بالمسألة عمن هو أفضل من عمر وأعلم، ولما أنه سأل عن عمر ولم يعرض عليه ما سمعه من النبي ﷺ ، وقد كان سأل عمر عمن حج ولم يطف طواف الصدر فكان يحتمل أن يجيب عمر على خلاف مقتضى الحديث فيأثم بذلك الحارث والمعنى سقطت باختيارك وبأيدي نفسك لأنك سألت عمن يحتمل قوله الخطأ بعد العلم بمقولة من لم يحتمل قوله الخطأ.
[باب ما جاء أن القارن يطوف طوافًا واحدًا] أما (١) ما ورد في ذلك من أحاديث فعله ﷺ كذلك فالجواب عنه أن أكثر أصحاب النبي ﷺ كانوا بعيدين منه، وإنما كانوا يتناوبون عليه وقتًا فوقتًا طائفة بعد طائفة لكثرة الناس يومئذ فعل الرواة الذين رووا طوافًا (٢) واحدًا وسعيًا واحدًا لم يصلوا إليه ﷺ إلا
стр. 632
وقد فرغ من طوافه الأول وسعيه الأول أو انفصلوا عنه ولم يأخذ النبي ﷺ بعد في الطواف الثاني وأما ما رواه الطوافين وكذا السعيين فلا يتوهم بهم أنهم رووا كذلك بمحض القياس أو التوهم إذ لو حمل على ذلك لكان كذبا فلم ينقلوا عنه ذلك إلا وقد رأوه أنه طاف طوافين وسعى سعيين وأما الحديث القولي فأما ضعيف أو مأول جمعا بين الأحاديث فمن ذلك قولهم الآتي عنه ﷺ من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد فالصحيح أنه مرفوعا غير صحيح وإنما هو موقوف وإن سلم رفعه فالواو فيه بمعنى أو وهو كثير شائع ولفظه جميعا وإن كان الغالب استعمالها فيما وجودها مجتمع ولكنها كثيرا ما يستعمل فيما لم تجتمع وجود لها وذلك لاعتبار الاجتماع في نفس الوجود وإلا لزم التعارض بين قوله وفعله ﷺ ولا يجوز أن يحمل فعله على العزيمة وقوله هذا على الرخصة لأن هذا لا يقوله أحد فمن قال بالطوافين لم يقل باجزاء واحد ومن قال بطواف لم يقل بشرعية التكرار.
[باب مكث المهاجر بعد الصدر]
قوله [يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه بمكه] وإنما رخص لهم دون الزيادة لأن في الإقامة هناك تعريضا لثواب الهجرة على التقليل فيكره وذلك لأنها وإن لم تبق دار الكفر غير أن إقامتها نقض بحسب الصورة لما عاهدوا الله به من مفارقة الأهل والمال ومتاركة الوطن وإن لم يكن نقضا حقيقة ولذلك يقل ثواب الهجرة إن مات أحد من الذين
стр. 633
هاجروا في الدار التي هجرها أولاً وإن لم يكن من عزمه القيام هناك بل كان على قصد الرجوع ولذلك قال النبي ﷺ لكن البائس سعد بن خولة، وأما لو حان في أيام أداء نسكه فله في ذلك فضل كثير ولا يتناقض بذلك أجره شيئًا لأنه ليس بمقيم إلا لأداء نسكه بعد، ولا يبعد أن يقال وإن لم يرد بذلك تصريح فيما بلغني من الروايات أن الميت بمكة من المهاجرين وإن كان ينتقص من أجر هجرته شيء إلا أنه يثاب ثواب موته بمكة كما يؤتاه غير المهاجر وإن كان الظاهر من قوله ﷺ لكن البائس سعد أن ما أوتي من الثواب لا يوازي ما نقص من ثواب هجرته ولا يكافيه إذ لو كان موافيًا له أو زائدًا عليه بشيء لم يكن ثمة بؤس ثم إن الرخصة في إقامة الثلاث لما يحتاج إليه من دفع التعب والكلال وإصلاح شأنه وشراء بعض ما يضطر إليه في سفره إلى غير ذلك والله أعلم.
قوله [وهزم الأحزاب وحده] هذا ليس حالاً من فاعل هزم وإنما (١) هو مفعول مطلق لفعل محذوف لأن الحال تكون نكرة وهذا معرفة ولما يوهمه ظاهر اللفظ على هذا التقدير من اقتصار التوحد على حين الهزم مع أن توحده
стр. 634
لهزم هؤلاء ليس بصفة كمال له (١) فلا يفيد إفادة قوله أوحده توحيدًا ولأن وحده على تقدير الحالية لا يكون إلا متعلقًا بالكلام السابق وعلى تقدير كونه مفعولاً مطلقًا يكون كلامًا مستقلاً في إفادة التوحيد وإن كان يجوز أن يكون حالاً أيضًا باعتبار صحة المعنى في نفسه.
[باب ما جاء في المحرم يموت في إحرامه]
اختلف (٢) العلماء فمنهم ومنهم الشافعي ﵀ من قال ببقاء إحرامه ومنهم ومنهم الإمام من قال بتمامه بالموت، واستدل الشافعي ﵀ ومن دان دينه بهذا الحديث فإن النبي ﷺ نهى أن يخمر رأسه وعلله بأن يبعث يوم القيامة يهل ويلبي. وقال الإمام ومن قال كقوله إن إحرامه ينقطع في حق أحكام الدنيا لعموم قوله ﵇ (٣) إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا عن ثلاث: صدقة جارية أو عمل ينتفع به أو ولد صالح يدعو له، وأما هذه الوقعة فمحتمل كونه لخصوصيته (٤) في الرجل، لا لأن إحرامه لم ينقطع وقد تأيد ذلك بقوله ﵇ في الحديث الذي استدلوا به على
стр. 635
مرامهم اغسلوه بماء وسدر فإن السدر مما لا يستعمله (١) المحرم لإزالته الشعث وقتله هوام الرأس وتليينه الشعر ففيه من الارتفاق ما لا يخفى، وأما ما فهموا (٢) من قوله فإنه يبعث يوم القيامة يلبي أنه علة للنهي عن تخمير رأسه لكونه محرمًا فغير ظاهر ليس لهم على ذلك من دليل بل الفاء (٣) تعقيبية ذكرها لإثبات فضيلته حسب والجملة بيان لفضيلته وفضل من مات في عمل صالح أنه يبعث في حاله التي مات عليها فكإنه حرضهم على ارتكاب الخيرات والاجتناب عن المعاصي، والسيئات فإن المرء لا يدري أنى تلتقمه الأجداث ومتى تغوله الدواهي والأحداث ومن المسلم بين الفريقين الناس يحشرون يوم القيامة فيما ماتوا فيه من الأحوال والأعمال وإذا كان كذلك لم يكن بعثه يوم القيامة ملبيًا متوقفًا على عدم التخمير فإنه يبعث ملبيًا في كل حاله، افترى رجلا مات في سجدته لا يبعث ساجدًا فهلا لنا أن لا نضجعه في قبره ضرورة أنه يبعث ساجدًا أفيترك على هيئته تلك ولم يقل به أحد فكذلك ههنا، وحاصله أن أحكام الدنيا لا تكاد تنقاس بالأحكام الأخروية فهذه القضية الشخصية لا تكاد ترفع عموم تلك القضية الكلية مع ما فيها من الاحتمالات التي لا تكاد تنكر.
[باب ما جاء في المحرم يحلق رأسه في الإحرام ما عليه]
ظاهر ألفاظ الباب يشتمل ما إذا حلق رأسه بعذر أو حلق رأسه بغير عذر إلا أن المراد ههنا الأول بقرينة الحديث (٤) الذي أورده فيه وليس حكم القسمين واحدًا حتى يترك على
стр. 636
عموه، قوله [فقال أتؤذيك هوامك] هذا لا ينافي ما ورد في بعض الروايات من سؤال كعب بن عجرة عن هوام رأسه قبل أن يبتدئ النبي ﷺ يذكرها ويفتشه عن أخوالها فإن الروايات لما كانت بالمعاني وحاصل كل ذلك يؤول إلى معنى واحد اجتمعت الروايات كلها من غير ارتكاب تكلف مستغنى عنه وكانت إجازته للحلق (١) لكثرة ما كان يكابد منها فكان مضطرًا إليها، ولذلك (٢) خيره النبي ﷺ بين الثلاثة المذكورة من الصيام وغيره ولو حلق من غير عذر لتعين عليه الدم وبذلك يعلم أن إجازة الشرع بشيء ورفع الإثم عنه لا يستدعي ارتفاع الكفارة ودم الجناية عليه وعلى (٣) هذا فمعنى قوله لا حرج في تقديم بعض المناسك على بعض وجوب الكفارة، ثم اعلم أن النبي ﷺ إنما رخص له في الحلق لما لا يعلم امتداد أيام الإحرام إلى متى؟ ؟ ؟ وإلا فقد وقعت المصالحة بالكفار بعد ذلك بقليل.
стр. 637
[باب في الرخصة للرعاة أن يرموا يومًا إلخ] قوله [ورواية مالك ﵀ أصح] لما أنه (١) يلزم على ظاهر عبارة ابن عيينة أن يكون أبو الداح روى هذا الحديث عن عدي مع أنه لم يروه إلا عن عاصم وإنما نسبه إلى جده من قال له ابن عدي وإنما هو ابن عاصم بن عدي.
قوله [ثم يجمعوا في يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما] وهذا
стр. 638
يتصور على وجهين (١) يقيموا بعد يوم النخر حتى يرموا الحادي عشر فيذهبوا ثم يأتوا الثالث عشر فيرموا رمي الثاني عشر، والثالث عشر في الثالث عشر والثاني أن يذهبوا بعد رمي النحر حتى يأتوا في الثاني عشر فيرموا رمي الحادي عشر والثاني عشر ثم يقيموا ثمة حتى يرموا الثالث عشر رمى هذا اليوم.
قوله [قال هالك ظننت أنه قلل في (٢) أول منهما ثم يرمون يوم النفر]
стр. 639
هذا ما نقله المؤلف من مقولة مالك ﵀، وقد بين مالك ﵀ ظنه هذا في موطأه (١) بأوضح من هذا وأبين، فينبغي أن يحمل ما عزاه المؤلف إليه على ما هو مصرح به، فيقال في توجيهه أن أول أفعل تفضيل ومن صلة له وليس بتبعيضية فلا يكون مصداق الأول داخلاً فيما دخل عليه من الجارة وهو ضمير التثنية فيكون المراد بالأول حينئذ يوم النحر وبالنفر النفر الأول وهو الثاني عشر من ذي الحجة فيكون المعنى أنهم يرمون في يوم النحر، ثم يرمون في النفر الأول رمي يومين رمي الحادي عشر الذي تقدم والثاني عشر الذي هو موجود، أو يقال في توجيهه أن لفظة من تبعيضية وعلى هذا فلا يعتبر في الأول معنى التفضيل وأول داخل في مدخول من ولا ذكر ههنا لرمي يوم النحر لكونه في وقته لا محالة فإنما هو ذكر لرمي ما بعد يوم النحر، فمصداق أول منهما هو اليوم الحادي عشر فيرموا فيه ثم يروحوا إلى مراعيهم حتى إذا أتى يوم النفر الثاني وهو اليوم الثالث عشر من
стр. 640
ذي الحجة رجعوا فجمعوا رمي يومين هذا والنفر الأول الذي كان غدًا.
قوله [وهو أصح] ولقد بينا لك وجه الصحة فيما تقدم من كونه لا يوهم ما يوهمه حديث سفيان بن عيينة من رواية أبي البداح عن عدي مع أنه رواه عن أبيه عاصم لا عن جده عدي.
[باب قوله أولاً أن معي هديًا لأحللت] .
إنما قاله لئلا يظن بنفسه أنه سيحل كما حل سائر أصحابه ﷺ ولئلا ينكر على فاطمة ﵂ تحللها، وليعلم عليًا أن من ساق هديًا لا يحل ومن لم يسق فلقد حل إلى غير ذلك من الفوائد، وعلم بحديث على هذا أن من أحرم بحجة وعزم عليه وأحال صفة من صفاته على (١) غيره مثل كونه متعة أو قرانًا فهو جائز، ولا يجوز مثل ذلك في الصلاة (٢) والصوم وغيرها.
قوله [يوم الحج الأكبر يوم النهر] اختلفوا في ذلك، فقيل: يوم الحج
стр. 641
الأكبر يوم عرفة، لما أن الوقوف بعرفة فيه، والحج العرفة، وقيل: بل النهر لما أن معظم أفعال الحج فيه مثل الوقوف بالمزدلفة بعد ما صلوا الصبح بغلس ورمي جمرة العقبة والذبح والحلق وطواف الزيارة.
قوله [أن ابن عمر كان يزاحم على الركنين إلخ] لم يرد بالزحام ما يتبادر منه من الزحام الذي يتأذى به الناس لأنه منهي عنه، كيف وقد ارتكبه من سلم فقاهته بين الأصحاب وتوافقت على كونه ثقة أرباب الألباب، مع أنه لا يظن به إلا ارتكاب ما ليس محظورًا شرعًا، إنما المراد بالازدحام ما يلزمه من احتمال أذى الناس في تزاحمهم وطول تلبثه منتظرًا وقت تفاقمهم.
قوله [إن مسحهما كفارة للخطايا] ولا ريب في أن من لم يستلمه لعذر ازدحام الناس واكتفى باستقباله فإنه يكفر خطاياه، إلا أنه لا يخفى التفاوت بين إتيان الطاعة نفسها، وبين أن يؤتى للرجل ثوابها منة منه سبحانه وفضلاً، فكان ابن عمر أشار بذلك القول إلى فضل الحجر، فيتضح بذلك وجه مقاساته الشدائد في الوصول إليه.
قوله [الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه إلخ].
استدل بذلك من (١) قال إن الطهارة شرط للطواف، فإن التشبيه عنده
стр. 642
مبني على ذلك وليس بسديد، فإن التشبيه إن كان مناطه الشركة ي جميع ما يشترط للصلاة لزم اشتراط الاستقبال وسترة العورة والكف عن الحركة الكثيرة والمشي إلى غير ذلك وقد أجمعوا على أنه غير مشترط وإن اختص الاشتراط في الطواف بالطهارة لهذا الحديث لزم الترجيح ولا مرجح فالحق أن المراد بذلك هو الاشتراط والمشابهة في الأجر والمثوبة ولذلك اختلف العلماء في تفضيل أحدهما على الآخر وآل الأمر إلى أن الصلاة للمكي في أيام الحج أفضل من الطواف ولغيره الأمر بالعكس أو يقال إن (١) التشبيه في ثبوت الأمرين بكتاب الله.
قوله [والله ليبعثنه الله يوم القيامة] إنما حلف النبي ﷺ في إخباره بذلك لما كان المخبر به مستبعدًا في الجملة فكأنه نزلهم منزلة المنكرين، فأكد الكلام باللام والقسم لدفعه، ووجه الاستبعاد كثرة المشهودين عليهم مع كون الشاهد لا يسمع فيما يبدو للناظرين ولا يبصر وليس له لسان ينطق به.
وقوله [يشهد على من استلمه بحق] لفظة على ليس للضرر وإنما هو مثل قوله تعالى (٢) وقوله [بحق] متعلق بالاستلام والمراد به ما ليس فيه شائبة رياء ولا سمعة ويعلم بذلك حال المستلم بغير حق وشهادته عليه مقايسة ودلالة ولو جعل متعلقًا بالشهادة لكان صحيحًا أيضًا لكنه ليس يفيد كثيرًا ولا يبعد أن يقال في توجيهه غير ذلك، ولكن الأستاذ- أدام الله علوه ومجده وأفاض على
стр. 643
العالمين بره ورفده- لم يزده على الذي ذكرنا.
قوله [كان يدهن بالزيت وهو محرم غير المقتت] هذا ينافي مذهب (١) الإمام في نهيه عن استعمال الدهن أيه كان لإزالة الشعث وفيه من الارتفاق ما لا يخفى، وجوز الصاحبان استعماله في غير الرأس فلا ينافي في مذهبهما إذا أريد بقوله كان يدهن استعماله في غير الرأس وأما إذا كان فيه طيب فلا يجوز أصلاً عند أحد
стр. 644
من الفقهاء وظاهر أنه ليس ههنا كذلك لتصريحها بكونه غير مقتت وهو المطيب من القت وهو الكسر لما أنه يكسر فيه أشياء ذات طيب كالورد والياسمين وغيرها فمحمل الحديث على مذهب الإمام أن هذا بيان لتطييبه ﷺ بعد غسل الإحرام وهو آخذ في أن يحرم، فكان قوله هذا في أن المراد بهما واحد كقول عائشة ﵂ طيبت رسول الله ﷺ لحله ولحرمه فكان هذا بيان منه للوقت الذي لم يوجد فيه مطيب الدهن فكان إذا أدهن بدهن غير مطيب استعمل الطيب على حدة وإذا وجد الدهن المطيب اكتفى به، وفيه خدشة وهو أن النبي ﷺ لم يحج معها إلا مرة فأنى يستقيم الترديد وكذلك الظاهر من حال ابن عمر أنه لم يكن معه ﷺ إلا في حجة الوداع ويدفع بأنه أدهن في الشعر وتطيب في الفرق وغيره من المواقع فإن قلت قد بينت حال تطييبه فيها عائشة ﵂ بما ينافي هذا الذي ذكر ههنا فكيف التوفيق، قلت: التوفيق ممكن بأن العضو الذي استعمل فيه الزيت غير الذي استعمل فيه الطيب ولا يبعد أن يكون استعمال الدهن في غير الرأس مما ليس فيه إزالة الشعث وعلى هذا لا يحتاج إلى كونه قبل الإحرام.
قوله [كانت تحمل إلخ] فيه دليل على جواز ذلك ولا يقاس عليه غيره الذي ينتقص بالأخذ وفيه ضرر لمكة أو لأهلها كالتراب فإن في أخذ التراب نقصًا بالأماكن فتصير حدودرًا (١)، قوله [افعل كما يفعل أمراؤك] يعني يترك المستحب مخالفة الشقاق. هذا آخر أبواب الحج.
стр. 645
أبواب الجنائز (١)
لا يبعد أن يقال في توجيه ذكر هذه الأبواب ههنا وإن لم يكن للمؤلف نظر إلى أمثال هذه أن مبنى الإسلام لما كانت هي الأركان الأربعة فرغ من بيانها أولاً مسارعة إلى ما يجب على كل واحد أداؤه لكنه أراد ههنا أن لا يتأخر ذكر الجنائز عن سائر ما ليس بمثابة ما ذكر من الأركان كيف وفي أبواب الجنائز ذكر الصلاة وهي فريضة وإن كانت على الكفاية، وأيضًا فإن معظم ما في هذه الأبواب يأتي به غيره ولا يفعله بنفسه كالصلاة والدفن وإجراء الوصايا والدعاء للأموات فأولى أن يؤخر عما يفعله بنفسه وهو لابد له منه بخلاف ما سيأتي من المباحث فإن للمكلف من أكثرها غنية.
قوله [شوكة فما فوقها] والمراد بما فوق الشوكة يمكن أن يكون ما زاد عليها في الإيذاء ولكن الأولى إرادة ما قل منها كما (٢) في قوله تعالى ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ إذ المراد (٣) في الآية والرواية كلتيهما المبالغة في التقليل والتحقير. وهو
стр. 646
حاصل فيما قلنا لا الأول.
قوله [من نصب ولا حزن ولا وصب] والنصب ههنا ما يعرضه من الكلال والإعياء في الأمر المباح والطاعة وأمثالها، والحزن هو ما يعتري القلب على شيء قد سبق ومضى والوصب ما يعرض جسمه من المرض والجرح وغيره، قوله [حتى الهم يهمه] المستكن فيه راجع إلى الهم والمنصوب للمؤمن المقدم ذكره والهم ما اعتراك من فكر فيما يأتي من الأمور.
قوله [لم يزل في خرفة الجنة] أي يقيض له بستان يجتني منه في أخراه، وليس المراد الجنى من دون الأشجار فيطابق الحديثان، وإن حمل لفظ الجنى على ظاهره يكون تفاوت الجزاء بتفاوت العمل، قوله [واسم أبي فاختة] هذه كنية لأبي ثوير الذي روى عنه ثوير (١).
قوله [على خباب (٢)] مشددًا [وقد اكتوى (٣)] كان النبي ﷺ نهى عن الكي لما رآهم يعتقدون فيه ما لا ينبغي أن يعتقدوا فنهاهم ثم لما استقرت آراؤهم على ما ينبغي أن يستقر رخصهم في الكي إذا لم يكن يعرف الشفاء إلا فيه
стр. 647
فلذلك اكتوى خباب، وأما قوله في بيان ما قاس (١) من الشدائد فلم يك إلا بيانًا لحاله أو تحديثًا لنعمته تعالى عليه فإن المصائب على المؤمن نعم منه تعالى إذا صبر عليها.
وقوله [لقد كنت وما أجد درهمًا] بيان لنعمة الإنعام عليه بعد ما كان مقلاً ليس له درهم أو يكون هذا باين ما قاسى من قبل من الإفلاس كما يقاسي آلام الأسقام اليوم، قوله [وفي ناحيتي أربعون ألفًا] هذا لا ينافي ما ورد في بعض الروايات من الزيادة على ذلك المقدار فإن هذا بيان لما كان وقع في ناحية من البيت لا أن هذا لحصر جميع ما في بيته، قوله [أنهانا أو نهى] شك من الراوي.
قوله [دخلت أنا وثابت البناني] وكنا نتلمذ عليه [فقال] صاحبي [ثابت يا أبا حمزة] هذه كنية لأنس بن مالك [اشتكيت] متكلمًا لا بصيغة المخاطب [قال كلاهما صحيح] لأن عبد العزيز كما أخذه عن أنس بلا واسطة أخذه عن أبي سعيد بتوسط أبي نضرة فنسبه إلى كليهما ثم بين المؤلف دليلاً على صحة الروايتين معًا فقال حدثنا عبد الصمد وهذه مقولة أبي زرعة.
قوله [باب ما جاء في الحث على الوصية] الوصية نوعان: وصية ما يجب عليه أدائه كالديون والودائع وبيان ما عليه من الصلاة والصيام، وهذه الوصية واجبة على المرء وهذه هي التي أرادها النبي ﷺ بقوله ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين إلخ إلا أن حكم النوع الثاني من الوصية يعلم مقايسة عليها فإن الوصية بما يجب عليه لما كانت واجبة عليه كانت الوصية بما يستحب له فعله مستحبة، فلذلك عم المؤلف ترجمة الباب ليعلم الحث على الوصية بكلا نوعيها وقوله ﵇ [إلا ووصيته مكتوبة] ليس المراد به الكتابة نفسها إنما المراد بها الإعلام كيف حصل.
[باب ما جاء في الوصية بالثلث والربع]
الأول على الجواز، والثاني
стр. 648
على الاستحباب قوله [أوصيت] سأله ليعلم أنه هل أتى بما يستحب له أم لم يأت، وعدم إتيانه بذلك يتنوع نوعين أن لا يكون أتى بالإيصاء مطلقًا أو يكون أتى به لكن لا على الوجه المستحب بأن يكون فيه إتلاف حق.
قوله [هم أغنياء بخير] وكانت له ابنة غنية (١) ذات زوج غني ومع ذلك فلم يرخص له النبي ﷺ أن يربي على الثلث، وفيه دلالة على ما للورثة من عظيم الحق في مال المورث وأنه لا ينظر في ذلك إلى غناء الوارث أو فقره ومعنى قول سفيان من أوصى بالثلث فلم يترك شيئًا أن المورث لما لم يكن له وقت الموت تصرف على ما زاد على الثلث لتعلق حق الورثة بالباقي كانت المنة منه على الورثة أن لو ترك شيئًا من حقه لهم فأما إن استوفى الثلث في الوصية علم أن إحجامه عن الباقي ليس لامتناعه عنه قصدًا إبقاء على الورثة بل لعدم الاختيار، وقوله لا يجوز له إلخ، علة لقوله فلم يترك شيئًا.
قوله [فما زلت أناقصه] أي أبين له أن فيما عينته يا رسول الله نقصًا لي أي لم أزل أذكر له أن الذي أمرت به قليل أو المعنى فما رلت أناقصه عما قلت أولاً من مالي كله أي لم أزل أذكر له أقل من الذي كنت ذكرته أولاً يعني تركت أولاً من كل المال قليلاً وقليلاً حتى آل الأمر إلى الثلث فافهم حتى يتضح لك الفرق بين الوجهين.
قوله [ويستحبون أن ينقص من الثلث] لقوله ﷺ والثلث كبير وليكون له منة على أولاده كما أن له فضلاً على الفقراء في الإيصاء لهم، قوله [بخمس دون الربع] بيان ليتضح حال الثلث ولا يشتبه فقال الخمس الذي هو دون الربع والربع الذي هو دون الثلث أو أراد بذلك أن مراتب الاستحباب متفاوتة فالربع استحبابه دون استحباب الخمس، وعلى هذا فالربع والخمس كلاهما مستحب غير أن الخمس
стр. 649
أولى استحبابًا وعلى الأول وهو أن يكون ذلك بيان الربع (١) وتعيينه لم يكن المذكور في كلام سفيان استحباب (٢) الخمس فحسب.
[باب في تلقين المريض عند الموت والدعاء له]
قوله [فقولوا خيرًا] أي لا تدعوا على أنفسكم فتقولوا أهلكنا الله بهلاكه وأمثال ذلك بل قولوا خيرًا مثل غفر الله لنا وله وأحسن الله جزائنا وجمل صبرنا عليه كما قالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها اللهم اغفر لي وله واعقبني منه عقبى حسنة وإذا أريد بقول الخير دعاؤه للمريض كانت مناسبة الحديث بكلا لفظي الترجمة ظاهرة وهو التلقين والدعاء، وأما إذا أريد بالخير أعم من الدعاء كان بعض ما ورد في الباب من الروايات تثبت الجزء الأول منهما والبعض الآخر جزءًا ثانيًا.
قوله [شقيق هو ابن سلمة] ليس بلسمة التي كنيت بها أم سلمة صاحبة القصة زوج النبي ﷺ ، قوله [وقد كان يستحب أن يلقن المريض] وتلقينه أن يقرأ عنده بحيث يسمعه فيتنبه له لا أن يقال له هل هكذا والاكتفاء في ذكر التلقين على لفظ الشهادتين مجرد اقتصار على ذكر ما هو أهم ليعلم حال الغير مقايسة وإلا فليس المراد أن التلقين لا يكون إلا بالشهادتين فقط بل المستحب إتيان غيرهما أيضًا من الاستغفار وغيره.
стр. 650
قوله [فما لم يتكلم] أي ما لم يتكلم بكلام غيره فلا حاجة إلى الإعادة عليه وأما إذ تكلم بشيء بعد ما قال الكلمة فلا حرج حينئذ في إعادة التلقين عليه لأنه لم يبق آخر كلامه لا إله إلا الله، وهذا كله تحصيل لظاهر ما قال النبي ﷺ : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، وإلا فالأمر غير موقوف عليه.
[باب في التشديد عند الموت]
قوله [يهون (١) موت] الرواية بفتح الهاء فسهولة النزع ليس مما يستدل به على الخير ولا شدته على غير ذلك نعم قد يكون اسوداد الوجه وأمثاله قرينة ظاهرة على سوء الخاتمة وليس ذلك مما يوجب اليقين أيضًا.
قوله [المؤمن يموت بعرق الجبين] يعني أن المؤمن يموت بشدائد وكروب يقاسيها في سكرات الموت فإن عرق الجبين يلزم الشدة وكثرة الجد فكنى به عنها أو المعنى أن المؤمن لا يزال في آلام ومحن وشدائد حتى الموت، والباء حينئذ للملابسة يعني أنه يلابس (٢) الشدائد ويباشرها من حين ولد أو من حين أدرك وخوطب بأحكامه تعالى وكلف بتكاليف الشرع إلى أن يموت فيتخلص من جميع ذلك والفرق بينهما ظاهر فإن مؤدى التوجيه الأول بيان الشدة على المؤمن وقت الموت فحسب، وفي الثاني مقاساته الشدائد في كل عمره، وقيل: معنى الحديث أن المؤمن يموت حين يعرق جبهته وينبغي أن ينضم إلى ذلك علامات أخرى ومعنى تعرق الجبين حينئذ باق على حقيقته (٣) الظاهرة وليس كناية عن الشدة ثم هي
стр. 651
ليست على أحد معانيها كلية وإنما هي مهملة على جملة التقارير في قوة الجزئية أو يكون جزئية بإرادة العهد الذهني.
قوله [لا يجتمعان في قلب عبد مسلم في مثل هذا الموطن] إلخ يعني أن ذلك الذي قاله إنما هو عين الإيمان فكان خاتمته على الإيمان فيغفر له مع أنه حين تذكر ذنوبه كما قال الشاب يندم على ما فرط في جنب الله لا محالة، وهذا هو الاستغفار والإنابة التي يغفر بها الصغار والكبار ويدخل بها في نظم الأخيار والأبرار.
[باب ما جاء في كراهية النعي]
النعي (١) كله غير مكروه وإنما المكروه ما كانوا عليه من التشهير والنداء كما فسره المؤلف فيما بعد حيث قال قال عبد الله النعي أذان بالميت ولم يقل إخبار وإعلام أو إيذان بالميت فلا يكره إخبار أحد من أهل قرابة الميت إذا لم يلزم بذلك تأخير في دفن الميت لأن التعجيل فيه مأمور به، وأما نهي حذيفة عن مطلق الإعلام فقد بنى الأمر على الاحتياط من قبيل سد الباب لا أنهم فهم من الحديث كذلك.
[باب الصبر في الصدمة الأولى]
أي المعتد به والممدوح الموجب لجزيل المثوبة هو الصبر عند أول الصدمة، وأما إذا عيى النفس من الكلال واعتاد فوات الحبيب فلا محمدة حينئذ في الصبر إلا يسيرة وإنما أريد به هذا المعنى عبرة للمقام الذي قال فيه النبي ﷺ ذلك وإلا فظاهر معنى قوله ﷺ عند الصدمة الأولى أن من توالت عليه الصدمات فإنما المحمود الموجب للأجر الوافي صبره على أولاها، وإنما أريد بذلك أول (٢) الصدمة لا الصدمة الأولى ليوافق القصة وسيجيء في
стр. 652
موضعه، ووجه تصحيح هذا المعنى أن كل فكرة في الفائت المصائب به وكل خطرة من المصاب إليه صدمة على حدة فالصدمة متجدة في كل آن فالصدمة الأولى ما كان في أول آن منها، والله أعلم.
[باب غسل الميت]
قوله [إن رأيتن] يعني أن المقصود هو الإنقاء وإيثار العدد استحباب كما أن الاكتفاء على الثلاث أو الخمس ندب لا غير، فلو لم يحصل الإنقاء بذلك القدر لانجماد دون أو غير ذلك زدن (١) على ذلك العدد، قوله [بماء وسدر] قال (٢) الفقهاء والسدر يستعمل في الأولى لإزالة الثفل (٣) ثم ينبغي استعمال القراح ليحصل التنظيف.
قوله [كافورًا أو شيئًا من كافور] شك من الراوي ولا يجدي رشح الكافور (٤) على الأكفان كما يجدي جعله في آخر ما يغسل به الماء وذلك لأنه يدفع الهوام وحشرات الأرض، قوله [فقال] ﷺ [أشعرنها] هذا محتاج إلى تنقير فإنه على ظاهره لا يفهم إذ الأكفان لها ﵂ كانت غير إزاره ﷺ فكيف يمكن إشعارها بإزاره إذ الشعار ما لابس الجلد من الثياب، فالحق أن إزاره كان يعقد صدرها وفخذيها الذي نسميه «سينه بند» يزاد للمرأة لتحصيل سترها
стр. 653
وهو لا يجب أن يكون تحت الأكفان الباقية أو فوقها بل يجعل (١) حيثما شاءوا وإنما أمر النبي ﷺ لها خاصة بجعل إزاره تحت الثياب الباقية إدخالاً للبرك عليها فإن إزاره لما كان تبرك بملابسة جسم النبي ﷺ فأولى أن تتبرك زينب (٢) بها بأن يجعل ملتصقًا بجسمها وهذه الخرقة تكون من فوق ثدييها إلى ركبتيها.
قوله [وضفرنا شعرها ثلاثة قرون] وكن فعلن ذلك من أنفسهن لا بتعليم منه ﷺ واستئذان مع أن فيه تكلفًا وتكليفًا، فالأولى أن تجعل شعرها ضفيرتين وتلقيًا على الصدر، قوله [ابدأن بميامنها] في غسل ما فيه يمين (٣) ويسار [ومواضع الوضوء] أي يغسل الوجه أولاً ثم اليدان إلى المرفقين ثم المسح ثم سائر الجسد بتقديم الشق الأيمن على الأيسر.
قوله [غسل الميت كالغسل من الجنابة] في تحصيل الطهارة والاكتفاء بالواحد من الكرات، وفي الميامن بالميامن وتقديم الوضوء وسنية التثليث، قوله [وليس (٤) لذلك صفة معلومة] أي بحيث لا يجوز إذا ارتكب خلافها. قوله
стр. 654
[قال الشافعي] إلخ لما كان مالك روى أحاديث الباب ثم قال ليس لذلك صفة معلومة فكأنه أنكر ما ثبت من السنة في غسل الميت، فبين الشافعي رحمه الله تعالى ما قصده أستاذه بمقولته تلك فقال في تفصيله أن غرض مالك ﵀ أن المقصود الأصلي والذي عليه يدور الأمر إنما هو الإنقاء كيف ما حصل وإن كان أحب إلى أن يغسل ثلاثًا أو خمسًا لقول النبي ﷺ .
قوله [ولا يرى أن قول النبي ﷺ ] إلخ هذه مقولة الترمذي وفاعل الرؤية هو الشافعي ﵀ أو يكون هذه مقولة الشافعي وفاعل (١) الرؤية
стр. 655
مالك، ومعنى هذه المقولة يحتاج إلى إعادة، وحاصل ذلك أن مالكًا لم يرد بقوله هذا إنكار استحباب الكرات بل أراد بذلك عدم الإيجاب لشيء من المراتب ومعناه أن مالك بن أنس لم يرد أن غرض النبي ﷺ هو الإنقاء فحسب وليس التوقيت مقصودًا له أصلاً لا وجوبًا ولا استحبابًا بل أراد مالك أن غرضه ﷺ تحصيل الإنقاء وجوبًا وتحصيل المرات استحبابًا ويمكن أن يكون معنى قول الشافعي هذا أن مالكًا لا يظن ولا يعتقد أن معنى قول النبي ﷺ اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا هو إيجاب الخمس أو الثلاث بل يعتقد أن النبي ﷺ أوجب نفس الإنقاء ولم يوقت ذلك بشيء، وعلى هذا فقوله لم يوقت لا يكون داخلاً تحت لا يرى بل يكون بيانًا للذي اعتقده بعد نفي ما لم يعتقده وكذلك يمكن أن يكون هذا بيانًا لمذهب الشافعي ورده المؤلف بعد إيراد قول مالك وبعد إيراد تفسير الشافعي بمقايسته.
[باب المسك للميت]
قوله [سئل عن المسك فقال هو أطيب طيبكم] ووجه المسألة كونه دمًا في الحقيقة، وحاصل الجواب أنه لم يبق دمًا لانقلاب الماهية وصار طيبًا ولما أدخله في الطيب جاز استعماله حيثما يستعمل الطيب فساغ أن يطيب بالمسك الأموات والأحياء وبذلك تحصل المناسبة بين الترجمة والحديث، قوله [وقد رواه المستمر بن الريان أيضًا] أي كما رواه خليد بن جعفر.
[باب الغسل من غسل الميت]
قوله [وأما الوضوء فأقل ما قيل فيه] هذا ليس جزمًا بالوجوب فافترق مذهبه ومذهب إسحاق وأمر الغسل لحمل الجنازة استحباب (١) وإنما أمروا بالوضوء ليكونوا مستعدين للصلاة أينما قصدوا وإلا
стр. 656
فكثيرًا ما يظفرون بفضاء هو أخلق بالصلاة لطيبه وسعته ولكن لا يتيسر لهم الصلاة فيه لعدم الطهارة، وكذلك إذا وصلوا إلى القبر ثم ذهبوا للوضوء كان ذلك سببًا للتأخير في الدفن، فالحاصل أن أمر الوضوء ههنا ليس إلا لأجل الصلاة لا لأمر في حمل الجنازة نفسها، والغسل لاحتمال (١) التلوث برشاش غسالته لا لأجل موجب له في نفس الغسل.
[باب ما يستحب من الأكفان]
قوله [فإنها من خير ثيابكم] لأن النجاسة تظهر فيه ولسهولة طهارته ولحسن منظره ولغير ذلك من الوجوه، قوله [في ثيابه الذي (٢) كان يصلي فيها] ليس بثياب مهنة ولا ثياب جمعة أو عيد.
قوله [ويستحب حسن الكفن] أي تمامه كمية ومن جملة ذلك أن لا يكون قصيرًا جدًا، وحسنه كيفية أي طهارة وكونها من غير مال مشتبه ولا يبعد أن يراد كونه حسنًا على ما كان يلبسه عادة. قوله [إن شئت في قميص ولفافتين] لأن النبي ﷺ فعل كذلك [وإن شئت في ثلاث لفائف] لأن الصحابة ﵃ كفنوه ﷺ فيها ولا ينافيه ما صرح به المؤلف أنهم ردوا الحبرة إذ قد أخذوا موضع الحبرة ثالثًا ولكن لا ينبغي أن يكون في القميص شيء من الكمام والدخاريص وغير ذلك مما يحتاج إليه الحي في حين حياته وذلك أنه يفتقر إلى تعاطي الأعمال بيديه فلو لم يكن لجبته كمام لآل أمره إلى الحرج وكذلك أكثر مزيدات القميص إنما الحاجة لتوسيع القميص لئلا يتعسر على المتقمص مشيه
стр. 657
وسعيه وعدوه وسائر حركاته من الصعود والهبوط، وأما الميت فليس له فاقة إلى شيء من ذلك ولا هو مرجو منه إحدى هذه الفعلات فيكون الزيادة في القميص إسرافًا لعدم الاحتياج إليه ولا يمكن الاستدلال على نقض ما ذكرنا بإلباسه ﷺ قميصه لعبد الله بن أبي بن سلول وقد كان فيه كل شيء مما يفتقر إليه الحي في حياته ومما يكون في قمص الأحياء وذلك لأن كلا منا في إعداد القميص له قصد فأما إذا وجد هناك قميص واحتيج إلى إلباسه إياه كما احتيج ههنا لإدخال (١) البركة عليه لم يحتج إلى نقض تركيبه مع أن المقصود هناك لما كان التبرك بلباسه كانت الزيادة مفيدة ما كانت، لا النقص، ولا ننكر أن يرتكب مثل هذا في غير هذا أيضًا وأيضًا ففي إدخال يد الميت في كم القميص مشقة به فلا يتكلف إلا لضرورة داعية له كما كانت ثمة لا مطلقًا والله أعلم بالصواب.
[باب النهي عن ضرب الخدود وشق الجيوب]
قوله [فجاء المغيرة بن شعبة] وكان أميرًا عليهم فلما سمع بذلك أراد أن ينصحهم فقال ما بال النوح في الإسلام كأنه عاب عليهم فعل ذلك وهم مسلمون وغيرهم بارتكاب أمر الجاهلية بعد ما نهى النبي ﷺ عنه، قوله [من نيح عليه عذب مانيح عليه] يحتمل أن يكون معناه (٢) مادام نيح عليه أو يكون المعنى بما نيح
стр. 658
عليه وعلى الوجهين فهو غير جار على عمومه إنما المراد (١) بمن هذه من كان كافرًا أو يكون قد وصى بالنوح أو كان الميت يرضى بالنوح في حين حياته وأما إذا لم يكن شيء من هذه الأمور وكان الميت مؤمنًا ينهاهم عنه في حياته ولم يوص به وقت مماته أو خاف عنهم ذلك فنهاهم وصاياه فليس عليه من نوحهم شيء ويصدق حينئذ قوله تعالى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ظاهرًا لا شبهة فيه إذ الميت حينئذ إما أن يكون كافرًا فتعذيبهم بنوحهم إنما ذلك تعذيب بالكفر الذي اكتسبه وصار نوحهم عليه سببًا لزيادة في العذاب وأنت تعلم أن عموم قوله تعالى ﴿وَلا تَزِرُ﴾ الآية شامل للكافر والمسلم فزيادة العذاب على الكافر بنوحيهم فرار على ما منه الفرار إلا أن يصار في دفعه إلى أحد الوجوه الباقية من الوصية وغيرها وفيه أنه غير مخاطب بالشرائع فكيف يعذب على عدم امتثالها وإنما تعذيبه على أعظم الجنايات والجواب أن عدم كونهم مخاطبين إنما هو في حق الأحكام الأخروية (٢) بالامتثال. وأما في حق المؤاخذة عليها في الآخرة فهم مخاطبون بها باتفاق بيننا وبين الشافعي أو يقال ليس المراد بذلك ما فيهم بل المراد أنه مع كونه معذبًا على كفره يقال له ما ينوحه به إلا حياء تبكيتًا له وتهكماته وهذا لزيادة في العذاب ولا تنكر أو أوصاهم بذلك فتعذيبه على وصيته لا على نوحهم أو يقال لما كان سببًا لوقوعهم في الإثم فعذب على حد قوله ﵇ من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها إلى آخره، وكذلك إذا كان راضيًا به في حياته فإنه أمرهم بلسان حاله أن ينوحوا عليه لكن المغيرة بن شعبة ﵁ عمم الصنيعة ههنا ردعًا للعوام عن النوح مطلقًا وإن كان المعذب بنوحهم هو بعض أفراد من نيح عليه لا جميعهم. قوله [لن يدعهن الناس] ليس المراد أنه لن يدعها أحد منهم إنما المراد أنها لا تترك كلية حتى لا يرتكبها أحد بل
стр. 659
يبقى منها بقية في الناس، قوله [والعدوي] الظاهر من النظر في الأحاديث التي وردت في أمثال هذه المواضع أن العرب كانت تزعم للعدوي تأثيرًا في نفسه من غير افتقار إلى مؤثر سواه فنفي النبي ﷺ عن العدوي كل نوع من التأثير، وإن كان لأمثال هذه مدخل في مسبباتها وإن كان بإذن منه سبحانه فقولهم إنه سبحانه وضع للنجوم وغيرها. تأثيرًا بحيث تعطل بعد ذلك أي لم يبق له قدرة على الإيجاد والإعدام هذا شرك وكفر كما أن القول بأن لها تأثيرًا في نفسها من غير أن يضعه الله سبحانه فيها، وكذا القول بأنه تعالى يضع فيها تأثيرًا ثم لا يؤثر سبحانه بل التأثير إنما يكون لها، وفي هذا الوجه له خيار على الخلاف إن شاء ولا كذلك في الوجه الأول وكذا الاعتقاد بأن التأثير منه سبحانه إلا أن التخلف لا يمكن عما هو ظاهر حالها وأما أنها ليس لها دخل لا بكونها سببًا ولا أمارة فلم يذهب إلى ذلك إلا شرذمة من أهل الظاهر والذي ينبغي أن يعتقد عليه القلب أنه تعالى هو المؤثر الحقيقي يفعل ما يشاء حيث شاء وإنما أمثال هذه أمارات جرت عادته أنه يفعل بعد إظهارها ولو شاء لم يفعل مع ظهور الأمارات أيضًا كما أنه وضع في الأدوية أفعالاً وخواص وقد تتخلف (١) عن موجبها كذلك نعتقد في العدوي وتأثيرات النجوم وأمطار الأنواء أنه تعالى وضع فيها أثرًا من غير أن يكون لها تأثير في إبدائه فأمرها ليس إلا كأمر الأمطار إذا تنشأت سحابة فالظاهر منها أنها تمطر ومع ذلك فلسنا بالأمطار مستيقنين إلا أن يشاء الله رب العالمين، قوله [الميت يعذب ببكاء أهله عليه] هذا القول كالأول في أن المراد بالميت بعض أفراده كما سبق وبالبكاء البكاء (٢) المخصوص وهو البكاء المنهي عنه الذي بينه في جواب عبد الرحمن كما سيأتي عن قريب إلا أنه ﷺ تركه على العموم اتكالاً على ما بينه في موضع آخر واعتمادًا على الفهم أو ليردع
стр. 660
بذلك عن جميع أنواع البكاء وقد فهم منه بعض الصحابة ﵃ العموم فخصصوا بذلك قوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وكان الحديث لسامعه من في النبي ﷺ قطعيًا فلا ضير في نسخ الآية مع أن أكثر العلماء على جواز نسخ الآية بخبر الواحد ولذلك العموم عقد له بابًا على حدة أو للفرق بين النوحة والبكاء فكان من إرادته الإشارة إلى أن النوحة حرام مطلقًا وفي البكاء تفصيل واختلاف. قوله [وقد كره قوم من أهل العلم] مقتضى نهي هؤلاء (١) هو العموم، قوله [ولكنه نسى أو أخطأ] علم بذلك أن فهم الراوي غير معتبر وبتأويل عائشة ﵂ وتمسكها بالآية أن خبر الواحد يجب أن يجمع بالآية وإلا ترك بمقابلتها قوله [إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها] تعني أنه ﷺ أراد بذلك إنها مبتلاة فيما هي مبتلاة فيها وهؤلاء يبكون عليها أي على فواتها ولا يعلمون بحالها فيشغلون بها عن بكائهم إلا أن ابن عمر فهم منه أنها تعذب ببكائهم عليها وفيه أن تأويل عائشة ﵂ بظاهره مناف لما مر من تأويل أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه أنه لو كان كافرًا عذب وهذه مع كونها كافرة فقد أنكرت عائشة ﵂ أن تعذب ببكاء أهلا عليها فكيف التفصي عنه، والجواب أن عائشة ﵂ لم تبلغها الرواية المثبتة لعذاب الميت ببكاء أهله، وأما الرواية التي كانت بلغتها فلم يكن فيها تعرض بما نحن فيه فوجب لنا الجمع بين الرواية والآية كما جمعت عائشة بين الآية والتي بلغتها من الرواية:
قوله [قال ولكن نهيت] يعني أن الذي أردت بقولي لم تفهموه أنتم، وبذلك يعلم أن العام كثيرًا ما يراد به الخاص اتكالاً على الفهم أو على ما بين في
стр. 661
موضع آخر، وإسناد الحمق إلى الصوت مجاز لكونه دالاً على الحق فكأنه هو الأحمق. قوله [صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب] هذا إخراج على ما هو الغالب وإلا فالصوت المنهي عنه منهي عنه وإن لم يكن معه شق جيب وخمش خد.
قوله [ورنة (١) شيطان] هذه هي النياحة والفرق بينهما ظاهر فإن الأول من أهل الميت والثاني من النائحة [باب المشي أمام الجنازة] بينه صاحب الحاشية بما لا يحتاج إلى زيادة (٢) عليه قوله [قال ابن المبارك وأرى ابن جريج
стр. 662
أرى ههنا مجهول بمعنى أظن وأراد بذلك تقليل عدد من وصله بتقليل ابن جريج فإنه لما أخذه عن ابن عيينة لم يكن راويًا مستقلاً يروي الحديث متصلاً بل صار في حكم أحد من تلامذة سفيان بن عيينة قوله [إنما هو سفيان بن عيينة] أراد بذلك الرد لمن توهم أنه سفيان الثوري فكان المتوهم توهم بذلك رجحان الوصل على الانقطاع والإرسال لرواية سفيان الثوري هذا الحديث متصلاً فقال: إنما هو إلخ.
قوله [قيل ليحيى] يحيى هذا يحيى (١) إمام بني تيم الله وهو هو، حيث وثقه المؤلف مع أن قلة الرواية عنه لا يقدح فيه. [باب كراهية الركوب خلف الجنازة] قوله [إن ملائكة الله على أقدامهم] إلخ، فإن قيل إن الملائكة لما لم يخل عنهم بقعة في شيء من الأزمنة كان التأدب معهم مما يتعذر عادة، قلنا فرق بين كونهم ووجودهم عندنا وبين كونهم مشتغلين بما نحن مشتغلون به، فلما شاركونا في أمر ديننا وحملوا جنازة أخينا كانوا أخلق بالتأدب منهم في شغلهم غير ذلك مع أن التعذر إنما هو في تأدبهم مطلقًا لا في هذا الوقت لقلة وقوع حضور الجنازة.
стр. 663
[باب ما جاء في الرخصة في ذلك]
استدل بحديث (١) الباب على ما في الترجمة وهو صحيح على مذهب أهل الحديث (٢) فإنهم يحملون الرواية المطلقة على الإطلاق والمقيدة على التقييد، وإن كانت الواقعة واحدة، ولكن الفقهاء (٣) لا يقولون بذلك، وقالوا: لا عموم في الفعل، فلما بين في الحديث الآتي ما هو المراد علم أن المطلق المذكور قبل محمول على هذا، فلم يثبت الرخصة مع الجنازة في الركوب فهو باق على كراهته وهو المذهب عندنا.
[باب في قتلي أحد]
قوله [لتركته حتى تأكله العافية] ليزيد (٤) بذلك فضله لاحتماله كل ذلك في سبيل الله تعالى، قوله [ثم يدفنون في قبر واحد] كما علم تكفين المتعددين في كفن (٥) واحد عند الضرورة ودفنهم في قبر كذلك علم أن الحافر إذا حفر قبرًا وفيه ميت آخر أو عظامه وليس لحفر قبر آخر
стр. 664
وسعة يجوز الدفن فيه لهذا الميت أيضًا، إذا حيل (١) بينهما بشيء قوله [ولم يصل إلخ] هذا مخالف (٢) لما ثبت بالرواية الصحيحة. قوله [الملائي] بضم الميم (٣) نسبة إلى الملاءة بفتحها، وهي ما تستلحف بها المرأة فلا يبدو منها شيء.
قوله [الذي يحب أن يدفن فيه] هذا لا يستلزم أن يدفن فيه فلا يعترض بمن لم يدفع حيث مات لأن حبه إياه لا يستلزم وقوعه. قوله [موتاكم] إشارة إلى كونهم صلحاء لإضافتهم إلى الصحابة ﵃ وهذا إجازة لذكر مساوي من ليس كذلك إذا خاف فتنة في السكوت عن ذكرها كمن اعتقدها الناس عالمًا وجعلوا يأخذون بما نقل من أقواله مع أنه ليس كذلك، وكذلك رجل اعتقدها الناس طيبًا وليس كذلك.
[باب الجلوس (٤) قبل أن توضع] قوله [فجلس رسول الله ﷺ ،
стр. 665
وقال: خالفوهم] ثم الأمر باق على هذا، فيجوز القعود قبل أن توضع في القبر بعد وضعها عن أعناق الرجال.
[باب فضل المصيبة إذا احتسب]
قوله [قبضتم ثمرة فؤاده] هذا إشارة منه تعالى إلى ما أنعم عليه بسببه وتنبيه للملائكة على عظم مصيبته.
[باب التكبير على الجنازة]
قوله [صلى على النجاشي] سيجيء بيانه في موضعه (١) قوله [وهو قول سفيان] الفرق بين هؤلاء وبين أحمد وإسحاق، أنهم جوزوا أن يكبر خمسًا، وإذا كبر الإمام خمسًا اتبعه المأموم، ونحن لم تجوز (٢) ذلك لعدم جواز العلم بالمنسوخ، فإنه لما ارتفعت صفة الشرعية
стр. 666
ارتفعت عنه صفة الجواز.
[باب ما يقول في الصلاة على الميت]
قوله [كان رسول الله ﷺ ] إلخ، هذا ظاهره الاستمرار ودوام العمل عليه فلا يعارضه ما ورد في الرواية الآتية من أنه ﵇ قرأ في صلاة جنازة فاتحة الكتاب فإنه لم يك إلا أحيانًا مع ما ورد في الروايات أن صلاة الجنازة إنما هي ثناء ودعاء فوجب حمل قرأته الفاتحة على أنه قرأها ناويًا بها الدعاء لا القراءة بيانًا لجواز ذلك ولو كان هو المستحب لدوام على قراءتها دوامه على هذه الأدعية وهو الذي ذهب إليه (١) الإمام من أنه لو قرأها ناويًا بها الدعاء لا القراءة صحت صلاته وإن كان الأولى هو الاختيار للدعاء.
قوله [حديث عكرمة بن عمار غير محفوظ] لوضع عائشة مقام أبي هريرة. قوله [وأغسله بالبرد] لما كان الماء آلة الغسل ومزيل النجاسة وكان أفضل الغسل ما آلة غسله أنقى وأكثر ما يوجد من المياه قد خالطه شيء مما لا يناسب أمر الطهارة أو النظافة اختار النبي ﷺ لتشبيه ما يغسل به دنس الذنوب ما قد خلص من جميع هاتيك الشوائب وهو الماء المنجمد الذي نزل من السماء، كذلك فلم تصل إليه أيدي الكدورات ولم يشب به شيء من القاذورات مع ما فيه من برد يوجب قرار القلب تسكينه ولقد يشبه الطمأنينة بالبرد فكأنه استغسل أدناس المآثم بما يوجب المبالغة في إزالتها ويورث يقينًا لا يمازجه ريب.
قوله [من السنة القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب] هذا أعسر نسبة إلى الأول فإن قوله أن النبي ﷺ قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب لا يفيد ما يفيده قوله من السنة
стр. 667
إلخ من التأكيد. ولذلك تكلف الحافظ الترمذي ﵀ بتضعيفه وأثبت هذه الكلمة وجوابه مثل ما مر من التقرير منا آنفًا بزيادة أن قوله: من السنة، ليس المراد به إلا ما ثبت بالسنة أعم من أن يكون الأمر قد استقر عليه أولاً، وهذا كقول ابن مسعود (١) في الإقعاء: إنه سنة نبيكم، فإن معناه أن النبي ﷺ قد فعل مثل ذلك لا أنه من السنن المداومة عليها التي يثاب على العمل بها.
[باب كيف الصلاة على الميت]
قوله [من صلى عليه ثلاثة صفوف] هذا وإن كان المراد به كثرة من صلى عليه إلا أنا نرجو من فضله تعالى أن يدخل في ذلك الوعد من صلت عليه ثلاثة صفوف، وإن كانوا ستة رجال مثلاً متمسكين بعموم اللفظ، وظاهره في قوله ثلاثة صفوف، فإنه غير مقيد بعدد، فإما أن كانوا أربعين أو مائة استحق الوعد مرتين ولوجهين.
قوله [رضيع كان لعائشة] أي أخًا لها رضاعيًا كان ارتضع معها، إذ لم يكن لعائشة لبن حتى يرضعه (٢) منها أحد.
[باب في كراهية الصلاة على الجنازة، عند طلوع الشمس وعند غروبها]
قوله [وإن نقبر فيه موتانا أراد به الصلاة، فإنها سببه إذ ليس في القبر شبه بعبدة الأصنام ولا سبب للكراهية والحرمة غيره وقرينه (٣) الإرادة ما ورد (٤)
стр. 668
في هذه الرواية بعينها من قوله أن نصلي فيهن فوجب حمل هذه الرواية عليها ووجه التكرار على هذه أن صلاة الجنازة لم تكن دخلت في قوله أن تصلي فيهن، فإن إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة، إنما هو بطريق المجاز والمتبادر من إطلاق الصلاة هي الصلاة المطلقة [وقال الشافعي: لا بأس أن يصلي على الجنازة] لحمله (١) النهي عن الدفن لا عن الصلاة.
[باب في الصلاة على الأطفال]
قوله [والطفل يصلي عليه] جمل بعضهم اللام الداخلة عليه على الاستغراق، وعندنا المراد بالطفل، الطفل الذي بينه في الرواية الآتية فاللام في قوله والطفل يصلي عليه ليس إلا للعهد الخارجي، وبذلك تتفق الروايات، والمراد بالاستهلال العلم (٢) بحياته بأي طريق كان من طرق العلم.
стр. 669
[باب الصلاة على الميت في المسجد]
قوله [قالت: صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد] استدلوا (١) بذلك لكنه غير تام فإنه ﷺ إنما صلى في المسجد لعذر المطر، ولذلك لم يصل على النجاشي في المسجد الذي تصلي فيه الصلوات الخمس مع أنه لم تكن الجنازة حاضرة، فعلم أن الصلاة في المسجد من غير عذر مكروهة، سواء كانت الجنازة والإمام كلاهما في المسجد أو أحدهما، ويدل على الخصوصية به ﵇ في هذه أن الصحابة أنكروا على عائشة قولها، وقالوا: إن صلاة النبي ﷺ في المسجد على سهيل بن بيضاء لم تكن إلا لعذر وكان ثمة مطر (٢) ولكونه ﵇ معتكفًا وأنه ﷺ كان (٣) وضع موضعًا لصلاة الجنازة.
стр. 670
[باب أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة]
قوله [فقام حيال رأسه] وقوله [فقام حيال وسط السرير] هذا ما قال به الشافعي: إن الإمام يقوم من المرأة في وسط السرير، ومن الرجل حيال رأسه، أي بحيث يحاذي صدره ورأسه، ولنا أن قيام النبي ﷺ من المرأة بحيال نصف السرير، لم يكن إلا لأن في ذلك الزمان لم تكن لجنائزهن (١) نعوش فأحب النبي ﷺ أن يسترها عن أعين الرجال، فلما ارتفعت العلة برواج النعش وكن شقائق الرجال وتوابعهم في سائر الأحكام، كان قيام الإمام في جنائزهن كقيامه في جنائزهم، وأول نعش، نعش للمرأة في العرب نعش فاطمة ﵂، وكانت لم تضحك بعد وفاة النبي ﷺ مدة حياتها، لما بها من الكآبة والحزن بذلك وكانت تتفكر في أمر جنازتها كيف تراها الرجال، وكيف يمكنني أن ينظروا إلى جثماني ويقتدروا قدر شخصي، فذكرت همها ذلك لنسائها فقالت امرأة منهن، وقد كانت ذهبت إلى حبشة أني رأيت ثمة نعشًا يضعون على جنائز نسائهم فوصفته لها، ففرحت بذلك حتى ضحكت، فصنع بجنازتها مثل ما وصفت، وما ورد من القيام بحذاء الرأس والصدر، فالمراد أنه يقوم بحيث يحاذيهما جميعًا حتى تجتمع الآثار، وقوله في الحديث الآتي صلى على امرأة فقام وسطها، إن كان بسكون السين، فظاهر أنه يطلق من الرأس إلى القدم، وإن كان بفتح السين حتى يراد به الوسط الحقيقي فبعد أنه لا دليل عليه يجاب عنه بأن الوسط من الإنسان هو الصدر لا غير لأن أطراف الإنسان غير محسوبة