لزيادة الموجدة فتنحي لذلك، قال الحافظ: يستفاد من الحديث أنه ليس لكل كلام جواب بل السكوت قد يكون جوابًا لبعض الكلام، وتكرير عمر السؤال إما لكونه خشى أن النبي ﷺ لم يسمعه، أو لأن الأمر الذي كان يسأل عنه كان مهمًا عنده، ولعل النبي ﷺ أجابه بعد ذلك، وإنما ترك إجابته أولاً لشغله بما كان فيه من نزول الوحي، انتهى. وحكى العيني عن القرطبي أن هذا السفر كان ليلاً منصرفه ﷺ من الحديبية لا أعلم بين أهل العلم في ذلك خلافًا، انتهى.стр. 1663
خاف أن يكون النبي ﷺ ، وجد عليه، ولما كان سبب الموجدة هو الكلام لابد من أن يكون حضوره زائدًا فيها فتنحى لذلك.
قوله [فقال: يا ابن الخطاب إلخ] دعاؤه هذا لم يكن لسؤاله إياه (١) لأن النبي ﷺ لم يكن له علم بنداء عمر وخطابه، وإنما كان دعاء عمر وإعلامه بنزول الآية، لأنه ﵁ كان مغتمًا بصلح حديبية كما هو مبسوط (٢) في الروايات، فأراد النبي ﷺ أن يسمعه الآيات لينجبر بذلك ما انكسر من باله، و (٣) فإن الله ﵎ سماه في الآيات فتحًا مبينًا.
[سورة الحجرات]
قوله [استعمله على قومه، فقال عمر: لا تستعمله إلخ] وكان الأقرع الحواشي
(١) كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في كلام الحافظ من أنه ﷺ لعله أجاب بعد ذلك، وقد يكون السكوت جوابًا.(٢) حتى أتى النبي ﷺ فقال: ألست نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، قال: أولست كنت حدثتنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا تأتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، ثم أتى أبا بكر فسأله بمثل ذلك وأجابه بما أجاب به النبي ﷺ ، قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً، وغير ذلك من الروايات.(٣) بياض في الأصل بعد الواو قبل قوله (فإن الله).стр. 1664
هذا من المؤلفة قلوبهم (١) ذا شوكة في قومه، فأراد أبو بكر أن يكون باستعماله تأليف قلبه، وكونه ذا ثروة فيهم بعينه على أداء ما أمر به من العهدة فيصلب بذلك في دينه، وأما عمر فأراد أن يستعمل رجل له في الإسلام قدم راسخة، وأطواده (٢) في النفي والإيمان شامخة.
قوله [لم يسمع] على وزن (٣) المعروف والفاعل النبي ﷺ [جده] أي ذكر (٤) الحواشي
(١) فقد قال الحافظ: هو من المؤلفة قلوبهم وقد حسن إسلامه، وقال الزبير: كان حكمًا في الجاهلية، وقال ابن دريد: اسم الأقرع بن حابس فراس، وإنما قيل له الأقرع لقرع كان برأسه، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، انتهى. ثم لا يذهب عليك أن سياق الترمذي مخالف لسياق البخاري، فقد أخرج في صحيحه برواية ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ ، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس، الحديث. وقال الحافظ: رواية ابن جريج أثبت من مؤمل بن إسماعيل، انتهى. وقال العيني: إنما أشار أبو بكر بتأمير القعقاع لأنه كان أرق من الأقرع، وأشار عمر بالأقرع لأنه كان أحرى من القعقاع، وكل أراد خيرًا، انتهى.(٢) قال المجد: الطود الجبل أو عظيمه جمعه أطواد، المشرف من الرمل، انتهى.(٣) وضبطه العيني بضم الياء من الأسماع، فعلى هذا الفاعل ضميره إلى عمر والنبي مفعول.(٤) ما أفاده الشيخ في معنى هذا الكلام هو الظاهر بل هو المتعين في المراد كما يدل عليه ما ورد من الألفاظ المختلفة في هذا المورد، ففي تفسير البخاري: قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ حتى يستفهمه. ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر، وفي الاعتصام: قال ابن الزبير: فكان عمر بعد -ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر- إذا حدث النبي ﷺ بحديث حدثه كأخي السرار، وتوهم بعض مشايخ الدرس وبعض الشراح في مراد الكلام، فكتب بعضهم بين سطور الترمذي ما حصله: يعني أبو الزبير ذكره بلفظ (أبو بكر) ولم يذكره بلفظ (جده) مع أنه كان جده، انتهى. وأنت خبير بأنه بديهي البطلان، وكذلك ما قال مغلطائي من أنه يحتمل أنه أراد بذلك أبا بكر عبد الله بن الزبير أو أبا بكر عبد الله بن أبي مليكة، فإن أبا مليكة له ذكر في الصحابة، انتهى. وحاصله أن ابن الزبير لم يرد بقوله (أبي بكر) في الحديث جده بل أراد غيره، وهذا أيضًا باطل بأباه سياق الروايات، ولذا تعقبه الحافظ إذ قال: هذا بعيد عن الصواب، بل قرينة ذكر عمر ترشد إلى أن مراده أبو بكر الصديق، انتهى.стр. 1665
صنيع عمر بعد نزول الآية ولم يذكر (١) ما صنع جده أبو بكر.
قوله [إن حمدي إلخ] يذكر سيادته في قومه وقبول قوله فيهم، وكان ذلك الرجل قد خطب (٢) فكان منها هذه الجملة أيضًا. قوله [بالألقاب] أراد الحواشي
(١) وقد ذكر في الروايات الأخر غير رواية ابن الزبير، قال الحافظ: وفي رواية للبخاري في الاعتصام: فكان عمر بعد ذلك إذا حدث النبي ﷺ بحديث حدثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه، وقد أخرج ابن المنذر من طريق محمد بن عمر أن أبا بكر الصديق قال مثل ذلك، وهذا مرسل وقد أخرجه الحاكم موصولاً من حديث أبي هريرة نحوه، وأخرجه ابن مردويه من طريق طارق بن شهاب عن أبي بكر قال: لما نزلت «لا ترفعوا أصواتكم» الآية قال أبو بكر قلت: يا رسول الله أليت أن لا أكلمك إلا كأخي السرار، انتهى.(٢) والقصة مبسطة في كتب التفسير والسير لاسيما في الهدى لابن القيم والبحر المحيط وسيرة ابن هشام، وذكروا خطبة الفريقين وأشعارهما، والجملة أنه قدم وقد بنى تميم وهم سبعون رجلاً، أو ثمانون رجلاً سنة تسع وفيهم الأقرع بن حابس وقد شهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنينًا والطائف، فدخلوا المسجد وقت الظهيرة ورسول الله ﷺ راقد، فجعلوا ينادونه: يا محمد اخرج إلينا، فاستيقظ، وآذى ذلك رسول الله ﷺ من صياحهم، فخرج إليهم، فقال له الأقرع بن حابس: يا محمد، إن مدحي زين وذمي شين، فقال رسول الله ﷺ : ويلك! ذلك الله تعالى، وفي رواية فقالوا: يا محمد، إن مدحنا زين وإن شتمنا شين، ونحن أكرم العرب، فقال رسول الله ﷺ : كذبتم بل مدحة الله الزين وشتمه الشين، وأكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فاجتمع الناس في المسجد، فقالوا: نحن بني تميم جئنا بخطيبنا وشاعرنا نشاعرك ونفاخرك، فقال النبي ﷺ : ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا، فقام خطيبهم- سماه ابن هشام عطارد بن حاجب- فخطب، فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شماس: قم فأجب الرجل في خطبته، فقام وخطب، ثم قالوا أشاعرهم: قم فقل أبياتًا تذكر فيها فضل قومك، فأنشد، فقال النبي ﷺ لحسان: قم فأجبه، فأنشد أبياتًا، ذكر ابن هشام وصاحب البحر المحيط خطبة الفريقين وأشعارهما بألفاظ مختلفة، فلما فرغ حسان بن ثابت قام الأقرع بن حابس فقال: والله ما أدري ما هذا الأمر. تلك خطيبنا فكان خطيبهم أحسن من خطيبنا قولاً. وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أحلى من أصواتنا، فأسلموا وجوزهم رسول الله فأحسن جوائزهم.стр. 1666
بها (١) ما يكرهه صاحبها لا مطلقها. قوله [هذا نبيكم يوحي إليه وخيار أئمتكم] الحواشي
(١) قال صاحب المدارك: التنابز بالألقاب التداعي بها، والنبز للقب السوء، والتلقيب المنهي هو ما يتداخل المدعوبة كراهة لكونه تقصيرًا به وذمًا له، فأما ما يحبه فلا بأس به، انتهى. وفي البحر المحيط: اللقب إن دل على ما يكرهه المدعوبة كان منهيًا عنه، وأما إذا كان حسنًا فلا ينهى عنه، وما زالت الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير، انتهى. وفي الدر اللقيط: الحسنة كالصديق لأبي بكر والفاروق لعمر.стр. 1667
يعني أن المستشير كان يوحي إليه والمشيرون كانوا خيار القوم وعمدتهم، فلما كان أكثر أمورهم موجبًا العنت فكيف بكم وبين المشير والمشير والمستشير والمستشير بون لا يخفى.
[سورة ق]
قوله [قدمه] من المتشابهات (١) . الحواشي
(١) وتقدم شيء من ذلك في هامش (باب رؤية الرب ﵎ من أبواب الجنة، وقال القاري: مذهب السلف التسليم والتفويض مع التنزيه، وأرباب التأويل من الخلف يقولون: المراد بالقدم قدم بعض مخلوقاته، أو قوم قدمهم الله للنار من أهلها، وتقدم في سابق حكمه أنهم لاحقوها فتمتلئ منهم جهنم، والعرب تقول: كل شيء قدمته من خير أو شر فهو قدم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي ما قدموه من الأعمال الصالحة الدالة على صدقهم، وروى: حتى يضع الله رجله، والمراد بالرجل الجماعة من الجراد وهو وإن كان موضوعًا لجماعة كثيرة من الجراد لكن استعارته لجماعة الناس غير بعيد، أو أخطأ الراوي في نقله الحديث بالمعنى، وظن أن الرجل سد مسد القدم، هذا وقد قيل: وضع القدم على الشيء مثل للردع والقمع، فكأنه قال: يأتيها أمر الله فيكفيها من طلب المزيد، وقيل: أريد به تسكين فورتها كما يقال للأمر يراد إبطاله: وضعته تحت قدي، انتهى.стр. 1668
[سورة الذاريات]
له [فذكرت عنده] بصيغة المتكلم، ثم أورد (١) القرينة التي ذكر لها الحواشي
(١) يعني ذكر الباعث على ذكره وافد عاد، وهو تعوذه من أن يكون كوافدهم، وحديث الترمذي مختصر يوضحه ما أخرجه أحمد من الرواية المفصلة، فأخرج بسنده إلى أبي وائل عن الحارث بن يزيد البكري قال: خرجت أشكو العلاء ابن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ ، قررت بالربذة فإذا عجوز (والعجوزة هذه هي قبلة بنت مخرمة كما يظهر مما أخرجه أبو داود في باب إقطاع الأرضين، وحكى الشيخ في البذل أن بعث عمرو بن العاص كان إلى غزوة السلاسل) من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله ﷺ حاجة فهل أنت مبلغي إليه، قال: فحملتها فأنبت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله ﷺ ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهًا، قال: فجلست، قال: فدخل منزله أو قال رحله، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم، قال: وكانت لنا الديرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها، فدخلت، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزًا فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت، قالت: يا رسول الله، فأين تضطر مضرك؟ قال قلت: مثلي ما قال الأول: معزاء حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، قال: هيه وما وافد عاد؟ وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه، قلت: إن عادًا قحطوا فبعثوا وافدًا لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة فنادى: اللهم إنك تعلم أني لم أجيء إلى مريض فأداويه، الحديث. فعلم أنه تعوذ عن كونه مثل وافد عاد في أخذه الهلاكة باختياره.стр. 1669
وافد عاد (١) ، فقال: فقلت: أعوذ بالله إلخ وهو مثل الحواشي
(١) وقصته مسطورة مبسوطة في كتب السير والتفسير، لاسيما في المعالم والخازن وإجمالها: أن عادًا لما فسقوا في الأرض وقهروا أهل بفضل قوتهم التي جعلها الله فيهم، بعث الله فيهم هودًا ﵇، فأمرهم أن يوحدوا الله ، وأن يكفوا عن ظلم الناس، ولم يأمرهم بغير ذلك فيما ذكر، فأبوا عليه وكذبوه وقالوا: من أشد منا قوة، وأتبعه منهم ناس يسير يكتمون إيمانهم، فلما عتوا على الله وكذبوا نبيهم أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، حتى جهدهم ذلك، وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم جهد وبلاء يطلبون الفرج عند بيت الله الحرام، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى مختلفة أديانهم، وكلهم معظم لمكة معترف بحرمتها، وكان سكان مكة يومئذ العماليق وسيدهم رجل يقال له معاوية بن بكر، فلما قحطت عاد وقل عنهم المطر قالوا: جهزوا منكم وفدًا إلى مكة ليستسقوا لكم، فإنكم قد هلكتم، فبعثوا قيل بن عنز، ونعيم ابن بزال وعقيل بن صفدين بن عاد الأكبر، ومرئد بن سعد وكان مسلمًا بكتم إيمانه، وجلهمة بن الخيبري، ولقمان بن عاد، فانطلق كل رجل من هؤلاء ومعه جماعة من قومه فبلغ عدد وفد عاد سبعين رجلاً، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارج الحرم، فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرًا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان وهما قينتان لمعاوية، فلما رأى معاوية طول مقامهم عنده وقد بعثهم قومهم يتغوثون لهم من البلاء الذي أصابهم شق ذلك عليه، وقال: هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي نازلون على، والله ما أدرى كيف أصنع، فإني أستحبي أن آمرهم بالخروج لما بعثوا إليه فيظنوا أنه ضيق مني بمكانهم عندي، فتغنت الجاريتان تعيرانهم على فعلهم أن نسوا قومهم بأبيات أولها:
ألا يا قيل ويحك قم فهيتم ... لعل الله يسقينًا غمامًا
فلما غنت الجرادتان بذلك قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم ليتغوثوا بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليه، فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم، فقال مرئد بن سعد: إنكم الله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ربكم سقيتم، وأظهر إسلامه وأنشد أبياتًا، فأجابه جلهمة بأبيات، ثم قال جلهمة لمعاوية وأبيه بكر: احبسا عنا مرئدًا لا يقدمن معنا مكة، فإنه قد تبع دين هود وترك ديننا، ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد، فقام قيل بن عنز رأس وفد عاد يدعو، فقال: اللهم أعط قيلاً ما سألك. وقال الوفد معه: واجعل سئولنا معه، وقال قيل حين دعا: يا إلهنا إن كان هودًا صادقًا فاسقنا فأنا قد هلكنا، فأنشأ الله تعالى سحائب ثلاثًا: بيضاء، وحمراء، وسوداء، ثم نادى مناد من السماء: يا قيل اختر لقومك ولنفسك من هذه الثلاثة، فقال قيل: قد اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماءًا، فناداه مناد اخترت رمادًا رمددًا لا يبقى من آل عاد أحدًا، وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى خرجت إليهم من واد يقال له المغيث، فلما رأوها استبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، يقول الله : ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح مهلكة امرأة من عاد يقال لها مهدد، فلما عرفت ما فيها من العذاب صاحت ثم صعقت، فلما أن أفاقت قالوا: ماذا رأيت؟ قالت: رأيت فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها، فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، إلى أخر ما في المعالم والخازن، وهذا أيضًا ملخص منهما، وعلم من ذلك أن المراد بوافد عاد في الحديث قبل بن عنز رأس وفدهم أعاذنا الله من نقمته.стр. 1670
يضرب (١) لمن اكتسب هلاكًا وشرًا من حيث يرجى الخير والبركة.
قوله [بكر بن معاوية] وكان له (٢) قرابة معه. قوله [جبال مهرة] وكانت (٣) بقرب مكان البيت وفي جهته [فقال اللهم إلخ] وكانوا يتبركون الحواشي
(١) يعني صارت بعد ذلك مثلاً يضرب به، ففي آخر رواية أحمد المذكورة المفصلة: قال: فكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد.(٢) فقد تقدم قريبًا في القصة المفصلة أن عادًا كانوا أخواله وأصهاره، وفي المعالم والخازن: وكان سيد العماليق يومئذ رجلاً يقال له معاوية بن بكر، وكانت أم معاوية كلهدة بنت الخبيري، وهو رجل من عاد، وكانت عاد أخواله معاوية سيد العماليق، انتهى ثم لا يذهب عليك أن اسم الرجل ذكره أهل التفسير معاوية بن بكر كما في الخازن والمعالم وغيرهما، وهكذا في كتب الرجال من أسد الغاية، والروايتين في مسند أحمد، ووقع في الترمذي بكر بن معاوية، وهكذا ذكره صاحب التيسير وجمع الفوائد برواية الترمذي، وكذا في الدر برواية الترمذي وأحمد وغيرهما.(٣) ذكر في الحاشية: جبال مهرة منسوب إلى مهرة بن حيدان أبي قبيلة، ولفظ رواية أحمد: فلما مضى الأجل خرج إلى جبال تهامة فنادى: اللهم، الحديث.стр. 1671
بالمكان الذي بنى ثم بيت الله، ولم يكن بني بعد (١) بل كانت أكمات يدعون عندها فيجابون، وكانت السحب الثلاثة فيها رحمة لهم إن آمنوا، ونقمة إن بقوا على كفرهم. قوله [وذكر النبي (٢) ﷺ أنه لم يرسل] أي لم يخرج من مسدها وبابها الذي كانت تخرج منه إلا قدر حلقة الخاتم مع ما كانت تخرج منه دائمًا، الحواشي
(١) فقد ورد في الروايات وكتب السير أن أول من بني الكعبة بعد الطوفان سيدنا إبراهيم ﵇، وفي الدر برواية البخاري وغيره من جماعة المخرجين في حديث طويل في بناء الكعبة: قال إبراهيم: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت، الحديث. وبرواية ابن جرير والطبراني وغيرهما عن عمرو بن العاص قال: لما كان زمن الطوفان رفعه الله إليه، فكانت الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله بعد لإبراهيم وأعلمه مكانه فبناه، وغير ذلك من الروايات الكثيرة صريحة في أن أول من بناء بعد الطوفان إبراهيم ﵇، فكان في زمن عاد أكمة، ولذا ورد الدعاء في جبال مهرة أو جبال تهامة.(٢) إشارة إلى أن قوله: وذكر أنه لم يرسل مرفوع إلى النبي ﷺ ، وبه جزم المحشى، ويؤيده ما في جمع الفوائد برواية الترمذي: فقال رسول الله ﷺ : إنه لم يرسل الريح إلا مقدار هذه الحلقة، وكذا في تيسير الوصول بروايته، فقال ﷺ عند ذلك: إنه لم يرسل الريح إلا من مقدار هذه الحلقة. لكن في مسند أحمد برواية عفان عن سلام قال أبو وائل: فبلغني أن ما أرسل عليهم، الحديث. وهكذا في أسد الغابة برواية أحمد.стр. 1672
أو زيد على منفذها القديم هذا القدر. قوله [ويقال الحارث بن حسان] (١) . الحواشي
(١) بياض في الأصل بعد ذلك، وقال الحافظ في تهذيبه: الحارث بن حسان ابن كلدة البكري الذهلي الربعي، ويقال العامري، ويقال حريث، ووقع في رواية الترمذي عن رجل من ربيعة، ثم علقه من وجه آخر فسماه الحارث بن حسان، ثم ساقه من طريق أخرى فقال: الحارث بن يزيد، ثم قال: ويقال له الحارث بن حسان، وصحح ابن عبد البر أن اسمه حريث، انتهى. وفي مبهمات التقريب: أبو وائل عن رجل من ربيعة هو الحارث بن حسان، انتهى. وفي الإصابة: يقال اسمه حريث ولعله تصغير، وقال ابن الأثير: الحارث بن حسان الربعي البكري، وقيل حويرث، وقال: من يرى قوله بكري وربعي وذهلي يظن أنه اختلاف وليس كذلك، فإن ذهل بن شيبان من بكر، وبكر من ربيعة، انتهى. وفي الاستيعاب: الأكثر يقولون: الحارث بن حسان البكري وهو الصحيح إن شاء الله، انتهى. ثم قال ابن عبد البر: اختلف في حديثه، =منهم من يجعله عن عاصم بن بهدلة عن الحارث بن حسان لا يذكر فيه أبا وائل، والصحيح فيه عن عاصم عن أبي وائل عن الحارث بن حسان، انتهى. وفي التهذيب: الحارث بن حسان روى عنه عاصم بن بهدلة، والصحيح عنه عن أبي وائل عن الحارث، انتهى. وقال ابن الأثير بعد ذكر رواية أحمد عن عفان بواسطة أبي وائل: رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عفان عن أبي المنذر عن عاصم عن أبي وائل مثله، ورواه زيد بن الحباب عن أبي المنذر، ورواه أحمد بن حنبل أيضًا، وسعيد الأموي، ويحى الحماني، وعبد الحميد بن صالح، وأبو بكر بن أبي شيبة، كلهم عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن الحارث، ولم يذكر أبا وائل، انتهى.стр. 1673
[سورة النجم]
قوله [المقحمات] أي من غير توبة (١) وهذا باعتبار بعض أفراد الأمة، فإن سائرهم لا يغفر لهم. بل الرجاء إنما هولهم كلهم لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قوله [فأرعدها] أراد بأرعاد اليد تصوير ما هناك من التنور وغلبة الضياء، وما يقال له بالهندية: جك مك كرنًا وجهلمل جهلمل كونًا.
قوله [فكبر] أراد بذلك استعباد ما سئل، أو السكوت عن ذلك والاشتغال الحواشي
(١) ففي شرح العقائد: الله تعالى لا يغفر أن يشرك به بإجماع المسلمين، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء من الصغائر والكبائر مع التوبة أو بدونها خلافًا للمعتزلة، يعني فإنهم يقولون: لا يغفر الكبيرة بدون التوبة، قلت: وحاصل ما أفاده الشيخ ثلاثة أمور: الأول أن الكبائر تغفر بغير توبة لبعض الأفراد جزمًا، والثاني لا تغفر لجميعهم جزمًا، والثالث ينبغي لكل مؤمن أن يرجو الله العفو، وكل من هذه الثلاثة مؤيد بالآيات والروايات، أما الأول فلقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ولقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ الآية، ولأحاديث النجوى والبطاقة، ومن أوصى أن يحرق بعد موته فبذر في الهواء، ولغير ذلك من الروايات الكثيرة التي لا تحصى، وأما الثاني فلأحاديث الشفاعة الشهيرة، والإخراج من النار بعد ما امتحشوا، وهي روايات كثيرة، وأما الثالث فلآيات المنع عن القنوط، ولما في الدر برواية أحمد وغيره عن أبي ذر مرفوعًا: إن الله تعالى يقول: يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك، الحديث. وللحديث المشهور: أنا عند ظن عبدي بي، ولحديث استجابة دعائه ﷺ في الجمع في المظالم أيضًا، كما تقدم في (باب مثل الصلوات الخمس) مفصلا.стр. 1674
بما يلهيه عما سأل، فلماذا قال (١) : إنا بنو هاشم عني (٢) بذلك أنا لسنا بساكتين عما الحواشي
(١) هكذا في الأصل، وجزاؤه ساقط من تصرف الناسخ أو محذوف، أي فلما قال ذلك أجابه عن سؤاله.(٢) ولفظ السيوطي في الدر برواية عبد بن حميد والترمذي والحاكم وغيرهم: فكبر حتى جاوبته الجبال، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم نزعم أو نقول: إن محمدًا قد رأى ربه مرتين، فقال كعب: إن الله قسم رؤيته، الحديث. وقال الحافظ بعد ما ساق حديث الترمذي: هكذا في سياق الترمذي، وعند عبد الرزاق من هذا الوجه فقال ابن عباس: [إنا بنو هاشم نقول: إن محمدًا رأى وبه مرتين، فكبر كعب وقال: إن الله قسم رؤيته وكلامه، الحديث. وفي المجمع: قوله: فكبر حتى جاوبه الجبال، أي جاوبه بالصدا كأنه استعظم ما سئل عنه فكبر، ولعل السؤال كان عن رؤية الرب، وقوله: إنا بنو هاشم بعث له على التسكين وترك الغيظ والتفكر في الجواب، فإن بني هاشم أهل علم لا يسألون عن أمر مستعبد، أو من ثم لما تفكر أجاب بأنه قسم رؤيته وكلامه، انتهى. قلت: والظاهر مما سبق من لفظ السيوطي والحافظ أن في حديث الترمذي اختصارًا، ثم اختلفت الروايات عن ابن عباس، قال الحافظ: جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة وأخرى مقيدة، فيحب حمل مطلقها على مقيدها، فمن ذلك ما أخرجه النسائي بإسناد صحيح وصححه الحاكم أيضًا من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد، وأخرجه ابن خزيمة بلفظ: إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، الحديث. وأخرج ابن إسحاق أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس هل رأى محمد ربه، فأرسل إليه أن نعم، وأخرج مسلم من طريق أبي العالية عن ابن عباس قال: رأى ربه بفؤاده مرتين، وله من طريق عطاء عنه قال: رآه بقلبه، وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردوديه من طريق عطاء عنه قال: لم يره رسول الله صلى الله =عليه وسلم بعينه، إنما رآه بقلبه، وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة، بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب، انتهى. قلت: وقد جاءت عن ابن عباس رواية ثالثة ذكرها السيوطي في الدر برواية الطبراني وابن مردوديه عن ابن عباس قال: إن محمدًا رأى ربه مرتين: مرة ببصره ومرة بفؤاده.стр. 1675
سألنا ولا هين عنه بفعلك هذا، أو لسنا سائلين عن أمر مستبعد.
قوله [نيهان] بتقديم النون على الباء الموحدة. قوله [نوراني أراه] فيه تأويلان: أي هو نور فكيف أراه، أو الذي رأيته نور، وأما الرب ﵎ فكيف أراه، وقيل: (١) هو بتمامه لفظ واحد، أي نوراني أراه، الحواشي
(١) فقد قال القاري: أنى بفتح الهمزة وتشديد النون على ما في أكثر النسخ، أي كيف أراه، أي هو نور عظيم كيف أبصره، فإن كمال النور يمنع الإدراك، وفي بعض السنخ: نوراني: بتشديد الياء للنسبة لزيادة الألف والنون للمبالغة كالرياني، وحينئذ قوله: أراه بمعنى أظنه من الرؤية بمعنى الرأي، فلو قرئ بضم الهمزة لكان أظهر في هذا المعنى، ويمكن أن يكون بمعنى أبصره إيماء إلى أنه ما رآه في الدنيا وسيراه في الآخرة، أو مراده أبصرته والعدول إلى الاستقبال لحكاية الحال الماضية، فكأنه يستحضره ويتلذذ به، قال ابن الملك: اختلف في رؤيته في تلك الليلة، وفي الحديث دليل للفريقين على اختلاف الروايتين لأنه روى بفتح الهمزة وتشديد النون المفتوحة، فيكون استفهامًا على سبيل الإنكار، وروى بكسر النون فيكون دليلاً للمثبتين، ويكون حكاية عن الماضي بالحال، وقال الإمام أحمد: بتشديد النون يعني على طريق الإيجاب، قال الطيبي: أراد ليس الاستفهام على معنى الإنكار المستفيد للنفي، بل للتقرير المستلزم للإيجاب أي نور حيث أراه، انتهى.стр. 1676
وهو يحتمل الوجهين أيضًا إنكارًا وإقرارًا، أي ما أراه نوراني، وأما الرب ﵎ فكيف أراه، أو هو نوراني أراه، وجملة الأمر في ذلك أن النزاع لفظي، ومؤدى المذهبين واحد (١) ، فمن أثبت أثبت بزيادة في الباصرة من قوة القلب، والنافي إنما نفى بإدراك هذه الأبصار حال كونها على هيئتها، وإرجاع كلمات أصحاب الفرقتين إلى ما قلنا سهل.
[سورة القمر]
قوله [بمكة مرتين] أي فلقتين، وليس المراد (٢) تكرار الشق. الحواشي
(١) ويقرب منه ما قال الحافظ في الجمع بين المذهبين كما تقدم قريبًا، وبه جمع العيني، وجمع القاري في شرح الشفا بأن من نفى نفى رؤية الذات، ومن أثبت أثبت رؤية الصفات، وقيل في بينهما غير ذلك، ونقدم شيء من الكلام على مسألة الرؤية واختلافهم في ذلك في تفسير سورة الأنعام.(٢) فقد أخرج البخاري في صحيحه برواية سعيد عن قتادة بلفظ (شقتين) قال الحافظ: بكسر المعجمة أي نصفين، وتقدم في علامات النبوة (من البخاري) من طريق سعيد وشيبان عن قتادة بدون هذا اللفظ، وأخرجه مسلم من الوجه الذي أخرجه البخاري من حديث سعيد عن قتادة بلفظ: فأراهم انشقاق القمر مرتين، وأخرجه من طريق معمر عن قتادة بمعنى حديث شيبان، وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر بلفظ (مرتين) أيضًا، وكذلك أخرجه الإمامان أحمد وإسحاق في مسنديهما عن عبد الرزاق، وقد اتفق الشيخان عليه من رواية شعبة عن قتادة بلفظ (فرقتين)، قال البيهقي: قد حفظه ثلاثة من أصحاب قتادة عنه (مرتين)، قال الحافظ: لكن اختلف عن كل منهم في هذه اللفظة، ولم يختلف على شعبة وهو أحفظهم، ولم يقع في شتى من طرق حديث ابن مسعود بلفظ (مرتين) وإنما فيه (فرقتين) أو (فلقتين) بفتح الرأي واللام، وكذا في حديث ابن عمر (فلقتين) وفي حديث جبير بن مطعم (فرقتين)، وفي لفظ عنه: (فانشق باثنتين) وفي رواية عن ابن عباس عند أبي نعيم في الدلائل: (فصار قمرين) وفي لفظ (شقتين)، ووقع في نظم السيرة لشيخنا الحافظ أبي الفضل:
وانشق مرتين بالإجماع.=
=ولا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه ﷺ ، ولم يتعرض لذلك أحد من شراح الصحيحين، وتكلم ابن القيم على هذه الرواية فقال: المرات يراد بها الأفعال تارة، والأعيان أخرى. والأول أكثر، ومن الثاني انشق القمر مرتين، وقد خفى على بعض الناس فادعى أن انشقاق القمر وقع مرتين، وهذا مما يعلم أهل الحديث والسير أنه غلط، فإنه لم يقع إلا مرة واحدة، وقد قال العماد بن كثير: في الرواية التي فيها (مرتين) نظر، ولعل قائلها أراد فرقتين، وقال الحافظ: وهذا الذي لا يتجه غيره جمعًا بين الروايات، ثم راجعت نظم شيخًا فوجدته يحتمل التأويل المذكور ولفظه:
فصار فرقتين فرقة علت ... وفرقة للطور منه نزلت
وذاك مرتين بالإجماع ... والنص والتواتر والسماع
فجمع بين قوله: فرقتين، وبين قوله: مرتين، فيمكن أن يتعلق قوله (بالإجماع) بأصل الانشقاق لا بالتعدد، مع أن في نقل الإجماع في نفس الاشتقاق نظرًا، انتهى. قلت: وتقدم في باب انشقاق القمر من كتاب الفتن ما قال السبكي أنه متواتر.стр. 1677
قوله [مستمر] أي ذاهب (١) إلى السماء، أو ذاهب عن قريب.
قوله [لئن كان سحرنا] هذا كان إنصافًا منهم. قوله [كانوا يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر] وقد كانوا يعلمون به (٢) ويقرون، حتى ذكره شعراؤهم، وإنما كان ذلك جدالاً منهم. الحواشي
(١) علق البخاري في صحيحه قال مجاهد: مستمر ذاهب، قال الحافظ: وصله الغريابي من طريقه بلفظ قال: رأوه منشقًا فقالوا: هذا سحر ذاهب، ثم ذكر حديث الباب وقال: معنى ذاهب أي سيذهب ويبطل، وقيل: سائر، انتهى. وذكر صاحب البحر المحيط عدة أقوال في تفسير الآية: منها سحر مستمر أي دائم، ولما رأوا الآيات متوالية لا تنقطع قالوا ذلك، ومنها مستمر مشدود موثق من مرائر الحبل، أي سحر قد أحكم، ومنها مار ذاهب زائل عن قريب عللوا بذلك أنفسهم، ومنها مستمر شديد المرارة أي مستبشع عندنا مر، يقال: مر الشتى وأمر إذا صار مرًا، ومنها مستمر أي يشبه بعضه بعضًا أي استمرأت أفعاله على هذا الوجه من التخيلات، ومنها مستمر أي مار من الأرض إلى السماء، أي بلغ من سحره أنه سحر القمر، انتهى.(٢) فقد أخرج أبو داود عن أبي الصلت قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله، فكتب أما بعد أوصيك بتقوى الله، إلى آخر ما ذكر من الكتاب مفصلاً، وفيه: كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر، فعلى الخبير بإذن الله وقعت، لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة، إلى آخره. قلت: وأشعار المرائي مملوة من ذلك.стр. 1678
[سورة الواقعة]
قوله [معنى هذا الحديث وارتفاعها إلخ] نسبة هذا القول إلى بعض العلماء لعدم وجدان (١) التصريح عن غيره، وإن كان الظاهر اتفاقهم أجمعين على هذا المعنى، قوله [شكركم] الرزق (٢) المرزوق، أي الحظ والنصيب، فكان حظهم الذي وجب عليهم لما أنعم الله بصنوف النعم هو الشكر، فوضعوا موضعه التكذيب والكفران. قوله [إن من المنشآت إلخ] خبر مقدم، واسم إن هو قوله اللائي كن. قوله [شيبتني هود إلخ] إسناد التشبيب إلى (الواقعة) و (المرسلات) و (النبأ) و (التكوير) ظاهر لما فيها من ذكر أهوال القيامة وأحوالها، وأما نسبته إلى (هود) فقيل: لما فيها من ذكر الأمم السالفة وما جرى عليهم من العقوبات، الحواشي
(١) لكن فيه قولاً آخر تقدم في هامش (باب في صفة ثياب أهل الجنة) فإن الحديث بسنده ومتنه مكرر تقدم هناك.(٢) قال الرازي: في الآية وجوه: الأول أن تجعلون شكر النعم أن تقولون: مطرنا بنوء كذا، وهذا عليه أكثر المفسرين، والثاني تجعلون معاشكم وكسبكم تكذيب محمد، يقال: فلان قطع الطريق معاشه، والرزق في الأصل مصدر سمي به ما يرزق، يقال للمأكول رزق، كما يقال للمخلوق خلق، وعلى هذا فالرزق مصدر قصد به ما كانوا يحصلون به مقاصدهم، وأما قوله: تكذبون، فعلى الأول المراد تكذيبهم بما قالله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ وغيرها، وعلى الثاني المراد جميع ما صدر منهم من التكذيب، وهو أقرب إلى اللفظ، انتهى.стр. 1679
وقيل: بل (١) لما فيه من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ فإن الأمر بالاستقامة، وإن كان واردًا في سورة الشورى أيضًا وهو قوله تعالى: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ َهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ إلا أن أمر الاستقامة في (هود) لما شمله (٢) ﷺ بأمته كان أشد الحواشي
(١) قال الدمنتي: روى البيهقي وابن عساكر عن أبي القاسم القشيري قال: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، سمعت أبا على الشبوي يقول: رأيت النبي ﷺ نومًا فقلت: روى عنك أنك قلت: شيتبني (هود)، قال: نعم، فقلت: ما الذي شيبك منها؟ هل قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ فقال: لا ولكن قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. ثم ذكر هذه السور ليس للحصر، بل المراد أمثالها. فلا ترد ما قال المناوي: زاد الطبراني في رواية: و (الحاقة). وزاد ابن مردويه في أخرى: و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وزاد ابن سعيد في أخرى (القارعة) و (سأل سائل) وفي أخرى و (اقترب الساعة) انتهى.(٢) وبذلك جزم المناوي في شرح الشمائل، وقال القاري بعد ما روى عن شرح السنة قصة المنام المذكورة، هو لا ينافي أسبابًا أخر مذكورة في سائر السور مع أن مرجع الكل إليها، ولذا قيل: الاستقامة خير من ألف كرامة، ولا يرد عليه أنه مذكور في (الشورى) أيضًا، مع أنه لا دلالة في الكلام على الحصر حتى يحتاج إلى الجواب بأنه أول ما سمع في (هود)، أو بأن الاستقامة في (الشورى) مختصة به، بخلاف ما في (هود) إلى آخر ما ذكره .. ثم الحديث عده السيوطي في التدريب من أمثلة المضطرب، وحكى عن الدارقطني أنه مضطرب، فإنه لم يرد إلا من طريق أبي إسحاق، وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه، فمنهم من رواه مرسلاً. ومنهم من رواه موصولاً، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند متعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، وغير ذلك، ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر، انتهى. قلت: وإلى شتى من الاختلاف في ذلك أشار المصنف أيضًا.стр. 1680
[سورة الحديد]
قوله [فإنها الرقيع] أي مرقوع بعضها (١) ببعض، ومعنى قوله: موج مكفوف (٢) على التشبيه، أي مثل الموج في الصفاء والشفيفت، قوله [وفسر بعض أهل العلم إلخ] وإنما أراد بذلك التفسير (٣) أن يكف أوهام العوام عن الوقوع فيما يستضرون به، وإلا فقد علموا أن لا فكاك ثم بين الذات والصفات، فإنما الرب فوق كل شيء وتحت كل شيء.
[سورة المجادلة]
قوله [فاصنع ما بدالك] يعني أنهم خافوا نزول القرآن في القوم أجمع الحواشي
(١) إشارة إلى وجه التسمية، وقال المجد: كأمير: السماء، أو السماء الأولى، والرقع: السماء السابعة، وقال القاري: الرقيع اسم لسماء الدنيا، وقيل: لكل سماه، انتهى.(٢) هو أوجه مما قال القاري: هي معلقة بلا عمد كالموج المكفوف.(٣) قال القاري: وفي قول الترمذي إشعار إلى أنه لابد لقوله: «لهبط على الله» من هذا التأويل المذكور، ولقوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ من تفويض عليه إليه تعالى والإمساك عن تأويله، كما سبق أن بعضًا من خلاف الظاهر يحتاج إلى التأويل، ومنها ما لا يجوز الخوض فيه، انتهى. وفي المجمع: قول الترمذي إشارة إلى وجوب تأويل هبط على الله، وتفويض استوى على العرش، انتهى.стр. 1681
فقالوا له: إنك إن رحت وحدك وقيل فيك شيء أو نزل فيك وحي لم يكن مثل أن ينزل فينا كلنا. قوله [أنت بذاك] قصد بذاك تقريره على ما أخبره به تعجبًا واستبعادًا عما ارتكبه، ومعناه أنت المتلبس بالمذكور من القضية وأنت الذي فعلت هذا وتلبست بذاك المذكور.
قوله [إلا في الصيام] فأنى لي الصبر عنها ستين يومًا بلياليها ولم أجد قوة في الصبر عنها ثلاثين يومًا.
قوله [وسقا] فيه دليل على ما (١) ذهب إليه الإمام من مقدار ما يجب على المظاهر، ولم يذكر مقدار الصدقات التي كانت في بني زريق، وإنما ذكر ما وجب عليه أداؤه منها وهو ستون صاعًا وهو الوسق.
قوله [لا ولكنه إلخ] نفى لما فهموه (٢) من كلامه، والمعنى ليس كما أريتم أو لم يسلم كما زعمتم ولكنه إلخ. قوله [ردوه] أي هذا الكتابي المسلم عليهم لاويًا لسانه. قوله [إنك لزهيد] أي مقلل من الدنيا (٣) .
قوله [فبي خفف الله] لما علم من كلامه أنها تشق عليهم وتثقل.
[سورة الحشر]
قوله [حرق رسول الله ﷺ إلخ] وإسناد الفعلين إليه ﷺ مجاز باعتبار تقريره، وآخر الأمر كما وردت الآية والرواية. قوله [فحك في صدورهم] الحواشي
(١) وهو ظاهر فإنه ﷺ أمره بإطعام الوسق ستين مسكينًا، والوسق ستون صاعًا، وتقدمت المذاهب في الكفارة في هامش (باب الظهار).(٢) فإنهم فهموا من كلامه أنه سلم كما قالوا بذلك، ومسلك الحنفية في باب السلام على أهل الذمة تقدم في بابه.(٣) وقال الرازي في التفسير الكبير: إنك قليل المال فقدرت حسب حالك، انتهى. وبسط في مصالح هذه الصدقة وحكمها.стр. 1682
لما أن إجلاء اليهود لما كان تحقق عندهم حيث نزل القرآن به وأخبر النبي ﷺ ، فكانت النخلات وغيرها من أثاثهم وما لهم من القليل والكثير للمسلمين، فلما أفسدوها فكأنهم أضاعوا أموال إخوانهم المسلمين، وإن (١) كان قطعنا هذا جائزًا لما أنها في الحال وإن كانت للمسلمين باعتبار المآل، فالوزر في التي تركناها على أصول ولم نقطعها ونحرقها.
[سورة المممتحنة]
قوله [وما فعلت ذلك كفرًا وارتدادًا] وإنما كان على ثقة من أن الله ناصر عبده فلا يضر المسلمين إخباري الكفار عن بعض أمرهم مع أن بعض هذه الأمور التي هي واقعة هاهنا (٢) ليست بخلفية عليهم، ويعلم منه أن ارتكاب الحواشي
(١) توضيع كلام الشيخ أنهم لما قطعوا بعضها وتركوا بعضها حك ذلك في صدورهم باعتبار أن القطع إن كان فيه مصلحة الإغاظة فقانت في ترك بعضها، وإن كان البقاء فيه مصلحة منفعة المسلمين فقانت في قطع بعضها، ثم الجمهور على جواز ذلك للحاجة والمصلحة إذا تعينت طريقًا في نكاية العدو، قال الحافظ: وخالف في ذلك بعض أهل العلم فقالوا: لا يجوز قطع الشجر المثمر أصلاً، وحملوا ما ورد من ذلك إما على غير المثمر، وإما على أن الشجر الذي قطع في قصة نبي النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور، انتهى.(٢) فإن أخبار مسيرة ﷺ لم تكن خافية، غاية ما فيه أن يخفى جهة المسير، وكتاب حاطب على ما حكاه الواقدي لم يكن فيه إلا إخبار المسير، فقد ذكر الحافظ: روى الوقدي بسند مرسل أن حاطبًا كتب إلى سهيل ابن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة أن رسول الله ﷺ أذن في الناس بالغزو ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد، وذكر بعض أهل المغازي أن لفظ الكتاب: أما بعد يا معشر قريش فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم، كذا حكاه السهيلي، انتهى.стр. 1683
السيئة التي هو على يقين (١) من وقوعها حرام ومحظور شرعًا، ولا يعذر في ذلك بأنها كانت تقع لا محالة. قوله [اضرب عنق إلخ] ولما أراد النبي ﷺ أن يعفو عنه مع ما ثبت عليه من الجرم أراد عمر قتله واستأذن فيه، علم أن قتل التعزيز في أمثال هذه (٢) الجنايات ممكن، والنفاق المذكور في كلام عمر الحواشي
(١) كما تيقن حاطب أن بعض أموره ﷺ معلومة لهم لا محالة فلا يضره إخباره، ومع ذلك فقد عتب على ذلك.(٢) فقد حكى ابن عابدين عن (الصارم المسلول) أي من أصول الحنفية أن مال لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل، والجماع في غير القبل إذا تكرر فللإمام أن يقتل فاعله، وكذلك أن يزيد على الحد المقدر إذا رأى المصلحة في ذلك، ويسمونه القتل سياسة، وكان حاصله أن له أن يعزز بالقتل في الجرائم التي تعظمت بالتكرار وشرع القتل في جنسها، انتهى. وعد ابن عابدين في أمثلته قتل اللوطي والساحر والزنديق وغيرها، قلت: وكذا العين المسلم ممن لا قتل فيه عند الحنفية والجمهور، فيحمل إن ثبت القتل في موضع على السياسة، ففي البذل تحت حديث سلمة بن الأكوع في قتل عين من المشركين: قال النووي: فيه قتل الجاسوس الحربي وهو كذلك بإجماع المسلمين، وأما الجاسوس المسلم فقال الشافعي والاوزاعي وأبو حنيفة وبعض المالكية وجماهير العلماء: يعزره الإمام بما يرى من ضرب وحبس ونحوهما، ولا يجوز قتله، وقال مالك، يجتهد فيه الإمام ولم يفسر الاجتهاد، وقال عياض: قال كبار أصحابه: يقتل، انتهى.стр. 1684
نفاق العمل (١) ، ولذلك لم يرد عليه النبي ﷺ قوله هذا ولم ينهه عنه.
وله [لعل الله إلخ] إدخال (٢) لفظه الترجي عليه مع أن (٣) علم الله تعالى بحالهم واطلاعه على أفعالهم باعتبار المجموع، يعني لعل الله غفر لهم ذنوبهم كائنًا ما كانت، ثم إن المغفرة لما (٤) لم تكن نصًا في أنهم يغفر لهم في الحواشي
(١) ولا مانع من أنه حمله على النفاق الحقيقي أيضًا، فإن النفاق كان إذ ذاك شائعًا، واستبعد عمر وقوع مثل هذا الجرم عن المسلم، ولعل الشيخ وجه كلامه بالنفاق العملي لاستعظامه شأن عمر أن يحكم بالنفاق على بدري لفعل ممكن تأويله، وأيضًا فإن النبي ﷺ رد عليه إرادة القتل ولم ينكر عليه أنه كيف حكم عليه بالنفاق.(٢) وقال العلماء: إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله للوقوع، وعند أحمد وأبي داود وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة بالجزم بلفظ: إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، هكذا في الفتح.(٣) يحذف خبره، أي متحقق وثابت، وقوله: باعتبار خبر لقوله: إدخال الترجي.(٤) وهو كذلك في حديث الباب، اسكن قال الحافظ: عند أحمد بإسناد على شرط مسلم من حديث جابر مرفوعًا: لن يدخل النار أحد شهد بدرًا، ثم قد استشكل قوله: اعملوا ما شئتم، فإن ظاهره أن للإباحة وهو خلاف عقد الشرع، وأجيب بأنه إخبار عن الماضي، أي كل عمل كان لكم فهو مغفور، ويؤيده أنه لو كان لما يستقبلونه من العمل لم يقع بلفظ الماضي ولقال: فسأغفره لكم، وتعقب بأنه لو كان للماضي لما =حسن الاستدلال به في قصة حاطب، لأنه ﷺ خاطب به عمر منكرًا عليه، والقصة كانت بعد بدر بست سنين، فدل على أن المراد ما سيأتي، وأورده في لفظ الماضي مبالغة في تحقيقه، إلى آخر ما بسطه الحافظ، فالظاهر المغفرة في أول الأمر.стр. 1685
أول الأمر أو بعد استيفاء أجزية المعاصي قليلها وكثيرها صار كله في حكم الرجاء غير مستيقن به.
قوله [قال عمرو: وقد رأيت ابن أبي رافع] يعني به (١) أنه كان تابعيًا.
قوله [أو لنجردنك] وتجريد المرأة جائز إذا كان غالب الظن أو اليقين حاكمًا بأنها حاملة كتاب ولا يكون إلى أخذها منها سبيل غير ذلك، وكذلك فيما يداينها من (٢) الضرورات والوقائع، ثم وقع في بعض الروايات أنها أخرجت الكتاب من عقاصها، وفي بعض أنها أخرجته من معقد إزارها (٣) ، والجمع الحواشي
(١) ثم ما في النسخة الأحمدية من قوله: (كاتب العلى) تحريف من الناسخ، والصواب (كاتبًا لعلى) كما في المصرية وغيرها.(٢) ولذا بوب عليه البخاري في صحيحه (باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن) قال العيني: جواب إذا محذوف، تقديره يجوز للضرورة، وقوله: تجريدهن أي إذا اضطر أيضًا إلى تجريدهن من الثياب لأن المعصية تبيح حرمتها، ألا ترى أن عليًا والزبير أرادا كشف المرأة في هذه القصة، وقد أجمعوا أن المؤمنات والكافرات في تحريم الزنا بهن سواء، وكذلك في تحريم النظر إليهن، ولكن الضرورات تبيح المحظورات، انتهى.(٣) كما في الباب المتقدم للبخاري بلفظ: فأخرجت من حجزتها، قال الحافظ: الحجزة بضم المهملة وسكون الجيم بعدها زاي: معقد الإزار والسراويل، ووقع في رواية القابسي من حزتها يحذف الجيم، قيل: هي لغة عامية، ووقع في باب الجاسوس من البخاري أنها أخرجته من عقاصها، وجمع بينهما بأنها أخرجته من حجزتها فأخفته في عقاصها ثم اضطرت إلى إخراجه، أو بالعكس، أو بأن تكون عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها فربطته في عقيصتها وغرزته بحجزتها، وهذا الاحتمال أرجح، وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون معها كتابان إلى طائفتين، أو المراد بالحجزة العقدة مطلقًا، وتكون رواية العقيصة أوضح من رواية الحجزة، أو المراد بالحجزة الحبل، انتهى.следующие страницы →