المراد أنه إذا كان الأمر جائزًا في نفسه من حيث الشرع كالنفل بعد المغرب في مسألتنا ثم وردت في إثبات فضله رواية قبلت على ضعفها فأنا لم نثبت الحكم بهذه الرواية بل فضل الصلاة مطقًا ثابت بالروايات الصحيحة، ولما رجا من الله نيل مرتبة واجتهد في تحصيله بظنه نرجو أن يناله بفضله، وفي الباب أحاديث لا يبعد بلوغها درجة الحسن لتعدد طرقها والله أعلم قوله [كان يصلي قبل الظهر ركعتين] وجوابه ما مر من إن أكثر الروايات على أنها أربع وزيادة الثقة معتبرة قوله [صلاة الليل مثنى مثنى] وفي بعض الروايات [صلاة الليل (١) والنهار مثنى مثنى] لعل معناه مثل ما مر من أن بعد كل اثنتين تشهدًا (٢)، وليس هذا نصًا في إثبات التسليم بعد كل ركعتين وإذ قد ثبت أنه صلى في النهار أربعًا يحمل أن صلاة النهار مثنى أيضًا كما أنها رباع، وأما قوله [فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة] صريح فيما ذهب إليه الشافعي، قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: أوتر كل ما صليت قبل من الركعات بواحدة وهذا لأنه لما كان صلى قبل ستًا ثم جعلها وترًا بزيادة الثلاثة صارت الكل وترًا وأنت تعلم أن ذلك لا يخلو عن تكلف (٣) إذ الظاهر من قوله ﷺ وأوتر بواحدة هو انفرادها لا اجتماعها باثنين معها إذ على هذا (٤) يلزم
стр. 387
أن يتأذى الوتر من غير نية الوتر فإنه إذا صلى ركعتين نافلتين فلا أقل أن يكون بنية مطلق الصلاة أو بنية النفل وأيًا ما كان فلا يجزى بتلك النية الوتر الواجب إذ النية فيه واجبة من أول التحريمة، فالركعة التي صلاها بعد خشية الفجر وإن كانت بنية منه للواجب إلا أن الأجزاء بهذه الثلاث من الوتر لا يصح على أصول الحنفية، فالحق في الجواب أن الإيتار بواحدة كان في الأول ثم نسخ بقوله ﷺ لا بتيراء أو نحوه ما قال إذ لو حمل على ما حملوا لزم توجيه القول بما لا يرضى به قائله (١) إذ الراوي لذلك الحديث وهو ابن عمر كان يوتر بواحدة فكيف يحمل روايته على ما هو خلاف ما اختاره، وأما الروايات الأخر كرواية عائشة وغيرها مع كونها نصًا في الإيتار بثلاث من غير ارتكاب تكلف تأيدت بعمل روايتها بالإيتار بثلاث.
قوله [واجعل آخر صلاتك وترًا] ذهب (٢) بهذا الحديث بعض من تقيد بالعمل على ظاهر الحديث إلى النهي عن الصلاة بعد الوتر ويرده الروايات
стр. 388
الصريحة الواردة في ذلك وعمل الصحابة، ومعنى الأمر إما على الاستحباب أو المراد به وهو الحق أنه قال: اجعل آخر صلاتك المفروضة عليك وترك فيثبت بذلك الترتيب بين الفرائض والوتر ووجوب الوتر، وإن امرؤ صلى الوتر قبل العشاء فإنه يعيده لتركه وجوب التأخير الثابت بقوله اجعل آخر صلاتك، وأيضًا فقد علم بهذا الحديث على هذا المعنى كون الوتر فرضًا عمليًا لإدخاله في إعداد الفرائض. قوله [أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم] هذا مخالف لما قد ثبت أن صوم عرفة أجره أجر صوم سنتين، وصوم المحرم أجره أجر سنة، فأجاب بعضهم بأن البعدية ليست بمتصلة فلا ينافي كون شيء آخر في الترتيب بين رمضان ومحرم، وهذا ليس بشيء بل الجواب (١) أن النبي ﷺ أمر بصوم عرفة بعدما قال الحديث المذكور فلا حرج فيه حينئذ.
قوله [إنه سأل عائشة كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان] هذا السائل كان يظن أنه ﷺ لعله يجتهد بكثرة الركعات فيه، وكان له حال صلاته في غير رمضان معلومًا، ولذلك خصص رمضان في سؤاله، فكأنه حمل ما سمع من اجتهاده ﷺ وتشميره عن ساق الجد في ليالي رمضان، كما ورد في أكثر الروايات على أنه يكثر من الركعات في رمضان ما لا يكثر في غيره، ولذلك ترى عائشة أجابت بنفي زيادة الركعات دون ما هو مصرح في سؤاله عن لفظ كيف، وسكت السائل عليه واقتنع به ولم يرد عليه أنه سائل عن كيفيتها ولا يبعد أن يقال إنها أجابت صريح سؤاله بقولها فلا تسأل عن حسنها وطولها، وإنما زادت أول كلامها دفعًا لما رأت من رغبتهم في كثرة الركوع والسجود وما ينبغي أن يعلم أن نفيها
стр. 389
هذا إنما هو نفي لما هو أكثر أحواله ﷺ وإلا فقد ثبت عنه الزيادة على هذا (١) العدد وما رام به البعض من التطبيق بين هذه الروايات يجمع الركعتين بعد العشاء معها وعدمه فيرده أن المتبادر من صلاة الليل لا سيما صلاته ﷺ التي كانت بعد نومه وبعد صلاة العشاء بكثير هي صلاة التهجد فكيف يجمع معها.
قوله [ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن] هذا ما استدلت به الأحناف على كون صلاة الليل أربعًا بنية، فإنها قالت كان يصلي أربعًا، فلما ذكرت أربعًا بلفظ واحد، وذكرت أربعًا أخرى بعدها بلفظ، ثم علم أن هذه الأربعة منفصلة عن الأربع الأول ولا فصل إلا بسلام بخلاف الأربع نفسها، فإنها لا فصل فيما بينها بتسليم حتى يكون الصلاة مثنى مثنى، وكذلك قولها ثم يصلي ثلاثًا فإنه يقتضي أن لا فصل فيما بينها حتى يلزم الوتر بواحدة مع أن عائشة ﵂ كانت توتر بثلاث وأنت تعلم أن استدلالهم هذا غير تام، فإن الفصل بعد الأربع هو الفصل بعد الثمان قبل الوتر وهو فصل نوم وتحديث مع أهله واضطجاع لا فصل تسليمة وإلا فكيف يصح قولها أتنام قبل أن توتر فلا ينافي الفصل بين كل ركعتين بتسليمة فأفهم.
وأما قولها [أتنام قبل أن توتر] فإنها لما رأت النبي ﷺ يصلي أربعًا ثم
стр. 390
ينام ثم يصلي أربعًا استبعدت صلاته بعد النوم، لكنها سكتت لما في النوافل من السهولة، ثم لما رأته أوتر ولم يحدث وضوءًا كبر ذلك عليها، فسألت، فقال النبي ﷺ : ما حاصله أنه كان في أمن وأمان من الحديث (١) في حالة النوم فلا يضره النوم، وأما في غيره ﷺ فحكم بانتقاض الوضوء بالنوم إقامة للسبب مقام المسبب تيسيرًا (٢) واحتياطًا في أمر العبادات، قوله [فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن يعلم بذلك أن الاضطجاع قبل سنة الفجر أيضًا (٣) وعلم بذلك أن النبي ﷺ لم يداوم أحد هذين بل كان يفعل مرة كذا ومرة كذا إذ المقصود الاستراحة لئلا يقع فتور في أداء الفريضة وهو حاصل بالاضطجاع قبل السنة وبعدها.
قوله [باب منه حدثنا أبو كريب] فصل لهذا الحديث بابًا لما فيه من إثبات الزيادة (٤) التي ليست فيما تقدم. قوله [حديث عائشة حديث غريب من هذا الوجه] لعل الغرابة أتت في إبراهيم أو للأسود أو الأعمش، وأما ما بعد الأعمش فمتبوع (٥) عليه فإنى الغرابة، والوجه في فصل هذا الباب أن المثبت في هذا الحديث
стр. 391
من صلاته بالليل ست ركعات عندنا أو ثمان، كما عند الشافعي وفي الرواية المتقدمة غير ذلك.
قوله [وأقل ما وصف من صلاته من الليل تسع ركعات] هذا ينافي ما سيأتي بعد قليل في أبواب الوتر من أنه لما كبر وضعف أوتر بسبع، فأما أن يقال هذا نسيان منه أو يحمل قوله ههنا على أنه كان أقل صلاته في صحته وعدم كبره ذلك لا فيما عرضه من الضعف وكبر السن. قوله [صلي من النهار ثنتي عشرة ركعة] هذا يوهم أن أكثر صلاته في الليل كانت ثنتي عشرة ركعة إذ القضاء على حسب الأداء مع أنها لم تثبت (١) والجواب أن الأربع منها صلاة الضحى. قوله [كان زرارة بن أوفى، إلخ] بيان لجلالة منزلته وعظم خشيته، قوله [وكنت] قائله بهز بن حكيم، قوله [وسعد بن هشام هو ابن عامر] والضمير الغائب عائد إلى هشام لا إلى سعد (٢) حين يمضي [ثلث الليل الأول] وفي الروايات الأخر حين يبقى ثلث الليل الآخر يرفع الأول والآخر على كونهما صفتي الثلث لا الليل وفي الآخر ما ليس في الأول من الفضل والقبول وكثرة الرحمة [ولا تتخذوها قبورًا] أي لا تدفنوا فيها موتاكم، وذلك لئلا يذهب التذكر بها لطول الملابسة أو لا تعاملوا بها معاملة المقابر في ترك الصلاة فيها.
стр. 392
أبواب الوتر
[باب ما جاء في فضل الوتر]
أراد النبي ﷺ تصوير فضيلته لهم وتقريره في قلوبهم فبين فضله على ما هو أنفس الأموال عندهم ليرغبوا عنه فيه وإلا فقد قلنا أن تسبيحة وتحليلة خير من كل ما في الدنيا من الأمتعة والأموال، وقوله [إن الله أمدكم] هذا مشير إلى وجوبه فإن النوافل ليست من الله (١) وإنما لم نقل بفرضيته لأن الرواية ليست بقطعية الثبوت ولا بقطعية الدلالة على هذا المدعي إذ يحتمل أن يراد بالإمداد زيادة الثواب والأجر فلا يكون إذن زيادة في الفرائض لا علمًا ولا عملاً، وصلاته على الراحلة لا ينبو عن الوجوب إذ يجزى بها عن الفرض أيضًا عند العذر، وقوله أمدكم معناه جعله مددًا لكم أي علاوة على صلاتكم الخمس. هذا يقتضي وجوبه أيضًا، فإن الزيادة على الشيء إنما هو بعد تعيين المزيد عليه،
стр. 393
والفرائض بتلك المثابة والنوافل غير متعينة ولكن للمخالف أن يتعذر (١) بأن الزيادة على الرواتب من السنن وهي متعينة، وقوله [حمر النعم] هي الإبل الحمر ولم يك شيء أنفس منها عندهم جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر، هذا إشارة إلى وقته وإن الترتيب بينه وبين الفرائض فرض ويسقط كسقوطه في الفرائض بسهو ونسيان وخوف فوت وزيادتها على ست، قوله [لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب] يعني لم يكن راو (٢) عن عبد الله بن راشد إلا يزيد، ولم يأخذ عن عبد الله غير أبي حبيب هذا.
[باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم]
لما كان يستنبط من ألفاظ الحديث السابق وجود الوتر من قوله ﴿إن الله أمدكم﴾ ومن قوله ﴿جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أراد أن يرد ذلك بما ورد في الحديث الثاني من صريح قوله الوتر ليس بحتم، قلنا لا يضرنا قول علي، هذا بعد ما ثبت وجوبه بقوله ﷺ المذكور على أن هذا لا يضرنا أيضًا، إذ معناه أن الوتر ليس وجوبه كوجوب صلاتكم المفروضة (٣) بل وجوبه دون وجوبها وإن كان في حق العمل سواء، لكنه يرد عليه أن الوتر
стр. 394
عندكم وإن كان واجبًا عليكم لكنه يجب أن يكون فرضًا على الأصحاب إذ هم سمعوا بآذانهم، قوله ﷺ الذي أوجبه قلنا قوله ﷺ وإن كان قطعي الثبوت لكنه لم يكن قطعي الدلالة فلذلك لم يثبت إلا الوجوب عليهم أيضًا وذلك لما في قوله إن الله أمدكم من احتمال الامداد الثوابي وإن كان الظاهر من الامداد هو الزيادة في نفس صلاتهم المفروضة عليهم، وقوله ولكن سن رسول الله ﷺ انتهى، إطلاق السنة على ما ثبت بها غير قليل ولكن (١) في قوله فأوتروا يا أهل القرآن إذا أريد به المؤمنون (٢) إشارة إلى وجوبه إذ أصل الأمر للوجوب فأراد أن يتكلم في هذا اللفظ ليسلم مذهبه ولا يثبت الوجوب فأورد بعده طريق ما ليس فيه هذا الفظ ولم يتذكر أن زيادة الثقة مقبولة مع أنه لا يضرنا عدم ثبوت ذلك اللفظ مع أن رواية هذه الزيادة متبوعة عليها كما أقر به بنفسه [وفي قول أبي هريرة أمرني رسول الله ﷺ أن أوتر قبل أن أنام] كراهة النوم قبل الوتر خشية الفوات وهذا إمارة الوجوب مع عدم قرينة تدل على غيره وكان أبو هريرة ممن يذاكر العلوم بعد العشاء [وفي قول الترمذي: وروى أن النبي ﷺ أنه قال من خشى إلخ] جواب عما يفهم من كراهة الوتر بعد النوم والنوم قبله، إن هذا الاحتياط
стр. 395
فلراجي التهجد وقيام الليل أن يوتر في آخر الليل ليدرك فضل الوقت ولمن لم يتيقن بذلك أن يوتر قبل النوم ليدرك فضل عمله على الاحتياط، قوله [فأنهى وتره حين مات في وجه السحر] وجه السحر آخره إذ السحر السدس الأخير من الليل، وله وجهان: وجه إلى الفجر ووجه إلى الليل، والمراد بالوجه ههنا هو الأول وليس كل ما فعله النبي ﷺ آخرًا ناسخًا لما عمله أولاً كما هو صريح من إتياه ﷺ .
[باب ما جاء في الوتر بخمس]
.
قوله [يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء منهن] ليس المنفى ههنا جلسة التشهد (١) وقعوده بل المنفى جلسة استراحة ومنام كما ورد في الروايات الأخر من أنه كان ينام ويجلس ويستريح بعد أربع أربع، فالمراد أنه كان يصلي خمسًا لا يجلس للاستراحة في شيء منهن إلا بعد ما فرغ منها وكان الركعتان نافلتي الوضوء أو غيرها والثلاثة وترًا وقيل المعنى لم يكن يصلي شيئًا من تلك الخمس جالسًا إذ قد ورد أنه كان يصلي قائمًا وقاعدًا، وإنه يصلي قاعدًا فإذا أراد أن يركع قام وأتم القراءة فركع وعلى هذا فالمنفى من الجلوس هو الجلوس مقام القيام والاستثناء في قوله إلا في آخرهن حينئذ يكون منقطعًا (٢) وعلى الوجهين كليهما
стр. 396
فالمراد بالآخر الحقيقي وهو بعد أن يفرغ منها وإن كان المتبادر من لفظة في وهي للظرفية كونه في شيء من أجزائها الآخرة، قوله [قال سفيان] التخيير ينافي الوجوب (١) والسنة المؤكدة قوله [قال كانوا يوترون] انتهى، ليس المراد أن كلاً منهم كان يفعل ذلك بل المراد أنهم كانوا يفعلون ذلك ويرون كل ما فعله أحد منهم أنه فعل حسنًا (٢)، وذلك لما أن الحق دائر بين المذاهب كلها وليس التخيير كل كل كلا كلا، قوله [سألت ابن عمر فقلت: أطيل في ركعتي الفجر] المراد بهما السنن كما يظهر عن الجواب وإنما لم يجبه بقوله لا تطل لئلا يفهم منه حرمة الإطالة أو كونه، قال ذلك برأيه بل ذكر عنده فعل النبي ﷺ ليعلم أن السنة هو الاختصار، ومع ذلك فلو أطالهما لم يرتكب محرمًا، وقوله [كان يصلي الركعتين والأذان في أذنه] هذا كناية عن سرعة في أدائهما وارتكاب التخفيف في أدائها إذ سامع الإقامة إذا شرع في ركعتي الفجر فإنه يطلب الفراغ عنهما والدخول في صلاة الإمام ما أمكنه ويستفرغ (٣) في ذلك مجهوده.
قوله [باب ما جاء ما يقرأ في الوتر]
.
هذا الباب معقود لتصريح ما قد علم تبعًا في الأبواب السابقة في الوتر في
стр. 397
الركعة الثالثة بالمعوذتين وقل هو الله أحد ولا يتوهم بذلك لزوم طول الركعة الثالثة على الأولى فإن كل شفع صلاة على حدة، وهذا إنما يلزم إذا ثبت أن قرأته بين تلك السور الثلاث كان في الوتر الذي قرأ في ثاني ركعاته بقل يا أيها الكافرون وهو غير ثابت بهذه الرواية وأما إن ثبت فالجواب ما ذكرنا، قوله [وعبد العزيز هذا والد ابن جريج] أي والد الرجل الذي اشتهر باسم ابن جريج واسمه عبد الملك وهو ابن عبد العزيز لابن جريج ولكنه نسب إلى جده إذ والد عبد العزيز جريج، فكان معنى قوله عبد العزيز هذا والد ابن جريج أن عبد العزيز والد من اشتهر بكونه ابن جريج وهو ليس بابن جريج ولكنه ابن عبد العزيز ابن جريج، وأما إثبات القنوت في الوتر في السنة كلها وإن محلها قبل الركوع فلا أتذكر من مقالته -مد الله ظله- في ذلك شيئًا حتى أذكره فليسأل (١) ولا يهمل غير أن ابن مسعود (٢) اختار ذلك الذي اخترنا في أمرين جميعًا فذهبنا إلى سنته، قوله [من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا ذكر وإذا استيقظ] هذا شأن الفريضة دون النافلة، قوله [إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر] لا دليل في ذلك لمن قال بسنية الوتر إذ الذهاب يعم صلاة العشاء أيضًا
стр. 398
فكما يجب قضاؤها يجب قضاؤه، قوله [لا وتران في ليلة] هذا يؤيد الوجوب فإن تكرار النافلة غير منفي والعذر لهم نفى تأكدها، فإن الوتر لما كان سنة مؤكدة فتكرارها يوجب زيادة في السنن وذلك شأنه ﷺ دون غيره من أفراد أهل الأمة فكما لا يجوز تكرار سنة الظهر بنية السنة كذلك هذا بقى ههنا شيء وهو أن هذا الحديث ظاهره ينافي ما ورد اجعلوا آخر صلاتكم وترًا فذهب بعضم إلى أن ينقض الوتر بأن ينضم إليه ركعة إذا أراد الصلاة في آخر الليل وهذا عجيب جدًا فإن الركعة التي صلاها بعد ثلاث الوتر بكثير كيف تنضم معها وتعد المجموع صلاة واحدة مع ما يلزم من مخالفة قولهم نهى عن البتيراء، فالصواب أن الأمر بجعل الوتر آخر الصلاة، إما محمول على الاستحباب أو المراد بذلك بيان وقت الوتر أنه آخر أوقات الصلوات الخمس فيكون وقته بعدما صلى العشاء أو المراد بيان وجوب الترتيب بين الفرائض والوتر كوجوبه في الفرائض فيما بينها فلا يصح تقديم الوتر على شيء منها أجاء وقضاء، قوله [عن الحسن عن أمه عن أم سلمة] يستنبط من ههنا لقاء الحسن بأم سلمة وبقاؤه في المدينة فلا يبعد بقاؤه مع علي، وذلك لأنها لما كانت تخدم أم سلمة والحسن معها إذ كان خروجها معه من المدينة حين هو ابن خمس عشرة سنة، وظاهر أن التحمل والرواية يمكن في أقل من ذلك فكيف ننكر تحمله من علي فإن اللقاء ممكن واكتفى كثير من العلماء في هذا بإمكانه، قوله [وهذا أصح لأنه قد روى من غير وجه أن النبي ﷺ قد صلى بعد الوتر] لما كان نقض الوتر مبنيًا على نهيه ﷺ عن الصلاة بعد الوتر بقوله اجعلوا آخر صلاتكم الوتر، أراد أن ينقض دليلهم حتى ينتقض دعواهم المبني عليه فلذلك قال وهذا أصح لأنه قد روى إلخ ثم بين إسناده فقال حدثنا، قوله [أليس لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، ] اعلم أن اقتداء رسول الله ﷺ كله حسن فليس لفظ حسنة ههنا إلا لبيان ما هو عليه في الواقع ويعلم أن إتياره على الأرض لم يكن
стр. 399
اقتداء برسول الله ﷺ مع أنه ﷺ صلى الوتر أيضًا على الأرض فكيف لا يكون من صلى الوتر عليها أيتسى به، والجواب أنه ابن عمر رضي الله تعالى عنه لعله علم من حاله أنه لا يرى الإيتار على الأرض (١) جائزًا، فأنكر على ظنه ذلك لا على إيتاره على الأرض فإنها عزيمة لا تنكر ولا يذهب عليك الفرق بين المستحب إذ قد عرفوه بما فعله النبي ﷺ مرة أو مرتين وبينما فعله النبي ﷺ بيانًا للجواز إذ لم يفعله إلا مرة أو مرتين، وهو أن الترك في الأول لخوف وجوبه مع بيان فضله والثاني تركه هو الأصل مع المنع عنه، وإنما فعله مرتين بعد ذلك.
قوله [باب ما جاء في الوتر على الراحلة]
.
هذا دليل لمن قال بسنية الوتر والجواب أن جوازه على الراحلة من غير مانع عن النزول، فرع كونه سنة، ولما ثبت وجوبه لزم القول بأن أداءه ﷺ الوتر على الراحلة كان لعدم القدرة على النزول لخوف عدو أو غير ذلك من العوارض، لكن ابن عمر لما لم يتنبه له، قال بجوازه على الراحلة ولعل (٢) ذلك لخصوصيته في تلك الصلاة عنده.
[باب ما جاء في صلاة الضحى]
وقت الضحى من وقت ارتفاع الشمس إلى الزوال وهو نصفان الضحوة الكبرى، والضحوة الصغرى فالأولى الآخر منه (٣) والثانية الأول منه وأكثر إطلاق الضحى على الأول والغرض من وضع الباب على من لم يرد ثابتًا بالسنة،
стр. 400
وقال إن صلاة الضحى (١) بدعة لكن لا اختلاف في صلاة الضحوة الصغرى التي نسميها صلاة الإشراق (٢) بل الاختلاف في الأخرى وقول الترمذي وفي الباب عن أم هاني وأبي هريرة ونعيم بن همار وأبي ذر وعائشة وأبي أمامة إلخ إشارة إلى أن حديث صلاة الضحى قد اشتهر فيما بينهم حتى لا ينكر مطلق ثبوته وإن كان في كل رواية رواية خاصة كلام لهم، وقبول عبد الرحمن بن أبي ليلى: ما أخبرني أحد أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي الضحى لا يستلزم أنه لم يكن يصلي أو أن هذه الصلاة ليست بثابتة بل النابت بذلك أنه لم يكن يصلي ظاهرًا أمامهم حتى يرده وأما المانعون فقالوا صلاته يوم فتح مكة لم تكن إلا شكرًا عليه قوله [نعيم بن همار] نعيم هذا مصغرًا اختلفوا (٣) في اسم أبيه فقيل خمار بشدة الميم بعد الخاء المنقوطة وقيل همار بميم كذلك بعد هاء هوز وقيل همام وأبو نعيم مصغرًا أحد أساتذة البخاري، وهم (٤) في نعيم المذكور من قبل الذي هو
стр. 401
صحابي ثم ترك أن ينسبه فقال نعيم غير منتسب. قوله [ابن آدم اركع لي أربع ركعات إلخ] يعني من صلى أربع ركعات كفاه الله أموره وهذا يصدق على من صلى أربع الصبح فقال (١) ﵇ من صلى الصبح أي صلاة الصبح فهو في ذمة الله فلا تخفروا الله في ذمته وإذا صلى الإشراق أربعًا صدق الوعد عليه مرتين. فإذا صلى الضحى أربعًا صدق وعده تعالى عليه ثالث مرة والأصل أن ثبوت صلاة الضحى مما لا يرتاب فيه وإن اختلفوا في عدد ركعاتها.
قوله (٢) [اركع لي أربع ركعات إلخ] هذا صادق على شفعتي الفجر سنة وفرضًا، ولذلك ورد من صلى الصبح فهو في ذمة الله، الحديث، [ثم] إذا صلى الأربعة للإشراق دخل في الوعد ثانيًا ثم في الضحى ثالثًا ويدخل في مصداق قوله من صلى الضحى ثنتي عشرة، الحديث، لو صلى ثنتي عشرة في وقتي الإشراق والضحى إذ الضحى صادق عليهما، فلما صارت صلاته في الوقتين جميعًا ثنتي عشرة ركعة سواء صلى ستًا في الأول وستًا في الثاني أو غير ذلك دخل في الوعد إن شاء الله تعالى.
قوله [قال أبو عيسى هذا حديث غريب] أي الذي تقدم، وقوله [وروى وكيع والنظر بن شميل] وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نهاس بن قهم
стр. 402
هذا بيان للحديث الذي (١) بعده وإشارة إلى غرابته أيضًا لتفرد نهاس بن قهم بنه وقوله هذا الحديث إما أن يكون إشارة إلى ما سيأتي أو يكون إشارة إلى حديث صلاة الضحى أي مطلقه الذي هو المبحوث عنه فالإشارة حينئذ على ظاهره [قال كان النبي ﷺ يصليها حتى نقول لا يدعها ويدعها حتى نقول لا يصليها] هذا لا ينافي ما قالت عائشة كان عمله ﷺ ديمة إذ الدوام على قصده وإرادته ورغبته، وإن كان يتركه لأسباب موجبات وكثيرًا ما كان النبي ﷺ يعمل عملاً ثم يتركه وينيب منابه آخر حتى لا يجب الأول فالدوام إنما كان بإنابة هاتيك الأمثال وإن لم يدم ذلك العمل بعينه.
قوله [أربع بعد الزوال] قال بعضهم هذه سنن الظهر والحق أنها غيرها، أما عند الشافعية فظاهر إذ هم قائلون بأن سنة الظهر ركعتان وهذه أربع بتسليمة، وأما عندنا فلما ورد من اتصال (٢) السنن بالفرائض إذ هو الأصل وأمرنا بتأخير الظهر في الصيف فكيف يكونان واحدًا وبينهما بون بعيد ووقت مديد.
قوله [باب صلاة الحاجة]
قوله [حدثنا علي بن عيسى بن يزيد البغدادي قال: أخبرنا عبد الله بن بكر السهمي ونا عبد الله بن منير عن عبد الله بن بكر] لم يجمع بين أستاذيه لما أن
стр. 403
عبد الله في الأول منتسب دون الثاني وفي الأول تصريح بالتحديث والثاني منعنعن.
قوله [باب صلاة الاستخارة]
قوله [في ديني ومعيشتي] هما ما أنت عليه بالفعل منهما وعاقبة أمري ما يأتيك منهما ويسمي حاجته مكان قوله هذا الأمر أو يشير إليها عند قوله هذا الأمر ثم إن الاستخارة كما تكون في أصل الفعل فيما تردد بين الخير والشر، فكذلك قد تكون في تعيين وقته وغير ذلك من العوارض فيما نعين خيريته كالحج وغيره.
[باب صلاة التسبيح]
قوله [عالج] هو كل رمل متراكم، قوله [ومن يستطيع أن يقولها في يوم] أي كل يوم وقال ذلك لما هم فيه من المشاغل من الجهاد وغيره، قوله [فلم يزل يقوله] أي قال في كل شهرين ثم قال في كل أربعة ثم قال غير ذلك، قوله [أن أم سليم غدت إلخ] اعترضوا على الترمذي في إيراده هذا الحديث ههنا مع أنه ورد فيما يصلي (١) بعد الصلاة، كما ورد في هذه الرواية بسند (٢)
стр. 404
آخر والجواب أن الاستدلال والإيراد على طريق المحدثين تام إذ هم يستنبطون من كل لفظ ورد عليه الحديث مسألة، وإن كان الحادثة متحدة فعلى هذا إذا ورد لفظ في هذا الحديث وأصل معناها الظرفية صح إيراده ههنا، وإن لم تكن الظرفية بمرادة ههنا بل أراد بعد الصلاة.
قوله [هذا السلام عليك قد علمنا فكيف الصلاة عليك] كان الباعث لهم على ذلك السؤال ما قد علموا من رفعة حال النبي ﷺ ونباهة شأنه فظنوا أن السلام والصلاة عليه ليسا كالسلام والصلاة المتعارفين فيما بينهم فلما علمهم النبي ﷺ داب السلام عليه فقال: التحيات لله والصلوات والطيبات والسلام عليك أيها أيها النبي ورحمة الله وبركاته، بقى الأمر في باب الصلاة مشتبهًا فسألوه عن ذلك فأجابهم بقوله قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ويعلم من ههنا أن الصلاة على غير الأنبياء تجوز إذا لم تكن أصالة، ولذلك زاد عبد الرحمن بن أبي ليلى لفظ علينا معهم لحمله لفظ آل على غير المعنى الذي يعم الكل فلا يرد أن عبد الرحمن كيف ارتكب البدعة لأن البدعة ما ليس له أصل شرعي وعلم أيضًا أن الزيادة إنما تجوز بعد الألفاظ المأثورة أو قبلها لا في خلالها، ولذلك كان عبد الله بن مسعود يزيد ما يزيد في تلبيته بعد التلبية المأثورة عن رسول الله ﷺ وعلم أيضًا أن التوكيل في قدر الصلاة كمًا وكيفًا إليه ﵎ هو الأولى لا كما أحدثه من بعد من صيغ الصلاة التي فيها تحديد وتوقيت إذ من الظاهر أن الأنعام على قدر المنعم عليه فإذا سعى من له وجاهة في جناب الملك أن يخلع على الوزير فإنما المراد به الخلعة على قدر منزلته وإن لم يصرح بذلك ولما كان كذلك فإذا صلى على النبي ﷺ فإنما المراد بها الصلاة التي توازي جهده وعناءه وتساوي قدره وعلاءه فلعل بعض تحديدها تنقيص بشأنه مع خلاف للصيغ التي صدرت عن مشكاة النبوة وارتضاها النبي ﷺ لنفسه، ثم اختلفوا في موسى وعيسى وإبراهيم أيهم أفضل ووجه بيان هذا الاختلاف ههنا اختيار إبراهيم ﵇ في التشبيه دون غيره من الرسل
стр. 405
وإعلام النكتة فيه والأكثرون على تفضيل إبراهيم (١) ﵊ عليهما ﵉ إذ فضائلهما تغري إليه لبنوتهما له ولا كذلك في نبينا ﵊ إذ له فضائل ومناقب لم تنسب إلى آبائه لكونها ثبتت له قبل أن يكون ابنًا لأب والتشبيه (٢) في قوله كما صليت وكما باركت إنما هو في مجرد صلاته عليه قبله ولا يلزم من ذلك كثرته بالنسبة إليه فيها فالمعنى صل على محمد فإنك صليت على إبراهيم قبل ذلك وأعلى منه وأولى منه بذلك فلا إشكال، وقوله [إنك حميد] في أفعاله باعث على أن الصلاة منك ينبغي أن تكون على ما أنت أهله وكذلك مجيد أيضًا.
قوله [أولى الناس] انتهى، لأن من أحب شيئًا أكثر ذكره فإكثاره الصلاة على النبي ﷺ أمارة حبه له والمرء من أحبه، وإن لم يكن فعله هذا من صمم قلبه فلا ارتياب في أنه تشبه بالمحبين للنبي ﷺ فكان ممن تشبه بقوم فهو منهم مع أن ذلك الإكثار يزرع في قلبه حبه وأيضًا فإنه صرف لسانه بذكره فلا أقل من معية لسانه باسمه.
قوله [من صلى على صلاة إلخ] لا يتوهم (٣) تسوية الصلاة بغيرها من الحسنات فإن صلاة الله عشر مرات تزيد بكثير على عشر حسنات مع أن الرواية
стр. 406
مصرحة بمزيد المثوبة إذ الصلاة لما كانت حسنة جوزى عليها بعشر حسنات ثم صلاة الله عليه عشرًا مزيدة عليها.
قوله [صلاة الرب الرحمة وصلاة الملائكة الاستغفار] هذا دفع لما يتوهم من فضيلة الملائكة على الأنبياء نظرًا إلى قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ بأن الصلاة لما كانت رحمة والرحمة لا تكون إلا من الكبير ووجه الدفع أن لفظ الصلاة مشترك بين الرحمة والاستغفار فأريد به في الآية كلا معنييه وهذا مبني على ما عليه الشافعية من عموم المشترك، والجواب عندنا أن للرحمة طرفين فعلي وانفعالي. فكما أن إطلاق الرحمة على الأول لا يعد مجازًا، فكذا على الثاني يعني أن من ترقق قلبه على رجل ولم يفعل معه معروفًا فإنه يطلق أنه ترحم عليه. فكذلك من لم يترقق عليه قلبه لكنه فعل معروفًا فلا مشاحة في إطلاق الرحم عليه. لكنه يشمل لفظ التوجه كليهما وهو المراد ههنا ولا يخفى أن هذا المقام محتاج إلى تفتيش وبحث فليسأل (١).
قوله [سليمان بن مسلم] هذا غلط في جميع النسخ الموجودة ههنا والصحيح سليمان بن سلم (٢) إذ ليس اسم راو سليمان بن مسلم البلخي المصاحفي. [لا يصعد منه شيء] هذا لا يستدعي إفراد الصلاة للدعاء علاحدة بل يكفي في إصعاده صلاة التشهد أيضًا ووجه وقوف الدعاء بين السماء والأرض أن جميع شرائع الإسلام وطرائق الدعاء لما وصلت إلينا بتوسل النبي ﷺ فكان من أدب الدعاء أيضًا أن يكون وصوله إليه ﵎ بتوسله ﵇.
стр. 407
[قال قال عمر بن الخطاب] هذا لا يستلزم اللقاء إلا أنهم لما لم يرموه بالانقطاع وقبلوه مطلقًا حمل عليه ومقولته هذه دالة على أن المرء إذا شرع في شيء من الأمور وجب عليه علم مسائله. كما أن مريد التزوج وجب عليه العلم بمسائل النكاح، وكذلك من صام أو صلى أو أخذ في شيء من المعاملات.
стр. 408
أبواب الجمعة
[باب فضل الجمعة]
.
[خير يوم] الخيرية إما على أيام الأسبوع لا مطلقًا، أو الفضيلة جزئية، وإنما افتقر على ذلك لما ورد من الروايات في فضل (١) يوم عرفة وعد الخلق نعمة ظاهر ثم إدخال الجنة فوقه ثم إهباطه على الأرض فوق ذلك وقيام الساعة هي النفخة الأولى وهو سبب لدخول الجنة، فأما كون الخلق نعمة فلشرف الوجود على العدم بما لا ينكر، وأما كون إدخال الجنة نعمة فلما فيها من النعم والخدم وقرب الرب ﵎ وكون الاهباط منها نعمة فلما في ذلك من إظهار الصفات له تعالى من الأرزاق والتكوين والسمع والبصر إلى غير ذلك، ولما في ذلك للإنسان من شرف نعمة العرفان والإسلام وامتثال أوامره واجتناب نواهيه إلى غير ذلك، ولما في ذلك من اكتسابه النعم الجليلة الأخروية باختياره المحمود إلى غير ذلك، ولا يخفى أن فضل يوم الجمعة لم يكن متوقفًا على هذه الأمور كيف وقد كان أفضل قبل وقوعها فيه، فأما أن وجود هذه فيه دل على فضله أو يكون له شرف أصلي وبانضمام هذه الأمور ازداد فضله لوجه عرضي أيضًا، كما كان له فضل ذاتي فاحتوى الفضل بطرفيه.
стр. 409
[باب الساعة (١) التي ترجى في يوم الجمعة].
اختلفت الروايات في تعيينها وسبب ذلك عند من قال بانتقالها ظاهر، وأما من لم يقل بذلك فالوجه أن المقصود لما كان إخفاؤها بالمصالح منها أنهم لو علموا علموها غيرهم عملاً بقوله ﷺ بلغوا عني ولو آية، وإذا علموها غيرهم تبلغ النوبة إلى الفجرة المردة فيسألوا ما لا يحل لهم مسألته، ومنها أنه لو علموها بعينها لم يشتغلوا بغيرها من الساعات فلهذه الوجوه أجاب النبي ﷺ عن سؤالهم بما هم أولى به من الجواب فبين لهم ساعات يقبل فيها الدعاء وإن لم يبين تلك الساعة بعينها، قوله [وقال أحمد أكثر الأحاديث في الساعات التي ترجى فيها إجابة الدعوة أنها بعد صلاة العصر] ومنها الحديث المتقدم، قوله [وترجى بعد (٢) الزوال] هذا لأحاديث أخر وردت في ذلك كما في الحديث الآتي بعد ذلك، [فقال أنا أعلم
стр. 410
بتلك الساعة] إما بسماع منه ﷺ أو استنباط منه بآيات الكتب المتقدمة وإن لم يصرح بها فيها أيضًا، قوله [أخبرني (١) بها ولا تضنن بها على] علم بذلك جواز الضنن بشيء من العلم عمن ليس له أهلاً، وكذا جواز الإحالة به من وقت إلى وقت فإنه أيضًا نوع من الضنن وذلك لأنه لو لم يجز الضن لما خاف أبو هريرة عنه الضن وهما صحابيان لا يظن بهما سوء أي العمل بما لا يجوز وهو الضن، والظن من أبي هريرة نسبة صحابي آخر: إنه يفعل ما لا يحل، قوله [والضنين البخيل] لما بين هذا، وقد ورد في الكتاب لفظ الضنين وفي قراءة الضنين بينهما معًا لمناسبة كونهما قرآنًا، قوله [من أتى الجمعة فليغتسل] هذا الأمر الآن كما كان ولم يكن وجوبًا عامًا حتى يقال بنسخه بل الأمر إنما كان لمن يتأذى برائحة أهل المسجد وهو الآن أيضًا كذلك، ولغيره على الاستحباب كما في زماننا هذا، قوله [كلا الحديثين صحيح] أي ليس هذا اضطرابًا كما يتوهم، بل له رواية عنهما أي عن سالم وعبد الله جمعيًا (٢) [من اغتسل وغسل] أي بدنه عن الوسخ أو رأسه بشيء منق له امرأته بجماعها معها لئلا يتوشوش قلبه إذا حضر الجمعة وحضرت النساء، قوله غفر له ما بينه وبين الجمعة (٣) وزيادة ثلاثة أيام] لأن الحسنة
стр. 411
بعشر (١) أمثالها، قوله من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة] أي كغسل الجنابة في مبالغته في الانقاء وهو على (٢) حقيقة كما تقدم، [ثم راح] قال بعضهم الراح ههنا على حقيقته وحينئذ فابتداء الساعات بعد الزوال والساعة مطلق الزمان لا ساعة أهل النجوم، وأنت تعلم أنه ليس في ذلك حث على السعي والتكبير وقال (٣) الآخرون بل المراد بالرواح هو مطلق الذهاب والساعة هي من ساعات أهل النجوم فيكون هذا من الفجر والطلوع، قوله [قرب بدنة] هي بفتحات والجمع بدن بضم الأول وسكون الثاني واستدل الشافعي بهذا الحديث على ما قال من أن البدنة لا تشمل البقر (٤)، قلنا: عدم اشتمالها ههنا بقرينة ذكره في مقابلتها، قوله [أقرن] لما أنه يكون أسمن ر أشرف، [فكأنما قرب بيضة] من ههنا يستنبط طهارتها وحلتها، [حضرت الملائكة يستمعون الذكر] نبه
стр. 412
بذلك على أنه لما استعموا الذكر مع طهارتهم عن الذنوب والآثام وعدم احتياجهم إليه فنحن أولى بذلك منهم، وإن من حضر بعد شروع الإمام في الخطبة ليس له ذكر في صحيفة المقربين ولا له فضل غير تفريغ ذمته عن الصلاة التي هي مأمور بأدائها فليس شأن المؤمن أن يغفل عن مثل هذه الفضائل يشتغل عنها بالرذائل.
[باب ما جاء أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة]
.
((هذا ليس ههنا ولكني كنت لم أسمع هذا الباب من حضرة الأستاذ حين قرا قراءة ذلك الموضع فأعدته ههنا (١)، هذا الوعد غير ما وعد من إجابة الدعوة بعد الأذان إذ هذه الإجابة لا يتحقق إلا فيمن حضر للصلاة بعدما سمع النداء وإلا فكيف له العلم إذا لم يحضر الصلاة، إن ذلك الوقت هو ما بين الأذان والإقامة بخلاف الدعوة التي بعد الأذان فإنها عامة لكل من سمع النداء سواء كان ممن هو أهل هذه المحلة أو من غيرهم وذلك الوعد سبب لهم وترغيب على حضور المسجد للجماعة من أول الوقت إذ المصلي إذا سمع النداء وتهيأ بفور سماعها للذهاب إلى المسجد فتوضأ وأحسن الوضوء ثم مشى إلى المسجد فكتبت آثار أقدامه وقرأ أدعية دخول المسجد ثم صلى على النبي ﷺ كما تقدم وحي المسجد بالشفعة ثم جلس ينتظر الصلاة فكان في صلاة لقوله ﵇ «لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها» فهل أنت في مريه من أن إيجاب دعائه وقد كان السبب في قوله ﵊ ذلك أن يكونوا في أمر صلاتهم كذلك ولا يتأخروا في الحضور حتى إذا قرب وقت الإقامة حضروا، ليس له تمكن من تحية الوضوء ولا تحية المسجد فكيف بانتظار الصلاة حتى يدعوا فيجاب لهم وعلى هذا
стр. 413
فلو علم أحد وقت الإقامة مع أنه لا يحضر الجماعة أو يحضر حضور من أسلفناه لك آنفًا ولكنه دعا من بيته بعد الأذان قبل وقت الإقامة لا يشمله هذا الوعد نظرًا إلى فقه الحديث الذي بنى عليه وإن كان ظاهر لفظ الحديث يشمله هذا والله أعلم بالصواب وعنده علم الكتاب.
قوله [باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر]
قوله [من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونًا بها طبع الله على قلبه] اعلم أن ترك الجمعة إما أن يكون لتسهيل أمرها وعدم اهتمام بشأنها فالطبع طبع نفاق أعاذنا الله منها (١)، وإما أن يكون لا لتسهيل أمرها بل لإهانة نفسه في تركه ما يجب عليه أداؤه، فالطبع طبع رين وغين والحديث يشمل كليهما، قوله [يعني الضمري (٢) يشير] إلى أن المسمين بأبي الجعد كثيرون (٣)، قوله [وكانت له صحبة] أي لم أثبت صحبته بل قال بذلك أستاذ (٤) أستاذي.
قوله [سألت محمدًا عن اسم أبي الجعد الضمري فلم يعرف اسمه وقال لا أعرف له عن النبي ﷺ ] إلا هذا الحديث لكن له حديثًا آخر عن النبي ﷺ
стр. 414
كما نقله السيوطي (١) وإن لم يعرفه البخاري ثم اعلم أن مسألة الجمعة قد اختلفت فيه أقوال علمائنا في أنها تتأدى في بلادنا هذه أم لا؟ وهل يجوز أداؤها في القرى (٢) أم لا؟ فقد اشتهر في أكثر البلاد أنه لا تجب الجمعة على من هو في بلادنا لأنها ليست بدار الإسلام وليت شعري من أين اخترعوا هذا الشرط وليس لذلك في كتبهم (٣) أثر وأما تركه ﷺ الجمعة بمكة فإنما كان لعدم الأمن وعدم القدرة على أدائها عيانًا لكونهم يتعرضون في ذلك لا لكونها دار حرب، وأما ما قال بعضهم من أن شرطه المصر فمسلم لكنهم اختلفوا في ما يتحقق به المصرية فقيل ما فيهم أمير يقيم الحدود وليس فيه تصريح بإقامة الحدود بل المراد بذلك قدرة
стр. 415
الأمير (١) على ذلك إذ لو لم يرد ذلك لما صحت الجمعة في شيء من الأمصار في وقتنا هذا إذ لا يجري الحدود أحد، وقيل ما فيه أربعة (٢) آلاف رجال إلى غير ذلك، وليس هذا كله تحديدًا له بل إشارة إلى تعيينه وتقريب له إلى الأذهان وحاصله إدارة الأمر على رأي أهل كل زمان في عدهم المعمورة مصرًا فما هو مصر في عرفهم جازت الجمعة فيه وما ليس بمصر لم يجز فيه إلا أن يكون فناء المصر، وأما اشتراط الإمام فمن اتفق جماعة المسلمين على إمامته فهو إمام ولا يحتاج إلى الخليفة أو نائبه عينًا إذ الوجه في اشتراطهما الاتفاق ورفع النزاع وهو حاصل، وأما ما قال أكثر من سلف (٣): المصر ما لا يسمع أكبر مساجدهم مسلميهم فالمراد إذا كان المسجد المذكور في المصر إذ مذهب قائل هذا القول إطلاق جمع منتهى الجموع على العشر أو أكثر منه مع أن هذا خلاف منه بالجمهور، وقائل هذا هو صدر الشريعة صاحب التوضيح فكان مراده بهذا التعريف هو المصر، فإن المساجد بتلك الكثرة إنما هي فيه وما شاع من تأدية الفرائض بنية احتياط الظهر في بلادنا فأمر
стр. 416
منكر لا ينبغي العمل عليه وأصل ذلك كان في زمان محمد فإن أبا يوسف (١) لما رأى حرجًا في حضور الناس للجمعة في مسجد واحد وكان لا يمكنهم ذلك إلا بعبور الفرات أو الدجلة التي كانت في وسط (٢) البغداد أفتى بتعدد الجمعة في مصر إذ حال بينهما نهر، وليس في ذلك رواية عن الإمام إذ كانت الجمعة في أيامهم واحدة ثم لما رأى محمد حضور رجال القرى العظيمة والأمصار في مسجد واحد متعذرًا أفتى بجواز التعدد في مصر مطلقًا وكان الفتوى على قول محمد ولكن الناس احتاطوا في ذلك فاستحدثوا احتياط الظهر وهذا الذي رده صاحب البحر وغيره فقالوا أفتينا مرارًا بمنع الناس عنه لكنهم لم يمتنعوا أو ليس لهؤلاء اكتفاء بما قال محمد وقد قلدوا قوله في كثير من المسائل، وليس معه أستاذه ولا صاحبه فهل ليس لهم في غير الجمعة احتاج احتياط وليت شعري إذا كانوا في شك من إفتائه بذلك فما بالهم لا يكتفون بالظهر فإن قالوا نحتاط بأداء الظهر قلنا كان عليهم أداء كل صلاة مرتين: مرة بالفاتحة خلف الإمام ومرة بدونها كيف وقد استحسنها بعض مشايخنا أيضًا ليخرجوا بذلك عن شبهة الخلاف، وكذلك يلزم عليهم ما ليس لهم بتأديته طاقة ولا لهم إليه احتياج ولا فاقة، أو ليس لهم للخروج عن شبهة الخلاف مخلص غير ذلك الذي أحدثوه فهل لا أحضرهم احتياطهم ذلك في المسجد الذي يصلي فيه أولاً، قوله [عن رجل من أهل قباء] لم يبق الحديث بذلك الانقطاع
стр. 417
قابلاً للاحتجاج (١)، قوله [عن أبيه وكان من أصحاب النبي ﷺ ] أي ذلك الأب ولا يضر عدم العلم باسم الصحابي أو حاله فإن الصحابة كلهم عدول ثقات ومهرة إثبات، قوله [أن تشهد الجمعة من قباء] لم يكن أمره إياهم بذلك للوجوب أو لوجوب الجمعة عليهم لما ورد في الروايات عن هؤلاء أنهم قالوا كنا نتناؤب إلى غير ذلك من الألفاظ، وأنى التناؤب في أداء ما يجب على أنفسهم بل كان أمرهم (٢) بذلك ليشهدوا جماعات المسلمين ويعلموا نوائبهم وما يذكر في الخطبة من المواعظ والأحكام ولذلك ترى الترمذي ترجم الباب بقوله ((باب ما جاء من كم يؤتى إلى الجمعة)) ولم يقل ((باب ما جاء من كم يجب أن يؤتى (٣) إلى الجمعة))، ولذلك اختلفوا في أقوالهم في تحديد ذلك فقال بعضهم الجمعة على من آواه الليل (٤) وقال بعضهم تجب الجمعة على من سمع النداء فقال (٥) بعضهم وهم
стр. 418
الظاهرية لو كان رجل في المصر ولم يسمع النداء لا تجب الجمعة عليه، والحق أن ذلك لمن هو خارج المصر ولا شبهة في وجوب الجمعة على المصري سمع النداء أو لم يسمع والمراد بما قالوا من الجمعة على من سمع النداء أنه إذا أذن على سور البلد وباب المصر فالجمعة على من سمع النداء وهذا أيضًا ليس تجديد بل هو تقريب، وأما أهل المصر فمسلم وجوبها عليهم.
قوله [استغفر ربك] وجه أمره باستغفار ما ارتكبه من الاستدلال بما لا يستدل به من الحديث الضعيف، قوله [حين تميل الشمس] علم بذلك أنه لم يكن يصلي قبل الزوال كما ذهب إليه بعض من استدل بما لم يفهمه فمن ذلك قولهم كنا يوم الجمعة لا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة فإن القيلولة لا يكون إلا في نصف النهار والغداة لا تطلق إلا على ما قبل الزوال، وأنت تعلم أن معناه ليس إلا أن طعام الغداة وقائلة نصف النهار لم نكن نستحصله إلا بعد الفراغ من الجمعة إذ في وقتها لم يكن لشغل الجمعة فراغ حتى نستحصلهما ولم يذهب إلى ذلك المذهب
стр. 419
إلا شرذمة قليلة من أهل الظاهر (١) ومن ذلك الذي استدلوا به على مرامهم، قوله: كنا إذا رجعنا من الجمعة لم نكن تجد للجدران ظلاً نتقي به رؤوسنا فإذا كان الرجل خطب ثم صلى ثم دعا ثم تنفل بما قدر الله له ثم رجع وليس للجدران فتى علم أن ذلك كله كان قبل الزوال، وإلا فلم لا يكون للجدران فتى بهذا القدر ولكنه يرد عليه أن الرجل إذا شرع في ذلك كله مع زوال الشمس عن نصف النهار فليس يستبعد أن يفرغ من الخطبة والصلاة وليس للجدران ظل يتقي به الرؤوس كيف وصلاته ﷺ كانت قصدًا كخطبته، وأي دليل لهم على ما قالوا من تأدية السنن في المسجد ولم يكن في دعائه ﷺ كثير اشتغال في الجماعة، وأنت تعلم ما في الجدران إذ ذاك من قصر.
[باب ما جاء في الخطبة على المنبر]
.
أراد بذلك دفع ما عسى أن يتوهم من كونه بدعة أو من عادة الجبابرة والمتكبرين، وكان لمنبر النبي ﷺ . درجات ثلاث وكان يخطب على أقصاها (٢)
стр. 420
ثم خطب أبو بكر على الثانية تأدبًا منه بالنبي ﷺ أن يقوم مقامه ثم عمر على الثالثة لذلك ثم رقى عثمان أعلاها لما لم يبق درجة، مع أن في رقيته إياها لا شبهة في ادعاء المساواة به ﷺ [بخلاف الباقيين] قوله [ثم يجلس] لكنه لا يدعو ولا يتكلم فيها إلا أن يدعو بقلبه ما شاء، قوله [أخو أبي عمرو بن العلاء] أبو عمرو (١) وكله لفظ واحد والمراد أن أبا عمرو ومعاذًا كلاهما إخوان ابنا العلاء.
[باب القراءة على المنبر]
، قوله [يقرأ على المنبر ونادورا (٢) يا مالك إلخ] علم بذلك سنية القراءة على المنبر في الخطبة، قاله الشافعي على وجه الركنية وقلنا بها على وجه السنية، فإن قوله تعالى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ليس بمختص القرآن.
[باب في استقبال الإمام إذا خطب]
.
قوله [استقبلنا بوجوهنا] ليس المراد بذلك استقبال عين الإمام بل استقبال جهته لما يلزم على الأول من التحلق قبل الجمعة المنهي عنه بحديث آخر.
[باب في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب]
.
ليس (٣) لهؤلاء دليل على مرامهم بهذا الحديث لما ورد في الروايات الأخر
стр. 421
من هذه القصة أنه ﵇ سكت (١) وقت صلاة الرجل ونحن أيضًا لا نمنعه، وأما ما قال أبو سعيد من أنه صلى والنبي ﷺ يخطب فإنما مجرد قياس، أو حمل سكوته
стр. 422
عليه السلام مع كونه على منبر على أنه اتفاقي على أنا نقول من جوز النافلة وقت الخطبة لم يقل بوجوبهما بل قال بأنها نافلة ثم جوزها فهل أنت على يقين من جوازهما مع نفليتهما والحال أن النبي ﷺ نهى عن ذلك الوقت عن الأمر بالمعروف وهو واجب على المرء حيث قال من قال أنصت فقد لغا، ولم يجوز تفسير آية القرآن حين سأله سائل عمن كان معه والسكوت هو الواجب عندنا، ولا يحمد على العطسة ولا يشمت عاطسًا ولا يرد جوابًا، قوله [وفي الباب عن جابر إلخ] هذا لا يصح على عادته فإن رواية جابر قد ذكرت فأما يحمل على النسيان أو يكون جابر روى فيه غير ما ذكر ههنا، قوله [من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرًا إلى جهنم] وأما تقييد يوم الجمعة فاتفاقي لما أنه سبب كثرة وازدحام، والذين لم يقولوا بمفهوم المخالفة لا حاجة لهم إلى جواب، وأما لفظ اتخذ فالرواية والدراية على بنائه للمفعول وقيل ببنائه للفاعل والمعنى اتخذ نفسه وأيًا ما كان فهذا جزاء له على ما ارتكبه من تحقير الناس في مشيه على أعناقهم وفي ذلك لعله يضرب بضعهم برجله.
قوله [باب ما جاء في كراهية الاحتباء والإمام يخطب]
.
الاحتباء قد يكون بيديه وقد يكون بالثوب وكلاهما قد يكون للكبر وقد يكون للاستراحة على هيئة المتواضعين فالذي للكبر ممنوع بقسميه، والذي على هيئة المتواضعين ممنوع منع تنزيه لا تحريم لئلا ينام فيكون ذلك سببًا لنقصان في استماع الخطبة، وأما إذا أمن من أن ينام فلا كراهة أصلاً، وعلى هذا يحتمل حبوتهم (١) إذا ثبت، وبذلك تجتمع الروايات في شأن الاحتباء فمنها ما فيه نهى
стр. 423
عنه ومنها ما فيه استحباب ذلك وجوازه.
[باب رفع الأيدي في الدعاء على المنبر]
.
هذا داخل في إطلاق قوله ما يزيد على أن يقول هكذا فصح الاستدلال وحاصله أنه كان لا يرفع يديه لا في الدعاء ولا في غيره إلا أنه كان يشير بسبابته عند كلمة التوحيد فهذا الرفع في الدعاء الذي ارتكبه بشر بن مروان كان بدعة منكرًا عليها لا محالة.
قوله [كان الأذان في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر إذا خرج الإمام أقيمت الصلاة] هذا الذي زاد من لفظ ((أقيمت الصلاة)) دفع لما عسى أن يتوهم من قوله إذا خرج الإمام أن الأذان كان إذا خرج الإمام ولو لم يأخذ بعد في الصلاة، وقوله ((أقيمت الصلاة)) المراد بذلك الصلاة حكمًا لما أن الخطبة صلاة حكمًا، قوله [زاد عثمان] هذا كان بإجماع من الصحابة ومحضر منهم، وقيل كان في زمان عمر ينادي ((بالصلاة جامعة، الصلاة جامعة)) موضع الآذان فلما كثر الناس فكان يسمع بعضهم لفظ ((الصلاة، الصلاة)) ولا يسمع بعضهم، شاور عثمان سائر الصحابة وزاد أذانًا ثالثًا بالزوراء (١) وكان على يسار المسجد فقيل اسم جدار، وقيل أكمة مرتفعة، وقيل مكان مرتفع، ويمكن أنه جدار مرتفع من
стр. 424
مكان على أكمة مرتفعة فتجتمع الأقوال، وهذا النداء (١) الذي يحرم بعده البيع والشراء ويجب السعي لما أن الأمر في الآية إنما هو بلفظ ((إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله)) وهذا نداء للصلاة من يوم الجمعة.
قوله [إذا نزل عن المنبر] هذه اللفظة التي تفرد بها (٢) جرير بن حازم ولما لم يكن مقابل (٣) تلاميذ أستاذه في الحفظ والإجادة وقد ثبت في موضع آخر وهمه وهو ما بينه المؤلف بعد حمل قوله ذلك على الوهم أيضًا، وإن كان نفس المسألة ثابتة لما أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها من الصلوات، فلما ثبت أنه ﷺ كان يكلم بالحاجة بعد الإقامة فهذا بإطلاقه مجوز للكلام بعد الخطبة أيضًا.
стр. 425
قوله [فقلت تقرأ بسورتين كان علي يقرأ بهما إلخ] أراد بذلك أبو هريرة أن ينبه السائل على أن فعلي وفعل على ذلك إنما هو اقتداء برسول الله ﷺ ووجه المناسبة في قراءة سورة الجمعة والمنافقون، وكذلك تنزيل السجدة وسورة الدهر ما فيها من ذكر الجمعة وذكر المبدأ والمعاد وتذكير نعم الآخرة وغيرها وكان قراءة ذلك أكثرية لا دائمة.
[باب في الصلاة قبل (١) الجمعة وبعدها].
اختلفت الروايات في ذلك، فالثابت من بعضها سنية الركعتين وبالأخرى سنية الأربع فأخذ الإمام بما فيه أخذ بالاحتياط (٢). وأما ما قال أبو يوسف من كونها ستًا فثابت أيضًا إلا أن قوله أن يقدم الأربع على الركعتين فلم تجد رواية (٣) تساعده إلى وقتنا هذا بل الذي يثبت بالروايات هو تقديم الركعتين على الأربع وما ورد في بعضها من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا ليس مخالفًا بإيجابه التخيير لما عينه الإمام من الأربع لما أن ذلك قد يستعمل فيما ليس بواجب فالمعنى من شاء منكم أداء ما يسن عليه فليصل أربعًا.