الشافعية على جواز النفل (١) بمكة في الأوقات المكروهة وليس بتام فإن هذا خطاب لبني عبد مناف فإن دورهم كانت محيطة بالبيت وكانوا يغلقون الباب فلا يصل الرجل إلى البيت فنهى النبي ﷺ عن ذلك، وفي قوله وصلى آية ساعة شاء ليس إلا أن لا يمنعوه حين شاء وظاهر أنه لا يشاء الصلاة في الأوقات المكروهة وإن طاف فيها وقد ثبت مثل مذهبنا عن عمر ﵁.
قوله [قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص] إلخ فيه تغليب ومناسبة السورتين بالطواف ظاهر لما فيهما من ذكر التوحيد كما في الطواف اختصاص به تعالى قوله [وهذا أصح] أي من المرفوع، وقوله [وعبد العزيز] إلخ دفع بذلك ما يتوهم من أن زيادة الثقة معتبرة بأنه ليس بثقة قوله [سألت عليًا بأي شيء
стр. 597
بعثت] كان النبي ﷺ بعث أبا بكر ﵁ إلى مكة وقد جعله أمير الحاج ثم وقع في قلبه أن العرب لا تعتد بالرسالة في مثل هذا إلا إذا كان الرسول من بني أعمام المرسل أو بني أبيه فبعث لذلك عليًا لكونه ابن عمه وأمره بهذه الأربع فقط فلم يكن أبو بكر (١) عزل عن الإمارة، قوله [لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة] وكان في زعمهم أن طواف البيت مانع دخول النار وإن لم نؤمن.
قوله [ولا يطول بالبيت عريان] وكانوا قد زعموا أن الطواف في الثياب التي يرتكب فيها المآثم قبيح وإن ما وقع من الآراب حذاء البيت وتشرف بالبيت لا يأكله النار في القيامة فأراءة الأعضاء المخصوصة أول، قوله [ولا يجتمع المسلمون والمشركون] هذا وإن كان في اللفظ نهيًا عن الاجتماع إلا أنه في المعنى نهي عن أن يدخلوا مكة إذ لا يمكن بعد ذلك أن لا يأتي المؤمنون في عام الحج فكيف يمكن إتيان المشركين وعدم الاجتماع مع المؤمنين، والمنع عندنا عن الدخول على جهة الشوكة والغلبة أو في مواسم الحج لا مطلقًا.
[ومن كان بينه وبين النبي ﷺ ] إلخ قد كان النبي عاهد أكثر القبائل على عشر سنين أن لا يحاربوه ولا يعينوا عليه أحدًا، فغدر الأكثرون من هؤلاء ومنهم (٢) أهل مكة، وكان بعض (٣) من عاهد باقيًا على عهده فهذه ثلاثة أصناف من لم يأخذ (٤) منهم عهدًا أصلاً ومن (٥) عاهد فغدر، ومن عاهد فوفى
стр. 598
فقوله من كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فعهده إلى مدته هؤلاء هم الصنف الثالث ومن لا مدة له بأن لم يؤخذ بهم عهد أو كان لهم عهد إلا أنهم غدروا فهؤلاء هم الصنف الأول والثاني فعهده إلى أربعة أشهر هذه هي (١) الأشهر الحرم عند الأكثرين، وقال بعضهم بل هي أربعة من وقت العهد فعلى هذا يلزم تخصيص في قوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ والمدة المعهودة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وأما من قال إنها هي الأشهر الحرم فحسب فلا تخصيص عنده والباقي عنده من انسلاخها وقت النداء هو المحرم فقط، قوله [وهذا أصح] أي من أثيل وأثيع وقد يبدل الياء ألفًا فمن قال أثيع لم يرد إلا يثيع.
[باب في دخول الكعبة]
قوله [أن أكون أتعبت أمتي من بعدي] تعب الدنيا والآخرة وقد وقع مثل ذلك فأنا نرى أهل زماننا لا يتركون هذا المستحب وإن كان فيه ارتكاب حرام أو ترك واجب وذلك (أي تعب الدنيا والآخرة) لأن الدخول في البيت قد يكون لعامة الحجاج وتأذي بعضهم ببعض للازدحام ظاهر
стр. 599
فكثيرًا ما تنكسر الأرجل والأيدي ولا أقل من خدوش، فيختل بذلك حضور الجماعة أو لخاص منهم وذلك لا يتيسر إلا بعد أن يبذلوا شيئًا أو يعطوا رشوة للبواب وصاحب الإقليد وهو حرام أخذه وإعطاؤه وإنما قال أخاف لأن هذه الأمور لم تكن في وقته وإنما كانت على شرف الوجود ومن ههنا يعلم أن الأولى ترك المستحب إذا خاف بفعله فتنة للعوام ولو بعد حين.
قوله [أن النبي ﷺ في جوف الكعبة] قد دخل معه ﷺ في البيت أسامة وبلال ثم غلق عليه الباب ولم يكن فيه ضياء فرآه أسامة قائمًا يكبر ويدعو ثم اشتغل أسامة يدعو لنفسه وجعل النبي ﷺ يدور في أطراف البيت ومعه بلال فصلى النبي ﷺ فيه وقد رآه بلال ولم يره أسامة لاشتغاله بالدعاء وعدم الوضوء وبعده عنه ثم لما سمع بذلك عبد الله بن عمر أتى إليه فرآهم يخرجون عنه فسأل بلالاً عن صلاته في البيت فقال إنه صلى فيه وعين المقام الذي صلى الله فيه النبي ﷺ وكان ابن عباس سأل عن أسامة فقا ل إنه لم يصل، وقد علمت الأمر كيف كان فلم يكن في دوره فيه معه أسامة وكان بلال وأنت تعلم أن المثبت أولى من النافي.
قوله [وكره أن يصلي المكتوبة في الكعبة] لعدم (١) ثبوته عنه ﷺ ، قوله [حدثني بما كانت تفضي إليك] كان ابن الزبير سمع ذلك عن عائشة نفسها لكنه سأله لفوائد لا يخفى منها توثيق عمله ودفع الشبهة عن نفسه حتى لا يظن به أحد أنه وهم وليعلم أن أحدًا منهم متفق معه في الرواية أو هو منفرد فيها، ويعلم من الحديث أن بعض الضروريات تترك خوفًا على العوام وكان الخوف أن يقول بعضهم في رسول الله ﷺ فيهلك، ومما ينبغي أن يعلم أن الصلاة بإزاء الفرجة التي بين البيت وجدار الحطيم لا تجوز عندنا لثبوت فرض الاستقبال بالنص القطعي وكونه قبلة بالظني ولكن يخدشه أن الخبر الواحد إذا كان تفسيرًا للقطعي يؤتى له
стр. 600
حكم القطعي (١) أيضًا فليفحص.
قوله [فسودته خطايا بني آدم] بالملابسة (٢) وانعكاس آثار البعض على بعض ولما كان هذا التأثر بهذه المنزلة في الحجر فكيف به إذا كان المتأثر قابلاً فعليك بالجليس الصالح وإياك والجليس السوء. قوله [الركن والمقام ياقوتتان إلخ] المراد بالركن ههنا الحجر الأسود لا غير فعلم أن ذكر الركن في ترجمة الباب مجرد إثبات فضيلة ذلك الجانب لكون الحجر فيه ويمكن أن يقال إن ذكر الركن في الترجمة إشارة إلى أن ما ورد في بعض الروايات من فضيلة الركن إنما المراد بذلك الحجر لا غيره.
[باب الخروج إلى منى]
قوله [صلى بمنى الظهر والفجر] اكتفى بذكر الطرفين عن ذكر الأوساط والفجر فجر اليوم الثاني ولذلك أخره عن الظهر، قوله [ألا نبني لك بناء يظلك بمنى] المراد بناء الجدران لا بناء الخيمة ونهى عن ذلك لئلا يبنوا بمتابعته فيتضيق بذلك الحجاج.
[باب تقصير الصلاة بمنى]
قوله [آمن ما كان الناس وأكثره] فعلم أن قيد إن خفتم في قوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ليس موقوفًا عليه القصر بل الإجازة
стр. 601
عامة [وقال بعضهم لا بأس لأهل مكة أن يقصروا] لثبوته عنه (١) ﷺ .
[باب الوقوف (٢) بعرفات] قوله [مكانًا يباعده عمرو] هذه مقولة سفيان بن عيينة يقول لما حدثنا بذلك عمرو بن دينار نسب هذا المكان الذي كانوا وقوفًا فيه إلى بعد من موقف الإمام وأشار إلى ذلك البعد والمراد كنا وقوفًا بعيدًا منه ﷺ فأردنا النزول بقرب منه فسمع بذلك النبي ﷺ فخاف بذلك ضيقًا على الناس وعلى هؤلاء فنهاهم وقال كل الموقف إرث إبراهيم وسنته فأنتم لستم على مقام مفضول نسبة إلى مقامي في نفس اعتبار المقام، وإلا ففضل قرب الإمام ثابت لا ينكر وليس يعني بالإرث حقيقة معناه لأن إبراهيم لم يملكه حتى يورثه بل المراد موافقة طريقته فإن إبراهيم سن الوقوف حيث تيسر ثم قوله مكانًا يمكن أن يكون من كلام يزيد (٣) بن شيبان والمعنى كنا وقوفًا من الموقف في مكان ويباعده
стр. 602
من كلام سفيان أو ابن دينار ويمكن أن يكون قوله مكانًا من زيادة ابن دينار أو سفيان والمعنى أنهم كانوا وقوفًا بالموقف، ثم قال سفيان أو ابن دينار أن يزيد بن شيبان أراد بقوله بالموقف مكانًا أشار أستاذنا إلى كونه بعيدًا من الإمام فافهم.
قوله [كانت قريش] ومن كانت على دينها وهم قبائل تتصل بقريش (١) بوسائط قليلة كأولاد نضر وكنانة، قوله ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ وهذا يستلزم أن يكونوا قد نزلوا حيث نزلوه فلذا لم يذكر النزول واكتفى بالإفاضة.
قوله [على هيئته] يمكن أن يكون حالاً عنه ﷺ أو يكون قوله على هيئته بيانًا للإشارة ولا يخفى ما فيه من البعد إذ المناسب على هيئتكم، وإنما يصح على تقدير وليمش أو ليكون أحدكم على هيئته وبيان الأول إنه لم يكن يحوله (٢) كله لذلك ولا أنه كان يصوت بحيث ينافي السكينة والوقار.
قوله [والناس يضربون يمينًا وشمالاً] أي ركابهم ودوابهم، قوله [يلتفت إليهم] هذا لا ينافي (٣) ما سبق فإن الالتفات يتحصل بمجرد لي العنق، قوله [فقرع ناقته فخبت] وهذا ليمر عن وادي المحسر سريعًا لكونه وادي الغضب والانتقام عن الأعداء قد أهلكت فيها أصحاب الفيل فعلم أن التلبث في أمكنة الكفرة والفجرة والظلمة أكثر من الحاجة والضرورة ينبغي الاحتراز عنه وكذلك أمر
стр. 603
قوله [قد أدركته فريضة الله في الحج] هذا الشيخ إما أن يكون نزل أمر الحج وهو يقدر عليه ويستطيعه ثم ضعف ولم يحج في العام الأول لعوارض وعوائق أو رجاءًا لشرف معية النبي ﷺ فيصح إدراكه الحج وهو شيخ كبير أو المراد أن فريضة الله التي هي الحج قد أدرك أبي وهو شيخ كبير يعني أن فريضة الحج نزل والحال أنه قد كبر أبي وضعف حتى لا يستطيع الركوب حتى يفرض عليه إلا أنه يحب ذلك أفيجزئ أن أحج عنه، والتقرير الأول أولى ليثبت (١) بذلك النيابة في فرض الحج ولا يثبت النيابة في الثاني إلا في النافلة.
قوله [ذبحت قبل أن أرمي قال إرم ولا حرج] استنبط بذلك من قال بعدم الترتيب بين هذه الثلاثة فإن لاء نفي الجنس ينفي كل أقسام الحرج، وقال الإمام (٢) أن أمثال هذه في أمثال هذه لا تعد حرجًا فإنهم لما سمعوا الخطبة وعلموا الأحكام ووجدوهم خالفوا ما قاله النبي ﷺ كبر عليهم أن لا يكونوا اكتسبوا من حجهم إلا مأثمًا وتحرجوا عن وجوب القضاء فدفعه النبي ﷺ وقال لا حرج (٣)
стр. 604
مما تخافون منه، وأما وجوب الدم فثابت عن عبد الله بن عباس فيؤخذ به رواه ابن أبي شيبة في مصنفه.
قوله [فقال يا بني عبد المطلب لولا أن إلخ] كانت سقاية الحاج في بني عبد المطلب فأراد النبي ﷺ بيان فضيلة السقاية لئلا يحزنوا على ما يفوتهم في سقاية الحاج باشتغالهم بها من الفضائل التي يدركها سائر الناس من الأطوفة والعمرات، فقال إن في نزع الزمزم فضلاً كبيرًا حتى إني أريد أن أنزع منه بنفسي لأنال ذلك الفضل إلا أني أخاف إن فعلت ذلك أن يكون النزع بيده نفسه سنة فيغلبكم الحاج ولا تصل النوية إليكم بعد ذلك.
قوله [وقال بعض أهل العلم إذا صلى الرجل في رحله ولم يشهد الصلاة مع الإمام إن شاء جمع بين الصلاتين] وأما عندنا فلما كان هذا الجمع معدولاً به عن القياس لكونه على خلاف توقيت الصلاة الثابت بالكتاب والسنة المتواترة لم يعدي الحكم الثابت به إلى غير الصورة الثابت من الشارع الجمع فيها وهو ما إذا كان الجمع في الإحرام ووقت الظهر ومع الإمام فلو لم يحرم أحد كما يفعله بعض الناس فيحرمون قبيل الغروب فليس لهم جمع الظهر والعصر في وقت الظهر ولا كذلك لو صلى أحد منفردًا أو صلى في وقت العصر لم يجمع بينهما ولا كذلك في المغرب فإن القضاء معقول فلا يشترط فيه ما يشترط في الظهر لأن تقديم الصلاة عن وقتها غير معقول أصلاً.
قوله [زيد بن علي] على هذا هو زين العابدين وزيد ابنه أخو جعفر الصادق ﵃، قوله [لعلي لا أراكم بعد عامي هذا] هذا ترغيب منه ﷺ في تعلم
стр. 605
الأحكام منه ولقد كان ودع في حجته هذه أمته المرحومة فسميت حجة الوداع ولم يدر الصحابة كلهم سبب ذلك وأما بعضهم وهم الفقهاء منهم فقد كانوا علموا من أول الأمر أن النبي ﷺ مرتحل عنهم في قليل وحسبنا الله ونعم الوكيل، ثم لما رحل النبي ﷺ بعد حجه في قريب من شهرين عن الدار الدنيا إلى الدار الآخرة، علموا أن السبب في تسمية حجته حجة الوداع ماذا هو.
[باب الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلقة]
قوله [إن ابن عمر صلى بجمع] فجمع بين الصلاتين بإقامة قال الأستاذ أدام الله علوه ومجده وأفاض على العالمين برد ورفده: ههنا مذاهب أربعة إفرادهما وتكرارهما إفراد الأذان وتكرير الإقامة تكرير الأذان (١) وإفراد الإقامة وإلى الأول مال صاحب المذهب (٢) ووجه الترجيح أن رواية ابن عمر هذه مع كونها مرجحة بفقه الراوي، وقربه من النبي ﷺ بحيث لا يتصور ذلك لرواة الأحاديث الأخر مؤيدة بموافقة القياس فإن الأذان لإعلام الغائبين والإقامة لإعلام الحاضرين وكلاهما حاصل ههنا أي بإفرادهما هذا ما أفاده ولكن في الهداية في شرح قوله [ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء بأذان وإقامة واحدة] وقال زفر ﵀ بأذان وإقامتين اعتبارًا بالجمع بعرفة
стр. 606
ولنا رواية جابر أن النبي ﷺ جمع بينهما بأذان وإقامة واحدة، وقال صاحب فتح القدير على قوله هذا ما نصه (١) والذي في حديث جابر الطويل (٢) الثابت في
стр. 607
صحيح مسلم وغيره أنه صلاهما بأذان وإقامتين وعند البخاري عن ابن عمر أيضًا قال جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة ولم يسبح بينهما ولا على أثر واحدة منهما وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جير أفضنا مع ابن عمر فلما بلغنا جمعًا صلى بنا المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة، فلما انصرف قال ابن عمر هكذا صلى رسول الله ﷺ بنا في هذا المكان، فإن لم يرجح ما اتفق عليه الصحيحان على ما انفرد به مسلم وأبو داود حتى تساقطا كان الرجوع إلى الأصل يوجب التعدد كما في قضاء الفوائت انتهى عبارته، فعلم بذلك أن ما رجح به حديث ابن عمر من وجهي الترجيح اللذين قدمناهما غير تام إذ قد ثبت عن ابن عمر نفسه ما يخالف ذلك فليسأل (١) عنه.
قوله [قال وحديث سعيد بن جبير عن ابن عمر هو حديث حسن صحيح] يعني أن حديث سعيد ليس في نفسه خطأ إنما الخطأ في روايته عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير ولا يرويه أبو إسحاق (٢) عن سعيد بن جبير وإنما يرويه عن سعيد رجال آخرون منهم سلمة بن كهيل كما صححه المؤلف فيكون رواية إسماعيل عن أبي إسحاق عن سعيد غلطًا، والحاصل أن الآخذين من ابن عمر بواسطة سعيد بن
стр. 608
جبير غير الآخذين من ابن عمر بواسطة عبد الله بن مالك، فخلط بين الإسنادين إسماعيل (١) بن خالد حتى قال عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عمر وإنما هو عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مالك عن ابن عمر أو عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عمر فتأمل وافهم.
قوله [ثم أقام فصلى العشاء] يعني أن الذي سبق من إفراد الإقامة إنما هو إذا لم يشتغل بينهما بشيء آخر وأما إذا اشتغل ببعض أمره حتى تفرق الناس ولم يبق للإقامة الأولى فائدة في الصلاة الثانية فهو يقيم ثانيًا.
[باب (٢) من أدرك الإمام بجمع] قوله [ابن عمر] بفتح الميم وضمه غير منصرف وقوله [فسألوه] لم يذكر السؤال اتكالاً على ما سيفهم من النداء الآتي وكانوا سألوه (٣) أنا لم نأت منى لما سمعناك قد وصلت بعرفة إفتام حجنا
стр. 609
إذًا قال الحج عرفة يعني أن الذي يفوت الحج بفوته إنما هو وقوف عرفة لا غير لأن الركن الآخر وهو طواف الزيارة ليس له وقت يفوت بفوته وإنما ينجبر بتأخيره عن أيام النحر بالدم ولا انجبار إذا تأخر الوقوف بعرفة عن وقته وهو من زوال (١) يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وأما ما يفوت من المناسك الأخر فيمكن تداركه بالدم وغيره.
قوله [وأردف رجلاً فنادى] هذا نداء ثان كرره لمزيد الاهتمام بذلك الأمر ولم يذكره عبد الرحمن بن مهدي في روايته، قوله [هذا أجود حديث رواه سفيان] أي في باب المناسك لا مطلقًا أو يراد أنه من جملة الأجود، قوله [ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل] هذا إفادة من الترمذي والغرض منه بيان أنه كيف يخرج من إحرامه، قوله [ما تركت من جبل] أي من جبال عرفة وآكامها.
[باب في تقديم الضعفة جمع من بليل]
قوله [قال بعثني رسول الله ﷺ في ثقل (٢) من جمع بليل] ثم لما لم يأمرهم بالدم علم بذلك أن هذا مستثنى عن الشارع، قوله [أخطأ فيه مشاش] فإنه لما كان ابن عباس نفسه في الضعفة حينئذ لكونه صغيرًا وسبق معهم ولم يكن سبق فيهم الفضل بن عباس لأنه كان كبيرًا فأي احتياج لابن عباس أن يروي قصة نفسه عن أخيه، قوله [لا ترموا الجمرة
стр. 610
حتى تطلع الشمس] حقيقة (١) أو حكمًا. وهو ما بعد طلوع الفجر وإنما عممنا لما ثبت أن أم سلمة ﵂ أو زوج آخر رمت (٢) بعد الفجر قبل أن تطلع الشمس، وهذا محتاج إلى السؤال.
[باب ما جاء أن الجمار التي ترمي مثل حصى الخذف]
الجمار كما تطلق على
стр. 611
الجمرات الثلاث تطلق على نفس الحصيات أيضًا وهو المراد ههنا، قوله [كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشمس (١)] أي في غير يوم النحر [وقال بعضهم يركب يوم النحر] هذا وإن كان جائزًا عندنا إلا أنه خلاف الأولى (٢) وأما ركوبه ﷺ فإنما كان كركوبه في الطواف ليرى الناس مسافة بعد الرامي من الجمرات ومقدار الحصيات وأنه إلى أي جانب ينبغي له أن يقوم فلما بين ذلك في أول رمى رماه لم يركب فيما بعد ذلك.
قوله [واستقبل (٣) القبلة] هذا ينافي ما في بعض الروايات أن النبي ﷺ
стр. 612
جعل القبلة على يساره، ووجه التوفيق أن البيت حين يستقبل الرجل الجمرة يقع أمامه مائلاً إلى جانب اليسار قليلاً فصح أن يقال إنه قام بحيث يكون البيت في يساره، وأما إذا جعل الجمرة على حاجبه الأيمن فلا مراء في كونه مستقبل البيت.
[باب الاشتراك (١) في البدئة والبقرة واحتج بهذا الحديث] إشارة إلى ما أورد بعد ذلك، قوله [وحديث ابن عباس إنما نعرفه من وجه واحد] هذا أيضًا هو الحديث الآتي، وأشار بقوله ذلك إلى وجه ترجيح حديث السبعة على حديث اشتراك العشرة، وهذا الجواب كاف من جهة الشافعية فإن من أصولهم العمل على حديث أصح بمقابلة الصحيح، والجواب عن الأحناف أن ذلك منسوخ بما وقع في الحديبية وحجة الوداع ولم يكن بعدها تغير كثير.
[باب في إشعار البدن]
قوله [قلد نعلين] وإن كان يجوز غيرها أيضًا، قوله [في الشق الأيمن (٢)] أي من الهدى وسنة الإشعار أن يطعن فيه بحيث
стр. 613
لا يسري من الجلد إلى اللحم ثم يخضب بما سال من الدم صفحة سنامها وأصل الإشعار الإعلام وكان ذلك إعلامًا للهدايا فلا يتعرضها بعد ذلك أحد ثم لم يبق إليه ضرورة لما أيد الله الإسلام ولم يبق ما كان من الخطر (١) ومع هذا فلو أشعر عالم طريقته أتى ندبًا والذي اشتهر من منع الإمام عنه فهو منع لما ارتكبه أهل زمانه من المبالغة فيه بحيث يخاف منه السراية والفساد أو هو ردع للعوام مطلقًا إبقاءً على الهداية وخوفًا عما يؤول الأمر إليه من المبالغة فيه والوقوع في المنهي عنه طلبًا لما هو ندب فحسب.
قوله [وأماط عنه الدم] ليس المراد بذلك سلت الدم عن ذلك الموضع وإزالته إنما المراد هو الذي ذكرنا قبل من أنه خضب بالدم السائل من الشق صفحة السنام ولو حمل الإماطة على ما يتبادر من معناها لبطل فائدة الإشعار فإن الشق المذكور على القدر المسنون لا يكاد يبدو للناظر سيما إذا لم يكن هناك أثر الدم.
قوله [يرون الإشعار] أي حسنًا وهو قول الإمام كما صرح به الطحاوي وهو أعلم الناس بمذهب أبي حنيفة ﵀ ويكون الإشعار في البقر أيضًا قوله [قال الترمذي سمعت يوسف بن عيسى يقول سمعت وكيعًا يقول حين روى هذا
стр. 614
الحديث فقال] أي وكيع وقال هذا زائد كرره لبعد القول الأول من مقولته [قال] الترمذي وسمعت [أبا السائب] إلخ قوله [ممن ينظر في الرأي] أي يستدل بالقياس ويتفقه قال الرجل مؤيدًا أبا حنيفة بمن هو مسلم الفريقين فإن تحديث إبراهيم مسلم وقد بينا لك ما أراد هؤلاء (١) بهذا القول.
قوله [اشترى هديه من قديد] موضع بقرب مكة فوق مسيرة يوم، وقد علم بذلك أنه لا يجب عليه أن يأخذ الهدى معه من بيته أو من ميقاته وقد كان علم من الحديث السابق جواز أخذه من الميقات وجملة الأمر أنه يجوز له كل ذلك قوله [قال أبو عيسى وهذا أصح] لكثرة من وقفه على ابن عمر.
[باب في تقليد الهدى للمقيم]
قوله [ثم لم يحرم ولم يترك شيئًا من الثياب] وبهذه الجملة يثبت ما زاد في الترجمة من لفظ للمقيم فإنه لما لم يحرم ولم يترك شيئًا
стр. 615
من الثياب وأقام هناك حتى علمت بذلك عائشة، علم أن الإهداء إلى البيت لا يستلزم خروج المهدي معه، قوله [وهو يريد الحج إلخ] زاد الجملة الحالية ليعلم حكم من لم يرد الحج بالطريق الأولى فإنه لما كان في نية الإحرام ومع ذلك لم يحرم بمجرد التقليد فمن ليس له نية أن يحرم بالطريق الأولى.
[باب ما جاء في تقليد الغنم]
كره (١) الإمام تقليدها بالمزادة والنعال لما يلحقها من المشقة في ذلك مع صغر جثتها وضعف بنيتها، وأما التقليد بما رواها عن عائشة ﵂ فغير ممنوع (٢) عندنا أيضًا، قوله [يرون تقليد الغنم] أي حسنًا.
[باب إذا عطب الهدى]
قوله [ثم أغمس نعلها] أي التي هي ملقاة في عنقها لا نعلها التي تمشي عليها، قوله [ثم خل بين الناس وبينها يأكلوها]
стр. 616
لا خلاف أن المالك لا يأكلها وكذا وكيله إذا بعث معه ولم يخرج بنفسه وإنما الخلاف في من سواهما من السيارة، والصحيح أنهم ممنوعون (١) عن كلهم ولعل الوجه في ذلك أنهم لو كانوا مجازين في أكلها لربما تسارعوا إلى ذبحها بأدنى سبب وهذا كله في هدى التطوع وهو المذكور ههنا وجاز له التصرف في الهدى الواجب بالهبة والبيع ويجب تعويضه وكذلك إذا عطب (٢)، قوله [قالوا إن أكل منه شيئًا غرم] مقدار ما أكل وهو المذهب (٣) عندنا أيضًا أنه يضمن هذا المقدار للفقراء، قوله [قال بعض أهل العلم إذا أكل من هدي التطوع شيئًا فقد ضمن] لعله يضمن على مذهب هؤلاء بأكل القليل (٤) من لحم الهدي كلها وإلا فلا يضح
стр. 617
الفرق فليسأل.
[فقال له اركبها فقال يا رسول الله إنها بدنة] إنما أجاب الرجل بهذا لما فهم أن النبي ﷺ لم يعلم أنها بدئة ولذلك أمرني بالركوب ثم أجاب الثانية ظنًا منه أن النبي ﷺ لم يسمع قولي أنها بدنة فقال النبي ﷺ اركبها ويحك أو ويلك يعني أني سمعت ما قلت من أنها بدنة ومع ذلك فإني جوزتها لك، وكان ذلك لما رأى من اضطراره إليها ثم اعلم أما أولاً فإن كلمة ويلك أو ويحك كثيرًا ما تطلق ولا يراد حقيقتها كما أطلقه النبي ﷺ ههنا، وأما ثانيًا فإن منافع (١) الهدايا والأضاحي يجوز للمالك أن ينتفع بها إذا اضطر إليها ولا ضمان عليه حينئذ وأما إذا لم يضطر إليها فلا يجوز، والزوائد لا يجوز الانتفاع بها من غير اضطرار إليها وأما إذا اضطر إليها فهي جائزة له الانتفاع بها واستعمالها مضمونة عليه.
[باب ما جاء بأي جانبي الرأس يبدو في الحلق]
هذا الحكم يعم الحل والحرم والحج وغيره، قوله [فأعطاه أبا طلحة] زوج أم سليم أم أنس بن مالك ﵀ وبذلك يعلم ما لهم من الفضل وأيضًا فقد علم بذلك جواز التبرك بشعر الكبراء وكذا في غير الشعر من اللباس وغيره ومما ينبغي أن يستنبط من ههنا أن تقديم إلا فاضل في التقسيم غير ضروري فلقد كان فيهم أبو بكر وعمر وغيرهما.
стр. 618
رضي الله عنهم ومع ذلك فقد ناول أبا طلحة ما لم يناول أحدًا مثله إلا أنه لا ينبغي أن يرتكبه إذا خاف أن يسوءهم ذلك.
قوله [وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق] إلا أنهم اختلفوا حسب اختلافهم في مسح الرأس فقال مالك لا يجزيه إلا حلق الكل وكذا تقصير مقدار إلا نملة من جميع دائرة الشعور وقال الإمام لا يجزيه أقل من الربع في الصورتين وقال الشافعي ﵀ بإجزاء أقل من ذلك أيضًا، قوله [قال أبو عيسى حديث على فيه اضطراب] وهو الذي ذكره من ذكر على وعدم ذكره.
[باب الطيب عند الإحلال]
قوله [طيبت رسول الله ﷺ ] وبذلك يعلم أن الطيب يجوز استعماله قبل طواف الزيارة، فإن قال قائل يحتمل أن يكون من خصوصياته قلنا مع خلافه الظاهر لنا أن نستدل على جوازه بتلبس عائشة بالطيب ولم يكن طافت بعد، قوله [بطيب فيه مسك] أشارت بذلك إلى دفع ما لعله يتوهم من أن تطييبها إياه كان بما لا يقال له الطيب إلا مجازًا، قوله [أخر طواف الزيارة إلى الليل] إن كان الراد منه أنه طاف لنفسه في الليل فهو ممنوع فإنهم متفقون على أنه طاف قبل الظهر، وإن كان المراد أنه أخر وقته إلى الليل لغيره أي جوزه إليه فلا شك أنه جائز بعد ذلك من غير كراهة ووجوب (١) دم إلى الثاني عشر عندنا، وإلى الرابع عشر (٢) عند الشافعي، فلا
стр. 619
معنى (١) لتأخيره إلى الليل فالمعنى أنه آخر وقته المستحب (٢) إلى الليل فلا يبقى بعده الوقت المستحب.
[باب ما جاء في نزول الأبطح]
هذا المنزل هو المرسوم بالبطحاء والمحصب وخيف بني كنانة وهو الموسوم (٣) بذي طوى، وقد أشرنا إليه من قبل والنزول (٤) فيه ليس مما يتعلق بالحج وإنما هو سنة علاحدة فما قيل التحصيب ليس بشيء أريد به في الحج، وحيثما قيل التحصيب سنة فالمراد (٥) على أفراد من الحج وعلاحدة.
قوله [قال الشافعي نزول الأبطح ليس من النسك في شيء] هذا يعين مرادنا الذي ذكرنا آنفًا إنما هو منزل نزل رسول الله ﷺ فكان النزول فيه سنة لنزوله
стр. 620
وسيجيء السبب في اختياره ذلك المنزل للنزول في الصحيحين (١) قوله [إنما نزل رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه] هذا لا ينافي ما قدمنا فإن سبب نزوله ذلك المنزل واختياره يجوز أن يكون عدة أشياء.
[باب في حج الصبي]
قوله [ألهذا حج] اللام للانتفاع يعني أن لما نفعا في ذلك أم لا فقال نعم فعلم أن حج النفل جائز من الصبي (٢) أيضًا وأما عدم إجزائه عن حجة الإسلام فلما لم يتوجه إليه الخطاب بعد وتلبسه أمه إزارًا ورداءًا وتلبى عنه ولا جناية عليه حتى يلزم دم لا عليه ولا على من يقوم به، قوله [فكنا نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان] هذا الحديث إن أريد ظاهره فهو مخالف للمذاهب كلها فإن التلبية لا تجزئ عن أخر مع أن فيه إشكالاً آخر وهو أنه ليس في الحديثين اللذين قال لهما المؤلف أنهما ليسا معمولين بهما والباقي كله معمول
стр. 621
به، والجواب عنه أن جابرًا مصرح بقوله كنا نلبي ولفظ كان ظاهر الاستمرار وإن لم يكن نصًا فيه فعلم أنه ذهب إليه واختاره، والحق أن معنى الحديث أن النسوة اللاتي لم يقدرن على التلبية لمرض (١) أو إغماء كنا نلبي عنهن ولا خلاف فيه لأحد (٢) والتقييد بالنساء لما أن ذلك غالب فيهن وأن الرجال كذلك في هذا الحكم فأتقن هذا واغتنم ولا تغفل، ومعنى قوله [كنا إذا حججنا معه ﷺ ] مع أنه لم يحج بعد الهجرة لا حجة أما أن يكون قوله هذا مبنيًا على أنه حين فعل ذلك في الحجة الواحدة، فالظاهر أنه لو حج ثانيًا لكان كذلك أو قاله باعتبار
стр. 622
حجته قبل الهجرة وإن لم يكن أكثرهم معه وحينئذ فإضافة الفعل إليهم مجاز أسند الفعل إليهم باعتبار من كان معه منهم وقيل (١) بل المعنى كنا نلبي جهرًا رافعًا أصواتنا، ولا شك في أن في رفع الصوت بالتلبية أجرًا ليس في الأسرار والنساء حين منعن من رفع الصوت رفعنا الأصوات بالتلبية وجعلنا أجر ذلك لهن ونوينا فيه إياهن وهذا صحيح أيضًا.
[باب الحج عن الشيخ الكبير والميت]
قوله [حجي عنه] فلما جاز عن الحي بضعفه وعجزه عن أداء الأركان جاز عن الميت لأنه أضعف وأعجز، وبذلك يظهر المناسبة بين الترجمة والحديث إذ الترجمة مشتملة على أمرين ثم اعلم أن المؤلف لم يذكر الحديث الذي فيه تصريح بالحديث عن الميت ههنا بل عقد له بابًا علاحدة تعليمًا لك استنباط المسائل عن الحديث فيكون الحديث الآتي في الباب الثاني بمنزلة التأكيد للحكم المعلوم سابقًا.
قوله [فسألت محمدًا عن هذا] إلخ بني محمد ترجيحه على ما مر من حديث سؤال الخثمعية والفضل رديف النبي ﷺ ولا يبعد أن يكون عبد الله بن عباس سمع ذلك عنه ﷺ حين سأله سائل آخر عن ذلك، قوله [يا رسول الله إن أبي شيخ كبير] الظاهر أن الحج لم يكن وجب عليه وإنما كان ذلك متمناه وإن كان جائزًا أن يكون الحج فرض عليه ثم ضعف.
[باب في العمرة (٢) أو واجبة هي أم لا] قوله [قال وقد روى عن
стр. 623
النبي ﷺ وهو ضعيف إلخ] هذه كلها مقولة الشافعي إلى آخر الباب لا مقولة الترمذي وإلا لزم التناقض في قوليه، والجواب أن المؤلف نفسه مصرح بأن الحديث السابق حسن صحيح وهو صريح في أن العمرة ليست بواجبة فلما كان هذا الحديث صحيحًا لا يضرنا ما ضعف الشافعي ﵀ على أنه يقتضي أن فيه رواية ضعيفة، فكان مؤيدًا لما قلنا كيف ومتابعه هذا الحديث صحيح حسن، ولعل الشافعي لم تبلغه رواية جابر فلذلك قال ليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع.
وأما قوله [حج عن أبيك واعتمر] فليس نصًا في وجوب العمرة لأن الأمر أمر إباحة فإن السؤال لعله كان من الحجة النافلة فكيف يمكن حمل الأمر على الإيجاب، وتأويل قول ابن عباس أنه كان يقول بتأكدها مع أن قول ابن عباس ﵁ لا يجدي نفعًا إذا كان الحديث المرفوع صريحًا على خلافه، قوله [وكان يقال هما حجان] كأنه أشار بذلك إلى وجوبه وتأكده كالحج حتى يصح اشتراكها بالحج في التثنية وأنت تعلم أنه ليس بشيء إذ التثنية على معنى المقصد وهما مقصودان بزيارة البيت أعم من أن يكون بطريق الوجوب أو التطوع.
[باب منه]
لما كان بيان ميقات (١) العمرة مما يناسب ذكره عقيب ذكر
стр. 624
العمرة قال باب منه ولا يخفى كونه بابًا منه، قوله [إلى يوم القيامة] يعني أن هذا الدخول ليس مما يختص بي أو بزماني بل الحكم مؤبد لكل مؤمن، قوله [ومعنى هذا الحديث] إنما احتاج إلى هذا التفسير دفعًا لما يتوهم من دخول أحدهما في الآخر أن لا احتياج إلى إتيان أفعاله على حدة بأن المراد تداخل زمانيهما حتى يعتمر في أشهر الحج لا تداخل أركانهما وأفعالهما.
قوله [وأشهر الحج] بلفظ الجمع مع (١) أنهما اثنان وبعض من الثالث تسمية للكل وتوصيف له باسم الجزء ووصفه، قوله [وأشهر الحرم رجب وذو القعدة وذو الحجة كلها ومحرم] وإنما بين هذه ههنا تبعًا واستطرادًا ولئلا يقع منك خلط بينهما، قوله [لا ينبغي للرجل أن يهل إلخ] مع أن
стр. 625
ذلك (١) جائز له ووجه ذلك ما يلزمه من الجنايات وارتكاب المناهي لامتداد زمان الإحرام.
قوله [أن يعمر عائشة من التنعيم] فعلم أن ميقات المكي في العمرة إنما (٢) هو الحل أي هل كان وإن كان الأفضل له أن يعتمر من التنعيم، قوله [فأصبح بالجعرانة (٣) كبائت] وهذا هو السبب في إنكار من أنكر عمرته من التنعيم والجعرانة بكسر الجيم وسكون العين بعدها وبكسر الجيم وكسر العين بعدها وبالراء المهملة مشددة، قوله [فما زالت الشمس من الغد] أي غد يوم النزول بجعرانة وصبيحة ليل طاف فيها.
قوله [خرج في بطن سرف] وسرف هي بقعة (٤) فسيحة تجتمع فيها طريقًا مكة وجعرانة إلى المدينة فلذلك قال [حتى جاء (٥) مع الطريق] وهو
стр. 626
طريق جعرانة الذي أتى فيها رسول الله ﷺ [طريق] فاعل جاء وموصوف بصفة [جمع ببطن سرف] ولعل مفعول جمع محذوف أي طريقي (١) الحرمين فليسأل وكان ﷺ بعد فتح مكة والطائف وحنين ذهب إلى أوطاس فلما فرغ منهم أتى الجعرانة.
قوله [سئل ابن عمر في أي شهر اعتمر رسول الله ﷺ ] لم يستوعب الرواية بل أخذ منها ما تعلق به غرضه وهو بيان عمرته ﷺ في رجب ولقد علم بهذه الرواية بتمامها (٢) أينما تذكر أن الرد على العالم وإن كان أدون من الراد رتبة ينبغي أن يكون بأحسن وجه كما فعلته عائشة ﵂ فإنها بينت فضله أو لا بأنه لم يتخلف عنه ﷺ في عمرة حتى يظن به الجهل عن حاله ﷺ ، ثم بينت أنه اعتراه (٣) في ذلك سهو، وكيف ترى الراد (٤) على ابن عمر حين رأى نفسه
стр. 627
أدون من ابن عمر ورأى ابن عمر علي (١) خطأ في قوله ذلك رد أمر الرد على عائشة أم المؤمنين ﵂ حتى قالت ما قالت، ولم يسبق إلى أن يرد على ابن عمر قوله مع كونه على خبرة في ذلك.
قوله [حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير] غرضه بهذا النقل إثبات الانقطاع في الرواية أو المراد في الرواية بعروة هو العروة المزني لا عروة بن الزبير يعني أنه لما لم يسمع من عروة بن الزبير وجب حمل الرواية على أن المراد فيها هو المزني، وقد بينا لك فيما سلف أن أبا داود أثبت في صحيحه سماع عروة لحبيب فافهم.
قوله [اعتمر في ذي القعدة] هذا هو الحق فإن عمرة ﷺ كلها في ذي القعدة باعتبار الابتداء والأخذ فيها وأما إتمامها فإن إتمام العمرة التي كانت مع حجته كان في ذي الحجة، ثم قد ورد في بعض الروايات عدد العمر أربعًا وفي بعضها ثلاثًا وفي البعض اثنين والكل صحيح فمن قال أربعًا اعتبر الشروع فعد عمرة الحديبية، ومن قال ثلاثًا لم يعدها منها واعتبر التمام ومن روى اثنين اعتبر الاستقلال فلم يعد فيها عمرته (٢) مع حجته.
[باب في عمرة رمضان]
قوله [قال إسحاق معنى هذا الحديث] يعني أنها لا تكاد تجزئ عن حجة الإسلام، فإن الثواب شيء وإسقاط الفرض عن الذمة
стр. 628
وفراغها شيء آخر فلا يلتبس عليك بون بينهما.
[باب ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر]
متعديًا مجهولاً [أو يعرج] لازمًا معروفًا الحديث الوارد في الباب صريح في أن الإحصار لا يختص بالعدو كما ذهب إليه (١) الشافعي ﵀، قوله [فقد حل] ليس المراد أنه حل بنفس العرج والكسر وإنما (٢) المراد أنه استحق التحلل وجاز له أن يتحلل بطريقه المذكور في مقامه.
قوله [وسمعت رسول الله ﷺ ] هذا بيان الفرق بين رواية إسحاق بن منصور عن روح بن عبادة وروايته عن محمد بن عبد الله بأن الحجاج قال في هذه سمعت رسول الله ﷺ كما قال في الأولى لفظة قال رسول الله ﷺ ، قوله [حجاج
стр. 629
ثقة حافظ] فلا يضر تركه راويًا ولا ينسب بذلك إلى الوهم غاية الأمر أنه أرسله ولعل الترمذي أراد بذلك مخالفة محمد في تصحيحه فليسأل.
[باب الاشتراط في الحج] قوله [أن ضباعة بنت الزبير] هذا الزبير غير زبير بن العوام فإن ضباعة هذه بنت عم رسول الله ﷺ بنت زبير بن عبد المطلب (١) قوله [أفأشترط قال نعم] استدل بذلك الشافعية في قولهم بسقوط دم الإحضار إذا اشترط وأنت تعلم أن الرواية ساكتة عن ذكر الدم وإنما رخص لها في الاشتراط تطييبًا لقلبها لئلا تيأس من أول الأمر فلا تروح معه فتحرم عن الخير الكثير فلا قوة في الحديث بمرتبة تخص بها عموم قوله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وقوله ﵇ من كسر أو عرج والحكم لا يختص بالكسر والعرج لعموم العلة وهي عدم التمكن من الأداء.
قوله [ولم ير بعضهم الاشتراط في الإحرام] أي مفيدًا ومانعًا دم الإحصار وإلا فنحن لا تنكر أنه لو قال ذلك لم يكن له ضرر بقوله وإن لم يستفد به فائدة، قوله [أليس حسبكم سنة نبيكم] فإنه ﷺ حين اعتمر الحديبية لم يكن في أمن من أن يحصره الأعداء ويمنعوه وصول مكة كيف وفيهم كثرة ولغيظهم على أهل الإسلام شدة، ومع ذلك لم يشترط لما لم ير الاشتراط ينفع شيئًا بل الذي اشترط كمن لم يشترط في أنه لا يتحلل إلا بعد بعث الهدى إلا أن للمخالف أن يقول إنما لم يشترط لما أنه كان أتى بالهدى فلا فائدة له في التحلل من غير بعث الهدى كما هو الحكم للمشترط عندهم، وأما أمر القضاء فكانوا على يقين من دخول مكة أنى تيسر لرؤيته ﷺ ذلك في المنام وليس هذا لغيره ﷺ فلعله لا يتيسر له أن يقضي عمرته وليس عنده ما يبعث به الهدى (٢) فليسأل.
стр. 630
قوله [فلا أذن] أسقط النبي ﷺ هذا أي طواف الصدر عن هذه الطائفة في هذه الحالة فلا دم فيه ولا قضاء، قوله [عن عبد الرحمن بن البيلماني (١) وما وقع في بعض النسخ ابن السلماني فغلط من النساخ.
قوله [خررت (٢) من يديك دعاء عليه] لتبادره إلى السؤال مع علمه
стр. 631
بالمسألة عمن هو أفضل من عمر وأعلم، ولما أنه سأل عن عمر ولم يعرض عليه ما سمعه من النبي ﷺ ، وقد كان سأل عمر عمن حج ولم يطف طواف الصدر فكان يحتمل أن يجيب عمر على خلاف مقتضى الحديث فيأثم بذلك الحارث والمعنى سقطت باختيارك وبأيدي نفسك لأنك سألت عمن يحتمل قوله الخطأ بعد العلم بمقولة من لم يحتمل قوله الخطأ.
[باب ما جاء أن القارن يطوف طوافًا واحدًا] أما (١) ما ورد في ذلك من أحاديث فعله ﷺ كذلك فالجواب عنه أن أكثر أصحاب النبي ﷺ كانوا بعيدين منه، وإنما كانوا يتناوبون عليه وقتًا فوقتًا طائفة بعد طائفة لكثرة الناس يومئذ فعل الرواة الذين رووا طوافًا (٢) واحدًا وسعيًا واحدًا لم يصلوا إليه ﷺ إلا
стр. 632
وقد فرغ من طوافه الأول وسعيه الأول أو انفصلوا عنه ولم يأخذ النبي ﷺ بعد في الطواف الثاني وأما ما رواه الطوافين وكذا السعيين فلا يتوهم بهم أنهم رووا كذلك بمحض القياس أو التوهم إذ لو حمل على ذلك لكان كذبا فلم ينقلوا عنه ذلك إلا وقد رأوه أنه طاف طوافين وسعى سعيين وأما الحديث القولي فأما ضعيف أو مأول جمعا بين الأحاديث فمن ذلك قولهم الآتي عنه ﷺ من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد فالصحيح أنه مرفوعا غير صحيح وإنما هو موقوف وإن سلم رفعه فالواو فيه بمعنى أو وهو كثير شائع ولفظه جميعا وإن كان الغالب استعمالها فيما وجودها مجتمع ولكنها كثيرا ما يستعمل فيما لم تجتمع وجود لها وذلك لاعتبار الاجتماع في نفس الوجود وإلا لزم التعارض بين قوله وفعله ﷺ ولا يجوز أن يحمل فعله على العزيمة وقوله هذا على الرخصة لأن هذا لا يقوله أحد فمن قال بالطوافين لم يقل باجزاء واحد ومن قال بطواف لم يقل بشرعية التكرار.
[باب مكث المهاجر بعد الصدر]
قوله [يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه بمكه] وإنما رخص لهم دون الزيادة لأن في الإقامة هناك تعريضا لثواب الهجرة على التقليل فيكره وذلك لأنها وإن لم تبق دار الكفر غير أن إقامتها نقض بحسب الصورة لما عاهدوا الله به من مفارقة الأهل والمال ومتاركة الوطن وإن لم يكن نقضا حقيقة ولذلك يقل ثواب الهجرة إن مات أحد من الذين
стр. 633
هاجروا في الدار التي هجرها أولاً وإن لم يكن من عزمه القيام هناك بل كان على قصد الرجوع ولذلك قال النبي ﷺ لكن البائس سعد بن خولة، وأما لو حان في أيام أداء نسكه فله في ذلك فضل كثير ولا يتناقض بذلك أجره شيئًا لأنه ليس بمقيم إلا لأداء نسكه بعد، ولا يبعد أن يقال وإن لم يرد بذلك تصريح فيما بلغني من الروايات أن الميت بمكة من المهاجرين وإن كان ينتقص من أجر هجرته شيء إلا أنه يثاب ثواب موته بمكة كما يؤتاه غير المهاجر وإن كان الظاهر من قوله ﷺ لكن البائس سعد أن ما أوتي من الثواب لا يوازي ما نقص من ثواب هجرته ولا يكافيه إذ لو كان موافيًا له أو زائدًا عليه بشيء لم يكن ثمة بؤس ثم إن الرخصة في إقامة الثلاث لما يحتاج إليه من دفع التعب والكلال وإصلاح شأنه وشراء بعض ما يضطر إليه في سفره إلى غير ذلك والله أعلم.
قوله [وهزم الأحزاب وحده] هذا ليس حالاً من فاعل هزم وإنما (١) هو مفعول مطلق لفعل محذوف لأن الحال تكون نكرة وهذا معرفة ولما يوهمه ظاهر اللفظ على هذا التقدير من اقتصار التوحد على حين الهزم مع أن توحده
стр. 634
لهزم هؤلاء ليس بصفة كمال له (١) فلا يفيد إفادة قوله أوحده توحيدًا ولأن وحده على تقدير الحالية لا يكون إلا متعلقًا بالكلام السابق وعلى تقدير كونه مفعولاً مطلقًا يكون كلامًا مستقلاً في إفادة التوحيد وإن كان يجوز أن يكون حالاً أيضًا باعتبار صحة المعنى في نفسه.
[باب ما جاء في المحرم يموت في إحرامه]
اختلف (٢) العلماء فمنهم ومنهم الشافعي ﵀ من قال ببقاء إحرامه ومنهم ومنهم الإمام من قال بتمامه بالموت، واستدل الشافعي ﵀ ومن دان دينه بهذا الحديث فإن النبي ﷺ نهى أن يخمر رأسه وعلله بأن يبعث يوم القيامة يهل ويلبي. وقال الإمام ومن قال كقوله إن إحرامه ينقطع في حق أحكام الدنيا لعموم قوله ﵇ (٣) إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا عن ثلاث: صدقة جارية أو عمل ينتفع به أو ولد صالح يدعو له، وأما هذه الوقعة فمحتمل كونه لخصوصيته (٤) في الرجل، لا لأن إحرامه لم ينقطع وقد تأيد ذلك بقوله ﵇ في الحديث الذي استدلوا به على
стр. 635
مرامهم اغسلوه بماء وسدر فإن السدر مما لا يستعمله (١) المحرم لإزالته الشعث وقتله هوام الرأس وتليينه الشعر ففيه من الارتفاق ما لا يخفى، وأما ما فهموا (٢) من قوله فإنه يبعث يوم القيامة يلبي أنه علة للنهي عن تخمير رأسه لكونه محرمًا فغير ظاهر ليس لهم على ذلك من دليل بل الفاء (٣) تعقيبية ذكرها لإثبات فضيلته حسب والجملة بيان لفضيلته وفضل من مات في عمل صالح أنه يبعث في حاله التي مات عليها فكإنه حرضهم على ارتكاب الخيرات والاجتناب عن المعاصي، والسيئات فإن المرء لا يدري أنى تلتقمه الأجداث ومتى تغوله الدواهي والأحداث ومن المسلم بين الفريقين الناس يحشرون يوم القيامة فيما ماتوا فيه من الأحوال والأعمال وإذا كان كذلك لم يكن بعثه يوم القيامة ملبيًا متوقفًا على عدم التخمير فإنه يبعث ملبيًا في كل حاله، افترى رجلا مات في سجدته لا يبعث ساجدًا فهلا لنا أن لا نضجعه في قبره ضرورة أنه يبعث ساجدًا أفيترك على هيئته تلك ولم يقل به أحد فكذلك ههنا، وحاصله أن أحكام الدنيا لا تكاد تنقاس بالأحكام الأخروية فهذه القضية الشخصية لا تكاد ترفع عموم تلك القضية الكلية مع ما فيها من الاحتمالات التي لا تكاد تنكر.
[باب ما جاء في المحرم يحلق رأسه في الإحرام ما عليه]
ظاهر ألفاظ الباب يشتمل ما إذا حلق رأسه بعذر أو حلق رأسه بغير عذر إلا أن المراد ههنا الأول بقرينة الحديث (٤) الذي أورده فيه وليس حكم القسمين واحدًا حتى يترك على