← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150962

الكوكب الدري على جامع الترمذي

رشيد الكنكوهي

Полный текст (1 886 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

للسدل معنيان اشتمال الصماء كما مر وأن يرسل جانبي الثوب على كتفيه لا يعقدهما إن كان صغيرًا ولا يلقي الجانب الأيمن منه على الكتف اليسرى والجانب الأيسر منه على الكتف اليمنى وأما لو ألقى أحد الجانبين دون الآخر كره (١) أيضًا، وأما إذا ألقاهما على الكتفين ثم بقى متدليًا فلا كراهة إذن وكذلك لا كراهة فيما إذا ألقى على كتفه اليسرى جانب الثوب الأيمن ثم ألقى ما كان يتدلى منه على الكتف اليسرى أيضًا ووجه كراهة السدل بمعنييه أن اليهود تفعله وما يلزم في القسم الأول من قصور في أداء الأركان وفي القسم الثاني من التعثر بأذياله وبذلك علم كراهة ما يلقيه الناس في أعناقهم من قلادة (٢) منسوجة من الغزل إذا لم يعقدها إذا كان وضع لبسها معقودة، وأما إذا لم يكن وضع اللبس فيها إلا غير معقودة فلا كراهة إذا لم يضر بأداء الأركان وأما في غير الصلاة فليلبسها كيف شاء وأما ما قال بعضهم من كراهة السدل إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد فالظاهر أن هذا في القسم الذي بينا من قبل إلقاء جانب على كتف دون الآخر إذ لو أبقى على المعنى المشهور من السدل وهو إرسال جانبيه على جانبيه من دون أن يلقى على الكتف مرة أخرى لا يكون للكراهة معنى إذ لا تصح الصلاة حينئذ أصلاً، وأما إذا حمل على اشتمال الصماء فلا وجه لتخصيص كونه صاحب ثوب واحد بل وجه الكراهة مطرد بل اللائق إذن (٣) عدم الكراهة لمن ليس

стр. 352

له إلا ثوب. [باب ما جاء في كراهة مسح الحصى في الصلاة] . الحصى جمع، والواحد حصاة ومسح الحصى وغيرها إذا لم يمكن السجود عليها جائزًا من غير كراهة وأما إذا كان له بد منه فلا يخلو عن كراهة وذكر في بعض الروايات لفظ مرتين أيضًا وايًا ما كان فالعدد غير مقصود ولا الرخصة متوفقة عليه بل المناط في ذلك هو الضرورة ما كانت وأما قوله ﵇ فإن الرحمة تواجهه فتنبيه على علة المنع واستنبط الفقهاء منها المسائل الكثيرة فما فيه اشتغال بما هو غير الصلاة فإن كان لإصلاحها ذاتًا أو لإبقاء خشوعها وخضوعها لا يكون له فيه كراهة وإن كان غير ذلك فلا يخلو عن كراهة وأما ما اشتهر بينهم من كون الحركات الثلاثة أو الفعل بكلتا يديه مفسدًا للصلاة فليس بشيء إذ يرده ما لا يمكن إنكاره ورده من الروايات [وميعقيب هذا] من سبقه القلم أو ذكر طردًا للباب ولا يبعد أن يقال حديث معيقيب المذكور من قبل إنما هو في إجازة المسح والغرض من قوله وفي الباب عن ميعقيب أنه يروي حديث كراهة مسح الحصى أيضًا [وقول المؤلف كأنه روى عنه رخصة إلخ] كأنه رأى بذلك إجازة في أن يفعل ذلك مرة من غير ضرورة (١) ولا يتم فإن مواضع الضرورات مستثناة مع أن أصل المسألة مسلم لنا أيضًا قوله [إلا من حديث عسل إلخ] يشكل عليه أن أبا داؤد أخرجه من حديث سليمان الأحول عن عطاء وأخرجه البيهقي بطرق ثم قال وقد روى من وجه آخر عن النبي ﷺ .

стр. 353

[باب ما جاء في كراهة النفخ في الصلاة] . قوله [ترب وجهك] هذا أمر منه تبرك النفخ دلالة وضمنًا لا مطابقة وصريحًا فلذلك تراهم اختلفوا في قطع النفخ وعدم قطعه للصلاة فقال بعضهم إنما نهاه عن النفخ لكونه مفوت سنة الترتيب ولا فساد فيه ولذلك لم يأمره بإعادة الصلاة وقال الآخرون القائلون بفساد الصلاة أن عدم بيان الراوي أمره بالإعادة لا يدل على عدم الأمر وقال الإمام الهمام إن لم تخرج الحروف بنفخه لا تفسد صلاته وإن ظهرت به الحروف دخل نفخه في حد الكلام. [باب ما جاء في النهي عن الاختصار (١)] ويعلم بذلك أن هيئة الجابرة والأكاسرة (٢) مكروهة وكلما بعد من السنة فكراهته على قدر بعد السنة وقرب هيئة المتكبرين ويعلم بحديث الباب أن النهي عن التشبه لا يتحصص (٣)

стр. 354

بين حضور المشبه به وغيبوبة فإن التشبه بالشيطان لما كره وهو غائب عن أعيننا وغير مرئي فكذلك يكون في غيره أيضًا فما فيه تشبه باليهود ويكره وأن لم يكن اليهود في بلدهم هذا [ذلك كفل الشيطان] فإنه ليس له الأهم أن يحرم ابن آدم من النصيب (١) الأخروي فكلما كان حرمان ابن آدم أكثر كان حظ الشيطان أوفر فأول همه أن يكفر بالله أو يشرك به فيكون جليسه في جهنم أعاذنا الله منها ثم أن يرتكب كبيرة أولاً فصغيرة أو ترك سنة وإلا فمستحب أو ما هو مندوب وههنا لما كان في كف الشعر ترك سجوده كان المقدار الحاصل من سجود الشعر قد نقص من حظ ابن آدم فكان ذلك كفلاً للشيطان من غير ريب أو رجم غيب وقد أسلفنا شيئًا من ذلك فيما سبق أيضًا ولا يبعد أن يقترح من هذا المقام أي من رواية أبي رافع للحسن حديثًا وهو في الصلاة وإقباله على الصلاة وتركه ما كان عليه من الغضب أن ما اشتهر بينهم من فساد الصلاة بأخذ الإمام عمن خلفه ما لا ضرورة له إليه من القراءة وكذا عمن ليس خلفه شيئًا ليس بشيء يعتد به بل الصحيح أن الرجل إذا ألقى على غير إمامه أو على إمامه وقد كان قرأ مقدار ما يجوز به الصلاة فإن أخذ القارئ بمجرد فتحه من غير أن يذكر فصلاته فاسدة (٢) لا محالة وأما إذا علم بعد فتحه وتذكر من نفسه أن القرآن نعم كذلك فصلاته جائزة وهكذا

стр. 355

في غيره من التعليم والتعلم إذا وقعا في الصلاة فإن عمل به من غير أن تكون ذلك مستندًا إلى قصده القلبي واعتقاده لم تصح صلاته وإلا فقد صحت وأنت تعلم أنه قلما يسمع الحافظ الساهي ثم لا يتذكر إذا ألقى إليه غيره قوله [الصلاة مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين] هذا يفيد ركنية التشهد في النافلة والفريضة كلتيهما لكن فعل النبي ﷺ وهو ترك الإعادة من ترك التشهد الأول وجبره بسجدتي السهو أخرج الفريضة عن هذا العموم [وتقنع يديك] إن كان عطفًا على الصلاة فظاهر وإن عطف على تشهد فإن مقدرة [ترفعهما] هذا تفسير لقوله تقنع وقوله مستقبلاً إلخ من لفظ الحديث وهذا يثبت الدعاء بعد الصلاة برفع يديه كما هو المعمول وإنكار الجهلة عليه مردود قوله [فهو كذا وكذا] هذا اللفظ قد يكون من كلام الراوي إذا نسى قوله ﷺ واحتاط في بيانه وقد يكون من كلامه ﵇ إذا لم يصرح بالحديث واكتفى بالكناية والتخشع بالقلب والتضرع باللسان لمقابلة التمسكن فهو لسائر الأعضاء. [باب التشبيك] قوله [فلا يشبكن بين أصابعه] فإنه في صلاة ولا التشبيك في شيء من أركان الصلاة ولا تخصيص بالتشبيك بل يحترز عن سائر ما ينافي الصلاة من الكلام وغيره إلا ما لا بد منه من الأقوال والأفعال. [باب طول القيام في الصلاة] قوله [أي الصلاة أفضل] اعلم أن لفظة ((أي)) إذا دخل على المعرف بلام التعريف فالمراد تعيين جزء من أجزاء ما دخلت عليه وإذا دخلت على منكر فالمقصود حينئذ تعيين فرد بين أفراده فالمراد في قوله ((أي الصلاة أفضل)) أن أي أجزاء الصلاة أفضل من غيره فهذا نص على أن طول (١) القيام أحب فلا يعارضه ما ورد في الرواية الآتية من بعد عليك

стр. 356

بالسجود إذ غاية ما لزم بذلك فضيلة الصلاة نفسها على غيرها من العبادات وليس فيه تفضيل بعض أجزائها على بعض إذ ليس المراد بكثرة السجود السجود نفسها من غير أن تكون في الصلاة مع أن ما ترتب على السجود من دخول الجنة مرتب على القيام أيضًا وما ترتب على القيام من الأفضلية لم يترتب على السجود وقال ابن مسعود لا أفضل من السجود إذ فيه غاية المذلة وأنت تعلم أن اختيار الذل لتحصيل العز لا غير وفي طول القيام تلاوة القرآن الكثير وهي مكالمة به ومصاحبته (١) قوله [في باب ما جاء في كثرة الركوع والسجود فسكت عني مليًا وهذا السكوت كان ليكون الجواب أوقع في نفس السائل لحصوله بعد انتظار كثير أو يكون السبب في ذلك تعيين عمل مما يدخل الجنة يناسب السائل أو لأن الجواب لم يستحضر بعد قوله [جزء بالليل] أي مقدار من القرآن عينه للقراءة في الليل وأنت تعلم أنهم لم يحكموا في فضل أحدهما على الآخر بما فيه شقاء فالقول للإمام الهمام. [باب ما جاء في قتل الأسودين في الصلاة] . ويقاس عليهما ما فيه معناهما من غيرهما من الشغل عن الصلاة قوله [والقول الأول أصح] الظاهر هو التغاير بين هذين القولين كما فهمه الحافظ الترمذي ويمكن أن يجمع بينهما بأن المانعين عنه إنما منعوا إذا كان بعيدًا عنه بحيث

стр. 357

لا يشغله عن صلاته، وأما إذا قطع خشوعه وشغله عن صلاته فظاهر حالهم (١) أنهم لا يمنعون، والدليل على ذلك ما أوردوا في الدليل من قولهم أن في الصلاة لشغلا فالظاهر من هذا هو الذي قلنا إذ الشغل في قتل الحية إنما يضر بالصلاة إذا لم تكن تشغله وأما إذا شغلته عن صلاته فالشغل في صلاته بالغير إنما يكون إذا لم يقتله وأما إذا قتله فلا يبقى له شغل إلا صلاته والحاصل أن اشتغاله بقتل الحية إذا لم يشغله عن صلاته اشتغال بما ليس من أمر الصلاة وأما إذا شغلته عن صلاته فاشتغال بقتله هو عين الفراغ للصلاة ومعنى أن في الصلاة لشغلا أن في الصلاة

стр. 358

مشغولية بالرب سبحانه عن غيره، ثم لا يذهب عليك أن أصل إطلاق الأسود على كل ما فيه السواد من أي جنس كان ثم صار من الصفات الغالبة للحية فالمفهوم من إطلاق الأسود إذا أطلق ولم يقيد الحية السوداء ثم كثر استعماله في كل قسم منها كان فيه سواد أو لا، وفي قوله الأسودين الحية والعقرب تغليب إذ العقرب ليس السواد من صفاتها ولا الأسود من أسمائها. [باب ما جاء في سجدتي السهو قبل السلام] . فيه خمسة مذاهب (١) كما بسطه الترمذي مذهب الإمام أنه بعد السلام وإن جاز أن يسجد قبل السلام مذهب الشافعي أنه بعد السلام (٢) ولم يجوز (٣) قبل السلام لأنه رأى ما سوى ذلك منسوخًا فكيف يجوز العمل بما قد نسخ ومذهب مالك أن السجدة في الزيادة (٤) بعد السلام وفي النقصان قبله ومذهب أحمد

стр. 359

أن السجود في السهو المأثور عنه ﷺ إنما يكون على وجهه، وفي غيره كمذهب الشافعي من أنه قبل السلام ومذهب إسحاق أن المأثور على وجهه وغير المأثور عنه ﷺ يعمل فيه على قول مالك فأما ما رجح به الإمام ما اختاره من المرام فهو أن فعل النبي ﷺ في سجود السهو مختلف سجد مرة قبل السلام ومرة بعده فرجحنا أحدهما بقوله وحوزنا كلا الأمرين ولو ثبت أيضًا أن آخر فعله كان هو السجود قبل السلام فليس ذلك نصًا على نسخ ما فعل قبل ذلك ولعله فعل ذلك الآخر لبيان الجواز وظني أن حديث القول أيضًا عارضه حديث القول الثاني (١) فالترجيح حينئذ بالقياس والقياس يقتضي الفصل بالسلام لأن الجابر لشيء إنما يكون غيره كما جبرت السنن بالسنن والأذكار فوجب إتيانه بالسجود بعد فصل الجابر من المجبور بالسلام ليستدل بذلك على أنه غيره أتى به للجبر ولكن لما كان القول والفعل واردًا في كلا الأمرين لم نقدر على المنع من شيء منهما حتمًا، واستدل الشافعي على مرامه بكون رواة حديث قبلية السلام متأخري الإسلام وأنت تعلم أن دعوى النسخ من غير برهان نداء من بعيد واستدل مالك بما ورد عن النبي ﷺ من الروايات على الوجه الذي ذهب إليه وأنت تعلم أن رواية (٢) شعبة التي تقدمت في باب ما جاء في

стр. 360

الإمام ينهض في الركعتين ناسيًا من رواية الشعبي قال صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين فسبح به القوم وسبح بهم فلما قضى صلاته سلم ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس ثم حدثهم أن رسول الله ﷺ فعل بهم مثل الذي فعل ترد على مذهب (١) مالك أحسن ردد يحيره في مذهبه حيرة لا يرجى منها تخلص فإنه ﷺ سجد بعد السلام مع نقص في الصلاة لا زيادة وهذا الأخير يرد على المذهبين الباقيين أيضًا. [باب ما جاء في سجدتي السهو بعد السلام والكلام] . هذا لأمر وله إلا ما رواه العيني بإسناد حسن (٢) أنه وقع مثل هذه القصة بعينها في أيام عمر فاستأنف الصلاة بمحضر من الصحابة فلم ينكر عليه أحد مع تأكيده لهم أن ينبهوه على ما أنكروه منه فكان ذلك لعلمه بنسخ الكلام سهوًا في الصلاة أيضًا لأنه كان في تلك القصة مع النبي ﷺ حين وقعت كما صرح به الرواة في رواياتهم ثم الكلام (٣) إن كان من الأذكار (٤) لم تفسد وإن كان من قبيل كلام الناس فسدت، قوله [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم قالوا إذا صلى الرجل الظهر خمسًا فصلاته جائزة وسجد سجدتي وإن لم يجلس في الرابعة]

стр. 361

هذا تعريض بالأحناف في تفصيلهم بين ما جلس في الرابعة وبين ما لم يجلس فيها بأن فرقهم هذا مخالف للحديث فإن الرواية لم تفصل بينهما، والجواب أن واقعة الفعل لا عموم لها فإن قيامه ﷺ من الرابعة إلى الخامسة لا يخلو من أن يكون قبل القعود أو بعده فإن كان بعده لم يثبت الحكم فيما إذا قام قبله وإن كان القيام إلى الخامسة قبله لم يثبت الحكم فيما إذا قام إلى الخامسة بعده فعليكم أن تثبتوا أحد هذين (١) الشقين أو وقوع الفعل الواحد منه ﷺ بحيث يشملهما، ولنا أن نقول إن وضع السجدة لسهو إنما هو لانجبار ما يقع من النقصان في الواجبات كما هو مسلم للفريقين فلو تطرق نقص في الأركان لا ينجبر بسجدتي السهو ولذلك أمر النبي ﷺ في الرواية الآتية للساهي أن يبن على أقل المرتبتين اللتين شك فيهما لئلا يلزم نقص في الأركان إذ لو كان كذلك لم ينجبر بسجدة السهو فلما كان كذلك كان الفرق بينما إذا جلس في الرابعة وبينما إذا لم يجلس بينها لا يخفي وجهه ومعنى كون التخليط حظ (٢) الشيطان سروره بالإساءة بالمصلي وإنه يضيع فيه وقته وقد ينجر ذلك إلى مفاسد عديدة. [باب ما جاء في التشهد في سجدتي السهو] . قوله [فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم] هذا ظاهر في إثبات ما ذهب إليه الإمام من إثبات (٣) التشهد بعد سجدتي السهو ولا يخفى أن تركهم أحاديث

стр. 362

التشهد بعد اتفاقهم على أن زيادة الثقة معتبرة رفض للقاعدة المقررة ولذلك ترى الإمام قال بالتشهد بعد سجدتي السهو وحمل الروايات التي لم يذكر فيها ذلك على أن الراوي لم يذكره كما لم يذكر في حديث أبي هريرة السلام بل قال ثم سجد مثل سجوده أو أطول فليحفظ قوله [وقال أصح من الحديث إلخ] هذا تعريض بالحنفية في أخذهم حديث الأكل في الصائم دون المصلي (١) مع أن الثاني أصح من الأول والجواب (٢) مشهور، وأيضًا ففيه تعريض بالفرق بين العمد والنسيان في أكل الصائم دون (٣) أكل المصلي فهما سواء في الصلاة ثم إن هؤلاء استدلوا برواية

стр. 363

ذي اليدين الواردة في الباب على أنه لو تكلم أحد في صلاته (١) خطأ أو نسيانًا لم تفسد صلاته وأيضًا فإنهم احتجوا على مرامهم هذا (٢) بما ورد من أن ابن مسعود حين قدم من الحبشة سلم على النبي ﷺ وهو يصلي فلم يرد عليه وقد ثبت أن قدومه كان بمكة فعلم أن الكلام إنما كان نسخه بمكة، وأثبت الأحناف في جوابه أن قدومه كان بالمدينة والحق أنه قدم مرتين أتى أولاً بمكة ثم لما رأى المشركين لا يألون عن الإيذاء ولا يقصرون عن الذي كانوا عليه قبل رجع إلى الحبشة ثانيًا ثم لما قدم النبي ﷺ بالمدينة مهاجرًا وشاع الخبر قدم ابن مسعود (٣) هناك فلا

стр. 364

يتم الجواب إلا بما نقلنا من العيني من أن مثل هذه القصة قد وقعت في أيام عمر فاستأنف الصلاة ولم ينكر عليه في ذلك أحد مع أن عمر نفسه كان في قصة ذي اليدين هذه صلى مع رسول الله ﷺ فلا يتوهم خفاء القضية عليه أيضًا، إذ قد ورد في الروايات أنه كان فيهم أبو بكر وعمر (١) فهاباه أن يكلماه، وأما ما قالت الشافعية من أن أبا هريرة كان أسلم زمن خيبر وهو يروي حديث الكلام في الصلاة مع أن قوله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ كان نزوله بمكة فعلم أن المنهي عنه من الكلام هو الذي يكون من عمد وكلام الخاطئ والناس غير مفسد، فالجواب عنه أما أولاً فبأن الراوي كثيرًا ما يروي عن صحابي آخر ولا ينافيه لو وقع في إحدى الروايات نسبة الفعل إلى أبي هريرة نفسه بقوله صلينا (٢) فإن ما فعله بعض

стр. 365

قوم ينسب إليهم كلهم وهو غير قليل في المحاورات كما قال الله تعالى مخاطبًا ليهود زمانه ﷺ ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآية مع أن الاتجاه والأفعال التي ذكرت بعده لم تكن وقعت إلا من آبائهم (١) ولهم وكذلك قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ الآية، وأما ثانيًا فبأن البقرة مدنية ولذلك ترى الشافعية يذهبون في تفسير هذه الآية إلى معان أخر غير ما هو الظاهر المطابق للروايات فإن زيد بن أرقمن روى (٢) إنا كنا نتكلم خلف النبي ﷺ في الصلاة إلى أن نزلت هذه الآية ثم فرع على نزولها سكوتهم حيث قال فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام فكيف يمكن أن تكون الآية مدنية (٣) وأما ثالثًا فلأن زيد بن أرقم راوى هذه الرواية التي ذكرناها لما كان من الأنصار وهو نفسه قائل بأنا كنا نتكلم خلفه فكيف يمكن تأويله وحمله على أن ذلك كان في مكة وكان النسخ هناك، فإن قيل إسناد الكلام إليهم كإسناد الصلاة إلى أبي هريرة فإن زيد بن أرقم لعله روى هذا الكلام عن غيره وإنما نسبه إلى كنيسة أبي هريرة الصلاة إلى نفسه قلنا هذا مع منافاته لكون الآية مدنية يرد أن الناس ما كانوا (٤) بمكة كانوا يصلون لأنفسهم فرادى لا خلفه ﷺ ، ويقوى ذلك ما ورد في أبي داؤد من أنهم حين جاء بهم معاذ وهم في الصلاة أخذوا في الإشارة إليه وقال فيه أيضًا إن المسبوق كان يخبر في أثناء

стр. 366

الصلاة بما سبقه من الركعات مع أن معاذًا لم يكن بمكة حرسها الله تعالى. [باب ما جاء في الصلاة في النعال] . قوله [قلت لأنس بن مالك أكان رسول الله ﷺ يصلي في نعليه قال نعم] كان السائل رأى أنس بن مالك يصلي في نعليه فاستبعد ذلك لعدم العرف مع قوله تعالى ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ الآية فإن ظاهرة الآية يقتضي أن لا يدخل المسجد بنعليه فأجاب عن ذلك أنس بن مالك بقوله نعم أي ﷺ ، والقصة مشهورة أن النبي ﷺ كان يصلي بأصحابه يومًا فألقى نعليه فألقوا نعالهم فلما قضى سألهم في إلقائهم نعالهم فقالوا رأيناك فعلت هذا إلى آخر ما قال وهذا يفيد فائديتن: الأولى أن الصلاة في النعال لم تكن من خصائص النبي ﷺ بل الجماعة خلفه كانت متنعلة والثانية أن إلقاء النعل إنما كان لأجل النجاسة عند الشافعي (١) والقذرة التي تتنفر عنها الطبيعة عندنا فلا ضير (٢) في الصلاة في النعال إذا كانت طاهرة لأنها كالملبوسات الأخر

стр. 367

إلا أن العرف في زماننا لما كان عدم الدخول في المساجد وهو لابس نعليه ليس له ذلك ومع هذا فلو دخل ونعلاه طاهرتان لا يستحق بذلك عنفًا وشدة وأما (١) أمره تعالى بإلقاء النعال لموسى فلأن نعليه كانتا من جلد الحمار الغير المدبوغ ولعلهما كانتا لم تطهرا بحسب شريعة موسى ويعلم بإلقاء النبي ﷺ نعليه في المسجد دون أن يرمي بهما خارج المسجد جواز (٢) وضع الثوب النجس وغيره إذا لم يخف تلوث المسجد وكذلك لا بأس بدخوله في المسجد وهو لم يستنج بالماء إذا لم يخف تنجس المسجد بعرقه وكذلك إذا دخل وفي يده الحجر الذي يستنجي به بعد البول وقد انجذبت فيه قطرة أو قطرتان وهذا أيضًا إذا لم يكن ينتشر التراب منه وهذا كله وإن كان جائزًا لكنه خلاف الأولى.

стр. 368

[باب القنوت (١) في صلاة الفجر]. ذهب إليه الشافعي وقال بنسخه في صلاة المغرب وهم يقنتون في الفجر بعد الركوع في جميع السنة رافعي أيديهم لكن الإمام يقرأ والمقتدون يؤمنون عليه حتى إذا وصل إلى قوله فإنك تقضي ولا يقضى عليك، خافت الإمام وأخذ المقتدون بأنفسهم في القراءة وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن قنوت الوتر يؤتى به في جميع السنة، وأما قنوت الفجر وكذلك المغرب فإنما كان النبي ﷺ يقنت إذا نزلت نازلة وهذا باق لم ينسخ وهذا هو المذهب، مع أن أحدًا من الحنفية لو اقتدى بشافعي في الفجر لم يطابع بالقنوت بل يسكت قائمًا لا جالسًا كما قال البعض للزوم المخالفة فيما لا يحتاج، فلهم عندنا إذا نزلت على المسلمين نازلة أن يقتنوا في جميع الصلوات (٢) بعد (٣) الركوع حتى تكشف مما أنكر فيه (٤) من الروايات

стр. 369

القنوت في الفجر، إنما كان المنكر هو دوام القنوت في الفجر وبذلك تتفق الروايات كلها ولا يحتاج إلى القول بالنسخ في قنوت شيء من الصلوات وما أجابه بعض علماءنا من أن قنوت الفجر منسوخ (١) فغير معتد به لأن النبي ﷺ إنما أمر بترك الدعاء عليهم لأنه كان على خلاف قانون رحمته ولما كان المقدر في أكثرهم هو الإسلام في وقتهم فنهاه الله تعالى عن ذلك لا لترك القنوت في الفجر كيف ولو كان الأمر كذلك لم يجز القنوت عندنا في النازلة أيضًا، مع أن مذهبه على خلاف ذلك، وقولهم إنه ﵇ كان يقنت في الفجر لا يخالف ما قلنا لأنا نقر أنه كان يقنت، وأما قولهم في الرواية الثانية في قنوت الفجر أنه محدث يخالف مذهب الشافعي بحيث لا مرد له والمراد بذلك الدوام عليه لأنه لم يكن حينئذ نازلة حتى يخرجه عن الحدث بسببها ورأى بعضهم يقنت في الفجر فقال أي بني محدث وقوله فللإمام أن يدعو لجيوش المسلمين والذي خلفه يؤمن عليه، وتخصيص الجيوش لأن نصرهم نصرهم، وهزمهم هزمهم، أو اتفاقي ولا يبعد أن يؤخذ الجيش بمعنى الجماعة لا المصطلح (٢). قوله [باب ما جاء في الرجل يعطس في الصلاة] . مذهب الإمام ترك ذلك في الفريضة للإمام لأنه مأمور بالتخفيف ومع ذلك لو فعل ليس في صلاته فساد (٣) [حدثنا رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن

стр. 370

رافع عن عم أبيه معاذ بن رفاعة] لأن أبا رفاعة هو يحيى بن عبد الله وعم يحيى بن عبد الله هو معاذ فمعاذ وعبد الله هما ابنا رفاعة بن رافع الصحابي فرفاعة الصحابي يحدث ابنه معاذًا ومعاذ يحدث ابن أبي أخيه عبد الله وهو رفاعة بن يحيى بن عبد الله قوله [قال كيف قلت] كان هذا (١) من عادته ﷺ لئلا يظن رجل لم يحضر أول القضية أو نسى ما كان قبل أو غيره جواب شيء جواب شيء آخر، ومثل ذلك كثير، وفيه تقرير وتثبيت ما ليس في تركه ففي الحديث المذكور ههنا إنما كرر قوله مع أنه ﵊ كان سمعها منه لئلا يظن ذلك الفضل الذي ذكره ههنا لغير ما هو له ثم ذكر هذه الفضيلة مع ملاحظة قول النبي ﷺ «مالي أنازع القرآن يجوز قراءة ذلك الكلام وإخفاءها ومع ذلك لو جهر به لا تفسد صلاته فتدبر» وقوله [وكان هذا الحديث عند بعض أهل العلم أنه في التطوع] ليس حملاً للحديث على ذلك إذ كيف (٢) يتصور منه ﷺ جماعة النافلة بل ذلك بيان للعمل جمعًا لما في غير هذه الروايات. قوله [باب في نسخ الكلام في الصلاة] . قوله [عن زيد بن أرقم] هذا ظاهر في أن نسخ الكلام كان بالمدينة فإن زيد بن أرقم من الأنصار وقد بينا ذلك من قبل. [باب ما جاء في الصلاة عند التوبة] . هذا دفع (٣) لما يتوهم من بدعية ذلك، وقوله [استحلفته] تحصيلاً

стр. 371

للاطمئنان لا شكًا وارتيابًا في رواية الصحابي، وأما أبو بكر فقد صدق أبو بكر فلم يكن إلى استحلافه من سبيل لأنه صديق فاطمأن قلبي من غير أن يحلف [ثم قرأ هذه الآية] ليجعل المذكور من قبل من أفراد هذه الآية فإن الذكر على أي هيئة كان ذكر وفائدة الصلاة والطهور والذكر رفع الدرجات إن انمحت السيئة ببعضها وإلا فذاك ويبقى الاستغفار ربحًا فيها فإن الندامة كافية في المحور الباقي بعدها فاضل في الترقي. [باب متى يؤمر الصبي بالصلاة] قوله [واضربوا عليها ابن عشرة] للاعتياد (١) والتعزيز لا لكونه تكليفًا فكونه مكلفًا على الاحتلام أو كونه ابن (٢) ستة عشر. قوله [باب ما جاء في الرجل يحدث بعد التشهد] ذهب الإمام في ذلك على مقتضى الحديث المذكور فيه، ولا يذهب عليك أن الفرض إنما هو نفس الخروج (٣) لا الخروج بصنعه كما هو منسوب إلى الإمام وهذه الرواية عند ضعيفة والصحيح خلافه وهو الثابت بأكثر الروايات، وقوله [هذا حديث ليس إسناده بالقوى]

стр. 372

بينه فيما بعد قوله وعبد الرحمن بن زياد هو الأفريقي ضعفه بعض أهل الحديث منهم يحيى بن سعيد القطان قد وثقه البعض الآخرون منهم يحيى بن معين (١) وقوله وقد اضطربوا في إسناده لم يبينه وليس الذي ظنوه (٢) اضطرابًا اضطرابًا إذ الرواية محتملة عن كليهما وإذا كان كذلك فالرواية تتقوى بكونها مروية من سندين. [باب ما جاء إذا كان المطر فالصلاة في الرحال] كان قد أمر أن ينادى بالصلاة في الرحال فقيل (٣) مقام قوله حي على الصلاة (٤) حي على الفلاح، وقيل بل بعده فإن كان الأول فالأمر أمر إباحة، وإن كان الثاني فالجمع بينهما لئلا يمتنع من أراد الإتيان عملاً بالعزيمة دون الرخصة وفيه (٥) خير كثير فإن التخلف رخصة وهذا هو الحكم (٦) بعده ﵊.

стр. 373

[باب التسبيح في إدبار الصلاة] . قوله [فإنكم تدركون من سبقكم] إذ أفضل أعمال الرجل قراءة القرآن في الصلاة، ثم قراءته خارجها بطهارة، ثم قراءة القرآن على غير طهارة، ثم باقي الأذكار، ثم الصدقة، ثم الصوم فكانوا يتصدقون والذي علمه المهاجرين من قسم الأذكار، فكان إدراكهم من سبقهم ظاهرًا لا يخفى، وذلك لما أنه ليس أحد أحب إليه المدح من الله سبحانه، فلما كان المدح أحب إليه كان أفضل من سائر ما سواه، ثم إن للمال تعلقًا لا يخفى فكان إيتاؤه جهدًا على النفس غير يسير وأما الصوم ففيه فضيلة جزئية كونه خالصًا له تعالى لا شائبة فيه للرياء فناسب في جزائه أن يكون كذلك من غير وسط وما ورد من وعده تعالى الصوم لي وأنا أجزي به معروفًا ومجهولاً جزاء للشيء بما يناسبه في الإخفاء، ولما كان جل عملهم هو الصدقة وهي أقل من الذكر كان سبق من تعلق به على من لم يتعلق به ظاهرًا لا يخفي والمخاطبون في قوله تدركون هم الذاكرون بجملتهم لا الصحابة خاصة وكان الإمام أبو حنيفة يفضل الحج على الصدقة بعد حجه وهذا لا ينافي الترتيب الذي أسلفنا إذ في الحج صرف كثير مع تأيده بشق النفس وجهده. [باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر] اتفقوا على أن الرجل إذا لم يجد (١) موضعًا للصلاة لخوف عدو أو انقطاع عن الرفقة أو نجاسة المكان أو الطين أو غير ذلك من الأسباب يصلي على راحلته أو دابته يؤمي إيماء فمن هذا القبيل ما قال صاحب (٢) البحر حججت بأمي وكانت لا تستمسك على الراحلة

стр. 374

فلو تركتها ونزلت للصلاة لكانت سقطت فكنت أصلي أيضًا على الراحلة أومي إيماء وفي الحديث دلالة (١) على أن النبي ﷺ أذن بنفسه النفيسة لكن يشكل على الأحناف أمر جماعته ﷺ مع أنهم يعدون الرواحل أمكنة (٢) متعددة إلا أن يقال فتقدم على راحلته أي وخلفه ثلاثة على راحلته لا على راحلتهم وينتظم بالاثنين

стр. 375

أيضًا أمر الجماعة أو يقال ليس المراد أنه صلى بهم جماعة بل المعنى صلى لنفسه وصلوا لأنفسهم فرادى والباء للمصاحبة ولا تقتضي الشركة، وإن كان غالب استعمال صلى بهم في صلاة الإمام بالقوم. قوله [باب ما جاء في الاجتهاد في الصلاة] فقد علم من حديث الباب أن العبد ليس يبلغ بطاعته وقربه درجة يستغني معها عن الاجتهاد في الطاعات ولا يفتقر إلى زيادة المثوبات، وأما جواب النبي ﷺ عما قالوا له شفقة عليه ورحمة به، فإنما حاصله أنهم كانوا فهموا أن الجهد في الطاعة يكون رغبة في الثواب أو رهبة عن العقاب، ولما غفر الله ذنبه وأولاه رسالة كافة كان لا له رغبة في نيل الثواب لأنه حاصل، ولا له رهبة عن نيل العقاب لأنه مغفور له، فكان الواجب عليه أن يؤدي فرائضه والواجبات عليه مقتصرًا عليها فلو أجاب عنه بأن اجتهادي ذلك إنما هو لتحصيل درجات عالية لربما توهم بذلك بعض من بعدهم أن الاقتصار على الواجب والفرض كاف في النجاة عن النار والدخول في الجنة، أما الإتيان بالسنن والنوافل، فإنما هو لرفع الدرجات (١) أجاب بأن اجتهادي في طاعته سبحانه ليس إلا رغبة في مزيد كرمه ورهبة عن مكروه كفر نعمه، كما أشار إلى سبحانه ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ إذ الأمر للوجوب، وإنما اختار النبي ﷺ في الجواب هذا لما في طبائع الناس من الاقتصار على الضروريات (٢)

стр. 376

في الأشغال الدينية والانهماك والمبالغة في الأمور الدنيوية فخشى منهم أن يقتصروا بتوهمهم الناشئ من الجواب الذي ذكرنا على إتيان الفرائض والواجبات ويتركوا النوافل والسنن الراتبات قانعين بدخول الجنة والنجاة من النار عن الجهد في تحصيل درجات مالها من قرار، [قوله ﷺ ] أي النافلة بل في آخر الليل لأنه كان يحب التخفيف في الفرائض رعاية لمن خلفه، وقوله [حتى انتفخت] وفي بعض الروايات تشققت ولا منافاة فإن التشقق نوع (١) من الانتفاخ، غايته أنه الفرد الكامل منه [عبدًا شكورًا] مبالغة الشاكر، وفيه من اللطافة ما لا يخفى إذ الشكر على مقدار النعم ولما كانت النعم عليه كثيرة كان المناسب لشكره الكثرة. قوله [باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة] . أي أول حساب العبادات يكون في الصلاة وهذا الباب مثل الدليل للباب الأول فإنه لما كانت الصلاة أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة كان اجتهاده ﷺ في الصلاة لا يخفي وجهه وقوله إن الصلاة أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة يعني في حقوقه تعالى والدماء أول ما يحاسب به في حقوق العباد (٢) قوله [فإن صلحت فقد أفلح وأنجح] أي في حسابه ذلك وكذلك ما بعده من الخيبة والخسران قوله [شيئًا] نصب على التمييز (٣) والرواية ههنا من فريضة بالتنكير، قوله

стр. 377

[فيكمل] والإكمال قد يكون (١) كيفًا وقد يكون كمًا، وقد ورد في بعض الروايات أن ركعة من الفريضة تحاسب بسبعين من النافلة ولا يظن بذلك فضل لكثرة السجود على طول القيام لأن ركعة طويلة لا تعد ركعة، فإن من الركعات ركعة تساوي وحدها أربعين أو خمسين أو أزيد من ذلك. [باب من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة] ثم الصلوات التي هي أربع ركعات من النافلة والسنة عندنا بتسليمة وعند الشافعي بتسليمتين لما ورد في أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى وسيجيئ التنبيه على وجه مذهب الإمام في موضعه إن شاء الله تعالى، قوله [صلاة الغداة] نصب على الظرفية أو بنزع الخافض أي الركعتان اللتان قبل الفجر هما في صلاة الغداة ولا يبعد أن يكون بدلاً من الفجر لكنه يلزم أن يكون مجرورًا ولعل الرواية بخلافه، وإنما قال ذلك لئلا يظن بظاهر قبل الفجر أن المراد صلاة التهجد، قوله [ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها] لا يلزم بذلك فضلهما على غيرهما من الصلوات إذ كل تسبيحة وتكبيرة وتحليلة خير من الدنيا وما فيها، فكيف بركعة أو ركعتين، وإنما المراد بذلك إثبات الفضل لها اعتبارًا لأنفسها لا إضافة إلى غيرها من السنن، وأما كونها مؤكدة بالنسبة إلى السنن الأخر فإنما هو بالروايات الأخر مثل قوله ﵇ لو طردتكم الخيل إلى غير ذلك، قوله [وقد روى أحمد بن حنبل عن صالح بن عبد الله حديثًا] أراد بذلك توثيق صالح إذ روى عنه أحمد بن حنبل.

стр. 378

[باب في تخفيف ركعتي الفجر (١)] لئلا يؤدي إلى فتور في أداء الفرائض إذ المسنون فيها تطويلها، قوله [ولا نعرفه من حديث الثوري] يعني إن الرواة كافة يرونها عن إسرائيل عن أبي إسحاق، وإنما رواه أبو أحمد الزبيري عن الثوري في رواية، وفي رواية أخرى لأبي أحمد الزبيري رواها مثل روايتهم ولا ضير فيه إذ أبو أحمد الزبيري ثقة حافظ، قال الترمذي: وسمعت بندارًا إلخ، فكان (٢) أبا أحمد رواها عنهما ولم ينسبه إلى غلط أو سهو. [باب ما جاء في الكلام بعد ركعتي الفجر] . لما كان شرعية سنن الفجر لدفع ما يتوارد على القلب من غفلات النوم وكان الكلام في هذا الوقت يكثر الغفلات لم يكن له أن يتكلم إلا بما لا بد منه، وأما ما توهمه من ليس له دخل في العلوم أنه يجب إعادة السنن إذا تكلم بعدها (٣) فغلط فاحش، قوله [لا صلاة بعد الفجر] لما كان المنع عن الكلام في ذلك الوقت يوهم جواز الاشتغال بالنوافل لكونها أولى أنواع الذكر، والذكر مأمور به صرح بمنعه، وقوله [إلا سجدتين] كانت فيه أربع احتمالات: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتين بحمل السجدة على معناها الحقيقي وهو وضع الجبهة، وليس (٤) هو المراد، ولا صلاة بعد صلاة الفجر إلا سجدتين بالمعنى المذكور

стр. 379

وهو أيضًا غير مراد، ولا صلاة بعد صلاة الفجر إلا ركعتين وهو أيضًا غير مراد إذ لا صلاة بعد صلاة الفجر فأنى يصح استثناء الركعتين، ولا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين فلذلك ترى الترمذي فسر الحديث بقوله ومعنى هذا الحديث إنما يقول لا صلاة بعد إلخ. [باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر] وقد ثبت قبلها أيضًا، وهذا الاضطجاع (١) ليس بمؤكد كما ظنه بعضهم منهم الشافعية، ولا بدعة كما ظنه الآخرون منهم ابن عمر وإنما هو أمر مندوب لا سيما للتهجد ولم يثابر عليه النبي ﷺ والحكمة في اختيار الشق الأيمن أنه يبقي القلب (٢) حينئذ معلقًا فلا يغلب عليه الغفلة كما في ضده، وقد ثبت أنه ﷺ لم يكن يضع رأسه على الأرض بل على مرفقه واضعها على الأرض. [باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكنوبة] . هذا صريح في إثبات ما ذهب (٣) إليه غيرنا إلا أنه قد روى البيهقي

стр. 380

استثناء (١) من هذا الاستثناء كما نقله العيني في شرح البخاري فعملنا به، وأيضًا قد ثبت أن (٢) ابن عمر وابن عباس وابن مسعود كانوا يصلونها بعد الإقامة وراء حاجز من الجماعة كالسارية، ومع ذلك فلا يرتاب في أن المراد بقوله لا صلاة إلا المكتوبة ليس النفي عن المحلة أو المصر أو العالم فلا بد لكم من التقييد فلا يضرنا لو قيدنا بذلك المكان، وأما من عليه الفريضة وهو صاحب ترتيب وجب عليه تقديم فريضة السابقة ولا يخالف الرواية لأنها مكتوبة أيضًا، غير أن ظاهر اللام هو العهد إلا أن يقال أداؤه تلك التي أقيم لها، تبطلها أصلاً لوجوب الترتيب فوجب حمل اللام على الجنس، والشافعي (٣) لما لم يقل بوجوب الترتيب أوجب الدخول فيها

стр. 381

[باب فيمن تفوته الركعتان قبل الفجر إلخ]. قوله [يصليهما بعد صلاة الصبح] هذا معارض بحديث النهي (١)، وأما قوله فلا إذن فمحتمل لمعينين إذ لتبديل اللهجة أثر، كما تعلم مع أنها شخصيته ولا يبعد أن يقال أن النبي ﷺ حين رآه يصلي لم يحمل صلاته إلا على الفريضة، لأنه قد كان نهاهم عن النافلة في هذا الوقت ثم لما تبين أنه يصلي النافلة، فأما رخصه كما هو بحسب معنى (٢)، وأما نهاه كما هو على معنى، لكن النهي موافق للروايات الواردة في النهي والرخصة لو ثبتت كانت مقتصرة على المورد، وأما ما ورد من أنه سكت عند ذلك، فممكن حمله على الحديث (٣) الوارد ههنا ومداره على تقدير اسم لا ما هو ولا يبعد أن يكون معناه لا صلاة إذن أو لا تصل إذن، وإن كان يمكن أن يقال فيه فلا بأس إذن، ولما لم تكن الرواية نصًا في أحد المرامين وجب الرجوع في كشف معناها إلى غيرها فرأينا روايات تمنع النافلة في تلك الأوقات فرأينا العمل بموجبها وهي صريحة في معانيها أولى. قوله [سمع عطاء بن أبي رباح من سعد] أراد بذلك توثيق سعد، وأما

стр. 382

ما جاء من إعادتها بعد طلوع الشمس قبل الزوال، فهو رواية عن محمد، ولم ينه الشيخان عنه، بل الرواية (١) عنهما في ذلك أنه لا قضاء عليه ولا يجب عليه أن يقضي، وأما أنه لو صلى بعد طلوع الشمس، فليس في ذلك رواية عنهما، قوله [والمعروف من حديث قتادة إلخ] أراد بذلك أن عاصمًا (٢) وهم فيه فغير الحديث، وأنت تعلم ما فيهما من البون، فلا يجوز أن عاصمًا روى بحسب المعنى فتغير مع أن اشتهار رواية عن همام عن قتادة ليس ينفي لسائر ما يروى عنه ثقة فوجب القول بقبولهما. قوله [كنا نرى فضل حديث عاصم بن ضمرة] اعلم أن الحارث الأعور وعاصم بمن ضمرة آخذان (٣) عن علي، وقد تكلموا في الحارث والحارث هذا

стр. 383

هو الحارث الأعور وعاصم أقوى منه ونسبوا الحارث إلى الرفض، وقد مر الكلام في الحارث فيما تقدم وحديث عاصم، وإن لم يبلغ الصحة، لكنه بالغ درجة الحسن لا محالة. قوله [ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها] والأوليان تحية المسجد، فإن سنن الظهر الأربع كان يصلي النبي ﷺ تلك في بيته، كما روته عائشة وحفصة وأم حبيبة، وأما ابن عمر (١) فإنما روى أنه صلاهما، وإنها هل من السنة المؤكدة فلا مع أن ابن عمر فلعله لم يعلم بحالهما (٢). قوله [إذا لم يصل أربعًا قبل الظهر صلاهن بعدها] فمن حملها (٣) على

стр. 384

البعدية المتصلة لم يجوز الفصل بينهما بالشفعة ومن حمل على المطلقة رأى أن لا تؤخر الأخريان عن وقتهما ورجح في الفتح أن يصلي بعد الشفعة. قوله [يفصل بينهن بالتسليم إلخ] يعني التشهد وهذا أولى من (١) حمله على تسليم التحليل إذ المخاطب في تسليم التحليل إنما هم المشهود من الملائكة دون سائرهم مع أنه مصرح بكون التسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين، وهذا ظاهر في قوله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فحمله على التشهد هو الأولى بل الصحيح. قوله [حديث ابن مسعود حديث غريب من حديث ابن مسعود] قالوا (٢) هذا تكرار والصحيح تركه، ويمكن توجيهه بأن حديث ابن مسعود هذا المذكور من قبل غريب من حديث ابن مسعود، وأما من الأصحاب الأخر ﵃ فغير غريب. [باب ما جاء أنه يصليهما في البيت] لا يخفى أن الحديث الوارد في الباب لا يثبت ما في الترجمة إذ الثابت بالحديث جواز صلاتهما في البيت والمقصود إثبات استحباب (٣) ذلك، وقد وردت في ذلك روايات هي مثبتة ما في الترجمة كقوله: صلوا على صيغة الأمر وأدناه الاستحباب، وأما ما حمله بعضهم على الوجوب، فلم يجوز التنفل في المسجد فغير ظاهر، وإن كانت الإخفاء أولى، ويمكن إثبات ما في الترجمة بالحديث المذكور بحمل فعل النبي ﵇ على ما هو

стр. 385

المسنون. قوله [وحدثتني حفصة] وإنما زاد ذلك (١) لأنه لم يكن يحضر وقتئذ حتى يرى النبي ﷺ في حالة صلاته لهذين، وزاد قوله قال لئلا يظن أن حفصة حدثت نافعًا، كما حدثه أول الحديث ابن عمر، لكن يبقى ههنا شيء، وهو أنه ماذا أراد الترمذي بإيراد هذا الحديث في هذا الباب، وكذا الذي بعد وهو حديث الحسن بن علي قال أنا عبد الرزاق، إلخ، إذ الباب معقود لبيان أن يصليها (٢) في البيت وأين هذان من ذاك غير أنه أثبت بهما أنه ﷺ كان يصلي بعض صلاته النافلة في البيت. قوله [باب ما جاء في فضل التطوع إلخ] الأحاديث الواردة في فضل التطوع بعد صلاة المغرب ضعاف إلا أن الرواية الضعيفة معتبرة في فضائل الأعمال، ولا يذهب عليك أن المراد بقولهم هذا ليس اعتبار الرواية الضعيفة في كل ما ورد من الفضائل مطابقًا للأصول أو مخالفًا مثبتًا فضل العمل الجائز أو الغير الجائز حتى يرد عليه أن ذلك يخالف ما مهدوا من قاعدتهم أن الحديث الضعيف لا يثبت به حكم بل (٣)

стр. 386

المراد أنه إذا كان الأمر جائزًا في نفسه من حيث الشرع كالنفل بعد المغرب في مسألتنا ثم وردت في إثبات فضله رواية قبلت على ضعفها فأنا لم نثبت الحكم بهذه الرواية بل فضل الصلاة مطقًا ثابت بالروايات الصحيحة، ولما رجا من الله نيل مرتبة واجتهد في تحصيله بظنه نرجو أن يناله بفضله، وفي الباب أحاديث لا يبعد بلوغها درجة الحسن لتعدد طرقها والله أعلم قوله [كان يصلي قبل الظهر ركعتين] وجوابه ما مر من إن أكثر الروايات على أنها أربع وزيادة الثقة معتبرة قوله [صلاة الليل مثنى مثنى] وفي بعض الروايات [صلاة الليل (١) والنهار مثنى مثنى] لعل معناه مثل ما مر من أن بعد كل اثنتين تشهدًا (٢)، وليس هذا نصًا في إثبات التسليم بعد كل ركعتين وإذ قد ثبت أنه صلى في النهار أربعًا يحمل أن صلاة النهار مثنى أيضًا كما أنها رباع، وأما قوله [فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة] صريح فيما ذهب إليه الشافعي، قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: أوتر كل ما صليت قبل من الركعات بواحدة وهذا لأنه لما كان صلى قبل ستًا ثم جعلها وترًا بزيادة الثلاثة صارت الكل وترًا وأنت تعلم أن ذلك لا يخلو عن تكلف (٣) إذ الظاهر من قوله ﷺ وأوتر بواحدة هو انفرادها لا اجتماعها باثنين معها إذ على هذا (٤) يلزم

стр. 387

أن يتأذى الوتر من غير نية الوتر فإنه إذا صلى ركعتين نافلتين فلا أقل أن يكون بنية مطلق الصلاة أو بنية النفل وأيًا ما كان فلا يجزى بتلك النية الوتر الواجب إذ النية فيه واجبة من أول التحريمة، فالركعة التي صلاها بعد خشية الفجر وإن كانت بنية منه للواجب إلا أن الأجزاء بهذه الثلاث من الوتر لا يصح على أصول الحنفية، فالحق في الجواب أن الإيتار بواحدة كان في الأول ثم نسخ بقوله ﷺ لا بتيراء أو نحوه ما قال إذ لو حمل على ما حملوا لزم توجيه القول بما لا يرضى به قائله (١) إذ الراوي لذلك الحديث وهو ابن عمر كان يوتر بواحدة فكيف يحمل روايته على ما هو خلاف ما اختاره، وأما الروايات الأخر كرواية عائشة وغيرها مع كونها نصًا في الإيتار بثلاث من غير ارتكاب تكلف تأيدت بعمل روايتها بالإيتار بثلاث. قوله [واجعل آخر صلاتك وترًا] ذهب (٢) بهذا الحديث بعض من تقيد بالعمل على ظاهر الحديث إلى النهي عن الصلاة بعد الوتر ويرده الروايات

стр. 388

الصريحة الواردة في ذلك وعمل الصحابة، ومعنى الأمر إما على الاستحباب أو المراد به وهو الحق أنه قال: اجعل آخر صلاتك المفروضة عليك وترك فيثبت بذلك الترتيب بين الفرائض والوتر ووجوب الوتر، وإن امرؤ صلى الوتر قبل العشاء فإنه يعيده لتركه وجوب التأخير الثابت بقوله اجعل آخر صلاتك، وأيضًا فقد علم بهذا الحديث على هذا المعنى كون الوتر فرضًا عمليًا لإدخاله في إعداد الفرائض. قوله [أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم] هذا مخالف لما قد ثبت أن صوم عرفة أجره أجر صوم سنتين، وصوم المحرم أجره أجر سنة، فأجاب بعضهم بأن البعدية ليست بمتصلة فلا ينافي كون شيء آخر في الترتيب بين رمضان ومحرم، وهذا ليس بشيء بل الجواب (١) أن النبي ﷺ أمر بصوم عرفة بعدما قال الحديث المذكور فلا حرج فيه حينئذ. قوله [إنه سأل عائشة كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان] هذا السائل كان يظن أنه ﷺ لعله يجتهد بكثرة الركعات فيه، وكان له حال صلاته في غير رمضان معلومًا، ولذلك خصص رمضان في سؤاله، فكأنه حمل ما سمع من اجتهاده ﷺ وتشميره عن ساق الجد في ليالي رمضان، كما ورد في أكثر الروايات على أنه يكثر من الركعات في رمضان ما لا يكثر في غيره، ولذلك ترى عائشة أجابت بنفي زيادة الركعات دون ما هو مصرح في سؤاله عن لفظ كيف، وسكت السائل عليه واقتنع به ولم يرد عليه أنه سائل عن كيفيتها ولا يبعد أن يقال إنها أجابت صريح سؤاله بقولها فلا تسأل عن حسنها وطولها، وإنما زادت أول كلامها دفعًا لما رأت من رغبتهم في كثرة الركوع والسجود وما ينبغي أن يعلم أن نفيها

стр. 389

هذا إنما هو نفي لما هو أكثر أحواله ﷺ وإلا فقد ثبت عنه الزيادة على هذا (١) العدد وما رام به البعض من التطبيق بين هذه الروايات يجمع الركعتين بعد العشاء معها وعدمه فيرده أن المتبادر من صلاة الليل لا سيما صلاته ﷺ التي كانت بعد نومه وبعد صلاة العشاء بكثير هي صلاة التهجد فكيف يجمع معها. قوله [ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن] هذا ما استدلت به الأحناف على كون صلاة الليل أربعًا بنية، فإنها قالت كان يصلي أربعًا، فلما ذكرت أربعًا بلفظ واحد، وذكرت أربعًا أخرى بعدها بلفظ، ثم علم أن هذه الأربعة منفصلة عن الأربع الأول ولا فصل إلا بسلام بخلاف الأربع نفسها، فإنها لا فصل فيما بينها بتسليم حتى يكون الصلاة مثنى مثنى، وكذلك قولها ثم يصلي ثلاثًا فإنه يقتضي أن لا فصل فيما بينها حتى يلزم الوتر بواحدة مع أن عائشة ﵂ كانت توتر بثلاث وأنت تعلم أن استدلالهم هذا غير تام، فإن الفصل بعد الأربع هو الفصل بعد الثمان قبل الوتر وهو فصل نوم وتحديث مع أهله واضطجاع لا فصل تسليمة وإلا فكيف يصح قولها أتنام قبل أن توتر فلا ينافي الفصل بين كل ركعتين بتسليمة فأفهم. وأما قولها [أتنام قبل أن توتر] فإنها لما رأت النبي ﷺ يصلي أربعًا ثم

стр. 390

ينام ثم يصلي أربعًا استبعدت صلاته بعد النوم، لكنها سكتت لما في النوافل من السهولة، ثم لما رأته أوتر ولم يحدث وضوءًا كبر ذلك عليها، فسألت، فقال النبي ﷺ : ما حاصله أنه كان في أمن وأمان من الحديث (١) في حالة النوم فلا يضره النوم، وأما في غيره ﷺ فحكم بانتقاض الوضوء بالنوم إقامة للسبب مقام المسبب تيسيرًا (٢) واحتياطًا في أمر العبادات، قوله [فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن يعلم بذلك أن الاضطجاع قبل سنة الفجر أيضًا (٣) وعلم بذلك أن النبي ﷺ لم يداوم أحد هذين بل كان يفعل مرة كذا ومرة كذا إذ المقصود الاستراحة لئلا يقع فتور في أداء الفريضة وهو حاصل بالاضطجاع قبل السنة وبعدها. قوله [باب منه حدثنا أبو كريب] فصل لهذا الحديث بابًا لما فيه من إثبات الزيادة (٤) التي ليست فيما تقدم. قوله [حديث عائشة حديث غريب من هذا الوجه] لعل الغرابة أتت في إبراهيم أو للأسود أو الأعمش، وأما ما بعد الأعمش فمتبوع (٥) عليه فإنى الغرابة، والوجه في فصل هذا الباب أن المثبت في هذا الحديث
следующие страницы →