أبواب الحج عن رسول الله ﷺ
[باب ما جاء في حرمة مكة]
لما كانت شرافة هذه البقعة الشريفة وكرامة تلك الأماكن اللطيفة تستدعي زيارتها من غير افتقار إلى وجوب الحج وفرضيته أشار إلى ذلك أولاً ثم ذكر بعده ما هو بصدده من ذكر الحج وأركانه وشرائط وجوبه وأدائه لتستقر في القلوب بسبب وفور الرغبات إليه.
قوله [عن أبي شريح العدوى] نسبة إلى عدي قبيلة من (بياض) (١) صحابي (٢) [لعمرو بن سعيد] وكان مقعدًا زمنًا عاملاً ليزيد بن معاوية أرسله على مدينة النبي ﷺ فلما فرغ من تخريبها وقتل أهلها وفعل ما فعل وحصل قتل حسين ﵁ أرسله إلى مكة لقتل عبد الله بن الزبير وكان عبد الله بن الزبير هذا قد أخذ البيعة من أهل مكة ومن حواليها بعد موت معاوية ﵁، فذهب إليه عمرو بن سعيد وهذا الذي أشار إليه (٣) في هذا الحديث بقوله وهو
стр. 562
يبعث البعوث إلى مكة، ثم اعلم أن عمرو بن سعيد هذا أقام على مكة مدة يجادل ويقاتل ويرمي على أهل مكة بالمجانق والنيران حتى احترقت وانهدمت أستار الكعبة حرسها الله وجدرانها ولكنه لم يقدر على قتل ابن الزبير إلى أن وصلت إليه بشارة نعي يزيد فانصرف عنها خائبًا خاسرًا، ثم ولى الخلافة بعده معاوية بن يزيد فجمع الناس وقال لهم اعلموا أن هذه الخلافة قد ارتكب فيها جدي ما لم يكن له أن يرتكب مع ما ناله من شرف الصحبة مع النبي ﷺ وقد رأيتم من يزيد ما فعلها من سوء صنيعته بأهل بيت النبي ﷺ وأصحابه وإني لا آمن على نفسي أن أنال بها مكروهًا في ديني فخلع الخلافة عن نفسه، وقال لو من شئتم فتولى مروان فلم يتيسر له قتل ابن الزبير ﵁ ثم لما وصلت النوبة إلى عبد الملك بن مروان وطلب الحجاج وجعله عاملاً قتل ابن الزبير ﵁ في زمنه.
قوله [ايذن لي أيها الأمير] يعلم من ههنا أن الأمر بالمعروف مقيد بما لو رجئي الآمر لقبول ولم يخف على نفسه وإنه يجب أن يكون على حسب منزلة المقول له فإن أبا شريح مع كونه صحابيًا لم يقله لعمرو بن سعيد إلا بعد استئذانه منه.
قوله [سمعته أذناي] دفع بذلك ما يتوهم من أنه لعله سمعه بواسطة أحد من أصحاب النبي ﷺ [ووعاه قلبي] دفع بذلك شبهة النسيان والغلط وعدم فهم
стр. 563
معنى كلامه ﷺ عن نفسه [وأبصرته عيناي] حين تكلم به أي كان بمرأى مني ومسمع فلا يتوهم أني ظننت غير النبي ﷺ إياه ولا أنى لبعدي منه اشتبهت (١) في شيء من كلامه.
قوله [إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس] الجملة الثانية مؤكدة للأولى والغرض من قوله هذا أن تحريمها (٢) لما كان منه كان قطعي العمل يخاف من هتك حرمتها ما يخاف من ارتكاب المنهيات الأخر وأما لو كان التحريم من الناس لم يكن في هتكها بأس فإنهم ناس ونحن أناس.
قوله [لا يحل لإمرئ يؤمن بالله] أشار بذلك إلى أن هتك حرمة البيت ليس من شأن المؤمن فإنه إذا كان مؤمنًا بالله وبشهوده بين يديه يوم القيامة كيف يتيسر له أن يهتك حرمة بيته وهذا الإقدام منه مشعر بقلة استيقانه وضعف إيمانه.
стр. 564
قوله [أن يسفك بها] الأولى أن يكون الدم ههنا عامًا يشمل جميع ما له (١) روح وقيل بل المراد به دم الإنسان وسائر الحيوانات تبع له أو مقيس عليه قوله [ساعة من نهار] والمراد بها (٢) مطلق الوقت لا الساعة العرفية وهي في يوم فتح مكة قوله [بالأمس] المراد بالأمس الزمان المتقدم مطلقًا ولا يبعد أن يراد به الأمس بالنسبة إلى ساعة التحليل.
قوله [أنا أعلم منك بذلك] إنما قال له أعلم نسبة إلى أبي شريح لأنه لم يستثن منه ما كان يجب استثناؤه، ولعله لم يستثن إما لعدم صدق الاستثناء ههنا لأن ابن الزبير لم يكن عاصيًا ولا فارًا بدم ولا خربة لأنه لم يخالف أمام حق وسيجيء بعض بيانه عند سرد (٣) هذه الرواية أو لأن مذهبه كان مثل مذهبنا في أن من فر إليها بدم أو خربة (٤) أو كان عاصيًا لا يجوز قتله هناك بل يضيق عليه حتى
стр. 565
يخرج فينتقم لعموم قوله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا﴾، ومذهب عمرو بن سعيد إما أن يكون مثل مذهب (١) الشافعي رحمه الله تعالى وظن ابن الزبير عاصيًا في نفس الأمر أو يكون هذا أيضًا من مفاسد طويته وخبث نيته، ومن ثم قيل لكلام عمرو بن سعيد الذي أجاب بها أبا شريح أنها كلمة حق أريد بها الباطل لأنه لا يصدق على ابن الزبير، ثم اتفقوا على إقامة الحدود والقصاص فيمن ارتكب الجناية ثمة إنما الخلاف بيننا وبين الشافعي ﵀ فيمن جنى ثم دخل مكة وكذلك ما دخل في الحرم من صيد غير الحرم، فإن الشافعي ﵀ يخرج جميع ذلك من الأمن ونحن على خلافه والاستثناء المتفق عليه بما ورد من العمومات في إقامة الحدود والقصاص، وبما ثبت من عمل الصحابة ﵃، وسيجيء بعض بيانه حيث تيسر.
قوله [تابعوا إلخ] والمراد بقوله تابعوا بين الحج والعمرة الحث على موالاتهما والترغيب في الدوام على إتيانهما لا أن يقتصر على الفريضة فحسب ولا يرغب في النافلة قوله [وليس للحجة المبرورة] وهو (٢) ما ليس فيه رفث ولا فسوق ولا
стр. 566
غيرهما من ترك الواجب أو ارتكاب المنهي عنه [ثواب إلا الجنة] ليس المراد بذكرها نفي ما سواها إنما ذكر أعظم أجزيتها ليدخل فيه ما دونها كنفي الفقر والذنوب إلى غير ذلك والصغائر مغتفرة لا محالة، ولا ضير (١) في العموم فإن الاستغفار والندامة لازمة.
قوله [من ملك زادًا وراحلة تبلغه (٢) إلى بيت الله] زاد هذه الصفة (٣) لئلا يتوهم وجوب الحجة على من ملك زادًا وراحلة دون ذلك وحيث أطلق ولم يوصف فالمراد به هو هذا والمراد بالزاد هو الذي يعتاده في الحضر فلا يجب عليه لو ملك أدون من ذلك، وكذلك المراد بالراحلة هي الراحلة في جميع السفر ذهابًا وإيابًا وترك ذكر المصير اتكالاً على الفهم.
قوله [فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا] لأنه لما فعل فعلهم فإن لم يعتقد وجوب الحج فهو ظاهر وإن اعتقد ولم يحج فقد تشبه بهم وكان مثلهم في كفران نعمة الإسلام أو صار كواحد منهم لأنهم لا يعتقدون الحج لأنهم إنما يعظمون بيت المقدس لا الكعبة [وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه إلخ] استدل بالكتاب على كلا الأمرين (٤) اللذين بينهما بقول من ملك زادًا إلخ.
стр. 567
وقوله [فلا عليه أن إلخ] وتمام الآية دال على الثاني وهو قوله تعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ إلخ كما أن أول الآية دال على الأمر الأول وهو تعليق الوجوب باستطاعة السبيل زادًا وراحلة قوله [الزاد والراحلة] تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فحسب يفي أن أمن (١) الطريق ووجود المحرم للمرأة شرط لوجوب الأداء لا نفس الوجوب، لأن السكوت (٢) في موضع البيان بيان فتجب الوصية بالحج لو لم يتيسر بهذين وكذلك من وجد الزاد والراحلة ولم يقدر على الركوب أو كان أعمى أو زمنًا وجب عليه الإيصاء بالحج عنه عند أبي يوسف ﵀ ومحمد ﵀ ورجحه في الفتح.
[باب ما جاء كم فرض الحج]
فرض ماض مجهول، والمراد كم مرة فرض الحج واحدة أو أكثر قوله [لما نزلت ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾] [قالوا يا رسول الله إلخ] ليس المراد ترتب القول على نزول الآية ترتيب الأجزية على شروطها لأن نزول الآية كان قبل السؤال (٣) بأعوام، بل المراد بعدية السؤال عن نزول الآية
стр. 568
أينما كانت فالمراد أنهم لما سمعوا في خطبته ﷺ التي خطب بها الناس في حجة الوداع بيان وجوب الحج وكانوا قد قرأوا من قبل قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فترددوا في أن الوجوب هل هو في العمر مرة أو في كل عام فسألوا عن النبي ﷺ عنه فأجابهم بقوله لا ولو أجابهم بقوله نعم لوجب في كل عام ووجه الوجوب بقول ﷺ أنه سبحانه تعالى كان جعل (١) أمر الحج في تعيين مرات وجوبه في يده ووقفه على اختياره فما أوجبه وجب وقد يكون (٢) للعبد مع مولاه وللخادم مع مخدومه وللولد مع والده وللمحكوم مع حاكمه شأن وتقرب ينسب فيه كل ما يصدر من هذا القبيل إليه وللواجب سبحانه شئون فتارة يحكم بقهره فلا يمكن لأحد من الأنبياء المرسلين ولا الملائكة المقربين إلا الخوف والخشية وتارة هو في أردية لطفه ورحمته فلا أحد من الطاغي والعاصي إلا وهو يرجو من نواله فيمكن أن يكون للنبي ﷺ مثل ذلك فقال كنت حينئذ بحيث ما أوجبته وجب وما حرمته حرم فلو قلت نعم لوجب في كل عام والفرق بين الوجهين أن في الوجه الأول وكل إليه ﷺ تعيين مرات وجوب الحج فحسب بخلاف الثاني فإنه عام لكل
стр. 569
حكم ثم قد نشأ من جميع ذلك أن النبي ﷺ أنكر على السائل سؤاله ولم يرض به ولم يكن لذلك الإنكار وجه في الظاهر فوجه الإنكار بقوله (١) إذ كان الله تعالى انزل عليهم من قبل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ والفاء في قوله ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ليست لتعقيب النزول بالمسألة، لأن آية النهي عن المسألة كان نزولها قبل (٢) السؤال الوارد في الحج بل الفاء للعلية أي إنما أنكر ذلك لأن الله ﵎ كان قد أنزل النهي عن المسألة أو يقال فيه حذف والمعنى فقد كان أنزل الله قبل هذا نهيًا عن السؤال فكان إنكاره ﷺ على سؤاله مطابقًا لأمره لا يقال يمكن أن يستنبط من سؤالهم هذا اقتضاء الأمر (٣) التكرار ولو
стр. 570
لم يقتض لما سألوا عنه ذلك وإنما جاء عدم التكرار من قوله ﵇ لأمن أن الأمر لا يقتضي التكرار قلنا لم يكن لهم ارتياب في أن الأمر لا يقتضي التكرار وكانوا على يقين من أنه يتكرر بتكرر السبب كما هو المسلم، فخالج قلبهم أن السبب هل هو يوم عرفة حتى يتكرر وجوب الحج بتكرره أم هو البقعة لئلا يتكرر لأنها واحدة لا يتكرر فبين النبي ﷺ أن السبب هو الثاني دون الأول والقرينة عليه إضافة الحجة إلى السبب دون الوقت كما يضاف في الصلاة فيقال صلاة الفجر.
[باب كم حج النبي ﷺ ]
قوله [حج ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر] هذا لا يصح لأنه ﷺ حج قبل الهجرة كثير مرة فقيل قال ذلك لعدم علمه ﵁ إلا بذلك، وهذا (١) بعيد لأنه رضي (٢) الله عنه لو لم يسمع بالأول
стр. 571
لما حضر في الثاني وحضوره في الثالث متواتر عليه الأخبار، كيف وقد حضر الحجة الأولى أخوه (١) فهل ترى جابر بن عبد الله لم يعلم بحال أخيه وأصحابه الآخرين حضروا بيعة العقبة الأولى بل الجواب (٢) أن ذكر العدد الخاص لا ينفي ما فوقه.
قوله [فيها جمل لأبي جهل] هذا لا يصح (٣) فإن جمل أبي جهل نحر في العمرة الحديبية (٤)، ولو سلم ففي عمرة القضاء ولم تصل توبة بقائه إلى حجة
стр. 572
الوداع التي نحر فيها النبي ﷺ مأة من الإبل وهذه المأة (١) التي أتى بها علي، قيل كانت مشتركة بينهما وقيل بل خاصة بالنبي ﷺ كانت يدنات على رضى الله عنه علاوة (٢) عليها وكان اشترى بدنات النبي ﷺ من بيت المال (٣) لأنه كان عاملاً على اليمن فلا جواب (٤) إلا بإرجاع الضمير إلى مطلق الهدايا التي نحرها النبي ﷺ في زمان من الأزمنة وعمرة من العمر لا إلى الهدايا التي نحرها في حجة الوداع فهذه جملة اعتراضية أوردها الراوي في قصة النبي ﷺ استطرادًا وإشارة إلى أن هدايا النبي ﷺ كانت تكون سمينة لا هزالاً وثمينة ولا رخيصة، وأحب الأموال إلى أهلها لا المرغوب عنها، كيف وجمل أبي جهل وهو سيد قريش جمل أبي جهل أو يكون غلطًا من حد الرواة ونسيانًا، وفي شرب النبي ﷺ مرقة اللحم إشارة إلى أن المرقة في حكم اللحم ولذلك قال النبي ﷺ المرقة أحد اللحمين فيحنث (٥) بشرب المرقة من حلف أنه لا يأكل اللحم.
стр. 573
قوله [عمرة في ذي القعدة] هذه عمرة القضاء قدمها مع تأخرها لكونها العمرة في الحقيقة دون عمرة الحديبية لأنها لم تتم أو لأن (١) الواو لمطلق الجمع فالمقصود تعديدها لا ترتيبها، ومعنى قوله اعتمر أربع عمر أخذ في العمر وشرع فيها وأحرم لأجلها وإلا فالظاهر من لفظ اعتمر هو إتمامها مع أنه لم يتم أربعًا بل ثلاثًا منها وهي كلها في ذي القعدة إلا عمرتها التي مع حجته.
[باب ما جاء في أي موضع أحرم النبي ﷺ ]
لا خلاف في أن ميقات المدنيين ذو الحليفة ففي أي موضع أحرم منه صح، إنما الخلاف (٢) في موضع إحرام النبي ﷺ حتى يثبت أولوية الإحرام فيه وسنيته فاختلفت الروايات فيه عن النبي ﷺ وسبب الاختلاف مع وجه ترجيح ما ذهبنا إليه مذكور في الحاشية (٣)
стр. 574
فليطالع ثمة، ورواية ابن عباس هو الذي (١) رواه أنس بن مالك خادم النبي ﷺ وملازم مجلسه فذهبنا إليه.
قوله [أذن في الناس] إنما فعل ذلك ليجتمع الناس فيروا أفعاله ﷺ ويحضروا مشاهده ويتعلموا مناسكه ويقتدوا به ويسألوه عن مسائل الحج وليؤدوا فريضة الله التي عليهم، واجتمع الناس يومئذ إرسالاً وأفواجًا فقيل كانوا مأئة ألف (٢) إنسان ما بين رجال ونساء فكيف بمواشيهم وركابهم وهداياهم من أنواع البقر والغنم والإبل.
قوله [إلا من عند المسجد] من عند الشجرة وهذا من الذين سمعوا تلبيته ﷺ حين استقلت به راحلته فخلف على ظنه وقد علمت من الحاشية وجهه [أهل
стр. 575
هجر الصلاة] هذه الصلاة نافلة (١) ولا بأس لو اكتفى على الفريضة لكنه ليس بالأولى وكانت صلاته ﷺ نافلة قبيل الضحوة الكبرى وكان قد صلى الفجر ثم جلس منتظرًا فلما طلعت الشمس اغتسل وأحرم.
[باب ما جاء في إفراد الحج]
اختلفوا في أن أي الأقسام الثلاثة من الحج (٢) أولى، قال مالك ﵀: الأفضل التمتع لأن له ذكرًا في القرآن وقال
стр. 576
الشافعي ﵀: الأفضل الإفراد لأن فيه زيادة السفر والحلق والإكثار من التلبية، وقلنا الأفضل هو القرآن لأن حجته (١) ﵊ كان قرآنا وله ذكر في القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإن معناه على رواية ابن مسعود وعلي بن أبي طالب وتفسيرهما أن يحرم بهما (٢) من دويرة أهله ولقائل أن يقول لا يفهم من هذه الآية إشارة إلى القرآن إنما المذكور ههنا لفظ الواو وهو لمطلق الجمع فلا يفهم منه المقارنة حتى يصح قولهم إن للقرآن ذكرًا في القرآن فالذي يثبت من الآية أن أتموا الحج إذا حججتم والعمرة إذا اعتمرتم
стр. 577
بأن تحرموا من دويرة أهلكم لكل واحد منهما، وأما أن هذين يكونان معًا فلا، فلا يفهم من القرآن أفضلية القرآن، والجواب أن مذهب على معلوم أنه كان يرجح القرآن كما ثبت من روايات الصحاح (١) فوجب حمل كلامه في تفسير الآية عليه فكان للقرآن ذكر في القرآن حسب تفسيره وفهمه كما أن للتمتع ذكرًا على ما فهمه مالك لا حقيقة لأن المراد في الآية ليس هو التمتع الاصطلاحي الذي اختاره مالك ﵀ بل أعم منه ومن القرآن وهو الترفق بأداء النسكين في سفر سواء كان بدون تخلل التحلل بينهما أو به، ثم إنه وقع بين الرواة من الاختلاف في كون حجته ﵇ إفرادًا أو قرآنًا أو كونه نوى العمرة ثم أدخل فيها الحجج إنما سبب ذلك ما خالف النبي ﷺ في ألفاظ تلبيته فقال تارة لبيك بحجة فسمعها قوم وقال تارة لبيك بحجة وعمرة فسمعها قوم وقال مرة لبيك بعمرة وسمعها قوم، فقال كل منهم بكون حجته على حسب ما سمعها في تلبيته ﷺ وإنما اخترنا رواية (٢) أنس على رواية من هو أوثق رواية لكونه أقدم وأكثر للنبي ﷺ صحبته مع أن رواية النبي ﷺ قال لبيك بحجة، ومن قال أنه قال لبيك بعمرة لا يضرنا فإنا لانقر أن للقانون أن يذكرهما معًا وإنما له أن ينوي الحجة قبل الفراغ عن أكثر
стр. 578
أفعال العمرة فيحتمل أنه نوى العمرة أولاً (١) فقال لبيك بعمرة ثم وقع في قلبه أن يحج أيضًا فقال لبيك لأنه كان ناويًا للعمرة من قبل لم يحتج لا إلى ذكر الحج فحسب.
قوله [وهما يذكران التمتع] بالعمرة (٢) بانضمامه إلى الحج بإفساد الحج وتصييرها عمرة، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله لأنه تعالى يقول في كتابه ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وهذا الفسخ ينافي الإتمام فقال سعد بئس ما قلت يا ابن أخي ليس غرض سعد بهذا الإنكار عليه في الذي (٣) انكره من المسألة وإنما هما متفقان على أن فسخ الحج وجعله عمرة لا يجوز لأنه قد نسخ وإنما أنكر سعد على الضحاك مبادرته إلى سوء الأدب في الذين صنعوا ذلك فكأنه قال بئس ما قلت من نسبة الجهل إلى الذين فعلوا ذلك، كيف وقد فعله الأجلة من الصحابة ﵁ وقد فعل بمحضر من النبي ﷺ وبعد تأكيد منه في ذلك وعلى هذا فقول سعد صنعها رسول الله ﷺ يكون مجازًا لكونه سبب فعلهم وآمرًا لهم وراضيًا لهم فعله وكارهًا توقفهم فيه ومنكرًا عليهم بتطأهم في ذلك، وقصة هذه الحجة بينها مسلم والبخاري رحمهما الله بحيث يتضح منه جميع ذلك فليطالع (٤)
стр. 579
ثمة، وفيه أنه ﷺ قال: لو أني استقبلت من أمري ما استديرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة، فعلم بذلك أن إسناد صنعها مجاز وإسناد صنعناها حقيقة وقول الضحاك فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك اعتذار منه في نسبة الجهل إلى من فعل ذلك وبيان للمنشأ الذي قاده إلى ذلك القول فإن نهى عمر ﵁ لا يمكن أن يكون على خلاف مراد الشارع كيف وقد تأيد نهيه بكلامه تعالى فرد عليه سعد بأنا إذا صنعنا والنبي ﷺ بين أظهرنا، وقد أمرنا به فكيف يتمشى علينا نهي عمر ﵁ حتى يجوز لك نسبة الجهل إلى هؤلاء، وحاصل المناظرة على هذا التقرير الذي قدمنا أنهما اتفقا على أن متعة الفسخ منسوخة إلا أن الضحاك نسب مرتكبها إلى الجهل فأنكر عليه سعد هذه النسبة لا غير، وأنه وإن لم يكن مرادًا له غير أن التلفظ باللفظ الموهم ليس بمستحسن أيضًا، إذ يلزم على هذا نسبة الجهل إلى جناب الصحابة ﵃ بل يلزم سوء الأدب في حضرة الرسالة، فعلم أن في المسائل الخلافية لا يجوز رد أقوال المخالفين إذا كانوا مستدلين بالآيات أو الروايات بحيث يلزم تنقيص في شأنهم أو تحقير ولا يجوز أن يتلفظ بما ليسوا من أهله بل يرد قولهم بألفاظ غير بذيئة، ويمكن توجيه المناظرة بأن سعدًا (١) كان يرى نسخ متعة الفسخ كما أن الضحاك كان
стр. 580
يرى ذلك وقول محمد بن عبد الله وهما يذكران التمتع يريد بالتمتع معنى عامًا يشمل القرآن والتمتع الاصطلاحيين وهو الإتيان بهما في سفر سواء كان بتخلل التحلل بينهما أو بغير تخلله، فقال الضحا بن قيس: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله لأنه ليس أولى نسبة إلى الإفراد، وقد قال تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وإتمامهما أن يأتي بهما في سفرين على ما فسره بعضهم وكان عمر ﵁ ينهى عن ذلك نهى تنزيه لا تحريم لكون الإفراد أفضل عنده من القرآن والتمتع، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي وقول سعد هذا إما لأنه كان يرى فضلاً للتمتع على الإفراد مستدلاً بفعله ﷺ أو لأن ترك ما هو أولى ليس مما يجوز نسبة الجهل إلى مرتكبه كما فعله الضحاك بن قيس، كيف وقد فعله النبي ﷺ وعلى هذا إسناد صنع وصنعنا كلاهما حقيقتان، لأن أكثر أصحابه ﷺ (إنما المراد ههنا الكثرة في نفسه لا نظرًا إلى الجانب الآخر) كان معهم هدى فلم يكونوا حلوا، منهم أبو بكر ﵁ وعمر ﵁ وعثمان ﵁ وعلي ﵁.
قوله [وهو يسأل ابن عمر ﵁ عن التمتع بالعمرة إلى الحج] هذه ليست بمتعة فسخ إنما هي التمتع العام للقرآن والمتعة الاصطلاحيين ولعله أراد أن ينظر ماذا يجيب ابن عمر في مقابلة أبيه وقد كان ابن عمر رأى وعلم ما علهي بناء نهى عمر وأنه نهى تنزيه إلا أنه أراد أن لا يناظر بجاهل من أهل الشام، فاستخلص منه نفسه بأسهل تقرير فلله دره.
قوله [وأول من نهى عنه معاوية] لعل معاوية (١) شدد في أمر النهي عنه وإلا فالنهي عنه كان من زمن عمر، قوله [وقال بعضهم لا يصوم أيام
стр. 581
التشريق] لعموم النهي الوارد عن صوم هذه الأيام ولأنها وجبت كاملة فلا تتأدى بما فيه نقصان ويتعين الهدى عليه حينئذ.
[باب ما جاء في التلبية]
لا يختص الأخذ في الحج بالتلبية بل يكفي فيه أي ذكر كان ومن أي لغة كان بل لا يحتاج إلى (١) ذكر وإن كان لابد من إتيانه في أداء السنة وإذا ساق البدن فقلده فقد أحرم إذا كان ناويًا وإن لم يذكر بلسانه التلبية وغيرها.
قوله [وهو حفظ التلبية] دفع بذلك ما يتوهم أن ابن عمر لعله لم يبلغه تلبية النبي ﷺ فلذلك زاد فيه من عند نفسه بأنه لم تبلغه (٢) تلبية أو لم يتذكرها فعلم أن الزيادة فيها جائزة بعد إتمامها لا في خلالها ففيه سوء أدب لما يتوهم أنه إصلاح لتلبية النبي ﷺ ولا كذلك إذا كان الزيادة في آخرها.
قوله [حتى ينقطع الأرض من ههنا وههنا] ليس المراد بذلك أن التلبية تنقطع بانقطاع الأرض بل المراد أن بعد الأرض تنجر إلى الماء ثم إلى ما يليه، وهكذا وإنما ذكرت الأرض تمثيلاً وكذلك ذكر الحجر والمدر والشجر مجرد تمثيل وإلا فالمقصود كل ما على وجه الأرض من النباتات والجمادات، وعلى ما ذكرنا لا ينافي انقطاع الأرض كونها على الاستدارة لأن إحاطة الماء إياها مسلمة، ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد بانقطاع الأرض إحاطة الذكر جملة الأرض من طرفيها فإن الذكر يبتدئ من طرف حتى يصل إلى الذكر الذي كان يسري من الجهة الأخرى فلما التقيا انقطعا وهو المعنى بانقطاع الأرض والله أعلم.
стр. 582
قوله [حديث أبي بكر] الحديث الأول من هذا الباب، قوله [ابن أبي فديك وأبو نعيم] مصغران وكذلك حميد في عبيدة بن حميد وعبيدة مكبر.
قوله [أخطأ فيه ضرام] وخطاؤه فيه أنه ذكر هذا الحديث عن سعيد وليست هذه الرواية نصًا في أنه من سعيد، نعم لمحمد بن المنكدر رواية أخرى عن سعيد بن عبد الرحمن فقاس ضرار هذه عليها [قال أي الترمذي وسمعت محمدًا يقول] أي محمد والحال [إني] كنت [ذكرت له] أي لمحمد [حديث ضرار] الذي فيه روايته عن سعيد بن عبد الرحمن فقاس ضرار هذه عليها [قال أي الترمذي وسمعت محمدًا يقول] أي محمد والحال [إني] كنت [ذكرت له] أي لمحمد [حديث ضرار] الذي فيه روايته عن سعيد وهو حديث أبي بكر [فقال هو خطأ] والخطأ هو الذي بينا من ذكر سعيد [فقلت] لمحمد [قد روى غير] ضرار أيضًا هذا الحديث فذكر فيه سعيدًا فقال محمد خطأ ثم قال الترمذي [ورأيته] أي محمدًا يضعف ضرار (١) بن صرد.
[باب ما جاء في الاغتسال عند الإحرام]
المذهب فيه أن غسل الإحرام (٢) مسنون ولا ضير في التطيب (٣) عند ذاك بطيب ذي جرم وغير ذي جرم جسمه وأعضائه ورأسه وبطيب غير ذي جرم ثيابه ثم يتقي الطيب بكلا قسميه بعد ذلك. [باب ما لا يجوز للمحرم لبسه] قوله [في الحرم] أي حين هو محرم قوله [ولا تلبسوا شيئًا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس] هذا يعم الرجل والمرأة ههنا لكونهما طيبًا، وفي حكمهما المعصفر عند الإمام (٤) إلا أن يكون المزعفر
стр. 583
والمورس والمصفر غسيلاً (١) لا ينفض بحيث لم يبق فيه شيء من جرم الطيب ثم إن السائل وإن كان سؤاله عن ما يلبسه المحرم إلا أنه أجيب بما يحرم عليه دلالة على أن الأصل في الأشياء لما كان هو الإباحة ليس لك أن تسأل عن المباح بل تفحص عن الحرام ليبقى ما سواه على إباحة ولأن تفصيل الثياب الجائزة كان متعذرًا فأجيب بما سهل تناوله وحفظه ولأن ارتكاب المنهيات لما كان أضر من فعل الخيرات أجيب بتفصيل المحرمات إشارة إلى أن سلب المضار أولى من جلب المنافع ومن ههنا يمكن استنباط تلك القاعدة وعليها يتفرع قولهم أن المتردد بين الاستحباب والكراهة ترجع كراهة وقوله ﷺ .
[لا تلبس السراويلات] يشمل جميع أنواعها من الصغار والكبار الرائجة في البلاد وكذلك [البرانس] تدخل فيها الجبات وسائر أنواعها المختلقة ويخرج عليها حكم الألبسة الجديدة التي وضعت على غرض اللبس بعد أن كانت مخيطة ولا يذهب عليك أن الغرض من المخيط ليس هو مطلقة بل ما كان تخييطه لغرض المسكة على الجسم فلو كان الرداء غير عريضة فجعلها نصفين وخاط الشقين ليزيد عرضه لا يكون هذا داخلاً في المخيط، وذلك لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانت أرديتهم وازرهم مرقعات ليس للأكثر منهم في أول الأمر ثياب تكفي من غير أن ترقع، وكذلك ثياب زهاد الصحابة منهم كانت إلى آخر الأمر كذلك وكذلك لا بأس بالارتداء بالمخيط إذا كان على غير الهيئة التي هي موضوعة في لبسه كمن اضطبع بقميص أوجبه.
قوله [وليقطعهما أسفل من الكعبين] الكعب ههنا هو العظم (٢) الناتي
стр. 584
عند معقد الشراك أخذًا بالأحوط والرواية الثانية التي أطلق فيها الإجازة ولم يقيد بالقطع محمولة (١) على هذه تقديمًا للنهي والتحريم على الإجزة والإباحة ولما فيه من احتمال أن الراوي لم يذكر ههنا القطع اتكالاً على ما بين في غير هذا الموضع والمذهب أنه لو فعل شيئًا من هذه المحظورات (٢) لضرورة يجوز له ذلك وعليه الكفارة [فأمره أن ينزعها] لكونه مخيطًا ولما فيه من الطيب وفيه الكفارة وإن لم يذكرها الراوي.
قوله [وهذا أصح] أي الرواية التي ذكر فيها صفوان أصح من التي لم يذكر فيها قوله [وهكذا] إشارة إلى الرواية السابقة وهي التي لم يذكر فيها صفوان وهي رواية قتيبة بن سعيد.
[باب ما جاء ما يقتل المحرم من الدواب]
وليس بمحصور في المذكور إذ لا يعتبر (٣) مفهوم العدد عندنا فيقاس عليها ما في معناها، وقد ذكر في بعض
стр. 585
الروايات بعضها قوله [السبع العادي] هذا من الذي أشرنا إليه في الرواية الأولى والسبع أيما كان إذا عدى عليك أو على دابتك جاز لك قتله ولا (١) كفارة وأما الخمس المذكورة فلا شيء في قتلهن مطلقًا تضرر منهن أولاً، قوله [ولا بأس أن يحتجم المحرم ولا ينزع شعرًا] فإن حلق (٢) الشعر كفر.
[باب في كراهة تزويج المحرم]
قوله [أن ينكح ابنه] مضارع من الأفعال وقوله أبان بن عثمان وهو ابن عفان الخليفة الثالث، قوله [فأحب أن يشهدك] ماض ومضارع من الأفعال قوله [أن المحرم لا ينكح] على زنة ضرب أي نفسه [ولا ينكح] من الأفعال أي غيره بنوع ولاية قوله [والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي ﷺ ] إلخ
стр. 586
يعني كانوا لا ينكحون ولا ينكحون وأما إن النكاح على تقدير وقوعه باطل (١) فلا يثبت منهم فليس النهي إلا تنزيهًا وهو الذي ذهبنا إليه والذي ذهب إليه الأئمة المذكورون ههنا من الشافعي ﵀ ومالك وأحمد وإسحاق أن النكاح باطل فيرده صريح فعله ﷺ وما روى من أنه ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال فهذا غلط أو مجاز بإرادة الوطى بالتزوج لأن المؤرخين والمحدثين كلهم (٢) متفقون على أنه نكحها بسرف ذاهبًا إلى مكة أفتراه ورد مكة ولم يحرم بعد فكيف يتصور ما قالوا من أنه تزوج وهو حلال بعد اتفاقهم على أنه نكحها بسرف وهو قاصد مكة وهو من لطائف هذا المقام أن ميمونة زوج النبي ﷺ تزوجها النبي ﷺ بسرف ثم بنى بها بسرف راجعًا عن مكة ثم ماتت بسرف في سفر آخر ﵂.
قوله [ويزيد بن الأصم هو ابن أخت ميمونة] فيه إشارة خفية إلى تأييد مذهبه يعني رواية هؤلاء ينبغي أن يعول عليها لكونها رواية من هو أقرب إليها، وكان ابن عباس أيضًا ابن أخت (٣) ميمونة فوجب ترجيح روايته لأنه شارك يزيد في كونه ابن أخت ميمونة وزاد عليه في النفقة (٤) وأيضًا أفنقبل روايتهم
стр. 587
وإن كانت لا تكاد أن تمكن.
قوله [تزوجها في طريق مكة] وأنت تعلم ما في المدينة وميقات المدنيين من القرب فهلا نكح على زعم هؤلاء في المدينة وهو وطنه بل نكح بعد الخروج منها بقليل بل الحق أنه نكحها بسرف وأراد أن يطعم قريشًا وليمتها لكنهم لم يمكنوا النبي ﷺ وأصحابه من الإقامة فوق ثلاث قوله [بسرف] هذا متعلق بكل من الثلاثة فلما كان نكاحها بسرف حلالا إلا حين عوده من مكة فلم يبق على قول هؤلاء إلا أن ينكحها بسرف في عوده من مكة ثم يقوم بالمدينة ما شاء الله أن يقيم من غير أن يمسها ثم لما سافر ثانيًا إلى مكة وعاد منها فحل بسرف بنى بها حلالاً وهل هذا إلا تقول بما لم يقل به أحد وذهاب إلى ما ليس له من العقل والنقل مدد.
[باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم]
اعلم أن في هذه المسألة اختلافًا (١) بيننا وبين الشافعي ﵀ فإن اصطاد المحرم أو ذبح صيدًا حرم بالاتفاق وإن اصطاده الحلال بأمر المحرم حرم بالاتفاق وإن اصطاده الحلال لأجل المحرم وبنيته لا بأمره حرم عنده لا عندنا وهذا الذي أورده المؤلف ههنا، فأورد في الباب ما يثبت به مذهبه أولاً والذي اخترناه ثانيًا فقال صيد البر لكم الحلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم، فإن اللام يكون للغرض والسبب والمعنى أنه حلال ما لم يكن صيد لغرضكم ونيتكم وأما إذا كان كذلك فلا قلنا استعمال اللام كما أنه لأجل معنى الغرض والنية كذلك قد تستعمل
стр. 588
ويراد بها معنى الأمر وهو لام التوكيل كما في قوله بعت له ثوبًا واشتريت له لحمًا إذا وكلت لهما فالمعنى ههنا محتمل للحمل على كليهما فلما تفحصنا الروايات الأخر علم أن المراد باللام ههنا هو المعنى الثاني دون الأول لئلا تتعارض الآثار ويحصل العمل بكل من الأخبار.
قوله [وأقيس] هذا غير مسلم إلا إذا حمل اللام على التوكيل لأن الروايات لا تتخالف حينئذ قوله [تخلف مع بعض أصحاب له محرمين وهو غير محرم] ووجه عدم إحرامه أنه لم يكن أتى (١) بقصد مكة بل وجهه رسول الله ﷺ لحاجة داخل الميقات فلم يكن عليه أن يحرم لأنه ضار حكمه حينئذ حكم من هو داخل الميقات ويمكن أن يكون وجه عدم إحرامه أن ميقات المدنيين ميقاتان (٢) وبينهما تفاوت ويجوز لمن مر على الأولى منهما أن يحرم من الأخرى فهذا أبو قتادة افتراه اصطاد الحمار لنفسه خاصة مع كبر جثته ما هو وكون أبي قتادة على سفر فليس اصطياده إياه إلا بنية أصحابه المحرمين إذا لم يكن معه أحد وهو غير محرم ثم لما أخذه فأكله بعض وامتنع عنه بعض لعدم علم المسألة فكان فعل كل منهما ظنًا وتخمينًا حتى أتوا رسول الله ﷺ فهلا سأل أبا قتادة هل صدته لهم أو لنفسك كما سأل عنهم هل أشرتم أو دللتم أو أعنتم فعلم أن الإشارة والدلالة والإعانة محرمة ومحرمة
стр. 589
دون نية المحرم وإلا لم يتركه النبي ﷺ أن يسأل عنها.
قوله [فأهدى له حمارًا وحشيًا فرده عليه] لا بما فهم الشافعية من كونه صيد لأجل النبي ﷺ بل ما أنه كان حيًا كما صرح به في هذه الروايات ووجه ذلك أنه لم يكن له علم لورود النبي ﷺ ههنا من قبل وإنما صاد لنفسه ثم لما علم بقدومه الشريف أحضره وقد ورد في بعضها أنه كان يقطر منه الدم ولا يكون سيلان الدم في اللحم والعضو وإنما يسيل الدم من الحي، وأما ما ورد في بعضها أنه أهدى إليه لحمًا أو رجلاً فمجاز متعارف بينهم يقولون عندي شاة لحم أو شاة لبن كما يقولون عنده رأس بقر أو رأس فيل والمراد نفسه مع ما في رواية اللحم من ضعف.
[فلما رأى ما في وجهه من الكراهية قال ليس بنا رد عليك وأنا حرم] يعني لم يكن لنا افتقار إلى رده لشيء آخر وإنما رددناه لأنا حرم أو معناه ليس يليق بنا أن نرده إليك وإنما اضطررنا إلى الرد لأنا محرومون أو لم يكن للنبي ﷺ على تأويل هؤلاء أن يسأله هل صدت لي حتى يرده أن قال نعم ويقبله لو قال لا فلما لم يسأل ورده مع ما رأى في وجهه من الكراهية وكان لا يحب أن يكسر قلب أحد علم أنه لا دخل للنية في ذلك بل الرد إنما كان لحياته ولو قال له أذبح ثم أرسله إلينا كان ذبحًا بأمره وصار حرامًا عليهم أجمعين.
قوله [لما ظن أنه صيد لأجله] ظن هذا الظن سوء بشأن خلقه وقد وصفه تعالى فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ أفلم يكن لهذا الظن مدفع وهو بمحضر من العصب بن جثامة فأي شيء منعه من التحقيق واكتفى بالظن مع ماله ﷺ من تأكيدات على أمته في ما يوجب سرور المسلم حتى أمره بإفطار الصوم لأجله والصعب بن جثامة بفتح الجيم والثاء المثلثة المشددة.
[باب ما جاء في صيد البحر للمحرم]
ليس المراد إثبات جوازه بالحديث كيف وهو ثابت بقوله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ
стр. 590
عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ بل المقصود ههنا إدخال الجراد في صيد البحر بحيث يتضح به ثبوت حل صيد البحر أيضًا تبعًا واستطرادًا لا مقصودًا بالذات لعدم الاحتياج إليه.
قوله [في حج أو عمرة] هذا يصدق على سفرهم راجعًا عن مكة وعلى سفرهم إليها قبل الإحرام وبعده فإن الخارج عن بيته في حج أو عمرة يعد في حج أو عمرة ما لم يدخل في بيته فتخصيصه بحالة (١) الإحرام كما فعله المستدلون (٢) على كون الجراد لا كفارة عليه لا يظهر وجهه.
قوله [فجعلنا نضر به بأسياطنا (٣) وعصينا] مستدلين بالحل الأصلي أو لما كنا قد اعتدنا أكله فقال النبي ﷺ : كلوه فأحله بصريح لفظه فإنه من صيد البحر، وليس على حقيقته إذ لا ريب في أنه ليس منه فلابد من المجاز وهو أنه تشبيه قلنا وجهه الحلة من غير ذبح أو لا يكفينا قول عمر فيه تمرة خير من جرادة
стр. 591
وهو نص في وجوب الكفارة.
[باب ما جاء في الضبع يصيبها المحرم]
لما كان أكثر الحيوانات التي هي جوارح كالأسد والفهد والذئب لا بأس بقتلها للمحرم إذا صال ولا كفارة وأما إذا قتلها ابتداء فعليه جزاء سأل سائل عن الضبع أصيد هي قال رسول الله ﷺ نعم وفيه كبش ففهم جابر بصيدته حلته (١) وهو غير صحيح، وقوله أقال رسول الله ﷺ قال نعم أراد به كونه صيدًا لا كونه مأكولاً لما روى جابر حديث الضبع صيد وفيه كبش ولم يرو في حديث أنه مأكول.
[باب ما جاء في الاغتسال لدخول مكة]
هذا لا خلاف في استحبابه (٢)
стр. 592
قوله [دخل من أعلاها] لكونه أقرب إلى منى وعرفات ومزدلفة وكان (١) دخوله مكة بعد ما خيم في أعلى مكة وهو المعنى (٢) بالمحصب والبطحاء والأبطح وغير ذلك من الألفاظ الواردة في منزله ﷺ يومئذ.
قوله [دخل مكة نهارًا (٣)] ليروه ويتعلموا أحكام الحج مشاهدة، قوله [أفكنا نفعله] وقد أخذ (٤) بذلك أصحاب المتون، ولكن روى ابن الهمام رواية في الرفع وصححه (٥) ورجحه قوله [من الحجر إلى الحجر] أي الأطراف
стр. 593
الأربعة منها، وقال بعضهم بل يكتفي بأرمل في ثلاث جوانب وهي التي بمرأى من جبل قعيقعان، وقال بعضهم ليس على أهل مكة رمل وعندنا كل طواف بعده سعى يرمل فيه.
[باب في استلام الركن اليمائي والحجر دون ما سواهما]
لأنه لم يثبت استلام سواهما عنه ﷺ ولعله سببه (١) أن الجانبين الباقيين ليسا جانبين حقيقة لحطم الحطيم ثم الأولى في استلام الحجر أن يضع عليه يديه وليستلمه بفيه وإن لم يمكن (٢) وضع يديه واستلمهما وإن لم يمكن وضع يدًا واحدًا واستلمها وإن لم يمكن مس الحجر بشيء كالعصا وغيرها واستلمه، وإن لم يكن استقبله (٣) وكبر ولا يؤذ مسلمًا ولما كان المقصود هو البيت استحب البداية به.
قوله [طاف بالبيت مضطعبًا] وعليه يرد ولعله فعل ذلك ليرى أعضادهم (٤) المشركين فيرد بذلك قولهم سيرد عليكم أقوام أضناهم حمى يثرب والاضطباع أن
стр. 594
تلقى رداءك على جانبك الأيسر من تحت إبطك اليمنى فبقى العضد الأيمن مكشوفًا.
قوله [لم أقبلك] فعلم أن تقبيله أمر تعبدي، وأراد عمر بذلك القول دفع ما يتوهم في بادئ الرأي من التشبه بعبدة الأصنام، وحاصله أنا إنما نفعل هذا التعظيم لك لأداء السنة وإلا فأنا على يقين من أن حجر لا تقدر على شيء.
قوله [نبدأ بما بدأ الله] يعني أن الواو لما لم تكن إلا لمطلق الجمع لم يدل قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ إلا على الجمع بينهما غير أن التقديم الذكري لا يخلو عن شرف فندب تقديمه فعلاً أيضًا. [أجزأه وعليه دم] وهو الذي (١) اخترناه، قوله [فقال لئن سعيت فلقد رأيت رسول الله ﷺ ليسعى] أي في المسعى وكذلك.
قوله [ولئن مشيت فلقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي] أي في الممشى، وليس المراد أنه رآه ساعيًا أو ماشيًا في كل المسافة بل المراد (٢) أن ما أمشى فهو مطابق للسنة بقدر ما أمشى في الممشى ولئن سعيت لكان مطابقًا للسنة ولكني شيخ كبير فترك السعي مني إنما هو للعذر وهو جائز.
[باب في الطواف راكبًا] قوله [طاف النبي ﷺ راكبًا] وهو عندنا جائز للعذر كما أمر به النبي ﷺ بعض أزواجه والعذر له ما يتأثم به الناس للازدحام وأن يرى أفعاله لهم وأن يجيب أسألتهم ولا يمكن كل ذلك بغير الركوب وقد فهمه الصحابة ﵃ حتى لم يطوفوا بعده راكبًا إلا بعذر.
[باب في فضل الطواف قوله خمسين مرة]
(٣) وهي يحصل بسبعة أطوفة
стр. 595
أو ثمانية لأن بالسبعة يتم تسع وأربعون شوطًا، وليس بينها وبين خمسين كثير تفاوت فيرجى نيل الوعد، وإن أتمها ثانية كانت خمسين مع زيادة وحينئذ فله الوعد وزيادة، قوله [وقد روى عنه أيضًا] على زنة المجهول.
[باب (١) الصلاة بعد العصر إلخ] قوله [يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاه من ليل أو نهار] استدال بظاهره
стр. 596
الشافعية على جواز النفل (١) بمكة في الأوقات المكروهة وليس بتام فإن هذا خطاب لبني عبد مناف فإن دورهم كانت محيطة بالبيت وكانوا يغلقون الباب فلا يصل الرجل إلى البيت فنهى النبي ﷺ عن ذلك، وفي قوله وصلى آية ساعة شاء ليس إلا أن لا يمنعوه حين شاء وظاهر أنه لا يشاء الصلاة في الأوقات المكروهة وإن طاف فيها وقد ثبت مثل مذهبنا عن عمر ﵁.
قوله [قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص] إلخ فيه تغليب ومناسبة السورتين بالطواف ظاهر لما فيهما من ذكر التوحيد كما في الطواف اختصاص به تعالى قوله [وهذا أصح] أي من المرفوع، وقوله [وعبد العزيز] إلخ دفع بذلك ما يتوهم من أن زيادة الثقة معتبرة بأنه ليس بثقة قوله [سألت عليًا بأي شيء
стр. 597
بعثت] كان النبي ﷺ بعث أبا بكر ﵁ إلى مكة وقد جعله أمير الحاج ثم وقع في قلبه أن العرب لا تعتد بالرسالة في مثل هذا إلا إذا كان الرسول من بني أعمام المرسل أو بني أبيه فبعث لذلك عليًا لكونه ابن عمه وأمره بهذه الأربع فقط فلم يكن أبو بكر (١) عزل عن الإمارة، قوله [لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة] وكان في زعمهم أن طواف البيت مانع دخول النار وإن لم نؤمن.
قوله [ولا يطول بالبيت عريان] وكانوا قد زعموا أن الطواف في الثياب التي يرتكب فيها المآثم قبيح وإن ما وقع من الآراب حذاء البيت وتشرف بالبيت لا يأكله النار في القيامة فأراءة الأعضاء المخصوصة أول، قوله [ولا يجتمع المسلمون والمشركون] هذا وإن كان في اللفظ نهيًا عن الاجتماع إلا أنه في المعنى نهي عن أن يدخلوا مكة إذ لا يمكن بعد ذلك أن لا يأتي المؤمنون في عام الحج فكيف يمكن إتيان المشركين وعدم الاجتماع مع المؤمنين، والمنع عندنا عن الدخول على جهة الشوكة والغلبة أو في مواسم الحج لا مطلقًا.
[ومن كان بينه وبين النبي ﷺ ] إلخ قد كان النبي عاهد أكثر القبائل على عشر سنين أن لا يحاربوه ولا يعينوا عليه أحدًا، فغدر الأكثرون من هؤلاء ومنهم (٢) أهل مكة، وكان بعض (٣) من عاهد باقيًا على عهده فهذه ثلاثة أصناف من لم يأخذ (٤) منهم عهدًا أصلاً ومن (٥) عاهد فغدر، ومن عاهد فوفى
стр. 598
فقوله من كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فعهده إلى مدته هؤلاء هم الصنف الثالث ومن لا مدة له بأن لم يؤخذ بهم عهد أو كان لهم عهد إلا أنهم غدروا فهؤلاء هم الصنف الأول والثاني فعهده إلى أربعة أشهر هذه هي (١) الأشهر الحرم عند الأكثرين، وقال بعضهم بل هي أربعة من وقت العهد فعلى هذا يلزم تخصيص في قوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ والمدة المعهودة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وأما من قال إنها هي الأشهر الحرم فحسب فلا تخصيص عنده والباقي عنده من انسلاخها وقت النداء هو المحرم فقط، قوله [وهذا أصح] أي من أثيل وأثيع وقد يبدل الياء ألفًا فمن قال أثيع لم يرد إلا يثيع.
[باب في دخول الكعبة]
قوله [أن أكون أتعبت أمتي من بعدي] تعب الدنيا والآخرة وقد وقع مثل ذلك فأنا نرى أهل زماننا لا يتركون هذا المستحب وإن كان فيه ارتكاب حرام أو ترك واجب وذلك (أي تعب الدنيا والآخرة) لأن الدخول في البيت قد يكون لعامة الحجاج وتأذي بعضهم ببعض للازدحام ظاهر
стр. 599
فكثيرًا ما تنكسر الأرجل والأيدي ولا أقل من خدوش، فيختل بذلك حضور الجماعة أو لخاص منهم وذلك لا يتيسر إلا بعد أن يبذلوا شيئًا أو يعطوا رشوة للبواب وصاحب الإقليد وهو حرام أخذه وإعطاؤه وإنما قال أخاف لأن هذه الأمور لم تكن في وقته وإنما كانت على شرف الوجود ومن ههنا يعلم أن الأولى ترك المستحب إذا خاف بفعله فتنة للعوام ولو بعد حين.
قوله [أن النبي ﷺ في جوف الكعبة] قد دخل معه ﷺ في البيت أسامة وبلال ثم غلق عليه الباب ولم يكن فيه ضياء فرآه أسامة قائمًا يكبر ويدعو ثم اشتغل أسامة يدعو لنفسه وجعل النبي ﷺ يدور في أطراف البيت ومعه بلال فصلى النبي ﷺ فيه وقد رآه بلال ولم يره أسامة لاشتغاله بالدعاء وعدم الوضوء وبعده عنه ثم لما سمع بذلك عبد الله بن عمر أتى إليه فرآهم يخرجون عنه فسأل بلالاً عن صلاته في البيت فقال إنه صلى فيه وعين المقام الذي صلى الله فيه النبي ﷺ وكان ابن عباس سأل عن أسامة فقا ل إنه لم يصل، وقد علمت الأمر كيف كان فلم يكن في دوره فيه معه أسامة وكان بلال وأنت تعلم أن المثبت أولى من النافي.
قوله [وكره أن يصلي المكتوبة في الكعبة] لعدم (١) ثبوته عنه ﷺ ، قوله [حدثني بما كانت تفضي إليك] كان ابن الزبير سمع ذلك عن عائشة نفسها لكنه سأله لفوائد لا يخفى منها توثيق عمله ودفع الشبهة عن نفسه حتى لا يظن به أحد أنه وهم وليعلم أن أحدًا منهم متفق معه في الرواية أو هو منفرد فيها، ويعلم من الحديث أن بعض الضروريات تترك خوفًا على العوام وكان الخوف أن يقول بعضهم في رسول الله ﷺ فيهلك، ومما ينبغي أن يعلم أن الصلاة بإزاء الفرجة التي بين البيت وجدار الحطيم لا تجوز عندنا لثبوت فرض الاستقبال بالنص القطعي وكونه قبلة بالظني ولكن يخدشه أن الخبر الواحد إذا كان تفسيرًا للقطعي يؤتى له
стр. 600
حكم القطعي (١) أيضًا فليفحص.
قوله [فسودته خطايا بني آدم] بالملابسة (٢) وانعكاس آثار البعض على بعض ولما كان هذا التأثر بهذه المنزلة في الحجر فكيف به إذا كان المتأثر قابلاً فعليك بالجليس الصالح وإياك والجليس السوء. قوله [الركن والمقام ياقوتتان إلخ] المراد بالركن ههنا الحجر الأسود لا غير فعلم أن ذكر الركن في ترجمة الباب مجرد إثبات فضيلة ذلك الجانب لكون الحجر فيه ويمكن أن يقال إن ذكر الركن في الترجمة إشارة إلى أن ما ورد في بعض الروايات من فضيلة الركن إنما المراد بذلك الحجر لا غيره.
[باب الخروج إلى منى]
قوله [صلى بمنى الظهر والفجر] اكتفى بذكر الطرفين عن ذكر الأوساط والفجر فجر اليوم الثاني ولذلك أخره عن الظهر، قوله [ألا نبني لك بناء يظلك بمنى] المراد بناء الجدران لا بناء الخيمة ونهى عن ذلك لئلا يبنوا بمتابعته فيتضيق بذلك الحجاج.
[باب تقصير الصلاة بمنى]
قوله [آمن ما كان الناس وأكثره] فعلم أن قيد إن خفتم في قوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ليس موقوفًا عليه القصر بل الإجازة