وكبرياءه حين قراءة النبي ﷺ سورة النجم عم أطراف العالم وأحاط أكنافه حتى لم يبق في العالم مؤمن ولا مشرك إلا سجد بسجود النبي ﷺ وكان هذا من معجزاته، ومعنى آية الكتاب ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ليست على ما فسره في الجلالين (١) مستعينًا بالرواية التي أظهرنا لك حالها، بل المعنى (٢) ما من نبي إلا إذا قرأ خلط الشيطان بقراءته كلمات من عنده فنبه إلى النبي والرسول وألقاها في قراءته، وهذا المراد بالإلقاء لا ما قالوا، وقد فسر البيضاوي (٣) هذه الآية بما يغاير تفسيرنا وتفسير
стр. 457
الجلالين، وفي تفسيره نوع من البعد أيضًا.
قوله [قرأت على رسول الله ﷺ النجم فلم يسجد فيها] تشعبت بذلك الحديث مذاهب قال بعضهم (١) كل سجدة في القرآن ليست على العزيمة بل على الاختيار، ولذلك لم يسجد النبي ﷺ ، وقيل: ليس الحكم في كل سجدة إنما هو في سجدة النجم (٢) لما ذكرنا من الحديث، وقال بعضهم (٣) كل سجدة في القرآن فحكمها أنها تجب على المأموم والسامع إذا وجبت على الإمام والتالي، وأما إذ لا فلا، فلما لم تجب على زيد بن ثابت لعدم بلوغه (٤) لم تجب على النبي ﵇ فلم يسجد، وقيل بل الوجه (٥) أنه لا تجب السجدة على الفور
стр. 458
فلم يسجد ﷺ لذلك ولعله لا يكون على طهارة. وهذا هو الجواب عما قال غيرنا (١) [واحتجوا بحديث عمر] لما كان في الاحتجاج الأول شبهة اختصاص ذلك الحكم بسجدة النجم خاصة، ومقصود المستدل إثبات الاختيار في سائر السجدات أورد الدليل على مرامه بحيث يثبت مدعاه الذي أراد إثباته فقال: إنه قرأ سجدة على المنبر بتنكير السجدة، والجواب أما أولاً فبأن ثبوت ذلك العام لا يكون إلا في ضمن خاص فلم يثبت ما أراد إثباته من الاختيار في أمر السجود وإلا في تلك السجدة التي اقترأها عمر ﵁ خاصة، لا في كل سجدة من سجود القرآن، نعم لو قال بلسانه لفظًا يفهم منه الاختيار في الكل لكان له وجه، وظاهر قوله: ثم قرأها في الجمعة الثانية أنها هي المقروءة في الجمعة الأولى، ولو ثبت أنها غيرها لم يثبت بذلك أيضًا مرامهم لما أن العائد حينئذ يرجع على المتلوة في الجمعة الثانية فلم يثبت الاختيار إلا فيها، ولقائل أن يقول: لا فرق بين سجدات القرآن في أنها واجبة عند بعضهم وغير واجبة عند بعضهم، فمن قال بوجوبها قال بوجوبها في الكل، ومن لم يقل بوجوبها، لم يقل بوجوبها في شيء منها، وعلى
стр. 459
هذا إذا ثبت الاختيار في شيء من السجود لزم الاختيار في سائرها، إلا أن يقال لم ينعقد الإجماع على ذلك النفي والإثبات بل من المذاهب ما هو بخلاف المذهبين كما أشرنا إليه في الباب الذي (١) قبل هذا، والحق أن الجواب عما فعله عمر لا يتمشى على هذا الوجه الذي ساقه القائل، وأما ثانيًا فبأن معنى لم تكتب علينا إلا أن نشاء أداءه على الفور لا مطلق الأداء، وكذلك قوله: فلم يسجد ولم يسجدوا أي في مجلسه هذا وفي مجلسهم هذا.
وقوله [وليست من عزائم السجود] أي من مؤكدات السجود، وهذا لا ينفي (٢) وجوبه ولا ينافيه إذ المعنى أنه ليس مما ورد الأمر بسجوده آية أو رواية وإن كان واجبًا أن يسجد بسجود النبي ﷺ أو بسجود داؤد ﵇
стр. 460
ولو سلم فليس هذا من قول النبي ﷺ لكنه يرد عليه أن مثل هذا مما لم يوقف عليه إلا بإخباره ﷺ فكان غير المرفوع منه في حكم المرفوع لكنه يمكن الجواب عن ذلك بأن ابن عباس لعله استنبط عدم وجوبه بما يمكن حمله على معنى آخر غير ما فهمه، ولعله (١) استدل بأنه رأى النبي ﷺ تلاها فلم يسجد على فوره فظن أنها ليست بسجدة ثم رآه ثانيًا قرأها فسجد على الفور فظن أنها سجدة، إلا أنها ليست من عزائم السجود، بل الأمر على اختيار منه إن شاء سجدها وإن شاء لم يسجدها، ومثل هذا الجواب يمكن سوقه في حديث عمر الذي أجبنا عنه فيما سبق بوجهين.
قوله [وقال بعضهم إنها توبة نبي] هذا أيضًا لا ينافي كونها سجدة فإن السجدة إنما تثبت بسجود النبي ﷺ في موضع من القرآن ما كان من شيء، فإن داؤد ﵇ لما قبل توبة سجد شكرًا ونحن نسجدها لقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وأما قول الأحناف (٢) في سجدة الحج الثانية فلا يقبله الطبع إذ لا جواب عما قاله رسول الله ﷺ في جواب من قال: فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما، وما قالوا بأن الحديث ضعيف كما أقر به المؤلف أيضًا فضعفه منجبر لأنها رويت بأوجه ثلاثة، وأجمعوا على أن الضعيف يبلغ بذلك درجة الحسن (٣) ولعلهم احتاطوا لئلا
стр. 461
تقع السجدة في وسط الصلاة إذا لم تكن ههنا سجدة في نفس الأمر.
قوله [باب ما يقول في سجود القرآن]
.
لما قرأ النبي ﷺ في سجدته للتلاوة هذه الكلمات، كان قراءتها فيه سنة، إلا أن الأولى عند الإمام قراءة تسبيح السجود فيها أيضًا لما أنه ثابت بالكتاب ووارد فيه، وكان دوام تلاوته ﵇ لذلك دونها، قوله [يقول في سجود القرآن بالليل] تخصيص الليل ليس إلا لأنها لم تسمعها إلا بالليل وليس ههنا حكم النهار على خلافه.
قوله [باب ما ذكر فيمن فاته حزبه من الليل فقضاه بالنهار]
.
المراد بذلك تفسر ما ورد في الكريمة ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ يعني أن كلاً منهما خلف للآخر، فكان العمل في أحدهما ينوب عنه في الآخر، ولا يكون ذلك قضاء لعدمه في النوافل، وإنما المعنى بذلك حصول هذا الثواب، وتسميته قضاء باعتبار تعيينه، وهذا فضل منه ومنة على عباده وإلا فالفضل الذي كان للعمل في وقته ليس له في غير ذلك الوقت لكنه لما كان يريد أن يؤديه في وقته الذي عينه يثاب على القدر الذي كان يثاب في سائر الأيام والتقييد في الحديث بأحد الشقين في قوله: من فاته حزبه من الليل فقضاه بالنهار دون أن يذكر الثاني أيضًا، وهو من فاته حزبه من النهار فقضاه بالليل، ليس لمغايرة بين حكميهما بل لما أن اكثر أوارد أكثر
стр. 462
الأصحاب كانت معينة في الليل والحكم في أوراد النهار يعلم بالمقايسة، وصرح بذكر ما هم إليه يحتاجون في الأكثر.
قوله [باب ما جاء من التشديد في الذي يرفع رأسه قبل الإمام (١)].
جوزى هذا الرجل بتبديل رأسه (٢) رأس حمار لماله من المناسبة بالحمار في فعله هذا، فإنه فعل فعل المتبوع مع كونه ليس بالمتبوع بل من الأتباع، لما له من الحق في سوء صنيعته تلك أو ليس يدري أن تعجيله ذلك ليس يفيده شيئًا ولا يمكنه الفراغ عن الوقت إلا وقت فراغ الإمام فكان جهده ذلك لغوًا وعبثًا، وما يتوهم من أنه ينافي (٣) إخباره ﷺ ودعاءه في هذه الأمة بعدم المسخ، فساقط إذ
стр. 463
العدم إنما هو تعلق المسخ بجماعة كما كان يوجد في بني إسرائيل لا مسخ واحد أو اثنين أيضًا، فلما كان المسخ ممكنًا في حق كل فرد فرد من المصلين وجب الخشية حقًا.
قوله [باب ما جاء في الذي يصلي الفريضة ثم يؤم الناس]
.
إطلاق المغرب (١) على العشاء في هذا الباب مجاز، واستدل القائلون (٢) بجواز صلاة المفترض خلف المتنقل بحديث معاذ هذا فأجاب عنه (٣) بعض علمائنا بأن ذلك كان في زمان يصلي الفريضة مرتين ثم لما نسخ هذا نسخ ذلك، وأجابوا أيضًا بأن آخر الحديث يدل على أن النبي ﷺ يقرره على ذلك، ولا يكون فعل الصحابة ﵃ حجة إلا إذا ثبت أنه ﷺ قررهم عليه ولم ينههم عنه، وههنا قد ثبت أنه ﵇ أمر معاذًا بترك ذلك قوله: أفتان
стр. 464
أنت يا معاذ، ثم قال: إما أن تصلي معي أي فلا تصل بالقوم، وإما أن تخفف عن قومك، أي إن لم تصل معي وصليت بهم فعليك بالتخفيف، لكنه يرد على ذلك أن النبي ﷺ لما لم يأمرهم أن يعيدوا صلواتهم علم أن أمره إياه بذلك إنما كان للتخفيف عليهم أو التردد على سبيل منع الخلو أي لا تترك هذين الأمرين: الصلاة معي والتخفيف على قومك، ولا يضرك جمعهما بأن تصلي معي ثم تؤم قومك وتخفف عليهم، والجواب أن عدم الذكر لا يستلزم عدم الوجود، ومنشأ الخلاف بيننا وبين الشافعي أنه يقول: صلاة الجماعة صلاة على سبيل الاجتماع، وليس بيني المأموم على صلاة الإمام صلاته ومعنى قوله: الإمام ضامن ليس إلا أنه ضمن لهم قراءة ما دون الفاتحة، وعندنا ليس الأداء على سبيل الجماع فقط، بل المؤتم يبني صلاته على صلاة الإمام، ومعنى قوله ﷺ : الإمام ضامن أن الإمام تضمنت صلاته صلاة المأموم فلا تكون أقل حالاً من صلاته ولا غيرها (١) فلا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل ولا بمفترض آخر، وإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاته، لما أنها كانت مبنية على صلاته والشافعي يخالفنا في جميع ذلك، ويبتني على ذلك الأصل المختلف فيه بيننا وبينه ما قال من جواز اقتداء الرجال بالصبي، واستدل (٢) على ذلك بحديث عمرو بن
стр. 465
سلة قال: أممت على عهد رسول الله ﷺ وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين، وهذا لأن صلاة الصبي لا تكون إلا نافلة، والحديث مع ما ضعفه الكبار (١) مثل الحسن وأحمد ففيه ما قال عمرو الراوي: وكنت إذا سجدت خرجت أستى وهذا غير جائز اتفاقًا بيننا وبينه، ولكنه يرد عليه أن هذا جائز على أصله الذي مهده بأن فساد صلاة الإمام لا يؤثر (٢) في صلاة المقتدين، فيجوز أن تكون صلاتهم جائزة وصلاته فاسدة، ولصباه لم يؤمر بالإعادة.
قوله [واحتجوا بحديث جابر في قصة معاذ وهو حديث صحيح] أما
стр. 466
صحة الحديث فغير مفيدة مع أنها لا تنكرها، وأما الاحتجاج به فدونه خرط القتاد (١) فأي دليل لهؤلاء على أن الصلاة التي كانت بالنبي ﷺ ، كانت بنية الفريضة، والتي كانت في مسجده كانت نافلة بل الأمر كان بالعكس، وأما التي ورد فيها من زيادة وهي له نافلة، فلم يثبت (٢) عن الثقات إنما زاده بعض الرواة ظنًا منه ذلك، ولا يتوقف على مراد معاذ رضي الله تعالى عنه من غير أن يبين بلسانه ولم يثبت.
قوله [وروى عن أبي الدرداء] إن كان المراد بذلك أن مطلق صلاته جائزة لا الفريضة وفي الفاسدة يراد فساد الفريضة لا مطلق الفساد، لا يحتاج إلى جواب إذ هو عين مذهبنا، وإن كان مراده أن صلاته تلك كافية عن فرضه، فقول الصحابي في مقابلة الحديث (٣) غير واجب العمل، ولقائل أن يقول في الجواب عما ذكر وجب حمل الحديث على معنى (٤) لا ينافي قول الصحابي إذا كان
стр. 467
يمكن ذلك كما فعله الشافعي ههنا.
[باب الرخصة في السجود على الثوب]
.
قوله [سجدنا على ثيابنا] أي التي كنا لابسيها، إذ جواز السجدة على غيرها كان (١) معلومًا [اتقاء الحر] يمكن أن يكون في غير موضع مسقف ولا يبعد بلوغ الحر إلى ذلك الحد في مسجده ﷺ إذ لم يك سقفه إذ ذاك حاجزًا وحصينًا يمنع وصول أثر الشمس إلى الأرض وكان قريبًا، وأما السجود على كور العمامة فإن كان مانعًا وصول الجبهة التي على الأرض فغير جائز وإلا فحكمه حكم غيره من الثياب الملبوسة.
[باب ما ذكر مما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح إلخ]
في وضع الباب إشارة إلى دفع ما يتوهم من عدم جواز الجلوس فيه نظرًا إلى أمر النبي ﷺ للتطوع في البيت، وما يتوهم من عدم الأجر في القعود في المسجد بعد صلاة الصبح لأن الأجر موقوف على كون الجلوس بانتظار الصلاة ولا صلاة بعد الصبح ينتظرها، بأن الأجر في الجلوس بعد الصبح مأمول وانتظار الصلاة عام للفريضة والنافلة، وأداء النافلة في المسجد مشروع.
قوله [كانت له كأجر حجة وعمرة] الواو إما لأصل معناه وهو الجمع فيكون وعدًا بإيتاء ثواب هذين لكل جالس أو بمعنى أو، فيكون تفاوت الأجر بتفاوت حال الأجير في إخلاص نيته وصفاء طويته، والمناسبة بين هذين والجلوس في المسجد غير خفية فإن الحاج المعتمر حابس نفسه في ضيافة الله وبيته الشريف كما أن الحابس في مسجده حابس نفسه في بيته فيضاف ضيافته، وههنا نكتة لطيفة ينحل بها كثير من المشكلات الواردة في الأحاديث وهو أن لكل عمل من
стр. 468
أعمال الخير ثوابًا عند الله وأجرًا عينه لذلك العمل، ولنفرض لذلك مثالاً في عرفنا وهو أن ثواب الحج نفسه مثلاً الذي عينه للحج ألف قنطار من الثواب ثم إن لكل عمل فضلاً وإنعامًا عند الله عينه منة منه على العباد وإحسانًا وهو للحج مثلاً ألف ألف قنطار مثلاً، إذ ليس تضعيف الحسنات عند الله واقفًا عند حد، فقد ورد في ذلك أن الحسنة بعشرة أمثالها وقد ورد مثل ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وهكذا في غير الصدقة من الأعمال، فعلى هذا كان مقدار الأنعام على كل حسنة كثيرًا من كثير، ولقد تبين بذلك أن ثواب العمل (١) نفسه، وهو الأجر الحاصل بذلك العمل أكثر بكثير من ثواب نفس العمل، وهو ما عين له علاوة من الأنعام، فبناء على هذا ثواب نفس الحج من غير أن ينعم عليه يساويها ثواب الركعتين عند الطلوع، وأما إذا حج فثوابه (٢) أزيد بكثير من ذلك، وبذلك يستنبط المراد من قوله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ يساوي ثلث القرآن، وقراءة يس يساوي قراءة القرآن عشر مرات إلى غير ذلك، فإن هذا كله يساوي ثواب القرآن الذي كان أجر نفس القرآن، وأما إذا قرأ القرآن نفسه فثوابه يشمل كل ذلك ويفضل عليه كثيرًا، والله الهادي إلى سواء السبيل.
قوله [تامة تامة تامة] لما كان هذا الثواب الكثير يستبعد على هذا العمل القليل، كان لمتوهم أن يتوهم أن هذه الحجة والعمرة لعلهما ناقصتان وليستا باللتين ورد في فضلهما ما ورد، دفع هذا بقوله تامة تامة تامة، قوله [وسألت محمدًا إلخ] هذا أيضًا بناء على الاستبعاد، فلعل الرواة نسوا في ذلك شيئًا فدفعه، فلذلك أقر
стр. 469
المؤلف أولاً بحسنه.
[باب ما ذكر في الالتفات في الصلاة]
.
الالتفات (١) على ثلاثة أقسام أن يكون بمؤخر العين أو بلفت (٢) الوجه أو الصدر، ولما (٣) قال النبي ﷺ يا بني إياك والالتفات في الصلاة، وقال أيضًا حين سئل عنه: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل، وكان الاختلاس على أقسام، اختلاس الشيء نفسه فلا يبقى عندك منه شيء والاختلاس بحيث لا يذهب منه شيء والاختلاس بحيث يبقى أكثره، وكان المراد في أكثر الأمر عن الشيء إذا أطلق الفرد الكامل منه، فكان يظن بمفهوم هذين الحديثين فساد الصلاة بالالتفات إذا الكامل من الاختلاس هو القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي ذكرناها ويظن أيضًا حرمة الالتفات في الصلاة نظرًا إلى قوله: يا بني إياك والالتفات في الصلاة، دفع هذا كله بالالتفات في الصلاة فثبت بفعله ذلك أن المراد بالاختلاس ليس هو القسم الأول منه، وأن الالتفات في الصلاة ليس إلا منافيًا لخشوعه وخضوعه، وهذا إذا لم يكن معه تحويل للصدر من القبلة. ولا يبعد أن يقال: حكم الاختلاس على الالتفات مشعر بزيادته ونقصه، فإن كان الالتفات بالغًا نهايته كان الاختلاس كذلك فعلم بذلك فساد الصلاة بتحويل الصدر عن القبلة، وإن لم يبلغ الالتفات نهايته بأن اكتفى بلفت الوجه لم تبلغ الخلسة غايتها وينتفي الحضور، ثم للحضور وعدمه مراتب كما للالتفات وعدمه، ومع ذلك فقد ثبت منه ﷺ بعض أقسامه، فكان تصريحًا (٤) بما علم من تلك الجزئيات بهذه الكلية، والذي لم يثبت منه ﷺ من
стр. 470
أنواع الالتفات يرجع فيه إلى قواعد أخر أيضًا حتى يعلم أن المرتب على هذا النوع من الالتفات أي نوع من الاختلاس، فرأينا أن من لوى عنقه بحيث لم يتحول صدره عن القبلة، فإن التفاته وإن كان غير قليل لكنه لما لم يفوت فرض الاستقبال لا تفسد صلاته.
وقوله [لا يلوي عنقه خلف ظهره] هذا اللي لا يمكن إلا إذا تحول الصدر عن القبلة، وأما مطلق اللي فممكن بدون التحويلة كمن ينظر إلى يمينه ويساره وأما كماله وهو المعبر عنه باللي خلف الظهر فلا، ولما لم يثبت هذا القسم منه ﷺ بل نفاه الراوي، كان مفسدًا للصلاة، وكان القسمان الأولان من الالتفات غير مفسدين لها، ويمكن أن يقال إن الراوي لما نفى عنه اللي كان تحويل الصدر أنفى منه، غير أن الفساد لعدم الاستقبال إذًا.
قوله [وقد خالف وكيع الفضل] الرواية المتقدمة كانت للفضل والآتية لوكيع، والمخالفة بينهما بوجهين (١) قال الفضل عن ثور بن زيد، وقال وكيع عن بعض أصحاب عكرمة، وذكر الفضل بن عباس ولم يذكره وكيع، قوله [فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة] وسع في النوافل ما لم يوسع في الفرائض، إذ التضييق في النوافل محرجة إذ لا وقت لها بخلاف الفرائض.
[باب الرجل يدرك الإمام ساجدًا] .
قوله [حدثنا هشام بن يونس الكوفي نا المحاربي عن الحجاج بن أرطاط عن أبي إسحاق عن هبيرة]، وههنا (٢) تحويل لم يذكره، حدثنا هشام بن يونس
стр. 471
الكوفي نا المحاربي عن عمرو بن مرة عن ابن ليلى إلى آخر ما قال.
قوله [فليصنع كما يصنع الإمام] هذا يعم قبل (١) الافتتاح وبعده، يعني ليس له أن ينتظر قيام الإمام قبل الافتتاح ولا بعده. بل يكبر كما جاء ويشترع مع الإمام في الذي يصنعه، لأن في قيامه هناك منتظرًا له لمخالفة المسلمين وتأخير العبادة، ولذلك قال بعضهم لعله لا يرفع رأسه حتى يغفر له، ووجه ما ورد من عدم الاعتداد بما دون الركوع، أن أركان الصلاة هي القيام والقراءة وهما كالواحد في أن إدراكهما معًا وفوتهما معًا، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، والركوع والسجود، وإذا فاته اثنان من هذه الثلاثة لم يدرك الأكثر فلم يعتد وأما إذا عد السجدتان ركنين، فلأن الأكثر حينئذ أيضًا غير مدرك، لأنه لم يدرك من الأربعة إلا الاثنين ويمكن جعله جوابًا عمن قال: إن السجدتين لما لم يعتد بهما إلا وأن تكونا مع الركوع، فماذا يجدي الاشتراك مع الإمام فيهما فدفعه بقوله: فليصنع.
[باب كراهية أن ينتظر الناس الإمام وهم قيام]
.
لما أن ذلك يثقل على الإمام لما فيه من تقاضي (٢) خروجه حسب ما يفهم من ظاهر صورة القيام. ويكون عند قيامهم منتظرين له تأخير الإمام في الخروج ثقيلاً عليهم، ولأن قيامهم هذا يخل بقيامهم في الصلاة لكونهم قد حسروا قبله،
стр. 472
قوله [قال بعضهم إذا كان الإمام في المسجد إلخ] لما كان علم بالحديث ما إذا لم يكن الإمام في المسجد من قبل، وأما إذا كان موجودًا فيه من قبل فماذا حكمهم في القيام؟ فقال: إنما يقومون إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وقيل: بل يقومون عند الحيعلتين وكلاهما متقارب، وهذا إذا كانوا معتادي تسوية الصفوف سريعًا، وأما إذا كان الأمر كما في زماننا أنهم لا يفرغون عن تسوية الصفوف إلا في زمان كثير، فلهم أن يقوموا قبل الأخذ في التكبير، قوله [عن زر] وفي أكثر النسخ عن زر بن حبيش، قوله، [قال كنت أصلي والنبي ﷺ ] مبتدأ محذوف الخبر أي جالس أو حاضر وقوله [ومعه] خبر لأبو بكر وعمر، وصلاته كانت نافلة أو بقية من فريضته وقوله [سل تعطه] هذا يجوز أن يكون في الصلاة أو بعدها، ومعنى قوله: جلست على الأول للتشهد وعلى الثاني عن الصلاة أي فرغت عنها، وهاء تعطه يجوز أن تكون للوقف أو تكون ضمير المفعول وهذا تخصيص منه على أن يفعلوا مثل ما فعله الرجل لكونه أدعى للإجابة.
[باب في تطييب المساجد]
.
قوله [في الدور] المراد بها المحلة، فالمراد المسجد المعروف أو الدور أنفسها، فالمراد موضع للصلاة في البيوت، قوله [وهذا أصح من الحديث الأول] يعني أن وقفه (١) أصح من الرفع [وقال سفيان ببناء المساجد في الدور] إنما عين سفيان هذا المعنى ذاهبًا إلى أن أصل الأمر هو الوجوب، ولا يجب اتخاذ البيوت مساجد وإنما هذا على (٢) الاستحباب، قوله [صلاة الليل والنهار
стр. 473
مثنى مثنى] قد سبق أن معناه التشهد بعد كل ركعتين، ولا ينافيه كون الرواية الصحيحة بغير ذكر النهار لأنا لم نقل بمفهوم المخالفة، وقوله: الصحيح يعني عن ابن عمر وإن كانت عن غيره يصح فيها ذكره الليل والنهار.
قوله [فقال إنكم لا تطيقون ذلك] هذا إشارة منه إلى أن الغرض من العلم العمل، ولما لم ير منهم أن يداوموا على ذلك، أراد أن لا يعلمهم لئلا يكون عبثًا ولكنهم قالوا: من أطاق منا فعل، ومن لم يطق علمه المطيق فبينه لهم، وحاصله أنه ﵎ من على عباده وترك لهم لأمر معيشتهم وقتًا مديدًا يمكن لهم فيه تحصيل أقواتهم وقضاء حاجاتهم، ولكنه ﷺ بين لهم سننًا ونوافل ليجمعوا بذلك بين فضلي الدنيا والدين، ولا يكونوا في دولة الآخرة من الخاسرين فأحاط الأوقات بأسرها في طاعة رب العالمين حتى لا يعدوا بذلك من الغافلين ويصدق قوله تعالى عليهم ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فقابل الإشراق بالعصر، والضحوة الكبرى بالظهر، قلت: ولعل العشاء مقابل بالتهجد وإن لم يذكره علي رضي الله تعالى عنه شفقة عليهم (١) وخوفًا أن لا يعلموا بما يعلمونه فيخسروا بذلك، إذ كما أن العشاء في الثلث الأول من الليل كذلك التهجد في الثلث الأخير منه.
قوله [باب كراهية الصلاة في لحف النساء]
.
المراد بذلك أرديتهن، ويقاس على ذلك غيرها من الثياب، ووجه ذلك ما مر في فضل طهور المرأة من أنها لا تحتاط في أمر الطهارة والنجاسة وغير ذلك، وأيضًا فيه انتشار خواطره إليها لتصوره إياها برائحتها التي في ثوبها، ومع ذلك فالصلاة فيها جائزة ما لم تتحقق النجاسة، وهذا إذا لم يخف فتنة، وأما إذن فلا، أي لا يجوز له أن يفعل ذلك، وجازت الصلاة إن صلى.
стр. 474
قوله [وصفت الباب في القبلة] أي كان أمامه لا في جانب منه ولا خلفه، وهذا إشارة منها إلى أن وجهه وصدره ﷺ لم ينحرف عن القبلة حتى يفسد الصلاة، وهذا لا ينافي ما سبق من أن حجرته ﷺ كان في يسار المسجد، وكان بابها في المسجد، فإني ما وصفت من كون بابها في جهة القبلة، لأن المراد بذلك (١) أنه كان واقعًا أمامه ﷺ حتى لم يفتقر في وصوله إلى محاذاة الباب إلى تحول عن القبلة بل مشى قدامه حتى إذا كان الباب بجنبه مد يده، وفتح الباب ثم رجع إلى مكانه ولم يك متصلاً بجدار الباب حتى يلزم قيام عائشة منتظرة تسليمته بل كانت بينه ﷺ وبين الجدار فرجة أمكنها المرور فيها.
[باب ما ذكر في قراءة السورتين في ركعة]
.
هذا ظاهر نظرًا إلى قوله كان رسول الله ﷺ يقرن بين كل سورتين في كل ركعة، [سأل رجل عبد الله بن مسعود عن هذا الحرف] غير آسن أو ياسن فقال: كل القرآن قرأت غير هذا، أشار بذلك إلى أن المرأ يجب عليه رعاية الترتيب فيما يتعلمه من العلوم، وإلى أن السائل إذا لم يكن الجواب عن سؤاله على قدر فهمه، أو ليس له إلى علمه كثير فاقة يجوز للمسئول عنه التمطل في الجواب بحمل سؤاله على
стр. 475
غير مراده أو إشغاله بذكر شيء آخر، أو بيان أن ذلك ليس على قدرك أو غير ذلك من الأعذار، وكان ابن مسعود ظن السائل لم يقرأ القرآن وأن سؤاله هذا ليس لرغبة له في تحقيق كلامه سبحانه بل جاريًا على ما يعتاد العوام من إكثار السؤال فيما لا يعنيهم، والإلحاح في تحقيق ما لا يعنيهم، إلا أنه اتفق ههنا أن الرجل كان قد قرأ القرآن ثم أشار إلى أن مقتضى ترتيب العلوم في التحصيل أن يكون مطمح نظرك ومنتهي فكرك التدبر في آياته والتفكر في نصوصه وإشاراته، وأما تحقيق القراآت، فأمر زائد لا يحتاج إليه كثيرًا، وإن كان فبعد (١) ذلك، وقوله [إن قومًا ينثرونه نثر الدقل] هذا جواب عما قاله الرجل، ولكنه غير مذكور ههنا، وهو أنه قال: قرأت المفصل في ركعة، فرد عليه ابن مسعود وقال: إن ناسًا يقرأونه ولا يستلذون به ويهذونه هذا الشعر، فلعل قراءتك من هذا القبيل، والدقل الردي من التمر، وهذا تصوير لقراءتهم بحيث يتقرر في ذهن السامع تصويرًا لما لا يحس بنقصه بما يحسن نقصانه، ونقلاً لما يقل وقوعه بما يكثر، فكما أن الرجل إذا أكل الدقل -وهو ردي التمر- لا يمكنه في فمه كثيرًا، وكذلك القراء المذكورون لا يمكنون الألفاظ تمكينًا ولا يجودون الحروف تجويدًا بل يسرعون في نثر ألفاظ القرآن ولفظ حروفه إسراع أكل الدقل في لفظه عن فمه إذ ليس فيه شيء من الحلاوة يمصه ويستلذ به بخلاف أكل الجيد منه والرطب فإنه لا يكاد يلفظه وفيه بقية من الحلاوة، وعلى هذا أمر التلاوة، ومعنى قوله [فيه لا يجاوز تراقيهم] إما إلى العلو فهو كناية عن عدم القبول أو إلى داخل القلب، فالمراد به خلو قراءتهم عن التأثير ثم اختلف في أن الإكثار من القرآن أفضل من غير أن يبالغ في الترتيل أم المبالغة في التجويد
стр. 476
أفضل وإن قل من قدر المتلو، ولا شك أن القليل منه أفضل من الكثير الذي ليس فيه تصحيح الحروف وأداؤها عن مخارجها، وأما قوله [النظائر التي إلخ] فالمماثلة في مضامينها أو مقاديرها أو مقادير آياتها، ولا يجب تحقق كل من ذلك في كل منهما، بل الواجب في كل قرينتين شيء من هذه الأمور، والله أعلم بالصواب.
[باب الذكر في فضل المشي إلى المسجد].
وما يكتب له من الأجر في خطاه. هذا تخصيص على الإتيان إلى المساجد والحضور فيها من الأماكن البعيدة والظلمات والليالي وغير ذلك، وقوله [إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة] هذان مستلزمان أحدهما الآخر، فإن من عليه الذنوب كلما انحط عنه ذنب ترقت درجة عما كانت عليه قبل الحط، ولا يبعد أن يقال: إن الحط لمن عليه ذنوب، ومن ليس عليه ذنب بتوبة أو غيرها من المكفرات، كان إتيانه المسجد كفارة له في بعض ما عليه (١) ثم صار نقيًا من دنس الآثام، فما بقى من الطريق يكون ترقيًا له في مدارجه، والله أعلم، وأو، إما للشك أو للترديد.
قوله [عليكم بهذه الصلاة في البيوت] الإشارة إلى نافلة المغرب، لا يستدعي مغايرة الحكم في سائر النوافل يعني أن الإشارة إليها بلفظ هذا لا تخصص الحكم بها كما فهمه من منع أن (٢) يصليها خاصة في المسجد دون غيرها والتخصيص بالإشارة إليها إنما هو ولوقوع نافلتهم إذًا حيث منعهم، ويمكن أن تكون الإشارة إلى جنس النوافل إلا أن الظاهر حينئذ أن يقال: عليكم بهذه الصلوات، بلفظ الجمع وليس الأمر ههنا للوجوب إلا عند شرذمة (٣) من أهل الظاهر،
стр. 477
فقد ذهبوا إلى أن هذه الصلاة خاصة يجب أن تكون في البيوت، ولذلك أشار الترمذي إلى أنه غير معمول به، بل المعمول به هو الجواز أخذًا برواية حذيفة أن النبي ﷺ صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة، إذ لا يحتمل لفظة فما زال أن يكون صلى الركعتين بعد المغرب في بيته ثم عاد.
[باب في الاغتسال عندما يسلم الرجل]
.
هذا الغسل مسنون (١) ليوافق تطهير باطنه من نجاسات الكفر والشرك بتطهير ظاهره بما تلبسه في الكفر من الشعائر والأوساخ، فمن ذلك حلق ذؤابته وإزالة زناره وغير ذلك، ولكن لا يؤخر الإسلام لأجل الغسل، بل المسارعة فيه واجبة ما كانت، قوله [بماء وسدر (٢)] إلقاء ورق السدر لما لها من دخل في إزالة الأوساخ بسهولة، ولذلك تستعمل في غسل الميت لانعدام الدلك هناك.
[باب ما ذكر من التسمية في دخول الخلاء]
.
الثابت ههنا من التسمية لفظة بسم الله فقط، ومحله في الكنف المبنية قبل
стр. 478
الدخول فيها، وفي الفضاء قبل كشف العورة.
قوله [أمتي يوم القيامة غر من السجود محجلون من الوضوء] هذه علامة أمة محمد ﷺ ، فقيل: لم يكن في الأمم السابقة وضوء، بل كان الوضوء لأنبيائهم فقط، وقيل المختص بهذه الأمة هو التحجيل من آثار الوضوء فحسب لا الوضوء أيضًا، وأيًا ما كان فهذا سيماء هذه الأمة يوم القيامة يعرفون بها، وهذا ترغيب على الوضوء وحث على لزوم الصلوات، إذ لا يفيد الطهارة دونها، وتخصيص الغرة بالسجود ليس لأن أثر الطهارة لا يكون في الجبهة بل لأن الغالب في الجبهة هو أثر السجود، لما أن الجبهة أصل في السجود، وأما في غير الجبهة من الأعضاء فعل (١) أثر الطهارة أعلى من أثر السجود وأغلب، أو هو مساو له، فلذلك لم يذكر ههنا لفظ السجود، بل قال: غر من السجود محجلون من الوضوء، والتحجيل، بياض في قوائم الفرس.
[باب ما يستحب من التيمن في الطهور]
.
التيامن ثابت منه ﷺ في كل ما فيه شرف من الأفعال كالترجل والتنعل وغيرهما، وما ليس كذلك فالمستحب فيه التياسر كنزع الخف والثوب ودخول الكنف وغير ذلك، وأما مسح الأذنين فسقط فيه التيامن لما أنه تابع مسح الرأس ولا تيامن فيه لعدم اليمين (٢) واليسار، فلا يكون حكم التبع على خلاف الأصل.
[باب ما يجزئ من الماء]
.
стр. 479
قد بينه أولاً لكنه معنون بعنوان (١) آخر، مع أن علماء هذا الشأن عمومًا والحافظ الترمذي خصوصًا لا يبالون بالتكرار، قوله [يجزئ في الوضوء رطلان] المراد بإيراده ههنا بيان أن ما قدمنا في بيان مقدار الماء في الوضوء ليس (٢) تحديدًا لا يجوز الزيادة عليه أو النقص منه، إذ قد ثبتت الزيادة على ذلك بقوله ﷺ ، ولكنه يعلم من ههنا صحة ما ذهب إليه الإمام من أن الصاع ثمانية أرطال لأنه أربعة أمداد، والمد مختلف فيه، فبيانه ﷺ ماء الوضوء بقوله رطلان، بيان مراده بالمد، فقد قال الراوي ابن جبر عن أنس راوي حديث: يجزئ في الوضوء رطلان من ماء، عن أنس أيضًا أن النبي ﷺ كان يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمسة مكاكي، والمكوك مشترك بين المد والصاع، وقرينته مقابلته بخمسة مكاكي، يعين المد ههنا، فهل لا يلزم من ذلك كون المد رطلين وإلا خولف بين روايتيه عن أنس، وحاصله أن ابن جبر روى عن أنس أن ماء الوضوء رطلان، وهو يروي عن أنس وضوءه بالمكوك ولا يمكن حمل المكوك ههنا على الصاع، لأن وضوءه بالصاع لم يثبت في شيء من الروايات فوجب حمله على المد فكان المد رطلين، ولا تخالف رواياته، ولكن للمخالف أن يقول: إن أنسًا إنما روى عنه فعلين مختلفين فلا يجب حملهما على محمل واحد، فإنه ﷺ توضأ بالمد مرة وبرطلين أخرى، والصحيح في الاستدلال ما روى عنه أنه توضأ بالمد (٣)
стр. 480
رطلين أو نحوه، وأيضًا علم بذلك أن صاع العراق رائج من زمان النبي ﷺ ، وليس نسبته إلى هشام لأنه (١) وضعه بل لما أنه شاع بين البلاد في زمانه، قوله [ويغسل بول الجارية (٢)] لما فيه من اللزوجة دون بول الغلام فيكفي فيه الغسل الخفيف المعبر عنه بالرش دون بول الجارية.
قوله [أن يتوضأ وضوءه للصلاة] وهذا لخروجه عما هو خلاف الأولى وإلا فكيفيه المضمضة وغسل يديه إلى رسغيه، قوله [ولا يرد على الحوض] الرواية بدون ياء المتكلم بحر الحوض وبياء المتكلم بنصب الحوض، والمراد به الورود في أول وهلة، ومعنى قوله: ليس مني أنه لم يفعل فعلي ولا فعل أمتي فكأنه ليس مني أو أنه ليس في ظاهره مني لأنه ارتكب ما لم يرتكبه من كان مني، [والصلاة برهان] أي على الإسلام والإيقان، قوله [والصوم جنة حصينة] لأن اختياره حرارة العطش والسغب في دنياه يمنعه عن لبس حرارات النار.
[فقال اتقوا الله ربكم] هذا أصل كبير يدخل فيه الامتثال بالأوامر كلها والاجتناب عن المعاصي جلها، ولكنه خص من ذلك بعض الأحكام تنبيهًا على
стр. 481
عظمة شأنها والاهتمام ببيانها فكأنها لم تدخل فيما سبق حتى احتيج إلى التصريح بها، ولم يذكر الحج، لا لأنها لم تفرض بعد، فإن الخطبة واقعة في حجة الوداع بل لأن المخاطبين بذلك الأمر كانوا قد فرغوا من حجهم فلو قيل لهم: وحجوا بيت ربكم لربما أوهم تكرار الحج عليهم في العام المقبل فتركه اتكالاً على ما بينه في غير هذا المقام أو لأن الحج لا يجب على كل أحد بخلاف هذه الأحكام، قوله [قلت: منذ كم سمعت؟ قال: سمعت وأنا ابن ثلاثين] أي لم أك طفلاً لا يعتد بكلامي أو يظن بي عدم الفهم أو قلة الحفظ إلى غير ذلك.
وهذا آخر أبواب الصلاة ويليه الجزء الثاني وأوله أبواب الزكاة.
стр. 482
- (الجزء الثاني) -
стр. 483
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أبواب الزكاة عن رسول الله ﷺ
[قوله قرآني مقبلاً فقال هم الأخسرون ورب الكعبة] لم يكن قوله ﷺ هذا قصدًا منه برؤية أبي ذر ليسمعه بل كان النبي ﷺ لعله كشف عليه شيء من أحوالهم فاتفق إتيان أبي ذر في زمان قول النبي ﷺ ذلك، فلما سمع أبو ذر هذا ولم يكن هناك أحد يتكلم بالنبي ﷺ خاف أبو ذر وجلس مفكرًا في نفسه لعلي أذنبت ذنبًا أو نزل في شيء، ثم إنه لم يطق أن يصبر حتى سأل النبي ﷺ من هم فداك أبي وأمي فقال [هم الأكثرون] والمراد بذلك أصحاب النصب أي نصاب المال من النقدين وغيرهما، وقد صرح بالمال الناطق بعد ذلك فالظاهر أن يراد بالأول الصامت، وفي ذلك تأييد لما ذهب إليه (١) الإمام من أن الدراهم الكثيرة
стр. 484
والمال الكثير هو النصاب لا دونه لكنه يخدشه أن الواقع في الحديث صيغة التفضيل فلا يتم الاستدلال على الكثير (١) نعم يستدل بذلك على لفظ الأكثر فليسأل، ولعل الجواب أن التفضيل غير مقصود لما أنه قد ورد في تلك الرواية بعينها في طريق آخرهم المكثرون فلما كان كذلك كان المراد بهما واحدًا مع أن الاستدلال بالرواية الثانية التي ذكرناها تام لا محالة وأيضًا فالكثرة عند الشرع علم اعبتراها بالنصاب بهذه الروايات.
[قوله إلا من قال هكذا وهكذا فجيء بين يديه وعن يمينه وعن شماله] في ذلك تأييد لما ذهب إليه الإمام من أن الفضل على قوت يوم في أداء الزكاة خلاف الأولى وجه التأييد أن النصاب لما كان أقله مأتى درهم فزكاته لا تكون إلا خمسة دراهم فكيف يمكن نشره في يمينه وخلفه وشماله وبين يديه إذا أعطى كل فقير زائدًا على قوت يوم لا أن يكون (٢) فقيرًا ذا عيال فإعطاؤه القدر الكثير
стр. 485
إعطاء لكل مسكين بقدر القوت.
[قوله أعظم ما كانت وأسمنه] أي على أحسن هيئاتها التي كانت عليها في الدنيا لأنه كان يضن بها ويفرح في هذه الحال أكثر من ضنه وفرحه في غير ذلك فيجازى به في تلك الهيئة و [قوله كلما نفذت إلخ] في بعض (١) الروايات كلما نفدت أولاها عادت عليه أخراها توجيهه أن يعتبر الأول من الجانب الأخير إذ الأول والأخير اعتبار فإن اعتبر وضع القدم (٢) كان أولاها من الجانب المتقدم وإن اعتبر العد فالأكثر كون السائق خلفها فيعتبر الأول من جانبه وفي جانبه أولاها هي أخراها في وضع القدم.
قوله [حتى يقضي بين الناس] يعني أن وطيها إياه ينتهي بانتهاء القضاء فبعد ذلك إن كان إنكاره بقلبه أيضًا جوزى بإحراق قلبه في نار جهنم وإن كان مقتصرًا على ظاهره فحسب بأن كان معتقدًا فرضيته فلعل الله يعفو عنه ويقتصر على تخريب ظاهره جزءًا على إنكاره في الظاهر.
стр. 486
[قال الأكثرون أصحاب عشرة آلاف] إنما اضطر (١) إلى هذا لأن الوعيد المذكور يحقق أن هذا ليس في الإعطاء التطوع فكان فرضًا ومقدار الفرض لا تبلغ إلى حد ينشرها في جميع جهاته إلا أن يكون قد ملك عشرة آلاف دراهم وأنت تعلم ما بينا في توجيهه (٢) فالظاهر (٣) أن هذا تفسير للمكثرين في بعض الأحوال يعني أن المكثر قد يطلق على هذا المعنى أيضًا.
[قوله إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك] واستدل بهذا الحديث من أنكر وجوب الأضحية قلنا فيلزم أن لا يجب صدقة الفطر مع أنكم قلتم بفرضيتها فما هو جوابكم فهو جوابنا، ويمكن أن يقال إن معناه قد قضيت ما عليك من الزكاة (٤) أو من نققات التطوع أو أديت ما ورد الوعيد بتركه أو قضيت ما عليك
стр. 487
ما ذكره الله تعالى في كتابه بقوله ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ﴾ الآية، أو يقال إن قوله ذلك كان قبل وجوب الفطرة (١) والأضحية أو المراد قضيت ما وجب بالكتاب، وإن كان بعض ما وجب بالسنة باقيًا بعد، والحق في الجواب أن هذا بيان للحقوق التي تجب بنفس المال ولا تحتاج في وجوبها إلى سبب آخر بل سبب وجوبها المال فقط، وإن شرط في ذلك شيء آخر وليس هذا إلا الزكاة، وأما صدقة الفطر والأضحية فإنما وجوبهما مضاف إلى سبب آخر وإن كان المال مشروطًا فيهما فإن الأضحية لو تعلق وجوبها بنفس المال كالزكاة لما ساغ للمالك أن يأكل منها كالزكاة بل الواجب فيها هو الإراقة بعارض الضيافة وهو حاصل بالذبح فيجوز الأكل بعد ذلك منها لعدم تعلق القرية بعين اللحم فهلا أنكر الشافعية بذلك الحديث وجوب نفقة الزوجات والولد الصغار والأبوين المحتاجين والأقرباء الآخر إذا كانوا محتاجين غير قادرين على الكسب وهو غني وهلا أعفاهم عن الحج والصوم والصلاة فإن كلمة ما عامة وتخصيصه بالمال خلاف الظاهر.
стр. 488
[وقوله إلا أن تطوع] مثل ما (١) ذكرنا فيما تقدم.
[قال كنا نتمنى أن يبتدئ الأعرابي العاقل] كان ذلك حين منعوا (٢) عن السؤال من غير حادثة نجمت أو واقعة وقعت، وكان السبب في ذلك مبالغتهم في السؤال عما لا يغنيهم وكان ذلك لما عليه النبي ﷺ من حسن الخلق الذي لا يتصور عليه مزيد وكانوا بعد المنع يحبون أن يسأل أحد فيسمعوا عن النبي ﷺ حكمه ولم يمنع الأعراب ومن أتى من بعد فإنهم كانوا مرخصين في المسألة ما شاؤوا مما وقع ولم يقع وذلك لما في الإتيان لمسألة مسألة من الحرج عليهم وقيده بالعاقل لأن من لا يعقل فلعله يفعل شيئًا يسوء به النبي ﷺ أو أصحابه ولأن غير العاقل ليس في سؤاله كثير فائدة لأنه لا يسأل إلا على قدر فهمه، وكان من جملة دلائل عقل هذا السائل أنه لم يعتمد في اعتقاديات مذهبه وأصول أعماله على خبر الواحد وأنه جيء بين يديه ﷺ ، وأنه ذكر في تحليفه الأول ما ذكر به المحلوف عظمة شأنه وجلال كبريائه حتى لا يقدم على الحلف الكاذب باسم الرب ﵎ الذي هو شأنه ثم لما أقر برسالته اقتصر على الحلف بالمرسل، ولم يحتج إلى ذكر خلق تلك المخلوقات العظام ثانيًا وإنه لما علم أن الرسالة لا يثبت أمرها إلا بشهادة ملك ولا يمكن رؤيته في صورته وإذا تصور بصورة بشر فمن أين الاعتماد على أنه ملك فاقتصر على التحليف لأنه لم يجد إلى الإشهاد سبيلاً ولقد علمت بذلك أن الاعتماد والحكم على الحلف واجب عند انتهاء البيئة وأنه وثب بعد سماع ذلك وتقريره ولم يلبث لئلا يقع لبث في تبليغ ما أرسله قومه لتصديقها ووكلوه من
стр. 489
جانبهم كافة لتحقيقها ولئلا يكون طول جلوسه ثقلاً عليه ﷺ وظنه ذلك بنفسه لحقارتها عنده لا يستلزم أن يكون كذلك في نفس الأمر أيضًا.
[فقال والذي بعثك بالحق لا أدع منهن شيئًا ولا أجاوزهن] المراد بذلك أن لا أتصرف بزيادة ولا نقصان في تبلغيها أو المراد لا أنقص ولا أزيد في أركانها وواجباتها وأفعالها التي علمتنيها، ولا يبعد أيضًا أن يقال لا أزيد ولا أنقص عن هذه الأركان الأربعة أو لا أزيد ولا أنقص على هذه في اعتقاد وجوب العم بها أو لا أزيد على هذا معتقدًا بوجوب الزيادة وكذا في شق النقصان غاية الأمر أنه يلزم القول بعدم إقراره التطوعات في جميع (١) ذلك ولا ضير فيه، لأن هذه الأفعال كافية في دخول الجنة وهو الذي قاله النبي ﷺ والتطوع لرفع الدرجات ولم يذكره.
[وقوله إن صدق الأعرابي] أي بلغه كما قال أو فعله كما قال دخل الجنة لأنه بلغه غيره، فالظاهر أنه لا يتركه أيضًا.
[قوله قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق] هذا دليل لما قال الصاحبان من عدم وجوب الزكاة في الخيل (٢) ومن أقوى أدلة الصاحبين أن النبي ﷺ لما
стр. 490
لم يبين مقدار نصاب الخيل ولا مقدار الواجب فيه علم أنه لا زكاة فيها وإلا فكيف يتصور عنه ﷺ أن لا يذكر هذا النوع مع كثرة (١) احتياجهم إليه ولم يخل عن استعماله زمان عسر ولا يسر والجهاد ماض إلى يوم القيامة وعلى هذا المذهب قرائن من كلام النبي ﷺ لا يتمشى في أكثرها تأويل ولا جواب (٢) فالظاهر أن الذي ذهبا إليه هو الصواب، مع أنه لا شك أن الذي اختاره الإمام أحوط المذاهب وعليه قرائن (٣) أيضًا من الروايات، وما ورد من الروايات المشعرة بعدم وجوب الزكاة فهي عند الإمام محمولة على خيول الركوب أو الغير السائمة وما يشعر منها بالوجوب فيها فهي عند المنكرين محمولة على ما إذا كانت للتجارة، فالزكاة فيها إذًا على حساب أموال التجارة والعروض.
[قوله حتى قبض فقرته بسيفه] وفي العبارة تقديم وتأخير والأصل أنه ﷺ كتب كتاب الصدقة فقرنه بسيفه فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض وفرضيته الزكاة قيل في السنة الثانية من الهجرة، وقيل الثالثة وقيل فرض الصوم في الثانية من الهجرة والزكاة في الثالثة، وقيل على العكس، وقيل غير ذلك وأيًا ما كان فالعمل قبل الكتابة يجوز أن يكون على هذا إلا أنه كان غير منصوص عليه عند عمال
стр. 491
الصدقة بالكتابة بل كانوا يعلمون ويعملون بقوله ﷺ .
[قوله ففيها حقتان إلى عشرين ومائة] وعلى هذا اتفق العلماء من لدن عهد رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا، وأما قوله ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون هذا عند الشافعي ﵀ (١) وأما عند الإمام فالواجب استئناف الفريضة بعد العشرين ومائة، ووجه ذلك زيادة (٢) هذه العبارة التي أخذ بها الإمام في بعض الروايات، ولعل الشافعي ﵀ لم تبغله أو لم يعتبرها.
[ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمعي هذا أن الحكمين يجب الامتثال بهما على المالك وعلى المصدق ومعناهما إذا كان خطابًا للمالك أنه لا يجمع بين متفرق مثل أن يكون لرجلين ثمانون شاة لكل أربعون، فأرادوا أن يجمعوهما لكيلا تجب فيا شاتان بل يجزيهما واحدة فنهاهما عن ذلك وأما معنى قوله ولا يفرق بين مجتمع مثل أن يكون لرجل سبعون شاة فخاف أن يأخذ المصدق منها شاة ففرقها اثنين في كل قطيع خمس وثلاثون، وأظهر المالك لكل قطيع مالكًا على حدة فلا يأخذ منها لقلتها عن مقدار النصاب ومعنى قوله مخافة الصدقة مخافة كثيرة الصدقة أو مخافة وجوب الصدقة، وهذا علة للنهيين جميعًا وأما إذا كانا نهيين للمصدق فمعنى قوله لا يجمع جمع مالين كل منهما لا يبلغ النصاب على حدة، ومعنى قوله لا يفرق بين مجتمع كأن يكون لرجل مائة وعشرون شاة ففرقها المصدق ثلاثًا ليأخذ في كل أربعين شاة وقوله مخافة الصدقة معناه مخافة قلة الصدقة أو مخافة أن لا تجب الصدقة لو لم يفعل ذلك.
[وقوله فإنهما يتراجعان بالسوية] أي على قدر حصصهما [وقوله ولا ذات عيب] أي الذي يضر بنقصان القيمة.
стр. 492
[وفي كل أربعين مسنة] أشار بأول الجملة من الحديث إلى أخذ المسن ههنا أيضًا والتفاوت بين الذكر والأنثى من الغنم في أداء الزكاة هدر لأن الشرع أمر بإيتاء الشاة حيث قال النبي ﷺ في كل أربعين شاة شاة واسم الشاه يتناولهما وكذلك البقر والجاموس لإهدار تفاوت ما بينهما، ولعل ذلك في عرفهم لعدم استعمالهم بذكور البقر (١) وأيًا ما كان فيجزى فيهما الذكر والأنثى سواء وأما الإبل فلم تؤمر فيها إلا بأداء الإناث فإن أدى الذكر منها لم يجز عن (٢) الزكاة إلا أن تبلغ (٣) قيمته الواجب فيجزى به لذلك فكأنه أدى القيمة لا نفس الإبل.
[قوله عن أبي عبيدة عن أبيه عن عبد الله] أشاروا إلى تغليط هذا والترمذي أيضًا يؤمى (٤) إلى ذلك والظاهر أنه يدل بإعادة الجار قوله [ومن كل حالم دينار] هذا ليس مبنيًا على أن الجزية على هذا القدر وإنما كان الصلح على ذلك ولذلك ورد في بعض طرق هذه الرواية من كل حالم وحالمة مع اتفاق العلماء قاطبة أنه ليس على المرأة (٥) جزية ومذهبنا منقول عن عمر وعلي وعثمان وغيرهم والتفصيل في الهداية في باب الجزية ومذهب الإمام (٦) في ذلك أن يؤخذ من
стр. 493
الفقراء درهم في كل شهر ومن الغنى أربعة في كل شهر ومن المتوسط درهمان في كل شهر والدينار عشرة دراهم عند الإمام، وهذا الذي نأخذ من فقراءهم يفضل على قدر الدينار فكيف بالذي نأخذ من أغنيائهم فلا مصير إلا إلى الجواب الذي ذكرنا وهذا ثابت بتاريخ الثقات وبالحديث الآخر [أو عدله معافر] نوع من الثياب يجلب من اليمن.
قوله [فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله] هذا أول ما يجب على العاقل وبهذا يثبت وضع كل شيء في مرتبته من التقديم والتأخير [قوله فإن هم أطاعوا لذلك] وإن لم يطيعوا ففيهم السيف أو الجزية [وقوله ترد على فقراءهم] دفع لما عسى أن يتوهموا أن هؤلاء إنما يفعلون ما يفعلون ليجمعوا بذلك أموالاً، فلما أمر بردها إلى فقرائهم لم يبق لهم توهم وعلم بذلك أيضًا أن المفتي والقاضي والواعظ وغير ذلك إذا ذكر شيئًا يتبادر إليه شبهته ينبغي أن يدفعها لئلا يفسد بذلك عقائد الناس وعلم بذلك أيضًا أن زكاة كل بلدة يفرق على فقراءها أو إلى أحوج منهم [وقوله ليس بينها وبين الله حجاب] لا يقتضي الحجاب في غيرها إذ المقصود منه لما كان هو السرعة في الإجابة لم يبق معناه الحقيقي مقصودًا وفيه إشارة إلى النهي عن أن يأخذ خيار أموالهم فإن ذلك ظلم يكون سببًا لدعوة المظلوم.
[قوله وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة] قال (١) الإمام ليس هذه
стр. 494
المسألة عن قبيل العشر حتى يستدل بها عليه وإنما ذلك في الزكاة كما أن سائر ما ذكر ههنا في بيان الزكاة، ووجه ذلك أن النبي ﷺ لما رأى تفتيشهم قيم الطعام ليدفعوا عن قدره الزكاة عن أموالهم للتجارة عين النبي ﷺ لهم مقدارًا يبلغ قيمته النصاب في العادة، وكان غالب معاملتهم بالوسق، ولكن الإنصاف خلاف ذلك فإن تفاوت أسعار الثمار والشعير والحنطة غير قليل، فكيف يعلم ماذا أراد النبي ﷺ بذلك حتى يعلم حكمه ولا يبعد أن يقال وسع عليهم في ذلك أن لا يحرجوا فكان هذا حكمًا عامًا لجميع أنواع الأطعمة التي كانت توجد عندهم.
[قوله ليس على المسلم في فرسه ولا عبده صدقة] هذا مما يدل على مذهب الصاحبين، وهذا محمول على عبيد الخدمة ودواب الركوب عند الإمام، وأنت تعلم أنه قول من غير بينة إلا أنه يدل عليه إضافته إلى نفسه فإن المراد لو كان على الإطلاق لما أضيف إليه إذ الملك مستفاد بقرينة إيجاب الزكاة عليه إذ لا يجب الزكاة إلا على المالك.
قوله [في العسل في كل عشرة أزق زق] هذا ظاهر على مذهب الإمام (١)
стр. 495
وليس ذكر عشرة أزق تحديدًا للنصاب حتى لا يجب العشر في أقل منها، وإنما هي بيان لمقدار الواجب في العسل بأنه زق في عشرة أزق، ومنع الشافعي ﵀ وحمله على دود القز (١) والجواب أن القز إنما يتولد بأكل الدودة أوراق الأشجار، وليس فيها عشر حتى يجب فيما يتولد منها ولا كذلك النحل فإن العسل إنما يتولد بأكلها من ثمار الأشجار وأزهارها، وفيها العشر ثم إن أبا يوسف ومحمد رحمهما الله اشترطا نصابًا لا يجب العشر في العسل ما لم يبلغه، وقد ذكره في الهداية (٢) مع اختلاف الروايات عنهما في ذلك ولم يقدر عند الإمام بنصاب ينتفي الوجوب بقلته عنه.
[قوله لا زكاة على المال المستفادة حتى يحول عليه إلخ] فيه شقوق فإن مستفيد المال إما أن يكون قبل استفادته فقيرًا لا شيء له فلا اختلاف في وجوب الزكاة بعد