نسخت (١) في حق الرجال نسخت في حق النساء أيضًا لأنهن تبع الرجال في الخطابات وأما قوله ﵇ «لعن الله زائرات القبور» فكان في وقت النهي ولما رخصهم في الزيارة بقوله كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها رخص النساء أيضًا وسيجيئ بعض بيانه في بيان الأحاديث التي وردت في ذلك وهذا وإن كان هو الحق لكن لا ينبغي أن يشاع ويرخص لهن في الزيارة لما أحدثن في زماننا وقد كن يمنعن من الخروج في زمان النبي ﷺ لا لأجل النهي عن زيارة القبور بل لمفاسد أخرى، وكذا في زمان الخلفاء الراشدين ومما يدل على حقية ما ذهبت إليه الأحناف زيارة عائشة (٢) أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر.
وأما الذين منعوها عن الزيارة فمبناهم أن قوله ﵇ لعن الله زائرات القبور، خبر لا يتطرق إليه النسخ وزيارة عائشة فأما لكونها محرمة أو لكونها مرة والنهي إنما هو عن زيارة غير المحرم والزيارة (٣) فيها حتى يبلغ حد التكرار وأجاب بعضهم بأن ذلك كان اجتهادًا منها لا يتمشى الاستدلال بفعلها لكونه غير مستند إلى حجة ودليل، وأنت تعلم ما في تلك الوجوه من الخلل.
أما قولهم إنها كانت محترمة له فمن المعلوم أنها لم تكن محترمة لكل من دفن هناك ولم يكن قبر عبد الرحمن في موضع خال، وأما النهي عن التكرار دون أصل الزيارة ترجيح (٤) من غير مرجح أو رجوع إلى ما كنا ذهبنا إليه من أن نفس الزيارة ليس فيها شيء من الكراهة وإنما الكراهة عارضة لها من خارج فحيث وجدت الكراهة من خارج كرهت الزيارة وحيث لم توجد لم تكره فكانت
стр. 317
فكانت الزيارة جائزة الأصل.
وأما قول من قال إن ذلك كان اجتهادًا منها من غير أن يستند إلى حجة ودليل فحطيطه لشأن الأصحاب ﵃ من مراتبهم لا سيما عائشة أفقه النساء بل وأفضل في التفقه من أكثر الرجال فكيف يظن بها أنها ارتكبت ذلك دون استناد إلى حجة وبرهان إذ لو سلم هذا لارتفع الأمان من سائر الأصحاب مع أن القدوة بهم في تلك المسالك ودون التقفي بهم مفاوز وعر ومهالك مع أن مسألة زيارة القبور ليست مما يندر وقوعها حتى يظن أنها لم تعلم جوازها عن حرمتها ومن تشبث بكون هذا خيرًا لم يأت بمقنع لأنه وإن كان خبرًا لفظًا لكنه إنشاء معنى وكثير من الأوامر والنواهي أنزلت بصورة الأخبار لفوائد مختلفة ونكت بليغة مؤتلفة مع جواز الشيخ عليها وليس بفرق بين الأوامر التي في صورة الأخبار والتي في صورة الإنشاء بجواز النسخ على الثاني دون الأول مع أن الأخبار لو سلم لفظًا ومعنى لم يضر لأن الأخبار عن شيء هو موقوف وجودًا وعدمًا على وجود غيره وعدمه ليس بمستدع أن يبقى المخير عنه موجودًا وإن تبدل الذي توقف الخبر عنه عليه بل الأخبار إنما ثمة موقوف على وجود المتوقف عليه وإذا كان كذلك فأعلم أن الأخبار عن وجود اللعن عليهن فإنما ذلك لارتكابهن شرعيًا فلما ارتفع النهي ورخص الشرع في فعله لم يبق منهيًا عنه حتى يلزم اللعن بفعله والتخلف عن ذلك لا يسمى كذبًا حتى يلزم المحال الذي بنى المستدل عليه استدل النسخ.
وأما اتخاذ المساجد عليها فلما فيه من الشبه باليهود في اتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم وكبرائهم ولما فيه من تعظيم الميت وشبه بعبدة الأصنام لو كان القبر في جانب القبلة وكراهة كونه في جانب القبلة أكثر من كراهة كونه يمينًا أو يسارًا وإن كان خلف المصلي فهو أخف كراهة من كل ذلك لكن لا يخلو عن كراهة (١)
стр. 318
وأما بعد ما طمس القبر فلم يبق له علامة ولا أثر وكان تحت قدميه أو كان بينه وبينه حائل فلا كراهة حينئذ.
وأما اتخاذ السرج عليها فمع ما فيه من إسراف ما له المنهي عنه بقوله تعالى ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ تشبه باليهود فإنهم كانوا يسرجون المصابيح على قبور كبرائهم وتعظيم للقبور واشتغال بما لا يعنيه أن أعتقد أن أصحاب القبور ليس لهم حاجة في ذلك ولا هم به منتفعون وعمل باعتقاده الباطل وزعمه الكاذب إن كان ظنه بعض الجهلة أنهم وقت غلق الباب من خارج وكذلك في غير البناء إذا تخلوا يخرجون من مقابرهم ويتحاورون ويكالمون فيما بينهم ولذلك ترى هؤلاء الأغمار إذا أرادوا الدخول في مكان فيه قبر لكبير صفقوا بأيديهم من خارج ليسمعوا ويعلموا فيدخلوا في بيوتهم أي الأجداث افرؤهم نسوة أو ظنوهم عراة فصدق عز من قائل ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
[باب النوم في المسجد]
.
قوله [كنا ننام على عهد رسول الله ﷺ في المسجد ونحن شاب] هذا ما استدل به من جواز النوم في المسجد، والأولى (١) التحرز عن مثل ذلك إلا إذا اضطر إليه كما فعله بعض أصحاب النبي ﷺ بعده من نباء الصفة في المسجد لمثل هذه الحوائج، وأما قول عبد الله بن عمر هذا فإنما كان لضرورة له إذ لم يكن
стр. 319
له مبيت مع فيهم من قلة كل ما يوجب التلوث لقلة أطعمتهم وكثرة جهدهم كيف وفي زماننا لا يمكن لأحد أن يجلس في مسجد زمانًا ولا يحدث وقد ثبت تأذي الملائكة بالحدث وكذلك الكلام بما ليس فيه مصلحة دينية وإن لم يكن في المسجد حرامًا لكنه يوجب شيئًا من النزول ولتبدل الزمان وتغير الوقت وارتفاع ما كان مجوزًا للمبيت في المسجد، قال ابن عباس وغيره لا يتخذه مبيتًا ومقيلاً لكن هذا اللفظ كما ترى إنما يمنع الدوام والاستقرار على ذلك فإن الاتخاذ لا يصدق دونه وعلى هذا فلا فرق بين القولين (١).
والحاصل من هذين القولين اللذين ذكرهما الترمذي إنما هو الرخصة في ذلك إذا كان أحيانًا أو في ضرورة، وأما اتخاذه مبيتًا أو مقيلاً فلا كما يشير إليه قوله ﵇ إنما هذه المساجد لا تصلح لشيء من أمور الناس أو نحوه، وقوله ونحن شباب هذا تنصيص منه على أولوية الإجازة للشيوخ لما أن الشباب بمثل ذلك الاحتراز أولى من الشيوخ.
قوله [باب ما جاء في كراهة البيع والشراب وإنشاد الضالة والشعر في المسجد]
أما النهي عن البيع (٢) والشراء فقد رخصوا فيها للمعتكف إذا لم يحضر المتاع لما فيه من الضرورة له، وأما لغيره فلا ضرورة وكذلك لا حاجة إلى
стр. 320
إحضار السلعة أيضًا مع أن في إحضارها إضرارًا للمصلين واشتغالاً لهم إن كان شيئًا من هذا القبيل مع أن المسجد غير موضع لمثل هذا واستعماله الشيء فيما لم يوضع له لا يكون إلا عند ضرورة.
وأما إنشاد الضالة فالمنهي عنه رفع الصوت بذلك إذ فيه الإضرار دون غيره وفيه سوء تأديب نسبة إلى المسجد وقد يعد فيه رفع الصوت بالذكر قبيحًا فكيف بنداء من ينشد ضالته.
وإنشاد الشعر المذموم مذموم دون الغير المذموم لما روى من وضع المنبر لحسان بن ثابت ﵁ ويعلم من هذا بالمقايسة حال الكلام في المسجد فحكم ذميمه حكم ذميمه وحكم غير المذموم منه حكم غير المذموم منه.
قوله [عن أن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة] قبل الصلاة هذا إشارة إلى جوازه بعد الصلاة وقد بسطه في الحاشية.
وقوله [عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده] هذا مخالف لسائر ما يرد من هذا القبيل (١) فإن الأخذ في غير ذلك الإسناد يكون لكل من أبيه، وأما ههنا فإنما يأخذ عمرو من أبيه شعيب وشعيب عن جده عبد الله لا عن جد عمرو الذي هو أب شعيب حتى يكون جد العمرو وهذا مما ينبغي أن يحفظ فقد زلت فيه الأقدام، وأما إذا أرادوا رواية عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب عن جد عمرو الذي هو أبو شعيب غيروا العنوان فقالوا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن أبيه أو قالوا
стр. 321
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن أبيه محمد ونحو ذلك كما تعرف وشعيب هذا هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃.
قوله [باب ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى ، انتهى] لا يخفى اتفاقهم (١) على أن آية ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ إنما نزلت في مسجد قباء وأهله كما يعلم من تفسير ذلك في التفاسير، وقد ورد مثل ذلك في الرواية الثانية أيضًا، ولا يبعد أن يقال أن خفاء مثل تلك الواقعة على مثل هؤلاء بعيد فلا معنى لامترائهم في ذلك والجواب (٢) أنهما كانا متفقين على كون مسجد قباء مسجدًا أسس على التقوى كيف وقد أسسه النبي ﷺ بيده الشريفة فالامتراء إنما كان في شركة المسجد النبوي لمسجد قباء في وصف التأسيس على التقوى فأثبته أحدهما لما رأى في المسجد النبوي مثل ما كان في مسجد قباء بل فوقه ونفاه الآخر فهم شأن نزول الآية لمسجد قباء خاصة وبذلك يرتفع الاختلاف بين الروايات فمعنى قوله ﵇ هو مسجدي (٣) هذا ليس هو الحصر كما هو متبادر اللفظ بل تشريكه فيه معه فمعناه هذا أيضًا.
قوله [باب ما جاء لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى]
стр. 322
اعلم أن في المسألة شد الرحال إلا الأمكنة الشاسعة والديار النازحة خلافًا بين الأئمة فمنهم ومنهم النووي والقارئ من حمل الحديث على أن النهي منه ﵇ إنما صدر لشفقته على أمته فإنه لو سافر أحد من مسجد محلته إلى مسجد مصر بعيد يلاقي في سفره مشاق وتكاليف وليس له في ذلك المسجد الذي ذهب إليه كثير أجر حتى ينجبر نبيله ما ناله ولذلك لم يذكر فيها مسجد قباء لأن الصلاة فيها ليست إلا كعمرة وثواب العمر (١) حاص بجلوسه في مسجده يذكر الله إلى الطلوع وكذلك مزيد الأجر في مسجد الجامع ليس إلا بكثرة الجماعة لا بوصف في نفس المسجد.
وأما إذا سافر إلى مسجد من هذه الثلاثة التي ذكرت ففي أجرها انجبار لما ناله في سفره من مكروهات ربما تبعثه على فوات ما يجب عليه وارتكاب ما هو منهي عنه والمستثنى على هذا التقدير إنما هو المسجد ومع هذا فلو سافر إلى مسجد أو مزار (٢) أو مكان لا يأثم ولو نذر الصلاة في مسجد ثم لم يسافر إليه وصلى في مسجد آخر أجزأته عن نذره.
وأما إذا نذر الصلاة في شيء من تلك المساجد فالأولى له أن يصلي فيما يعينه وإن كان تجزئ (٣) عنه الصلاة في غيره أيضًا وقال الآخرون ومنهم المولى ولي الله
стр. 323
إنما معنى الحديث هو النهي على التحريم فعلى هذا يستثنى منه ما استثناه الشارع بقوله مثل الحج والجهاد وطلب العلم ولقى أخيه المسلم ونحو ذلك والباقي يبقى على عموم النهي وعلى هذا القول فلا يجوز زيارة (١) مقابر ولا نظارة (٢) أماكن بقصد مستقل إليها من بعد السفر إذ هو المراد بشد الرحال إذ هو كناية عن السفر لكونه سببًا له في غالب أحوال الناس في أسفارهم والمعنى الأخير هو الأولى (٣) بالبيان في زماننا الذي شاع فيه الشرك وذاعت البدعات وقوله ﵇ ألا فزورها ليس وجوبًا وإنما هو رخصة أو استحباب وهذا بحسب هذا المعنى الأخير تحريم وإذا تردد فعل بين كونه مباحًا وحرامًا أو بين كونه مستحبًا ومحرمًا فالغلبة للتحريم.
[باب المشي إلى المسجد]
.
قوله [ولكن ائتوها وأنتم تمشون هذا كان شاملاً] لتوسيع الخطأ فأخرجه
стр. 324
أيضًا بقوله وعليكم السكينة فعلم أن كل ما هو يخالف السكينة فهو الذي نهى عنه وهذا لما يجب عليه من أدب المسجد وهذا مخالف له ولأنه لما خرج من البيت يريد الصلاة كتب في الصلاة فهو مأجور ولا يأتي بشيء مما ينافي هيئة الصلاة إلا ويقل به نصيبه من الأجر مع ما في ذلك من خوف السقوط المستلزم فوات الجماعة رأسًا وربو النفس التي لا يكاد يقدر به على تصحيح التكبير والثناء إلى غير ذلك من المفاسد ولفظ الحديث يدل على النهي مطلقًا وما ذكره الترمذي من أقوال العلماء الذين خصصوا من ذلك الإطلاق أحوالاً فإنما يبنى قولهم على ما ورد في فضل التكبيرة من الأخبار فجوز والإحراز ذلك الفضل شيئًا من ذلك احرازًا لكلتا الفضيلتين وكأنهم رأوا أن ما يعروه من النقصان في ذلك ينجبر بإدراك فضيلة التكبيرة الأولى بل يفضل له بعد ذلك شيء كثير من الأجر والإمام (١) من الذين منعوا السعي والهرولة وذلك لدوران الفعل بين النهي والفضل فلو دار الفعل بين الأمر والنهي لكان الأخذ بالنهي هو الأولى فكيف به وليس بجنبه أمر صريح وإنما هو مطلق بيان الفضل فالواجب عليه إدراك هذا الفضل على وجه خال عن المحظور الشرعي لا بارتكاب المنهي عنه ومع ذلك فلو فعل يثاب ثوابًا كاملاً وإن اجتمعت معه كراهة أيضًا.
[باب القعود في المسجد]
.
قوله [لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها] وبهذا استنبطوا أن لا يفعل ما ينافي أمر الصلاة في فرقعة الأصابع والضحك والقهقهة، ولما كان بذلك لا يعلم حكم من دام في المسجد وليس ينتظر الصلاة، وإنما تلبثه فيه لغير ذلك من ذكر أو تلاوة قرآن أو نحوه بينه بقوله لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في المسجد، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث، ولما تردد السامع في قوله ما لم يحدث أنه هل هو من الحدث بمعنى أحداث أمر في الدين؟ أو هو من
стр. 325
الحدث بمعنى ترك حالة وشروع حالة أخرى؟ كما أنه كان قاعدًا فقام أو اضطجع أو ذهب لينخم (١) أو مثل ذلك، فإن كان الأول فهو حق لا ريب فيه، وإن كان الثاني فما باله حرم بذلك الحدث الذي لا بد له منه من هذا الفضل العظيم والحظ الجسيم دفعه أبو هريرة بقوله فساء أو ضراط يغي أن المراد بالحدث ههنا هذا لتأذي الملائكة بذلك فعلم أنه لو أخذته الرعاف أو مثل ذلك مما لا يتأذى به الملائكة لا يكون هذا حكمه وعلم بذلك أنه لو تكلم بكلام منتن تتأذى منه الملائكة أو فعل شيئًا من هذا القبيل من (٢) الغيبة والنميمة، ومثلهما تركت الملائكة الصلاة عليه، واعلم أن مذهب المحدثين جواز (٣) الصلاة على غير النبي والأنبياء ﵈ لما ورد في الأحاديث مثله ومنعه الفقهاء لما أن الصلاة حصة من الرحمة الكاملة اختصت بها الأنبياء، وليس لغيرهم أن يدعي بها (٤) يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾
стр. 326
وما ورد من مثل قوله ﵇: «اللهم صلى على آل أبي أوفى» فمن خصوصياته ﵇.
[باب ما جاء في الصلاة على الخمرة]
هذا (١) لدفع ما يتوهم من عدم أولوية ذلك بناء على أن النبي ﷺ كان في زمانه لم تفرش المساجد، وكان أكثر صلاتهم على الأرض.
[باب ما جاء في الصلاة على الحصير]
هذا أكبر من الخمرة أو هو مطلق والغرض (٢) في ذلك كله أن الأمر واسع، وإن كانت الصلاة على الأرض أولى للتذلل فيه.
[باب ما جاء في الصلاة على البسط]
اعلم أن كل الأئمة سوى مالك جوز الصلاة على كل شيء طاهر يمكن السجود عليه، وأما مالك فلم يجوز (٣) إلا على ما هو من جنس الأرض كالحصير فلا تجوز (٤) الصلاة على الجلود والصوف
стр. 327
ومثل ذلك، ثم اعلم أن من قاعدة المحدثين أنهم لا يحملون المقيد على المطلق فيما ورد بلفظين كالحصير، فإنه ورد ههنا بلفظ البساط، وفي الرواية الثانية بلفظ الحصير وههنا وإن كان التعدد في الواقعة أيضًا محتملاً لكنهم لا يبالون بذلك في الواقعة الواحدة أيضًا فهم يستنبطون بذلك حكم المطلق، كما استنبطوا من مقيده حكم المقيد حاصله أن واقعة صلاة النبي ﷺ في بيت أم سليم ظاهرها الوحدة، وإن كان يمكن التعدد أيضًا، لكنه لما بينه الراوي مرة بلفظ البساط، وهو عام، ومرة بلفظ الحصير، وهو خاص علم بذلك مسألتان.
قوله [فيه يا عمير ما فعل النغير] فيه دلالة على أن حرمة صيد المدينة ليست كحرمة صيد مكة وإلا لما ساغ أخذ طيره واحتمال (١) أنه كان أخذ من خارج غير مفيد، لأنه لما دخل به في الحرم، صار حكمه حكم صيد الحرم في حرمة التعرض به وإرساله (٢) لو مأخوذًا قبل ذلك.
стр. 328
[باب ما جاء في الصلاة في الحيطان]
الحائط بستان عليه حائط والمراد بالحائط ههنا أعم ولما كان ههنا مظنة توهم عدم جواز الصلاة على أرض البستان لما تلقى فيها من المزابل دفعه النبي ﷺ بالصلاة عليها وهذا تصريح (١) منه ﷺ بأن لتبدل الماهية تأثيرًا في تنجس الأشياء وتطهرها، واعلم أن مسألة تبدل الماهية كلت فيه الأفهام وزلت فيه الأقدام وأصله أن تبدل المادة والصورة كلتيهما مؤثر في ذلك لا تبدل الصورة فقط كما توهمه بعضهم إذ لو كان كذلك لكان خبز العجين المخلوط بالبول طاهرًا ولم يقل به أحد وأفتى المتوهم بأن اختلاط النجس بالطاهر يوجب طهارته لتبدل الماهية، واستدل على هذا بما أفتى محمد من طهارة طين بخاري مع أن مذهبه (٢) نجاسة روث الفرس وأخثاء البقر إلى غير ذلك وظن أن ذلك الحكم بطهارته إنما هو لأجل اختلاطه بالطاهر وهو الطين ولم يعلم أن حكم طهارة هذا الطين إنما هو لعموم البلوى فاشتبه عليه الفرق بين الخلط حتى لم يحس بأحدهما حتى يتميز
стр. 329
عن الآخر وبين انقلاب الماهية وتبدلها مع أن بينهما (٣) بينًا لا يدركه قياس والمجوز للاستعمال المزيل لنجاسة هو هذا لا ذاك ولا يذهب عليك أن اعتبار عموم البلوى إنما يكون في فصل مجتهد فيه كما أن محمدًا حين شاهد تعسر أهل بلده وزمانه عن احتراز ذلك الطين أفتى بما ذهب إليه مالك وإن كان مخالفًا لما ذهب إليه وليس المراد بذلك أن الناس حين تعاوروا أمرًا وتعاملوا به حكم بجوازه وإن كان حرامًا بالنص أو غيره.
[باب في كراهية المرور بين يدي المصلي]
.
[قوله لكان أن يقف أربعين خيرًا له] وأنت تعلم ماذا في وقوف أربعين من الجوع والعطش ونزول الأمطار والرياح الهوج (١) وبرد الليل وشمس النهار وهلاك الأهل والعيال إلى غير ذلك، فهذا كله يكون سهلاً له نظرًا إلى ما في المرور بين يدي المصلي من الإثم والعذاب وقد علم من الرواية الأخرى أنها أربعون سنة.
[باب ما جاء لا يقطع الصلاة شيء]
لما كان اشتهر بينهم قطع الصلاة من الحمار والكلب والمرأة لما ورد في ذلك من الرواية فكان من قال بالقطع حكم بالقطع من الثلاثة ومن لم ير ذلك (٢) لم ير القطع بشيء من هذه الثلاثة فكان
стр. 330
إثبات القطع بأحد هذه الثلاثة إثبات القطع بكل منها وإثبات عدم القطع بكل منها إنما يثبت بإثبات القطع (١) بأحد منها كان إثبات عدم القطع بمرور الحمار الذي هو أحد الثلاثة كافيًا في إثبات ما عقد الباب عليه وبذلك يظهر انطباق الدليل على ما استدل به عليه.
قوله [فمرت بين أيديهم] أي داخل سترة الإمام (٢) إذ لو كان خارجها لم يثبت استدلال ابن عباس على مرامه ومع ذلك فإن اللفظ آب إلا عن مروره بين السترة وبينهم لأنهم لما كانوا خلف النبي ﷺ والسترة كانت أمامه فالمرور أمام السترة يستدعي بعدها عنهم جدًا مع أن لفظ بين أيديهم مشعرة بقربها عنهم وكذلك يدل عليه أن راكبها كان يريد الشمول في جماعة الصلاة وهذا يقتضي إرسالها قريبًا من الصف للاستعجال لئلا يفوت الركعة.
قوله [إلا الكلب الأسود والحمار والمرأة] أما القطع فقطع خشوع الصلاة وخضوعها والكلب الأسود لما فيه من قلة الحزم وعدم التيقظ الذي لا يبعثه على الفرار إذا تحرك المصلي أو ركع وسجد، أما في سائر الكلاب فليس كذلك فإنها تتوحش وتتنفر بقليل تحرك مع ما ورد فيه من قوله ﵇ الكلب الأسود شيطان (٣) ولذلك حرم بعضهم صيد الأسود من الكلاب وأما الحمار فلما فيه
стр. 331
من الحق الباعث له على مصادمة المصلي وغيره من المزاحمة، وحال المرأة ظاهرة.
قوله [وفي نفسي من الحمار والمرأة شيء] هذا التردد (١) عرض له لما ورد من حديث مرور حمار ابن عباس المذكور أمام الصف ولم يأمرهم النبي ﷺ بإعادة الصلاة ولما ورد من حديث عائشة كان النبي ﷺ يصلي وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة، فهاتان الصورتان لما ورد فيها ما يخالف الحديث المذكور ههنا (٢) علم أن المراد بالقطع قطع صفة الصلاة لا ذاتها وأما الكلب فلما لم يرد في عدم قطعه رواية بقى على حاله المفهوم من حديث القطع إذ لا مخالف له.
[باب الصلاة في الثوب الواحد]
.
قوله [قالوا لا بأس بالصلاة في ثوب واحد، وقد قال بعضهم يصلي الرجل في ثوبين] هذان لا خلاف بينهما ولا حاجة إلى إثبات الخلاف بينهما وإنما نقل الترمذي ما نقل من (٣) كل منهما والحاصل من النظر إلى مجموع القولين إثبات الفضل في الثوبين والجواز في ثوب واحد إلا إذا لم يكن له ثوبان وما نقل عن
стр. 332
المتقدمين من أنه صلى في ثوب واحد فعلي (١) أنه لم يكن له، أو لبيان الجواز.
[باب ما جاء في ابتداء القبلة (٢) أي في المدينة أو يقال هذا مبني على ما قال
стр. 333
بعضهم من أنه ﵇ كان يصلي من بدء الأمر بحيث يستقبل نحو بيت المقدس والبيت كليهما والمقام الذي كان يصلي فيه بين الحجر والركن اليماني فلما أتى المدينة بقى على توجه نحو بيت المقدس وترك استقبال القبلة ثم أمر باستقبال القبلة تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وعلى هذا فالنسخ لا يكون إلا مرة والقائل بذلك هو ابن عباس وإنما قال ذلك لئلا يلزم تكرار النسخ والأصح أن استقباله في مكة إنما كان إلى البيت لا غير ثم نسخت لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة والتوقي عن تكرار النسخ إنما هو إذا لم تثبت وههنا ليس كذلك فالمعنى هذا باب ابتداء قبلة البيت الحرام بعد نسخه وبهذا مناسبه الحديث للباب الوارد هو فيه ظاهرة أو يقال هذا باب في بيان ابتداء التوجه إلى القبلة التي هي قبلتنا بعده ﷺ سواء كان قبل النسخ أو بعده. [فصلى رجل معه العصر ثم مر على قوم من الأنصار] في يوم النسخ أو في ثاني يوم ولم يك التحويل في صلاة العصر قال [فانحرفوا وهم ركوع] لا يثبت بذلك النسخ بخبر واحد إذ الملاك إنما هو وقوع العلم القطعي اليقيني وههنا كذلك لما كانوا تيقنوا بالتحويل وكانوا منتظرين لأدنى مخبر بذلك فكيف وأخبرهم صحابي (١) ولعله بلغ أعلى درجات العدالة مع أنه لا يضرنا لو لم يكن أيضًا كذلك ثم لا يتوهم بذلك جواز التعليم والتعلم في الصلوة مع أن الفقهاء عدوه من مفسدات الصلاات وفرعوا عليه مسائل ووجه ذلك أنهم إنما عدوا من المفسدات التعليم الذي يطاوعه المصلي ويأخذ به بفور تعليم آخر وأما إذا نظر فيه بعد تعليمه واستمد برأيه وعلمه أو بفهمه ثم
стр. 334
عمل به بعد ذلك لا يكون مفسدًا وههنا كذلك لا يخفى عليك أن فيه قيدًا آخر لم يذكر، وهو أن لا يكون المعلم خارجًا عن صلاة المصلي بأن يكونا خلف آخر أو يكون أحدهما الآخر فإن لم يكن بينهما شركة فيها فسدت الصلاة وإلا لا وعلى هذا يحمل ما ورد في الروايات من التعليم والتعلم وكثير في الروايات كما يظهر لمن تتبع، وعلم بهذه الاستدارة التي وقعت منهم ولم يأمرهم النبي ﷺ بإعادة الصلاة أن المتحري إذا صلى بعض صلاته لغير القبلة ثم أخبره بغير ذلك استدار كهيئته وليس عليه إعادة الصلاة إذ كانوا في أول صلاتهم إلى غير القبلة لما قدمنا أن التحويل لم يكن في هذه الصلاة قال [كانوا ركوعًا في صلاة الصبح] هذه وقعة أخرى وقعت لمن سواهم أحدهما أصحاب مسجد قباء وثانيهما أصحاب مسجد آخر أي أصحاب مسجد بني الأشهل كانوا ركوعًا في صلاة العصر وأهل مسجد قباء استداروا في صلاة الصبح.
[باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة]
هذا أما لأهل المدينة فالأمر فيه ظاهر وبين ذلك لئلا يظن فرضية إصابة عينها بل الذي يجب عليهم إصابة جهتها كما قالته الفقهاء فقال ﵇ ذلك لبيان أن هذه الجهة كلها قبلة لكم يجب لكم إصابة شيء منها وأما إصابة عينها فليست إلا لمن هي بمرأي من عينه أو المراد بذلك أن القبلة إنما هو بين المشرق والمغرب أي في عالمكم هذا ليس خارجًا عنه فالواجب لكل أهل جهة أن يحاذي قبلته، فقبلة أهل الشرق الغرب، وقبلة أهل الغرب الشرق وقبلة أهل الجنوب الشمال وقبلة أهل الشمال الجنوب، وأنت تعلم أن التوجيه الثاني (١) ليس فيه كثير فائدة [قال ابن عمر إذا جعلت المغرب عن يمينك] هذا دفع لما يتوهم من أن من استدير القبلة فهو مستقل لما بين المشرق والمغرب على مقتضى الحديث قال عبد الله بن المبارك هذا لأهل المشرق واختار
стр. 335
التياسر لأهل مرو (١).
[فصلى كل رجل منا على حياله] هذا كان في النوافل وصلاة الليل إذ الفريضة كانوا أدوها مع النبي ﷺ قبل أو كانوا صلوا الفريضة أيضًا في رحالهم لعذر
стр. 336
وفيه بعد إذ لم تكن الفريضة أسهل شيء حتى يكونوا اكتفوا فيها على الرأي ولم يسألوه ﷺ مع أن نزولهم في منازل السفر لم تكن إلا بتقارب بعضهم عن بعض فكيف يتوهم أنهم لم يسألوا النبي ﷺ لبعد مدى بينه وبينهم مع أن في وقت العشاء الآخرة سعة فلا يتوهم أنهم خافوا فوت الوقت لو وقفوه على السؤال ويثبت مسألة التحري به وإن جهة الخائف والمعذور أين ثبتت قدرته وأدى فهمه وأنهم المرادون في قوله تعالى (١) ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ إن خصص بالصلاة.
[باب كراهية ما يصلي إليه]
وفيه قوله [في المزبلة والمجزرة] لعلة النجاسة والدم [والمقبرة] للتشبه واحتمال النجاسة إن أخرجت الدابة نعش الميت [وقارعة الطريق] السبيل المسلوك لأنه لا يخلو أن يؤذي أو يؤذى فإن كان الأول فلعلة الإيذاء وإن كان الثاني فأما أن تفسد صلاته إن صادمه شيء فسقط أو يلزم نقصان بحضوره وخشوعه إن لم يصل النوبة إلى ذلك [وفي الحمام] لعلة النجاسة والتصاوير وانكشاف عورات الناس فإن أعدوا موضعًا في الحمام أو المقبرة (٢) جازت الصلاة فيه من غير كراهة [ومعاطن الإبل] لما فيه (٣)
стр. 337
من الخبث والشرارة (١) مع طول الجثة التي لا يتحلها ابن آدم لو تعرض بشيء وهو في صلاته فأما أن تفسد ذاتًا أو صفة [وفوق ظهر بيت الله] لما فيه من ترك التعظيم [وكذلك المسجد] أي سائر المساجد فإن التعلي على سقوفها (٢) لا يخلو عن سوء أدب ثم في الصلاة فوق بيت الله ﵎ وكذا في جوفه ثلاثة أقوال للعلماء (٣) قال الإمام بجواز الفريضة والنافلة فوق ظهر بيت الله وفي جوفه وإن لم يخل الصلاة فوقها عن نوع إساءة ومنع الشافعي كليهما في كليهما هذا ما نسبه إليه فقهاؤنا (٤) والصحيح من مذهبه الجواز فيهما وجوز مالك النفل لثبوته عن النبي ﷺ دون الفرض قوله [وحديث ابن عمر أصح وأشبه] من حديث الليث بن سعد أي عدم توسط عمر ﵁ كما في رواية الليث (٥) [صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل] هذا ظاهر
стр. 338
على ما قدمنا من شرارة الإبل وكبر جثته فإنه لو بال لتنجس وجه المصلي بحذافيره ولذلك لو حصل اطمئنان قلبه بأي جهة جازت صلاته كان يشد ركبته أو يكون على موضع عال بخلاف الغنم فإن مصادمتها للمصلي لا يزله عن موضعه ولو بالت مالت (١) إلى الأرض ولو لم تمل لكان بصغر قامتها اكتفاء (٢) وليس النهي عن الصلاة مبنيًا على النجاسة إذ لو كان كذلك لكانا أي الإبل والغنم مستويين في حكم النهي والله أعلم.
[باب ما جاء في الصلاة على الدابة]
.
إنما شرعت النوافل عليه لما أن النهي عن ذلك كان سببًا للحرج بخلاف الفرائض فإنه لا حرج في عدم شرعيتها على الدابة لما أنها لا تكثر في اليوم والليلة كثرة النوافل مع أن الاهتمام بشأن الفريضة أكثر منه في النوافل والحاجة (٣) إلى السجود إنما هو الخفض ولا يجب وضعه جهته على الأرض وفي حكم الدابة ما حملته الدابة لا ما جرته (٤) دابة فجازت النوافل في ذوات الاثنين
стр. 339
من رواحلنا المعتادة أعني الحاتية (١) المستديرة المتحركة إصالة دون (٢) ذوات الأربع لأن الأول محمول على الدابة والثاني ينجر بحرها ويدخل فيما قلنا ما تقوده الأفراس وما تقوده الجواميس والأبقار (٣) وما هو مستفاد من غير دابة وهذه الثلاثة هي الرائجة في بلادنا [والسجود أخفض من الركوع] ولا حاجة إلى وضع جبهته على شيء ومع ذلك لو فعل لا بأس في صلاته بذلك [صلى إلى بعيرة أو راحلته] شك من الراوي أي اللفظين قال من حدثه وفي ذلك إشارة إلى جواز الصلاة حيث الإبل (٤) عند وقوع الأمن من قيامه والتأذي به والمراد بالبعير ههنا هي الراحلة لإضافته إلى النبي ﷺ إذ من المعلوم أنه كان لا يحمل فتكون له حاملة ولا يعمل حتى تكون عاملة ولا يسقى بها حتى تكون سانية إلى غير ذلك والسبب في الصلاة إليها مع قربها الأمن من شرارتها لأن الرواحل تعتاد من الخصال ما لا يعتاده غيرها وكذلك يقاس عليها ما وقع الأمن من الشرارة لعدم علة النهي (٥) ووجود علة الفعل وأيضًا السبب في الصلاة إليه مع كونه ذا روح عدم تشبه عبدة الأصنام فإنه لا يعبد الإبل أحد من أصحاب
стр. 340
الأديان الباطلة [والذي ذهب إليه بعض أهل العلم أشبه بالاتباع] هذا البعض هم الذين عبرهم بقوله في أول المقولة وعليه العمل عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ أراد الترمذي بذلك ترجيح أن الأمر بتقديم الطعام ليس منوطًا على خوف الفساد (١) كما زعمه الآخرون بل المراد بذلك دفع الشغل عن حالة الصلاة وأما من قال إن الأمر بتقديم العشاء حين خاف فساده فإنما نظر إلى أن التقديم على الصلاة لا يجوز إلا بعذر فبين بعض العذر لينقاس به غيره وعلى هذا لا تخالف بين الرائين ولما كانوا يقلون في الأكل كان الشغل لهم بعد حضور الطعام أكثر فلا يقاس عليهم من ليس مثلهم في الاحتياج إليه إذ المانع إنما هو قطع الخشوع لغلبة الاشتهاء [وتعشى ابن عمر وهو يسمع قراءة الإمام] وكان يصوم.
[باب الصلاة عند النعاس]
قوله [وإذا نعس أحدكم وهو يصلي] المراد به النافلة (٢) إذ الفريضة قليلة المقدار مع أنه لم يشرع تفويت الجماعة والوقت لغلبة النوم والمراد بالسب في قوله فيسب نفسه التلفظ بما لا يقصده لغلبة النوم وعدم الاختيار على نفسه مثل أن يقول اللهم لا تغفر لي ولا ترحمني قوله [فلا
стр. 341
يؤمهم وليؤمهم رجل منهم] وقد تقدم أن ذلك على الإذن وههنا أيضًا المراد مثل المراد ثمة [فيخص نفسه بالدعاء] ذهب بعضهم إلى تغليظ هذا الحديث لما ورد في الصحاح من الصيغ المفردة في أدعية النبي ﷺ مثل اغفر لي وارحمني وتب علي والصحيح أن المراد بالتخصيص الحصر والقصر كما ورد في حديث الأعرابي «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا» لا ما فهم من ظاهر العبارة إذا الوكيل والساعي عن قوم وإن أسند الأسئلة إلى نفسه فالمشارك له فيه كل من خلفه.
[باب من أم قومًا وهم له كارهون] جملة الأمر أنه لو كان فيه ما يوجب كراهته شرعًا اعتبرت كراهته وإن لم يكرهه أحد وإن لم يكن فيه ذلك شرعًا لم يعتبر فيه كراهة من كرهه وإن كرهه الكل وأما إذا لم يكن أمره ظاهرًا شرعًا فالمعتبر غالب رأي من خلفه [لا تجاوز صلاتهم إذ أنهم] المراد بذلك عدم القبول كما ورد في قوله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ يرفعه فأما ما لم يرفع فغير صالح كما هو الظاهر.
[باب ما جاء إذا صلى الإمام قاعدًا فصلوا قعودًا] هذا الحديث لما كان من جملة ما وقع في أواخر السنين (١) ذهب إلى ذلك أحمد (٢) وإسحاق ولنا أن
стр. 342
النبي ﷺ أمرهم بالجلوس في الصلاة يريد بذلك أن يستقر في أذهانهم كراهته ما يفعله أهل فارس والروم بخدمة ملوكهم من القيام إذ كانت فيه شائبة وشبه بالشرك فلما استقر ذلك تركه كما فعل في آخر صلاة صلاها بالجماعة فإنه كان إمام القوم لحصر أبي بكر عن القراءة كما كان وقع مثل ذلك قبل ذلك أيضًا في صحته ﷺ وأما ما رواه البعض من أن النبي ﷺ كان مؤتمًا بأبي بكر لا إمامًا لهم فيرده قعوده ﷺ عن شمال (١) أبي بكر فإن النبي ﷺ لو لم يكن إمامًا لما جلس إلا إلي يمينه والعذر أنه إنما فعل ذلك لما كان حسر عن المشي غير مسلم لأنه لم يكن ليترك سنة القيام توقيًا عن أدنى المشقة ولم يكن يثقل عليه أن يشير بأبي بكر فيصير عن يساره وقال أحمد وإسحاق روايات عائشة في صلاته تلك متخالفة فوجب المصير إلى غيرها فقلنا بما رواه أنس بن مالك قال صلى رسول الله ﷺ في مرضه خلف أبي بكر قاعدًا في ثوب متوشحًا به مع أن فعله هذا لا يخالف ما فعله قبل ذلك وأمر به وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين وأما إذا حمل على ما حمل عليه أبو حنيفة والشافعي وغيرهم يلزمهم النسخ بغير دليل إذ الروايات متعارضة فامتنع الترجيح قلنا لا تعارض في روايتي عائشة فإنها روت حسب ما علمت من إمامة أبي بكر ثم لما علمت أن النبي ﷺ كان هو الإمام روت ذلك أو يقال أن قول عائشة وغيرها في ائتمامه ﷺ بأبي بكر موجه بأنه ليس في قولهم ما فيه
стр. 343
تصريح بأن ذلك كان في هذه الصلاة (١) بعينها فلعل النبي ﷺ كان يأتم في حجرته في غير هذه الصلاة بأبي بكر أو قال من قال بإتمامه بأبي بكر حال (٢) ابتداء شروعه ﷺ في الصلاة فإنه كان باقتداء أبي بكر فروى ذلك من روى ذلك ثم استخلف النبي ﷺ أبو بكر حين (٣) حصر عن القراءة كما ذكرنا لك سابقًا في هذا الباب أو لأن المكبر كان هو أبا بكر لضعف النبي ﷺ فلا يسمع إلا تكبير أبي بكر فظن بذلك من ظن أن الإمام أبو بكر مع ما يؤيدنا قعوده ﷺ عن يسار أبي بكر قوله [من ذكر فيه عن ثابت فهو أصح] اعلم أن حميدًا وثابتًا آخذان عن أنس ابن مالك إلا أن ثابتًا أجل من حميد فلذلك قد يروي حميد عنه.
[باب ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسيًا] .
قد ثبت بذلك الحديث ما ينبغي له أن يفعل وأما مع ذلك فلو عاد إلى القعود مع قربه إلى القيام أو أنه كان قائمًا ثم عاد فالمحققون (٤) ومنهم صاحب
стр. 344
الفتح والبحر على خلاف ما اشتهر من فساد الصلاة لرفض الفرض الواجب ونظير ذلك ما اتفقوا عليه من أنه لو سها عن القنوت وركع ثم تذكر وعاد فقنت لا تفسد صلاته (١) وحد القرب إلى السجود وما لم يستو نصفه الأسفل فإذا استوى وصار كهيئة الراكع صار قريبًا إلى القيام من السجود وهذا الحديث الثابت من الطرق المتعددة بؤيدنا في أن السجود بعد التسليم فليحفظ وسيأتي بعض بيانه في بابه، واعلم أن الشافعي لا يقول بالتشهد بعد سجود السهو بل المذهب عنده أن يقعد ويتشهد ويصلي ويدعو ثم يسجد للسهو ثم بعده يسلم. قوله [وسبح بهم كان] هذا للتنبيه على قد تنبه على ما ينبهون عليه فتابعوه ولا يتوقف التذكير على لفظ التسبيح بل يصح بأي اسم من أسماء الله تعالى قوله [ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس] دفع لما يتوهم من سنية القيام لهما كما يسن لسجدة التلاوة (٢) قوله [ابن أبي ليلى] وهم أربعة (٣) عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو صدوق ثقة ليس فيه ما يتكلم فيه ومحمد ابن أبي ليلى وهو المراد ههنا بالتكلم فيه واثنان
стр. 345
آخران عيسى ابن أبي ليلى وهو ثقة وابن أبي ليلى (١) ويسمى ابن أبي ليلى أيضًا لا حاجة إلى بيانهما ههنا قوله [من رأى قبل التسليم فحديثه أصح لما روى إلخ] وهو ما رواه النسائي والترمذي (٢) عن عبد الله ابن بجينة قال صلى بنا رسول الله ﷺ ركعتين ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه فلما قضى صلاته فنظرنا تسليمه كبر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ثم سلم وأنت تعلم إن هذا كان في أول الأمر ولم يبلغهم أمر السهو ولا السجود فخيف لو بدئ بالسلام أن يتبادر أحدهم إلى التكلم لا سيما وقد وقع أمر إمر في صلاتهم فخيف أن يتبادروا إلى الكلام فتفسد صلاتهم فلما شاع الأمر وذاع لم يفتقر إلى ذلك فتفكر قوله [قال شعبة ثم حرك شفتيه] يعني حرك شفتيه بإرادة أن يتكلم فوقع في نفسي أنه يتكلم بهذا فتكلم به كما ظننت.
[باب ما جاء في الإشارة]
.
الإشارة لا تبطل الفرض ولا النفل إلا أنه في الفرض مكروه بخلاف النفل وفعله النبي ﷺ تعليمًا للجواز واستمر عليه إلى آخر عمره لئلا يظن نسخه قوله [في مسجد بني عمر بن عوف] هو مسجد قباء لأن النبي ﷺ كان يدخل فيه ويصلي وكان الناس يأتون إليه حين يسمعون بقدومه الشريف فيسلمون عليه وهو في الصلاة فيرد عليهم بعد الصلاة باللسان لكن كان يشير بيده في الصلاة قوله [لأن قصة حديث صهيب غير قصة بلال] وإن كانت الواقعة واحدة فلا ضير أيضًا في ذلك لأنه يحتمل أين يكون رويت هذه الواقعة عنهما كليهما لكن الظاهر
стр. 346
من فرق الإصبع واليد واقعتان (١) رويًا (٢) لابن عمر فرواهما كما رويا، وغرض الترمذي من ذكر ما ذكر ههنا دفع ما يتوهم من الاضطراب في رواة ابن عمر أو من ذرية بأنه روى بعضهم عن ابن عمر عن صهيب وبعضهم عن ابن عمر عن بلال بأنه يحتمل أن يكون ابن عمر روى عنهما جميعًا فلا اضطراب.
[باب التسبيح للرجال والتصفيق للنساء]
.
قوله [التصفيق للنساء] لكن لا تفسد (٣) صلاتها بتسبيحها، كما اشتهر وليس (٤) عليها أيضًا أن تضرب باطن كفها على ظاهر كف الثانية كما اشتهر فيهم قال [على كنت إذا استأذنت، إلخ] وغرضه ﷺ أن يتوقف حتى يفرغ من صلاته.
[باب ما جاء في كراهية التثاؤب في الصلاة]
خص الصلاة، وإن كان
стр. 347
كراهة التثاؤب عامة لمزيد اهتمام أمر الصلاة ولأنها المقصودة ههنا بالذكر ومعنى كونه من الشيطان فرحه به لكونه للكسل والغفلة وقلة المبالاة بالصلاة، ويقال إن ذكر الأنبياء (١) في تلك الحالة أنهم كانوا لا يتثاءبون يرتد التثاؤب.
[باب ما جاء إن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم]
وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد هذا بظاهره مشكل لأنه إن كان للمريض، كما هو المنصوص في الرواية الثانية فليس الأجر للمريض على النصف، وإن كان لغيره (٢)
стр. 348
فلا تصح صلاته نائمًا أي مضطجعًا حتى يصح ترتب الأجر عليه والجواب أن هذا للمريض الذي فيه استطاعة قيام، لكنه يتعسر عليه فصلاة النافلة أجرها قاعدًا على النصف من أجرها قائمًا، وهكذا المريض الذي يتعسر عليه القعود، ولكنه يمكن له فهذا لو صلى الفريضة نائمًا لم تجز لكنه لو تنفل مضطجعًا (١) مع قدرته على القعود على تعسر فله نصف أجر القاعد وهذا على المذاهب المشهورة، وأما على مذهب الحسن (٢) فيجوز نافلته قائمًا وقاعدًا ونائمًا مضطجعًا فلا إشكال حينئذ في الحديث.
[باب فيمن يتطوع جالسًا] الروايات الثلاث محمولات على أحوال أو المراد في قوله فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم القراءة المتصلة بالركوع، يعني لم يكن ليقرأ حتى إذا أراد أن يركع قام (٣) فركع، بل إن كان قرأ قاعدًا فأراد
стр. 349
أن يركع قائمًا قام فقرأ ثم ركع وعلى هذا تتفق الروايات كلها، وأما الشروع قائمًا ثم القعود فلم يثبت ولذلك كرهه (١) الإمام وإن كان جائزًا عنده أيضًا.
قوله [ويرتلها حتى تكون أطول منها] أي زمانًا يعني يمتد زمان تلاوته إياها بترتيله فيها.
قوله [حدثنا الأنصاري] إلخ، وقوله حدثنا أحمد بن منيع، انتهى، هذا بيان لإسنادي الروايتين المذكورتين قبل بقوله وروى وروى قوله [فأخف الصلاة] أي من القدر الذي كنت قدرت في نفسي أن أقرأ فعلم (٢) أن رعاية المقتدين واجبة وتخفيف الصلاة (٣) لمثل ذلك جائز.
стр. 350
[باب ما جاء لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار]
المراد بالحائض البالغة لا الحائضة حين هي حائض إذ لا صلاة لها، ولما كان في العرف واللغة إطلاق ذات الخمار على من بعض رأسها مكشوف شائعًا ذائعًا قدر الإمام الهمام القدر المعفو بربع الرأس قياسًا على بعض الشروط التي هي سوى ستر العورة، وقال لو انكشف أقل من ربع رأسها جازت صلاتها، وإن كذا لا وهذا هو الحكم في الأعضاء المستورة من الرجل والمرأة، وأما الشعر إذا انفرد من الخصلة ولم يبن أصله فحكمه حكم العضو المستقل يمنع كشف ربعه جواز الصلاة، كما في المجموعة من الشعور.
[وقال الشافعي: وقد قيل إن كان ظهر قدميها مكشوفًا (٤)] لا خلاف في كون باطن قدميها من العورة فالواجب عليها أن تسجد بحيث لا ينكشف باطن قدمها، وأما ظهر القدم ففيه خلاف وفصل
الطحاوي بكونه عورة في الصلاة دون غير الصلاة، ولكن الحرج مقتض جواز الصلاة وإن انكشف (١) ظهر القدم.
[باب ما جاء (٢) في كراهة السدل في الصلاة] للسدل معنيان اشتمال الصماء
стр. 351
للسدل معنيان اشتمال الصماء كما مر وأن يرسل جانبي الثوب على كتفيه لا يعقدهما إن كان صغيرًا ولا يلقي الجانب الأيمن منه على الكتف اليسرى والجانب الأيسر منه على الكتف اليمنى وأما لو ألقى أحد الجانبين دون الآخر كره (١) أيضًا، وأما إذا ألقاهما على الكتفين ثم بقى متدليًا فلا كراهة إذن وكذلك لا كراهة فيما إذا ألقى على كتفه اليسرى جانب الثوب الأيمن ثم ألقى ما كان يتدلى منه على الكتف اليسرى أيضًا ووجه كراهة السدل بمعنييه أن اليهود تفعله وما يلزم في القسم الأول من قصور في أداء الأركان وفي القسم الثاني من التعثر بأذياله وبذلك علم كراهة ما يلقيه الناس في أعناقهم من قلادة (٢) منسوجة من الغزل إذا لم يعقدها إذا كان وضع لبسها معقودة، وأما إذا لم يكن وضع اللبس فيها إلا غير معقودة فلا كراهة إذا لم يضر بأداء الأركان وأما في غير الصلاة فليلبسها كيف شاء وأما ما قال بعضهم من كراهة السدل إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد فالظاهر أن هذا في القسم الذي بينا من قبل إلقاء جانب على كتف دون الآخر إذ لو أبقى على المعنى المشهور من السدل وهو إرسال جانبيه على جانبيه من دون أن يلقى على الكتف مرة أخرى لا يكون للكراهة معنى إذ لا تصح الصلاة حينئذ أصلاً، وأما إذا حمل على اشتمال الصماء فلا وجه لتخصيص كونه صاحب ثوب واحد بل وجه الكراهة مطرد بل اللائق إذن (٣) عدم الكراهة لمن ليس
стр. 352
له إلا ثوب.
[باب ما جاء في كراهة مسح الحصى في الصلاة]
.
الحصى جمع، والواحد حصاة ومسح الحصى وغيرها إذا لم يمكن السجود عليها جائزًا من غير كراهة وأما إذا كان له بد منه فلا يخلو عن كراهة وذكر في بعض الروايات لفظ مرتين أيضًا وايًا ما كان فالعدد غير مقصود ولا الرخصة متوفقة عليه بل المناط في ذلك هو الضرورة ما كانت وأما قوله ﵇ فإن الرحمة تواجهه فتنبيه على علة المنع واستنبط الفقهاء منها المسائل الكثيرة فما فيه اشتغال بما هو غير الصلاة فإن كان لإصلاحها ذاتًا أو لإبقاء خشوعها وخضوعها لا يكون له فيه كراهة وإن كان غير ذلك فلا يخلو عن كراهة وأما ما اشتهر بينهم من كون الحركات الثلاثة أو الفعل بكلتا يديه مفسدًا للصلاة فليس بشيء إذ يرده ما لا يمكن إنكاره ورده من الروايات [وميعقيب هذا] من سبقه القلم أو ذكر طردًا للباب ولا يبعد أن يقال حديث معيقيب المذكور من قبل إنما هو في إجازة المسح والغرض من قوله وفي الباب عن ميعقيب أنه يروي حديث كراهة مسح الحصى أيضًا [وقول المؤلف كأنه روى عنه رخصة إلخ] كأنه رأى بذلك إجازة في أن يفعل ذلك مرة من غير ضرورة (١) ولا يتم فإن مواضع الضرورات مستثناة مع أن أصل المسألة مسلم لنا أيضًا قوله [إلا من حديث عسل إلخ] يشكل عليه أن أبا داؤد أخرجه من حديث سليمان الأحول عن عطاء وأخرجه البيهقي بطرق ثم قال وقد روى من وجه آخر عن النبي ﷺ .
стр. 353
[باب ما جاء في كراهة النفخ في الصلاة]
.
قوله [ترب وجهك] هذا أمر منه تبرك النفخ دلالة وضمنًا لا مطابقة وصريحًا فلذلك تراهم اختلفوا في قطع النفخ وعدم قطعه للصلاة فقال بعضهم إنما نهاه عن النفخ لكونه مفوت سنة الترتيب ولا فساد فيه ولذلك لم يأمره بإعادة الصلاة وقال الآخرون القائلون بفساد الصلاة أن عدم بيان الراوي أمره بالإعادة لا يدل على عدم الأمر وقال الإمام الهمام إن لم تخرج الحروف بنفخه لا تفسد صلاته وإن ظهرت به الحروف دخل نفخه في حد الكلام.
[باب ما جاء في النهي عن الاختصار (١)] ويعلم بذلك أن هيئة الجابرة والأكاسرة (٢) مكروهة وكلما بعد من السنة فكراهته على قدر بعد السنة وقرب هيئة المتكبرين ويعلم بحديث الباب أن النهي عن التشبه لا يتحصص (٣)
стр. 354
بين حضور المشبه به وغيبوبة فإن التشبه بالشيطان لما كره وهو غائب عن أعيننا وغير مرئي فكذلك يكون في غيره أيضًا فما فيه تشبه باليهود ويكره وأن لم يكن اليهود في بلدهم هذا [ذلك كفل الشيطان] فإنه ليس له الأهم أن يحرم ابن آدم من النصيب (١) الأخروي فكلما كان حرمان ابن آدم أكثر كان حظ الشيطان أوفر فأول همه أن يكفر بالله أو يشرك به فيكون جليسه في جهنم أعاذنا الله منها ثم أن يرتكب كبيرة أولاً فصغيرة أو ترك سنة وإلا فمستحب أو ما هو مندوب وههنا لما كان في كف الشعر ترك سجوده كان المقدار الحاصل من سجود الشعر قد نقص من حظ ابن آدم فكان ذلك كفلاً للشيطان من غير ريب أو رجم غيب وقد أسلفنا شيئًا من ذلك فيما سبق أيضًا ولا يبعد أن يقترح من هذا المقام أي من رواية أبي رافع للحسن حديثًا وهو في الصلاة وإقباله على الصلاة وتركه ما كان عليه من الغضب أن ما اشتهر بينهم من فساد الصلاة بأخذ الإمام عمن خلفه ما لا ضرورة له إليه من القراءة وكذا عمن ليس خلفه شيئًا ليس بشيء يعتد به بل الصحيح أن الرجل إذا ألقى على غير إمامه أو على إمامه وقد كان قرأ مقدار ما يجوز به الصلاة فإن أخذ القارئ بمجرد فتحه من غير أن يذكر فصلاته فاسدة (٢) لا محالة وأما إذا علم بعد فتحه وتذكر من نفسه أن القرآن نعم كذلك فصلاته جائزة وهكذا
стр. 355
في غيره من التعليم والتعلم إذا وقعا في الصلاة فإن عمل به من غير أن تكون ذلك مستندًا إلى قصده القلبي واعتقاده لم تصح صلاته وإلا فقد صحت وأنت تعلم أنه قلما يسمع الحافظ الساهي ثم لا يتذكر إذا ألقى إليه غيره قوله [الصلاة مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين] هذا يفيد ركنية التشهد في النافلة والفريضة كلتيهما لكن فعل النبي ﷺ وهو ترك الإعادة من ترك التشهد الأول وجبره بسجدتي السهو أخرج الفريضة عن هذا العموم [وتقنع يديك] إن كان عطفًا على الصلاة فظاهر وإن عطف على تشهد فإن مقدرة [ترفعهما] هذا تفسير لقوله تقنع وقوله مستقبلاً إلخ من لفظ الحديث وهذا يثبت الدعاء بعد الصلاة برفع يديه كما هو المعمول وإنكار الجهلة عليه مردود قوله [فهو كذا وكذا] هذا اللفظ قد يكون من كلام الراوي إذا نسى قوله ﷺ واحتاط في بيانه وقد يكون من كلامه ﵇ إذا لم يصرح بالحديث واكتفى بالكناية والتخشع بالقلب والتضرع باللسان لمقابلة التمسكن فهو لسائر الأعضاء.
[باب التشبيك]
قوله [فلا يشبكن بين أصابعه] فإنه في صلاة ولا التشبيك في شيء من أركان الصلاة ولا تخصيص بالتشبيك بل يحترز عن سائر ما ينافي الصلاة من الكلام وغيره إلا ما لا بد منه من الأقوال والأفعال.
[باب طول القيام في الصلاة]
قوله [أي الصلاة أفضل] اعلم أن لفظة ((أي)) إذا دخل على المعرف بلام التعريف فالمراد تعيين جزء من أجزاء ما دخلت عليه وإذا دخلت على منكر فالمقصود حينئذ تعيين فرد بين أفراده فالمراد في قوله ((أي الصلاة أفضل)) أن أي أجزاء الصلاة أفضل من غيره فهذا نص على أن طول (١) القيام أحب فلا يعارضه ما ورد في الرواية الآتية من بعد عليك