وأما لو رفع ركبتيه وهو واضع قدميه فليس ذلك مخالفًا للخشوع والذل فلذلك جازت الصلاة فتفكر فيه.
قوله [ولا يكف (١) شعره ولا ثيابه] لدلالته على استنكاف (٢) في أمر العبادة ولئلا ينقص نصيبه من الأجر الذي يترتب على سجود الثياب والشعر فعلم أن في طاعات الاتباع وصالح أعمال الفروع أجرًا ومحمدة وزيادة مثوبة الأصل المتبوع سيما وكان باعثًا لها عليها إذ الأجر المفهوم من لفظ الحديث إنما هو على عدم المنع.
قوله [باب ما جاء في التجافي في السجود]
.
قوله [من ثمرة] بنون (٣) ثم ميم مكسورة ثم راء مفتوحة عرصة بقرب عرفة متصلة بها بحيث لو سقطت جدار مسجد عرفة لوقعت في التمرة ومسجد عرفة تسمى تمرة لذلك الاتصال فلو وقف في المسجد أجزأه ذلك ولو وقف خارجه
стр. 282
إلى التمرة ولو متصل المسجد لم يجزه عن الوقوف بعرفة.
قوله [فمرت ركبة] كانت هذه الركبة ركبة رسول الله ﷺ .
[فإذا رسول الله ﷺ قائم] يصلي صلاته هذه كانت نافلة في المسجد الذي ذكرنا، وفي بعض الروايات (١) قصة زائدة على هذه يعني مرت ركبة فأقامني أبي على الدواب التي كانت لنا وكنا نازلين بها من قبل وذهب لينظر الركبة من هم فذهبت وأنا خلفه فنظرت إلى إلخ، وظهور عفرة الإبط لما يظهر من المتردي حال السجدة وكانت سجدة رسول الله ﷺ بحيث تتجافى الأعضاء ما بينها.
قوله [فإذا رسول الله ﷺ إلخ] ليس ذلك إلا بيان ما وقع من القصة بعد مرور الركبة بزمان لا على فوره كما يوهمه كلمة إذا المفاجاتية والمعنى أني بعد علمي بمرور الركبة أتيت فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي قال فكنت أنظر إلى إبطيه وكانت (٢) تنكشف لكونه مترديًا (٣) للإحرام إذا سجد فأرى بياضه وهو محل الترجمة فإن بدو بياض الإبط لا يتيسر إلا بتجاف في السجود بالغ غايته وكان سجدته ﷺ بحيث تتجافى الأعضاء ما بينها، وأما العفرة فكان من خصائص النبي ﷺ أن يكون هناك بياض مع أن ذلك محل السواد لكونه (٤) موضع الشعر، وكان الشعر في إبطيه ﷺ أيضًا، والعفرة هو البياض الغير الخالص.
قوله [وعبد الله بن أرقم أه] هذا فصل بين الراويين اسماهما عبد الله ودفع لما عسى أن يتوهم من اتحادهما لوحدة اسمهما وقربة وشيبه بين اسمي أبيهما بأن عبد الله بن أقرم بتقديم القاف على الراء المهملة إنما هو صحابي ممن روى عن
стр. 283
النبي ﷺ حديثًا واحدًا وهو خزاعي وعبد الله بن أرقم بتقديم الراء المهملة على القاف ليس (١) له صحبة وإنما هو كاتب أبي بكر الصديق وهو زهري.
قوله [وأحمر بن جزء إلخ] هذه ممن ذكر بقوله وفي الباب.
[باب ما جاء في وضع اليدين ونصب القدمين]
أما نصب القدمين فأمر لا بد منه وأما ما ذكر بعض الفقهاء من وجوب (٢) توجيه الأصابع نحو القبلة حتى قال ولو واحدًا فغير مسلم والمرأة مستثناة من أمر النصب لما أن الأحب في حقها ما هو أسترلها كما يفهم من الروايات الأخر كما رواه أبو داؤد مرسلاً هذا وإن لم يشتغل أحد من الفقهاء بتصريح عدم النصب (٣) في حقها غير أن قولهم تختار ما هو أسترلها يشمل هذا الجزء أيضًا.
قوله [أصح من حديث وهيب] لما أن وهيبًا رفعه بزيادة لفظ أبيه والصحيح
стр. 284
كونها مرسلاً.
[باب إقامة الصلب إذا رفع رأسه]
.
قوله [قريبًا من السواء] وبهذا يفهم مضمون الترجمة لما أن ركوعه ﷺ وسجوده لما كان معلومًا فمساواته للقومة والجلسة يستلزم إقامة الصلب فيهما وهو المقصود بالبيان.
قوله [حدثنا البراء وهو غير كذوب] هذا كما جرت العادة من بيان الوثوق بصدق الراوي حين استبعد ما رواه فمراده يكون أن هذا الخبر وإن كان مما يستبعد لكنكم أيها الحاضرون تعلون أن فلانًا لم يكن يكذب أو أنا أعلم يا هؤلاء أنه لم يك يكذب حتى يحتمل (١) ذلك الخبر المستبعد عليه فوجب الإذعان به والخبر المذكور ههنا من هذا القبيل إذ قوله لم يحن رجل منا يستلزم سبق تسبيحة الإمام على وصول المقتدين إلى السجود وهذا غير قريب بالأذهان ووجهه أن النبي ﷺ لما يدن كان شبان الصحابة ﵃ إذا انحنوا بعده وصلوا قبله فكيف لو شرعوا فيه معه فلذلك نهاهم النبي ﷺ أن يحنوا ظهورهم حتى يسجد النبي ﷺ وأراك فهمت بهذا أن التخلف في الانتقالات والتحريمة عن تحريمة الإمام وانتقالاته غير مسنون وإنما المسنون المعية كما هو مذهب الإمام وأما نهيه ﷺ المذكور آنفًا فكانت لعلة يبناها ولا تنكر التخلف إذا كان الأمر على مثل هذا، وأما في غير ذلك فغير مسلم ولا تظنن بذلك أن المعية المذكورة إنما هي المعية التي تبطل (٢) الاقتداء بل المراد بها معية عرفية كما هي أليق بحال الإمام
стр. 285
والمأموم أي مع تخلف لا يحس به.
[باب كراهية الإقعاء بين السجدتين]
ليس الإقعاء لفظًا مشتركًا له معينان إنما هو الاتكاء على إليته بحيث تصلهما عقبي رجليه سواء كان بأن ينصب ركبتيه ويضع إليتيه على الأرض أو بأن يعضهما كهيئة المتشهد أي يضع إليتيه على قدميه وهما منصوبتان كما يفعله المتشهد قبل أن يطمئن جالسًا وهما مكروهان إلا أن القسم الأول لما لم يرد الرخصة فيه كما وردت في القسم الثاني كانت كراهية تحريمية وكراهة (١) الثاني تنزيهية، وأما الآخرون فلم يفرقوا بينهما وإنما احتيج إلى نفي الاشتراك عنه ليكون النهي في قوله لا تقع عامًا يصدق على النوعين كليهما ولولاه لبقى أحد القسمين مباحًا غير مكروه لعدم النهي فيه إذًا.
قوله [قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين قال هي السنة] هذا القول من ابن عباس من قبيل المثل السائر خذه بالموت حتى يرضى بالحمى فإنه لما رآهم يظنون الإقعاء حرامًا ورد عليهم أحسن رد وليس المراد بالسنة ما جعله النبي ﷺ مسنونًا على سبيل التشريع إنما المراد بها (٢) ههنا ما فعله مرة وكان السبب في ذلك التخفف بالخف الذي لا يسهل فيه افتراش اليسرى ونصب اليمنى على الهيئة
стр. 286
المسنونة لغلظ الخف ولكونه بالغًا إلى منتهى الساق.
وقوله [إنا لنراه جفاء بالرجل] بفتح الراء (١) وبكسرها يعني القسم الثاني من الإقعاء فإن الجفاء والمشقة على الرجل إنما هو في هذا القسم، وأما في القسم الآخر ففيه سهولة فبقى القسم الأول على حاله.
[كان يقول بين السجدتين] جوابه ما سبق بتفصيل ومع هذا فلو قال ذلك أو مثله مما ورد لم يجب عليه سجدة السهو كما قال بعضهم ولم تفسد صلاته كما قال البعض الآخر.
قوله [مشقة السجود] إذا تفرجوا لما أمروا بالتفرج المعبر عنه بالتجافي في في السجود عسر على الضعفاء منهم لما في ذلك من مشقة فأجازهم النبي ﷺ باستعانة الركب أي وضع المرافق عليها حين (٢) الرفع والخفض من السجود وللسجود ليسهل شيء منه.
قوله [وكان رواية هؤلاء أصح] أي ذكر النعمان مقام أبي صالح (٣)
стр. 287
ولعل وجه الصحة ما في رواته بهذا الوجه من الكثرة.
قوله [لم ينهض حتى يستوي جالسًا] هذا آخر الأمرين من النبي ﷺ باتفاق بيننا وبين الشافعي إلا أن علة ترك الأول لو كان النسخ لتركنا الأول نحن أيضًا ولما ثبت أن جلسة هذه كانت للرخصة له ﷺ لما يدن كانت العزيمة في عدمها ولذلك لم تعمل بها (١) الصحابة ﵃ بعده فلو كانت تشريعًا ونسخًا لما قبله لما تركوها وما عملوا بالمنسوخ.
قوله [خالد بن أياس ضعيف] خالد هذا وثقه آخرون وروى عنه أبو داؤد (٢) ومع ذلك فقد تأيدت الرواية بقبولها الفقهاء وعملهم بها كما أقربه الترمذي فقال عليه العمل عند أهل العلم.
[باب ما جاء في التشهد التحيات (٣)] هي الطاعات اللسانية والصلوات
стр. 288
من بقية الأعضاء والطيبات الطاعات المتعلقة بالمال ولما كانت للسان مزية مداخلة في أفعال المكلف كما ورد من أن سائر الأعضاء حين يصبح ابن آدم تخضع للسان وتلتمس منه أن لا تتكلم بما يرديها وكذلك ما قيل:
إن اللسان صغير جرمه وله
جرم كبير كما قد قيل في المثل
اختصت من بين سائرها بالطاعة ومن عجيب ما اختص الله به اللسان أنها لا تكل بكثرة العمل ولا تضعف بخلاف سائر الأعضاء فإنها تكل وتعيى، وباقي متعلقات تشهد ابن مسعود لما كانت مكتوبة في الحاشية رأينا تركها في هذه الوريقة أولى ومن عجيب ما نقل أن رجلاً حضر عند الإمام فقال سائلاً بواو أم بواوين (١) فقال الإمام مجيبًا بواوين فقال السائل بارك الله فيك كما بارك في لا ولا (٢) فلم يفهم الحاضرون عم سئل ويم أجيب فسألوا الإمام فقال كان سألني أي التشهدين تختار
стр. 289
فأجبت تشهد ابن مسعود فدعا لي بالبركة كما بورك الزيتون فأفهم والله أعلم.
قوله [من السنة أن يخفي التشهد] فلو جهر به لا شيء عليه غير الكراهة لما أنه خالف الطريقة المسنونة.
[باب منه أيضًا] هذا الباب معقود لبيان سنية التورك في التشهد الأخير ولما كان الحديث مشهورًا اكتفى بالإشارة إليه ولم يأت بكله وفيه ذكر التورك في التشهد الأخير فتم الاستدلال، وفي مسألة التورك أربعة مذاهب: التورك فيهما وهو مذهب مالك وعدم التورك فيهما وهو مذهب الإمام، والتورك في الثاني دون الإمام وهو مذهب الشافعي وعكسه وهو مذهب (١) والجواب منه ما سبق (٢) من أنه كان لعذر ووجهه ما مر.
[باب ما جاء في الإشارة]
لا يتوهم (٣) ما قيل فيه من أقوال (٤) لا يعتد بها
стр. 290
فإن الإشارة مسنونة ثبتت بالروايات الصحيحة وما قيل من أن الروايات فيها متخالفة فتوهم ساقط إذ الوارد فيها لفظ وضع وعقد وهما غير متنافيين فإن الذي هو في حديث الباب السابق من أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته ورفع أصبعه إلخ لا يقتضي أن اليد اليمنى مبسوطة (١) حتى ينافيه ما ورد في الحديث الذي فيه ذكر عقدها بل الحق أن وضع اليد المعقودة أيضًا وضع كما أن وضع المبسوطة وضع.
[كان يسلم تسليمة واحدة (٢)] أي يأخذ فيها من تلقاء وجهه ويختمها
стр. 291
إذا مال وجهه إلى اليمين وكذا الحكم في تسليم اليسار لكنهما اكتفت بذكر تسليمة لما أن مقصودها بالذكر إنما هو بيان التسليمة من أين تبتدئ وبيان كيفيتها كيف هي وما قيل من أنها لم تبلغها التسليمة الثانية لما أن التسليمة الأولى من النبي ﷺ كانت فوق صوت التسليمة الثانية فلم تسمع عائشة غيرها فبعيد جدًا فإن التسليمة الثانية كانت إلى جهة حجرتها فهي تتمكن من سماعها فوق تمكنها من سماع التسليمة الأولى ولم يك لإخفاء النبي ﷺ إياها معنى حتى يقال ما قيل وإنما الثابت أنه لم يكن يرفعها كرفع الأولى.
[باب ما جاء أن حذف السلام سنة]
تخصيص الحذف بإسقاط الحرف اصطلاح حديث (١) ولفظ الحديث منه قديم، فالمراد بالحذف في الباب إنما هو
стр. 292
حذف (١) حركة هاء الجلالة.
قوله [وقال ابن المبارك أه] لما كان في لفظ الحديث خفاء وإجمال بينه ابن المبارك بقوله أن لا تمده مدًا أي لا تحرك الهاء، وأما توهم أن المنع من إشباع الجلالة فمندفع بثبوته اتفاقًا لا يقال أن اللازم من قول ابن المبارك إنما هو أن لا تشبع الهاء لا إنها لا تحرك لأنه قال لا تمده مدًا ولا مد في تحريكها لأنا نقول أن ما قلتم من أنها لا مد في تحريكها فهو غير مسلم إذ في الحركة مد نسبة إلى الجزم لكن لما كان بقى بعد تفسير ابن المبارك أيضًا نوع إبهام احتاج إلى تفسير آخر فقال روى عن إبراهيم.
[باب ما يقول إذا سلم]
قد تاهت العلماء بحديث عائشة هذا فاضطروا إلى تأويلات فيما ورد من أنه ﷺ كان يقول أزيد من هذا وحكموا أن الزيادة على هذا المقدار في الجلوس بعد الفريضة قبل أداء السنن لا تجوز إلا أن بعضهم لما تنبه على صحة الروايات المثبتة للزيادة في الجلوس قال لا تجوز الزيادة (٢) في الجلوس على مقدار الركعتين وهذا هو القول النجيح الذي لا يتعدى عن الحق الصريح فإن حديث عائشة يمكن أن يقال فيه أن النبي ﷺ كان يقول هذه الكلمات أحيانًا فاتفقت الروايات وكل ما روى عن النبي ﷺ أنه كان يقولها بعد الصلاة لا يتعدى عن مقدار الركعتين
стр. 293
ومن الظاهر (١) أن السنن للجبر وإتمام الفرائض فلا منافاة بينها وبين الأذكار إذ الأذكار متممة لها كالسنن غير أن الإجازة مقتصرة على ما ثبت من الأذكار بين الفرائض والسنن دون ما لم يثبت.
قوله [لا ينفع ذا الجد أه] الجد الغناء والسعي وأب الأب وعلى كل من المعاني الثلاثة يصح المعنى والمراد بالنفع الاعاذة (٢) والإجارة.
قوله [إذا أراد أن ينصرف من صلاته] أي موضع صلاته ومجلسه الذي صلى فيه مريدًا للذهاب إلى بيته الشريف.
قوله [استغفر ثلاثًا] واستغفاره ﷺ إما لتعليم الأمة أو لاشتغاله بالمباحات في الظاهر من الأزواج المطهرات وحوائج البيت فإن اشتغاله هذا وإن لم يكن ذنبًا لكنه ﷺ كان يعده ذنبًا فيستغفر منه أو لما كان له من الترقي في كل آن والعروج في كل ساعة فيستغفر حينئذ عما دونه لما يراه ذنبًا بالنسبة إلى ما وصل إليه الآن وإليه الإشارة في قوله ﵇ أنه ليغان على قلبي إلى آخر ما ورد أن يكون استغفاره هذا حسبما اشتهر فيهم من كون حسنات الأبرار سيئات المقربين فالطاعات التي فيها لكل فرد من أفراد الأمة مثوبة عظمى ومنزلة كبرى كانت له ﷺ سيئته هذا غير خفي بتأمل، والفرق فيما بين هذه الوجوه غير بين محتاج إلى نظر دقيق وفكر بالمقام حقيق وفيه وجه وجيه وهو أن استغفاره ﷺ هذا كان لما يرتكب في بعض الأحيان الأفعال التي ليست بأولى بيانًا للجواز ونفيًا للحرمة كما
стр. 294
لا يخفى في كثير من أفعاله ﷺ لكن يرد على هذا أن أعماله هذه لم تك إلا بأمره تعالى فإن ذلك كان من أفعال النبوة التي لا بد منها فكيف الاستغفار لكن الأمر في ذلك السؤال والجواب سهل (١) فتدبر.
[باب ما جاء في وصف (٢) الصلاة] هذا نظم في سلك البيان للدور التي تناثرت في أبحر الصفحات السابقة.
[إذ جاءه رجل كالبدوي] هذا دفع لما عسى أن يتوهم من أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مع فوزهم بصحبة النبي ﷺ وصلاتهم معه في أكثر أوقاتهم كيف بقوا غافلين عن طريق الصلاة التي هي عماد الدين، وحاصل الدفع أنا كنا لا نعرفه وكان من غير من فاز بالمذكور فكأنه كان يدويًا ولم يكن يعرف الصلاة إلا كما صلى ولذلك ظن بقوله ﷺ صل فإنك لم تصل أنه ترك من هذه الأركان المعلومة له شيئًا ولم يعلم به فلذلك عاد وأعاد صلاته لكنه اجتهد شيئًا في أن لا يترك شيئًا مما يعلمه أنه منها فعاد وعاد قوله ﵊ فيه فعاد إعادته الصلاة حتى إذا ثلث صلاته سأل النبي ﷺ أن يعلمه الصلاة لأنه علم أن الصلاة المعلومة له ليست بصلاة حقيقة وإلا لم يحكم النبي ﷺ عليه بقوله: صل فإنك لم تصل فحمل النفي على نفي الذات وأصل الصلاة كما حملته الصحابة على ذلك فعافوا (٣) وكرهوا أن يكون الذي
стр. 295
أخف في صلاته فكأنه لم يصل، لكن لا يذهب عليك أن التخفيف الذي نهى النبي ﷺ إنما هو التخفيف قبل إكمال السنن والواجبات والذي أمر به بقوله إذا أمكم الناس (١) فليخفف، وما عرف من تخفيفه ﷺ فيما ورد كان رسول الله ﷺ أخف الناس صلاة في تمام فإنما هو التخفيف بعده فالأول مكروه منهي عنه، والثاني مندوب مأمور به عند الضرورة ثم الوارد في كل الحديث صيغ الأمر فما علم بقرينة خارجية أنه ليس للوجوب خرج عن اقتضاء الوجوب وما لم يكن كذلك بقى على أصله، فمن القسم الأول قوله ﵇ تشهد فأقم أيضًا إذ المراد بالتشهد ههنا الأذان لا غير فنزلاً إلى السنية (٢) لما ثبت في غير هذا المقام ومن ذلك (٣) قوله ﵇ فتوضأ كما أمرك الله وقوله ﵇ فإن كان معك قرآن فاقرأ فإن هذين الأمرين على هذه الرواية خرجًا عن الظنية ودخلاً في القطعية عملاً بقوله تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية، وبقوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾، وكذلك الأمر في أمر السجود والركوع.
وأما أمر الطمأنينة (٤) فلم يتأيد بقرينة تخرجه من الوجوب بل تأيد بقرينة
стр. 296
تايد بها وجوبه وهو قوله ﵇ وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك فعلم أن الطمأنينة ليست من الفرائض وإنما هي واجبة يورث نقصها نقصانًا في الصلاة ولا تبطل الصلاة بعدمها لما يلزم بذلك تقييد مطلق الكتاب بالحديث والحديث بتسليم شهرته غير مثبت أيضًا لمدعي الخصم وهذا الذي فهمه الإمام من قول النبي ﷺ فهمه (١) الصحابة الكرام كما قال وكان هذا أهون عليهم انتهى، فعلموا ساعة قوله هذا أن نفي صلاته في قوله صل فإنك لم تصل إنما كان نفي تمام وكمال لا نفي الذات والحقيقة.
قوله [بلى] أي سلم عدم كونه أكثرهم إتيانًا أو أقدمهم صحبة لكنه لم يترك دعوته (٢) في أن علمه بصلاته ﵇ ليس بقليل نسبة إلى علمهم بها لما أن المرء مع أنه لا يكثر الإتيان والصحبة قد يعلم شيئًا أكثر ممن هو قديم الصحبة كثير الدور إذا تفكر وبالغ في حفظه وإتقانه وتلحج في إجادته وإحسانه، وهذا كثير.
قوله [فتخ] بالفاء ثم التاء بعدها خاء معجمة أرخاها لتثني وتتعطف فيستقبل إلى القبلة.
[ثم صنع في الركعة الثانية] هذا تقديم موضعه بعد قوله حتى إذا قام من
стр. 297
السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه وبعده ثم صنع في الركعة الثانية إلخ ومثل هذا كثير في الكلام فلا حاجة إلى ما أجاب به الترمذي من أن المراد بالسجدتين الركعتان وإنما اضطر (١) إلى الجواب لأن ظاهر العبارة يقتضي أن يكون بعد تمام ركعتين سجدتان مع أن السجدات إذًا أربعة فلما حمل (٢) السجدة على الركعة وهذا كثير فإن الركعة إنما سميت ركعة لكون الركوع فيها فلا غرو في تسمية الركعة بالسجدة تسمية للكل باسم جزئه.
ثم اعلم أن الشافعي تمسك بهذا الحديث في إثبات رفع اليدين في الموضعين اللذين سلمهما أي قبل الركوع وبعده، وأنت تعلم أن الثابت بهذا الحديث هو الرفع في الموضع الثالث (٣) أيضًا والشافعي لا يسلمه وهو الرفع بعد القيام إلى الثالثة فالذي يستدل به على نسخ هذا الثالث فهو المستدل لنا مع ملاحظة ما سبق في باب الرفع وأيضًا تمسك بهذا في إثبات جلسة الاستراحة والتورك في القعدة الأخيرة وجوابهما ما مر من أنهما لم تكونا عزيمتين بل رخصة لما بدن رسول الله ﷺ فكيف السبيل إلى تشريعهما وما قال الشافعي من أن الواقعة متأخرة فغير منكر إذ
стр. 298
سلمنا لكن حملناه في العذر.
وأما في رفع اليدين فغير مسلم إذ لا بد للشافعي أيضًا من ناسخ له في رفع اليدين إذا شرع في الركعة الثانية أو الثالثة فهو نفسه غير متقرر على تأخر الحديث وإلا أضره ذلك وقولهم صدقت هكذا صلى النبي ﷺ لا يستلزم ولا يقتضي استقرار الأمر على ذلك وأيضًا فلم يلق محمد بن عمرو أبا حميد فتكون الرواية منقطعة وأنتم لا تعتبرون بها.
قوله [والنخل باسقات] أي السورة (١) التي فيها هذه الآية لا الآية فقط كما توهمه بعضهم.
قوله [كان يقرأ في الظهر والعصر إلخ] هذا لف ونشر مرتب فلا خلاف أو لا فبيان للجواز.
قوله [وفي الثانية قدر خمس عشرة] هذا عند الإمام لبيان الجواز وتفصيله أن الإمام قائل بتسوية قراءة الركعتين فيما سوى صلاة الفجر فإنه يجوز فيها تطويل الأولى على الثانية، وأما في غيرها فلا، بخلاف أحد صاحبيه (٢) وأول الأحاديث الواردة في تطويل الأولى على الثانية من حكاية الصحابة صلاته ﷺ بأن هذه الزيادة جاءت من قبل الأدعية (٣)، وأما القراءة فهما فيها سواء لكن لا يتمشى هذا التأويل ههنا فإن تفاوت خمس عشرة آية لا يمكن حمله (٤) على قراءة الأدعية
стр. 299
لا سيما والإمام غير مسلم قراءة ما سوى الثناء والتعوذ والبسملة في الفرائض، ثم إن جملة الأمر في تعيين السور للصلوات الخمس إنما هو ثبوت مداومة النبي ﷺ فما ثبت عند كل (١) إمام جعله مسنونًا وحمل ما روى عنه بخلافه على أنه لبيان الجواز ولعارض آخر والأصل هو ذلك وعلى هذا قلنا بطوال المفصل (٢) في الفجر والظهر وبقصارة في المغرب وبالأوساط في العصر والعشاء.
قوله [قرأ بالأعراف في كلتيهما] هذا رد صريح على من قال إن الوقت المستحب للمغرب ليس إلا واحدًا (٣) وبيان لجواز قراءة كل سورة قصيرة أو طويلة في كل صلاة حتى لا يظن بما يذكر من بيان قراءة السور في الصلوات كما عين (٤) وجوبها وعدم إجزاء السور الأخرى في تلك الصلوات.
[وذكر عن مالك أنه كان يكره] هذا بيان لما يكره عند الدوام عليه لكن الشافعي فهم خلافه فخالفه (٥).
стр. 300
[باب ما جاء في القراءة خلف الإمام]
اعلم أن مسألة القراءة خلف الإمام من أدق مسائل فروع الدين وأهم ما تنازعت فيه فقهاء المجتهدين وليس مقصودنا في إيراد هذه المسألة ههنا إلا إثبات ما هو حق لا يرتاب فيه وإن لم يقبله مكابرة وعنادًا مجادل أو سفيه فنقول إن في عدم قراءة المؤتم خلف الإمام وقت ما هو يقرأ اتفاقًا (١) بينهم إنما الخلاف في القراءة وقت سكتات الإمام وكذلك هم
стр. 301
متفقون على أنه لا يقرأ غير الفاتحة وهو السورة حين هو مؤتم إلا ما ذهب شرذمة قليلة لا يعبأ بها إذ لم ينتظموا في سلك الفقهاء فإنهم تقولوا بقراءة السورة أيضًا خلف الإمام، وفي المسألة أربعة مذاهب:
الأول ما اختاره الإمام الهمام قدوة العلماء الأعلام من عدم جواز قراءة الفاتحة للمقتدي حين الاقتداء في الصلاة الجهرية والسرية كلتيهما.
والثاني مذهب شافع العصاة رحمه الله تعالى من وجوب قراءتها في كلتيهما.
والثالث مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى من عدم الوجوب في الجهرية والوجوب (١) في السرية.
والرابع ما ذهب إليه أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى من عدم الوجوب من كلتيهما والجواز غير منفي عنده.
وأما إذا نظر إلى ما قدمنا من مذهب الشرذمة الغير المعتد بها فالمذاهب خمسة ولو نظر إلى ما روى عن محمد (٢) من أنه استحسن القراءة خلف الإمام تصير المذاهب ستة، وأما عند الشيخين فالقراءة محرمة (٣) لما فيها من الوعيد (٤)
стр. 302
ولقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ والذي أجاب العلماء المتقدمون من لزوم تخصيص الآية بالخبر مشهور مستفيض لسنا محتاجين إلى ذكره والمقصود ههنا الجواب عما استدل به الخصم على مرامه بتقرير لم يسبق إليه بعون الله وحسن توفيقه فيحمده من له فهم مستقيم وقلب غير عنيد إذا ألقى إلينا سمعه وهو شهيد، قال الترمذي الحافظ رحمه الله تعالى: حدثنا هناد قال حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق إلخ قالت الأحناف: محمد بن إسحاق قال فيه مالك كذاب وكذلك بعض من سواه طعن فيه فكيف يستند بحديثه والذي توبع عليه به وهو نافع بن محمود رجل مجهول (١) ولا يخفى عليك أن طعنهم في محمد بن
стр. 303
إسحاق غير مقبول كيف وقد أخذ البخاري منه في بعض ما أدرجه في صحيحه ووثقه آخرون، فالحق أن الحديث وإن لم يبلغ منزلة الصحة لكلام من كلم منهم فيمن كلم منهم إلا أن حسنه لا ينكر وكذلك طعنهم في الإمام وتضعيف روايته التي رواها في الإنصات كما فعله الدارقطني لغو.
قوله [فثقلت عليه القراءة] قالت الشافعية هذا الثقل كان لما أن الرجل كان يصلي جهرًا فثقل قراءته على النبي ﷺ وأنت تعلم أن مثل هذا القول بعيد ممن له أدنى مسكة في علم الحديث فكيف بهذه الجهابذة النقاد أو لم يروا أن مثل ذلك كيف يتصور في شأن أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ حين هو يقرأ القرآن جهرًا إذ الواقعة كانت في صلاة الصبح أنهم يقرأون بأنفسهم ولا يستمعون قراءة النبي ﷺ وعليه أنزل، كيف وكانوا لا يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ فيما دون الصلاة ووقت سكوته أو لم ير هؤلاء الذين حملوا الثقل على هذا السبب إلى قوله ﷺ حين فرغ من صلاته إني أراكم تقرأون وراء إمامكم، وفي رواية هل قرأ منكم أحد فهذا هو الكلام وقت هذا التيقن الذي يلزم من قراءة المؤتم جهرًا بل الوجه في ذلك أن لإكمالهم السنن والفرائض كان تأثير في قلب النبي ﷺ كما قال في مقام آخر لعلكم لا تحسنون الطهارة فإني (١) فكان لارتكابهم القراءة وقد نهوا عنها دخل في التأثير باطني أو لما أنهم كانوا حين يقرأون يهذون (٢) هذا طلبًا لإتمام الآية قبل أخذه (٣) ﷺ في القراءة كما ورد في هذه الرواية بإسناد آخر
стр. 304
فأحس النبي ﷺ حسيسهم فاشتبه عليه قرآنه أو لأنه لما علم بحسيس صوتهم في القراءة اغتاظ لمخالفتهم أمره في الانتهاء عن القراءة خلف الإمام فلشدة موجدته عليهم في ذلك اشتبهت عليه قراءته أو لما أثر رغبتهم عن قراءته لشغلهم بقراءتهم في توجهه إلى قراءته فإن لرغبة السامعين دخلاً في انبعاث الإمام القارئ على القراءة.
قوله [قول فانتهى الناس] أي الذين كانوا يقرأون حين يصلون خلف الإمام ومما ينبغي أن يعلم أن أول ما فرضت على النبي ﷺ وأصحابه من الصلاة إنما هي صلاة الليل كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)(١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ إلخ وكان الأمر على ذاك ما شاء الله تعالى ثم نسخت في حق المقدار حين نزلت آي أواخر السورة المذكورة وهي قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ وبقى مطلق أمر صلاة التهجد عل فرضيته ولو آية (٢) أو سورة قصيرة أو طويلة وشاع فيما بينهم في ذلك طريقة أداء الصلوات الخمس ثم لما فرضت الصلوات الخمس وكانوا من قبل ذلك يصلي كل منهم لنفسه ووجبت الجماعة نزل قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ فانتهوا بذلك عما كانوا عليه من قراءة كل ما اعتادوا ذلك في صلاة التهجد وبذلك أمرهم النبي ﷺ واستقر الأمر على ذلك وكان الذي قاله النبي ﷺ من أنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن، وكذلك لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب
стр. 305
مصداقه المنفرد والإمام لا المقتدي لما ورد في الرواية الصحيحة من زيادة لفظ سورة وفي رواية وزيادة إلى غير ذلك، وزاد هذه اللفظة معمر وشعبة (١) أو لا يرد جلالة قدرهما في ذلك الفن عنهما وصمة السهو وتهمة النسيان كما أوزراهما به المخالفون، وليت شعري ما الذي اضطرهم إلى مخالفة قاعدهم المسلمة من أن زيادة الثقة معتبرة إذا لم تكن مخالفة لما هو أوثق منه وههنا كذلك إذ لا مخالفة بشيء في قولهم لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب بقولهما لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها وفي رواية لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعدًا. وفي رواية لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن فعلم أن المقصود بذلك ليس هو نفي أصل الصلاة وأن الفاتحة والسورة مساويتان في الوجوب وأن المراد بذلك هو المنفرد دون المؤتم وعليه يحمل ما ورد في ذلك من الروايات الخالية عن هذه الزيادة فإن الراوي كثيرًا ما يختصر رواية والآخر يأتي بها أتم أو ليس لمن يخالفنا من سبيل إلى موافقتنا حتى يستخلص من ورطة مخالفة هذه الروايات الصريحة الصحيحة مع أنهم خصصوا (٢) من عموم حديث لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب من أدرك الإمام وهو راكع فلنا
стр. 306
فلنا أن تخص منها غيره بالقياس أو بالرواية أو بالآية ولو سلم عموم قوله ﷺ «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» عممنا القراءة عن الحقيقية والحكمية والمتقدي قارئ بقراءة إمامه فقد روى عن أبي هريرة (١) نفسه وهو راوي رواية قراءة الفاتحة ما يدل على ذلك حيث قال من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له، وعلى هذا يحمل ما ورد من الألفاظ المختلفة ففي بعضها فهي خداج غير تمام إلى ما سوى ذلك ومصداقه إذًا ما لا قراءة فيه لا حقيقة ولا حكمًا، ثم لما نهى الله تعالى أصحاب نبيه ﷺ أن يقرءوا خلف إمامهم تفرقوا فيه، فمنهم من انتهى عن ذلك مطلقًا كما دلت عليه رواية عبد الله (٢) بن مسعود ﵁، ومنهم من اجتهد فقال إن المنع إنما هو طلبًا للاستماع فلا علينا في أن نقرأ فاتحة الكتاب وقت سكتات الإمام وليس المراد بالقراءة ههنا قراءة السورة كما يظهر بالتتبع والتفحص والتعمق والتأمل في روايات هذه القصة فاستمر بذلك على قراءة للفاتحة خلف الإمام في سكتاته وبذلك يصح ما في الرواية الأخرى تهذ هذًا وإلا فأية حاجة كانت إلى الهذ لما كانوا يقرءون مع قراءة الإمام وكيف يمكن أن النبي ﷺ أحس بقراءة من خلفه مع جهره بالقراءة وإخفائهم، إذ الواقعة كانت في الصبح فلا بد من التسليم لما قلنا من أنهم كانوا يقرءون ويهذبون باجتهاد منهم في سكتات الإمام، وذلك لما
стр. 307
ألفوا من القراءة في الصلاة كما قد قدمنا وأما من تعمق في مضمون الخطاب فرأى أن النهي عام لسكتة الإمام وقراءته فكان حاله ما قلنا من رواية عبد الله بن مسعود ولولا الأمر ما قلنا من بناء قراءتهم على اجتهادهم فأي حرج كان عليهم في قراءتهم خلفه حتى سكنوا حين سأل أيكم قرأ أو قال هل قرأ خلفي منكم أحد أو لم يكن يعلم أني أمرتهم بذلك فلا يصح سؤاله ﷺ ، وأيضًا كان عليهم أن يجيبوا بأنك يا رسول الله ﷺ أمرتنا بأن نقرأ، فعلم أن قراءتهم هذه إنما كانت في السكتات وأن مدارها كان على اجتهادهم إن إحراز فضيلتي قراءة الفاتحة واستماع قراءة الإمام والإنصات وقت قراءته هو الأولى، فلما انصرف عن صلاته وأنكر عليهم قراءته لما اجتهدوا أي قاسوا والنبي ﷺ فيهم قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن وليس في الحديث الذي نحن فيه ما يستدل به على وجوب الفاتحة، فإن أحدًا من أئمة اللغة والنحو والبيان لم يقل بأن الاستثناء من الأمر يكون نهيًا ومن النهي أمرًا بل الأمر كذلك لكان معنى قوله ﷺ لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة إلخ وجوب شد الرحال إليها ولم يقل به أحد فالذي يفهم منه أن القراءة خلف الإمام لا تصح ولا تجوز إلا أن له رخصة في قراءة الفاتحة وكان ههنا منشأ سؤال وهو أن يسأل وجه الرخصة في الفاتحة مع حرمة القراءة وراء الإمام فقال: إن من لم يقرأ بفاتحة الكتاب لا تصح صلاته إذا لم يكن وراء الإمام، فإذا كان وراء الإمام فله رخصة في قراءتها لعظمة شأنها وقلة مقدارها وكثرة سكتة الإمام قبلها وبعدها، فقوله ﷺ في هذه الرواية فإنه لا صلاة إلخ ليس إلا جوابًا لذلك السؤال المقدر وبيانًا للفرق بين الفاتحة والسورة الأخرى، قال الأستاذ -أدام الله علوه ومجده وأفاض على العالمين بره ورفد- قوله ﷺ فإنه لا صلاة إلخ تنبيه على علة الرخصة وتبيين لعلة الاستثناء وذلك أن الفاتحة تفارق سائر القرآن في كثرة تكرار الألسنة له ودوام قراءتها في الصلاة بأسرها فريضة كانت أو تطوعًا،
стр. 308
فلا يتطرق اللبس والاختلاط في قراءتها ولا كذلك سائر السور والآيات فإنها ليست بتلك المنزلة فأفهم واغتنم، وأما ما قالوا من أن آية وإذا قرأ إلخ نزلت في الخطبة فغير مسلم لما أن سورة الأعراف مكية إلا آية ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ والخطبة افترضت في المدينة، ولو سلم أنها فرضت في مكة فمسلم أن النبي ﷺ لم يخطب بها إذ قد صرحوا بأن أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ (١) فلم يك خطبة حتى يتكلم (٢) فيها فيأمر الله تعالى بالسكوت والإنصات وما قال بعضهم من أن نزولها في الصلاة والخطبة جميعًا فحق لا يرتاب فيه وليس المعنى أن ورودها كان في هاتين الوقعتين بل المعنى أن حكمها عام للخطبة والصلاة كلتيهما وإن كان نزولها في الصلاة، لا غير (٣).
والحاصل أن المفهوم من هذا الحديث ليس (٤) إلا رخصة في قراءتها، ومن المعلوم أن الرخصة ترتفع بارتفاع ما هي مبنية عليها (٥) فكان سبب رخصتهم أنهم كانوا لا يخلطون قراءتهم بقراءة الإمام حتى يلزم المخالفة آية الإنصات فرخصوا فلما رأى الأصحاب ﵃ خلط العوام فيها نهوا (٦) عن ذلك لئلا يلزم
стр. 309
ترك الفرض بالاشتغال بالمباح أو المستحب لو سلم ولو لم يرفعه الصحابة كان للمجتهد أن يرفع هذه الرخصة إذا شاهد فيه مثل ذلك ولا يبعد أن يقال أن النبي ﷺ نفسه رفع تلك الرخصة قبل وفاته لما روى عن صلاته ﷺ حين سقط من دابته فجحش شقه فصلى قاعدًا والناس خلفه قيام فقال حين سلم من صلاته إنما جعل الإمام ليؤتم به إلخ، وقال وإذا قرأ فانصتوا، وقد تكلم البخاري (١) في زيادة تلك الكلمة وقال تفرد بها سلمان التيمي ولم يروها عن أبي هريرة غيره مع كثرة من روى عنه هذه الرواية قلنا لا يضر (٢) تفرده فيها بعد كونه ثقة وقد وثقه مسلم (٣) فكان ذلك نهيًا عما رخصه من قبل وفي ذلك رسالة (٤) للأستاذ العلام قدوة العلماء الأعلام- أدام الله علوه ومجده وأفاض على العالمين بره ورفده- فلذلك تركنا الطويل في بيان هذا التقرير معتمدًا على اشتهار ذلك التحرير.
قوله [فقال له حامل الحديث] أي الذي يحتمل الحديث منه وهو التلميذ [إني أكون أحيانًا وراء الإمام] وهذا دليل على أن عملهم اليوم كان على
стр. 310
ترك القراءة وإلا لم يكن لهذا الاستبعاد والسؤال وجه.
قوله [اقرأ بها في نفسك] أنت تعلم أن القراءة في النفس لا تسمى قراءة فكيف يتم الاستدلال بها على الوجوب وظاهر معنى القراءة في النفس إنما هو التدبر (١) في معنى الآية، وأما إرادة القراءة الخفية فمع أنها ليست مما يدل عليه اللفظ يردها أن المسائل لم يكن استبعد إلا إسراره بها دون الجهر بها إذا لم يكن أمره أبو هريرة إلا بالقراءة السرية وإذا كان كذلك لم يكن جوابه على ما زعمتم شافيًا لباله ولا كاشفًا غمة بلباله بل ولا مطابقًا لسؤاله مع أن مراد أبي هريرة لو سلم أنه هو الذي زعمتم لا ما أردنا فليس اجتهاد الصحابي سيما ولم يعد (٢) من فقهاء الصحابة واجبًا تسليمه إذا خالف اجتهاد غيره من الفقهاء بل ومخالفًا للروايات الصحيحة أيضًا فقد ورد في بعض الروايات (٣) أن أبا هريرة حين سأله السائل عن حالة الاقتداء هل يأتي فيها بالقراءة أم لا استدل بما ورد في الصحيح من قوله تعالى على لسان نبيه ﷺ قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، الحديث، فلما كان أطلق عليها لفظ الصلاة فكانت هي عين الصلاة لا تتم صلاة دونها وهذا الاستدلال مع إمكان التفصي عنه بوجوه غير قليلة مناد على أن أبا هريرة لم يكن عنده رواية هي نص في أداء المعنى المقصود (٤) حتى التجأ إلى هذا الاستدلال الذي
стр. 311
غير لازم ولا ملزم وهذا يغنينا عن قبول قوله ﵁ مخالفًا لأقوال المجتهدين من الصحابة الكرام والفقهاء من الأئمة الأعلام.
قوله [أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب] ولم يذكر (١) لفظ الحديث كاملاً وقد كان إلا بفاتحة الكتاب وما زاد كما رواه أبو داؤد فلما كان كذلك لم يضرنا بل كان لنا بعد ما كان لهم وصار عليهم بعد صيرورته علينا إذ مقصودنا وهو تسوية الفاتحة بالسورة حاصل ومرادهم وهو إثبات التأكد في الفاتحة فوقه في السورة لم يحصل.
قوله [احتج بحديث جابر بن عبد الله إلخ] وأنت تعلم أنه مما لا يدرك إلا بالنص فكان له حكم المرفوع من كل وجه سيما وقد تايد ذلك بموافقة النص ومتابعة الروايات وعمل الصحابة وقد روى مرفوعًا أيضًا كما ذكره الطحاوي (٢).
стр. 312
قوله [كان إذا دخل المسجد صلى على محمد] وفي وضع العلم موضع ضمير المتكلم تفاؤل وإشارة إلى محموديته وهو مستحب للأمة لما أن النبي ﷺ هو الذي فتح أبواب الفضل والرحمة وأجرى هذه الرسوم للأمة، والصلاة رحمة خاصة كما يدل عليه العطف في قوله تعالى ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فلا يجوز على غيره ﷺ إلا تبعًا، وأما ما روى أنه ﷺ صلى على غيره كقوله اللهم صل على آل أبي أو في فمن خصوصياته وهذا عند الفقهاء وترخص المحدثون فرخصوا لغيره أيضًا.
قوله [رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك] هذا إما أن يكون تخصيصًا بعده تعميم إذ المغفرة أخص من مطلق الرحمة أو يقال الأول إشارة إلى التخلية عن الرذائل، والثاني إلى التحلية بالفضائل، وقوله وقت الخروج أبواب فضلك إشارة إلى التوفيق بامتثال ما أمر الله تعالى به في قوله ﴿وَابْتَغُوا (١) مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ من فضل الله حيث عقبه بذكر الصلاة، والصلاة على النبي ﷺ لما كانت من الدعاء منزلة الجناحين من الطائر فإن الطيران لا يتم إلا بهما ذكر الصلاة مع الدعاء في الوقتين ليكون أقرب إلى الإجابة ولأن الصلاة من أهم العبادات والخروج من المسجد إنما الغالب أن يشتغل بعده بالمعاملات وإن كان يثاب فيها ثواب العبادات والقربات إذا نوى بها خيرًا والنوعان بأسرهما إنما علم صلاحهما وفسادهما وطريق الفوز فيهما والتمكن من إتيانهما على الوجه الذي يرضى به الخالق والمخلوق جميعًا بتعليمه ﷺ وحسن تربيته وتقنينه القوانين وترتيبه الشرائع فكان الدعاء في الأمرين معًا شكرًا له على ما اجتهد في ذلك وثناءًا عليه على بليغ سعيه ليكون أقر لقلبه ﷺ .
قوله [فلقيت عبد الله بن الحسن] أي بعد ما كنت أخذت منه ذلك الحديث
стр. 313
بواسطة الليث أردت أن أشافهه به.
قوله [وإنما عاشت بعد النبي ﷺ ] وكان عمر حسين وقت وفاة النبي ﷺ سبع سنين فأنى لابنته وفاطمة رواية عن أمه فاطمة ولا يخفى عليك أن الحديث مع انقطاعه حسنه الترمذي لما علم من اتصاله بطريق آخر فعلم أن المنقطع إذا علم (١) اتصاله يبلغ درجة الحسن وهذا أصل كبير يتفرع منه الجواب عن كثير من مطاعن المخالفين بأن أكثر أحاديث الإمام تكون منقطعات والجواب أن لا ضير في ذلك لما علم اتصالها.
قوله [فليركع ركعتين] هذا مسلم بين الفريقين (٢) في عدم الجواز في أوقات النهي لكن الشافعي استثنى زوال يوم الجمعة، وسيجيئ الكلام في ذلك ثمة.
قوله [وهذا حديث غير محفوظ] أي وضع جابر مكان أبي قتادة لأن
стр. 314
عمرو بن سلم (١) لم يثبت لقاؤه عن جابر ولأن أكثر من رواه (٢) إنما روى عن أبي قتادة دون جابر.
[إلا المقبرة والحمام] وفي الحمام كشف الستر والتشبه لوجود التصاوير والتلوث وتشتت البال وعدم الحضور ومع ذلك كله فلو صلى مستجمعًا شرائطها جازت صلاته ويقاس عليهما ما وجد فيه ما وجد فيهما من التشبه أو شبهة التلوث أو حقيقة التلوث إلى غير ذلك من وجوه الحرمة وقد وقع التصريح ببعضها في بعض الروايات.
قوله [ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن يحيى عن أبيه] أي لم يذكر فيه عن أبي سعيد.
قوله [وكان عامة روايته] أي رواية عمرو بن يحيى عن أبي سعيد وهذا بيان لمنشأ غلط من رفعه وأدخل فيه أبا سعيد.
قوله [من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا (٣) في الجنة مثله] المتماثلة في الإخلاص وعلى هذا فزيادة الأجر بزيادة الإخلاص وإن لم يزد مقدار ما أنفق فيه أو يكون المراد (٤) أن نسبة المسجد إلى أبنية هذه الدار الدنيا توجب
стр. 315
إيتاء ما يناسب المسجد نسبته إلى دور تلك الدار الآخرة وكان السبب في رواية عثمان هذا الحديث أن أبا بكر وعمر لم يكونا تصرفا في المسجد النبوي إلا قليلاً من إصلاح ما وهن منه وكان عمر زاد فيه ولم يغيره عن هيئته التي كانت له في زمنه ﷺ وأن عثمان جمع الحجارة وسائر ما يحتاج إليه في تشييده فأنكر عليه الصحابة صنيعه ذلك لما لم يسبق عليه فيه فاعتذر من ترك الشيخين إياه على حاله بأنهما لم يجدا ما يستعينان به على ذلك، وأما أنا فقد آتاني الله من المال ما أقدر به على ذلك وبين الحديث، وكان بناؤه المسجد من خالص ماله الذي آتاه الله لا من بيت مال الله الذي للمسلمين وذلك جائز لمن أراد، وموجب أجر إذا أصلح النية ما لم يجعل فيه ما يلهي عن الصلاة.
قوله [قد أدرك إلخ] قد أدرك النبي ﷺ وقد رأه واحد إلا في الأعمى فإنه ليس فيه إلا الإدراك دون الرؤية.
قوله [لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج] أما مسألة زيارة النساء القبور (١) فمذهب حنفاء الله فيه أن النهي الوارد في الزيارة كما
стр. 316
نسخت (١) في حق الرجال نسخت في حق النساء أيضًا لأنهن تبع الرجال في الخطابات وأما قوله ﵇ «لعن الله زائرات القبور» فكان في وقت النهي ولما رخصهم في الزيارة بقوله كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها رخص النساء أيضًا وسيجيئ بعض بيانه في بيان الأحاديث التي وردت في ذلك وهذا وإن كان هو الحق لكن لا ينبغي أن يشاع ويرخص لهن في الزيارة لما أحدثن في زماننا وقد كن يمنعن من الخروج في زمان النبي ﷺ لا لأجل النهي عن زيارة القبور بل لمفاسد أخرى، وكذا في زمان الخلفاء الراشدين ومما يدل على حقية ما ذهبت إليه الأحناف زيارة عائشة (٢) أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر.
وأما الذين منعوها عن الزيارة فمبناهم أن قوله ﵇ لعن الله زائرات القبور، خبر لا يتطرق إليه النسخ وزيارة عائشة فأما لكونها محرمة أو لكونها مرة والنهي إنما هو عن زيارة غير المحرم والزيارة (٣) فيها حتى يبلغ حد التكرار وأجاب بعضهم بأن ذلك كان اجتهادًا منها لا يتمشى الاستدلال بفعلها لكونه غير مستند إلى حجة ودليل، وأنت تعلم ما في تلك الوجوه من الخلل.
أما قولهم إنها كانت محترمة له فمن المعلوم أنها لم تكن محترمة لكل من دفن هناك ولم يكن قبر عبد الرحمن في موضع خال، وأما النهي عن التكرار دون أصل الزيارة ترجيح (٤) من غير مرجح أو رجوع إلى ما كنا ذهبنا إليه من أن نفس الزيارة ليس فيها شيء من الكراهة وإنما الكراهة عارضة لها من خارج فحيث وجدت الكراهة من خارج كرهت الزيارة وحيث لم توجد لم تكره فكانت
стр. 317
فكانت الزيارة جائزة الأصل.
وأما قول من قال إن ذلك كان اجتهادًا منها من غير أن يستند إلى حجة ودليل فحطيطه لشأن الأصحاب ﵃ من مراتبهم لا سيما عائشة أفقه النساء بل وأفضل في التفقه من أكثر الرجال فكيف يظن بها أنها ارتكبت ذلك دون استناد إلى حجة وبرهان إذ لو سلم هذا لارتفع الأمان من سائر الأصحاب مع أن القدوة بهم في تلك المسالك ودون التقفي بهم مفاوز وعر ومهالك مع أن مسألة زيارة القبور ليست مما يندر وقوعها حتى يظن أنها لم تعلم جوازها عن حرمتها ومن تشبث بكون هذا خيرًا لم يأت بمقنع لأنه وإن كان خبرًا لفظًا لكنه إنشاء معنى وكثير من الأوامر والنواهي أنزلت بصورة الأخبار لفوائد مختلفة ونكت بليغة مؤتلفة مع جواز الشيخ عليها وليس بفرق بين الأوامر التي في صورة الأخبار والتي في صورة الإنشاء بجواز النسخ على الثاني دون الأول مع أن الأخبار لو سلم لفظًا ومعنى لم يضر لأن الأخبار عن شيء هو موقوف وجودًا وعدمًا على وجود غيره وعدمه ليس بمستدع أن يبقى المخير عنه موجودًا وإن تبدل الذي توقف الخبر عنه عليه بل الأخبار إنما ثمة موقوف على وجود المتوقف عليه وإذا كان كذلك فأعلم أن الأخبار عن وجود اللعن عليهن فإنما ذلك لارتكابهن شرعيًا فلما ارتفع النهي ورخص الشرع في فعله لم يبق منهيًا عنه حتى يلزم اللعن بفعله والتخلف عن ذلك لا يسمى كذبًا حتى يلزم المحال الذي بنى المستدل عليه استدل النسخ.
وأما اتخاذ المساجد عليها فلما فيه من الشبه باليهود في اتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم وكبرائهم ولما فيه من تعظيم الميت وشبه بعبدة الأصنام لو كان القبر في جانب القبلة وكراهة كونه في جانب القبلة أكثر من كراهة كونه يمينًا أو يسارًا وإن كان خلف المصلي فهو أخف كراهة من كل ذلك لكن لا يخلو عن كراهة (١)
стр. 318
وأما بعد ما طمس القبر فلم يبق له علامة ولا أثر وكان تحت قدميه أو كان بينه وبينه حائل فلا كراهة حينئذ.
وأما اتخاذ السرج عليها فمع ما فيه من إسراف ما له المنهي عنه بقوله تعالى ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ تشبه باليهود فإنهم كانوا يسرجون المصابيح على قبور كبرائهم وتعظيم للقبور واشتغال بما لا يعنيه أن أعتقد أن أصحاب القبور ليس لهم حاجة في ذلك ولا هم به منتفعون وعمل باعتقاده الباطل وزعمه الكاذب إن كان ظنه بعض الجهلة أنهم وقت غلق الباب من خارج وكذلك في غير البناء إذا تخلوا يخرجون من مقابرهم ويتحاورون ويكالمون فيما بينهم ولذلك ترى هؤلاء الأغمار إذا أرادوا الدخول في مكان فيه قبر لكبير صفقوا بأيديهم من خارج ليسمعوا ويعلموا فيدخلوا في بيوتهم أي الأجداث افرؤهم نسوة أو ظنوهم عراة فصدق عز من قائل ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
[باب النوم في المسجد]
.
قوله [كنا ننام على عهد رسول الله ﷺ في المسجد ونحن شاب] هذا ما استدل به من جواز النوم في المسجد، والأولى (١) التحرز عن مثل ذلك إلا إذا اضطر إليه كما فعله بعض أصحاب النبي ﷺ بعده من نباء الصفة في المسجد لمثل هذه الحوائج، وأما قول عبد الله بن عمر هذا فإنما كان لضرورة له إذ لم يكن
стр. 319
له مبيت مع فيهم من قلة كل ما يوجب التلوث لقلة أطعمتهم وكثرة جهدهم كيف وفي زماننا لا يمكن لأحد أن يجلس في مسجد زمانًا ولا يحدث وقد ثبت تأذي الملائكة بالحدث وكذلك الكلام بما ليس فيه مصلحة دينية وإن لم يكن في المسجد حرامًا لكنه يوجب شيئًا من النزول ولتبدل الزمان وتغير الوقت وارتفاع ما كان مجوزًا للمبيت في المسجد، قال ابن عباس وغيره لا يتخذه مبيتًا ومقيلاً لكن هذا اللفظ كما ترى إنما يمنع الدوام والاستقرار على ذلك فإن الاتخاذ لا يصدق دونه وعلى هذا فلا فرق بين القولين (١).
والحاصل من هذين القولين اللذين ذكرهما الترمذي إنما هو الرخصة في ذلك إذا كان أحيانًا أو في ضرورة، وأما اتخاذه مبيتًا أو مقيلاً فلا كما يشير إليه قوله ﵇ إنما هذه المساجد لا تصلح لشيء من أمور الناس أو نحوه، وقوله ونحن شباب هذا تنصيص منه على أولوية الإجازة للشيوخ لما أن الشباب بمثل ذلك الاحتراز أولى من الشيوخ.
قوله [باب ما جاء في كراهة البيع والشراب وإنشاد الضالة والشعر في المسجد]
أما النهي عن البيع (٢) والشراء فقد رخصوا فيها للمعتكف إذا لم يحضر المتاع لما فيه من الضرورة له، وأما لغيره فلا ضرورة وكذلك لا حاجة إلى
стр. 320
إحضار السلعة أيضًا مع أن في إحضارها إضرارًا للمصلين واشتغالاً لهم إن كان شيئًا من هذا القبيل مع أن المسجد غير موضع لمثل هذا واستعماله الشيء فيما لم يوضع له لا يكون إلا عند ضرورة.
وأما إنشاد الضالة فالمنهي عنه رفع الصوت بذلك إذ فيه الإضرار دون غيره وفيه سوء تأديب نسبة إلى المسجد وقد يعد فيه رفع الصوت بالذكر قبيحًا فكيف بنداء من ينشد ضالته.
وإنشاد الشعر المذموم مذموم دون الغير المذموم لما روى من وضع المنبر لحسان بن ثابت ﵁ ويعلم من هذا بالمقايسة حال الكلام في المسجد فحكم ذميمه حكم ذميمه وحكم غير المذموم منه حكم غير المذموم منه.
قوله [عن أن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة] قبل الصلاة هذا إشارة إلى جوازه بعد الصلاة وقد بسطه في الحاشية.
وقوله [عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده] هذا مخالف لسائر ما يرد من هذا القبيل (١) فإن الأخذ في غير ذلك الإسناد يكون لكل من أبيه، وأما ههنا فإنما يأخذ عمرو من أبيه شعيب وشعيب عن جده عبد الله لا عن جد عمرو الذي هو أب شعيب حتى يكون جد العمرو وهذا مما ينبغي أن يحفظ فقد زلت فيه الأقدام، وأما إذا أرادوا رواية عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب عن جد عمرو الذي هو أبو شعيب غيروا العنوان فقالوا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن أبيه أو قالوا