فكان الحكمة في إقامة الخناثي بعد الصبيان أنهم لو كانوا رجالاً لم يضر ذلك في جواز صلاتهم ولو كن نساءكن قمن في مقامهن أي بعد الصبيان فلو بنى الأمر على العكس لضر ذلك صلاة الصبيان ألبتة.
وأما قوله ﷺ [والنهي] وهو جمع نهية معناه العقل لأنها تنهي صاحبه عما لا ينبغي له، فإنما أشار بذلك إلى فضيلة قيام هؤلاء مع الإمام ليعلموا وليتعلموا كما أشار إليه الترمذي بقوله ((وروى عن النبي ﷺ أنه كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار))، وقوله ﷺ «ليليني (١)» بتشديد النون حتى لا يغلط ببقاء الياء مع أن المقرر بعد لام الأمر هو الجزم بحذفها.
وقوله [لا تختلفوا فيختلف قلوبكم] لتأثير الاختلاف (٢) الظاهر في الاختلاف الباطن.
وقوله [وإياكم وهيشات الأسواق] دفع لما عسى (٣) أن يتوهم أن أمر اهتمام
стр. 247
تسوية الصفوف لا ينتظم إلا بعد الجلبة الكثيرة والأصوات الشديدة العالية كما يشاهد في الأسواق، فنهى النبي ﵇ عن ذلك وأراد أن المسجد مما يعظم ويوقر وليس ينبغي فيه ارتفاع الأصوات وغير ذلك.
[باب ما جاء في كراهة الصف بين السواري]
وجه الكراهة على ما هو (١) المشهور انقطاع (٢) الصفوف، وفي كراهة ذلك اختلاف المشايخ فتكون المسألة (٣) مختلفًا فيها، وقيل وجه الكراهة أن النبي ﷺ كان جعل للجن قيام (٤) بين السواري فلا معنى للكراهة في حقنا لعدم الاستيقان بحضورهم ولعلهم في صور الأناسي، والأوجه أن سبب ذلك عدم استواء الصفوف (٥) مع ما يلزم من انقطاعها
стр. 248
أيضًا فإن سواري مسجد النبي ﷺ لم تك متقابلة كما نشاهد في زماننا هذا، وعلى هذا فلا كراهة في غير مسجد النبي ﷺ .
[باب الصلاة خلف الصف وحده]
.
قوله [فقال زياد حدثني هذا الشيخ] أه هذه قراءة على الأستاذ (١) فلو رواه هلال عن وابصة فقال إني وابصة لكان جائزًا وأمره بإعادة (٢) الصلاة لما فاته ما يجب عليه من الشمول في الجماعة وهذا إذا كان في الصف مقام قيامه، وأما إذا لم يكن فالذي ينبغي له أن يجر أحدًا (٣) من الصف فيقوم معه ولو لم يفعل أجزأه ولا إعادة عليه حينئذ لا وجوبًا ولا استحبابًا (٤).
стр. 249
قوله [قالوا من صلى خلف الضعف وحده يعيد] أي وجوبًا لارتكابه المحرم وقد قدمنا أن هذا إذا ما وجد في الصف موضعًا يقوم فيه.
[فقال بعضهم حديث عمرو بن مرة إلخ] ولا بعد (١) في كونهما صحيحين بأن يكون هلال أخذ من زياد بن أبي الجعد وعمرو بن راشد كليهما وأخذ عمرو بن مرة وحصين كلاهما عن هلال.
[باب الرجل يصلي ومعه رجل]
.
قوله [برأسي من ورائي] حاصله أخذ (٢) القفا وفيه ما يدل على جواز مثل ذلك الفعل في الصلاة.
[باب الرجل يصلي مع الرجلين]
.
قوله [أن يتقدمنا أحد] فإن كانوا (٣) من أول الأمر، فالأمر ظاهر وإن كانا اثنين ثم ثلثهما غيرهما فأما أن يجر اللاحق السابق إلى خلف أو يتقدم الإمام عليهما ولا فرق في جر اللاحق قبل دخوله (٤) في الصلاة وبعده.
قوله [وفي الباب عن ابن مسعود إلخ] يعني الصلاة بالرجلين لا أنه إذا صلى بهما يتقدمهما لثبوت ما يخالفها عنه فكيف برواية ما هو عامل بخلافها، وأما
стр. 250
على (١) ما سيأتي من حمل فعله على الجواز وإظهار أن الصلاة جائزة بهذا أيضًا فلا ضير في أن يكون روى رواية التقدم على اثنين إذا صلى بهما ويكون ما روى عنه ﷺ محمولاً على ذلك أيضًا.
قوله [وقد روى عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره] هذا ما اشتهر (٢) من مذهبه ولا يبعد أن يقال إنه فعل ذلك تعليمًا للجواز فلا يحتاج حينئذ إلى ما أجيب عنه بأن ابن مسعود لم يبلغه حديث التقدم فإنه بعيد عن مثله.
قوله [ما لبس] فيه دلالة لما ذهب إليه الصاحبان من حرمة فراش الحرير لإطلاق اللباس على ما يفرش أيضًا.
قوله [فنضحته] لإزالة الخشونة والدنس منه.
[فقام عليه إلخ] فيه رد على ما ذهب إليه إفهام العامة من كراهية تخصيص الإمام بفرش شيء دون القوم وعكسه فمن الظاهر أن حصيرهم هذا لم يكن يسع الإمام والرجلين خلفه والعجوز من ورائهما لأن بواريهم لم تكن تسع ثلاثة صفوف إلا أن للخلاف فيه مجالاً، وفي الحديث دلالة على سنية الدعوة وسنية قبولها والدعاء للمضيف وجواز الصلاة بهم بركة لهم ثم إن فيه دلالة على جواز التطوع بجماعة كما قال المؤلف وذلك أنه ﷺ لم يكن ليصلي الفريضة في البيت ولكن النفل بالجماعة مقصورة عندنا على الثلاثة (٣)، وأما إذا زاد على ذلك فإنه يكره لعدم
стр. 251
ثبوت التطوع منه ﷺ بمن هو أكثر من ثلاثة.
[اليتيم] هذا اسمه (١) وأما كونه صبيًا فمعلوم من موضع آخر.
[باب من أحق بالإمامة يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله إل خ] هذا ما ذهب إليه أبو يوسف (٢)، وأما الباقون فقد اختاروا تقديم الأعلم على الأقرأ ومستدلهم ما وقع بعد ذلك من تقديم أبي بكر، وفي الجماعة أبي بن كعب وكان أقرأهم فكان منسوخًا (٣) ولا يبعد أن يقال معنى قول النبي ﷺ في هذا الحديث أقرأهم ليس هو المجود بل الأعلم بوجوه القراءات وتأويلات الآيات ومعانيها فلزمه العلم بمسائله فإذا تساووا في ذلك فأعلمهم بالسنة التي هي سوى (٤) مسائل الصلاة من علم الحلال
стр. 252
والحرام وأكثر ما هو مذكور في السنة وليس له صريح تعرض في كتاب الله الكريم إلا بتعسر وكذلك الروايات الواردة في المعاملات والسير وغير ذلك وعلى هذا فلا يكون الحديث مخالفًا لما ذهب إليه الجمهور حتى يفتقر إلى القول بنسخه والدليل على إرادة ذلك أن قراءتهم لم تكن كقراءتنا من غير فهم المعاني والمسائل بمجرد اقتناع على الألفاظ، وأما الترتيل والتجويد بالمقدار الذي يتوقف عليه صحة الصلاة فكانوا في ذلك سواء ولم يك منهم أحد لا يقرأ كذلك فأفهم (١) ثم إن الوجوه التي ذكرها الفقهاء في الأحقية بالتقديم، إنما ملاك الأمر فيها كونه ممن يرغب إليه لا من يرغب عنه وذلك باجتماع أوصاف اعتبرهما الشرع منقبة وكمالاً من كبر السن وشرافة النسب وغير ذلك على حسب ما يبنوه من الترتيب ثم إن بعض تلك الوجوه مصرحة بها في الروايات والبعض الآخر مدركة (٢) بالنظر في موارد التعليلات ولا ضير فيه بعد ثبوت أصله من حضرة الرسالة ﷺ .
قوله [إلا بإذنه] اختلفوا في أن القيد والظرف وغير ذلك إذا ذكر بعد جمل متعددة هل يعتبر في كل من هاتيك الجمل أم يقتصر حكمه على ما اتصل به وإلى كل ذهب ذاهب والذي (٣) ذهب إليه الإمام عدم اعتباره في الكل
стр. 253
ولكن مذهبه (١) ههنا جواز الصلاة خلف غير صاحب البيت وجواز الإمامة للغير بقرينة أخرى لحقته وهي أن المنع إنما هو لحق صاحب البيت فإذا أذن فقوله ﷺ صلوا خلف كل ير وفاجر يجوز الصلاة خلفه.
قوله [إذا أم أحدكم الناس فليخفف] هذا لا ينافي سنية الطوال في الفجر والظهر إلى غير ذلك فإن في الطوال مراتب فعليه اختيار أدناها.
قوله [من أخف الناس صلاة في تمام] معناه المشهور أنه ﷺ لم يكن صلاته يحس بطولها لحسنه وحسنها وهذا مما يرده قوله ﵇ في غير هذا الحديث مخافة أن تفتتن أمة إذ لا معنى للافتتان على هذا التقدير فالمعنى أنه كان يختار من مراتب السنة أسهلها وأخفها.
قوله [مفتاح الصلاة الطهور] قد بيناه من قبل أن الدخول في باب الصلاة لا يمكن من دون فتح بابها ودخول حرمها بالتكبير، وقوله ﵎ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ يجوز الشروع بأي (٢) اسم كان فوجب تنزيل كل من الآية القطعية
стр. 254
والرواية الظنية في منزلتها فقلنا بوجوب تعيين لفظ التكبير وفرضية ذكر مطلق الاسم فلو شرع بغير لفظ الله أكبر تمت صلاته وأثم لترك الواجب وهكذا يقول في قوله ﵇ تحليلها التسليم فإن الخروج بلفظ السلام إنما هو واجب عليه والفرض الخروج أو الخروج بصنعه فلو أحدث بعد التشهد أجزأته عن فرض الوقت وإنما الاحتياج إلى الإعادة في أداء الواجب لا غير وذلك لقوله في حديث الأعرابي إذا قلت هذا أو فعلت فقد تمت صلاتك فلما علق الاتمام بذاك لم يبق للفظ السلام إلا الوجوب إذ لو كان من الأركان لما كان للتمام معنى.
قوله [ولا صلاة لمن لم يقرأ بالفاتحة وسورة معها] هذه الرواية توجب تخصيص النص القرآني المطلق وهو قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ فإن مقتاضاها جواز الصلاة بأية سورة كانت فوجب القول بالوجوب في حق الفاتحة حتى لا يبطل موجب النص فقلنا يجب عليه قراءة الفاتحة كوجوب (١) قراءة سورة
стр. 255
معها، وأما فرض القراءة فيسقط بمطلق ما يطلق عليه لفظ القراءة مع أن الرواية المذكورة ههنا تسوي أمر الفاتحة والسورة فمن أتى الفرق الذي فرق به المخالف بين الفاتحة وغيرها من السور بل يجب كونهما سواء وهو فيما قلنا من أن الفريضة ساقطة والإعادة واجبة سواء ترك الفاتحة أو السورة ما كانت ولا يثبت البطلان بترك الفاتحة بهذه الرواية هذا والتفصيل في بيانه ههنا مستغنى عنه فكتب الأحناف قد شحنت بأمثالها.
قوله [إنما الأمر على وجهه] المراد بالأمر إما الاصطلاحي فالمراد بكونه على وجهه معناه المشهور وهو الوجوب ويكون تحليلها التسليم وتحريمها التكبير مما ليس فيه صريح لفظ الأمر أمرًا بحسب المعنى فإنه أخبار معناه الإيجاب كما في
стр. 256
قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أو المراد بالأمر الحكم ومثله فالمعنى أنه على وجهه الذي أمر به وليس فيه مساغًا (١) لتأويل ولا يبعد أن يكون (٢) هذا من كلام المؤلف أراد به توثيق مقال ابن مهدي يعني أن ما قال ابن مهدي من أني أمرته بالإعادة حق لا ريب فيه وإنما أمره ذلك له وجه وليس أمر الأوجه له فيكون لغوًا أو غير ضروري أو تشديدًا والله أعلم، ولعل المراد بذلك التعريض على من جوز التحليل بغير التسليم والتحريم بغير التكبير ولم يفرض الفاتحة في الصلاة والجواب من قبل الأحناف غنى (٣) عن البيان فإنهم حملة لواء هذا الميدان وسابقوا خيولهم في جبلة البرهان بتوفيق الله الملك المنان ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
[باب في نشر الأصابع عند التكبي ر] أعلم إنه فرق (٤) ما بين النشر الذي
стр. 257
هو مقابل الضم والجمع ولا يكون في أقل من أصبعين وبين النشر الذي هو مقابل الضم والعقد الذي يمكن في كل أصبع أصبع فالمراد بالنشر ههنا ليس هو الأول بل الثاني فلا يكون معنى الحديث إلا أن النبي ﷺ حين كبر لم يعقد أصابعه بل بسطها فلا يكون هذا مخالفًا لما قرره الفقهاء من أنه يضم أصابعه في السجدة لتستقبل رؤس الأصابع كلها وينشر في الركوع ليكون أقدر على أخذ الركبة، وأما في سائر أركان الصلاة فيتركها على حالها ووجه عدم المخالفة أنه لا تعرض في هذا الحديث للنشر بالمعنى الذي يخالف هذه القاعدة، وإنما التعرض فيه للنشر بمعنى البسيط الذي هو مقابل للعقد والضم بمعنى ضم بعض أجزاء أصبع ببعضها.
قوله [وأخطأ ابن يمان] لما لم يكن بين الروايتين تناسب حتى يحمل على الرواية (١) بالمعنى لزم القول بالغلط.
قوله [رفع يديه] مدًا أي من غير أن يضم عضديه بجنبه ويقبض يديه بل جافيًا إياهما عنهما ومادًا يديه أي باسطًا.
[باب فضل التكبيرة الأول ى] الصحيح في تعيين غايتها هو معية الإمام وهو الفضيلة الموعودة ووسع فيها بعضهم فقال ما لم يشرع في القراءة وقيل ما لم يفرغ
стр. 258
منها، وأما ما قيل من أن مدرك الركعة الأولى مدرك التكبيرة الأولى ففيه أن الإدراك حينئذ لا يكون إلا بمعنى اللحوق وأنت تعلم أنه يلزم على هذا أن يكون اللاحق بعد تسليم الإمام وعليه سهوًا مدركًا للتكبيرة الأولى بصدق اللحوق فإن حكم التكبيرة الأولى باق بعد وفساده غير أخفى.
قوله [كتب له براءتان] لما كان للظاهر تأثيرًا في الباطن فقلما يتخلف إصلاح الظاهر (١) عن تأثير في إصلاح الباطن وإفساد الظاهر عن تأثير في إفساد الباطن وقد جعل الله في العدد الذي ذكر من قبل أثرًا لتبديل الحال كما يشاهد في خلقة النطفة وقصة موسى ﵇ وغير ذلك من النظائر كان دوامه على هذه الفضيلة العظمى والمنقبة الكبرى مؤثرًا في إصلاح باطنه لا محالة وكان ذلك علامة على خلاصه من دخول النار أو خلود النار ويجوز (٢) أن يستنبط منه حصول أثر في الأربعينات.
قوله [براءة من النار] وإن كان يستلزم براءته من النفاق أيضًا إلا أن النبي ﷺ نبه بذلك على أن دوامه على هذه أربعين يومًا دليل على أنه ليس بمنافق وأن مثل ذلك لا يتصور من منافق فكان ذلك علمًا على براءته من النار، والحاصل أن براءته من النار لما كان أمرًا لا يدرك إلا في الآخرة وما بعد الممات أعلم النبي ﷺ بعلامة يدرك بها في دار الدنيا أيضًا ولا يظن أن فعله ذلك من النفاق.
стр. 259
[باب ما يقول (١) عند افتتاح الصلاة] هذا مما يشترك فيه الفرض والنفل فلذلك عقد الباب وأراد فيه بيان الفرض وأورد الحديث الوارد في صلاة النفل والمذهب فيه عند الإمام أن أكثر ما ثبت من زيادة الأدعية قبل القراءة بعد الافتتاح أو في الركوع والسجود وغير ذلك فإنما هو في النوافل وكان النبي ﷺ في فريضته أخف الناس صلاة في تمام كما ورد فينبغي له الإقصار على أقصر ما ثبت من الأدعية في جميع ذلك إذا كان يصلي في فريضته ومع القوم.
وأما إذا انفرد في النافلة فليطل صلاته ما شاء ومع هذا كله لو قرأ في صلاته المفروضة شيئًا من تلك الزيادات الثابتة تصح صلاته من غير شائبة كراهية
стр. 260
خلافًا لما قاله بعض من لا يعتد بقوله من أنه يلزم عليه بذلك سجدة السهو بتأخير الفرض الثاني فإنه ليس الأمر على هذا عند الإمام وإلا لزم سجدة السهو بإطالة القيام وكنا (١) قد تركنا أولاً بيان قوله ﷺ من همزه ونفثه ونفخه اتكالاً على ما في الحاشية ثم يتبين أنه لا بد ههنا من ذكر أن هذه الدعاء إنما كانت لتعليم الأمة وأما النبي ﷺ فقد أجاره الله وأعاذ من أن ينفخ فيه الشيطان أو ينفث ومعنى النفث إلقاء رغبة السحر أو الشعر والهمز هو الوسوسة.
قوله [أبو الرجال] كان بنوه (٢) كثيرين.
[باب ما جاء في ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم]
اختلف فيه أقوال الفقهاء المجتهدين واختلافهم في ذلك (٣) مبني على اختلاف القراء من قبل ففيه ثلاثة أقوال قال بعضهم التسمية آية من الفاتحة ومن كل سورة، وممن ذهب إلى ذلك الشافعي فوجب عنده الجهر بالتسمية عند الجهر بالسورة، والثاني أن التسمية ليست جزءًا لسورة ما ولا آية مستقلة فوجب الإخفاء عند هذا القائل إخفاء الثناء والتعوذ وغير ذلك وهذا الذي اختاره (٤) مالك.
стр. 261
وأما مذهب الإمام (١) فهو القول الثالث وهو أن التسمية ليست جزءًا من الفاتحة ولا من أي سورة وإنما هي آية أنزلت للفصل بين السور فكان تركها في كل القرآن نقصًا وتقصيرًا واللازم قراءتها مرة على سبيل الوجوب، وأما الجهر بها عند الجهر بالفاتحة فمما لا يجوز إذ ليست جزء الفاتحة حتى يعطي لها حكمها وأدلة الفريقين من الشافعية والأحناف مما لا ينكر ثبوتها وإن كان لبعض منها قوة على بعض فقال كل واحد من المقدامين المقدمين بما ترجح عنده وجهه، وأما الدلائل التي ذكرها أئمة الحديث من القديم والحديث على إثبات جهر التسمية ففي كل منها شق ولذلك اعترف صاحب سفر السعادة بأن ليس في باب جهر التسمية رواية صحيحة فلعل الشافعي بلغه ما لم يبلغنا حتى يتكلم فيه.
قوله [سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول] أي (٢) [أجهر ببسم الله الرحمن
стр. 262
الرحيم] إذ لا قائل (١) بكراهة الجهر (٢) والإخفاء كليهما وأيضًا لا يصح إيراده ههنا (٣) لو لم يسلم الجهر وأيضًا فإن قوله سمعني أبي لا يترتب على القراءة الخافية ظاهرًا، فأما سمعه مع الإخفاء بعيد وإن أمكن.
قوله [يعني منه] لما كان استعمل أفضل التفضيل ههنا وهو أبغض من غير اللام والإضافة ولفظة من أظهرها حتى يصح ومعنى العبارة أن كل أصحاب النبي ﷺ كان يبغض الحدث في الإسلام لكن أبي كان من بينهم أشد منهم أجمعين في إبغاض الحدث في الإسلام (٤).
стр. 263
قوله [يفتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم] أنت تعلم أن هذا ليس يكفي للمستدل على دعوى (١) الجهر بها وذلك لأن الصحابة كانوا يسمعون قراءته وأدعيته وإن أخفت هو بنفسه وربما كان يسمعهم الكلمة والكلمتين أو علموا افتتاحه بها بإخباره عن افتتاحه بها فلا قرينة فيها على الجهر غاية ما يلزم من ذلك أن النبي ﷺ كان يقولها عند افتتاح القراءة ونحن لا ننكره فلو كان يلزم الجهر بهذا الافتتاح لزم القول يجهر الثناء والتعوذ مع أنهم ليسوا بها قائلين.
[باب في افتتاح بالحمد لله رب العالمين] غرض الترمذي من وضع هذا الباب بيان أن قراءة الفاتحة في الصلاة قبل قراءة السورة وأنت تعلم أنه يدل على ترك الجهر ببسم الله وتأويل الشافعي في ذلك يحكي (٢) تأويله في الأسفار ولكن نقول من جانبه وجانب أتباعه في شأنه:
إذا قالت حذام فصدقوها
فإن القول ما قالت حذام
وأعوذ بالله أن أقول طعنًا عليه وتنقيصًا لشأنه وإنما سبق ذلك مني لغلبة حب حماة الدين وحملة لواء العلم واليقين فإن التسمية لو كانت جزءًا من الفاتحة لما صح التكلم بجزئها المتوسط للتعريف والتمييز فإن الشائع في مثل ذلك التلفظ بأول الجزء وابتداء السورة ولكن محل العذر منهم واسع بأن يقال (٣) لما لم يكن
стр. 264
التسمية مختصة بشيء من السور لم يفد ذكرها في باب التمييز والتعريف شيئًا فأقتصر على ذكر ما يوجب العلم والتمييز من بين أجزائها وإن كان وسطًا لكونه أول جزء يورث العلم والفرق.
[باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب]
اعلم أن هذه المسألة من معظم خلافيات الأحناف (١) والشوافع وسنبرهن على ما ذهبنا إليه دليلاً قاطعًا فأعلم أنه قد روى في هذا الحديث جزء آخر قد تركوه واضطروا إلى القول بأنه سهو من الراوي لما كان يخالف مذهبهم وهو أنه روى بعد قوله بفاتحة الكتاب لفظ فصاعدًا (٢)، وفي بعض الروايات وسورة وبعضها وزيادة وقد روى الترمذي قبيل ذلك في باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها لا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها فقلنا هذه الزيادة يلزم تسليمها لتسليم أن زيادة الثقة معتبرة فوجب تسوية الحمد بالسورة في عدم إجزاء الصلاة بعدم إحداهما وهو الذي نقول ومع قطع النظر عن ذلك نقول إن قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ يجوز الصلاة إذا اكتفى بلفظ الله الصمد، والرواية الصحيحة لا تجوز فوجب القول بكل منهما بحيث لا يبطل به موجب الآخر وبهذا يعلم أن النفي في قوله ﵊ «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» نفى كمال لا نفى ذات فإن القرينة
стр. 265
قائمة ههنا وهي التي عليها مدار حمل لا على نفي الكمال أو نفي الذات فإن قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ نزل بمكة بعد عدة أشهر من النبوة واشتهر اشتهار الضروريات التي لا تنكر فاتكل عليه النبي ﷺ في نفيه الصلاة بفظة ((لا)) وهو موضوعة لنفي الذات إلا إذا قامت قرينة خلافه فعلم أن خبر لا هذه ليست ههنا شيء من الأفعال العامة، ومن القرائن الدالة على أن المراد نفي الكمال ما ورد في بعض الروايات من لفظ فهي خداج غير تمام فهل هذا إلا تصريحًا (١) بالفساد بالنقصان دون الفساد بالبطلان، ومن العجائب ههنا ما وقع للبخاري من إنكاره هذه (٢) الزيادة التي يبناها من قبل وأسند السهو إلى معمر مع علو شأنه بحيث لا ينكر ورفعة مرتبته في هذا الفن بمنزلة لا تذكر وهل هذا إلا شيء لست أقدر على بيان وجهه وأعجب منه حمل النووي شارح المسلم قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ على الفاتحة، ولا أدري كيف ساغ التخصيص مع كون اللفظ عامًا مع أن الفاتحة ليست بأقصر من أكثر (٣) سور القرآن فأنى التيسر فيها دون غيرها من السور وهل هذا إلا تعصب ظاهر.
[باب ما جاء في التأمين]
لا خلاف في ذلك إلا في اختيار (٤) ما هو أولى
стр. 266
وأنت تعلم أن لفظ [مد بها صوته] ليس نصًا على المدعي إذ المد كما يحصل في الرفع يحصل في الخفض أيضًا، ومن العجائب في هذا المقام أن سفيان نفسه في الرواية الثانية (١) مصرح بلفظ خفض بها صوته فلزم حمل روايتيه على معنى (٢) لئلا تتعارضا، وأما ما رواه بعضهم من لفظ رفع بها صوته وجهر بها فلعله فهم من لفظ مد بها ما رواه، وأما قوله فقال عن حجر أبي العنبس وإنما هو حجر بن العنبس فقد أجاب عنه صاحب الجوهر النقي (٣) بأن اسم ابن حجر اسم أبيه فكان أبا العنبس كما هو (٤) ابن العنبس وهذا موضعه علم أسماء الرجال فليتعرف وهذا كثير في أسماء الرواة.
وقوله [وزاد فيه عن علقمة بن وائل] وهذا الاعتراض ناش من قلة الاطلاع أيضًا فإن حجرًا كما هو آخذ عن وائل أبي علقمة كذلك متلقف عن علقمة (٥) بن وائل فبين مرة هذا ومرة هذا.
стр. 267
وقوله [وخفض بها صوته وإنما هو مد بها صوته] قد عرفت حال هذا الاعتراض فيما سبق من أن سفيان الذي اعتدوا بروايته ونسبوا إلى شعبة الخطيات بمخالفته له مصرح نفسه في روايته بهذا الإسناد بلفظ خفض بها صوت كما قاله مترجم شرح الوقاية (١) ناقلاً عن مصنف ابن أبي شيبة وههنا شبهة أخرى بنسبة الخطأ إلى شعبة أورده ابن الهمام فقال مستدلاً بما في العلل الكبير للترمذي أن علقمة لم يلق أباه وائلاً وإنما ولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر فهذا إما غلط من الترمذي أو ابن الهمام إذ الترمذي نفسه مصرح في صحيحه في كتاب الحدود أن علقمة (٢) تلمذ على أبيه وائل وإنما المولود بعده أخوه عبد الجبار، كيف وقد روى مسلم في صحيحه عن علقمة قال سمعت وائلاً، وكذلك روى القزويني والنسائي رواية علقمة عن وائل بتصريح التحديث فعلم من ذلك كله أن الروايات في الجانبين صحيحة لا يذكر نقص في شيء منها إلا ويرجحه مثله أو ما هو فوقه فوجب المصير
стр. 268
إلى غيره إذ لا اعتداد بكثرة الطرق فرأينا قوله تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ يرجح ما ذهبنا إليه إذ لا خلاف في أن التأمين دعاء لأن معناه استجب كما صرح به المفسرون في قوله تعالى خطابًا لموسى وهارون وكان الداعي موسى وهارون مؤمنًا على دعائه فقد أجيبت دعوتكما ومع ذلك فلو ثبت جهره ﵇ لكان محمولاً على بيان الجواز وعلى كونه في أول الأمر.
وأما قوله في الرواية الآتية إذا أمن الإمام فآمنوا فليس بنص على جهر الإمام فإن علم المأموم بذلك ليس بداير على جهره بل هذا معلوم بإتمام الإمام الفاتحة بل هو اللائق بحال الإمام والمأموم لئلا يلزم المنازعة بخلاف ما إذا أمن كلهم سرًا فإنها لا تلزم إذا، ولا كذلك التكبيرات فإن المقصود منها وهو الأعلام يفوت بالإخفاء.
قوله [عن الحسن عن سمرة قال سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ ] يستنبط منه لقاء الحسن سمرة وعمران بن حصين كما يظهر لمن نظر في الكتاب لأن المعبر بقوله كتبنا إنما هو الحسن وسمرة وأصحابهما لا سمرة وإلا لكان المناسب في جوابه أن يقال حفظت لكن للمخالف فيه توسعًا بأن يحمل المتكلم على أنه سمرة وأصحابه غير أن سمرة ذكر القصة للحسن بعد ذلك لكن المرام حاصل بعد وهو ثبوت لقاء الحسن (١) سمرة، والسكتتان إحداهما سكتة الثناء وثانيتهما سكتة التأمين، وقوله إذا قرأ ولا الضالين بيان لما بينه (٢) بقوله بعد القراءة لئلا يظن أن تلك السكتة في آخر السورة والسكتتان المذكورتان في الرواية محمولتان عندنا على الثناء والتأمين وإطلاق السكتة على الإخفاء باعتبار السامع لا التالي فإنه لم يسكت.
стр. 269
[باب ما جاء في وضع اليمين على الشمال]
هذا إثبات لما لم يذهب إليه مالك فقال بالإرسال غير أن كيفية الوضع مذكورة في الفقه (١) واختيار الوضع فوق السرة بمعنى (٢) لكونه أدخل في التعظيم والروايات دالة عليهما معًا.
[كان يكبر في كل خفض ورفع] هذا تغليب وهذا رد لما ذهب إليه المروانيون من ترك تكبيرات الانتقال اغترارًا بخفض صوت عثمان ﵁ فظنوا أنه كان لا يكبر.
[أن رسول الله ﷺ كان يكبر وهو يهوى] الواو الحالية مشيرة إلى أن وقت التكبير هو عين وقت الهوى (٣) فكان التكبير سنة في وقت الانتقال لا قبله
стр. 270
ولا بعده.
[باب رفع اليدين عند الركوع والسجود]
لا خلاف بيننا وبين الشافعي في جواز الصلاة بالرفع وعدم الرفع فلو لم يرفع المصلي يديه في غير تكبيرة الافتتاح لا يقول الشافعي بفساد صلاته ولو رفع أحد يديه في الركوع بل في السجود أيضًا لم نقل بفساد صلاته إنما النزاع في أن الأولى بل هو عدم الرفع أو الرفع فاخترنا الأول واختاروا الثاني، والنزاع ههنا إنما هو في الرفع الذي هو قبل الركوع والذي هو بعد الركوع.
وأما رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح فلم تنكره وكذلك عدم الرفع بين السجدتين لم يثبتوه فنقول هذه الرواية التي ذكرها الترمذي في الباب لا يجدي نفعًا وهذه الرواية إنما كانت مفيدة لو كنا أنكرنا ثبوت الرفع عن النبي ﷺ وليس كذلك بل الذي ننكره بقاء العمل علية حتى قضى النبي ﷺ فلو أثبتوا الرفع في آخر صلاة صلاها النبي ﷺ لكنا سلمنا على الرأس والعين ولعلمنا أن الصلاة بغير رفع اليدين لا تخلو عن نقص وشين، وأما إذا كان الأمر غير هذا قلنا في تسليم مقالتكم مقال ولتقديم روايات عدم الرفع مجال إذ مثبت الرفع يبني كلامه على ما عاينه في سابق الحال مع أن الاستصحاب ليس بحجة سيما وقد تعارضت الأقوال فهذا عبد الله بن مسعود حين قال ألا أريكم صلاة رسول الله ﷺ لم يرفع يديه الأول مرة مع ما روى (١) عنه البخاري رواية في الرفع أو ليس فعله هذا وقت ما صلى صلاة
стр. 271
رسول الله ﷺ بينة صدق على أنه قد بلغه النسخ وإلا فكيف يتصور منه ترك سنة كذا وهو مصرح بأنه يصلي صلاة رسول الله ﷺ .
وأما ما قال بعضهم من أن ابن مسعود لعله لم يبلغه حديث الرفع كما لم يبلغه نسخ التطبيق فيرده رواية البخاري عنه أبين رد وينادي أعلى نداء بأن ابن مسعود مسعود رضي الله تعالى عنه بلغه الرفع ورفع الرفع فلذلك تركه كيف، وعبد الله بن مسعود هو عبد الله بن مسعود مع ما ثبت من كثرة وروده وأمه في بيت رسول الله ﷺ حتى إن الظان منهم كان يظن أنهما من أهل بيت النبي ﷺ أليس بن مسعود هو الذي قال فيه رسول الله ﷺ لو كنت مؤمرًا أحدًا منهم من غير مشورة لأمرت ابن أم عبد أليس هو الذي قال فيه حذيفة بن اليمان حين سأله الناس فقالوا حدثنا بأقرب الناس من رسول الله ﷺ هديًا ودلاً فنأخذ عنه ونسمع منه فقال كان أقرب الناس هديًا ودلاً وسمتًا برسول الله ﷺ ابن مسعود حتى يتوارى منا في بيته ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله زلفا، الحديث، بلفظ الترمذي (١) فهذا عبد الله بن مسعود يقول فيه أغمار زماننا هذا وإنزاله وسفلة هذا الدهر وأرذاله أن ابن مسعود كان لا يحسن يصلي ولا يعلم طريق الصلاة فكيف بغيرها جزاهم الله على مقالتهم هذه شر الجزاء وباعدهم عن هؤلاء الكرام الأتقياء يوم تأتي كل نفس بأعمالها وتبتلي في أحوالها وأهوالها وأية حجة لهم على أن ابن مسعود لم يبلغه حديث نسخ التطبيق فلعله فعل ذلك لئلا يظن
стр. 272
الجهلة كهؤلاء حرمته مع أن قياس رواية رفع اليدين على التطبيق في النسخ قياس مع فارق فإن دليل النسخ واضح في الرفع دون التطبيق وهو روايته الحديثين كليهما في الرفع ثم عمله (١) بعدم الرفع ولا كذلك التطبيق وكل ما استدل به الخصم على مرامه لا يضرنا شيئًا وكل ما استدل به علماؤنا لا يسعهم جواب عنه إذ غاية ما يلزم من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ رفع يديه قبل الركوع وبعده وقد عرفت أنا لا تنكره وهو لا يضرنا وما ذكره البخاري من روايات الرفع فصحتها مسلمة فكان لا يلزم من ذلك كونها معمولاً بها فقد روى البخاري في صحيحه من روايات مدة حياة النبي ﷺ ثلاث روايات: رواية ستين وخمس وستين وثلاث وستين والثلاثة صحيحة لكن لا يلزم منها صدقها فإن الصادقة منها واحدة قط وبذلك عرفت أن الحنفية يثبتون الإرسال عند الركوع وغيره، والشافعية ينكرونه والمثبت مقدم على النافي كما عرفت واندفع بذلك ما قيل أن الرفع وجودي وعدم الرفع عدمي محض فكيف يرفع الوجود وذلك لأن الرفع وإن كان وجودًا لكن عدم الرفع ليس عدمًا محضًا وإنما هو عدم ثابت فكان في حكم الوجود وما عدوا من الصحابة فيمن لم يرفع دال على أنهم قد بلغهم نسخه وإلا فلما لم يك في رفع النبي ﷺ إنكار نكير فأي معنى لعدم رفع من لم يرفع فكان الذي يرى عدم الرفع أو يرويه مثبت أمر زائد إذًا لكل متفق على الرفع ثم الكلام إنما هو في بقاء ذلك الرفع ورفعه فمن أثبت رفع الرفع أثبت أمرًا زائدًا على الأصل فوجب القول بقبوله كما هو المقرر عندهم كيف وقد ثبت النسخ باتفاق بيننا وبينهم في جنس ذلك الحكم وهو الرفع بين السجدتين، وما قالوا من أن حديث الرفع بين السجدتين ضعيف فضعيف لما قد ثبت أن ابن طاؤس كان يرفع بين السجدتين ويستند بأن أباه طاؤسًا كان يفعله فأي بعد في أن نسخ الرفع بين السجدتين كما لم يبلغ طاؤسًا (٢) وابنه مع ثبوته، كذلك لم يبلغ نسخ الرفعين الباقيين هؤلاء الذين
стр. 273
استدللتم برواياتهم وعملهم فكم من أمر شاع بين أصحاب النبي ﷺ ولم يبلغهم نسخه ثم لما تفحصوا حين أخبرهم أصغرهم بنسخه وتفتشوا عنه تركوه.
وأما قول ابن المبارك (١) لم يثبت حديث ابن مسعود فقول من غير حجة وبرهان من قبيل التخمين لا الإذعان وأنت تعلم أن الجرح المبهم ليس مما يقبل يشير إلى ذلك تحسين الترمذي حديث ابن مسعود فيما بعد ورجال حديث ابن مسعود رجال الصحيح كلهم إلا عاصم بن كليب فقد تكلم فيه بعضهم مع أن أكثرهم لم يقبلوه عليه كف وقد روى عنه البخاري في جزء القراءة (٢) ومسلم في صحيحه والأربعة في سننهم فلو تنزلنا لقلنا بحسن حديثه وإلا فحديثه صيحح من غير ريب ولا رجم غيب، وقد صححه ابن عدي (٣) في كامله، ومن أقوى ما استدلوا به على الرفع ما رواه ابن عمر عن
стр. 274
النبي ﷺ في شأن الرفع ثم قال ما زالت (١) تلك صلاته حتى مات أو ليس يكفي في إثبات أن قول ابن عمر هذا مبني على الاستصحاب ما رواه مجاهد (٢) كما رواه (٣) العيني في شرح الصحيح كنت في خدمته زمانًا فلم أره يرفع يديه فلو كان الرفع عن ابن عمر ثابتًا غير منسوخ لما تركه ابن عمر، أو لم يروا أن دليلهم هذا (٤) مفيد لنا مع ما فيما ذهب إليه الإمام من الاحتياط لأن رفع اليدين على تقدير نسخه يكون عملاً بالمنسوخ وعدم الرفع على تقدير استحبابه يكون ترك أدب وإحداث بدعة أشنع من ترك أدب، وفي ذلك كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد وأسأل الله المزيد من فضله المديد وكرمه البعيد إنه على كل شيء قدير وبإجابة الداعين جدير.
قوله [ ﷺ فقد تم ركوعه وقد تم سجوده] أي ما فرض عليه وما سن له فهذا التمام تمام كفاية لا تمام نهاية حتى لا يجوز الزيادة عليه ولا تمام بداية حتى لا يكفي دونه.
قوله [لكي يدرك من خلفه ثلاث تسييحات] ليس المراد بذلك أن من خلفه لما كانوا يركعون ويسجدون بعده كان هذا المقدار من الزمان ضائعًا منهم فإن سبح
стр. 275
الإمام خمسًا سبح من خلفه ثلاثًا إذ يرد على ذلك أنهم كما كانوا يركعون بعد الإمام يرفعون عنه أيضًا بعده فهذا بذاك فأين الضياع حتى يضطر إلى زيادة تسييحات الإمام بل المراد بذلك أن أحوال المقتدين لما كانت مختلفة في كيفية القراءة فمنهم سريع حركة اللسان يسبح تسبيحة والإمام لم يتم تسبيحته، ومنهم على خلاف ذلك لا يسبح تسبيحة إلا والإمام سبح تسبيحتين فلذلك لو سبح الإمام خمس تسبيحات كان المقتدون أتموا تسبيحاتهم الثلاثة كلهم أجمعون ولم يبق منهم أحد كان تسبيحة أقل من الثلاث العدد المسنون وهذا الوجه لا يخفى لطافته وحسنه إلا أنه يمكن توجيه:
الوجه الأول أيضًا بما هو غير جدير بالعرض وهو أن الإمام حين انحنى إلى الركوع أو السجود وجب متابعته في رفض القيام بفور سماع تكبيره إلا أن الوصول إلى هيئة الركوع والسجود يكون بعد ذلك بزمان لا سيما على الضعفاء والمرضى والذين يمنعهم الازدحام وغير ذلك من المعية الزمانية بالإمام فلما كان وصولهم ثمة بعد زمان كان الإمام قد فرغ من تسبيحة أو أكثر منها في ذلك الزمان وهكذا التفاوت في وصولهم إلى هيئة القيام إذا رفعوا رؤوسهم من الركوع والسجود فأما رفع الرأس فيكون متصلاً بسماع تكبيرة الإمام غير متراخ عنه فأما بعد الرفع فليسوا في سعة من أن يسبحوا وإن كان وصولهم إلى القيام لم يحصل بعد والله الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل.
قوله [ما أتى على آية رحمة] وكونه ﵊ أخف الناس صلاة في الجماعة يخصصه بالنوافل (١) وبصلاته لنفسه.
قوله [إلا وقف وسأل] هذا عندنا على النوافل جمعًا للأدلة التي وردت في التخفيف في الفرائض من ذلك ما سبق أنه ﷺ كان أخف الناس صلاة في تمام ومن ذلك ما ورد أن النبي ﷺ قال إذا أم أحدكم الناس فليخفف فإن فيهم الصغير
стр. 276
والكبير والضعيف والمريض فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء إلى غير ذلك، ومع هذا كله لو اجتمع معه مثله ليس منهم إلا من يحب التطويل فلا بأس بصلاته لو دعا في الفريضة أو سأل أو تعوذ.
[باب ما جاء في النهي عن القراءة]
في الركوع والسجود لما كان حالة السجود وكذا الركوع حالة انحطاط وانخفاض وإظهار مذلة وعبودية نهى النبي ﷺ عن قراءة القرآن فإنها وإن كان ذكرًا إلا أنها مصاحبة ومكالمة مع الرب سبحانه فلا يناسبه الحالة التي هي أدنى مراتب أحوال الرجل في صلاته فلذلك ترى الفقهاء يقولون طول القيام أحب وأولى من كثرة السجود.
قوله [باب ما جاء فيمن لا يقيم صله في الركوع والسجود]
ذهب بعض الأئمة إلى فرضية الطمأنينة المعبرة بتعديل (١) الأركان وجواب الإمام في ذلك مستغن عن البيان وهو أنه يلزم الزيادة على نص الكتاب وهو مطلق إذ الركوع لغة هو الانحناء كما أن السجود إنما هو وضع الجبهة فحسب.
قوله [لما تجزئ صلاة من لا يقيم إلخ] استدل بهذه الرواية من ذهب إلى فرضية التعديل حتى لا تصح الصلاة دونه لكنا نقول خبر الوحد لا يوجب القطع والآية مطلقة والركوع الانحناء والسجود وضع الجبهة غير أن بعض وجوه وضع الجبهة لما لم يوجد فيه
стр. 277
معنى التعظيم عد خارجًا من مفهوم الآية فلا يتناوله النص وما فيه معنى التعظيم داخل فيه وهما أي الركوع والسجود بدون التعديل أيضًا فلا تتوقف صحة الصلاة عليه إلا أن الخبر مظنون الصدق فثبت الوجوب والإعادة بترك الواجب واجبة لا أن الصلاة غير صحيحة أصلاً ومع ذلك فالرواية ليست نصًا فيما قالوا بل الأجزاء المنفي فيها ذو مراتب فمن أنواع الأجزاء سقوط الفريضة وفراغ الذمة ومنها الأجزاء في حط السيئات وتحصيل الدرجات والمتبادر من النفي وإن كان هو نفي المراتب كلها ذهابًا إلى ظاهر النفي لكن الذي ذكرنا من الآية خصص النفي بأحد أنواعه.
قوله [إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا] وفي هذا دليل على ما ذهب إليه الإمام (١) من أن الإمام يأتي بالسمع والمؤتم يأتي بالتحميد والمنفرد يجمع ينهما وذلك أن المؤتم لو أتى بهما لفات مقتضى الفاء وكذلك ظاهر التقسيم ينافي أن يأتي الإمام أو المؤتم بهما معًا فإن التقسيم ينافي الشركة مع أن فاء التعقيب لا تمهل المقتدي عن تعقيب التحميد حتى يأتي بالتسميع فإنه لو أتى بالتسميع لا يأتي به إلا قبل التحميد وعند ذلك يبطل مقتضى الفاء وهو التراخي من غير مهملة
стр. 278
كتراخي الأجزية عن الشروط وهذا محتاج إلى تلطيف القريحة، وأما الفرق بين ربنا لك الحمد وربنا ولك الحمد، أن الثاني أزيد من الأول وأوكد فإن واو العطف تقتضي أن معه غير فهما جملتان إلى غير ذلك من الوجوه.
[باب وضع الركبتين]
.
قوله [يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل] هذا ما استدلت به المالكية (١) على ما ذهبوا إليه من تقديم وضع اليدين على وضع الركبتين وأجاب الآخرون بأن هذا استفهام إنكار ولكن يرد على ذلك أن ركبنا الجمل في رجليه المقدمتين لا المؤخرتين فلزم الإنكار عن وضع اليدين (٢) قبل الركبتين، والجواب أنه لا ذكر في لفظ الحديث: للركبتين، وإنما المعنى أيقصد أحدكم فيفعل فعل الجمل في تقديم وضع حصته الأولى على وضع حصته الأخرى وليس هذا مما ينبغي فيكون إنكارًا على ما ذهب إليه لا على ما ذهبنا إليه والذي (٣) يعتمد عليه أن هذا الحديث منسوخ بحديث مصعب بن سعد عن أبيه قال كنا نضع اليدين قبل الركبتين
стр. 279
فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين رواه ابن خزيمة (١) وإنما احتاجوا إلى الجواب والتكلف في تأويل حديث الباب جمعًا بين الروايات منها ما تقدم أنه ﷺ كان إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه ومنها ما ذكرنا من حديث مصعب بن سعد.
[باب ما جاء في السجود على الجبهة والأنف]
لا خلاف (٢) بين أئمتنا الثلاثة في أن وضع الجبهة وحدها يجزئ في الصلاة لأن السجود لغة هو وضع الجبهة على الأرض وهو حاصل بوضع الجبهة دون الأنف والستة (٣) بيان السنة وإنما الخلاف في إجزاء الأنف وحدها فجوزه الإمام ومنعه صاحباه وله أن الوارد في بعض الروايات لفظ الوجه والغرض من السجدة التي هي إظهار الذل حاصل فيه فكان الصلاة مؤداة مع الكراهة التحريمية إن كان ذلك الاختصار من دون عذر ومع كراهة تنزيهية إن كان يمكنه الاحتراز وبلا كراهة إن لم يكن وعلى هذا لا يرد على الإمام ما يلزم في ظاهر النظر من وضع الخد والذقن لإطلاق الوجه عليه إذ ليس فيه إظهار التذلل الذي هو غاية للسجود وإنما ذلك لسخرية (٤) واستهزاء.
стр. 280
قوله [ووضع كفيه حذو منكبيه] هذا لا ينافي ما ورد (١) في رواية أخرى من وضع الرجل وجهه بين كفيه إذ قد يطلق الكف على مجموع اليد إلى الرسغ وقد يطلق على باطن ذلك من حيث تبتدئ الأصابع فحيث أريد محاذاة اليدين للمنكبين أريد محاذاة الكف لهما وحيث أريد محاذاة اليدين للوجه كما يفهم من قوله في جواب من سأل أين كان النبي ﷺ يضع وجهه فقال بين كفيه أريد معناه العام الذي يمكن به إرادة كل جزء منها وهو ههنا الأصابع، والحاصل أن يضع وجهه بحيث يحاذي رؤوس أصابعه شحمتي أذنيه وأصل كفه لمنكبيه حتى يحصل الجمع بين الروايات كلها.
قوله [باب ما جاء في السجود على سبعة أعضاء] لما كان فرضية السجود أمرًا مقطوعًا به افترضت معه الأمور التي لا يتقوم أمر السجود إلا بها من وضع الجبهة أو الأنف والركبتين أو الرجلين من غير كلام، وأما ما ليست بتلك المثابة كوضع اليدين والرجلين لم يلزم فرضيتهما فرأينا أن رفع الرجلين (٢) وإن كان لا يمكن ووجهه على الأرض إلا أن رفع القدمين ممكن إلا أن رفعهما لما كان مخالفًا لوضع السجود لأنه سخرية واستهزاء، قال العلماء لو رفعهما كليهما بطلت (٣) صلاته
стр. 281
وأما لو رفع ركبتيه وهو واضع قدميه فليس ذلك مخالفًا للخشوع والذل فلذلك جازت الصلاة فتفكر فيه.
قوله [ولا يكف (١) شعره ولا ثيابه] لدلالته على استنكاف (٢) في أمر العبادة ولئلا ينقص نصيبه من الأجر الذي يترتب على سجود الثياب والشعر فعلم أن في طاعات الاتباع وصالح أعمال الفروع أجرًا ومحمدة وزيادة مثوبة الأصل المتبوع سيما وكان باعثًا لها عليها إذ الأجر المفهوم من لفظ الحديث إنما هو على عدم المنع.
قوله [باب ما جاء في التجافي في السجود]
.
قوله [من ثمرة] بنون (٣) ثم ميم مكسورة ثم راء مفتوحة عرصة بقرب عرفة متصلة بها بحيث لو سقطت جدار مسجد عرفة لوقعت في التمرة ومسجد عرفة تسمى تمرة لذلك الاتصال فلو وقف في المسجد أجزأه ذلك ولو وقف خارجه
стр. 282
إلى التمرة ولو متصل المسجد لم يجزه عن الوقوف بعرفة.
قوله [فمرت ركبة] كانت هذه الركبة ركبة رسول الله ﷺ .
[فإذا رسول الله ﷺ قائم] يصلي صلاته هذه كانت نافلة في المسجد الذي ذكرنا، وفي بعض الروايات (١) قصة زائدة على هذه يعني مرت ركبة فأقامني أبي على الدواب التي كانت لنا وكنا نازلين بها من قبل وذهب لينظر الركبة من هم فذهبت وأنا خلفه فنظرت إلى إلخ، وظهور عفرة الإبط لما يظهر من المتردي حال السجدة وكانت سجدة رسول الله ﷺ بحيث تتجافى الأعضاء ما بينها.
قوله [فإذا رسول الله ﷺ إلخ] ليس ذلك إلا بيان ما وقع من القصة بعد مرور الركبة بزمان لا على فوره كما يوهمه كلمة إذا المفاجاتية والمعنى أني بعد علمي بمرور الركبة أتيت فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي قال فكنت أنظر إلى إبطيه وكانت (٢) تنكشف لكونه مترديًا (٣) للإحرام إذا سجد فأرى بياضه وهو محل الترجمة فإن بدو بياض الإبط لا يتيسر إلا بتجاف في السجود بالغ غايته وكان سجدته ﷺ بحيث تتجافى الأعضاء ما بينها، وأما العفرة فكان من خصائص النبي ﷺ أن يكون هناك بياض مع أن ذلك محل السواد لكونه (٤) موضع الشعر، وكان الشعر في إبطيه ﷺ أيضًا، والعفرة هو البياض الغير الخالص.
قوله [وعبد الله بن أرقم أه] هذا فصل بين الراويين اسماهما عبد الله ودفع لما عسى أن يتوهم من اتحادهما لوحدة اسمهما وقربة وشيبه بين اسمي أبيهما بأن عبد الله بن أقرم بتقديم القاف على الراء المهملة إنما هو صحابي ممن روى عن
стр. 283
النبي ﷺ حديثًا واحدًا وهو خزاعي وعبد الله بن أرقم بتقديم الراء المهملة على القاف ليس (١) له صحبة وإنما هو كاتب أبي بكر الصديق وهو زهري.
قوله [وأحمر بن جزء إلخ] هذه ممن ذكر بقوله وفي الباب.
[باب ما جاء في وضع اليدين ونصب القدمين]
أما نصب القدمين فأمر لا بد منه وأما ما ذكر بعض الفقهاء من وجوب (٢) توجيه الأصابع نحو القبلة حتى قال ولو واحدًا فغير مسلم والمرأة مستثناة من أمر النصب لما أن الأحب في حقها ما هو أسترلها كما يفهم من الروايات الأخر كما رواه أبو داؤد مرسلاً هذا وإن لم يشتغل أحد من الفقهاء بتصريح عدم النصب (٣) في حقها غير أن قولهم تختار ما هو أسترلها يشمل هذا الجزء أيضًا.
قوله [أصح من حديث وهيب] لما أن وهيبًا رفعه بزيادة لفظ أبيه والصحيح
стр. 284
كونها مرسلاً.
[باب إقامة الصلب إذا رفع رأسه]
.
قوله [قريبًا من السواء] وبهذا يفهم مضمون الترجمة لما أن ركوعه ﷺ وسجوده لما كان معلومًا فمساواته للقومة والجلسة يستلزم إقامة الصلب فيهما وهو المقصود بالبيان.
قوله [حدثنا البراء وهو غير كذوب] هذا كما جرت العادة من بيان الوثوق بصدق الراوي حين استبعد ما رواه فمراده يكون أن هذا الخبر وإن كان مما يستبعد لكنكم أيها الحاضرون تعلون أن فلانًا لم يكن يكذب أو أنا أعلم يا هؤلاء أنه لم يك يكذب حتى يحتمل (١) ذلك الخبر المستبعد عليه فوجب الإذعان به والخبر المذكور ههنا من هذا القبيل إذ قوله لم يحن رجل منا يستلزم سبق تسبيحة الإمام على وصول المقتدين إلى السجود وهذا غير قريب بالأذهان ووجهه أن النبي ﷺ لما يدن كان شبان الصحابة ﵃ إذا انحنوا بعده وصلوا قبله فكيف لو شرعوا فيه معه فلذلك نهاهم النبي ﷺ أن يحنوا ظهورهم حتى يسجد النبي ﷺ وأراك فهمت بهذا أن التخلف في الانتقالات والتحريمة عن تحريمة الإمام وانتقالاته غير مسنون وإنما المسنون المعية كما هو مذهب الإمام وأما نهيه ﷺ المذكور آنفًا فكانت لعلة يبناها ولا تنكر التخلف إذا كان الأمر على مثل هذا، وأما في غير ذلك فغير مسلم ولا تظنن بذلك أن المعية المذكورة إنما هي المعية التي تبطل (٢) الاقتداء بل المراد بها معية عرفية كما هي أليق بحال الإمام
стр. 285
والمأموم أي مع تخلف لا يحس به.
[باب كراهية الإقعاء بين السجدتين]
ليس الإقعاء لفظًا مشتركًا له معينان إنما هو الاتكاء على إليته بحيث تصلهما عقبي رجليه سواء كان بأن ينصب ركبتيه ويضع إليتيه على الأرض أو بأن يعضهما كهيئة المتشهد أي يضع إليتيه على قدميه وهما منصوبتان كما يفعله المتشهد قبل أن يطمئن جالسًا وهما مكروهان إلا أن القسم الأول لما لم يرد الرخصة فيه كما وردت في القسم الثاني كانت كراهية تحريمية وكراهة (١) الثاني تنزيهية، وأما الآخرون فلم يفرقوا بينهما وإنما احتيج إلى نفي الاشتراك عنه ليكون النهي في قوله لا تقع عامًا يصدق على النوعين كليهما ولولاه لبقى أحد القسمين مباحًا غير مكروه لعدم النهي فيه إذًا.
قوله [قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين قال هي السنة] هذا القول من ابن عباس من قبيل المثل السائر خذه بالموت حتى يرضى بالحمى فإنه لما رآهم يظنون الإقعاء حرامًا ورد عليهم أحسن رد وليس المراد بالسنة ما جعله النبي ﷺ مسنونًا على سبيل التشريع إنما المراد بها (٢) ههنا ما فعله مرة وكان السبب في ذلك التخفف بالخف الذي لا يسهل فيه افتراش اليسرى ونصب اليمنى على الهيئة