Полный текст (1 886 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
الصحابة الكرام ﵃ إلى يوم القيامة.
قوله [ما حجبني رسول الله ﷺ ] أي إن كان (١) في الرجال أمر يطلبني، الحواشي
(١) قال الحافظ: ما حجبني أي ما منعني من الدخول إليه إذا كان في بيته فاستأذنت عليه، وليس كما حمله بعضهم على إطلاقه فقال: كيف جاز له أن يدخل على محرم بغير حجاب، ثم تكلف في الجواب أن المراد مجلسه المختص بالرجال، أو أن المراد بالحجاب منع ما يطلبه منه، قال الحافظ: وقوله ما حجبني يتناول الجميع مع بعد إرادة الأخير، انتهى. وقال العيني: أي ما منعني مما التمست منه أو من دخول الدار، ولا يلزم منه النظر إلى أمهات المؤمنين، انتهى.стр. 1822
ولم يمنعني إذا استأذنت، وإن كان في نساء حجبهن وأذن لي، أو خرج بنفسه النفيسة إلى قوله [فإنك لن تأخذ عن أحد أوثق مني] لأن جيل الصحابة (١) قد انقرضوا فلم يبق إلا من أخذ منهم، وبكثرة الوسائط يختل الوثوق.
قوله [فما نسيت شيئًا حدثني به] أي في مجلسه (٢) ذاك وغيره. الحواشي
(١) وقد تعددت الروايات بنحو ذلك عن أنس بالألفاظ المختلفة، وبمثل ما أفاده الشيخ فسرها الشراح، فقد أخرج البخاري في (باب رفع العلم) عن قتادة عن أنس قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثنكم أحد بعدي، الحديث.
قال الحافظ: عرف أنس أنه لم يبق أحد ممن سمعه من رسول الله ﷺ غيره؛ لأنه كان آخر من مات بالبصرة من الصحابة، فلعل الخطاب بذلك كان لأهل البصرة، أو كان عامًا، وكان تحديثه بذلك في آخر عمره؛ لأنه لم يبق بعده من الصحابة من ثبت سماعه من النبي ﷺ ، إلا النادر ممن لم يكن هذا المتن في مرويه، وقال ابن بطال: يحتمل أنه قال ذلك لما رأى من التغيير ونقص العلم، يعني فانقضى ذلك عنده أنه لفساد الحال أيحدثهم أحد بالحق، انتهى.(٢) يعني ما حدث رسول الله ﷺ في هذا المجلس أوغيره ما نسيت شيئًا من ذلك، والمقصود التعميم، وهذا هـ والوجه في معنى الحديث، واختلفت ألفاظ الرواية، ولفظ البخاري في (باب حفظ العلم) برواية المقبري عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، قال: ابسط رداءك، فبسطته، قال: فغرف بيديه، ثم قال: ضم! فضممته، فما نسيت شيئًا بعد، قال الحافظ: تنكير شيئًا بعد النفي ظاهر العموم في عدم النسيان منه لكل شيء من الحديث وغيره، ووقع في رواية ابن عيينة وغيره عن الزهري عند البخاري: فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئًا سمعته منه، وفي رواية يونس عند مسلم: فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدثني به، وهذا يقتضي تخصيص عدم النسيان بالحديث، ووقع في رواية شعيب عند البخاري في البيوع: فما نسيت من مقالته تلك من شيء، وهذا يقتضي عدم النسيان بتلك المقالة فقط، لكن سياق الكلام يقتضي ترجيح رواية يونس ومن وافقه؛ لأن أبا هريرة نبه به على كثرة محفوظه من الحديث، فلا يصح حمله على تلك المقالة وحدها، ويحتمل أن تكون وقعت له قضيتان، فالتي رواها الزهري مختصة بتلك المقالة، والقضية التي رواها المقبرى عامة، وأما ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمر وبن أمية قال: تحدث عند أبي هريرة بحديث فأنكره، فقلت: إني سمعته منك، فقال: إن كنت سمعته مني فه ومكتوب عندي، فقد يتمسك به في تخصص النسيان بتلك المقولة، لكن سنده ضعيف، ويلتحق به حديث أبي سلمة عنه: لا عدوى، فإنه قال فيه: إن أبا هريرة أنكره، قال: فما رايته نسى شيئًا غيره، انتهى.стр. 1823
قوله [إما أن يكون سمع] أن ناصبة وهو مبتدأ محذوف الخبر، أي أحرى به وأليق، قوله [ولا تجد أحدًا فيه خير الخ] فكيف بأبي هريرة وهو من كبار الصحابة ﵃ أجمعين.
قوله [إما أن يكون سمع] أن ناصبة، وهو مبتدأ محذوف الخبر، أي أحرى به وأليق. قوله [ولا تجد أحدًا فيه خير الخ] فكيف بأبي هريرة وهو من كبار الصحابة ﵃ أجمعين.
قوله [إلا عبد الله بن عمرو] هو ابن العاص، وكان قوله ذلك نسبة إلى ما سمعه قبل القصة التي ذكرها قبل، وأما بعدها فلم ينس أبو هريرة شيئًا حتى يلزم فضل لابن عمرو عليه، والحاصل أن أبا هريرة فضل عبد الله بن عمرو بن العاص فيما سمعه قبل القصة، واستويا بعدها، فكان في أحاديث ابن عمرو زيادة على أحاديث أبي هريرة، وهذا وإن كان ثابتًا في الآخذ (١) والتحمل لكنه لم يشتهر الحواشي
(١) أشار الشيخ بذلك إلى جواب إشكال يرد على ظاهر الحديث من أن مقتضاه أن تكون مرويات عبد الله بن عمر وأكثر من أبي هريرة والواقعة خلاف ذلك، كما تقدم مبسوطٍا في هامش (باب الرخصة في كتابة العلم). فان الحديث مكرر.стр. 1824
روايات ابن عمر، وعلى اشتهار روايات أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
قوله [أسلم الناس وآمن عمرو الخ] المراد بالناس مؤمنو يوم الفتح، ولم يكن إسلام هؤلاء في ظاهر الأمر إلا للسيف، وأما عمرو (١) فقد آمن بقلبه ظاهرًا وباطنًا؛ لأنه أتى مؤمنًا من نفسه من غير خوف ولا دهشة.
قوله [اهتز له عرش الرحمن] إما فرحًا بوصول روحه إليه، أو ترحًا (٢) على مفارقة مثل هذا الرجل نبي الله ﷺ . قوله [إن الملائكة كانت تحمله] ويكون الحواشي
(١) ذكر في الحاشية عن اللمعات: خصه بالإيمان لأنه آمن رغبة، لأنه وقع الإسلام في قلبه في الحبشة حين اعترف النجاشي بنبوته، فأقبل إلى رسول الله ﷺ مؤمنًا من غير أن يدعوه أحد إليه، فجاء إلى المدينة ساعيًا فآمن به، وكان قبل إسلامه مبالغًا في عداوته ﷺ ، والمراد بالناس من أسلم يوم الفتح من مكة، فإنهم أسلموا جبرًا وقهرًا، ثم حسن إسلام من شاء الله منهم، وه وآمن طائعًا راغبًا مهاجرًا، فلذلك خصه بينهم بالإيمان، انتهى. قلت: وبذلك جزم القارئ إذ قال: (أسلم الناس) التعريف فيه للعهد والمعهود مسلمة الفتح من أهل مكة، وآمن عمر وبن العاص قبل الفتح بسنة أو سنتين طائعًا راغبًا مهاجرًا إلى المدينة، انتهى.(٢) الترح محركة: الهم، ذكر هذا الوجه في هامش المشكاة عن اللمعات بلفظ (قيل) وجزم بالأول الحافظ في الفتح، وأيده بالرواية، وقيل في ذلك بوجوه أخر ذكرها القاري وغيره.стр. 1825
حمل الملائكة غير جنازته، بحيث لا يبدو أثره (١) في عالمنا هذا.
قوله [يعني مما يلى من أموره] ترك (٢) لفظة مما يلي من النساخ فليكتب، الحواشي
(١) يعني ما يكون من حمل الملائكة لأشياء أخر من الأعمال والجنائز وغيرهما، لا يظهر لحملهم أثر في الدنيا بخلاف هذه الجنازة، فكان أثر حملهم ظاهرًا وهو التخفيف.(٢) يعني في النسخة الأحمدية التي بين يدي الشيخ، وهو موجود في النسخ الأخر كالمصرية وغيرها، وكذلك فيما حكى ابن الأثير في أسد الغابة من رواية الترمذي، وما أفاده الشيخ من المعنى هو نص رواية الإسماعيلى بلفظ: لما ينفذ من أموره، قال الحافظ: ترجم ابن حبان لهذا الحديث (احتراز المصطفى من المشركين في مجلسه إذا دخلوا عليه) وهذا يدل على أنه فهم من الحديث أن ذلك وقع لقيس بن سعد على سبيل الوظيفة الراتبة، وهو الذي فهمه الأنصاري راوي الحديث، لكن يعكر عليه ما زاد الإسماعيلى ولفظه: لما قدم النبي ﷺ كان قيس بن سعد في مقدمته بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، فكلم سعد النبي ﷺ في قيس أن يصرفه من الموضع الذي وضعه فيه مخافة أن يقدم على شيء، فصرفه عن ذلك، والمراد بصاحب الشرطة كبيرهم، فقيل: سموا بذلك لأنهم رذلة الجند، ومنه حديث الزكاة: ولا الشرط اللئيمة، أي ردي المال، وقيل: لأنهم الأشداء الأقوياء من الجند، ومنه حديث الملاحم: وتشترط شرطة للموت، وقال الأزهري: شرط كل شيء خياره، ومنه الشرط لأنهم نخبة الجند، وقيل: هم أو طائفة تتقدم الجيش وتشهد الوقعة، وقيل: سموا شرطًا لأن لهم علامات يعرفون بها من هيئة وملبس، وهو اختيار الأصمعي، ويقال: إنهم أعدوا أنفسهم لذلك، يقال: أشرط فلان نفسه لأمر كذا إذا أعدها، قاله أبو عبيد، وقيل: مأخوذ من الشريط، وهو الحبل المبرم لما فيه من الشدة، انتهىстр. 1826
والمعنى أنه كان بمنزلة صاحب الشرط لأجل ما يتولاه من أموره ﷺ .
قوله [جاءني رسول الله ﷺ ] وقد ذهب إليه يعوده في مرضه، وبيته على أميال من المدينة، ثلاث أو نحوها (١) . قوله [استغفر لي الخ]، فقال (٢) في أثناء كلامه: غفر الله لك مرارًا. قوله [يبر جابرًا الخ] وكان شراء البعير أيضًا برًا وصلة معه لا أنه كان قصد شراء البعير؛ ولذلك رد البعير عليه بعد ما أوفى له القيمة، إلا أنه ﵊ جعل امتنانه في (٣) لئلا يستحي الحواشي
(١) واختلفت الروايات في المسافة بين بني سلمة وبين المدينة، فورد قدر ميل، وروي قدر ميلين، أخرجها أحمد في مسنده في أسانيد جابر، وقيل غير ذلك، وأيًا ما كان فمسكنه كان بعيدًا عن المدينة، أي من منزله ﷺ .(٢) قال الحافظ في أثناء اختلاف الروايات في هذه القصة: زاد النسائي من طريق أبي الزبير، قال: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ولابن ماجة من طريق أبي نضرة عن جابر، فقال: أتبيع ناضحك هذا والله يغفر لك، زاد النسائي من هذا الوجه: وكانت كلمة تقولها العرب: افعل كذا والله يغفر لك، ولأحمد: قال سليمان - يعني بعض رواته - فلا أدري كم مرة يعني قال له: والله يغفر لك، وللنسائي من طريق أبي الزبير عن جابر قال: استغفر لي رسول الله ﷺ مع ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة، انتهى. وفي المجمع: هي ليلة اشترى فيها رسول الله ﷺ من جابر جملًا في السفر.(٣) بياض في الأصل، والظاهر «في صورة الشراء».стр. 1827
منه. قوله [لم يأكل من أجره شيئًا] أي في دار الدنيا، فبقي له سالمًا بوفيه الله يوم القيامة. قوله [ولم يترك إلا ثوبًا] ولم يكن لمن معه من الثياب ما يزيد حاجته، وإلا لم يبخل بمواساته، فإن إتمام الكفن فرض (١) على المسلمين كفاية.
قوله [لقد أعطيت مزمارًا الخ] وسمع النبي ﷺ منه (٢) قرآنًا، لحسن الحواشي
(١) في الدر المختار: كفن الضرورة لهما ما يوجد، وأقله ما يعم البدن، وعند الشافعي ما يستر العورة كالحي، انتهى. قال ابن عابدين: قوله ما يعم البدن، ظاهره أنه لو لم يوجد له ذلك سألوا الناس له ثوبًا يعمه، وأن ما دون ذلك بمنزلة العدم، وأنه لا يسقط به الفرض عر المكلفين وإن كان ساترًا للعورة ما لم يعم البدن، لكن لا يخفى أن كفن الضرورة ما لا يصار إليه إلا عند العجز، فلا يناسب تقييده بشيء، ولذا عبر المصنف بما يوجد، نعم ما يعم البدن هو كفن الفرض، كما صرح به في شر المنية، فيسقط به الفرض عن المكلفين، لا بقيد كونه عند الضرورة، ولذا لما استشهد مصعب بن عمير بوم أحد ولم يكن عنده إلا نمرة إذا غطى بها رأسه بدت رجلاه وبالعكس، أمر النبي ﷺ بتغطية رأسه بها ورجليه بالإذخر، إلا أن يقال: إن ما لا يستر البدن لا يكفي عند الضرورة أيضًا، بل يجب ستر باقيه بنحو حشيش كالإذخر، ولذا قال الزيلعي بعد سوقه حديث مصعب: وهذا دليل على أن ستر العورة وحدها لا يكفي خلافًا للشافعي، انتهى.(٢) قال الحافظ: أخرج مسلم من طريق طلحة عن أبي بردة بلفظ: لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة، الحديث. وأخرجه أبو يعلى من طريق سعيد ابن أبي بردة عن أبيه بزيادة فيه: أن النبي ﷺ وعائشة مرا بأبي موسى وهو يقرأ في بيته، فقاما يستمعان لقراءته، ثم إنها مضيا، فلما أصبح لقي أبو موسى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا موسى مررت بك، الحديث، فقال: أما إنه لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيرًا، قال الخطابي: قوله آل داود يريد داود نفسه، لأنه لم ينقل أن أحدًا من أولاد داود ولا من أقاربه كان أعطى من حسن الصوت ما أعطى.стр. 1828
صوته، فكان مدحًا له حسن صوته لذلك.
[باب في فضل من رأى النبي ﷺ وصحبه (١) ].
قوله [لا تمس النار مسلمًا الخ] والموت على الإسلام شرط، وإلا لم يصدق عليه أنه مسلم، ووجه عدم المس مع أن وقوع المعاصي غير منكر، ما هم عليه من شدة مراقبة الله تعالى، فلا يتراخون في المتاب، أو رجحان (٢) الحسنات الحواشي
(١) لعل المصنف أشار بهذا اللفظ إلى أن المراد بمن رأى هو الصحابي، لا مطلق الرائي، وإليه أشار الشيخ في تقريره إذ قال: والموت على الإسلام شرط، فإنهم اتفقوا على هذا الشرط في تعريف الصحابي، كما بسط أهل الفن سيما الحافظ في مبدأ الإصابة إذ قال: أصح ما وقفت عليه في تعريف الصحابي: هو من لقي النبي صل الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ثم بسط الكلام على ذلك.(٢) وقد اشتهر قوله ﷺ في الصحيحين وغيرهما: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا لما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، وإنفاقهم ﵃ بأقصى ما يمكنهم معلوم مشهور. وأجمل الحافظ الكلام على فضلهم في مبدأ الإصابة فقال: اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلًا نفيسا في ذلك فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾، الآية، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، الآية، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾، الآية، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾، وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ - إلى قوله - إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾، في آيات كثيرة يطول ذكرها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء ما ذكرنا لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأبناء، والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين، القطع على تعديلهم والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم كافة أفضل من جميع الخالفين بعدهم، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله، ثم قال: وقال أبو محمد بن حزم: الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا، قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون﴾، فان قلت: التقيد بالإنفاق والقتال يخرج من ليس كذلك، وكذلك التقييد بالإحسان في الآية السابقة، قلنا: إن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، وإلا فالمراد من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو القوة، وروى البزار في مسنده بسند رجاله موثقون من حديث سعيد بن المسيب عن جار مرفوعًا: إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين، وروي عن سفيان يقول في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ﴾ هم أصحاب محمد ﷺ ، والأخبار في هذا كثيرة جدًا، فاقتصر على هذا القدر ففيه مقنع، انتهى مختصرًا.стр. 1829
على السيئات لو سلم الموت من غير توبة، ولكن يشكل عليه بعض ما ورد في
стр. 1830
الأخبار من القصص التي هي مشعرة بخلاف ذلك كما ورد (١) .
قوله [أو شهادتهم أيمانهم] أي مرة كذا ومرة كذا، والمعنى بذلك قلة المبالاة فيما يأتون، فلا يتأملون فيما يقترفون عما لا يفعلون هل هو حق أم غير واقع. قوله [مد أحدهم] الظاهر أن المراد بالمد ما يوزن ويكال به عادة، وهي الأطعمة والحبوب، وإن كان يمكن على بعد إرادة مد الذهب بقرينه الحواشي
(١) بياض في الأصل بعد ذلك، ولعل الشيخ لم يذكر الروايات في ذلك عمدًا فإن خاطري أيضًا لا يطيب باحصاءها، لكنها لا تخفى على من نظر كتب الحديث، كحديث الشملة، والمعذبين في القبر بالنميمة والبول على القول بإسلامهما، وغير ذلك، وكذا ما ورد في قاتل عمار، ومبغض علي والحسين ﵃ أجمعين، والجواب عن حديث الباب ظاهر، على أن المرجو من كرمه تعالى أن لا يدخل النار أحدًا من الصحابة ﵃ أجمعين، كما يدل عليه ما ورد في الروايات من فضلهم، كما تقدم شيء من ذلك، وأخرج أبو داود عن سعيد بن زيد: كنا عند النبي ﷺ فذكر فتنة فعظم أمرها، فقلنا أو قالوا: يا رسول الله لئن أدركتنا هذه لتهلكنا، فقال رسول الله ﷺ : كلا إن بحسبكم القتل، الحديث. وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : أمتي هذه مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، وعذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل.стр. 1831
مقابلة أحد الذهب، والفضل (١) لهم ثابت على المعنيين كليهما، وإن كان في الحواشي
(١) وظاهر هذا الحديث والتي تقدمت من الروايات أن الصحابة أفضل من التابعين، وهم من أتباعهم، قال الحافظ في الفتح: هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر، والذي يظهر أن من قاتل مع النبي ﷺ أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه، لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا من كان، وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحث. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾، الآية، واحتج ابن عبد البر بحديث: مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره، وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة، وأغرب النووي فعزاه في فتاواه إلى مسند أبي يعلى من حديث أنس بإسناد ضعيف، مع أنه عند الترمذي بإسناد أقوى منه من حديث أنس، وصححه ابن حبان من حديث عمار. وأجاب عنه النووي بما حاصله أن المراد من يشتبه عليه الحال في ذلك من أهل الزمان الذين يدركون عيسى، ويرون ما في زمانه من الخير والبركة وانتظام كلمة الإسلام ودحض كلمة الكفر، فيشتبه الحال على من شاهد ذلك أي الزمانين خير، وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله ﷺ : خير القرون قرني، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جفر أحد التابعين بإسناد حسن قال: قال رسول الله ﷺ : ليدركن المسيح أقوامًا إنهم لمثلكم أو خير ثلاثًا، الحديث. وروى أبو داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة رفعه: تأتى أيام للعامل فيهن أجر خمسين، قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: بل منكم، وهو شاهد لحديث: مثل أمتي مثل المطر، واحتج ابن عبد البر أيضًا بحديث عمر رفعه: أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني، الحديث أخرجه الطيالسي وغيره، لكن إسناده ضعيف فلا حجة فيه، وروى أحمد والدرامي والطبراني من حديث أبي جمعة قال: قال أبو عبيدة: يا رسول الله أأحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك، قال: قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني، إسناده حسن، وقد صححه الحاكم، وتعقب كلام ابن عبد البر بأن مقتضى كلامه أن يكون في من يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل من بعض الصحابة، وبذلك صرح القرطبي، لكن كلام ابن عبد البر ليس على الإطلاق في حق جميع الصحابة، فإنه صرح في كلامه باستثناء أهل بدر والحديبية، نعم الذي ذهب إليه الجمهور أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول الله ﷺ ، أما من اتفق له الذب عنه والسبق إليه بالهجرة أو النصرة وضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده، فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده؛ لأنه ما من خصلة من الخصال المذكورة إلا وللذي سبق بها مثل أجر من عمل بها من بعده، فظهر فضلهم، ومحل النزاع يتمحض في من لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة كما تقدم، فإن جمع بين مختلف الأحاديث المذكورة كان متجهًا على أن حديث: للعامل منهم أجر خمسين منكم، لا يدل على أفضيلة غير الصحابة على الصحابة؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضًا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به من شاهد النبي ﷺ من زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد، فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة، وأما حديث أبي جمعة فلم تتفق الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية كما تقدم، ورواه بعضهم: قلنا يا رسول الله ﷺ هل من قوم أعظم منا أجرًا؟ الحديث. أخرجه الطبراني وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وهي توافق حديث أبي ثعلبة، وتقدم الجواب عنه، انتهى. قلت: وتقدم بعض ما يتعلق بحديث الشهادة في أبوابها.стр. 1832
الأول ما ليس في الثاني. قوله [إلا صاحب الجمل الأحمر] استثناه مع كونه لم يدخل فيهم (١) دفعًا لما عسى أن يتوهم أحد قياسه على عثمان ﵁، الحواشي
(١) كما هو نص الرواية المفصلة عند مسلم، ولفظها: عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل قال: فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج، ثم تتام الناس فقال رسول الله ﷺ : وكلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر، فأتيناه فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ فقال: لئن أجد ضالتي أحب إلى من أن يستغفر لي صاحبكم، قال: وكان رجل يشد ضالة له، وفي رواية أخرى- إذا هو أعرابي جاء ينشد صالة له، وذكر في حاشية الترمذي: صاحب الجمل الأحمر هو جد بن قيس، كان منافقًا يطلب جمله ولم يبايع، والاستثناء منقطع، انتهى. وحكى النووي عن القاضي عياض قيل: هذا الرجل هو الجد بن قيس المنافق، انتهى. وقال ابن الأثير: حضر يوم الحديبية فبايع الناس رسول الله ﷺ إلا الجد بن قيس، فانه استتر تحت بطن ناقته، وعن ابن إسحاق قال: لم يتخلف عن بيعة رسول الله ﷺ أحد يعني في الحديبية من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة، قال جابر: كأني أنظر إليه لاصق بإبط ناقة رسول الله ﷺ قد صبأ إليها =يستتر بها من الناس، وقيل: إنه تاب وحسنت توبته، انتهى. وجزم القاري في شرح المشكاة بأن صاحب الجمل الأحر هذا هو عبد الله بن أبي المنافق المشهور.стр. 1833
فإنه عد من هؤلاء في الوعد والأجر، وإن لم يحضرها، أو يظن دخوله الجنة نظرًا إلى قوله ﷺ : هم جلساء لا يشقى جليسهم.
[باب في فضل فاطمة]
قوله [قال إبراهيم: يعني من أهل بيته] أراد بذلك دفع المعارضة بما ورد في الشيخين وأسامة وغيرهم، وأنت على علم مما قلنا أن للحب أنواعًا (١) .
قوله [قام إليها] وكذا قوله قامت الخ، ولا شك في جوازه للتعظيم (٢) الحواشي
(١) كما تقدم شيء من ذلك، ثم اختلفوا في النساء أيتهن أفضل مريم أو خديجة؟ أو فاطمة أو عائشة؟ وبسط الحافظ شيئًا من الكلام على ذلك في (باب فضل خديجة) ورجح أنها أفضل نسائه، وذكر الاختلاف في نبوة مريم، وقال القاري: قال السيوطي في النقابة: نعتقد أن أفضل النساء مريم وفاطمة، وأفضل أمهات المؤمنين خديجة وعائشة، وفي التفضيل بينهما أقوال: ثالثها التوقف، قال القاري: التوقف في حق الكل أولى، إذ ليس في المسألة دليل قطعي، والظنيات متعارضة غير مفيدة للعقائد المبنية على اليقين، انتهى. وتقدم ما أفاده الشيخ في (باب الشواء) من كتاب الأطعمة.(٢) قال العيني في حديث الخدري: إن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد فأرسل النبي ﷺ فجاء، فقال: قوموا إلى سيدكم، الحديث. فيه أمر السلطان والحاكم بإكرام السيد من المرسلين وإلزام الناس كافة للقيام إلى سيدهم، وقد منع ذلك قوم لحديث أبي أمامة عند أبي داود وابن ماجة، قال: خرج النبي ﷺ متوكئًا على عصي فقمنا له، فقال: لا تقوموا كما يقوم الأعاجم، وهو حديث ضعيف مضطرب السند، ثم حكي عن أبي الوليد بن رشد أن القيام على أربعة أوجه: الأول محظور، وهو أن يقع لمن يريد أن يقام إليه تكبرًا وتعاظمًا على القائمين، والثاني مكروه وهو أن يقع لمن لا يتكبر، لكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر، والثالث جائز وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك، والرابع مندوب وهو أن يقع لمن قدم من سفر فرحًا بقدومه ليسلم عليه أو إلى من تجددت له نعمة فيهنيه بسببها، انتهى.стр. 1834
والتواضع، وإنما كان لا يرتضيه ﷺ لكونه منجرًا إلى ما هو مذموم في آخر الأمر. قوله [إني إذن لبذرة] وقد كانت سألتها قبل ذلك فلم تخبر لكونها قد منعت عنه (١) ، وإذا قضى النبي ﷺ أخبرت.
قوله [ثم أخبرني أني الخ] ذكرت (٢) ها هنا شيئًا من الشيئين الذين أخبرها بهما، كما يجيء الثاني منهما بعد ذلك من كونها سيدة نساء الجنة.
[فضل عائشة]
قوله [جاء بصورتها] وليس النهي عن التصوير إلا لنا، فلا يحتاج إلى الجواب (٣) بأن ذلك قبل النهي.
قوله [في الدنيا والآخرة] وكونها زوجته في الآخرة فضل لها ووعد الحواشي
(١) كما هو مصرح في روايات الصحيحين وغيرهما من أن عائشة لما سألته أولًا في حياته ﷺ ما أخبرت، وقالت: لا أفشي سر رسول الله ﷺ ، ثم أخبرت بذلك لما سألتها ثانيًا بعد وفاته ﷺ ؛ ولعل ذلك لأن وفاته ﷺ لم يبق سرًا إذ ذاك، وبوب البخاري على الحديث في كتاب الاستئذان (باب من ناجى بين يدي الناس ولم يخبر بسر صاحبه، فإذا مات أخبر به).(٢) وبسط ذلك الحافظ في آخر المغازي في (باب وفاته ﷺ .(٣) كما أجاب به المحشى إذ قال: والتصاوير إنما حرمت بعد النبوة بل بعد القدوم بالمدينة، وأيضًا حرمتها إنما كانت في هذا العالم. انتهى.стр. 1835
بمغفرتها. قوله [استعمله على جيش ذات السلاسل (١) ] وفيهم أبو بكر وعمر، فظن أنه أحب الناس إليه (٢) ﷺ ، ولولا ذلك لما أمره عليهم، فلما رجع سأل، وأجيب خلاف ما ظن فسكت، وإنما كان أمره عليهم لما له من بصيرة (٣) الحواشي
(١) قال الحافظ: بالمهملتين والمشهور أنها بفتح الأولى على لفظ جمع السلسة، وضبطه كذلك أبو عبيد البكري، قيل سمي المكان بذلك لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة، وضبطها ابن الأثير بالضم، وقال: هو بمعنى السلسال أي السهل. انتهى، وبوب البخاري في صحيحه (باب غزوة ذات السلاسل وهي غزوة لخم وجذام، قاله إسماعيل بن أبي خالد) قال الحانظ: وقيل: سميت بذلك السلاسل لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، وقيل: لأن بها ماء يقال له السلسل، وذكر ابن سعد أنها وراء وادي القرى، بينها وبين المدينة عشرة أيام، وقال: وكانت في جمادى الأخرى سنة ثمان من الهجرة، وقيل: كانت سنة سبع، وبه جزم ابن أبي خالد، ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤتة إلا ابن إسحاق، فقال: قبلها. انتهى.(٢) قال الحافظ: وقع عند ابن سعد سبب هذا السؤال، وأنه وقع في نفس عمرو لما أمره النبي ﷺ على الجيش وفيهم أبو بكر وعمر: أنه مقدم عنده في المنزلة عليهم، فسأله لذلك، انتهى. زاد البخاري في المناقب بعد حديث الباب: فقلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب، فعد رجالًا، قال الحافظ زاد في المغازي من وجه آخر: فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم، انتهى.(٣) قال الحافظ: ذكر ابن إسحاق أن أم عمرو بن العاص كانت من بلي، فعبث النبي ﷺ عمرو يستنفر الناس إلى الإسلام ويستألفهم بذلك، وروى إسحاق بن راهويه والحاكم من حديث بريدة أن عمرو بن العاص أمرهم في تلك الغزوة: أن لا يوقدوا نارًا، فأنكر ذلك عمر، فقال له أبو بكر دعه فان رسول الله ﷺ لم يبعثه علينا إلا لعلمه بالحرب، فسكت عنه فهذا السبب أصح إسنادًا من الذي ذكره ابن إسحاق، لكن لا يمتنع الجمع، وروى ابن حبان من طريق قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ بعثه في ذات السلاسل، فسأله أصحابه أن يوقدوا نارًا فمنعهم، فكلموا أبا بكر فكلمه في ذلك. فقال: لا يوفد أحد منهم نارًا إلا قذفته فيها، قال: فلقوا العدو فهزموهم، فأرادوا أن يتبعوهم فمنعهم، فلما انصرفوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فسأله، فقال: كرهت أن آذن لهم، أن يوقدوا نارًا فيرى عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد، فحمد أمره، فقال: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ الحديث، انتهى.стр. 1836
في الحرب ونظر في مواقعها، فإنه لما نزل على قرب العدو منع أن يوقد أحد نارًا والناس في شدة من البرد، فغاظ ذلك عمر ﵁ فشكى إلى أبي بكر وبين له ما لهم من العناء، فقال أبو بكر: إنما أمره رسول الله ﷺ علينا حين رآه أهلًا لذلك، فالسمع والطاعة، فسكت عمر، حتى إذا كان في آخر الليل أغار على العدو فهزموا، وحصلت للمسلمين غنيمة، فبين لهم عمرو بن العاص عذره في منع الاستيقاد.
قوله [وما بي أن أكون أدركتها] أي لم يكن لي إدراكها في الزمان (١) الحواشي
(١) ويؤيد هذا المعنى ما في أكثر الروايات من الصحيحين وغيرهما بلفظ: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وفي بعضها: ما غرت على خديجة هلكت قبل أن يتزوجني، لما كنت أسمعه، قال الحافظ: قوله ما رأيتها، وفي رواية مسلم من هذا الوجه: ولم أدركها، ولم أر هذه اللفظة إلا في هذه الطريق، نعم أخرجها مسلم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة بلفظ: وما رأيتها قط، ورؤية عائشة لخديجة كانت ممكنة، وأما إدراكها لها فلا نزاع فيه؛ لأنه كان لها عند موتها ست سنين، كأنها أرادت بنفي الرؤية والإدراك النفي بقيد اجتماعها عنده ﷺ ، أي لم أرها وأنا عنده ولا أدركتها كذلك، انتهى، قلت: ولهذا الإشكال ذكر الشيخ معنى آخر للإدراك، وقال الدمنتي في قوله ما غرت: قال الطيبي: ما الثانية مصدرية أو موصولة، أي مثل الذي غرت.стр. 1837
فإنها ماتت قبلي، أو لم يكن لي أن أدرك فضلها، فإن الفضل لها، وإنما غرت حسب اقتضاء البشرية. قوله [خير نسائها] أي الدنيا (١) ، فكل منهما أفضل نسوة زمانها، ويمكن تقدير (٢) العبارة الحواشي
(١) قال القرطبي: الضمير عائد على غير مذكور لكنه يفسره الحال والمشاهدة، يعني به الدنيا، وقال الطيبي: الضمير الأول يعود على الأمة التي كانت فيها مريم، والثاني على هذه الأمة، إلى آخر ما بسطه، وهذا على سياق المشكاة، فإن فيه ذكر مريم مقدم بخلاف سياق الترمذي، والمآل واحد.(٢) وهو مختار الحافظ إذ قال: والذي يظهر لي أن قوله: خير نسائها خبر مقدم، والضمير لمريم، فكأنه قال: مريم خير نسائها أي نساء زمانها، وجاء ما يفسر المراد صريحًا، فروى البزار والطبراني من حديث عمار بن ياسر رفعه: لقد فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين، وهو حديث حسن الإسناد.стр. 1838
بحيث يكون المرجع مذكورًا في العبارة، وهو أن يكون «خديجة» مبتدأ و «خير نسائها» خبرًا عنه، والمجرور راجع إلى خديجة بأدنى ملابسة، أو بحذف المضاف وهو الزمان، وكذلك في القرينة الثانية.
قوله [فقال: أليس قال رسول الله ﷺ ] وحاصل جوابه أن النهي إنما هو عن النوافل، وأما ما حدث سبب (١) وجوبه إذ ذاك فلا، كالسجدة التي وجبت بتلاوة القرآن، وصلاة الجنازة التي وجبت بحضورها، وكذلك حدوث الآية سبب للسجدة. قوله [عام الفتح] ويجاب بتعدد الوقعة (٢) ، ولا يبعد الحواشي
(١) ولعل السجدة تكون واجبة لإطلاق الأمر، أو يكون مسلكه جواز الصلاة ذات السبب في هذه الأوقات، كما قالت به الشافعية، وذكر صاحب جمع الفوائد برواية رزين: ماتت سودة فسماها، وقال القاري: هي صفية، وقيل: حفصة، وقال الطيبي: الحديث مطلق، فإن أريد بالآية خسوف الشمس والقمر، فالمراد بالسجود الصلاة، وإن كانت غيرهما، كمجيء الريح الشديدة والزلزلة وغيرهما، فالسجود هو المتعارف، ويجوز الحمل على الصلاة أيضًا لما ورد: كان إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة، انتهى. قلت: وهو الصواب على أصول الحنفية، وكذا المالكية بخلاف الشافعية والحنابلة، فيحمل على مجرد السجود.(٢) وبالتعدد جزم عامة شراح الحديث من الحافظ والعيني وغيرهما، وتبعهم القسطلاني في المواهب، لكن كلامهم يشير إلى أن كلتا القصتين وقعتا في شكوى الوفاة، وعلى هذا فلفظ «عام الفتح» خطأ من أحد الرواة، مع أن في السند من يخطأ، لكنه مؤيد بعدة روايات أخر ذكرها السيوطي في الدر في تفسير سورة النصر والقسطلاني، تدل على أنه ﷺ لما نزلت سورة النصر- سار فاطمة باقتراب أجله، واختلفت الروايات في عام نزولها، ففي غير واحد من الروايات أنها نزلت عام الفتح، وفي أكثرها عام حجة الوداع، والظاهر عندي بملاحظة هذه الروايات كلها أن إحدى القصتين وقعت عند نزل هذه السورة، والثانية في مرض الوفاة.стр. 1839
السرور (١) والبكاء في كليهما إذا الأمر فظيع.
قوله [سألتها] وإنما كانت سألتها بما لها من الحق (٢) عليها لكونها زوج أبيه، فلما سلمت حقها ذلك وأخبرت علم حق أزواج النبي ﷺ على الأمة خاصة وعامة، وبذلك يصح إيراد الحديث هاهنا.
قوله [وإذا مات صاحبكم فدعوه] أراد بالصاحب (٣) نفسه، والمعنى إذا مضيت عنكم فلا يهمنكم شأني واتركوني مشتغلين بطاعاتكم وعباداتكم، أو المراد الحواشي
(١) لا سيما إذا كانت بين القصتين برهة من الزمان.(٢) كما في المشكاة برواية الشيخين عن عائشة، وفيها: فلما قدم رسول الله ﷺ سألتها عما سارك، قالت: ما كانت لأفشي على رسول الله ﷺ سره، فلما توفي قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما أخبرتني، قالت: أما الآن فنعم، الحديث. قال القاري: قوله من الحق أي من الأمومة الثانية، أو الأخوة، أو المحبة الصادقة، أو المودة السابقة، فما موصولة. انتهى.(٣) قال القاري: إذا مات صاحبكم أي واحد منكم، ومن جملة أهليكم فدعوه، أي اتركوا ذكر مساويه، فإن تركه من محاسن الأخلاق، ولهم ﷺ على حسن المعاملة مع الأحياء والأموات، وقيل: إذا مات اتركوا مجيته والبكاء عليه، والأحسن أن يقال: فاتركوه إلى رحمة الله تعالى، وقيل: أراد به نفسه الشريفة، أي دعوا التحسر والتلهف علي، فإن في الله خلفًا عن كل فائت، وقيل: معناه إذا مت فدعوني، ولا تؤذوني بإيذاء عترتي وأهل بيتي، انتهى.стр. 1840
كل صاحب (١) لكم إذا انقضى ومات فدعوه، إن كان خيرًا فلا تشتغلوا بتذكاره والبكاء عليه، وإن كان شرًا فلا تذكروا مساويه، وقوله: أنا خيركم لأهلي، فيه بيان لفضيلة الأهل، حيث عامل النبي ﷺ معهن خيرًا، ولو لاقيهن ما يوجب ذلك لم يفعل.
قوله [أخرج إليهم وأنا سليم الصدر] فيه تنبيه على فضل الأزواج، إذ يعلم منه بقاؤه فيهن ما دام فيهن بسلامة صدره، فلم يكن يسخط على إحداهن، أي إذا طلب خروجه من بيوته إليهم سليم الصدر، وذلك بأن لا يبلغ أحد عن أحد، علم أنه سليم الصدر ما دام فيها، فعلم رضاه منهن جميعًا، فافهم.
قوله [رجل] وهو السدي (٢) كما بينه بعد. قوله [لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار] يعني أن الله أنعم علي بفاضلة الهجرة، ولولا ذلك لجعلني من الأنصار، فبين بذلك ما للنصرة من المزية.
قوله [ابن أخت القوم منهم] هذا دليل (٣) لجعله من ذوي الأرحام.
قوله [فكتب إليه] بيان لكتب الأول وفاعله زيد بن أرقم. قوله [كالرامي بيديه] أي الذي يرمي بهما شيئًا. قوله [خير الأنصار بنو عبد الأشهل] الخيرية الحواشي
(١) قلت: ويؤيد ذلك ما في نسخة لأبي داود بلفظ: إذا مات أحدكم.(٢) يعني زاد بعضهم بين إسرائيل والوليد واسطة السدي كما سيأتي في السند الآتي، والمراد بالسدي على الظاهر هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وقصة من قال في القسمة معروفة عند البخاري وغيره بغير هذا السند عن ابن مسعود.(٣) قال الحافظ: استدل بذلك من قال بأن ذوي الأرحام يرثون كما يرث العصبة، وحمله من لم يقل بذلك على أن المراد منهم في المعاونة والانتصار والبر والشفقة ونحو ذلك، انتهى مختصرًا.стр. 1841
ها هنا (١) إضافية.
[باب في فضل المدينة]
قوله [مثلي ما باركت الخ] لما كان المحتمل أن يراد منه كون كل شيء ثلاثة، وكونه أربعة، راد قوله مع البركة بركتين لتعيين ثاني محتمليه، وذلك بأن الرمان مثلًا إذا كان واحدًا كان ببركة واحدة قدر اثنين، فلو سأل البركة مثلما بورك لأهل مكة لكان كل شيء اثنين، لكنه أربى في المسألة، فجعله مثليه، فصار كل شيء أربعة، ثم إني لم أحصله بعد، ووجهه أن الظاهر من الجملة الأولى طلب المزيد بحيث يصير شيء ثلاثة أشياء، فإن الأصل لما كان واحدًا والبركة الواحدة ثنتها كانت البركة الثانية المطلوبة بقوله: مثلي ما باركت، جاعلة للأصل (٢) ثلاثة الحواشي
(١) أي باعتبار من بعدهم كما تقدم الترتيب في الروايات السابقة، فلا ينافي الحديث لما تقدم من تفضيل بني النجار على بني عبد الأشهل، وهذا التوجيه يمشي في رواية الباب بلا تردد؛ لأنه لا ذكر فيها لبني النجار، لكن يتمشى في روايات وردت فيها: ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ قالوا: بلى، قال: بنو عبد الأشهل. قالوا: ثم من يا رسول الله؟ قال: ثم بنو النجار، ورجح الحافظ بعد ذكر الاختلاف في ذلك روايات ترجيح بني النجار؛ لأنهم أخوال جد رسول الله ﷺ ، فإن والدة عبد المطلب منهم، وعليهم نزل لما قدم المدينة، فلهم مزية على غيرهم.(٢) ويؤيده ما في المشكاة برواية مسلم عن أبي هريرة بلفظ: اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه، هكذا في الشمائل برواية أنس وأبي هريرة، والحديث من مستدلات الإمام مالك في أفضلية المدينة، قال القاري في شرح النقاية: علماؤنا والشافعي فضلوا مكة على المدينة ومالك عكس القضية لهذا الحديث، ورواه مسلم، ولنا حديت عبد الله ابن عدي الحمراء، وحديث ابن عباس الآتيان قريبًا في (باب فضل مكة) وأما دعاء النبي ﷺ بمثل دعاء إبراهيم ﵇، فإنما كان في لرزق من الثمرات، ولا ريب في أكثرية ثمر المدينة، وليس هذا بسبب لأفضليتها، انتهى مختصرًا بتغير. قلت: والمسألة خلافية شهيرة، قال القاضي في الشفاء: تفضيل المدينة على مكة هو قول عمر بن الخطاب ومالك وأكثر المدنيين، وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة، وهو قول عطاء وابن حبيب من أصحاب مالك، وحكاه الساجي عن الشافعي، انتهى. قال القاري في شرحه: وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل والثوري وأصحاب الشافعي، انتهى.стр. 1842
فحسب، وأما جعله أربعة فلا يقتضيه (١) اللفظ، بخلاف ما هو مقتضى قوله: مع البركة بركتين، فإنه نص في جعل كل شيء أربعة (٢) ؛ لأنه لما كانت الحواشي
(١) ويمكن أن يؤخذ هذا المعنى بما حكى العيني عن الفقهاء إذ قال في حديث أنس عن النبي ﷺ قال: اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة، قال الجوهري: ضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه، وقال الفقهاء: ضعفه مثلاه، وضعفاه ثلاثة أمثاله، انتهى.(٢) فلو ثبت هذا المعنى يجمع بما تقدم من حديث أبي هريرة باختلاف الأوقات، كما يجمع بحديث البخاري عن عبد الله بن زيد عن النبي ﷺ إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة، =انتهى. فيقال: إنه ﷺ دعا أولًا بمثل ما دعا إبراهيم ﵇ لهذا الحديث، ثم دعا بمثلي ما دعا على حديث أبي هريرة، ثم دعا بثلاثة أمثال ما دعا على حديث علي في الترمذي، وللتوجيه مجال لا يخفى على المتأمل.стр. 1843
البركات ثلاثًا كما هو مقتضى اللفظ صار الكل أربعة. قوله [إن أعرابيًا (١) بايع رسول الله ﷺ على الإسلام] ولم يكن للمسلمين (٢) رخصة في إقامة دار الكفر إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فكان الذي بايع على الإسلام بايع على الهجرة. قوله [أقلني بيعتي] إنما كان ظنًا منه أن البيعة كما كانت انعقدت به ﷺ فكذلك انفساخها منوط بمشيئته وإرادته، ولم يكن الأمر كذلك، بل المدار في ذلك على عقيدة (٣) المسترشد وإرادته، إن ثبت على عهده الذي عقد فذاك، الحواشي
(١) قال الحافظ: لم أقف على اسمه إلا أن الزمخشري ذكر في ربيع الأبرار أنه قيس بن أبي حازم، وهو مشكل؛ لأنه تابعي كبير مشهور، صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي ﷺ قد مات، فإن كان محفوظًا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه، وفي الذيل لأبي موسى في الصحابة قيس بن أبي حازم المنقري، فيحتمل أن يكون هو هذا، انتهى.(٢) وبذلك جزم الحافظ إذ قال: وكانت الهجرة في ذلك الوقت واجبة، ووقع الوعيد على من رجع أعرابيًا بعد هجرته، انتهى. وقال السيوطي في الجلالين: نزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا فقتلوا مع الكفار يوم بدر ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، قال الصاوي: وهل ماتوا عصاة أو كفارًا خلاف؛ لأن الهجرة كانت ركنًا أو شرطًا في صحة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم﴾ الآية، وهذا كان قبل الفتح، ثم نسخ بعده، انتهى. وحكى صاحب الجمل عن الخازن لم يقبل الله الإسلام من أحد بعد هجرة النبي ﷺ حتى يهاجر إليه ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة، انتهى.(٣) كما هو معروف عند أهل التصوف، حتى قال الأستاذ أبو علي الدقاق: يقول بدء كل فرقة المخالفة، يعني به أن من خالف شيخه لم يبق على طريقته وإن جمعتها البقعة، فمن صحب شيخًا من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه فقد نقض عقد الصحبة؛ لأنه بذلك ترك تقليد من لزمه تقليده، ووجبت عليه التوبة من ذلك، وقال الشيخ أبو سهل الصعلوكي: من قال لأستاذه: لم، لا يفلح أبدًا، هكذا في القشيرية.стр. 1844
وإلا انفسخ، وإنما أبى النبي ﷺ إقالته ذلك الذي عهد لأنه كان ارتدادًا من الإسلام (١) ، فكيف لا ينكره النبي ﷺ . قوله [وتنصع طيبها] من التفعيل (٢) والطيب مفعوله، أو من المجرد وهو فاعله، وليس المراد أنه الحواشي
(١) قال الحافظ: ظاهره أنه سأل الإقالة من الإسلام، وبه جزم عياض، وقال غيره: إنما استقالة من الهجرة وإلا لكان قتله على الردة، انتهى.(٢) قال العيني: ينصع بفتح ياء المضارعة وسكون النون وفتح الصاد المهملة في آخره عين مهملة من النصوع، وهو الخلوص، والناصع الخالص، وطيبها بكسر الطاء وسكون الياء مرفوع على أنه فاعل؛ لأن النصوع لازم، وفي رواية الأكثرين بضم الباء وفتح النون وتشديد الصاد من التنصيع، وقوله: طيبها بتشديد الياء مفعوله بالنصب، هكذا قال الكرماني من التنصيع، لكن الظاهر أنه من الإنصاع، وسواء كان من التنصيع أو الإنصاع فهو متعد، فلذلك نصب طيبها، فافهم، وقال القزاز: قوله ينصع لم أجد له في الطيب وجهًا، وإنما الكلام يتضوع طيبها أي يفوح، قال: ويروى ينضخ بضاد وخاء معجمتين، ويرى بحاء مهملة وهو أقل، وقال الزمخشري: يبضع بضم الياء وسكون الموحدة، ورد عليه الصاغاني بأن الزمخشري خالف بهذا القول جميع الرواة، وقال ابن الأثير: المشهور بالنون والصاد المهملة، انتهى. ثم قال ابن المنير: ظاهر الحديث ذم من خرج من المدينة، وهو مشكل فقد خرج منها جمع كثير من الصحابة، وسكنوا غيرها من البلاد، وكذا من بعدهم من الفضلاء، والجواب أن المذموم من خرج عنها كراهية فيها ورغبة عنها كما فعل الأعراب المذكور، وأما المشار إليهم فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة كنشر العلم وفتح بلاد الشرك، والمرابطة في الثغور وجهاد الأعداء، وهم مع ذلك على اعتقاد فضل المدينة، هكذا في الفتح، وفيه أيضًا في موضع آخر: قوله تنفي الناس، قال عياض: هذا مختص بزمنه لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام بها معه إلا من ثبت إيمانه، وقال النووي: ليس هذا بظاهر لأن عند مسلم: لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد، وهذا - والله أعلم - زمن الدجال، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد كلا من الزمانين، وكان الأمر في حياته ﷺ كذلك لقصة الأعرابي، فانه ﷺ ذكره معللًا به خروج الأعرابي، ثم يكون هذا في آخر الزمان أيضًا عندما ينزل بها الدجال فترجف بأهلها، فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج، ثم قال مجيبًا عن الإيراد: إن ذلك إنما هو في خاص من الزمان ومن الناس، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾، والمنافق خبيث بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النبي ﷺ معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة، ثم علي وطلحة والزبير، وعمار وآخرون، وهم من أطيب الخلق، فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ووقت دون وقت، انتهى. قال العيني: فإن قلت: إن المنافقين سكنوا المدينة وماتوا بها ولم تنفهم، قلت: كانت المدينة داره أصلًا ولم يسكنوها بالإسلام ولا حبًا له، وإنما سكنوها لما فيها من أصل معاشهم، ولم يرد ﷺ بضرب المثل إلا من عقد الإسلام راغبًا فيه ثم خبث قلبه، انتهى.стр. 1845
لا يبقى فيه خبيث، بل انتفاء الخبث منها (١) قدر ما كان.
قوله [لو رأيت الظباء الخ] هذا ليس (٢) نصًا في وجوب الجزاء، وهو الذي فيه النزاع، والرواية التي استدل بها أبو هريرة كذلك، فإن الحرمة ليست من لو لزمها وجوب الجزء، بل المراد بذلك تعظيمه وبيان شرفه وغايته. الحواشي
(١) وهذا إشارة إلى جواب إشكال تقدم في كلام العيني من وجود المنافقين في المدينة.(٢) أشار الشيخ بذلك إلى جواب الحديث عن مسلك الحنفية، وكذا عن الجمهور في مسألة فقهية مختلفة بين العلماء، وتوضيح ذلك كما في البذل: اختلف العلماء في تحريم المدينة وعدم تحريمها، فقال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق: المدينة لها حرم، فلا يجوز قطع شجرها، ولا أخذ صيدها، ولكنه لا يجب الجزاء فيه عندهم، خلافًا لابن أبي ذئب فإنه قال: يجب الجزاء، وكذا لا يحل سلب من يفعل ذلك عندهم إلا عند الشافعي في القديم، وقال في الجديد بخلافه، وقال ابن نافع: سئل مالك عن قطع سدر المدينة وما جاء فيه من النهي. فقال: إنما نهى عنه لئلا توحش، وليبقى فيها شجرها، ويستأنس بذلك ويستظل به من هاجر إليها، وقال ابن حزم: من احتطب في حرم المدينة فحلال سلبه وكل ما معه في حاله تلك وتجربده إلا ما يستر عورته، وقال الثوري وابن المبارك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ليس للمدينة حرم كما كان لمكة، وأجابوا عن الحديث بأنه إنما قال ذلك لا لما ذكروه من التحريم، بل إنما أراد بذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها كما ذكرنا عن قريب من مالك، وذلك كمنعه ﷺ من هدم آطام المدينة، وقال: إنها زينة المدينة على ما رواه الطحاوي بسنده عن ابن عمر، وهو إسناد صحيح، ثم ذكر الطحاوي دليلًا على ذلك من حديث النغير، إلى آخر ما بسط من الدلائل.стр. 1846
والأصل المترتب على حرمته تغليظ الجناية فيه لو سيئة، وتكثير الأجر لو حسنة.
[باب فضل مكة]
قوله [واقفًا على الحزورة (١) ] وكان ذلك حين رجع من عمرة القضاء (٢) . الحواشي
(١) قال ياقوت الحموي: بالفتح ثم السكون وفتح الواو وراء وهاء، هو في اللغة: الرابية الصغيرة، قال الدارقطني: كذا صوابه، والمحدثون يفتحون الزاي ويشددون الواو، وهو تصحيف، وكانت الحزورة سوق مكة، وقد دخلت في المسجد لما زيد فيه، ثم ذكر حديث الباب وقال الدمنتي: بحاء فزاي كقسورة: موضع بمكة عند باب الحناطين، قال الشافعي: الناس يشددون الحزورة والحديدية وهما مخففتان، وفي الأمثال للمدائني: إن وكيع بن سلمة - وقد كان ولى البيت بعد جرهم - بنى صرحًا بأسفل مكة، وجعل أمة له تسمى حزورة، فبها سميت حزورة بمكة، انتهى. وهكذا في المرقاة، وزاد: وهو في الأصل التل الصغير، سميت بذلك لأنه هناك كان تلًا صغيرًا، وقيل: اسم سوق بمكة وهو الآن معروف بالغرورة، وهو باب الوداع، انتهى.(٢) هكذا كتب الشيخ على هامش كتابه من ابن ماجة، وجزم القاري في المرقاة تحت حديث ابن عباس في هذا المعنى: قالها خطابًا لها حين وداعها، وذلك يوم فتح مكة. انتهى. ثم قال القاري: وفي الحديث دليل للجمهور على أن مكة أفضل من المدينة خلافًا للإمام مالك، وقد صنف السيوطى رسالة في هذه المسألة، وقال أيضًا بعد حديث الباب: فيه تصريح بأن مكة أفضل من المدينة كما عليه الجمهور، إلا البقعة التي ضمت أعضاءه ﷺ فإنها أفضل من مكة، بل من الكعبة، بل من العرش إجماعًا، وتمحل المالكية في رد هذا الحديث من جهة المبنى والمعنى. انتهى. قلت: وتقدم شيء منه قريبًا في فضل المدينة، ثم قال الحافظ في الإصابة: انفرد برواية حديثه الزهري، واختلف عليه، فقال الأكثر: عنه عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي، وقال معمر فيه: عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومرة أرسله، قال البغوي: لا أعلم له غيره. انتهى.стр. 1847
قوله [وأين العرب يومئذ] كأنها استبعدت وقوع ذلك الأمر والعرب (١) شجاعتهم وحميتهم تأبى أن يفورا منه إلى الجبال.
قوله [لأنا بهم أو ببعضهم (٢) ] والمعنى على تقدير الوثوق ببعض العجم نسبة إلى بعض العرب مستغن عن التأويل، إذ لا بعد فيه، وأما على تقدير كون العبارة لأنا بهم أوثق مني بكم فباعتبار أمور جزئية وكمالات (٣) شخصية، الحواشي
(١) وظاهر كلام الشيخ أن العرب جملتهم تكون قليلة إذ ذاك، لا يستطيعون المقاومة بمن مع الدجال، منهم سبعون ألفًا من يهود أصفهان عليهم الطيالسة، والله أعلم غيرهم. ويؤيد ذلك لفظ أحمد قال: كلهم قليل، وحكى القاري عن الطيبي أنه قال: الفاء جزاء شرط محذوف، أي إذا كان هذا حال الناس فأين المجاهدون في سبيل الله الذابون عن حريم الإسلام، فكنى عنهم بها، انتهى. قلت: والأوجه عندي الأول كما يشير إليه ذكر المصنف الحديث في فضل العرب، ويؤيده أيضًا حديث أم الجرير المتقدم، بخلاف ما أفاد الطيبي فإنه يشير إلى قلة المجاهدين لا إلى قلة العرب.(٢) بسط القاري في تعلق هذه الجوار والصلات فأرجع إليه لو شئت التفصيل، والمعنى ظاهر، وهو أن وثوقي بهم أو ببعضهم أكثر من وثوقي بكم أو ببعضكم.(٣) وهذا أوجه مما قال الطيبي من أن المخاطبين بقوله: بكم أو ببعضكم، قوم مخصوصون دعوا إلى الاتفاق في سبيل الله فتقاعدوا عنه، فهو كالتأنيب والتعبير عليهم، ويدل عليه قوله تعالى في الحديث السابق: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ الآية، فإنه جاء عقيب قوله تعالى: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، يعني أنتم هؤلاء المشاهدون بعد ممارستكم الأحوال وعلمكم بأن الإنفاق في سبيل الله خير لكم تدعون إليه فتثبطون عنه وتتولون، فإن استمر توليكم يستبدل الله قومًا غيركم بذالون لأرواحهم وأموالهم في سبيل الله، ولا يكونوا أمثالكم في الشح المبالغ، فهو تعرض، وبعث لهم على الإنفاق، فلا يلزم منه التفضيل. قال القاري: إن كان مراده أنه لا يلزم التفضيل: مطلقًا =فهو خلاف الكتاب والسنة، مع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإن كان مراده أنه لا يلزم التفضيل المطلق فهو صحيح، إذ يدل على أنهم في بعض الصفات أفضل من العرب، ولا بدع أن يوجد في المفضول زيادة فضيلة بالنسبة إلى بعض فضائل الفاضل، فجنس العرب أفضل من جنس العجم بلا شبهة، وإنما الكلام في بعض الأفراد، انتهى. قلت: وما اختاره القاري هذا هو مفاد كلام الشيخ، والحديث السابق الذي أشار إليه الطيبي هو ما تقدم عند المصنف في تفسير سورة محمد من حديث أبي هريرة، وفيه: لو كان الدين بالثريا لتناوله رجال من فارس.стр. 1848
أو يقال: حكم على الكل بالفضل، وهو الوثوق بهم لفضيلة ذلك البعض، فاللفظ وإن كان عامًا لكن الفاصل هو ذلك المخصوص، وباعتباره تتعدى الكرامة إلى قومه قوله [هم أضعف قلوبًا وأرق أفئدة] أما الفرق (١) بين القلب الحواشي
(١) اختلفوا في الفرق بينهما، قال العيني: الأفئدة جمع فؤاد، قال الخطابي: وصعب الأفئدة بالرقبة، والقلوب باللين؛ لأن الفؤاد غشاء القلب إذا رق نفذ القول فيه، وخلص إلى ما وراءه، وإذا غلظ تعذر وصوله إلى داخله، فإذا صادف القلب شيئًا علق به، أي إذا كان لينًا، والمشهور أن الفؤاد هو القلب، فعلى هذا تكرار لفظ القلب بلفظين أولى من تكرره بلفظ واحد، وقيل: الفؤاد غير القلب وهو عين القلب، وقيل: غشاء القلب، انتهى.стр. 1849
الفؤاد ففرق الظاهر والباطن، فالأول القبول الظاهري، والثاني ظهور آثاره بحيث يعلم وصول الأمر إلى سويدائه، وليس المراد بالضعف هو الخور والجبن فإنهما قد أستعيذ منهما، فكيف يعدان منقبة ومدحًا، بل المراد هو ضد القساوة، والرقة واللين وإن كانا متقاربين لكنه قد يفرق بينهما ها هنا بأن (١) قوله [الملك (٢) الحواشي
(١) بياض في الأصل بعد ذلك، وحكى القاري عن القاضي: الرقة ضد الغلظة والصفاقة، واللين مقابل القساوة، انتهى. قلت: والروايات في ذلك مختلفة، ففي رواية للبخاري: هم أرق أفئدة وألين قلوبًا، وفي أخرى له: أضعف قلوبًا وارق أفئدة، قال العيني: قوله أضعف قلوبًا، وذكر فيما مضى ألين قلوبًا، لأن الضعف عبارة عن السلامة من الغلظ والشدة والقسوة التي وصفت بها قلوب الآخرين. واللين عبارة عن الاستكانة وسرعة الإيجاب والتأثر بقوارع التذكير، انتهى. قلت: وتقدم الكلام على قوله: الإيمان يمان في أبواب الفتن.(٢) قال القاري: قوله (الملك) بالضم أي الخلافة (في قريش) أي غالبًا، أو ينبغي أن تكون فيهم، وهو الأظهر المطابق لبقية القرائن الآتية، انتهى. قلت: وقد تقدم في (باب الخلفاء من قريش) الإجماع على أنهم مستحقون لذلك، ثم قال القاري: (والقضاء في الأنصار) أي الحكم الجزئي، قاله تطيبًا لقلوبهم، لأنهم آووا ونصروا، وبهم قام عمود الإسلام، ذكره ابن الملك، وقال في الأزهار: قيل المراد بالقضاء النقابة لأن القباء كانوا منهم، وقيل: القضاء الجزئي، لأنه ﷺ قال: أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وقيل: القضاء المعروف لبعثه ﷺ معاذًا قاضيًا، قال القاري: والأخير أظهر لقوله (الأذان في الحبشة) أي لأن رئيس مؤذنيه ﷺ كان بلالًا وهو حبشي، والأمانة في الأزد أي أزد شنوءة، وهم حي من اليمن، ولا ينافي قول بعض الرواة، يعني (اليمن) لكن الظاهر المتبادر من كلامه إرادة عموم أهل اليمن، فإنهم أرق أفئدة وأهل أمن وإيمان، انتهى.стр. 1850
في قريش الخ] هذا بيان (١) لما كان الأمر وقع عليه إذ ذاك سواء كان للأبد كما في كون الملك لقريش، أو لا كما في الأذان.
قوله [يا ليت أبي كان الخ] سواء (٢) كان تمنيه ذلك لمناقب باطنة أو مآثر الحواشي
(١) وهذا المعنى لا غبار فيه ولا إشكال، ويؤيد ذلك ترجيح الترمذي وقفه، فان كان موقوفًا فالظاهر أن الصحابي بين ما رأى من تعامله ﷺ في هذه الأمور قولًا وفعلًا.(٢) وأشار الشيخ بذلك إلى ما اختلفوا فيه من سبب مدحهم، والباعث لهم بتلقيب أزد الله، قال القاضي: يريد بالأزد أزد شنوءة، وهو حي من اليمن أولاد أزد بن الغوث بن ليث بن مالك بن كهلان بن سبأ، وأضافهم إلى الله من حيث أنهم حزبه وأهل نصرة رسوله، وقال الطيبي: قوله أزد الله يحتمل وجوهًا: أحدها اشتهارهم بهذا الاسم لأنهم ثابتون في الحرب لا يفرون، وعليه كلام للقاضي، وثانيها أن تكون الإضافة للاختصاص والتشريف، كبيت الله وناقة الله، على ما يدل عليه قوله: يريد الناس أن يصنعوهم الخ، وثالثها أن يراد بها الشجاعة، والكلام على التشبيه، أي الأسد أسد الله، فجاء به إما مشاكلة، أو قلب السين زايًا، انتهى. وتبعه صاحب الأزهار من شراح المصابيح، لكن إنما يتم هذا لو كان الأسد بالفتح والسكون لغة في الأسد بفتحتين، وهو ليس كذلك على ما يفهم من القاموس، هكذا في المرقاة.стр. 1851
ظاهرة. قوله [وهو يكره ثلاثة أحياء] لما علم (٣) من شيوع الفساد من بعضهم ولم تكن كراهة إلا لعلة، وإن كان يحبهم ويمدحهم لأخرى، ولا تنافي (٤) . قوله [ليس هكذا قال] إنما أنكره تخمينًا منه وحملًا للفظ: أنا منهم على الحقيقة، وظاهر أنه لا يصح، فلما أصر الراوي وهو عامر على أن اللفظة المنقولة هي التي قلتها سلم معاوية ﵁ وحمل على المجاز، ومعاوية هذا هو صاحب علي ﵃ أجمعين (٥) . الحواشي
(٣) قال القاري: قوله (أحياء) جمع حي بمعنى قبيلة (ثقيف) كأمير أبو قبيلة من هوازن واسمه قسي بن منبه بن بكر بن هوازن (وبني حنيفة) كسفينة لقب أثال بن لجبم أبو حي (وبني أمية) بضم ففتح فتشديد تحتية قبيلة من قريش، قال العلماء: إنما كره ثقيفًا للحجاج، وبني حنيفة لمسيلمة، وبني أمية لعبيد الله بن زياد الذي أتي برأس الحسين فجعله في طست وجعل ينكته بقضيب، انتهى. قلت: وما ورد في أمراء بني أمية وما مضى من أحوالهم غير مخفي على ناظري كتب الحديث والسير.(٤) يعني لا منافاة بين أن تكون المحبة لشيء بسبب والكراهة بسبب آخر، فلولا الاعتبارات لبطلت الحكمة.(٥) أي مخاصمة، قال الراغب: الصاحب الملازم إنسانًا كان أو حيوانًا، أو مكانًا أو زمانًا، ولا فرق بين أن تكون المصاحبة بالبدن وهو الأصل والأكثر، أو بالعناية والهمة، انتهى. والحديث أخرجه أحمد، ثم قال: قال عبد الله: هذا من أجود الحديث ما رواه إلا جرير. انتهى.стр. 1852
قوله [ويقال الأسد هم الأزد] وإنما قال ذلك لكون بني أسد (١) قبيلة أخرى أيضًا، فكان اللفظ مشتركًا بينهما، فبين المراد من هم. قوله [خير عند الله يوم القيامة الخ]، وذلك لتقدمهم في الإسلام (٢) . قوله [بشرتنا فأعطنا] حملوه (٣) الحواشي
(١) قال المجد: الأسد الأزد وأسد بن خزيمة محركة أبو قبيلة من مضر، وابن ربيعة بن نزار أبو أخرى، انتهى.(٢) قال القاري في حديث أبي بكرة بمعنى حديث الباب: قال النووي: تفضيل تلك القبائل لسبقهم إلى الإسلام، وحسن آثارهم في الأحكام، انتهى. قلت: وقد ورد في بعض الروايات أن الأقرع بن حابس قال للنبي ﷺ : إنما تابعك سراق الحجيج من أسلم وغفار ومزينة - وأحسبه - وجهينة، فقال ﷺ : أرأيت إن كان أسلم وغفار بنحوه، ويشكل عليه أن أهل التفسير فسروا قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾، الآية، بهذه القبائل، قال الخازن: ذكر جماعة من المفسرين المتأخرين كالبغوي والواحدي وابن الجوزي أنهم من أعراب مزينة وجهينة وأشجع وغفار واسلم، وكانت منازلهم حول المدينة، وما ذكروه مشكل لأن النبي ﷺ دعا لهذه القبائل ومدحهم، فان صح نقل المفسرين فحمل قوله على القليل، لأن لفظة من للتبعيض، ويحمل دعاء النبي ﷺ لهم على الأكثر والأغلب، انتهى مختصرًا.(٣) قال الحافظ: القائل منهم الأقرع بن حابس، وذكر في آخر المغازي في وفد بني تميم أسماء هذا الوفد، وقال أيضًا: قوله جاء أهل اليمن هم الأشعريون قوم أبي موسى، وقد أورد البخاري حديث عمران هذا وفيه ما يستأنس به لذلك، ثم ظهر لي أن المراد بأهل اليمن ها هنا نافع بن =زيد الحميري مع من وفد معه من أهل حمير، انتهى. وقال القاري: (اقبلوا) بفتح الموحدة أي تقبلوا مني (البشرى) بضم الموحدة أي البشارة المطلقة أو المعهودة (يا بني تميم) وهم لما لم يفهموا الإشارة بالبشارة ولم يعرفوا طريق استقبالها بالقبول المرتب عليه حصول كل وصول (قالوا: بشرتنا فأعطنا) فحملوا البشارة على الإحسان العرفي، فطلبوا ما يترتب عليه من العطاء الحسي، وهذا بمقتضى ما غلب عليهم من حب الدنيا العاجلة وغفلتهم عن المراتب الآجلة، فكل إناء يترشح بما فيه، وقال الطبيي: أي اقبلوا مني ما يقتضي أن تبشروا بالجنة من التفقه في الدين والعمل به، ولما لم يكن جل اهتمامهم إلا بشأن الدنيا والاستعطاء دون دينهم، قالوا: بشرتنا بالتفقه وإنما جئنا للاستعطاء فأعطنا، انتهى.стр. 1853
على العاجل، وكان المراد هو الآجل قوله [فتغير وجه رسول الله ﷺ ] لكونه رآهم مشغوفين بحب العاجل (١) . قوله [قالوا (٢) : وفي نجدنا] الحواشي
(١) قال الحافظ: تغير وجهه ﷺ إما للأسف عليهم كيف آثروا الدنيا، وإما لكونه لم يحضره ما يعطيهم فيتألفهم به، أو لكل منهما، انتهى. وقال القاري: قال العسقلاني: بشرتنا دال على إسلامهم، وإنما راموا العاجل وغفلوا عن الآجل، وسبب غضبه ﷺ ونفيه قبولهم البشرى إشعاره بقلة علمهم وضعف قابليتهم لكونهم علقوا آمالهم بعاجل الدنيا الفانية، وقدموا ذلك على التفقه في الدين الموصل إلى ثواب الآخرة، انتهى.(٢) قال القاري: قوله (اللهم بارك لنا في شامنا) لعل تقديمه على اليمن مشير إلى أنه مبارك في أصله، لقوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، ولوجود كثير من الأنبياء فيه، فالمراد زيادة البركة، أو البركة الحاصلة لأهل المدينة وسائر المؤمنين على الخصوص اللهم بارك لنا في يمننا) بركة ظاهرية ومعنوية، ولذا كثر الأولياء فهم، والظاهر في وجه: تخصيص المكانين بالبركة لأن طعام أهل المدينة مجلوب منهما، وقال الأشرف: إنما دعا لهما بالبركة لأن مولده بمكة وهو من اليمن، ومسكنه ومدفنه بالمدينة وهي من الشام، وناهيك من فضل الناحيتين، فانه أضافهما إلى نفسه وأتى بضمير الجمع تعظيمًا، انتهى.стр. 1854
ولعل الوجه (١) في سكوته عن الدعاء له أن الفتن لما كانت مقدرة خروجها منه فالدعاء بالبركة لا يزيد إلا ما هو فيه، فلو قال ذلك لانعكس المقصود، والفتن غير مقصودة في زيادتها، وقرن الشيطان (٢) قيل: يخرج الدجال ويمر من هناك، وفيه بعض بعد؛ لأن نفس مروره من ثمة لا يقتضي (٣) نسبته إليها، الحواشي
(١) وبذلك جزم المهلب إذ قال: إنما ترك رسول الله ﷺ الدعاء لأهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن، هكذا في الفتح.(٢) ذهب الداودي أن للشيطان قرنين على الحقيقة، وذكر الهروى أن قرنيه ناحيتا رابه، وقيل: هذا مثل، أي حينئذ يتحرك الشيطان ويتسلط، وقيل: القرن القوة، وإنما أشار رسول الله ﷺ إلى المشرق لأن أهله يومئذ كانوا أهل كفر، فأخبر أن الفتنة تكون من تلك الناحية، وكذلك كانت، وهي وقعة الجمل وقعة صفين، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق وما وراءها من المشرق، وكانت الفتنة الكبرى التي كانت مفتاح فساد ذات البين قتل عثمان، كذا قاله العيني، قلت: إطلاق الشرق على هذه المواضع تجوز لاسيما على مخرج الخوارج وهو حروراء قرية بظاهر الكوفة، قال: على ميلين منها كما في معجم البلدان، وشتان بين نجد والكوفة.(٣) لا سيما وقد ورد أنه يدخل القرى كلها غير مكة والمدينة فإنهما حرمتا عليه.стр. 1855
إلا أن يقال: لما تسلط فيه وأقام هناك كثيرًا أو قليلًا عد من أهله (١) ، وصار من أهله، فلو دعا لنجد- والدعاء لمكان ليس في الحقيقة إلا لأهله لكانت الدعاء تشمل (٢) عليه، وليس مقصودًا، وقال البعض: هذا إشارة الحواشي
(١) هذا إذا كان المراد بالنجد الناحية المخصوصة، وهذا مختلف عند الشراح، قال الحافظ: كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر، فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك ما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذاك البدع نشأت من تلك الجهة، وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل الجد ما ارتفع من الأرض وهو خلاف الغور، فإنه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور، ومكة من تهامة، انتهى. قال الحافظ: عرف بهذا وماء ما قاله الداودي: إن نجدًا من ناحية العراق، فإنه توهم أن نجدًا موضع مخصوص، وليس كذلك، بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدًا والمنخفض غورًا، انتهى.(٢) أي تشمل الدجال أيضًا، والأوجه عندي أن يقال: إن المراد بقرن الشيطان إن كان الدجال فالمراد بالنجد جهة الشرق على العموم، وخروجه من الشرق متعين، قال الحافظ في ذكر الدجال: أما من أين يخرج؟ فمن قبل المشرق جزمًا، ثم جاء في رواية أنه يخرج من خراسان، أخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث أبي بكر، وفي أخرى أنه يخرج من أصفهان، أخرجها مسلم، انتهىстр. 1856
إلى محمد بن عبد الوهاب النجدي، ولا يضر (١) فإن الفتنة قد وقعت (٢) لا ريب منه، وإن كان أكثر ما يقوله موافقًا للسنة (٣) ، إلا أنه تعدى فيه بحسب ما تجاوز الغاية المقصودة، فكان ذمًا وفتنة، فقد كان يقتل الرجل إذا لم يحضر الجماعة للصلاة إلى غير ذلك.
قوله [لينتهين أقوام يفتخرون الخ] لما أثبت الفضل في القبائل والأشخاص أراد أن لا يفتخر بذلك أحد (٤) فيحتقر الآخرين، أو يتكل على نسبه، الحواشي
(١) والظاهر أنه يضر، وما أفاده الشيخ مبني على ما اشتهر في الهند من أحواله، والناس فيه مختلفون جدًا، فن مادح له يبلغونه إلى درجة الخلفاء الراشدين، ومن ثالب له لا يقتصرون عن تكفيره، وكم من موثق له وجارح عليه، والحق متوقف على كشف خلص أحواله، وهذا كله بعد تسليم أن المراد بالنجد الناحية المخصوصة، وتقدم أن السلف مختلفون في ذلك، ورجح الحافظ خلافه.(٢) على ما ذكر شيئًا منه صاحب الرحلة الحجازية، وصاحب روضة المحتاجين، وغيرهما.(٣) ولذا وثقه الشيخ في فتاواه، نورد كلامه بلفظه فقال: محمد ابن عبد الوهاب كولو وهابي كهتے هين، وہ اجھاآدمي تها، سنا هـے كه مذهب حنبلي ركهتا تها، اور عامل بالحديث تها، بدعت وشرك سے روكتا تها، مكر تشدد اس كے مزاج مين تهي، والله اعلم، انتهى بلفظه.(٤) يعنى أراد المصنف بذكر هذه الرواية التنبيه على أن ما تقدم من الفضائل لا ينبغي أن يكون موجبًا لإعجاب نفسه، أو سببًا للاتكال عليه، فمن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه.стр. 1857
فيكون ممن ليس لم يوم الجزاء إلا الندامة، فنهاهم (١) عن ذلك.
قوله [من الجعل] دويبة صغيرة يجعل الخرء والنجاسة كشيء مستدير ثم يدهدهه إلى بيته، شبه المفتخرين بالأنساب بها في الافتخار (٢) والتنقير عما لا يفيد، فإن الذي يفتخر بآبائه إن كان هؤلاء كافرين كان باحثًا نجاسته (٣) ، وإن كانوا على خير وكان على غير طريقتهم كان مظهرًا خباثة نفسه، أنه كيف صار خلف سوء لهم ولم يكن أحدًا من جملتهم، وأما إذا كانوا كذلك وكان مثلهم فظاهر أنه لا يفتخر ولا يعد نفسه شيئًا حتى يفتخر، وإنما هو مشتغل (٤) بمحاسبة نفسه، بصير بقبائحه في يومه وأمسه. الحواشي
(١) وقد ورد النهي عن ذلك في روايات كثيرة بسطها السيوطي في تفسير قوله عز اسمه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾، الآية.(٢) اشتبه الأصل هاهنا، والظاهر أنه بالخاء المعجمة، ويحتمل أن يكون بالحاء المهملة، من افتحر الكلام والرأى إذا أتى به من قصد نفسه ولم يتابعه عليه أحد، كذا في القاموس، وكذلك اللفظ الآتي الظاهر أنه بالقاف، ويحتمل أن يكون بالفاء.(٣) أي حافرًا نجاسة كفرهم، فإنه كلما ذكرهم وهم كافرون فهو مشيع لكفرهم ومفتخر به.(٤) ففي المشكاة برواية الترمذي وغيره عن أبي ذر مرفوعًا: والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله، قال أبو ذر: يا ليتني كنت شجرة تعضد. وبرواية رزين عن أبي هريرة مرفوعًا: أمرني ربي بتسع، الحديث. وفيه: أن يكون صمتي فكرًا، ونطقي ذكرًا، ونظري عبرة، رزقنيها الله تعالى بمزيد لطفه وعموم كرمه.стр. 1858
هذا (١) والحمد لله رب العالمين، والصلاة على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين، وعلى سائر الأنبياء والصالحين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ووقفنا الله لسلوك سبل المهتدين. الحواشي
(١) وهذا آخر ما أفاده الشيخ على الجامع الإمام الترمذي رحم الله تعالى عليه، وعلى مفيد هذا التقرير الأنيق البديع، وعلى جامعه ومشيعه وأعوانه رحمة واسعة لا غاية لها ولا أمد.
وقد تم ها هنا الجامع الترمذي كما يدل عليه ما في آخر الباب من النسخ الهندية: (آخر المسند والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين) ولا يوجد ذلك في النسخة المصرية "ولعل ذلك من تصرف النساخ، أو اختلاف الرواة".стр. 1859
الحواشي
(١) ويقال: إن هذا تأليف مستقل للإمام الترمذي، يسمى بالعلل الصغرى، ألحق في آخر المسند الجامع لمناسبة تامة له بذلك، كما ألحق بعد ذلك في النسخ الهندية تأليف له ثالث يسمى بالشمائل، ويدل على ذلك ابتداء السند عن الكروخي في النسخ الهندية، ولفظه: أخبرنا الكروخي، نا القاضي أبو عامر الأزدي والشيخ أبو بكر الغورجي وأبو المظفر الدهان، قالوا: نا أبو محمد الجراحي، نا أبو العباس المحبوبي، أنا أبو عيسى الترمذي، قال: إن جميع ما في هذا الكتاب .... إلى آخره، ولا يوجد هذا السند في النسخة المصرية، قلت: ولعل السر في أن الدمنتي لم يذكر هذا الكتاب في تعليقه على الترمذي تبعًا للسيوطي أنهما جعلاه كتابًا مستقلًا مستأنفًا.(٢) العلة في الاصطلاح عبارة عن سبب غامض خفي قادح في الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه، ويتطرق إلى الإسناد الجامع شروط الصحية ظاهرًا، وتدرك بتفرد راو وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف على وهم وقع، وتقع في الإسناد وهو الأكثر، وقد تقع في المتن، وقد تطلق العلة على غير مقتضاها ككذب الراوي وفسقه وغفلته ونحوها من أسباب ضعف الحديث، وسمي الترمذي النسخ علة، قال العراقي: فان أراد أنه علة في العمل بالحديث فصحيح، أو في صحته فلا، لأن في الصحيح أحاديث كثيرة صحيحة منسوخة، وأطلق بعضهم العلة على مخالفة لا تقدح في صحة الحديث، وقسم الحاكم في (علوم الحديث) أجناس الملل إلى عشرة، لخصها السيوطي في التدريب.стр. 1860
والعلة هي السبب، يعني (١) بها علل قبول الروايات وردها، والمراد التنبيه على بعضها لا استقصاؤها. قوله [وقد بينا علة الحديثين] أي وجه كونهما لم يعمل بهما وهو النسخ (٢) ، أو ثبوت خلافه (٣) عن النبي ﷺ ، أو عن الراوي، وهذا إذا (٤) حمل لفظ الحديثين على ظاهر معناهما، وإلا فقد بينا لك أن الجمع كان بحسب الصورة لا الحقيقة، وكذلك القتل كان الأمر فيه إذا رأى الإمام ذلك تعزيزًا وهو معمول به، وإنما المتروك كونه تشريعًا وأمر وجوب.
قوله [ومنه ما روي عن أبي وهب (٥) ] على صيغة المعلوم (٦) وفاعله الحواشي
(١) فسر الشيخ بذلك لما أن المذكور في هذا الكتاب ليس مجرد أسباب القدح، بل فيه ما يدل على التوثيق والصحة أيضًا، فعمم الشيخ الكتاب، ولو فسر الكتاب بالعلل الاصطلاحية فيوجه ما ذكر فيها بالتبع والاستطراد.(٢) كما جزم به المصنف في بيان ذكر حديث القتل.(٣) كما أشار إليه المصنف في حديث الجمع بين الصلاتين، والمصنف وإن حكم على حديث الخلاف بالضعف لكنه جعله معمولًا به عند أهل العلم.(٤) يعني أن ترك العمل بالحديثين باعتبار ظاهر الألفاظ، وإلا فالحنفية شكر الله سعيهم عملوا بهما أيضًا بعد حملهما على محمل لا يخالف الروايات الأخر جمعًا بين الروايات.(٥) هكذا في جميع النسخ الهندية، وفي المصرية: منه ما روي عن ابن وهب محمد بن مزاحم عن ابن المبارك، والظاهر أن الصواب الأول؛ لأن محمد بن مزاحم يكنى بأبي وهب لا بابن وهب.(٦) توهم بعض من اعتنى بحل الترمذي في حمله على البناء للمجهول نظرًا على الظاهر، والصواب ما أفاده الشيخ كما يؤمي إليه النظر الدقيق، لأن المصنف رام بيان إسناد الأقوال التي حكى في جامعه عن ابن المبارك، فلو كان هذا اللفظ بالبناء للمجهول لا يتم عرضه لانقطاع السند بين الترمذي وبين أبي وهب، ويؤيده أيضًا أن ما ذكر المصنف من أقوال الشافعي وابن حنبل ذكر أسانيد متصلة كما سيأتي، ويؤيده أيضًا أن الحافظ ذكر في تهذيبه محمد بن مزاحم العامري أبا وهب المروزي ورقم عليه الترمذي، وحكى في مشايخه ابن المبارك، وفي الآخذين عنه أحمد بن عبدة، وهكذا حكى في مشايخ أحمد بن عبدة حبان بن موسى، وعلي بن الحسن ابن شيقق، وعبدان، وغيرهم، فتأمل، وللتوجيه مجال.следующие страницы →