ارتفعت عنه صفة الجواز.
[باب ما يقول في الصلاة على الميت]
قوله [كان رسول الله ﷺ ] إلخ، هذا ظاهره الاستمرار ودوام العمل عليه فلا يعارضه ما ورد في الرواية الآتية من أنه ﵇ قرأ في صلاة جنازة فاتحة الكتاب فإنه لم يك إلا أحيانًا مع ما ورد في الروايات أن صلاة الجنازة إنما هي ثناء ودعاء فوجب حمل قرأته الفاتحة على أنه قرأها ناويًا بها الدعاء لا القراءة بيانًا لجواز ذلك ولو كان هو المستحب لدوام على قراءتها دوامه على هذه الأدعية وهو الذي ذهب إليه (١) الإمام من أنه لو قرأها ناويًا بها الدعاء لا القراءة صحت صلاته وإن كان الأولى هو الاختيار للدعاء.
قوله [حديث عكرمة بن عمار غير محفوظ] لوضع عائشة مقام أبي هريرة. قوله [وأغسله بالبرد] لما كان الماء آلة الغسل ومزيل النجاسة وكان أفضل الغسل ما آلة غسله أنقى وأكثر ما يوجد من المياه قد خالطه شيء مما لا يناسب أمر الطهارة أو النظافة اختار النبي ﷺ لتشبيه ما يغسل به دنس الذنوب ما قد خلص من جميع هاتيك الشوائب وهو الماء المنجمد الذي نزل من السماء، كذلك فلم تصل إليه أيدي الكدورات ولم يشب به شيء من القاذورات مع ما فيه من برد يوجب قرار القلب تسكينه ولقد يشبه الطمأنينة بالبرد فكأنه استغسل أدناس المآثم بما يوجب المبالغة في إزالتها ويورث يقينًا لا يمازجه ريب.
قوله [من السنة القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب] هذا أعسر نسبة إلى الأول فإن قوله أن النبي ﷺ قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب لا يفيد ما يفيده قوله من السنة
стр. 667
إلخ من التأكيد. ولذلك تكلف الحافظ الترمذي ﵀ بتضعيفه وأثبت هذه الكلمة وجوابه مثل ما مر من التقرير منا آنفًا بزيادة أن قوله: من السنة، ليس المراد به إلا ما ثبت بالسنة أعم من أن يكون الأمر قد استقر عليه أولاً، وهذا كقول ابن مسعود (١) في الإقعاء: إنه سنة نبيكم، فإن معناه أن النبي ﷺ قد فعل مثل ذلك لا أنه من السنن المداومة عليها التي يثاب على العمل بها.
[باب كيف الصلاة على الميت]
قوله [من صلى عليه ثلاثة صفوف] هذا وإن كان المراد به كثرة من صلى عليه إلا أنا نرجو من فضله تعالى أن يدخل في ذلك الوعد من صلت عليه ثلاثة صفوف، وإن كانوا ستة رجال مثلاً متمسكين بعموم اللفظ، وظاهره في قوله ثلاثة صفوف، فإنه غير مقيد بعدد، فإما أن كانوا أربعين أو مائة استحق الوعد مرتين ولوجهين.
قوله [رضيع كان لعائشة] أي أخًا لها رضاعيًا كان ارتضع معها، إذ لم يكن لعائشة لبن حتى يرضعه (٢) منها أحد.
[باب في كراهية الصلاة على الجنازة، عند طلوع الشمس وعند غروبها]
قوله [وإن نقبر فيه موتانا أراد به الصلاة، فإنها سببه إذ ليس في القبر شبه بعبدة الأصنام ولا سبب للكراهية والحرمة غيره وقرينه (٣) الإرادة ما ورد (٤)
стр. 668
في هذه الرواية بعينها من قوله أن نصلي فيهن فوجب حمل هذه الرواية عليها ووجه التكرار على هذه أن صلاة الجنازة لم تكن دخلت في قوله أن تصلي فيهن، فإن إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة، إنما هو بطريق المجاز والمتبادر من إطلاق الصلاة هي الصلاة المطلقة [وقال الشافعي: لا بأس أن يصلي على الجنازة] لحمله (١) النهي عن الدفن لا عن الصلاة.
[باب في الصلاة على الأطفال]
قوله [والطفل يصلي عليه] جمل بعضهم اللام الداخلة عليه على الاستغراق، وعندنا المراد بالطفل، الطفل الذي بينه في الرواية الآتية فاللام في قوله والطفل يصلي عليه ليس إلا للعهد الخارجي، وبذلك تتفق الروايات، والمراد بالاستهلال العلم (٢) بحياته بأي طريق كان من طرق العلم.
стр. 669
[باب الصلاة على الميت في المسجد]
قوله [قالت: صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد] استدلوا (١) بذلك لكنه غير تام فإنه ﷺ إنما صلى في المسجد لعذر المطر، ولذلك لم يصل على النجاشي في المسجد الذي تصلي فيه الصلوات الخمس مع أنه لم تكن الجنازة حاضرة، فعلم أن الصلاة في المسجد من غير عذر مكروهة، سواء كانت الجنازة والإمام كلاهما في المسجد أو أحدهما، ويدل على الخصوصية به ﵇ في هذه أن الصحابة أنكروا على عائشة قولها، وقالوا: إن صلاة النبي ﷺ في المسجد على سهيل بن بيضاء لم تكن إلا لعذر وكان ثمة مطر (٢) ولكونه ﵇ معتكفًا وأنه ﷺ كان (٣) وضع موضعًا لصلاة الجنازة.
стр. 670
[باب أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة]
قوله [فقام حيال رأسه] وقوله [فقام حيال وسط السرير] هذا ما قال به الشافعي: إن الإمام يقوم من المرأة في وسط السرير، ومن الرجل حيال رأسه، أي بحيث يحاذي صدره ورأسه، ولنا أن قيام النبي ﷺ من المرأة بحيال نصف السرير، لم يكن إلا لأن في ذلك الزمان لم تكن لجنائزهن (١) نعوش فأحب النبي ﷺ أن يسترها عن أعين الرجال، فلما ارتفعت العلة برواج النعش وكن شقائق الرجال وتوابعهم في سائر الأحكام، كان قيام الإمام في جنائزهن كقيامه في جنائزهم، وأول نعش، نعش للمرأة في العرب نعش فاطمة ﵂، وكانت لم تضحك بعد وفاة النبي ﷺ مدة حياتها، لما بها من الكآبة والحزن بذلك وكانت تتفكر في أمر جنازتها كيف تراها الرجال، وكيف يمكنني أن ينظروا إلى جثماني ويقتدروا قدر شخصي، فذكرت همها ذلك لنسائها فقالت امرأة منهن، وقد كانت ذهبت إلى حبشة أني رأيت ثمة نعشًا يضعون على جنائز نسائهم فوصفته لها، ففرحت بذلك حتى ضحكت، فصنع بجنازتها مثل ما وصفت، وما ورد من القيام بحذاء الرأس والصدر، فالمراد أنه يقوم بحيث يحاذيهما جميعًا حتى تجتمع الآثار، وقوله في الحديث الآتي صلى على امرأة فقام وسطها، إن كان بسكون السين، فظاهر أنه يطلق من الرأس إلى القدم، وإن كان بفتح السين حتى يراد به الوسط الحقيقي فبعد أنه لا دليل عليه يجاب عنه بأن الوسط من الإنسان هو الصدر لا غير لأن أطراف الإنسان غير محسوبة
стр. 671
والوسط من الباقي هو الصدر من غير امتراه، وإن أخذتم قدميه في الحساب أخذنا يديه حين مدهما فوق رأسه إلى السماء فآل الأمر إلى الذي قلنا فلم يفدكم شيئًا.
[باب في ترك الصلاة (١) على الشهيد] قوله [ولم يصل عليهم] قد سبق الجواب عنه، فإن الروايات الصحيحة تثبت صلاته على قتلى أحد مع أن جابرًا قد وهمه ما وهمه، فإن الكفار كانوا قطعوا أباه قطعًا، فكان قد غلبه الهم ولعله اشتغل بشيء من أمره فلم يبلغه الخبر بذلك ولم يحضر الوقعة، ويعلم أيضًا جواز تعدد الصلاة تبعًا، فإنه ﷺ صلى على عمه حمزة مرات إلا أن ذلك فيما سوى الأولى كان تبعًا وعبد الله بن ثعلبة لا يروى ذلك إلا عن غيره، وقد ثبت أنه ﷺ صلى على الشهداء الأخر، فلزم القول بالصلاة على الشهيد إذ لا ترجيح.
[باب في الصلاة (٢) على القب ر] قوله [ورأى قبرًا منتبذًا فصف أصحابه
стр. 672
وصلى عليه] صلاته ﷺ كان من خصوصياته لكونه أمر (١) بها منه سبحانه تعالى وكان علم بوحي أو تجربة أنها لم تتفسخ وعندنا الصلاة جائزة ما لم يتفسخ الميت إذا لم يصل عليه قبل الدفن، وكذلك لا يجوز الصلاة على قطع الميت إلا إذا جمعها فلو شق (٢) نصفين لم يجز إلا أن يجمعهما وليس للتفسخ تحديد لاختلاف أحوال البقاع في ذلك، وما نقل عن أبي يوسف في تحديده بثلاثة ليال، فلأن بلادهم كانت كذلك لا يتفسخ الميت فيها في أقل من ثلاث، وليس مراد أبي يوسف تحديد الثلاث على العموم، وكذلك الجواب فيما يأتي أنه صلى على قبر بعد شهر، وكان النبي ﷺ أمرهم: أن يعلموه بدفنه ليصلي، وكان أيضًا من أمره أن لا يوقظوه إذا نام فحملوا أمر الأخبار على أنه ليس للإيجاب وأصابوا فصلوا عليه ولم يكلفوه ليهب (٣) ﷺ من منامه فصلى ﷺ على جنازته المقبورة ثانيًا.
стр. 673
[باب الصلاة على النجاشي]
قوله [إن أخاكم النجاشي مات فقوموا فصلوا عليه] قد ثبت أن النبي ﷺ لم يصل على الغائبين إلا مرات يسيرة ولم يصل على بعض من هو أحب إليه ممن صلى عليه فعلم أنها غير مشروعة لكل غائب لهم وإلا لم يتركها فإن صلاتك سكن لهم فكان صلاته لمن كشف له عن سريره فحسب فكانت هذه صلاة على الحاضر لا الغائب فكيف يجوز لنا أن نصلي وهو غائب عن أعيننا.
[باب فضل الصلاة على الجنازة]
قوله [أحدهما أو أصغرهما مثل أحد] بين (١) أولاً أن المراد بالقيراط ليس هو الوزن المتعارف عندهم لعل قدره ثلاث شعيرات، ثم بين أن أحدهما أصغر والثاني أكبر، ولم يبين أي القيراطين أعظم قيراط الصلاة أو قيراط الدفن ترغيبًا لهم وتحريضًا في إحرازهما جميعًا فلو فصل عساهم أن يكتفوا بتحصيل القيراط الأعظم.
قوله [فسأل عائشة عن ذلك] لا ظنًا بأبي هريرة كذبًا فشأنهما أرفع منه بل لتحصيل الطمأنينة، ولما كان أبو هريرة غير فقيه (٢) فلعله فهم ما لم يرده النبي ﷺ ، وإنما استبعد ذلك حتى احتاج إلى تصديق عائشة في طمأنينة القلب، لما أنه حضر معه ﷺ جنائز كثيرة، ومع ذلك فلم يسمعه منه ﷺ ولا من غيره، وبذلك يعلم أن كثيرًا من الروايات لم تبلغ إلى الأكابر، قوله [وحملها ثلاث مرات] وهذا يحصل بأقل من دور تام بأخذ قوائمه الثلاث في ثلاث مرات، فقد مضى ما عليه من حق الجنازة وشهودها ولا يجب أن يحملها عشر أقدام أو فوق ذلك.
стр. 674
[باب القيام (١) للجنازة] قوله [حتى تخلفكم] بين في الحاشية له وجهين (٢) وأيضًا وجه القيام كون الملائكة معها، ثم نسخ جميع ذلك وفيه (٣) أن السبب لو كان ذلك فما معنى النسخ.
стр. 675
[باب قوله ﷺ : اللحد لنا والشق لغيرن ا] المراد بضمير الجمع معشر الأنبياء، فالمراد أن الأنبياء ليس لهم إلا اللحد ولغيرهم يجوز الأمران، وإن كان الأولى لهم هو اللحد لا الشق وفيه بعد لأنه يتوقف على أن أحدًا من الأنبياء لم يدفن إلا في اللحد ولأنه لو كان مراده ذلك لما اختلفوا في أن النبي ﷺ أي الأمرين له ينبغي أن يفعل حتى اتفقوا على أن من أتى من اللاحد والشاق (١) أولاً فعل فعله، أو المعنى بضمير الجمع نبينا محمد ﷺ مع أمته يعني أن اللحد هو المختار لنا والأليق بنا معشر المسلمين، والشق يختاره غيرنا من أصحاب الملل الأخر لاختيارهم السهولة في هذه الأمور، وليس لهم حرص في اكتساب الفضائل، وإن كان الجائز لنا معشر المسلمين الشق أيضًا مع كونه خلاف الأولى، وعلى هذا فاختيار الصحابة اللحد كان موافقًا وما ثبت للبعض من الشق فلضرورات لكنه على التوجيهين جميعًا لا يصح اختلاف الصحابة في دفن النبي ﷺ هل يلحد له أو يشق فلا وجه لتخصيص البعد بالتوجيه الأول والجواب أنهم وإن كانوا على ثقة واستيقان من كون اللحد أفضل إلا أن ما لزمه من العوارض جعل الشق مختارًا عندهم وراجحًا على اللحد لا لفضل في نفسه على اللحد بل لتلك العوارض منها ما وقع في تكفينه ﷺ ودفنه من تأخيرات فلو أنهم اشتغلوا باللحد لزاد التراخي على التراخي،
стр. 676
فإنه عليه صلاة الله وسلامه، دفن بعد ثلاث من يوم موته فلا يفتقر إذًا إلى جواب أن الصحابة كيف خفيت عليهم الرواية حتى اختلفوا فيه.
[باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت]
تخصيصه بالواحد لمكان الاختلاف فيه دون الزيادة فإنهم بأسرهم متفقون على أنه لا يجوز الزيادة على الواحد في إلقاء الثوب تحت الميت، ثم اعلم أن (١) علماءنا كرهوا الثوب الواحد أيضًا لكونه لم يثبت من فعل النبي ﷺ ، ومن جوزه فقد استند فيه بحديث شقران (٢) المذكور في الباب، وقد ثبت أن شقران لم يفعل ذلك بمشورة من للصحابة بل فعله ذلك من غير أن يوقفهم على فعله ولم يطلعوا عليه لكونهم في الحجرة، وكان القبر عميقًا فلم يكد يبصر فيه شيء إلا بعد تأمل، والباعث لشقران على فعله ما رآه من خلاف علي وعباس في أخذ هذه القطيفة بإثبات استحقاقه، فأحب شقران قطع نزاع البين بفرشها تحته ﷺ ، ليكون في استعماله بعد مماته، كما كانت في حياته، ولقد نظر شقران في ذلك إلى كون الأنبياء أحياء، فلا يجوز
стр. 677
لنا أن نفعله، لما قد ثبت أن الصحابة لم يرضوا بفعل شقران، قوله [وكلاهما من أصحاب ابن عباس] يعني (١) ليس فيه بتغيير هذا الاسم اضطراب إنما هما آخذان من ابن عباس، أحدهما: أبو جمرة بالجيم وراء مهملة، وثانيهما: أبو حمزة بالحاء وزاي معجمة، قوله [وقد روى ابن عباس] إلخ، يعني لا يتوهم برواية ابن عباس حديث إلقاء القطيفة أنه يرى ذلك مسنونًا، وإنما هو ذاهب (٢) إلى كراهته، ووجهه ما قدمنا من أنه إضاعة فلا يسن إلا بقدر ما ثبت عنه ﷺ .
[باب في تسوية القب ر] قوله [ألا سويته] ليس المراد تسويته بالأرض رأسًا، إنما المراد تسويته بحيث لا يبقى إلا قدر ما يعلم أنه قبر، وما اشتهر في العوام من جمع التراب كلية على القبر بحيث لا يشذ منه شيء خارجًا جهل وحمق، قوله [ولا تمثالاً إلخ] اختلفوا في التمثال والمراد به ههنا ذو الروح، وإن كان أصل إطلاقه عليه وعلى غير ذي الروح أيضًا، فقال بعضهم: بكراهة تمثال ذي الروح مطلقًا، وإن لم يمكن حياة هذا القدر، وقيل لا يكره ما لا يمكن حياته وعلى هذا لا كيره مقدار الرأس وغيره من الأجزاء والأصح في ديارنا في الكراهة لأن وجه الكراهة لما كان التشبه بالكفار، ولذلك لا يكره وجودها إذا كانت تحت الأقدام للإهانة وهو موجود ههنا، فإن كفار (٣) ديارنا هذه يكتفون من تصاوير طواغيتهم
стр. 678
بالرؤوس فكان مكروهًا لا محالة.
[باب في كراهية الوطي على القبور والجلوس عليها]
قال بعضهم هو أي الجلوس (١) على ظاهره، وقال الطحاوي: وهو أعلم بمذهب الإمام أيضًا، فذهب إلى أن الإمام لم يكره الجلوس مطلقًا، بل هو كناية عن قضاء الحاجة (٢) وقال: هو المكروه عندنا لا الجلوس بمعناه المشهور وهو الذي يعلم كراهته نظرًا إلى آثار الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم كانوا يجلسون عليها ويستندون إليها سيما وفي الاحتراز حرج.
[باب في كراهية تجصيص القبور إلخ]، وقال الشافعي: لا بأس أن يطين القبر ليبقى (٣) زمانًا فلا يسويه السيول والرياح، وإنما المنهي عنه هو التجصيص والتزيين.
стр. 679
[باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر]
قوله [أقبل عليهم] فيه إشارة إلى أن الأدب (١) أن يكون عند التسليم متوجهًا إلى القبور لا مدبرًا، قوله [السلام عليكم يا أهل القبور] استدل بظاهره من قال بسماعهم ومنهم عمر وابنه وأيضًا فلهم من الروايات مما ورد أن الميت ليسمع خفق نعالهم إذ يحضران (٢) عنده ملكان نكير ومنكر والجواب أن ذلك كناية عن سرعة إتيانهما بعد الدفن لا حقيقة ومن أنكر سماعهم تشبث بتوسط الملائكة لتصحيح الخطاب، واستدل المكرون ومنهم عائشة وابن عباس ومنهم الإمام، بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فإنه لما شبه الكفار بالأموات في عدم السماع علم أن الأموات لا يسمعون وإلا لم يصح التشبيه، وما قيل إنه من قيل ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ غير تام لأنه لا يصح على هذا قوله بعده ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا﴾ إلخ، فإن الاقتدار منه سبحانه كما هو في الأول، فكذا في الثاني، فكيف يصح إثباته له ﷺ في نوع ونفيه في نوع، وما قال المثبتون: إن خطاب النبي ﷺ لأهل بدر على رأس القليب ينادي على ثبوت السماع أعلى نداء فأجاب عنه المنكرون بعضهم من أنه من خصوصياته ﷺ بكفار بدر رد الله سبحانه أرواحهم في أجسامهم ليسمعوا خطابه تنكيتًا لهم وتبكيتًا وتزييدًا في عذابهم، وقال بعضهم: إنما خاطبهم النبي ﷺ : ليغيظ بذلك المشركون من قريش، ومعنى قوله لعمر: ما أنت بأسمع منهم أي بأعلم منهم، فسرته بذلك عائشة، فلا يكون دليلاً على السماع
стр. 680
فالظاهر إنكار السماع وهو الأصح عندنا والكلام في ذلك طويل ليس هذا موضعه فليطلب، قوله [ونحن بالأثر (١)] يريد به تذكر موته.
[باب في زيارة القبور]
[لعن زوارات القبور] ولكنه عندنا كان قبل الرخصة في الزيارة، فلما رخص (٢) الرجال ترخصت النساء، وأورد عليه أن هذا خبر منه ﷺ بأنه تعالى يلعن فكيف يتطرق إليه النسخ والجواب أنه يلعن لارتكابهن المحرم عليهن، فلما ارتفعت الحرمة ارتفع اللعن لارتفاع موجبه فلا ضير حينئذ في النسخ إذ لا يلزم الكذب في الأخبار، ولما كان ارتفاع الحكم بارتفاع علته قلنا يمنع النساء إذا خيف عليهن الفتنة، كما هو مشاهد في ديارنا وزماننا، [وقال بعضهم: إنما كره إلخ] ومقتضى قولهم دوام الكراهة وبقائها، قوله [ثم قالت والله لو حضرتك. إلخ] إشارة منها بالرد على من حمل جنازته من مماته إلى مكة فإن في بعد المولد من المدفن أجرًا، كما ورد في الخبر [وقولها لو شهدتك] اخترع بذلك بعضهم مذهبًا ثالثًا وهو أنه يجوز لها الزيارة إذا لم تكن شهدت وفاته وكانت محرمة للميت وأجازوا لها مرة لا غير، وهذا القول الثالث لا يساعده نقل فإن قولها هذا لم يكن إلا لأن فرط الاشتياق لم يتركني أن لا أزورك ولو كنت زرت في حياتك لم يغلبني الاشتياق غلبته الآن، وإن كان الزيارة جائزة حينئذ أيضًا، ثم اشتراطهم بكونها محرمة للميت باطل فإن عائشة لو كانت محرمة لعبد الرحمن لم تكن محرمة لأهل القبور التي عند قبره مع أن ذهابها في البقيع ثابت لا ينكر وما يقال من أن القصد والتبع يتغايران أيضًا، فزيارة عائشة لمن هناك
стр. 681
ممن ليس بمحرم لها كانت تبعًا والكلام إنما هو في زيارة النساء قصدًا فلا يخفى بعده لأن الأحكام معللة والعلة لا تفرق بينهما، وكذلك الإجازة للزيارة فإنه لما جازت مرة جازت مرات، لأن المدار هو الفتنة فإن وجدت الفتنة في مرة كانت الزيارة حرامًا، وإلا فلا ضير في الزيارة واستعمال صيغة المبالغة في زوارات القبور ليس تنصيصًا على كونه مبالغة كم، بل الذي هو مبالغة حقيقة هو المبالغة في الكيف، فاللعن ليس إلا لمن تزور بفرط الاشتياق والمحبة للزيارة ومن لا فلا.
[باب الدفن (١) بالليل] قوله [فأسرج (٢) له سراج] هذا تنبيه على أن النهي عن أخذ النار مع الميت هو النهي عن تشبه الجاهلية والكفار ولا منع عما فيه ضرورة وكان النبي ﷺ نهى أيضًا عن الدفن بالليل لمصالح لا تعم فهذا بيان أن النهي معلل، قوله [إن كنت لأواها، إلخ] هذا رد منه للناس أن يظنوا بالمسلمين إلا خيرًا بل الذي ينبغي لهم أن يحملوا أفعال المسلمين على الخير، فعلهم كانوا يظنون الميت مرائيًا في تأوهه وتلاوته.
стр. 682
القبلة، قال الأستاذ [أدام الله علوه ومجده، وأفاض على العالمين بره ورفده] لا يبعد أن يكون سلوه من سريره إلى جانب القبلة للقبر، ثم أخذوه من جانب القبر، فلا يحتاج إلى تضعيف إحدى الروايتين، قوله [وكبر عليه أربعًا] أراد بها صلاة الجنازة إذ لم يثبت تكبير على الميت سواها والواو لمطلق الجمع، وإنما آخر ذكرها ليتم أول الكلام فلا يختل النظام.
[باب الثناء على الميت]
قوله [فأثنوا عليه خيرًا] هذا فضل من الله على عباده، فإنه لا يحب أن يكذب عباده الصالحين (١) والأصل فيه ما ورد من أن الأرواح جنود مجندة، فالصالحون لا يحبون إلا الصالح، وإن كان ظاهره غير ذلك فيما يبدو للناس فلا يمكنهم الثناء إلا لمن أحبوه بقلوبهم ولا غرو إذًا في مغفرته، وأما إذا تكلفوا فأثنوا على من لا يحبونه فيغفر الله له، وإن كان عاصيًا لئلا يكذبوا (٢) في قولهم، وأما إذا كان في الثناء عليه خشية أن يضل الناس فلا يجوز كما سبق.
стр. 683
[باب في ثواب من قدم ولدًا] قوله [ثلاثة من الولد] التنصيص بالعدد سكوت عن حكم ما دونه ماذا هو وحكم ما فوقه قد يعلم بدلالة النص ولا يكون التنصيص على عدد معين نفيًا للحكم عما دونه وهو المراد بما قال أهل الأصول من الأحناف أن مفهوم العدد غير معتبر عندنا ولذلك سأل في الرواية الآتية عن الاثنين ما بالهما فلو ثبت الحكم في الاثنين نفيًا بذلك النص المذكور فيه لفظ الثلاثة لم يسأل عنه الراوي لكونه من أهل اللسان، وقول عمر (١) فيه ولم نسأله عن (٢) الواحد حكاية عن حاله وبيان على حسب علمه وإلا فقد رواه ابن مسعود في الواحد أيضًا كما سيأتي فهذه الرواية لم تبلغ عمر وقوله [إلا تحلة (٣) القسم] كأنه استثناء منقطع فإن هذا
стр. 684
الورود ليس من مس النار في شيء، قوله [من قدم ثلاثة لم يبلغوا الحنث (١)] اشتراط العدد ليس احترازًا لما قدمنا نعم كونهم لم يبلغوا الحنث شرط ينتفي الحكم بانتفائه ووجه ذلك مع ما نشاهد من كثرة الحزن بفوات الكبير نسبة إلى فوت الولد الصغير أن حزن فوت الصغير إنما يكون لمجرد تعلق الأبوة والأمية الذي وضعه الله سبحانه في الآباء والأمهات، وحزنه على الكبير وإن كان كثيرًا فإنه مشوب بغرضه الدنياوي وحسرة على ما كان قد أمل منه وطمع أن يكون يفيده فوائد وليس ذلك لأن انتفاء الوصف يدل على انتفاء الحكم إذ ليس ذلك من أصولنا فكيف نسلم أن انتفاء الحكم صار لأجل انتفاء الوصف وإنما ألحق الشافعي الوصف بالشرط في ذلك وإنا لم نسلمه في الشرط أيضًا، فكيف بالوصف بل الحكم إنما انتفى ههنا لأن الوعد مشروط بتقدير الصغر فكان النص ساكتًا عن الكبير فلا يثبت الحكم فيه بالقياس سيما وليس الكبير بأولى من الصغير حتى يثبت الوعد فيه بدلالة النص نعم يشمله النصوص الأخر التي وعد فيها بالمثوبة على الهم والحزن ما كانا (٢) وفيها
стр. 685
كثرة، وأيضًا لذلك التقييد وجه آخر أدق وألطف وهو أن ترتب الجزاء على ذلك الشرط لا يتصور ما لم يقيده بذلك القيد فإن الأولاد إذا بلغوا حنثًا وكلفوا تكاليف الإسلام وماتوا بعد ما تحملوها فإنهم مبتلون بأحوالهم وأهوالهم فليسوا بمطلقين عن إسار الهموم (١) فأنى يتيسر لهم أن يكونوا حصنًا حصينًا لغيرهم وأما ثواب ما أصاب الوالدين بفوات الأولاد الكبار فغير منفي بالاتفاق على قدر صبر الأبوين وحزنهما فالنفي ههنا ليس إلا راجعًا إلى تلك الجهة الخاصة والوعد الموعود.
قوله [سمعت جدي أبا أمي] أي لم يكن جدًا صحيحًا لي، قوله [لن يصابوا (٢) بمثلي] دفع بذلك ما كان يتبادر إلى الذهن أن المؤمنين الذين لم يروا النبي ﷺ ولم يتشرفوا بزيارته لم يصابوا به ولم يشجنوا فكيف يكون فرطً لهم فقال إن المؤمن وإن لم يظهر منه فيما يبدو للناس وله محبته بي إلا أن كل مؤمن ففي قلبه حصة من حب الله وحب رسوله قد غلبت عليه شهواته وعلاقاته الدنيوية فلا يكاد يظهر بمقابلتها ولا ينتفي بذلك الانغمار أصل وجوده وسيجيء لذلك زيادة تفصيل في قوله من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه مع أن الحزن للذين لم يأتوا بعد أكثر فإنهم يتشرفوا منه بزورة أيضًا، وقوله أنا فرط لأنه معصوم أيضًا وفارغ عن تخليص نفسه فلا هم له غير أمته المرحومة كما لم يكن للولد الذي لم يبلغ الحنث إلا هم تخليص والديه.
стр. 686
[باب ما جاء في الشهداء (١) من هم] قوله [المطعون] قيل الطاعون كل مرض عام وقيل بل هي الخراجات التي تخرج في المغابن كالفخذ والإبط [المبطون] يشمل كل مرض من أمراض البطن والكبد والقلب والرأس كأنه مأخوذ من الباطن خلاف الظاهر وليس بمختص بأمراض البطن فقط.
قوله [فلا تخرجوا منها (٢)] لئلا يتخرج الناس الذين أنتم واردون عليهم بظن منهم أنكم أتيتم من مكان مرض فلستم خالين منه ولئلا يتفرد المرض الذين مرضوا ههنا فيتوحشوا إذ ليس يبقى لهم إذًا من يخدمهم ويقوم بأمرهم أو لأن في الفرار منه أيام الفرار من المقدر مع أن المقدور واقع لا محالة فلا ينبغي أن يكل في أموره وما ينوبه من الأمراض والعلل إلا إلى الله سبحانه.
قوله [فلا تهبطوا (٣) عليها] لقوله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ويعلم من ذلك أن فيه أثرًا وإن كان بإذن الله تعالى وخلقه وتحت إرادته ولأن الوسوسة
стр. 687
بتعدية المرض (١) باقية بعد فنهاهم عن النزول ثمة سدًا لباب الوسوسة فإن الله هو الفاعل الحقيقي وتلك أسباب، قوله [من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه] هذا ظاهر إلا أن عائشة تلك الفقيهة المحسنة إلى أبناء المؤمنين الموفقة للتنقير في مسائل الدين لما علمت أن سبب الوصول إلى المحبوب محبوب لا محالة والموصل إلى المكروه مكروه لا محالة ولا ريب أن أكثر المؤمنين بل جلهم لا يحبون الموت فخافت أن يكونوا كرهوا لقاء الله فسألت عن ذلك وقالت يا رسول الله كلنا يكره الموت ولا سبب لكراهية الموت إلا كراهة ما هو موصل إليه فأجاب النبي ﷺ عن ذلك بما حاصله أن كل مؤمن ففيه حصة من حب الله وحب رسوله بقدر قوة إيمانه وشدة إبقائه إلا أنه مغمور بما اكتنف الأناسي من الضرورات الإنسانية والشهوات الطبيعية الحيوانية ولا يضر ذلك في إيمانه فإن مقتضى البشرية لا يتخلف عن البشر وليس له غنى عن جميع ذلك مادام لابسًا حلة الجسمية والبشرية مأسورًا في أيدي الحوائج البهيمية الكدرية وأما إذا انقطعت حبائل وسائلها ونزع ما لبسه من قمصها وغلائلها فحينئذ يظهر من حظ الحب ما كان مكنونًا وينفك ما كان في أيدي الشهوات مرهونًا فلذلك ترى النبي ﷺ جعل ملاك الأمر ما يظهر في الخاتمة وإن كان سبب ظهوره هو الذي كان له من قبل حاصلاً ولم يبين علامة يجدونها في أنفسهم الآن قبل التغرغر لئلا ييئسوا من رحمته سبحانه بل أحال الأمر على آخر وقت إذ لا التباس فيه أصلاً لأنه حينئذ يكون على ثقة من أنه لم يبق له إلى أحد ممن على الأرض حاجة فلا يبقى له اشتغال بأحد منهم ولا بشيء من أمورهم لأن تفكره فيهم إنما كان لأن ضروراته في تمدنه متعلقة بهم ولا ينافيه أيضًا ما يكون لأحد منهم تعلق بأحد من أولاده وأهله فإن حظًا من البشرية باق بعد.
[باب فيمن يقتل نفسه (٢) لم يصل عليه] قوله [فقال بعضهم يصلي على
стр. 688
كل إلخ] مؤدى قولهم عدم الفرق بين الإمام وغيره في الصلاة عليه، ثم اعلم أن هذا مذهب القدماء في الفرق الضالة فإنهم لم يكفروهم وقالوا فيهم إنهم من أهل القبلة فيعامل بهم معاملة المسلمين أجمع، وأما المتأخرون فإنهم لما رأوا بعض عقائدهم واصلة إلى الكفر كفروا، منهم من اعتقدها ففرقوا بين من وصل منهم إلى حد الكفر وبين من لم يصل إليه فقالوا لا يصلي على من كفر وإن صلى إلى القبلة.
[باب في المديون]
قوله [قال أبو قتادة هو على] اعلم أن الكفالة هو ضم ذمة إلى ذمة فقال الإمام لا يكفل عن الميت إذ لا ذمة حتى يضم إليها ذمة أخرى لأن الدين (١) هو الفعل حقيقة ولذا يوصف بالوجوب وإطلاق الدين على المال مجاز ولم يبق المكلف حتى يجب عليه شيء، والمال لما كان وسيلة إلى التسليم والأداء لا موصوفًا بالوجوب عليه لم يبق الوجوب ببقاء المال وقال (٢) صاحباه
стр. 689
إن لم يبق ذمته في أمور الدنيا فذمته في أحكام الآخرة باقية فيضم إليها وذلك لأن فراغ الذمة إما بالأداء من المديون أو بالإبراء من الداين ولم يوجد شيء منهما وهذا الحديث سند (١) لهما، وقال الإمام إنما كان ذلك عدة من أبي قتادة حتى سأله النبي ﷺ بالوفاء ولو لم يكن عدة بل كان كفالة لما احتيج إلى هذا السؤال فإن الكفالة لا يكون إلا للأداء والوفاء ومعنى قوله بالوفاء إن لفظ «على» كان يحتمل معنيين أن يؤدي أبو قتادة دينه من عند نفسه أو أن يستحث (٢) الناس عليه حتى يلتزموا فكان المعنى على دينه إن أسعى له والسعي منى والإتمام من الله، وعلى هذا لو لم يؤته الناس شيئًا لم يكن أبو قتادة إلا أنجز ما وعده فسأله النبي ﷺ ليعين ماذا أراد فلما بين أنه أراد الأداء من عند نفسه صلى عليه.
قوله [أنا أولى (٣) بالمؤمنين من أنفسهم] والمعنى التفضيل ظاهر فإن الميت لم يخلص نفسه من دينه حتى أسر فيه وأخلصه النبي ﷺ وكذلك في غيره من الأمور الدينية والدنيوية فإنه أولى بنا منا في إصلاحنا وتسديدنا وهذا إذا كان الأنفس على حقيقته
стр. 690
وإلا فكثيرًا ما يستعمل تلك اللفظة في ما سوى هذا الشخص لكونه منهم كما في قوله تعالى ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، وارد على الحقيقة ولا يلزم أن يكون المراد في الرواية هو المراد في الآية فافهم.
[باب ما جاء في عذاب القبر]
قوله [إذا قبر الميت] الرواية ههنا وإن كانت من المجرد (١) إلا أنه مستعمل عن المجرد والمزيد كليهما بمعنى وقوله [المنكر والنكير (٢)] هما بمعنى المفعول أو الأول بمعنى المفعول والثاني بمعنى الفاعل كان النكارة عن الجانبين معًا فلا الميت يعرفهما ولا هما يعرفانه فيعاملان معاملة الأجانب [في هذا الرجل] فقيل يثيران إلى تصويره ﷺ وقيل بل يكتفيان بهذا القول لأنه لا يخطر بالبال حينئذ إلا الله ورسوله ولا يصح إطلاق الرجل (٣) عليه سبحانه فلم يبق مصداقه إلا النبي ﷺ .
قوله [ما كان يقول (٤)] أي في دنياه [فيقولان قد كنا نعلم] لأنا كنا رأينا على وجهك آثار البشر وسيما الخير إلا أنا سألناك امتثالاً لأمره سبحانه وأداء لما علينا من الواجب وينبغي أن يقال إن المنكر والنكير ليسا بملكين معينين
стр. 691
وإنما هي محكمة (١) هذان اسمان كل اثنين من ملائكتها، وليس في شيء من الروايات تصريح بقصة العصاة ماذا يصيرون إليه وإنما المذكور حال المؤمن والكافر ولعلهم ترك ذكرهم للمقايسة فإن الإسلام يعلو والمعاصي تكفر شيء من السكرات وأهوال القبر وغير ذلك، ولعل النكارة في لقائهما العصاة تكون أقل منها في لقائهما الكفرة وأكثر منها قلة حين يأتيان المؤمنين المتقين:
قوله [سبعون ذراعًا] فقيل المراد به التكثير حتى تجتمع الروايات، وقيل بل التفاوت في الفسح لتفاوت مراتب المفسوحين لهم [فأخبرهم] بما جرى لي فإن قلوبهم مشغولة بي [فيقولان ثم] إذ ليس لك ذلك، والنوم هو الحقيقي أو هو كناية عن فراغ البال، قوله [نقموا عليه لرفعه (٢)] ما كان موقوفًا [باب في من يموت يوم الجمعة] قوله [إلا وقاه الله فتنة القبر] فقيل هذا اليوم (٣) والليلة فقط ثم يعذب
стр. 692
ليلة السبت وقيل لابد خلص فخلص، نعم يحاسب فيجازي بعد الحشر:
قوله [والجنازة إذا حضرت] والأوقات المستثناة مستثناه، قوله [يقبض أحب إلى] للحديث ومن نهى عنه فإنما نظر إلى ما فيه من التشبه بعبدة الأصنام ولكنه قياس في مقابلة النص فلا يسمع.
قوله [نفس المؤمن معلقة بدينه] أي لا يفوز بكماله والفضل الذي هو له معين أي لا يؤتى له كله وإلا فهو في روح وريحان، وعلى هذا يحمل ما ورد من أن نفس المؤمن مأسورة بدينه [هذه (١) أبواب النكاح (٢) عن رسول الله ﷺ ] قوله [أربع من سنن المرسلين] ليس ذكر العدد للحصر [الحياء (٣)] فأفضله ما استحييت به عنه سبحانه، وحياؤه أن لا تأتى بما يستقبحه ويستقذره ثم حياؤك من الناس
стр. 693
فيما لا يرتكب فيه أمر محرم، ولما كان هذا ملاك الأمر في تطهيره الباطن عن المقاذر والمعايب عقبه بما يطهر به الظاهر منها فقال التعطر وهو إزالة النتن وتحصيل الطيب مع أن طيبه متعد إلى غيره أيضًا، وكان من جملة ما يطهر به الظاهر السواك فذكره وأخره عنهما لكونه داخلاً من وجه خارجًا من وجه ثم لما يستغن في تحصيل الطهارات الظاهرية والباطنية عن امرأة صالحة لا سيما وهي مسدعية إلى التطيب والتطهر يمتنع بها عن تدنيس باطنها بنجاسات الآثام ويحصل بها أسباب تنظيف الإجرام والأجسام ذكره.
قوله [خرجنا مع رسول الله ﷺ ] أي مهاجرين (١) إلى المدين والمعية ليست حقيقية لأنهم لم يكونوا معه يوم خرج بل المراد هو المعية في نفس الخروج، قوله [يا معشر الشباب (٢)] بين قوله ﵇ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج إن سبب الخطاب لهم إنما هو ذاك أي الاحتياج إليهن فالشيوخ الذين توجد فيهم (٣) العلة داخلون في الأمر والشباب الذين لا توجد فيهم خارجون عنه وإنما خص الشباب وإن كان المراد من كان تائقًا لغلبة التوقان منهم دون الشيوخ فإن الغالب في غير الشباب عدم الحاجة.
[باب في النهي عن التبتل]
قوله [ولو أذن له لاختصينا] يعني أن العضو المخصوص إنما فائدته التناسل فلو إذن في التبتل علمنا أن لا احتياج إليه أو يكون هذا
стр. 694
الظن منهم للقياس على الحيوانات فإن الاختصاء جائز فيهما فجاز للإنسان أيضًا لما لم يرد منه النسل كما لم يرد في ما اختصى من الدواب ولا يلزم مخالفة النهي عن المثلة لكونه ليس بزينة ولا فائدة فيه حينئذ ولو كانت المثلة ههنا منهية لكان الاختتان غير جائز أيضًا لأن القطع حيث ينهى ينهى كله أو المعنى لبالغنا في التبتل حتى كنا لترك استعمال الذكر كأنا اختصينا ولا يبعد أن يقال في معناه ولو أذن له لاختصينا يعني لو أذن في التبتل ولا يمكن التبتل بدون الاختصاء لاختصينا إذ إجازة شيء إجازة لما يحصله.
[باب فيمن ترضون دينه فزوجوه]
قوله [إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه] لم يذكر النسب (١) والمال كأنهما شيئان لا ينبغي أن تعتدوا بهما ولأن الناس يطلبونهما من غير ذكر فلم يحتج إلى ذكرهما قوله [ألا تفعلوا] لأنكم (٢) إذا لم تزوجوا المتدين السهل الخلق بل اخترتم عليه المتمول الفاسق
стр. 695
الشرس (١) الخلق وإن كان شريف النسب فإنه يعامل بزوجته على مقتضى فسقه وخلقه السوء، ولا ريب حينئذ في الشقاق بينهما والخلاف، وأي فساد أكثر منه. قوله [يا رسول الله وإن كان فيه] أي شيء من الإفلاس أو كان في نسبه شيء وإنما لم يجب عنه بجواب جديد بل اكتفى على تكرار ما قاله من قبل إشارة إلى أن هذا السؤال مما لا ينبغي أن يعول عليه وليس له رتبة أن يخيل إليه، قوله [تربت يداك] كأنه إشارة إلى فقره عما أراد نيله من ذات المال والجمال إذا لم يكن ذات الدين.
[باب النظر إلى المخطوبة]
قوله [انظر إليها فإنه أحرى، إلخ] والأصل أن المرأ إذا ترقب شيئًا وتوقعه من أحد ثم ظهر خلافه فإنه يسوءه وأما إذا لم يتوقع فبلغه خير شكر عليه وفرح وإن لم يصل إليه خير وكان فارغًا عن توقعه ورجائه فإنه لا يسوؤه ذلك ولا يحزن عليه فلذلك قال النبي ﷺ انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا وكان المغيرة بن شعبة من أهل مكة والتي خاطبها من الأنصار فأمرها (٢) بالنظر إليها لئلا يقع الخلاف والنفار حين يظهر دون ما كان تصورها وتوقعها، وأما النظر فإن كان من غير شهوة فلا ريب في جوازه وإن كان لا يأمن على نفسه أو كان مغلوبًا فهذا القدر محتمل دفعًا لما يخشى في عدم النظر من المفاسد، ومعنى قوله [ما لم يرمنها محرمًا] يجوز أن يكون على
стр. 696
جعل المحرم مفعولاً أي لم ير شيئًا حرم النظر إليه وهي العورة وأن يكون بمعنى المفعول المطلق أي ما لم ير رؤية حرامًا، وهو على هذا بيان للأولى أو يقال (١) أن النظر مع الشهوة لم يبق حرامًا في حقه قوله [أحرى أن تدوم المودة بينكما] هذا بيان لحاصل المعنى وترجمة بلازمه فإن الموادمة (٢) تؤدي إلى مداومة المحبة والموافقة وإلا فأين الدوام من الأدام.
[باب في إعلان النكاح]
قوله [واجعلوه في المساجد] لكونها مأذونًا فيها كل خاص وعام أن يدخل فكان أقوى في الإعلان، قوله [غداة بني (٣) بي] علم أن الورود على أصحاب المحافل كالمناكح وغيرها سنة لا بأس به [فجلس على فراشيك كمجلسك مني] علم أن الجلوس عند من ليست بمحرمة جائزة إذا حال الستر فإن النبي ﷺ وإن لم يكن غير محرم لامرأة إلا أنه كان يعامل بالأجانب في هذه الأمور كالأجانب تعليمًا ثم أن نهى الفقهاء مبني على خشية الفتنة وهو الذي يجب عليه العمل في زماننا هذا:
قوله [ويندبن (٤) من قتل إلخ] فعلم أن الغناء المجرد جائز إذا لم يعارضه محرم
стр. 697
كخشية الفتنة أو خوف غلوه فيه أو ينشد فيه بأشعار لا يجوز أن يقولها كما نهى النبي ﷺ الجارية التي قالت وفينا نبي يعلم ما في غد لعروض الحرمة بذلك القول والمنهي ما وضع للهو أو كان فيه صرف عن الطاعات والمغنية الصغيرة والكبيرة والمرهقة والبالغة والرجل والأنثى في ذلك سواه فكانت حرمة السماع لغيره لا لذاته.
[باب ما يقال للمتزوج]
قوله [إذا رفأ (١) المتزوج] أي هناه فترك ما كانوا عليه في التهنية بلفظ بالرفاء والينين كأنه لم يرض به [باب ما يقول إذا دخل على أهله] قوله [إذا أتى أهله قال] أي قبل كشف (٢) العوة ثم يحرم الكلام.
قوله [لم يضره الشيطان] فقيل لا يبتلي بالصرع وأم الصبيان وقيل أنه لا يكون له تسلط عليه حتى يسلب إيمانه [باب الوليمة] قوله [فقال ما هذا
стр. 698
علم أن استعمال طيب فيه لون لا يجوز للرجال وإلا لم يستبعده ولم يسأل لأنه كان يعلم أنه ليس بذي أهل وكانوا لا يستعملون هذا الطيب إلا ما تلبسوا به بمخالطة نسائهم وبذلك يعلم أن القليل عفو وعلى ما قررنا يصح جوابه عن قول النبي ﷺ ما هذا بقوله تزوجت امرأة. قوله [وزن نواة من ذهب] النواة نواة تمر أو هو وزن معروف كما فسره أحمد وإسحاق، وأيهما كان فلا ريب أنه يفضل على عشرة دراهم بكثير ولا يصح استدلال الشافعية في تقليل المهر عن عشرة دراهم إذ لم يقل مفسر في تفسيره أن قيمته كذا إنما بينوا وزنه ثم إنه من ذهب، قوله [ولو بشاة] لو ههنا للتكثير وكان عبد الرحمن قد تمول فصح أن يأمره بذلك وكان ذلك للإشارة إلى أنه لا إسراف فيه، قوله [ويوم الثالثة سمعة] نبي الأمر على العادة في زمانه من أن مطعم اليوم الثالث كان مرائيًا فالحكم يرتفع بعلته إذ قد صح أن النبي ﷺ أو لم سبعة (١) أيام:
قوله [ومن سمع سمع الله به] بين المحشي معنيين (٢) من معانيه والثالث أن من سمع وأراد شهرة نفسه أوصله الله بتمناه في دنياه ثم أخذه على صنيعه في أخراه، قوله [يكذب] من المجرد (٣) وهذا لغلبة نسيانه لا لتعمده الكذب وإلا لم يبق له شرف [باب ما جاء في إجابة الدعى] بينه لمناسبة الوليمة فإنها دعوة.
стр. 699
[باب من يجبي إلى الوليمة بغير دعوة]
أورد فيه حديثًا، وليس فيه ذكر الوليمة واستدل بما وقع فيه من دخوله بغير دعوة على أن دخول الوليمة بغير دعوة لا يباين حكمه حكمه، قوله [إلى غلام له لحام] الغلام ههنا العبد واللحام بائع اللحم، [فصنع طعامًا ما ثم أرسل] فعلم أن تقديم القول ليس بواجب، قوله [حين دعوا] أي حين قاموا من مجلسه ﷺ للرواح إلى بيته، قوله [تزوجت امرأة إلخ] ليس المراد إني أتيت بفور التزوج بل المراد أني تزوجت فاتفق بعد قليل أو كثير أني أتيت وسجيء تفصيله في مقامه، قوله [إن أبي ترك سبع بنات أو تسعًا] كان (١) زوج اثنتين منهن فذكر تارة كلهن وتارة من يقوم عليهن، قوله [فدعا لي] لأنه اختار إصلاح أخواته على حظ نفسه فعلم أن اختيار البكر في دنياه مفيد، وإن كان التزوج بالثيب راجحًا بوجوه أخر كإحياء سنته ﷺ في بلادنا وكإصلاح البنات في الحديث.
[باب ما جاء لا نكاح إلا بولي]
قال الشافعي (٢) بظاهر الحديث أن «لا نكاح إلا بولي» وعندنا إما أن يكون المراد بالنكاح هو الذي لا يستغني فيه عن الولي كنكاح الصغيرة والأمة أو المراد به نفي نفاذه وتمامه بحيث لا يتيسر للولي إبطاله، إذا كان فيه إبطال حق له كما إذا تزوجت في غير كفو أو بأقل من
стр. 700
مهر مثلها جمعًا بين الروايات (١) وبينها وبين الآيات، أو يراد نفي حسنه فإن النكاح الذي لم يرض به الأولياء غير مستحسن شرعًا وعرفًا.
قوله [إيما امرأة إلخ] لما كان المراد من قوله «لا نكاح إلا بولي» لا يظهر حسب ما رامه المؤلف عقبه حديث عائشة الذي صرح فيه ببطلان النكاح بغير ولي كأنه فسر رواية أبي موسى برواية عائشة، ولذلك لم يتكلم على حديث أبي موسى بعد هـ بل تكلم على الحديثين بعد إيرادهما جميعًا لجعلهما كواحد، قوله [فلها المهر بما استحل] هذا يرد على المخالف مذهبه واستدلاله فإن النكاح لم يكن باطلاً من أصله وإلا لم يجب المهر كما في الزنا والنكاح بلا شهود فعلم أن باطل معناه أنه على شرف البطلان وبقرب السقوط إذ للولي أن يعترض فيفسخ إذا كان بغير كفو أو بمهر قليل ولهم العذر (٢) بأن وجوب المهر لاعتبار صورة النكاح وكذلك
стр. 701
لا يجب الحد لأجل الشبهة فلا حجة بهذا على أن البطلان ليس على (١) حقيقته قوله [فإن إلخ] كأنه جواب عما يرد على الشافعي ومن معه وعلى ظاهر قوله ﷺ إيما امرأة إلخ من أن النكاح بغير ولي، لما كان باطلاً وكثير من النساء ليس لها ولي فكيف يتصور نكاحها فأجاب بأن السلطان ولي من لا ولي لها وكذلك الحكم أن تشاجر الأولياء لأنهم سقطوا بالتعارض فكان وجودهم في حكم العدم، وكذلك فالسلطان ولي إذا تشاجر الأولياء والمرأة بأن قصدت وهم يمنعون أو قصدوا وهي تمتنع، قوله [وغير واحد من الحفاظ عن ابن جريج نحو هذا] يعني أن سفيان هذا كثيرًا ما يروى عن الزهري من غير واسطة، ولكن هذه الرواية (٢) أخذه سفيان عن ابن جريج عن سليمان عن الزهري فلا يتوهم أن ذكر هذين الواسطين (٣) غلط بل ذكرهما هو الصحيح، وقوله [حديث أبي موسى حديث فيه اختلاف] وحاصله (٤) أن أكثر الرواة يروونه فيذكرون عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى فلا يعول على ما ذكره شعبة وسفيان من غير ذكر أبي موسى فلا يغتر
стр. 702
بغزارة فضلهما، وإتقان حفظهما لأن الغلط ليس منهما بل غلط أبو إسحاق (١) حين روايته لهما فلم يذكر أبا موسى.
قوله [وروى شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي موسى] هكذا في النسخة الأحمدية، وهذا غلط من النساخ والصحيح (٢) ذكر أبي بردة مقام أبي موسى كما ذكره بعد برواية محمود بن غيلان، قوله [ولا يصح] يعني (٣) أن ذكر أبي موسى في رواية سفيان لا يصح، وإن كانت الرواية الصحيحة هو هذه فقط. قوله [ومما يدل على ذلك أي السماع في مجلس واحد] ووجه الاستدلال بذلك أن السماع لما كان في مجلس واحد علم أن غلطهما غلط واحد من أبي إسحاق ولو سمعا مختلفين في مجلسين لكان يستبعد أن يغلط أبو إسحاق مرتين، قوله [ما فاتني الذي فاتني إلخ] هذا يحتمل معنيين أي لم يترك حديث سفيان إلا وقت اتكالي على إسرائيل أو بسبب (٤) اتكالي عليه، أو المعنى ما فاتني شيء كما فاتني حديث سفيان،
стр. 703
فلم أدر هل هو متصل أم منقطع، وإذا اتصل فكيف وصله إلا حين اتكلت على إسرائيل إذ حينئذ ذهب الفوات وعلمت بما اتصل، وأنه متصل ولكنه لا يصح صحة المعنى، الثاني (١) لأنه يستلزم أن لا يكون عبد الرحمن روى هذا الحديث عن سفيان مع أنه رواها عنه، قوله [وحديث عائشة] أراد بها الحديث الوارد بلفظ أيما امرأة نكحت إلخ، عبر بها للاختصار فإن معنى حديث عائشة هو أن النكاح لا يصح إلا بولي، قوله [قال يحى بن معين وسماع إسماعيل بن إبراهيم] هذه الجملة يعني بها قوله ثم لقيت الزهري فأنكره هي الجملة التي أنكر بها دون سماع الروايات في أنفسها، [ليس بذاك] أي صحيحًا معتدًا بها معتمدًا عليها، وإن أريد في معناه ليس بثابت معناه فإنهما في طبقة واحدة فلا بعد في روايته عنه وسماعه إلا هذه الجملة أي إن كان مراده إنكارًا لسماعه عنه في الروايات فغير مسلم، وإن أريد إنكار هذه الجملة فقط فمسلم، يعني لا يبعد أن يكون لم يسمع هذه الجملة، أما أنه لم يسمع عنه شيئًا من الروايات فبعيد مع أنه يلزم على إرادة سماع الرواية تكذيب ثقة، وهو إسماعيل فإنه مصرح بقوله: قال ابن جريج وعلى هذا فما في قوله [ما سمع من ابن جريج] موصولة (٢) مفعول لقوله قبل صحح كتبه ويدل عن كتبه.
стр. 704
[باب لا نكاح إلا ببنية]
قوله [البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة] هذا الإسناد مصرح بجواز نكاحها بغير ولي، فإن وجه كونهن بغايا هو النكاح بغير بينة لا النكاح بغير ولي وإلا لزم إلغاء قوله بغير بينة، قوله [إلا أن قومًا من المتأخرين] وهو (١) مالك وأصحابه فإنه لم يشترط إلا الإعلان (٢) فلا
стр. 705
ضرورة عنده إلى الإشهاد على الإيجاب والقبول إذا أعلنوا أنا نكحنا ولم يجز عندنا إذا أعلن بعده، ولم يشهد عليه والمراد عليه والمراد بقوله أشهد واحد بعد واحد هو الإعلان كما نسبه إليه أولاً وليس المراد إشهاد شاهدين متعاقبا لأن مذهبه هو الأول. قوله [وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم فيما حكى] بلفظ المعلوم [عن أهل المدينة] يعني حكى مذهبهم على ما قررنا من قبل وفيهم مالك، قوله [قال عبثر ففسرها سفيان] هذا مجرد إعلام لها لا تعيين فاكتفى على ما يحصل به الإشارة إلى الآيات ولم يستوف الآيات والسنة تلاوتها بتمامها. قوله [لأن إسرائيل] وهو في أبي إسحاق ما أنت تعلمه فجمعه يدل أنهما صحيحان.
[باب استيمار البكر والثيب]
قوله [لا تنكح الثيب إلخ وقوله الأيم أحق بنفسها إلخ] هذان يؤيدان ما قالت به الحنفية ولذلك تكلم عليهما فقال ليس في هذا الحديث ما احتجوا به لأن ابن عباس راوي الحديث أفتى على خلافه فعلم أن ليس معناه إلا أن نكاحها يقبل الفسخ إن كان بغير رضاها لا أنه لا يجوز من أصله قلنا كما أن الزواج من غير رضاها لا ينفذ عليها كذلك من غير رضى الولي يصح ولا ينفذ إذا كان فيه إبطال لحقه، والحاصل أن لكل منهما حقًا في ذلك فلا ينفذ تصرف أحدهما في حق الآخر بل يتوقف على إجازته غاية الأمر أن حق المرأة في نفسها أقوى من حق الولي فيها فتكون قادرة على منع النكاح رأسًا إذ لم يفد النكاح شيئًا إذا لم يحصل به التصرف على نفسها ولا كذلك في الولي فإنه يطالب بما فات من حقه من نقص المهر أو عدم الكفاءة ولا يتوقف على رضاه صحة النكاح وتصرف الزوج على نفس المرأة لأن ذلك تصرف في خالص حقها فيتوقف على إجازتها لا إجازته، نعم إذا لم يمكن إيفاء حق الولي بأن لم يوف الرجل مهر مثلها، أو لم يكن كفوًا حكم بالفسخ لذلك لا لأن المرأة كانت مفتقرة في إثبات تصرف الزوج على