من هذه القصة أنه ﵇ سكت (١) وقت صلاة الرجل ونحن أيضًا لا نمنعه، وأما ما قال أبو سعيد من أنه صلى والنبي ﷺ يخطب فإنما مجرد قياس، أو حمل سكوته
стр. 422
عليه السلام مع كونه على منبر على أنه اتفاقي على أنا نقول من جوز النافلة وقت الخطبة لم يقل بوجوبهما بل قال بأنها نافلة ثم جوزها فهل أنت على يقين من جوازهما مع نفليتهما والحال أن النبي ﷺ نهى عن ذلك الوقت عن الأمر بالمعروف وهو واجب على المرء حيث قال من قال أنصت فقد لغا، ولم يجوز تفسير آية القرآن حين سأله سائل عمن كان معه والسكوت هو الواجب عندنا، ولا يحمد على العطسة ولا يشمت عاطسًا ولا يرد جوابًا، قوله [وفي الباب عن جابر إلخ] هذا لا يصح على عادته فإن رواية جابر قد ذكرت فأما يحمل على النسيان أو يكون جابر روى فيه غير ما ذكر ههنا، قوله [من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرًا إلى جهنم] وأما تقييد يوم الجمعة فاتفاقي لما أنه سبب كثرة وازدحام، والذين لم يقولوا بمفهوم المخالفة لا حاجة لهم إلى جواب، وأما لفظ اتخذ فالرواية والدراية على بنائه للمفعول وقيل ببنائه للفاعل والمعنى اتخذ نفسه وأيًا ما كان فهذا جزاء له على ما ارتكبه من تحقير الناس في مشيه على أعناقهم وفي ذلك لعله يضرب بضعهم برجله.
قوله [باب ما جاء في كراهية الاحتباء والإمام يخطب]
.
الاحتباء قد يكون بيديه وقد يكون بالثوب وكلاهما قد يكون للكبر وقد يكون للاستراحة على هيئة المتواضعين فالذي للكبر ممنوع بقسميه، والذي على هيئة المتواضعين ممنوع منع تنزيه لا تحريم لئلا ينام فيكون ذلك سببًا لنقصان في استماع الخطبة، وأما إذا أمن من أن ينام فلا كراهة أصلاً، وعلى هذا يحتمل حبوتهم (١) إذا ثبت، وبذلك تجتمع الروايات في شأن الاحتباء فمنها ما فيه نهى
стр. 423
عنه ومنها ما فيه استحباب ذلك وجوازه.
[باب رفع الأيدي في الدعاء على المنبر]
.
هذا داخل في إطلاق قوله ما يزيد على أن يقول هكذا فصح الاستدلال وحاصله أنه كان لا يرفع يديه لا في الدعاء ولا في غيره إلا أنه كان يشير بسبابته عند كلمة التوحيد فهذا الرفع في الدعاء الذي ارتكبه بشر بن مروان كان بدعة منكرًا عليها لا محالة.
قوله [كان الأذان في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر إذا خرج الإمام أقيمت الصلاة] هذا الذي زاد من لفظ ((أقيمت الصلاة)) دفع لما عسى أن يتوهم من قوله إذا خرج الإمام أن الأذان كان إذا خرج الإمام ولو لم يأخذ بعد في الصلاة، وقوله ((أقيمت الصلاة)) المراد بذلك الصلاة حكمًا لما أن الخطبة صلاة حكمًا، قوله [زاد عثمان] هذا كان بإجماع من الصحابة ومحضر منهم، وقيل كان في زمان عمر ينادي ((بالصلاة جامعة، الصلاة جامعة)) موضع الآذان فلما كثر الناس فكان يسمع بعضهم لفظ ((الصلاة، الصلاة)) ولا يسمع بعضهم، شاور عثمان سائر الصحابة وزاد أذانًا ثالثًا بالزوراء (١) وكان على يسار المسجد فقيل اسم جدار، وقيل أكمة مرتفعة، وقيل مكان مرتفع، ويمكن أنه جدار مرتفع من
стр. 424
مكان على أكمة مرتفعة فتجتمع الأقوال، وهذا النداء (١) الذي يحرم بعده البيع والشراء ويجب السعي لما أن الأمر في الآية إنما هو بلفظ ((إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله)) وهذا نداء للصلاة من يوم الجمعة.
قوله [إذا نزل عن المنبر] هذه اللفظة التي تفرد بها (٢) جرير بن حازم ولما لم يكن مقابل (٣) تلاميذ أستاذه في الحفظ والإجادة وقد ثبت في موضع آخر وهمه وهو ما بينه المؤلف بعد حمل قوله ذلك على الوهم أيضًا، وإن كان نفس المسألة ثابتة لما أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها من الصلوات، فلما ثبت أنه ﷺ كان يكلم بالحاجة بعد الإقامة فهذا بإطلاقه مجوز للكلام بعد الخطبة أيضًا.
стр. 425
قوله [فقلت تقرأ بسورتين كان علي يقرأ بهما إلخ] أراد بذلك أبو هريرة أن ينبه السائل على أن فعلي وفعل على ذلك إنما هو اقتداء برسول الله ﷺ ووجه المناسبة في قراءة سورة الجمعة والمنافقون، وكذلك تنزيل السجدة وسورة الدهر ما فيها من ذكر الجمعة وذكر المبدأ والمعاد وتذكير نعم الآخرة وغيرها وكان قراءة ذلك أكثرية لا دائمة.
[باب في الصلاة قبل (١) الجمعة وبعدها].
اختلفت الروايات في ذلك، فالثابت من بعضها سنية الركعتين وبالأخرى سنية الأربع فأخذ الإمام بما فيه أخذ بالاحتياط (٢). وأما ما قال أبو يوسف من كونها ستًا فثابت أيضًا إلا أن قوله أن يقدم الأربع على الركعتين فلم تجد رواية (٣) تساعده إلى وقتنا هذا بل الذي يثبت بالروايات هو تقديم الركعتين على الأربع وما ورد في بعضها من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا ليس مخالفًا بإيجابه التخيير لما عينه الإمام من الأربع لما أن ذلك قد يستعمل فيما ليس بواجب فالمعنى من شاء منكم أداء ما يسن عليه فليصل أربعًا.
стр. 426
قوله [قال أبو عيسى وابن عمر: هو الذي روى عن النبي ﷺ أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين] أورد ذلك لبيان أن ابن عمر لما روى ذلك وعمل بهذا علم أنه كان يرى السنة ستًا، لأن سنية الأربع دون سنية الركعتين، قوله [ما رأيت أحدًا أنص للحديث] أي أبين له وأظهر يعني كان بينه ظاهرًا مفصلاً واضحًا والزهري هو راوي أول أحاديث الباب، قوله [كان عمرو بن دينار أسن من الزهري] هذا من فضل الزهري أيضًا فإنه روى عنه أكابره (١).
[باب فيمن يدرك من الجمعة ركعة]
.
لما كان الحديث من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة، بإطلاقه متناولاً للجمعة وغيرها صح استدلاله على ترجمة الباب ولكن مذهب الإمام أن من أدرك التشهد مع الإمام يبنى عليه الجمعة ومذهب (٢) غيره غيره، وهذا بناء على أن المراد بالإدراك ههنا هو اللحوق وتحصيل الأجر إذ لم يذهب أحد إلى أنه بإدراك ركعة يدرك الصلاة بمعنى الإحاطة فلما أريد الأجر أو اللحوق كانت
стр. 427
الجمعة كغيرها من غير فرق لكنهم يعسر عليهم (١) التفصي عما يرد عليهم بهذا الحديث على طريق مفهوم المخالفة فإن مفهوم الحديث أنه من لم يدرك ركعة من الصلاة لم يدرك الصلاة مع أنهم مجمعون على خلافه، فإن تركوا العمل بمفهوم المخالفة في سائر الصلوات لزمهم الترك في حق الجمعة أيضًا.
قوله [أنه يتحول عن مجلسه] ليس السبب في هذا المقام ما كان في معرس النبي ﷺ ليلة فاتته صلاة الصبح إذ الكل فيما نحن فيه مسجد ليس فيه مقام تسلط الشيطان فيه أكثر من الثاني بل الوجه في ذلك أنه يتنبه بالتحرك والمشي والتحول إلى موضع آخر فتذهب غفلته ولا يتعين الامتثال بالتحول والجلوس في الموضع الآخر بل هو حاصل بقيامه أو تنقله (٢) قليلاً إلى غير ذلك ثم عوده ولو في مجلسه الذي كان فيه أولاً.
[باب ما جاء في السفر يوم الجمعة]
.
الأصح في ذلك جواز السفر قبل الزوال، وأما إذا (٣) زالت الشمس فلا
стр. 428
إذ سبب الوجوب هو الوقت وقد آن، ومن منع السفر بعد طلوع فجر يوم الجمعة أجاب عن الحديث بأن غدوتهم كان يأمر النبي ﷺ أو يكونوا خرجوا قبل إنبلاج الصبح وتسميته غدوة تقريب وتخمين أو مجاز، قوله [فضل غدوتهم] هذا اللفظ إشارة إلى بون ما بينهما أي الجمعة وامتثال أمره ﵇ في الخروج إلى الجهاد مع رفقته مع تسليم فضل الجمعة، ومع ذلك فلم يبلغ فضل الغدو والامتثال. قوله [وكان هذا الحديث] في لفظ كان إشارة إلى أن هذا مبني على تحقيق شعبة وليس مما يتيقن به لا محالة.
قوله [باب السواك والطيب يوم الجمعة]
ليس السواك مذكورًا في لفظ الحديث (١) الذي أورده في الباب إلا أنه يمكن أن يستنبط بالعمومات الواردة في تحصيل الطيب وإزالة النتن والأوساخ، قوله [حقًا على المسلمين] وجوبًا إذا كانوا متلبسين بالنتن والأوساخ واستحبابًا إذا كان الأمر على غير ذلك، قوله [وليمس أحدهم من طيب أهله] هذا يمكن أن يكون إشارة إلى مبالغة في ذلك، فإن الطيب للرجال ما كثر ريحه وقل لونه وللنساء ما ظهر لونه وخفى ريحه فعلى هذا
стр. 429
لعل طيب النساء منهي عنه الرجال لصفرته ولونه ومع هذا فأمر النبي ﷺ بالتطيب مبالغة في أمر الطيب، فإن قيل كان المناسب على هذا أن يقال ولو من طيب أهله قلنا لو قيل ذلك كان معناه أن الأقدم والأولى له طيب الرجال، وأما إذا لم يوجد فله أن يتطيب بطيب النساء، وأما إذا قيل ما قيل، فالأمر بتطيب طيب النساء مستلزم للأمر بتطيب طيب الرجال بدلالة النص، ويمكن أن يكون قوله وليمس من طيب أهله إشارة إلى أنه ليس عليه التكلف في تحصيل الطيب بمسألة عن أحد أو بشراء ونحوه، وإنما ذلك لو كان له طيب في أهله وإن كان له طيب، إلخ.
стр. 430
أبواب العيدين
محا بعض طلبة العلوم لفظ الياء والنون الذي هو علامة التثنية لما رأى الأحاديث الواردة بعد هذا ليست في الأضحى، والصحيح خلافه إذ أكثر أحكام الأحاديث الآتية مشتركة بينهما، ومع ذلك فقد قال في الباب الأخير ولا يطعم يوم الأضحى حتى يرجع، قوله [من السنة أن إلخ] هذا إما اعتياد وهو الظاهره فتركه خلاف (١) لما هو أولى، وإما عبادة فتركه مكروه تنزيهًا يعني به أنه من سنن الهدى أو من سنن الزوائد، فإن قوله من السنة شامل لهما والوجه في الأمر بالأكل قبل الخروج إلى المصلى قطع العرق عما يلزم من صورة الزيادة على ما فرضه الله تعالى من الصيام فإن إمساك هذا القدر من الوقت صوم ظاهرًا وإن لم يعتبره الشارع ما لم يتم مع النية.
[باب في صلاة العيدين قبل الخطبة]
.
هذا دفع لما لعلهم يتوهمون من تقديم مروان الخطبة سنيتها ولما لعلهم يقيسون العيدين على الجمعة وليس كذلك لأن خطبة الجمعة شرط لها والشرط مقدم على ما هو شرط له ولا كذلك في العيد (٢)، قوله [ويقال إن أول من خطب قبل الصلاة مروان بن الحكم] أي بنية فاسدة وإلا فقد فعل ذلك قبله عثمان بن
стр. 431
عفان (١) فأما عثمان رضي الله تعالى عنه فإنما قدم الخطبة لما كثر الناس وازدحم المسلمون فكان يرى في خطبته أفواج الناس يأتون إلى المصلى فقدم الخطبة لئلا تفوت المسلمين صلاتهم فكان فعله ذلك حسنًا لم ينكره عليه أحد من الصحابة والتابعين، وأما مروان فكان يعرض في خطبته بأهل بيت النبي ﷺ ويسيئ الأدب بهم فلما رأى الناس ذلك وأن ليس لهم صبر على استماع إذا هم رضى الله عنهم جعلوا يذهبون إذا فرغوا من الصلاة وتركوا خطبة مروان أن يسمعوها فقدم مروان الخطبة على الصلاة ليلجئهم إلى سماعها فكان فعله ذلك خبثًا ظاهرًا فأنكروا عليه.
[باب أن صلاة العيدين بغير أذان ولا إقامة]
.
هذا ليس نفيًا للأعلام (٢) مطلقًا بل هذا نفي للأعلام بطريق مخصوص
стр. 432
لكنه يعلم من بعض الروايات أنه لم يكن فيها شيء، فقد ورد فيها ولا شيء، لكن المعول على ما في بعض الروايات أنه كان ينادي بـ ((الصلاة الصلاة))، وهذا موافق للقياس فإن الإعلام في الجماعة المشروعة من النوافل كالتراويح والكسوف والاستسقاء وغير ذلك مشروع فلا يبعد ذلك ههنا أيضًا، فالحق عدم الاعتراض على من ارتكب شيئًا من ذلك ولعل في أول الأمر لم يكن شيء كما رواه البعض ثم زيد بعد ذلك النداء بالصلاة فروى بعض من حضر أول القصة ما رآه ولم يبلغه آخرها أو بلغه الخبر لكنه بين الأول فقط، أو يكون ذكر الأمرين كليهما، لكن الراوي اختصر فبين أحد الأمرين وانقلب المعنى باختصاره على بعض ما سمع.
[باب القراءة في العيدين]
.
قوله [وربما اجتمعا في يوم واحد فيقرأ بهما] قد سلف منا وجه اختيار قراءتهما وفي ذلك رد على ما زعم جهال زماننا أن اجتماع الخطبتين يكون نحسًا، [وأما ابن عيينة فيختلف عليه] يعني أن سفيان بن عيينة معاصر لسفيان الثوري فأما تلاميذ سفيان الثوري فردوا الحديث على سنن واحد كما ذكر من غير زيادة لفظ أبيه (١) وأما الآخذون عن سفيان بن عيينة فقد اختلفوا في روايتهم فمنهم من زاد لفظ أبيه ومنهم من لم يزد، ورواية من لم يزد لفظ أبيه هو الصحيح، ثم بين قرينة على صحته وهو أنه لا يعرف لحبيب بن سالم رواية عن أبيه، وعلى هذا فالمناسب أن يجزم بصحته إلا أنه لما لم يكن عدم العرفان دليلاً على عدمه لم يجزم بجواز أن يكون له رواية عن أبيه وإن لم يعرف، ويكون هذا من هذا القبيل قوله [وحبيب بن سالم] وهو مولى نعمان بن بشير [وروى عن النعمان بن بشير أحاديث] هذه اللفظة يمكن أن يكون على بناء الفاعل فهذه من أحوال الحبيب أيضًا، وأن يكون على البناء للمفعول فتكون علحدة مما قبلها
стр. 433
وتكون من حال (١) النعمان لا حال حبيب، قوله [وروى عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في صلاة العيدين بقاف واقتربت الساعة] ثم بين إسناد (٢) الحديث الذي أشار إليه بلفظ، وروى مع ألفاظ الحديث، والغرض من هذا الحديث ههنا إثبات أن قراءة سبح اسم وهل أتاك في صلاة العيدين لم تك على الدوام بل ثبت قراءته ﷺ بغير هذه السور أيضًا، وأما سؤال عمر بن الخطاب أبا واقد الليثي كما ورد في هذا الحديث، فقد نبه به ذلك على أن لا بعد في سؤال الأعلم عمن هو دونه، وفي ذلك أيضًا فضل لأبي واقد الليثي ظاهر، وعلم بذلك أيضًا أن كثيرًا من المسائل قد يخفى على كبار الصحابة، ويمكن أن يكون عمر يعلمه لكن قد يكون في بيان المسألة من غير الإمام، وتقرير الإمام ما لا يكون في بيان الإمام كما لا يخفى، أو كان علمه لكنه أراد زيادة توثيق لعلمه، ولعله اعتراه الشك في ذلك والتردد، قوله [بهذا الإسناد ونحوه] يعني أن الإسناد والمتن كليهما واحد أي روى بهذا الإسناد وروى نحو هذا المتن.
[باب التكبير في العيدين (٣)].
стр. 434
قوله [في الركعة الأولى خمس تكبيرات] هذا تغليب، وإلا فليس كل الخمس قبل القراءة بل أربع منها، وهذا لما ثبت في غير هذه الرواية مصرحًا عن ابن مسعود فكان مذهب الإمام في ذلك متفقًا عليه ابن مسعود وحذيفة وأبو موسى ووجه أخذ الإمام في تكبيرات العيدين بقول ابن مسعود ما في غيره من التعارض والتنافي واتفقت في ذلك روايات أبي موسى وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود وثبت عملهم (١) بعد النبي ﷺ على ذلك فأخذنا بقولهم.
[باب لا صلاة قبل العيدين ولا بعدها (٢)].
المذهب (٣) في ذلك أنها ليست قبله لا في البيت ولا في المصلى، وأما بعده فلا يصلي في المصلى، وأما في البيت فلا بأس [وقد رأى طائفة من إلخ] ووجه قولهم أن النبي ﷺ وإن لم يصل لكنه لم يمنع أيضًا فكيف يمنع؟ والجواب منه أن النبي ﷺ لم يكن يصلي العيدين إلا بعد ارتفاع الشمس قدر ما يخرج الوقت عن حد الكراهة، فلو جازت الصلاة فيه قبل العيد لم يترك الصلاة فيه في جميع عمره مع ما علم من حرصه ﷺ على الصلاة.
стр. 435
[باب في خروج النساء في العيدين]
قوله [وذوات الخدور] هذا يعم القسمين الأولين، والغرض أن خروج النساء للصلوات، ليس للنساء اللاتي يخرجن لحوائجهن وتصير بارزة للناس بل إنما كان الخروج عاملاً لذوات الخدور وغيرها، وقوله [فيعتزلن المصلى] استدل بذلك على مرامه من (١) قال: بأن المصلى له حكم المسجد، والجواب عنه لمن لم يقل بذلك أن اعتزالهم المصلى لئلا تختلط المصلية منهن بغير المصلية فإنها مع ثيابها لا تخلو عن نجاسة، كيف وقد أمرن أن لا يخرجن متزينات، ولما يلزم في دخولهن المصلى من انقطاع الصفوف، [ويشهدن دعوة المسلمين] هذا تنبيه على شيء من فوائد الخروج، وفي ذلك إظهار شوكة المسلمين وتكثير سوادهم، وما ينعكس من أنوار صلحائهم على غيرهم وغير ذلك، وعلم بذلك أن الذي حضر قومًا وهم يصلون العصر فليس له شركة في صلاتهم لكراهة النقل وقتئذ، لكنه يشترك في دعائهم، قوله [وكرهه بعضهم] استدلت على ذلك أم المؤمنين عائشة ﵂ بما منعت نساء بني إسرائيل عن الخروج حين أحدثن ما أحدثن فقالت: لو رأى النبي ﷺ ما أحدثن لمنعهن عن الخروج، فهذا من قوله دليل على سعة علمها ووفور حكمتها، فمعنى قولها ذلك أن الشرائع من قبلنا علينا العمل (٢)
стр. 436
بما لم يتل علينا على وجه الإنكار والرد، فلما كان كذلك كانت إجازتهن إجازة لنسائنا ومنعهن حين منعن من الخروج منعًا لنسائنا حين أحدثن ما أحدثن، [وروى عن ابن المبارك أنه قال أكره الخروج] وهذا لأن خروج النساء زمن النبي ﷺ لم يكن في زمان فساد بخلاف نساء زماننا، وقوله [فإن أبت إلا أن تخرج] هذا حيلة لردهن عن الخروج وإن لم يكن ظاهره الإجازة، فإن من عادة المرأة أنها لا تخرج إلى العيد والنساء إلا متزينة.
قوله [باب ما جاء في خروج النبي ﷺ إلى العيد في طريق ورجوعه من طريق]
هذا إما لإقامة الشاهدين على خروجه كما هو المشهور، أو لاراءة شوكة المسلمين لكفارى الجانبين، أو ليتشرف الطريقان، والذين لم يخرجوا من الرجال المستضعفين والنساء والولدان بقدوم المصلين والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، لا سيما برؤية ﷺ في زمانه وبرؤية خلفائه الراشدين في أزمنتهم قوله [قد استحب بعض أهل العلم للإمام إلخ] تخصيص ذلك بالإمام ليس إلا لأنهم يخرجون ويعودون معه، [وحديث جابر كأنه أصح] ليس هذا إلا (١) لعدم الجزم بذلك فإن حديث أبي هريرة لعله مروى بطرق هي قليلة بالنسبة إلى طرق حديث جابر.
[باب في الأكل يوم الفطر قبل الخروج]
.
من المعلوم أن في أول صوم من صيام شهر رمضان ما ليس في الثاني، وفي
стр. 437
الثاني ما ليس في الثالث، وكذلك فلما كان ذلك أيامًا لا تبقى في الصوم مشقة، وكان معتادًا وكان المقصود أن لا يتعدى من الحدود التي عينها الشارع لأحكامه فوجب النهي عن النقص والزيادة في صيام رمضان أيضًا بذلك، فلما كان المسلمون قبل رمضان غير عادي (١) الصيام كفاهم أدنى منع في ذلك، فمنعه بقوله: لا تواصلوا شعبان برمضان، وأما بعد قضائهم صيام رمضان وفراغهم عنه فقد اعتادوا الصيام ولم يبق إعراض الطبيعة عن الصوم كما كان قبل رمضان فاحتاجوا إلى منع هو أشد من المنع الأول فحرم (٢) صيام أيام خمس منها يوم العيد، ثم أمر بالأكل قبل الصلاة سدًا لباب المحرم إلا أن هذا ترك في عيد الأضاحي بعارض الضيافة، ثم في ذلك المقدار من الصوم تشبه باليهود لما أن صومهم يكون هذا القدر، وليس ذلك في الأضحى لما فيه من تعجيل أمر الصلاة، مع أنه لا صوم في الأضحى حتى يلزم الزيادة على ما عين منه صورة مع أن الأولى أن يكون أول طعامه ما هو من ضيافة الرب الكريم، قوله [على تمر] إما لرخصه في العرب أو لما فيه من مناسبة بالمعدة لحلاوته.
стр. 438
أبواب السفر
قوله [لا يصلون قبلها ولا بعدها] أي تأكدًا وإلا فقد ثبت الرواية عن ابن عمر (٣) أيضًا أنه كان يصلي السنن ويروى عن النبي ﷺ ذلك، قوله [وقال لو كنت مصليًا قبلها أو بعدها لأتمتها] يعني أن التخفيف لما أثرت في الفرائض أثرت في السنن أيضًا إلا أن التخفيف في السنن ليس في تقليل أعداد الركعات إنما التخفيف فيها بنقض تأكدها الذي كان في غير السفر، فمراده أن السنن لو كانت باقية على ما كانت قبل من التأكد لم يخفف في الفرائض أيضًا، فلما ثبت بنص قطعي تخفيف في المفروض ثبت نوع منه آخر في النافلة وكان رضي الله تعالى عنه رأى من رجال معه تكلفًا في أداء السنن
فعلم أنهم يؤكدونها تأكد الإقامة فقال ذلك، قوله [وعثمان صدرًا من خلافته] ثم أتم عثمان بعد ذلك، واختلفوا (١) في الجواب عنه فقيل
стр. 439
إنما أتم لئلا يظن الحاضرون افتراض الركعتين وفيه أنه يلزم بذلك فساد صلاة كل من خلفه من أهل هذه الناحية لم أنهم صلوا خلفه فرائضهم وهو متنقل في شفعته تلك، فكيف لم ينبههم على ذلك وسكت عن ذكره، وقيل لأنه كان تأهل بمكة، وفي ذلك أن النبي ﷺ كان قد منعهم عن العود في الدار التي هاجر عنها، فكيف ارتكب عثمان رضي الله تعالى عنه مع جلالة قدره، والحق (١) في الجواب أنه كان يرى ما ترى عائشة من جواز التقصير، والاتمام كليهما عملاً بقوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ وقد كان اختيار السياق المذكور في هذه الآية مع أن الحنفية لم يقولوا بمفهوم المخالفة، ما كانوا يظنون في هذا التقصير من الإثم الكبير، وقد ثبت برواية عائشة أن فرض الصلاة إنما كان في الأول اثنان، ثم زيد في الحضر ولم يزد في السفر، وعلى هذا فلا يلزم كونه رخصة بل الأربع لم تكن فريضة أصلاً حتى تكون الرخصة وتسميته قصرًا في الآية بإضافته (٢) إلى الحضر لا إلى أصل ما فرض منها، وإن كان نسخًا فالعمل لا يجوز بالمنسوخ أصلاً فكيف يجوز الاتمام.
قوله [إلا أن الشافعي يقول التقصير رخصة له في السفر، فإن أتم الصلاة أجزأ عنه] هذا الاستثناء يدل على أن مذهب الأئمة المذكورين ههنا هو التقصير ولا يجوزون (٣) الاتمام، قوله [بذي الحليفة العصر الركعتين] هذا يدل على
стр. 440
أن التقصير في الصلاة ليس منوطًا على اتمام مدة السفر بل يكفي في ذلك مطلق أخذه في السفر، ولا يدل على أكثر من ذلك، فإن ذا الحليفة على ستة أميال من المدينة، قوله [لا يخاف إلا رب العالمين] هذا إشارة إلى أن قيد إن خفتم في الكريمة ليست مدار القصر، وهذا السفر كان عام حجة الوداع.
قوله [باب ما جاء في كم تقصر الصلاة] هذا يعم مدة الإقامة ومدة السفر فإن لفظة كم وضعها لبيان الكمية، وهي ههنا (١) تعم القسمين كما ذكرنا، وإن لم يذكر الترمذي بعد إيراد الحديث إلا بيان الاختلاف في مقدار الإقامة، وأما أن مقدار الذي يعد به مسافرًا شرعًا ما اخترناه، فالدليل عليه ما رواه مالك مرفوعًا لا نقصر من أقل من أربعة برد أو نحو ذلك، والبريد أربع فراسخ، والفرسخ قريب من ثلاثة أميال إلى الزيادة، قوله [إنه أقام في بعض أسفاره تسع من روى ثماني عشرة أو سبع عشرة أو ست عشرة، وقد ورد خمس عشرة أيضًا، وطريق الجمع أما في الثلاثة الأول فظاهر، فإن من عد (٢) يومي النزول والخروج عد تسعًا، ومن لم يعدهما قال في روايته سبعًا، ومن ذكر أحدهما ذكر ثمان عشرة، وأما الجمع بين الخمس والست ففيه إشكال.
قوله [روى عن علي أنه قال من أقام عشرة أيام إلخ] هذا مع ما ينافيه
стр. 441
عمل الأصحاب الأخر يرده عمل النبي ﷺ بخلافه، فإنه أقام بمكة عشرة أيام أو أكثر، ومع هذا لم يتمم (١) ولا يتوهم أنه أقام هذا القدر من غير قصد، وكان يريد الارتحال في أقل من ذلك، لأنه ﷺ لما نزل بمكة رابع ذي الحجة لم يكن له قصد إلا الرواح بعد الفراغ من الحج، وليس الفراغ (٢) إلا في الرابع عشر، فالقصد للإقامة كان لعشرة أيام أو أكثر من ذلك، قوله [وروى عن ابن عمر] الروايات عن ابن عمر مختلفات فكيف يعمل بإحداها دون الآخر، [وروى عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أقام أربعًا] هذا ما يرده أيضًا عمل الصحابة والنبي ﷺ في حجة الوداع فإنهم كانوا على يقين وإزماع من الإقامة أربع أيام قوله [إلى توقيت خمسة عشرة] لما روى في رواية (٣) من روايات إقامته يوم فتح مكة، ولما روى في رواية عن ابن عمر أيضًا، قوله [ثم ناوله (٤) هكذا] في رواية الترمذي في نسختنا، وأما ما أقرءناه الأستاذ أدام الله علوه فتناوله بلفظ التاء الفوقانية المثناة دون النون، قوله [فصلى تسعة عشر يومًا ركعتين ركعتين] إقامته وهي هذه (٥) لم تكن بإزعامه لإقامة هذا القدر، لأنه قد اجتمعت عليه حينئذ
стр. 442
هوزان وأهل الطائف وغيرهم فإنى له إجماع إقامة هذا القدر، وإنما أقام بهذا القدر بنية أن يخرج غدًا فلم يتفق وهكذا قوله [فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس] وهذه صلاة الزوال، وهذا دليل على أن ابن عمر رأى التأكد (١) منفيًا دون التنفل مطلقًا [وروى عن ابن عمر إلخ] هذه الروايات عن ابن عمر تشير إلى تعارض في قوله ورواياته، لكنها تجتمع بما قدمنا من أن الإنكار والنفي للتأكد والإثبات للنوافل والسنن مطلقًا.
قوله [ولم ير طائفة من أهل العلم أن إلخ] المراد بذلك أنها لا تبقى سنة، لا أنها لا تبقى جائزة، والفرق بين القول الأول وبين هذا القول أن (٢) الأولون لم يخرجوها عن السنية بل التأكد، وهؤلاء أخرجوها عن التأكد والسنية كليهما، وإنما الباقي فضل الصلوات كما قاله الترمذي بقوله ومن تطوع فله إلخ، قوله [وهي وتر النهار] إنما عدها وتر النهار لما أن أثر النهار من الضياء والاشتغال بالأعمال وغير ذلك باق إليه، وقد قال بعض أهل الظاهر لا يجوز الإفطار إلا بعد زمان من الغروب مساو لزمان الصبح الصادق.
[باب الجمع بين الصلاتين (٣)].
стр. 443
والجواب عنه أن الجمع بينهما لا يخلو من أن يكون في وقت العصر أو الظهر أو وقتيهما، فتعيين أحد هذه المحتملات تعيين من غير دليل، مع أن الذي عينوه (١) يخالف صريح قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وحاصل الجواب أنه لما لم يكن في الحديث تنصيص بجمعهما في وقت إحداهما، وإنما الاحتمال (٢) باق فقط، فلا يجوز العمل بمجرد الاحتمال على خلاف كتاب الله المجيد، ولفظة عجل إنما معناها التعجيل عن وقتها المعهود لا عن أصل الوقت، والصلاة في الحالتين أي في قوله عجل العصر وقوله أخر الظهر واقعة في وقت واحد (٣) والفرق في التعبير فقط، مع أن رواية ابن عمر الآتية من بعد ذلك فيها تصريح بما عينا من أحد الاحتمالات وهو ما سيأتي من قوله حدثنا هناد إلى أن قال حتى غاب الشفق فالقصة التي رووها عن ابن عمر أنه استغيث على بعض أهله، ففي هذه القصة تصريح في رواية أبي داؤد (٤) والنسائي من أنه قرب الشفق للغروب، وليس المراد الغروب حقيقة، فوجب حمله عليه
стр. 444
أيضًا، وإلا فكيف يصح المعنيان والقصة واحدة، أو يراد بالشفق الحمرة، فكان وقت المغرب باقيًا على مذهب الإمام، ثم قال ابن عمر إن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، فوجب حمل ما ورد من الروايات جمع النبي ﷺ بين الصلاتين على هذا، وإلا فكيف يصح قوله: كان النبي ﷺ إلخ.
قوله [باب ما جاء في صلاة (١) الاستسقاء] قد اشتهر في المتون من مذهب الإمام أنه لا صلاة في الاستسقاء، والمراد بذلك نفى سنيتها ودخولها في أركان الاستسقاء لما ثبت أنه ﷺ دعا للمطر وهو يخطب (٢) ليوم الجمعة، وكذلك ثبت منه ﷺ استسقى ولم يصل (٣)، وأما استحباب الصلاة في الاستسقاء وجوازها فيه، فلا ينكر إذ هو أدعى للإجابة، وأما تحويل الرداء فعلى هذا القياس (٤) وهو أن يجعل يمين ردائه يسارًا ويساره يمينًا، وتحته فوقًا وفوقه تحتًا. وأما جعل ظهره بطنًا وبطنه ظهرًا فليس يجتمع بهذين، قوله [وصلى ركعتين كما كان
стр. 445
يصلي بالعيد] استدل بذلك من ذهب (١) إلى مشروعية التكبيرات في صلاة الاستسقاء، والجواب أن التشبيه ليس إلا في كون الركعتين وقت ارتفاع النهار بهيئة الجماعة.
قوله [باب في صلاة الكسوف]
.
اختلفت الروايات في ركوعات هذه الصلاة، فمنهم من روى ركعتي النبي ﷺ في الكسوف بركوعين، ومنهم من روى بأربعة ومنهم من روى ستة، فمن ذلك رواية عائشة وفيها مع تناقض في الروايات أن عائشة كانت في حجرتها وقد كثرت الظلمة فأنى لنا الاعتماد على روايتها، وكذلك من روى زيادة على الركعتين بركوعين، فإن بعضهم كان بعيدًا عنه ﷺ ولا معتمد على قوله إذا خالف الأصول وروايات الأصحاب الأخر، فأخذنا بقول من قال فيهما ركوعان لموافقة الأصول وأيضًا في روايتهم ما يدل على كونهم معتمدين في ذلك، فإنه روى أبو داؤد في سننه في باب صلاة الكسوف، قال سمرة: بينما أنا وغلام من الأنصار ترمي غرضين لنا حتى إذ كانت الشمس قيد رمحين أو ثلاثة في عين الناظر من الأفق أسودت حتى آضت كأنها تنومة فقال أحدنا لصاحبه: انطلق بنا إلى المسجد، فو الله ليحدثن شأن هذه الشمس لرسول الله ﷺ في أمته حدثًا قال: فدفعنا فإذا هو بارز فاستقدم فصلى فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتًا قال: ثم ركع بنا كأطول ما ركع بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتًا، قال: ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتًا، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، قال: فوافق تجلى الشمس جلوسه في الركعة الثانية، قال: ثم سلم ثم قام فحمد الله وأثنى عليه وشهد أن لا إله إلا الله وشهد أنه عبده ورسوله ثم ساق أحمد بن يونس خطبة النبي ﷺ ، فهذا سمرة بن جندب أليس في روايته
стр. 446
ما يدل على أنه لم يحضر إلا ليرى النبي ﷺ ماذا يفعل فهلا قام في الصف المقدم وأعاره سمعه وقلبه، فكيف يرجح على روايته رواية من لم يشهده شهوده، ولم يبذل فيه مجهوده، ولم يسق القضية كسياقه ولم يخض فيها بأعماقه مثل عائشة ﵂ وعنهم، والوجه في اختلاف الروايات في ذلك أن النبي ﷺ كان أطال بهم القراءة جدًا كما ثبت بما رواه سمرة أيضًا، فالذين لم يكونوا في الصف المقدم وكان النبي ﷺ يكبر تارة ويسبح تارة، ويسمع آية تارة كانوا يظنون تكبيرته ركوعًا فيركعون، وكذلك عائشة كانت تسمع القراءة أحيانًا وتكبيراته تارة، فروت مثل ما سمعت وهذا هو السبب (١) في اختلاف الروايات عنه ﷺ في ذلك، والقضية
стр. 447
متحدة إذ لم يكسف الشمس في المدينة بعهده إلا مرة، وأما في مكة فلم يكن اقتداء ولا اجتماع بهذا القدر حتى يصلي بجماعة.
قوله [وقد اختلفت أهل العلم في القراءة (١) في صلاة الكسوف] وقد عرفت وجه الاختلاف، وقد أغنانا الرواية التي قدمناها عن سمرة عن الجواب منها [وهذا عند أهل العلم جائز على قدر الكسوف] ليت شعري من أين أثبتوا ذلك حتى يقال بجوازه، إذ الكسوف لما لم يقع إلا مرة، ولا يمكن حمل روايات الست والأربع والركعتين على فعله إذ ليس فعله فيه إلا واحدًا لم يجز العمل إلا بإحدى هذه الروايات لا أن يكون مخيرًا بين كل من ذلك.
قوله [يصلي صلاة الكسوف في جماعة في كسوف الشمس والقمر] ووجه ذلك أن كسوف الشمس لما ثبتت جماعته ﷺ فيه ثبتت جماعة فيه أيضًا، قلنا جماعة النفل مكروهة إلا ما ثبت عنه ﷺ ولم يثبت عنه في خسوف القمر جماعة، فبقى غير مستخرج عن عموم النهي، قوله [عن سمرة بن جندب] هذه هي الرواية التي أخذنا بها في عدد الركوع وهي ههنا مذكورة بطريقها التي ذكرنا، وقد قبلها (٢) الشافعي ولم يأخذ بقول عائشة.
[باب ما جاء في صلاة الخوف]
.
اعلم أولاً أن صلاة الخوف وردت عن النبي ﷺ بعدة طرق رويت في أحاديث
стр. 448
حسان أو صحاح، ويبلغ عدد صورها المذكور في الأحاديث إلى خمس (١) عشرين وثانيًا أن كل صورها (٢) جائز عند جميع الأئمة، وإنما خلاف في الاختيار وإن أيها أولى أن الإمام أبا حنيفة (٣) أنكر جواز صورتين وعدهما من خصوصيات النبي ﷺ ، إحداهما ما ورد من أن النبي ﷺ صلى بكل طائفة ركعتين فكانت له أربع ولكل منها اثنتان ففي هذه الصورة تلزم صورة المفترض خلف المتنقل فلم يجوزها الإمام لغير النبي ﷺ وثانيتهما ما ورد أنه صلى بكل
стр. 449
طائفة (١) ركعة فهذه الصورة أيضًا مؤولة عند الإمام بأن صلاتهم مع النبي ﷺ كانت هذه فحسب، لا أن كل صلاتهم كانت ركعة فحسب، وأما إذا لم يتأول هذا التأويل وكانت على ظاهرها من كونها ركعة فحسب، كانت هذه الصورة أيضًا من خصوصيات النبي ﷺ وليست بجائزة لغير النبي ﷺ ، وثالثًا أنهم اتفقوا قاطبة على جواز صلاة الخوف عند الخوف وشرعيتها لغير النبي ﷺ إلى يوم تقوم الساعة إلا أبا يوسف (٢) فإنه أنكر شرعيتها لغير النبي ﷺ وعدها من خصوصياته، ولم يأخذ بقول أبي يوسف في ذلك أحد من الفقهاء (٣) كيف وقد عملت الصحابة بذلك بعد النبي ﷺ ، وصلوا صلاة الخوف فهل خفى خصوصه على هؤلاء العصابة كافة حتى لم ينكر عليهم أحد منهم واجتمعوا على أمر غير مشروع ولم يبالغوا في تحقيق لجواز صلاتهم المفروضة، ورابعًا أن الترمذي أشار في كتابه هذا إلى شرعيتها ولم يقصد إحصاء صورها، والثابت في الأحاديث الواردة ههنا صور ثلاث إحداها ما أشار إليها بحديث ابن عمر وثانيتها بحديث سهل وثالثتها بقوله في آخر الباب وروى إلخ، وقوله [والطائفة الأخرى مواجهة العدو] في مواجهتهم العدو وأربعة شقوق ممكنة كون العدو أمامهم (٤)
стр. 450
بينهم وبين القبلة وخلفهم يمينهم ويسارهم، لكن بعض الألفاظ وهو لفظ الطائفة الأخرى، وجاء وانصرف خصص المواجهة بكونهم في غير جهة القبلة، فإنه لو كان العدو أمامهم لم يكن لتخصيص الطائفة بكونهم في مواجهة العدو وجه إذ الكل مواجه للعدو على هذا التقرير، إلا أن يقال: وجه تخصيصهم بذلك كونهم مقابلين للعدو وقت سجود الطائفة الأولى، وجاء وانصرف، إطلاقه محتمل لتقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، فعلى هذا لا يكون تخصيص لجهة من الجهات الأربع في كون العدو فيها أو عدم كونه، وأيًا ما كان فمراد ذلك الحديث إلى قوله: فقام هؤلاء فقضوا ركعتهم موافق لما اختاره الأحناف وبسطوه في كتبهم، وأما هذا اللفظ فموافق لمرامهم على احتمال وغير موافق له على احتمال، فإن المفهوم من لفظ الحديث ليس إلا أن هؤلاء قضوا ركعتهم وهؤلاء ركعتهم، وهذا بعد ما سلم الإمام، وأما أن قضاء الطائفتين هل وقع في وقت واحد؟ أو الطائفة الأولى قضت صلاتها أولاً ثم الأخرى؟ فغير مبين ولا معين، فإن الواو لمطلق الجمع، ولا يفهم منه تقديم شيء ولا تأخيره، فإن كان معنى الحديث أنهم قضوا صلاتهم معًا لم يكن على وفق ما اختاروه، وإن كان المراد أن الطائفة الأولى قضت صلاتها أولاً، كان موافق (١) مرادهم، وإن كان المراد أن الطائفة الأخرى قضت صلاتها أولاً كان خلافًا أيضًا، مع أن الصورة الثانية مرجحة على الأولى والثالثة، إذ شرعية صلاة الخوف لطلب الطمأنينة حال
стр. 451
الصلاة، فإنهم لو اشتغلوا في الصلاة معًا كانت الطمأنينة معدومة، ولا كذلك إذا صلى طائفة مبهم والأخرى مواجهة العدو، فإنه على اطمئنان في صلاتهم ولا يحصل الاطمئنان إذ قضى كل من الطائفتين ركعتهم إذا قضاها الثانية. وأما الثالثة (١) ففيها فراغ اللاحق قبل فراغ السابق، ولا عهد (٢) لنا به في الشرع، ولا يلزم شيء من هذين فيما اخترناه من الصورة فإن القاضية ركعتها أولاً أولى الطائفتين التي كبرت التحريمة مع الإمام، والقاضية الثانية التي هي مسبوقة بركعة وفيها غير ذلك أيضًا من مراعاة (٣) الأمور التي هي ملائمة للصلاة، والتي هي غير ملائمة لها وجودًا وعدمًا.
قوله [وفي الباب عن جابر وحذيفة وزيد بن ثابت إلخ] ليس المراد تعين الصورة المذكورة أولاً، إنما المراد أن روايتهم في صلاة الخوف على أي صورة كانت ثابتة، قوله [ما أعلم في هذا الباب إلا حديثًا (٤) صحيحًا] يعني أن ما ورد فيه من الروايات فهو صحيح لا ضعف فيها، فأي وجه لترجيح صورة ما على باقي الصور لحال الإسناد، وأما نحن، فقد اخترنا الصورة السابقة لئلا يلزم شيء
стр. 452
من منافيات الصلاة كتقدم فراغ المأموم على الإمام في أركان الصلاة، وانتظار الإمام المأمومين إلى غير ذلك، قوله [لسنا نختار حديث سهل إلخ] حاصل اعتراض إسحاق على صاحبه أحمد والشافعي أنه لا ترجيح من غير مرجح، ولا مرجح لحديث سهل على غيره، والجواب منا أنا لم نرجح من غير مرجح بل المرجح موجود، فإن قيل: في الصورة المختارة لكم كثرة المنافي للصلاة، قلنا: قد ثبتت المنافاة بأمر الشارع، فلما رفع المنافاة ارتفعت فلم يبق المشي والذهاب والمجيء منافيًا للصلاة حتى تضر كثرة ذلك الأمور، والجواب عن الشوافع: بأنا رجحنا حديث سهل بكثرة الطرق غير تام إذ لا ترجيح بكثرة الطرق ولا بتعدد العلل فلما لم يثبتوا ضعف باقي الروايات وسلموا حسنها وصحتها لم يبق لإحداها رجحان على سائرها، والجواب عما يرد على إسقاط فرض الاستقبال الثابت بالكتاب بخبر الواحد أن الآية مخصوصة بقوله تعالى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ في حق المتنفل على الدابة، والذي لا يعلم حال القبلة في الصحراء أو في الظلمة، والمريض الذي ليس عنده من يوجهه إلى القبلة فيجوز أن يخصص في صلاة الخوف أيضًا بخبر الواحد أو يقال: إن أخبار شرعية صلاة الخوف بلغت إلى التواتر، ولا أقل من الشهرة فجاز بها تخصيص مطلق الكتاب.
قوله [حدثنا محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد القطان نايحى بن سعيد الأنصاري عن القاسم بن محمد] وفي الثانية محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد القطان عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد، وحاصل هذا القول أن محمد بن بشار يروي الحديث عن القطان، وله أستاذان: يحيى بن سعيد الأنصاري وشعبة، فروى يحيى القطان لتلميذه محمد بن بشار تارة عن أستاذه يحيى بن سعيد الأنصاري، وليست في ذلك واسطة لعبد الرحمن بن القاسم لكنه غير مرفوع وتارة عن أستاذه شعبة وفيه توسط عبد الرحمن لكنه مرفوع، ويتبين بذلك أن
стр. 453
لفظة قال في ما سيأتي (١) فاعله شعبة ويجب أن يقدر، قال آخر: فيكون المعنى أن يحيى بن سعيد القطان لما رواها عن شعبة قال: قال لي شعبة لا أذكر لفظ الحديث إلا أني أذكر أن لفظ حديثي بعين لفظ أستاذك يحيى بن سعيد الأنصاري فاكتبه بجنب حديثه، لأنهما واحد لا فرق بينهما، أو المعنى أن يحيى بن سعيد القطان لما كان نسى عين لفظ شعبة، وكان يذكر لفظ يحيى بن سعيد الأنصاري ذكر أن لفظ رواية أستاذي شعبة مثل رواية أستاذي يحيى، وإن لم أتذكر عينه، وأما ما في روايتي يحيى وشعبة من التفاوت في رفع الحديث إليه ﷺ ووقفه
стр. 454
على سهل فغير مضر، إذ الموقوف منه في حكم المرفوع لكونه مما لا يمكن علمه إلا بإعلامه.
قوله [باب خروج النساء]
ذكر هذين البابين ههنا، هذا والذي بعده غلط من الكتاب أو سهو من المؤلف ولا وجه لا يراده ههنا، وأما لو أريد إبداء المناسبة بينهما حسب ما يكون في أبواب البخاري ورواياته فالمناسبات أكثر من أن تحصى لكنها غير مناسب.
قوله [فقال ابنه والله لا نأذنه يتخذنه دغلا] أي حيلة للفساد، واختلفت في اسم ابنه هذا فقيل: واقد، وقيل: بلال، وإنكاره هذا لم يكن إنكارًا على قوله ﷺ ومقابلة لأمره، وإنما قال ذلك تأويلاً بما ورد من نهيهن عن الخروج وبما قالت عائشة وغيرها من الأصحاب، لكنه لما أخرج كلامه في مخرج الإنكار والاعتراض غضب عليه ابن ع مر لإساءته الأدب في حضرة الرسالة عليه صلوات الله وسلامه، ما غرد (١) طائر الأيك وحمامه، ومعنى قوله: فعل الله بك أي كذا وكذا، أو فعل بك ما تستحقه إلى غير ذلك.
قوله [باب في كراهة البزاق في المسجد]
.
قيل هذا لتعظيم المسجد وقيل بل لكراهته في طبائع الناس فيتأذون به ولا يبعد أن يكون النهي لهما جميعًا، وأما كراهية البصاق يمينه وقبله فلتعظيم الملك والقبلة أو لشرف اليمين وظاهر مواجهة الرب، وفي جانب اليسار أيضًا، وإن كان الملك لكنه يجوز له أن يبصق بنية الشيطان الذي ثمة لا الملك، وهذا الحديث بعمومه شامل للمسجد وغيره فيظهر مناسبته (٢)
للباب، قوله [ولكن
стр. 455
خلفك] هذا لا يبعد في الركوع والسجود وفي القيام أيضًا، إذا لم يتحول صدره عن جانب القبلة أو يأخذه بيده ثم يرميه خلفه.
قوله [وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس] علم ابن عباس بسجود الجن لما أخبره النبي ﷺ بذلك، وأما سجود المشركين فقال بعضهم كان الشيطان أجرى على لسان النبي ﷺ كلمات فرح المشركون بسماعها فسجدوا معه حين سمعوه قرأ آية وسجد وطمعوا فيه أن يعود وهي ((تلك (١) الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي)) وهذا الجواب والوجه غلط محض لا ينبغي التعويل عليه، وإن صدر عن القوم الذين يشار إليهم بالبنان لكنه خلاف صريح، وقال بعضهم وهو أخف من الأول إن الشيطان تمثل بصورة النبي ﷺ ونادى بهذه الكلمات فسمعها المشركون والمسلمون ففرحوا به وشجنوا (٢) وهذا أيضًا خلاف، وقال بعضهم: ولا بعد فيه لو ثبت أن الشيطان نفخ هذه الكلمات في آدان أوليائه فكان ما كان، والحق (٣) في التوجيه لسجدة المشركين أن جلاله تعالى
стр. 456
وكبرياءه حين قراءة النبي ﷺ سورة النجم عم أطراف العالم وأحاط أكنافه حتى لم يبق في العالم مؤمن ولا مشرك إلا سجد بسجود النبي ﷺ وكان هذا من معجزاته، ومعنى آية الكتاب ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ليست على ما فسره في الجلالين (١) مستعينًا بالرواية التي أظهرنا لك حالها، بل المعنى (٢) ما من نبي إلا إذا قرأ خلط الشيطان بقراءته كلمات من عنده فنبه إلى النبي والرسول وألقاها في قراءته، وهذا المراد بالإلقاء لا ما قالوا، وقد فسر البيضاوي (٣) هذه الآية بما يغاير تفسيرنا وتفسير
стр. 457
الجلالين، وفي تفسيره نوع من البعد أيضًا.
قوله [قرأت على رسول الله ﷺ النجم فلم يسجد فيها] تشعبت بذلك الحديث مذاهب قال بعضهم (١) كل سجدة في القرآن ليست على العزيمة بل على الاختيار، ولذلك لم يسجد النبي ﷺ ، وقيل: ليس الحكم في كل سجدة إنما هو في سجدة النجم (٢) لما ذكرنا من الحديث، وقال بعضهم (٣) كل سجدة في القرآن فحكمها أنها تجب على المأموم والسامع إذا وجبت على الإمام والتالي، وأما إذ لا فلا، فلما لم تجب على زيد بن ثابت لعدم بلوغه (٤) لم تجب على النبي ﵇ فلم يسجد، وقيل بل الوجه (٥) أنه لا تجب السجدة على الفور
стр. 458
فلم يسجد ﷺ لذلك ولعله لا يكون على طهارة. وهذا هو الجواب عما قال غيرنا (١) [واحتجوا بحديث عمر] لما كان في الاحتجاج الأول شبهة اختصاص ذلك الحكم بسجدة النجم خاصة، ومقصود المستدل إثبات الاختيار في سائر السجدات أورد الدليل على مرامه بحيث يثبت مدعاه الذي أراد إثباته فقال: إنه قرأ سجدة على المنبر بتنكير السجدة، والجواب أما أولاً فبأن ثبوت ذلك العام لا يكون إلا في ضمن خاص فلم يثبت ما أراد إثباته من الاختيار في أمر السجود وإلا في تلك السجدة التي اقترأها عمر ﵁ خاصة، لا في كل سجدة من سجود القرآن، نعم لو قال بلسانه لفظًا يفهم منه الاختيار في الكل لكان له وجه، وظاهر قوله: ثم قرأها في الجمعة الثانية أنها هي المقروءة في الجمعة الأولى، ولو ثبت أنها غيرها لم يثبت بذلك أيضًا مرامهم لما أن العائد حينئذ يرجع على المتلوة في الجمعة الثانية فلم يثبت الاختيار إلا فيها، ولقائل أن يقول: لا فرق بين سجدات القرآن في أنها واجبة عند بعضهم وغير واجبة عند بعضهم، فمن قال بوجوبها قال بوجوبها في الكل، ومن لم يقل بوجوبها، لم يقل بوجوبها في شيء منها، وعلى
стр. 459
هذا إذا ثبت الاختيار في شيء من السجود لزم الاختيار في سائرها، إلا أن يقال لم ينعقد الإجماع على ذلك النفي والإثبات بل من المذاهب ما هو بخلاف المذهبين كما أشرنا إليه في الباب الذي (١) قبل هذا، والحق أن الجواب عما فعله عمر لا يتمشى على هذا الوجه الذي ساقه القائل، وأما ثانيًا فبأن معنى لم تكتب علينا إلا أن نشاء أداءه على الفور لا مطلق الأداء، وكذلك قوله: فلم يسجد ولم يسجدوا أي في مجلسه هذا وفي مجلسهم هذا.
وقوله [وليست من عزائم السجود] أي من مؤكدات السجود، وهذا لا ينفي (٢) وجوبه ولا ينافيه إذ المعنى أنه ليس مما ورد الأمر بسجوده آية أو رواية وإن كان واجبًا أن يسجد بسجود النبي ﷺ أو بسجود داؤد ﵇
стр. 460
ولو سلم فليس هذا من قول النبي ﷺ لكنه يرد عليه أن مثل هذا مما لم يوقف عليه إلا بإخباره ﷺ فكان غير المرفوع منه في حكم المرفوع لكنه يمكن الجواب عن ذلك بأن ابن عباس لعله استنبط عدم وجوبه بما يمكن حمله على معنى آخر غير ما فهمه، ولعله (١) استدل بأنه رأى النبي ﷺ تلاها فلم يسجد على فوره فظن أنها ليست بسجدة ثم رآه ثانيًا قرأها فسجد على الفور فظن أنها سجدة، إلا أنها ليست من عزائم السجود، بل الأمر على اختيار منه إن شاء سجدها وإن شاء لم يسجدها، ومثل هذا الجواب يمكن سوقه في حديث عمر الذي أجبنا عنه فيما سبق بوجهين.
قوله [وقال بعضهم إنها توبة نبي] هذا أيضًا لا ينافي كونها سجدة فإن السجدة إنما تثبت بسجود النبي ﷺ في موضع من القرآن ما كان من شيء، فإن داؤد ﵇ لما قبل توبة سجد شكرًا ونحن نسجدها لقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وأما قول الأحناف (٢) في سجدة الحج الثانية فلا يقبله الطبع إذ لا جواب عما قاله رسول الله ﷺ في جواب من قال: فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما، وما قالوا بأن الحديث ضعيف كما أقر به المؤلف أيضًا فضعفه منجبر لأنها رويت بأوجه ثلاثة، وأجمعوا على أن الضعيف يبلغ بذلك درجة الحسن (٣) ولعلهم احتاطوا لئلا