[باب]
أورد بابين، بين في الأول منهما ذكر ذاته ويده خلقه، وفي الثاني بعض صفاته، أي شدته على ما سواه، لما أن سورة الناس اشتملتهم مكررًا كما هو ظاهر، واختتمت السورة بذكر الناس أيضًا، فناسب ذكر بعض أحواله بعد ذلك بهذه المناسبة، والله أعلم. قوله [اخترت يمين ربي] لما فيها من اليمن والبركة فيما بيننا وإن كانت كلتاهما يمينًا وبركة فيه ﵎، ولعل (١) في اليد
стр. 1717
الأخرى الكفار والمنافقون، فبسط اليمين أولاً وأراه المسلمين من ذريته كما بسطت القصة، ثم أراه الكفار منها ببسط اليد الأخرى وفتحها، ولا يخفى أن الذي ورد فيه من أن عمر داود ﵇ كان أربعين سنة، ثم آتاه آدم من عمره ستين مخالف لما سبق (١) في الروايات أن عمره كان ستين فآتاه آدم من عنده أربعين سنة، ويجمع بأن عمره كان أربعين فآباه آدم عشرين فصارت ستين، فسأل آدم ربه ﵎ من تمام عمره، بعد أن يحتسب ما آتاه آدم، فلما سمعه ستين زاد ثانيًا من عنده أربعين، وكذلك إذا حضرت وفاة آدم ذكره الملك ما آتاه ابنه داود من عمره، فحيث ذكره إعطاء ستين ذكره مجموع عطائه، وحيث ذكره أربعين ذكره ما آتى آخرًا، والأمر فيه سهل بعد التأمل الصادق، والله أعلم.
стр. 1718
أبواب الدعوات عن رسول الله ﷺ
قوله ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية لقد تضمنت (١) شرائع الإسلام بأسرها دعوات صريحة أو ضمنية فكان الأمر بالدعاء هو الأمر بإتيانها بحسب الحقيقة، ولا شك أن الأبد عن الدعاء على هذا التقدير إنما هو إياه عن شعائر الشرع، فلا محالة يكون سببًا للعقاب، ولكنا معاشر العوام الذين عمتهم الغفلة وأحاطت بهم القسوة حتى لا يكاد أحدنا يؤدي الأحكام حسب ما
стр. 1719
أمر به لسنا نتمكن من الاكتفاء بالدعوات الضمنية التي أشير إليها في الآية بل لابد من إتيان الدعاء مستقلاً على حدة، فبعزر تارك (١) الدعوات بعد الصلوات ولا يعذر
стр. 1720
على تركها. قوله [إنه من لم يسأل الله يغضب عليه] قد يحمل على ما ذكرناه من أنه يحصل بانيان الشرائع، فلا يتوهم أن إبراهيم ﵇ كيف ترك (١) الدعاء حين ألقى في النار، حيث قال: علمه بحالي حسبي من سؤالي، وقد يجاب عنه أيضًا بأن ترك السؤال إنما كان بلسانه لا بقلبه، فإنه لم يكن له هم إذ ذاك إلا ذكره ﵎، والذكر والثناء والشكر له سبحانه من العبد كله دعاء وسؤال لما له من فاقة ذاتية إليه.
قوله [لسانك رطبًا إلخ] بإقامة الدال مقام المدلول، فإن المقصود إنما هو تذكر القلب إلا أن الذكر اللساني سبب له ومنبئ عنه فيثاب عليه أيضًا، وأما إذا اجتمعا فهو أولى وأحرى. قوله [لكان الذاكرين الله كثيرًا أفضل إلخ] لما أن حسن الذكر ذاتي من غير توسط أجنبي، بخلاف الجهاد فإنما حسن لأجل غيره (٢).
стр. 1721
لأن الذكر هو المقصود الأصلي المطلوب لذاته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ﴾ الآية، فالجهاد ليس إلا لتحصيله، فأما إن يسلم الكفار فيذكروه، أو يقتلوا فيتفرغ المؤمنون لذكره سبحانه، وأما ما ورود من الفضائل في الجهاد فإن ذلك لفضيلة جزئية فيه، وقد يربو المفضول على ما هو أفضل منه إذا احتيج إليه، فقد كانت في الجهاد (١) فضيلة للافتقار إليه إذًا، وكذلك في كل زمان يفتقر إليه وإلى
стр. 1722
غيره، وأما إذا قطعت النظر عن الأمور الخارجية ونظرت إلى الشيء نفسه فالفضل للذكر على كل ما سواه (١)، فقوله [الله ما أجلسكم إلخ] أما استحلاف معاوية فكان يتحرى بها أداء السنة (٢)، وأما استحلاف النبي ﷺ فكان للتقرير لشدة السرور. قوله [وما كان أحد بمنزلتي إلخ] يعني أنه لما لم يكن يروى لهم روايات كثيرة كان مظنة أنه ليس له رواية وإلا لأظهرها، فأثبت له اختصاصًا بالنبي لكون أخته في بيته، وترك الرواية كان احتياطًا منه في باب الحديث، وإنما فعل ذلك أي أثبت اختصاصه واعتذر عن قلة لرواية لينفي عن نفسه ريبة الكذب (٣). قوله [ما لم يدع بإثم أو قطعية رحم] وأما إذا (٤) فيحسبه أنه لم يعذب ولم يدهمه مصيبة.
стр. 1723
[باب الداعي يبدأ بنفسه]
قوله [بدأ بنفسه] لأن السؤال للغير وترك نفسه يوهم أن له غنى عنه، ولأنه لو أوتي له (١) ما سأل فهو يكون فهو يكون قد أحرز نصيبًا منه. قوله [ما لم يعجل] لأنه يكون سببًا للقنوط والترك. قوله [أراه قال] أي غالب ظني أنه قال: له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأما بعد ذلك (٢) فليس داخلاً
стр. 1724
تحت الظن، وإنما هو مثل الأول في اليقين به.
قوله [وسوء الكبر] بفتح الباء من كبر السن، وقيل: بسكونه هو التكبر، ولا يناسب الكسل (١)، والإضافة على هذا بيانية. قوله [وشركه] بالكسر، أي يصيبني من ضرر شركة (٢)، أو أن أتلطخ بدنسه.
قوله [فقلت: وبرسولك الذي أرسلت إلخ] إنما بدل البراء لفظ الرسول
стр. 1725
موضع النبي لزيادة في الرسالة نسبة النبوة، وإنما رد عليه (١) ذلك لأن الصيغة التي دعا بها النبي ﷺ أقرب إلى الإجابة. وإن كان الدعاء جائزًا مستحابًا بما شاء، وأما ما يقال من أن النبي ﷺ إنما رد عليه لأن الرسالة قد كانت ذكرهن في قوله: أرسلت، فأراد أن يحرز فضيلة النبوة أيضًا فإن في معناها؟ ؟ ؟ (٢)، فيخدشه أن الواقع في الدعوات المأثورة عن النبي ﷺ أيضًا هو رسولك (٣) الذي أرسلت في غير هذا الدعاء.
قوله [وأنت على وضوء] ولا ينبغي أن يترك الدعاء أصلاً لفوت الوضوء.
стр. 1726
ونظائره في كلامه تعالى غير عزيز، والمعنى جمع كفيه ثم عزم على النفث فقرأ فيهما، أو لعل السر في تقديم النفث على القراءة مخالفة السحرة البطلة على أن أسرار الكلام النبوي جلت عن أن يكون مشرع كل وارد، انتهى مختصرًا. وفي المرقاة: قال بعض شراح المصابيح: وفي صحيح البخاري بالواو وهو الوجه، لأن تقديم النفث على القراءة لم يقل به أحد، ولعل الفاء سهو من الكاتب أو الراوي، قال ابن الملك: تخطية الرواة العدول بما عرض له من الرأي خطأ، ثم حكى توجيه الطيبي، ثم قال: قال ابن حجر: عطف بثم لترتيب النفث فيهما على جمعهما، ثم بالفاء ليبين أن ذلك النفث ليس المراد به مجرد نفخ مع ريق بل مع قراءته، انتهى مختصرًا.
стр. 1727
يذكر أولاً. قوله [حتى يقرأ المسحبات إلخ] ثم اعمل أن النبي ﷺ كان يفعل أحيانًا كذا (١)، أحيانًا كذا. إلا أن الرواة حملوا كل ما سمعوه تلاها على الدوام. فمن أتى بها جميعًا، فهو أولى أو أزكى ومن قرأ أيامًا كذا وأيامًا كذا، أو يومًا كذا ويومًا كذا فقد أقام السنة، والله أعلم.
وقوله [حتى يحب متى يحب] فيه إشارة إلى ان ذلك ليس لمن يريد صلاة فالليل، بل فعليه: يحرزها كل مسلم.
стр. 1728
صـ ٣٤٠ غير واضحة
стр. 1729
أو يقال في ذاته وصفاته من التحقق والثبوت ما ليس لشيء غيره عرفهما دلالة على ذلك، ونكر الحق بعد ذلك، فقال: ولقاؤك حتى إلخ. قوله [وتجمع بها أمري] في أمور ديني وأحوال طاعاتي. [وتلم بها شتى] أي في مصالح دنياي. قوله [غائبي وشاهدي] من الأعمال والأحوال والكيفيات الواردة على ما حضرني الآن وما لم يأتي بعد، أو المراد بالشاهد والغائب من تابعه وكان له ممن حضر أو لم يحضر.
قوله [وترد بها الفتى] أي ترد إليك ما كان لي من أنسة والفتى فلا أتألف إلا بك.
قوله [الفوز في القضاء] أي أن يكون لي في قضائك هو الفوز دون الخيبة والحرمان. قوله [كما تجير بين البحور] أي كما أن البحر لا يمكن فصله من بحر إلا بمحض قدرتك فكذلك إني بارتكاب المأثم لابست السعير والنار فلا ينجيني منها إلا أنت. قوله [وقال به] أي ثم (١) ذكره لنفسه في كتابه وأثبت له
стр. 1730
عزة قوله [إذا قام في الصلاة قال] أي بعد تكبيرة الافتتاح في موضع الثناء، ولا يفعل في الفريضة إلا إذا صلى لنفسه (١)، أو يكون من وراءه من المصلين كلهم لهم رغبة في التطويل (٢)، وعلى هذا يحمل ما ورد في الرواية الآتية بعد ذلك من زيادة لفظ المكتوبة، فإنه ﵊ شدد (٣) في تخفيف الصلاة إذا صلى بالقوم، وأما مع ذلك فلو أتى بها أحد في الفريضة بالجماعة أو غيرها لا يسجد للسهو كما توهم البعض. قوله [يوسف بن الماجثون] معرب مامكون (٤). قوله [ولا يقول في المكتوبة] أي دائمًا.
стр. 1731
قوله [سمعت أبا إسماعيل يعني الترمذي] لما كان المسمون بأبي إسماعيل متعددين بينه بزيادة بيان النسبة يعين المراد. قوله [مثل حديث الزهري] يعني أن إسناده جيد جودة إسناد الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر، فإنهم يسمونه لجودته بسلسلة الذهب. قوله [فلقيني أخي سالم بن عبد الله إلخ] إنما قال له أخي (١). قوله [قال بأصبعه] أي أشار بها للتوحيد بتسويتها قيامًا. قوله [وأقلينا بذمة] أي كاملة تامة أريد بالمطلق فرده الكامل، أو التنوين عوض عن المضاف إليه (٢). قوله [وكلاهما له وجه] أشار به إلى جواب ما أورده البخاري (٣)
стр. 1732
ص ٣٤٤ غير واضحة
стр. 1733
قوله [على ولده] أي لضرره كما هو مفاد كلمة على (١)، فإن دعوة الوالد وإن كانت مستجابة في حق الولد خيرًا وشرًا إلا أن دعاءه في الشر أشد، وذلك لأنه لا يدعو عليه إلى بعد شدة يقاسيها منه، فكان مظلومًا أيما مظلوم، وقبول دعوة المظلوم مسلم معلوم.
قوله [وزاد فيه] أي زاد فيه لفظ لا شك فيهن. قوله [وعافنا قبل ذلك] أي قبل أن يصيبنا العذاب، يعني أنه إذا أتى فلا مرد له فيدعو أن يصحبه العافية قبل إتيانه فلا يصيبه شيء منه. قوله [حتى عرف الغضب] على زنة المجهول.
[باب ما يقول إذا رأى الباكورة]
قوله [ثم يدعو أصغر وليد يراه (٢)] لما بينهما من مناسبة في حدثان العهد، ولأنها لا تقع من الكبير بمنزلة والصبي يفرح به.
стр. 1734
قوله [ليس شيء يجزئ] تنبيه على العلة التي صارت سببًا في طلب الزيادة من اللين.
قوله [ولا يصح] أي كل واحد من القولين، وقال في الشمائل: الصحيح عمر بن أبي حرملة، انتهى. يعني كما تقدم في أول السند (زكريا).
قوله [ربنا] منصوب (١) بحذف حرف النداء، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف أي أنت ربنا. وقوله [غير مودع ولا مستغني عنه] حال (٢).
قوله [إن ربكم ليس بأصم] استدل بذلك من منع الجهر بالذكر ولا يتم، فقد ورد (٣) أنه كان ثم عدو فأراد أن لا يعلموا بهم، فكان الممانعة لأمر خارج
стр. 1735
لا لشيء في نفس الذكر، وهذا هو الحق، فإن الذكر ليس شيء من أنواعه متهيأ عنه (١)، وإنما ذلك لأمر خارج عنه، فإن كان في جهره إضرار بأحد مثلاً كره وإلا لا.
стр. 1736
قوله [ألا أعلمك كنزًا إلخ] وقد ورد في غيره من الروايات أنه كان يقول: لا حول ولا قو إلا بالله سرًا (١)، فأما أن النبي ﷺ سمعه (٢) يتلوها فبين له
стр. 1737
فضيلتها ليكون على بصيرة من منزاتها حين يقرأ، أو وقع ذلك اتفاقًا. قوله [وإنها قيعان] ظاهره مخالف لقوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ والجواب (١) أن أشجارها في مواضعها مجتمعة وليست منثورة في جملة أراضيها كما هو دأب أصحاب البساتين أنهم يغرسون صنفًا من الأشجار في قطعة من الأرض صغيرة بحيث لا يكون بينها كثير فصل، ثم لما أرادوا قلعوها من هناك وأثبتوها حيث شاءوا، فكذلك أشجار الجنة إنما هي في قطاعات من الجنة، وليست في كل أراضيها بحيث لا يشذ منها أرض إلا وفيها شجر بل هي بأصنافها منبتة في موضع معلوم، فإذا سبح الرجل أو فعل غير ذلك مما هو موجب للغراس نقلت الشجرة إلى مقامه الذي أعد له، فاغتنم هذا.
قوله [لم يأت أحد يوم القيامة] إلى قوله [مثل ما قال أو زاد عليه]
стр. 1738
فيه حذف (١) تركه مختصرًا أنكالاً على الفهم، والمراد لم يأت أحد يوم القيامة بمثل ما جاء إلا أحد قال مثل ما قال، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا أحد زاد عليه، وهكذا فيما بعد، فافهم. قوله [ولم ينبغ لذنب أن يدركه إلخ] وليس المراد نفي تلك الفضيلة عن غير تلك الكلمة، بل إثباتها لها مع كون غيرها أيضًا كذلك فيها، ووجه الفضيلة ما فيها من معاني التوحيد والتكبير وغيرها، ولم يتدنس (٢) بعد بمشاغل دنيوية.
قول [باسمه الأعظم إلخ] وكل أسمائه (٣) ﵎ أعظم، إلا أن لبعضها
стр. 1739
تناسبًا ببعض الأوقات وبعض الأشخاص وبحسبها يعظم التأثير، فلذلك تراه ﷺ أمر كل سائل بما يناسبه. قوله [القداح] فعال (١) أي صناع القداح.
قوله [فأحمد الله إلخ] ولا يتوهم (٢) بذلك نسخ إطلاق الآية ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]؛ لأن الرواية إنما بينت فرده الكامل الأولى من غيره بالإجابة، لما أن في الآية لما ترتب الإجابة على الدعاء كان كمال الإجابة بكمال الدعاء، ونقصانها، فأراد النبي ﷺ أن ينبه على أدب الدعاء لتكون أقرب إلى الإجابة، لا أن الدعاء ليست بمجابة دونه.
стр. 1740
قوله [وأنتم موقنون إلخ] بإيجاد كيفية القبول فيكم، أو بتحري مواقع الإجابة زمانًا ومكانًا، أو لكثرة رجائكم بالقبول، أو لمبالغة في الدعاء حتى لا يظن الخيبة والحرمان. قوله [لا يستجيب دعاء] استجابة كاملة (١)، فلا يضره إطلاق الآية. قوله [أو لغيره] والغرض إسماعه (٢).
قوله [واجعله الوارث مني] أي السمع (٣) والبصر، أي أبقى متمتعًا
стр. 1741
بهما ما دامت حياتي باقية، ويبقيان كأنهما وارثان مني، أو متعنى بمسموعاتي ومبصراتي بعد مماتي، أو أبق فيضانا بعدي لأهل العالم، كقول إبراهيم: «واجعل لي لسان صدق في الآخرين».
قوله [ومن الماء البارد] يعني أن أحبك فوق ما أحب نفسي وما تحبه نفسي، فبين بعض مشتهيات النفس وضرورياتها في بقاء شخصها ونوعها، فالأول الماء البارد، والثاني الأهل، فتدبر.
قوله [كان أعبد البشر] ولا يلزم تفصيله (١) على سائر الأنبياء أو على
стр. 1742
نبينا عليهما الصلاة والسلام، لأن هذه الفضيلة جزئية، ولا ينكر فضل الأنبياء فيما بينهم بصفات مخصوصة، والكمال العلمي فوق الكمال العملي، وهو مختص بنبينا ﷺ . قوله [فتنة النار وعذاب النار] فالأول ما يصيب من لهبها وهولها وحزنها والخوف من دخولها، والثاني ظاهر، أو الأول (١) المآثم والمعاصي وسائر ما يوجبها، وعذاب النار ما يبدو بعد الموت.
قوله [فوقع يدى على قدميه] فيه دلالة على عدم انتقاض الظهارة بمس المرأة، فإن المحدثين يحملون المس واللمس عليهما (٢) من دون حائل، فأما أن يلزمهم تلك المسألة أو يلزم رفض تيك القاعدة، وهو مفيد لنا في مواضع شيء. قوله [فإنه لا مكره له] يعني أن الأمر حقيقة على ما سأله السائل إلا أن فيه إيهامًا لأن التعليق بالمشيئة كما يكون لاستبداد المسئول عنه بالاختيار فكذلك قد يكون لاستغناء السائل، فالمراد وإن كان هو الأول لكن لما أوهم بالثاني وجب تركه، فلتكن على ذكر منه.
стр. 1743
قوله [حتى يبقى] وما بعد حتى داخل (١) في حكم ما قبلها، واختلفت الروايات (٢) في وقت النزول، والجمع أنه يبتدأ حين يذهب الثلث الأول ثم يزيد حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى الصبح. قوله [نشهدك ونشهد حملة عرشك إلخ] أي نسألك أن تشهدهم فإنهم لم يشهدوا ولم يحضروا، وفائدة شهادة هؤلاء -والله عالم- هو الاعتبار في أعين الحضار. قوله [في داري] أي في دار دنياي ودار عقباي، لا لأنه تثنية فإنه مفرد بل لأنه صادق عليهما.
стр. 1744
قوله [وإن كنت مغفورًا لك] أي قل هذه الكلمات وإن كنت كذا أو غفر لك وإن كنت مغفورًا لك، فالمغفرة للمغفور زيادة في درجاته. قوله [مائة غير واحدة] يعني (١) أن تسعة وتسعين ليس بكثير، أو إنما هو تحديد وليس فيه حصر للأسماء (٢)، فإن مفهوم العدد غير معتبر. قوله [المقيت]
стр. 1745
معطى (١) الأقوات، ثم الإحصاء (٢) أول مراتبه الإيمان بجملتها إجمالًا، وهو حاصل لكل مؤمن حيث يؤمن بالله كما هو بأسمائه وصفاته، وثانيها حفظ ألفاظها وإن لم يفهم معانيها، وثالثها الإيمان بتفاصيلها، ورابعها التذك بمعانيها مع حفظ ألفاظها، وخامسها- وهو أعلاها -أن يستوفي منكل منها حظه الذي وضع فيها،
стр. 1746
والحظ في جملتها ليس على نسق واحد بل التخلق (١) بها مختلف، ففي بعضها التخلق بمؤدى ألفاظها كما في الرحمن والرحيم، فإن التخلق فيها التكلف بالرحمة على الموافق والمخالف على حسب الشرع، حتى يصير التطبع فيه طباعًا والتكلف له هوى مطاعًا، وفي بعضها قطع الرجاء عن الغير وتوكيل أمره إليه في الشر والخير، كالمالك والرازق والوهاب وغير ذلك من الأمور كثيرة، ثم قد يتركب بعضها فيلاحظ في الاسم الواحد فوائد شتى.
قوله [إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا] أردا برياض الجنة، واقع الذكر (٢) ومواضعه، وإنما كان تفسيرها بالمسجد بيان بعض أفرادها تمثيلًا، وليس المراد الحصر، ولذلك صح تفسيرها فيما بعد بحلق (٣) الذكر، والرتع للحيوان، فيه إشارة إلى أن المرأ ينبغي أن يكون حرصه على اقتناء المكاسب الدينية كحرص البهائم والدواب على مراعيها لا تقصر منها ما أمكنها، ولئن أردا أحد أن يصرفها عنها شق ذلك عليها، حتى أنها كثيرًا ما لا تزول عن موضعها الذي اشتغلت بالعري فيها وإن نالتها بذلك ضربات وصدمات بالعصى وأجماع الأكف، فكذلك الذاكر ينبغي أن لا تأخذه في ذلك لومة لائم ولا يزله عن ما قصده شهوات الملابس
стр. 1747
والمطاعم، ولا يكون له عنه شبع وإعراض، ولا يصدر عنه من ذلك استحياء وإغماض.
قوله [قال: فإذا أعطيت العافية إلخ] فإن السائل لما كرر عليه المسألة بعد الجواب علم أنه لعله استحقر الدعاء التي ذكرها لها فنبين فضيلتها بأنها جامع الدعوات (١)، وإنما لم يبين أول مرة ليكون أوقع في النفس.
قوله [اللهم خر لي إلخ] لعل المراد بالأول أن يقدر له الخير، وبالثاني أن يختار له من بين الأمور خيرًا، فالأول إشارة على محو الشر لو كتب له وثبت الخير مكانه، والثاني إلى إرجاع الخير إليه من حيث كان، أو يكون اللام زائدة، أي خرني اجعلني خيرًا، والتفاوت على هذا التقدير بين السؤالين ظاهر، فالأول سؤال عن أن يجعل الله ذاته ونفسه خيرًا، والثاني أن يجعل ما يكسبه ويحمله ويرد عليه من الأحوال والكيفيات وما يعامل به من الديانات والبياعات ومن يفتقر إليه في تمدنه وغير ذلك خيرًا لا شرًا خبيثًا.
قوله [الوضوء شطر الإيمان] وكذلك قوله في الرواية الثانية: الطهور شطر الإيمان، إن كان المراد بهما مطلق الطهارة فالشطر هو النصف (٢)، وتنصيفه أن الإيمان الكامل إنما هو تحلية عن الرذائل وتحلية بالفضائل فحسبن والطهارة لها مرتب (٣): طهارة الباطن عن الشرك، وطهارته عن المعاصي، وطهارته عن
стр. 1748
ما يحول بينه وبين ربه، وطهارة الجسم عن الأحداث الحقيقية والحكمية، وهذه كلها تخلية ومتاركة، ثم بعج ذلك مراتب للتحلية والارتكابات من الإقبال على الطاعات وغيرها، ولا شك أن هذه الجملة نصف الإيمان، وإليه الإشارة في قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فقوله ﴿الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ كالتعميم بعد التخصيص، وكالإشارة إلى ما تضمنه إجمالًا قوله ﴿التَّوَّابِينَ﴾. أما إن كان الوضوء والطهور هما الاصطلاحيان فالشطر بمعنى (١) الجزء مطلقًا لا النصف، وجزئيته للإيمان ظاهرة، فإنه يتوقف عليه صحة الصلاة التي هي أعظم أركان الإيمان، أو يقال: الإيمان ها هنا (٢) بمعنى الصلاة، كقوله سبحانه:
стр. 1749
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ولا شك أن الوضوء جزء من الصلاة متوقف عليه صحتها، والفرق بين الشرط والركن كما هو في اصطلاح الفقهاء إنما هو عرف مجدد، فلا يضر تأويلنا. [البرهان] الدليل [والحجة] هي البينة.
قوله [التسبيح نصف الميزان والحمد لله يملأه] إما أن يكون المراد (١) بذلك ملؤ باقيه، فيكونان سواءين في الأجر إذ كل منهما نصف، ويمكن أن يكون المراد أن التحميد يملؤه بانفراده، ووجه ذلك أن التسبيح تنزيه فقط، والتحميد يستلزم التنزه عن الرذائل بأسرها والاتصاف بالفضائل عن آخرها، ففيه زيادة نسبة إلى التسبيح. والله تعالى (٢) فادر على تجلية هذه الأعمال بهيئات وصور هي صغيرة الحجم ولا يتفاوت وزنها، فلا يستشكل أن الميزان إذا املأ بالتحميد فبم يوزن سائر الأعمال، وكذلك ما يتوهم أن من كرر ففم يوزن.
стр. 1750
قوله [اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجئ به الريح] إنما دعا بها لأن الريح لا يخلو عنها زمان ولا مكان، وكذلك يوم عرفة كان يوم اجتماع الناس، وللريح تأثير قوي في ما يوجد من الأشياء، فدعا دعوة عامة لا يشذ عنها نفر من الأنس والجن في أيامهم ولياليهم.
قوله [اللهم رب السماوات السبع إلخ] لما كان السبب الموجب للأرق أرضيًا أو سماويًا بربهما، ولما كان للشياطين تأثير قوي في أمثال هذه افردها بالذكر تخصيصًا.
قوله [أن يفرط (١) على أحد منهم أو أن يبغي] الأول من غير قصد الجاني ودون عزمه بفعله ذاك إيذاءه، والثاني بذلك. قوله [ومن همزات الشياطين وأن يحضرون] فالهمزات إشارة إلى وساوسها وما يبدر إليه من
стр. 1751
أذاها، والثاني تعوذ من نفس حضورها فإنه لا يخلو عن ثفل (١) وأذى لخبث باطنها كالنار، فإنها تضر بحرارتها من جاورها وإن لم يعلم بوجودها عنده، وكذلك فإن للشياطين بحسب أفعالها الخبيثة لعنة وطردًا من حضرته ﵎، وإنها موارد غضب فيجب التعوذ من حضورها لئلا يصيبه شيء من آثار عقوباتها.
قوله [من بلغ] أي سنا يسهل فيه حفظ الدعاء له، وكذلك المراد بمن لم يبلغ من ليس له ملكة الفهم وقوة الحفظ. قوله [أي شيء تمام النعمة] سأله (٢) عنه منعًا عن المسألة بما لا يعلم، وليكون على بصيرة عما يسأله فيرغب فيه، فيكون دعوته عن قلبه منتظرًا ظهوره. قوله [لم ينقلب ساعة إلخ] لآنه في حكم الذاكر فيستجاب له ما سأل ومتى سأل في إثناء ليله. قوله [السبأى] من غير أن تمد الباء (٣)، فقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ [سبأ: ١٥].
стр. 1752
قوله [والله لا أغضض] ولعله اغتر بسكوته ﷺ عن النهي. قوله [ولما يلحق بهم] أي في الأعمال والطاعات، ويمكن (١) إرادة اللحوق الزماني وهو الإدراك والملاقاة، قوله [جاف] بتخفيف الفاء من الجفاء. قوله [قاص عمر بن عبد العزيز] لما كان اسم الفاعل هاهنا للدوام والاستمرار أفاد التخصيص، ويمكن أن يقال: إنه ليس بمضاف إلى معموله، وإنما الإضافة لأدنى ملابسة.
قوله [ما كان في ذلك المجلس] لفظة (ما) ظرفية (٢).
стр. 1753
قوله [البخيل الذي إلخ] لأنه بخل على نفسه (١) باكتساب الأجر، أو بخل عن أن يدعو بكلمات. قوله [البخيل الذي من إلخ] (٢). قوله [أحب إليه من أن يسال العافية] إما لأنه (٣) أشمل للعبد في حوائجه، والرب ﵎. يفرح بما فيه فرحة العبد وقضاء لحوائجه، وإما لأنه لما سأله العافية وهي متضمنة لما
стр. 1754
يحتاج إليه من جلب المنافع وسلب المضار كلها، كان مقرًا بأنه لا مجير له من الله، وأن لا منجا ولا ملجأ من الله إلا إليه، وأنه المتولي لأموره المفتقرة إليها، فيكون تمام رجائه، متصرفاً إليه تعالى، وتمام رهبته منه سبحانه، وهذا سبب لعله أن العبد قد. اعترف بعجز نفسه وقدرة ربه، وقطع الرجاء عن غيره.
قوله [ومطردة للداء عن الجسد] فإن النوم الكثير يضره. قوله [محمد القرشي إلخ] اختلف (١) فيه فقيل: محمد بن سعيد ومحمد بن قيس هما مختلفان، وقيل: بل هما واحد، وجزم البخاري بأنه محمد بن سعيد المصلوب بن حسان ابن أبي قيس، فينسب إلى أبيه وجد وجد أبيه، وليسوا بمتغائرين. قوله [لك شكارًا] التقديم لإفادة (٢) التخصيص.
стр. 1755
قوله [فقد انتصر] أي انتقم، والموازنة (١) بينها مرعية فإن تساوى الظلم والدعاء كان كفافًا، لا له ولا عليه، وإن كان الظلم زائدًا. على دعائه كان له، وإلا كان عليه.
قوله [إن رجلًا كان يدعو بأصبعيه] أي عند الإشارة في القعود (٢). قوله [ثم بكى] أمل بكاء الصديق ﵁، فلعله لما تذكر زمان (٣) النبي