لا يجب الحد لأجل الشبهة فلا حجة بهذا على أن البطلان ليس على (١) حقيقته قوله [فإن إلخ] كأنه جواب عما يرد على الشافعي ومن معه وعلى ظاهر قوله ﷺ إيما امرأة إلخ من أن النكاح بغير ولي، لما كان باطلاً وكثير من النساء ليس لها ولي فكيف يتصور نكاحها فأجاب بأن السلطان ولي من لا ولي لها وكذلك الحكم أن تشاجر الأولياء لأنهم سقطوا بالتعارض فكان وجودهم في حكم العدم، وكذلك فالسلطان ولي إذا تشاجر الأولياء والمرأة بأن قصدت وهم يمنعون أو قصدوا وهي تمتنع، قوله [وغير واحد من الحفاظ عن ابن جريج نحو هذا] يعني أن سفيان هذا كثيرًا ما يروى عن الزهري من غير واسطة، ولكن هذه الرواية (٢) أخذه سفيان عن ابن جريج عن سليمان عن الزهري فلا يتوهم أن ذكر هذين الواسطين (٣) غلط بل ذكرهما هو الصحيح، وقوله [حديث أبي موسى حديث فيه اختلاف] وحاصله (٤) أن أكثر الرواة يروونه فيذكرون عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى فلا يعول على ما ذكره شعبة وسفيان من غير ذكر أبي موسى فلا يغتر
стр. 702
بغزارة فضلهما، وإتقان حفظهما لأن الغلط ليس منهما بل غلط أبو إسحاق (١) حين روايته لهما فلم يذكر أبا موسى.
قوله [وروى شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي موسى] هكذا في النسخة الأحمدية، وهذا غلط من النساخ والصحيح (٢) ذكر أبي بردة مقام أبي موسى كما ذكره بعد برواية محمود بن غيلان، قوله [ولا يصح] يعني (٣) أن ذكر أبي موسى في رواية سفيان لا يصح، وإن كانت الرواية الصحيحة هو هذه فقط. قوله [ومما يدل على ذلك أي السماع في مجلس واحد] ووجه الاستدلال بذلك أن السماع لما كان في مجلس واحد علم أن غلطهما غلط واحد من أبي إسحاق ولو سمعا مختلفين في مجلسين لكان يستبعد أن يغلط أبو إسحاق مرتين، قوله [ما فاتني الذي فاتني إلخ] هذا يحتمل معنيين أي لم يترك حديث سفيان إلا وقت اتكالي على إسرائيل أو بسبب (٤) اتكالي عليه، أو المعنى ما فاتني شيء كما فاتني حديث سفيان،
стр. 703
فلم أدر هل هو متصل أم منقطع، وإذا اتصل فكيف وصله إلا حين اتكلت على إسرائيل إذ حينئذ ذهب الفوات وعلمت بما اتصل، وأنه متصل ولكنه لا يصح صحة المعنى، الثاني (١) لأنه يستلزم أن لا يكون عبد الرحمن روى هذا الحديث عن سفيان مع أنه رواها عنه، قوله [وحديث عائشة] أراد بها الحديث الوارد بلفظ أيما امرأة نكحت إلخ، عبر بها للاختصار فإن معنى حديث عائشة هو أن النكاح لا يصح إلا بولي، قوله [قال يحى بن معين وسماع إسماعيل بن إبراهيم] هذه الجملة يعني بها قوله ثم لقيت الزهري فأنكره هي الجملة التي أنكر بها دون سماع الروايات في أنفسها، [ليس بذاك] أي صحيحًا معتدًا بها معتمدًا عليها، وإن أريد في معناه ليس بثابت معناه فإنهما في طبقة واحدة فلا بعد في روايته عنه وسماعه إلا هذه الجملة أي إن كان مراده إنكارًا لسماعه عنه في الروايات فغير مسلم، وإن أريد إنكار هذه الجملة فقط فمسلم، يعني لا يبعد أن يكون لم يسمع هذه الجملة، أما أنه لم يسمع عنه شيئًا من الروايات فبعيد مع أنه يلزم على إرادة سماع الرواية تكذيب ثقة، وهو إسماعيل فإنه مصرح بقوله: قال ابن جريج وعلى هذا فما في قوله [ما سمع من ابن جريج] موصولة (٢) مفعول لقوله قبل صحح كتبه ويدل عن كتبه.
стр. 704
[باب لا نكاح إلا ببنية]
قوله [البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة] هذا الإسناد مصرح بجواز نكاحها بغير ولي، فإن وجه كونهن بغايا هو النكاح بغير بينة لا النكاح بغير ولي وإلا لزم إلغاء قوله بغير بينة، قوله [إلا أن قومًا من المتأخرين] وهو (١) مالك وأصحابه فإنه لم يشترط إلا الإعلان (٢) فلا
стр. 705
ضرورة عنده إلى الإشهاد على الإيجاب والقبول إذا أعلنوا أنا نكحنا ولم يجز عندنا إذا أعلن بعده، ولم يشهد عليه والمراد عليه والمراد بقوله أشهد واحد بعد واحد هو الإعلان كما نسبه إليه أولاً وليس المراد إشهاد شاهدين متعاقبا لأن مذهبه هو الأول. قوله [وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم فيما حكى] بلفظ المعلوم [عن أهل المدينة] يعني حكى مذهبهم على ما قررنا من قبل وفيهم مالك، قوله [قال عبثر ففسرها سفيان] هذا مجرد إعلام لها لا تعيين فاكتفى على ما يحصل به الإشارة إلى الآيات ولم يستوف الآيات والسنة تلاوتها بتمامها. قوله [لأن إسرائيل] وهو في أبي إسحاق ما أنت تعلمه فجمعه يدل أنهما صحيحان.
[باب استيمار البكر والثيب]
قوله [لا تنكح الثيب إلخ وقوله الأيم أحق بنفسها إلخ] هذان يؤيدان ما قالت به الحنفية ولذلك تكلم عليهما فقال ليس في هذا الحديث ما احتجوا به لأن ابن عباس راوي الحديث أفتى على خلافه فعلم أن ليس معناه إلا أن نكاحها يقبل الفسخ إن كان بغير رضاها لا أنه لا يجوز من أصله قلنا كما أن الزواج من غير رضاها لا ينفذ عليها كذلك من غير رضى الولي يصح ولا ينفذ إذا كان فيه إبطال لحقه، والحاصل أن لكل منهما حقًا في ذلك فلا ينفذ تصرف أحدهما في حق الآخر بل يتوقف على إجازته غاية الأمر أن حق المرأة في نفسها أقوى من حق الولي فيها فتكون قادرة على منع النكاح رأسًا إذ لم يفد النكاح شيئًا إذا لم يحصل به التصرف على نفسها ولا كذلك في الولي فإنه يطالب بما فات من حقه من نقص المهر أو عدم الكفاءة ولا يتوقف على رضاه صحة النكاح وتصرف الزوج على نفس المرأة لأن ذلك تصرف في خالص حقها فيتوقف على إجازتها لا إجازته، نعم إذا لم يمكن إيفاء حق الولي بأن لم يوف الرجل مهر مثلها، أو لم يكن كفوًا حكم بالفسخ لذلك لا لأن المرأة كانت مفتقرة في إثبات تصرف الزوج على
стр. 706
نفسها إلى إجازته وإذنه، قوله [وقد قالت عائشة إلخ] ليس معنى قولها ما فهمه هؤلاء إنما معنى كونها امرأة أنه تستعمل استعمال النساء وتغني غناءهن.
[باب في الوليين يزوجان]
قوله [فهي للأول منهما] وهذا إذا كان الوليان قريبين أو يكون الأقرب غائبًا غيبة منقطعة وإلا فهو للأقرب منهما.
[باب في نكاح العبد]
بغير إذن سيده، قوله [أيما عبد تزوج بغير إذن سيده إلخ] والنكاح عندنا (١) متوقف وتسميته عاهرًا باعتبار وقوع وطياته في محل مشتبه أمره بين الفسخ والبقاء، وإلا فهو في حكم الفضولي، وقد ثبت أن تزويج الفضولي (٢) فكان كذلك ههنا.
[باب في مهور النساء]
قوله [تزوجت على نعلين] لعلهما (٣) كانتا ثمينتين أو كان المعجل من المهر ذلك لا أنه كل المهر لئلا يعارض كلية قوله ﵇ لا مهر أقل من عشرة دراهم رواه البيهقي (٤) وتكلم في داود وجوابه أن داود أخذ منه سفيان وشعبة فلا وجه للتكلم فيه، وقوله أرضيت من نفسك ومالك
стр. 707
بنعلين المراد بمالها ما كانت تملكه بدلاً عن بضعتها، والمراد بالنفس هي بذاتها فالمعنى أقنعت أن تمليكه نفسك ومهرك المقدر لك ورضيت عنهما بنعلين، أو يكون ذلك إشارة إلى ما أمرهن النبي ﷺ أمر استحباب لا إيجاب أن لا يتصرفن في خالص أموالهن أيضًا، إلا بعد شورى من الأزواج واستيمار منهم فإنه لما جاز التصرف له في مالها وإن لم يكن إلا بعد إجازتها والعادة إذنهن للأزواج في التصرف فكأنه عبر بذلك اللفظ عن هذا، قوله [قالت نعم فأجازه] وإنما لم يذكر ههنا المؤجل (١) لأن الرغبة وفرط الاعتداد بالناجز دون النسية، قوله [فقالت إني وهبت نفسي لك] اختلفوا في قوله تعالى ﴿مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أن الخلوص للنبي ﵊ في أي شيء هو فقال الشافعي ﵀ الخصوصية في انعقاد النكاح بلفظ الهبة، وقال الإمام إنما هو انعقاد النكاح بغير المهر.
قوله [فقال هل عندك من شيء تصدقها] لفظة عند الدالة على وجود في ملكه الآن مع قوله تصدقها أي تعطيه في صداقها يدل على أن الكلام في المهر المعجل لا مطلقة وإلا (٢) فكيف يصح النفي بقوله ما عندي إلا إزاري، إذ كان له حينئذ أن يجيب بأني أحصل يا رسول الله مالاً وأيضًا لا يصح السؤال من كون الشيء عنده بالفعل رأسًا وكذلك قوله ﵊ إزارك إن أعطيتها جلست ولا
стр. 708
إزار لك مصرح على أن الكلام في المعجل، لأنه لو لم يكن كذلك فظاهر أنه لا يلزم إعطاء الإزار بالفعل وفيه أنه إذا تعلق بها حق المرأة ليس لها استعماله فلذلك قال النبي ﷺ جلست ولا إزار لك لا لأن الأداء إلى المرأة المهر يجب على الرجل بالفعل فليسأل، والجواب أنه لا يتعلق حق المرأة بها ما لم يؤتها الإزار أو يعينها لها فإن المهر واجب شرعًا على ذمته، وليس له مزيد اختصاص بإزاره حتى يكون حقها متعلقًا به فيمنع عن استعماله والتصرف فيه، قوله [فالتمس شيئًا] هذا أيضًا قرينة على كون الكلام في المهر المعجل.
قوله [التمس ولو خاتمًا من حديد] استدل الشافعي بذلك على جواز التختم بالحديد وعلى جواز المهر أقل من عشرة دراهم إذ لا يبلغ خاتم الحديد عشرة دراهم والجواب عن التختم فإن خاتم الحديد مكروه عندنا أن حرمته لشبه بعبدة الأصنام فلو ذهبه أو فضضه (١) جاز فجاز أن يكون موجودًا في البيوت ويجوز أن يستصنع إلا أن لبسه لا يجوز إلا بعد ذلك فلا يتمشى الاستدلال، قوله [هل معك من القرآن شيء] كأنه رغب المرأة أن تعفو عنه ما لها من المهر المعجل. وتقنع بما سيؤتيها إذا يسره الله له ثم ما قال، [زوجنكما بما معك من القرآن] فالباء فيه للسببية وليست للعوض والمقابلة إذ كيف يصح المقابلة بما معك والحال أن كونه معه ليس شيئًا يعوض به وتقدير المضاف خلاف الظاهر حتى يقال إنه قال زوجنكها لتعليم (٢) ما معك من القرآن ثم إنهم اختلفوا فيما بينهم على جواز
стр. 709
أخذ الأجر على تعليم القرآن وعدم جوازه فجوزه الشافعية ومنعه الحنفية واحتج المانعون بقوله ﷺ (١) اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على الآذان أجرًا وبأنه طاعة فلا يصح أخذ الأجرة عليه أو واجب (٢) وهذا إذا كان محتاجًا إليه في صحة الصلاة ولا يصح الأجرة على ما وجب عليه عينًا وحجة المجوزين ما ورد من رواية في أن نفرًا من الصحابة نزلوا على قوم واستضافوهم فلم يضيفوهم فكان من أمرهم أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة حين لدغ سيدهم، وأنت تعلم ما في هذا الاستدلال من بون بعيد بين الأصل والفرع فإن الرقية بالفاتحة ليس داخلاً في شيء مما ذكر والقوم كانوا أهل فاقة، وأولئك لم يضيفوهم فكان لهم أن يأخذوا منهم كيف شاؤوا.
стр. 710
قوله [وقد ذهب الشافعي إلى هذا الحديث] وأنت تعلم أنه لم يذهب إلى هذا الحديث بل إلى ما فهمه من ظاهر ألفاظه كيف ومقتضى الحديث أن لا يقدر التعليم، قوله [من ثنتى عشرة أوقية] من عادتهم ترك الكسر فلا ينافي رواية ثنتي عشرة ونصف، ودراهمه خمس مأة، قوله [أعتق صفية] وكانت (١) من بني هارون وكان أبوها وعمها عالمين، [وجعل عتقها (٢) صداقها] هذا مجرد تطييب لقلبها أو هو حكم على الظاهر إذ كان للنبي ﷺ أن ينكح أي امرأة شاء من غير مهر فإنه لما لم يؤتها شيئًا وظن الراوي أن النكاح لا ينفك عن المهر فظن أنه أمهرها عتقها.
[والقول الأول أصح] لموافقته ظاهر الحديث، قلنا هذا يوافق باطنه، قوله [ثلاثة يعطون أجرهم مرتين] الظاهر أنهم يعطون أجرهم مرتين على مجموع الصنيع المذكور ههنا، وعلى هذا فقال بعضهم في تأديبه وعتقه ونكاحه أن الأجر على الإعتاق والتزويج والتأديب حق مستحق عليه وقال الآخرون كلامًا غير هذا أيضًا، والحق أنه يعطى على كل فعله أجرين، وذلك لأنه لا منة في الأجرين على الفعلين مع أن المقام يقتضي بيان الفضل ليرغب فيه، ولأن تكرار الأجر على تكرار
стр. 711
الفعل ليس له اختصاص بهؤلاء الثلاثة فللعبد الذي أدى حق الله وحق مولاه أربعة أجور اثنان على تأدية حقوق المولى واثنان على تأدية حقوقه تعالى وعلى هذا فالحق في الإعتاق وأخويه ستة أجور على كل صنيعه أجران، والوجه في تكرير الأجر في هذه الأفعال ما فيها من التزاحم فإن حقوق المولى يمنع أداءها إتيان حقوقه تعالى على وجهها وبالعكس فإتمامه حقوقهما معًا بحيث لم يخل بشيء منهما يوجب زيادة الأجر وكذلك تأديبها مخل بخدمته وكذلك الإعتاق بل في الإخلال بالخدمة فوق التأديب والتزويج عار عليه والإيمان بالكتاب الأول ترك لأهوائه وحفظ (١) الكتاب من التحريف غير سهل أيضًا يعني كما أن الإيمان بالكتاب (٢) الثاني بترك ما ألفه الكتاب الأول وأحكامه والعمل بما فيه ليس بسهل أيضًا بل ذلك أشد من الأول مع ما يلحقه في ذلك من المطاعن وغيرها والمشقة في تعلمه وفهمه وحفظه وتقييد الجارية بالوضيئة لما يعسر عليه إعتاقها لوضائتها، وقد تعلمت أيضا فغلا ثمنها ولما ذكر في الثالث ثلاثة أفعال، والمقام مقتض ذكر اثنين (٣) فقط،
стр. 712
ليصح ترتب التكرار بتكرر الفعل احتيج إلى تعيين الفعلين من هذه الثلاثة، فقالوا النكاح حظه لنفسه، وموجب الأجرين العتق والتأديب، وقيل التأديب واجب عليه فلم يبق الموجب للأجرين إلا الباقيان، وفي كلا التوجيهين نظر، وهو إن إخلاء (١) النكاح، وكذا التأديب وإن كان واجبًا لا يعقل فإن الأجر في أكثر الواجبات أكثر منه في النوافل والفضل في النكاح مشهور، والبعض منهم جعل الإعتاق والتزوج واحدًا كما أن التأديب وإحسان التأديب واحد، وهذا أبعد من الأولين وذلك لأن العتق والنكاح ليس أحدهما من لوازم الآخر، فكيف يعدان واحدًا مع أن الوعد بتكرار الأجر ينبئ عن كثرة الامتنان وليس في التكرار كثير منه على مثل هذين الفعلين اللذين ليس كل منهما خاليًا عن مشقة وعليها يدور كثرة الأجر في مواضع فالصواب أن يعد كل من الأفعال (٢) المذكورة ههنا من الإيمان بالكتاب الأول، ثم بالكتاب الثاني، والتأديب والعتق والتزويج وأداء حق الله وحق مواليه كل منها يعد فعلاً برأسه، وأما ما قيل في توجيه جعل الأفعال الثلاثة المذكورة ثاني اثنين بأن التأديب والإعتاق واحد والتزوج واحد فليس بسديد أيضًا لما ذكرنا من عدم العلاقة بينها وكذلك ما قيل من أن الأجر إنما هو على العتق والنكاح، وأما التأديب فإنه لأجل نفسه فإن أدبها يفيده في معيشته قلنا فكذلك النكاح مفيد له في معيشته فإن قلتم إن المراد به أن يؤتي الأجر على النكاح
стр. 713
إذا كان لوجه الله قلنا فكذلك التأديب لا شيء عليه إذا كان لأجل حظ نفسه ويثني الأجر عليه إذا كان لوجهه ﵎ هذا ما يخطر بالبال الكثير البلبال، والله المتعال أعلم بحقيقة الحال.
[باب في المحل والمحلل (١) له] قوله [وعن الحارث إلخ] يعني أن عامر الشعبي يأخذ بسندين عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ وعن الحارث عن علي عن النبي ﷺ ، قوله [لعن المحل والمحلل له] هذا ظاهر أن الزوجة تحل للزوج الأول وإلا لم يصح إطلاق المحل والمحلل له عليهما ولا حل من غير أن يصح الازدواج ثم استثنى الإمام منه ما تزوج الرجل ليحلها لوجه الله تعالى خالصًا لا لغرض قضاء الشهوة أيامًا معدودة إذ قد يضطر الرجل إلى امرأة معينة لحوائج
стр. 714
ومصالح لا تكاد توجد في غيرها ووجه اللعن (١) ما فيه من الوقاحة، ولما انتفت وآل الأمر إلى إعانة مسلم أرجو أن يخلص من اللعن، قوله [حديث على وجابر حديث معلول] ليس المراد بذلك هو الحديث المتقدم بإسناده المتقدم وذلك لأن المؤلف حكم عليه بالصحة حيث قال: وهو أصح، بل المراد بذلك أن الحديث المشهور بينهم بلفظ حديث علي وجابر معلول (٢) بالسند الذي سيأتي ذكره بقوله، وروى عبد الله بن نمير هذا الحديث عن مجالد عن عامر عن جابر بن عبد الله عن علي وأنت تعلم ما فيه من الوهم فإنه جعل جابرًا آخذًا عن علي مع أنه ليس كذلك فإن رواية الصحابي عن مثله وإن كانت كثيرة إلا أن جابرًا ههنا رواها من غير واسطة أحد من الصحابة، قوله [ينبغي أن يرمي بهذا الباب من قول أصحاب الرأي] لفظة من زائدة، وهو مفعول لقوله يرمي وهذا إشارة إلى الذي (٣) أسلفنا، قوله [حتى يتزوجها بنكاح جديد] لأن النكاح الذي نوى به
стр. 715
[باب في نكاح المتعة (١)] قوله [نهى عن متعة النساء إلخ] اختلفت فيه الروايات جدًا فيعلم من بعضها حرمة المتعة زمن خيبر ومن بعضها يوم فتح مكة ومن بعضها في غزوة أوطاس إلى غير ذلك، وأيضًا ففي بعضها تصريح
стр. 716
بأنا تمتعنا في فتح مكة، وجملة الأمر في جمعها أنها حرمت زمن خيبر حرمة (١) الخمر والخنزير أي جوزت إذا اضطر إليها وبذلك أباح لهم العمل بها لما رأى اضطرارهم إلى النساء زمن مكة فمتعوا فيها وذكر أوطاس وغيره مجاز لكون السفر واحدًا ثم حرمها بعد ثلاث إلى يوم القيامة إلا أن الحرمة لم تبلغ بعضهم فتمتعوا بعد فتح مكة أيضًا، ثم لما أخبر به النبي ﷺ أعلن بحرمتها ففهم الراوي أنها تحريم مبتدأ، ثم أعلن يوم حجة الوداع لهذا الإبلاغ والإشاعة لا غير فاجتمعت الروايات وبالله التوفيق.
قوله [عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي إلخ] ومحمد هو ابن الحنفية وكان أعطاها أبو بكر حين غزى زمن خلافته، وفي وطى على إياها دلالة على قبوله خلافة أبي بكر وإلا لزم (٢) أن يبقى زانيًا مدة عمر والعياذ بالله إذ لم يصح على عدمه جهاده ولا الغنيمة حتى يصح تقسيمها بينهم.
قوله [حتى إذا نزلت الآية ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فيه إشكال لأن هذه اللفظة وردت في سورة المعارج (٣) وهي مكية، فأما أن
стр. 717
يثبت استثناء الآية عن كونها مكية ولم يثبت بعد أو يتكلف في الجواب بأنها لم تعمل عليها في حق هذا الجزئي خاصة وحاصل الجواب أن النبي ﷺ حين نزلت الآية لم يظن المتعة داخلة في الحرمة بل ظن دخولها في إفراد قوله تعالى ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ ثم لما علم ذلك بالوحي أو من نفسه أعلن بحرمتها ولا يبعد أن لا يستوفي أول النظر في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ جملة إفراده بل يبقى بعضها خارجًا ثم لما علم الدخول حكم بكونه منه.
[باب النهي عن نكاح الشغار (١)] قوله [من انتهب نهبة فليس منا] لا يخفى مناسبته بالجمل الثلاث السابقة فإن أخذ المال بغير الوجوب، كما في الجلب والجنب في الخيل طرف من النهب، وكذلك شق النفوس كما في جلب الزكاة وجنبها مع ما فيه من احتمال أن لا يذهب المصدق هناك فيسلم له ماله قسم منه وفي الشغار يبقى حق المرأة على الزوجين أو على أولياء المرأتين إذا رضوا بتركه ونفره فكان نهبًا. قوله: [ويجعل لهما صداق المثل وهو أهل الكوفة] ولعل الحق ما قالوا فإن
стр. 718
نكاح الشغار على ما فسره (١) لا يتحقق حينئذ فكيف يجترئ على إبطاله وكأن الذاهبين إلى فسخه رأوا بقاء بعض ذاتيات الشغار مرئي بقاء جميعها فقالوا ما قالوا وهذا يبطل كثيرًا من الأحكام.
[باب لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها]
قوله [نهى أن يتزوج المراة على عمتها] والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ فإن معللية الأحكام توجب النظر في التحريم ما علته فعلم أنها ما يوجه الرقابة من القطعية (٢).
[باب في الشرط عند عقدة النكاح]
قوله [إن أحق الشروط أن يوفى بها] ظاهر أن الشروط يوفى بها ما لم يقع منافية لعقد الزوجية، فأما إذا شرط ما ينافيه، كما إذا شرط لها أن لا يخرجها من بيتها فهذا ينافي عقدة الزواج، كما قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ فلا يجب عليه وفاؤه فإنه قلب الموضوع، والحاصل (٣)
стр. 719
أن الشروط ثلاثة أصناف ما يوجبه الزواج من غير اشتراط كالنفقة لها والسكنى فهذا يجب الإيفاء به، وإن لم يشترط وما ينافي كتاب الله ونص رسوله فهذه لا يجوز العمل بها وإن اشترط وما ليس من القسمين فهي مباحة إتيانها وتركها فهذه يجب الإيفاء بها إذا اشترط وإن لم يشترط لا، بقى ههنا شيء وهو أن النبي ﷺ كيف حكم على شروط النكاح بالأحقية إذ لا يظهر بينه وبين سائر العقود وجه فرق والجواب أن المقصود الأصلي من خلقه الأكوان إنما هو الإنسان كيف وهو خليفة الله في الأرضين وهو الذي تحمل أعباء أمانات رب العالمين وسائر ما سواه فإنما هو مخلوق لأجله ليستعين به في تكميل علمه وعمله فكان ورود الملك عليه نفسه منافيًا لخلافته بمنعه النظر إلى كماله وشرافته، وإنما جوز إما جزاء له على قبيع ما ارتكب أو ضرورة إبقاء النسل والعقب، وأما سائر العقود فليست ترد إلا على الأموال وهي مبذولة مرذولة فكان المرعى له الاحتياط هو النكاح لا غير وإيراد تملك العبيد ساقط، فإنهم لا يباعون إلا إذا نظر إلى ماليتهم وقطع النظر من أنهم أناس.
[باب في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة]
قوله [أن يتخير منهن أربعًا] ومعنى التخيير (١) عندنا والله أعلم تخيير القديمات منهن لا التي يعجبنه، فإن
стр. 720
النكاح عندنا لم يصح إذا نكح خامستهن لكن لما لم يكن لنا عليه يد وولاية إلزام لقوله ﵇ دعهم وما يدينون أمسكنا عنه فإذا ثبت الالتزام وجب إجراء الأحكام أو كان المقصود تخيير من أسلمت منهن ولم تاب لأن إباءها منه فرقة أو يكون نكاحهن (١) معًا فيتخير أربعًا [فقال له عمر، إلخ] إنما أمر بالرجوع لما ثبت عنده طلاقه إياهن من غير موجب ولا خفاء أن الطلاق من أبغض المباحات لا يصار إليه إلا عند اضطرار إليه.
[باب في الرجل يسلم وعنده أختان]
قوله [اختر أيتهما شئت] كأنه نكحهما (٢) معًا أو أيتهما تزوجته قبل أو أيتهما أسلمت قبل الإباء، فأما من أبت أن تسلم فقد وقعت الفرقة بينها وبينه، فلا يمكنه تخييرهن، قوله [حبان بن هلال] وكله (٣) بفتح الحاء إلا ابن هلال وابن يسار.
стр. 721
[باب في كراهة مهر البغي]
قوله [نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب (١)] وهذا التحريم كان إذا أمر بقتل الكلاب وحرم الانتفاع بها فإذا استثنى كلب الماشية والصيد وغيره جاز بيعه، قوله [ومهر البغي (٢)] وفي ذلك إشكال على الحنفية، فقد قال في المستصفى وحاشية الجلبي وغيرهما بجوازه واعترض عليه قوم بأنه يخالف الرواية بما لا خفاء فيه فلا يقبل وأنت تعلم أن الذي يرده الرواية ما إذا وقع العقد على الزنا فإن الإمر إذا نيط على مشتق كان المبدأ علة له، ولا يمكن أن يجترئ أحد على القول بأن المرأة إذا كانت تزني فكل ما حصلته من الأجرة
стр. 722
على أي عمل كان فهو حرام فليس معنى الحديث إلا الحكم بالحرمة على ما تأخذه (١) الزانية على نفس ارتكاب الزنا ولا شك في حرمته ولا قائل بكونه طيبًا والذي حكم صاحب المستصفى وغيره بحلته إنما هو المأخوذ على غير الزنا من سائر الأمور وصورته أن يستأجرها على الخبز مثلاً ويشترط مع ذلك أن يزني معها فالأجرة المأخوذة عليه مختلف فيها حلله الإمام نظرًا إلى صحة العقد أصالة والفساد بعارض الشرط فلا يؤثر في تحريم ما أخذه أجرة على أصل العمل المعقود عليه وهو الخبز فيما نحن فيه، والصاحبان ذهبا إلى حرمته نظرًا إلى الفساد، وإن كان غير داخل في صلب العقد، ثم الواجب في مثل ذلك عند الفريقين أجر المثل لفساد الإجارة فلا يجب المسمى والفرق أن أجر المثل الحاصل على الخبز حلال عند الإمام حرام عندهما فمعنى (٢) قول المستصفى إن كان بأجرة صح وإلا لا، أن الزناء إذا كان هو
стр. 723
المعقود عليه بنفسه لم تصح الإجارة وكانت باطلة ولا يتناول لفظ الإجارة الباطل منها فلا يمكن أن يراد بقوله إن كان بأجرة هو الاستيجار على أصل فعل الزنا فلم يبق في متناول اللفظ إلا الإجارة الصحيحة والفاسدة وكلاهما يمكن إرادته ههنا فإن أريد بقوله: إن كان بأجرة هي الصحيحة منها كان المعنى أنه إذا استأجرها على شيء من العمل إجارة صحيحة ثم زنى بها لا تكون الأجرة حرامًا لأنها لم تأخذ على الحرام الذي ارتكبته غير أن هذه الصورة لا تصلح للخلاف الواقع بينه وبينهما فلم يبق إلا إرادة الإجارة الفاسدة التي لا يجب فيها المسمى بل الواجب فيه أجر المثل كما ذكرنا قريبًا والله أعلم، قوله [وحلوان (١) الكاهن] هو ما يأخذ الكاهن على كهانته وأصله الشيء الحالي ثم استعمل في كل ما يأخذه حلوًا أولاً
стр. 724
والوجه في حرمته كونه مأخوذًا على تعزيز أو معصية وفي حكمه كل ما أخذ على معصية نعم يطيب المأخوذ على النقوش والتعاويذ والرق الصحيحة، والله أعلم.
[باب لا يخطب على خطبة أخيه]
قوله [لم يشر عليها] هذا ظن منه رضي الله تعالى عنه والذ يقتضيه صحيح النظر أن الإشارة في مثل ذلك لو وقعت بعد الركون لم تك ممنوعة أيضًا إذ المحظور إيثار ذاته على غيره لا الإشارة عليها بمن هو أنفع لها عمن ركنت إليه فإن هذه الإشارة عين النصيحة، وقد أمرنا بها في غير موضع نعم إذا ركنت إلى أحد الخطاب لم يجز لآخر أن يخطبها لنفسه فتدبر، قوله [عشرة أقفزة] والقفيز مكيال يسع صاعًا ونصفًا وله معان أخر أيضًا، وقوله [أن بيت أم شريك، إلخ] فقد كانت مضيافة.
[باب في العزل]
قوله [فقال كذبت اليهود] فعلم أن العزل ليس بحرام كما كانت تزعمه اليهود، وإنما هو مكروه كما بين في الحديث الآتي [إن الله إذا أراد أن يخلقه لم يمنعه] فاعله العزل المذكور من قبل أو الشيء المنكر وليس فاعله الضمير المستتر فيه العائد إلى الله، ثم قد يتوهم أن فيه قطعًا للذرائع والأسباب لإناطة الأمر على المشية مع أن الأمر لو كان كذلك لكان الوأد الحقيقي غير موجب للملام أيضًا والجواب أن فيه اختصارًا وإيجازًا اتكالاً على فطانة المخاطبين وهم ما هم (١) والحاصل أن الأمر إن كان موكولاً إلى الأسباب فالسبب الظاهر بالتوالد موجود وهو الإيلاج ومظنة الإنزال غير منفية فإن الذي ينشأ ثمة من التلذذ وفرط الشغف لا يكاد يتركه ينفصل عنها إلا وقد تقاطر شيء منه في رحمها وإن أريد النظر إلى السبب الحقيقي لا يتخلف عنه شيء بعد إرادته فهو أبعد من
стр. 725
أن يتوقف فعله على شيء من العلل والأسباب، قوله [ولم يقل لا يفعل، إلخ] يعني إنه لو قال ذلك لكان نفيًا ونسخًا، وإنما قال لم يفعل بالاستفهام فكأنه لم يرض به ورآه غير مفيد وترك الأولى.
[باب القسمة للبكر والثيب]
قوله [ثم قسم بينهما بالعدل] الرواية غير صريحة في إخراج هذه الأيام من القسم فلابد له من دليل يعني أن هذا الذي ذهبوا إليه ليس لهم حجة عليه فالصحيح أن تعتبر هذه المدة في القسم.
[باب في الزوجين المشركين يسلم أحدهما]
هذا يشمل ما إذا بقى بعد الإسلام في دار الكفر ولم ينتقل إلى دار الإسلام وما إذا هاجر أحد الزوجين بعد الإسلام فعندنا لا يفرق بينهما من غير تبائن الدارين وهو الثابت بالحديث، وأما إذا سلم وبقى هناك فلا يقع التفريق بنفس الإسلام ما لم يصدر أمر ينسب (١) إليه التفريق كالآباء فإن الإسلام جامع لا مفرق ثم اعلم أن أبا العاص سبى يوم بدر فلما تقرر الأمر على أخذ الفدية من الإسراء وتركهم بعد ذلك بعث كل قريب فدية لصاحبه من مكة وبعثت زينب بنت رسول الله ﷺ فدية زوجها وفيها قلادة لها كانت في جهازها، فلما رآها النبي ﷺ تذكر خديجة وما صنعت بالنبي ﷺ فأراد أن يترك أبا العاص ويرد فديته إن ترضي الناس بذلك فترضوا فترك أبا العاص وعاهد عليه أن يرسل إليه ابنته فعهد فأرسل ﷺ إليه زيد بن حارثة ورجلاً،
стр. 726
وكان زيد بن حارثة عما لها رضاعيًا وقيل أخًا للرضاع فأرسلها أبو العاص معهما فقيض أبو العاص أخاه كنانة ليوصلها إليهما فلم علم بذلك عكرمة (١) إلى فطعن في بطنها بسنان فسقطت عن الهودج فأسقطت وله الصدمة الضرب، ولذلك أهدر النبي ﷺ دمه يوم فتح مكة والطعن إنما كان بعودها لا بحنيدتها فلم يكن هناك جرح ويقال إنه أفزعها وراعها بإشارة السنان فسقطت، فلما سمع بذلك عكرمة فركب سفينة، فلما أدركها الغرق قال السفان (٢) أدعوا الله ولا تدعوا غيره من الآلهة فوقع في قلب عكرمة أن الآلهة التي لا تغني عنا في البحر لا تغني أيضًا في البر فالله الذي هو كاشف ضر البحر هو الإله الحق في الملك كله فآمن فعفا عنه ﷺ وما ذكرنا من القصة (٣) هي المشار إليها بقوله ﷺ في بعض الروايات حيث ذكر أبا العاص فقال وعد فوفى.
قوله [وهي (٤) في العدة] هذا متفق عليه أن الزوج أحق بها ما دامت
стр. 727
في العدة، وإنما الاختلاف في ابتداء العدة من أي حين هو فقلنا من وقت الانتقال إلى دار الإسلام أو الإنكار بعد العرض، وقالت الشافعية بل بعد الإسلام فحسب ولا يفتقر إلى شيء غير ذلك.
قوله [بالنكاح (١) الأول] أي بسببه وبحرمته لما رأى من حسن معاملة أبي العاص معها ولم يحدث نكاحًا مع غيره في انتظاره ولعله علم إسلامه قبل إسلامه بالوحي أو بقراين فانتظر ست سنين ولم يحدث نكاحًا لها بغيره فاجتمعت الرواية بالرواية السابقة وهذا وإن كان لا يتبادر إلى الذهن إلا أنه يحتمله العبارة من غير شك فوجب حملها عليه فرارًا عن إلغاء الحديث، واتهام الرواة ليس بأسهل من توجيه العبارة، قوله [وجه الحديث] وقد عرفته (٢).
стр. 728
قوله [وحديث الحجاج عن، إلخ] عطف على قوله هذا الحديث (١) فهو مفعول لقوله يذكر فكأن يزيد بن هارون لما ذكر الحديثين بين أن أحدهما أجود إسنادًا، والثاني معمول به.
[باب الرجل يتزوج فيموت قبل أن يفرض]
قوله [ففرح بها ابن مسعود] لما ظهر له من موافقة اجتهاده بمقال النبي ﷺ ، ثم إن قول ابن مسعود (٢) هذا مبني على مقدمتين تلقتهما الفقهاء بالقبول، أحدهما أن الموت منه للشيء ويتفرع على كون الموت منهيًا أن المشتري بشرط الخيار إذا مات العبد لم يبق له خيار، والثاني أن ابتغاء البضع لا يخلو عن لصوق المال سواء كان من جهة العاقدين أو من جهة الشرع فأجمعوا على أن الواجب فيما لم يذكروا شيئًا من المهر أو نفياه إنما هو مهر المثل.
[أبواب الرضاع (٣)] قوله [إن الله حرم من الرضاع ما حرم من
стр. 729
النسب، إلخ] يعني أن الرضاع مؤثر حيث يؤثر النسب فحيثما وجد الرضاع ينظر لو كان هناك نسب هل حرم أو لا، فإن كان محرمًا كان الرضاع محرمًا وإلا فلا والمؤثر من اختلاط الرضاع ما كان مؤثرًا من اختلاط النسب وحيث لا يؤثر اختلاط النسب بأن لا يكون هناك اختلاط فيه لا يكون اختلاط بالرضاع أيضًا، وبعد ذلك لا يحتاج إلى استثناء صور (١) أخرجتها الفقهاء فإنها خارجة من أول الأمر ثم الاستثناء في قولهم حيث قالوا يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (٢) إلا فلان وفلان، وإما أن يكون منقطعًا، أو هو مبني على ظاهر ما يفهم من هذه العبارة.
[باب في لين الفحل]
قوله [إنما أرضعتني المرأة، إلخ] ظنت أن اللبن لما كان في المرأة فالتعلق والجزئية بها وبمن كان منها كأبنائها وآبائها وأخوتها وعمومتها، فأما زوجها فليس له دخل فيه حتى تتعدى الحرمة إلى آبائه وأبنائه، فلما كان كذلك كان أخو زوج المرضعة أجنبيًا كزوجها، والعم ههنا على حقيقته لا كما في المحشى (٣) ولعله حمل المرأة على أنها امرأة هذا الرجل بعينه فنؤهم ماتؤهم
стр. 730
لأجل ذلك، قوله [كرهوا لبن الفحل] أي جعلوه (١) سبب الحرمة، قوله [وهذا تفسير لبن الفحل] وإضافته إلى الفحل من إضافة الشيء إلى سببه، وإنما احتيج إلى تفسيره دفعًا لما يتبادر إلى الذهن من لبن الفحل أنه اللبن الذي يتنزل في تندوة الرجل مع أنه ليس بمراد لأنه ليس لبنًا حقيقة.
قوله [لا تحرم المصة ولا المصتان (٢)] قد كان نزل في أول الأمر وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم عشر رضعات معلومات ثم نسخ بقوله تعالى خمس رضعات وحينئذٍ قال النبي لا تحرم المصة ولا المصتان ثم نسخ ذلك بإطلاق
стр. 731
قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ إلا أن هذا النسخ الثاني لم يبلغ عائشة ﵂ وكانت تعلم أن الأمر باق على ذلك، ولذلك قالت: توفي النبي ﷺ والأمر (١) على ذلك والدليل على مقالتنا القراءات المشهورة المتواترة المنسوبة إلى القراء السبعة إذ لو كان الأمر عند وفاته ﷺ على ذلك لكانت القراءة كذلك والقول بأن المنسوخ لعله اللفظ دون الحكم مجرد احتمال لابد له من دليل. قوله [وهو غير محفوظ] أي وضع الزبير موضع عائشة وتعبيره بالزيادة مجاز والمراد التبديل.
[باب في شهادة المرأة الواحدة (٢) في الرضاع] فقال [أي عبد الله] ابن أبي مليكة [وسمعته من عقبة] أيضًا من غير توسط عبيد بن أبي مريم، قوله [دعها عنك] فقيل كان احتياطًا، وقيل بل علم ذلك وحيًا وهذه شخصية
стр. 732
لا تعارض الكلية، قوله [قال الترمذي سمعت الجارود، إلخ] وأما ما قال (١) بعض الحنفية: إن شهادة المرأة الواحدة لا تقبل بعد النكاح وتقبل قبله لأن المنع أسهل من النقض فتفرقة غير مسندة إلى نقل مع أن الرواية مصرحة بقبول خبر الواحد بعد النكاح، والمعتبر عندنا هو العدد لغلبة حق العبد فيه.
[باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر]
قوله [في الثدي] أي في أيام الشرب منها وعلى هذا فقوله قبل الفطام تأكيدًا والمعنى شرب من الثدي دون (٢) أن يحلب في إناء فيشرب ويمكن أن يكون قبل الفطام احترازًا، فإن الفطام إذا تحقق بعد حول مثلاً واعتاد الصبي التغذي بغذاء آخر، فحينئذٍ لو شرب لبن امرأة لا يثبت (٣) الرضاع فالحاصل على هذا من ألفاظ الحديث أن الرضاع
стр. 733
ما فتق (١) الأمعاء أي صار غذاء وكان في أيام الثدي وقبل الفطام فلو كان الشرب في غير أيام الثدي، كما إذا شرب بعد الحولين لا يثبت حرمة الرضاع، وكذلك إذا شرب في أيام الشرب من الثدي أي في الحولين إلا أنه فطم قيل ذلك لا يثبت حرمة الرضاع والحاصل أن العبرة للتغذي قبل الفطام سواء كان الفطام في الحولين قبل تقضيهما أو بعدهما وهذه رواية الحسن عن الإمام والأصح المختار للفتوى تعلق التحريم بالرضاع ولو بعد الفطام إذا لم يكن بعد مدة الرضاع.
[باب ما يذهب مذمة (٢) الرضاع] قوله [غير محفوظ لزيادة (٣) لفظ
стр. 734
أبى في اسم حجاج، فالصحيح حجاج بن حجاج دون حجاج بن أبي حجاج، قوله [قيل هذه كانت أرضعت، إلخ] أي حين سأل بعضهم عن بعض عن سبب هذا الإكرام البالغ نهايته، وكان أهل مكة يؤتون أولادهم مراضيع من قبائل أخر لفرط الحرارة في مكة وليتخففوا عن مؤن التربية، قال أستاذ الأستاذ: لم يثبت (١) إسلامها بشيء من الروايات وإكرامه ﷺ لا يمكن الاحتجاج به عليه.
[باب الأمة تعتق ولها زوج]
قوله [قالت كان زوج بريرة عبدًا فخيرها النبي ﷺ ] اختلفت الروايات (٢) في ذلك فأخذ الإمام برواية الأسود لئلا يخالف
стр. 735
قوله ﵇ طلاق الأمة ثنتان من غير تفريق في أن يكون زوجها حرًا أو عبدًا مع أن قولها كان عبدًا يحتمل المجاز، فإنه كان عبدًا لا شك فيه ولو عمل بقولها وكان عبدًا لزم ترك العمل بقوله ﵇ طلاق الأمة ثنتان، وذلك لأنا لو لم تخيرها بالعتق لزم القول باعتبار الطلاقات بالرجال والرواية ناطقة بخلافه وأصل الخلاف بيننا وبين الشافعي اعتبار الطلاق بالنساء، فأنا لما اعتبرناه بها لزم القول بزيادة الملك عليها بإعتاقها، وهو لما لم يعتبره بها بل اعتبره بالرجال (١) لم يقل بثبوت الخيار لها إذ هي على ما كانت لم يتغير شيء من صفاتها، وإنما خيرها إذا كانت تحت عبد لئلا يلزمها عار بالاستفراش تحته، ثم قوله: ولو كان حرًا لم يخيرها اجتهاد محض من الصحابية أو من الرواة (٢) وليس علينا تسليمه، سيما
стр. 736
وقد يعارضه الحديث المرفوع وهو الذي ذكرنا من قوله ﵇ (١) طلاق الأمة تطليقتان مع أن العمل على حديث العبدية يفوت العمل بالحديث الآخر ولا عكس، قوله [يوم أعتقت بريرة هي] ككريمة والتأويل الذي أسلفنا لا يتمشى ههنا إذ هو مصرح بأنه كان عبدًا أسود يوم أعتقت فالجواب (٢) عنه أنه لم يبلغه خبر إعتاقه بعد، وأنت تعلم أن دعوى المجاز غير مردودة ههنا أيضًا، فإنه كان يوم أعتقت بريرة عبدًا باعتبار ما كان.
[باب الولد للفراش]
أي لصاحبه [وللعاهر الحجر] فقيل الحجر الحرمان وقيل: بل المراد الرجم، وما أورد أن بعض العاهرين ليس له رجم، فلا يصح هذا التأويل، فالجواب أن ذلك لعارض من فوات شرط أو قيام مانع والمراد بالفرش صاحبه سواء كان صاحب فراش قوي أو ضعيف إلا أن ينكره صاحب الفراش ويدعيه آخر فحينئذٍ لا يثبت نسبه عن صاحب الفراش أيضًا، وتفصيل الفراش القوي والمتوسط والضعيف وما يفتقر في انتفاء النسب من كل قسم من الثلاثة موكول إلى كتب الفقه فلا علينا أن نتركه.
[باب في الرجل يرى المرأة فتعجبه]
قوله [فدخل على زينب فقضى حاجته] وربما يختلج في القلوب أن النبي ﷺ مع عصمته وبلوغه أقصى درجات الكمال كيف وقع في قلبه ما يقع في نفس الرجال برؤية أجنبية، والجواب أنه لا ضير فيه إذا لم يشته ذلك المحل الحرام وقت كونه حرامًا والحرام إنما هو شهوة المحل بعينه وإن (٣)
стр. 737
كان في حين حرمته، وأما إذا اشتهى حصوله بعد الحل فلا، مع أن الشيء كثيرًا ما يحرك على شيء لا على نفسه فكان رؤيته ﷺ إياها حركته على قضاء حاجته واستفراغ فضالته لا معها حتى يلزم شيء من الإثم بل حيثما حل وطاب والروية لم تكن قصدًا أيضًا مع أن صنيعه ذلك إنما كان لتعليم الأمة.
[باب في حق الزوج]
قوله [لوكنت آمر أجدًا أن يسجد] واللفظ عام لسجود التحية والتعظيم فعلم نسخهما جميعًا [لأمرت المرأة] فيه إشارة إلى أن المرأة يجب عليها أن تطيع زوجها في كل ما يأمرها به إلا أن يكون حرامًا، قوله [وإن كانت على التتور (١)] خصها بعضهم بما إذا كانت تخبز خبز الزوج ولا حاجة إلى ذلك بل الغرض (٢) المسوق له الكلام وهو الائتمار وعدم التوقف في امتثال أمره في الشق الثاني أوفر وأتم فالمعنى أن الواجب عليها المسارعة إليه، وإن خافت نقصان مالها ومشقة جسمها، فإنها إذا ذهبت إليه واحترق خبزها فلعلها تبقى يومها جائعة أو تتكلف بإعداد الطعام مرة أخرى وفيه دلالة على
стр. 738
اختيار أيسر الإثمين إذا ابتلى بهما فإن إضاعة المال وعصيان الزوج ذنبان لا محالة ثم على تلك القاعدة يتفرع جمة من مسائل الفقه، قوله [أيما امرأة باتت] وفي بعض النسخ ماتت (١)، والثاني ظاهر وتأويل الأول أنها استحقت في ليلتها هذه دخول الجنة فكأنها دخلتها أو المعنى لو ماتت في ليلتها دخلتها.
[باب في حق المرأة]
قوله [أحسنهم خلقًا] الخلق معناه المعاملة بالخالق والمخلوق حسبما يرضى به الخالق وهو بهذا المعنى متضمن الشريعة بأسرها أو معناه معاملة المخلوق حسب رضاء الخالق، وهو دال على وجود الأول أيضا فإن المرأ يبعد أن يكون كذلك في أمور الخلق ويعكس الأمر في امتثال أوامره تعالى المتعلقة بخالص حقه والمراد ههنا الثاني لأنه أوفق بالقصة، وقوله [خياركم خياركم لنسائهم] لكونها في أسركم وذلك لأنه يدل على ما في طبيعته من الخير والصلاح حيث عامل الضعفاء بالعدل أما حسن المعاملة بالغالب على نفسه فليس فيه كثير فضل، وكذلك الحكم في كل ضعيف منك ذليل بين يديك والأصل أن نساء أهل الكتاب كانت حاديات على الرجال ونساء قريش لا تكاد تعامل بها القريش إلا معاملة الجمادات أو الحيوانات والإماء لا يعدون لهن (٢) مرتبة وكانت نساء الأنصار بين بين لاكتساب من نساء أهل الكتاب فجعل المهاجرون ينكرون عليها ما رأوا من تبدل
стр. 739
عاداتها في الإطاعة فرخص (١) النبي ﷺ في ضربهن فتعدوا في الضرب فشكت النساء ذلك منهم إليه فأمر النبي ﷺ بحسن المعاملة بها تعليمًا لهؤلاء الذين كانوا يعتدون عليها اعتداء لا يتصور فوقها من مزيد.
قوله [ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون (٢) دفع] لما عسى أن يتوهم من قوله لا يوطئن فرشكم أن إذنهن من دخول الرجال عليهن غير منهي عنه إذا لم يجلسوا على فرش أزواجهن نعم لها رخصة في تكلم محارمها وهم خارجون من بيتها إلا إذا تضمن مجرد الكلام مفسدة أو يكون الكلام من هذا القبيل، ثم قوله [وحقهن عليكم إلخ] بيان لما تختص من الحقوق لمزيد الاهتمام بها لأكل حق هو لها عليه.
[باب في كراهية إتيان النساء في أدبارهن]
قوله [وتكون في الماء قلة] إما أن يكون السائل أراد أن لا ينتقض الطهارة لما له من الضرورة، كما فسر (٣) المحشي أو الغرض أنه لما علم أن القسوة تخرج من محل النجاسة ثم إنها تنتشر بين إليتيه، فكأنه اشتهى وأحب أو ظن أن غسل ذلك الموضع الذي أصابته الرويحة
стр. 740
ضروري فدفعه النبي ﷺ مع تنبيه له على أن خروج الريح من ذلك المقام لما كان ملطخًا عندك بحيث ظننت أن ذلك توجب غسله فكيف بإتيان (١) النساء من هذا المقام.
[باب في كراهية خروج النساء في الزينة]
قوله [كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها] بإضافة الظلمة إلى يوم، ولا يبعد قطعها عن الإضافة بحمل التنكير على التعظيم والتهويل، فكأنها لما أبرزت ما كان حقها أن يخفى من زينتها ونفسها تجازي عليه يوم القيامة بأن تخفى غاية الإخفاء، ومعنى قوله ظلمة يوم القيامة الظلمات الشديدة المتراكمة، كما قال تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ وقوله: لا نور لها، هو على معناه أو يعني لا حجة ولا عذر ولا برهان لها في ذلك الخروج يسمع ويعتبر فتعذر بها. قوله [وغيرة الله، إلخ] وإنما احتيج إلى تفسيرها لأن الله تعالى متعال عن أن يتأثر بشيء والغيرة هي التأثر فأريد بها ههنا معناها اللازمي.
[باب في كراهية أن تسافر المرأة وحدها]
قوله [أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام] وفي بعض الروايات أقل من ذلك، فقال الإمام: (٢) إذا كان السفر ثلاثة أيام لا يجوز لها السفر بدون محرم خيف الفتنة أولاً لهذا الحديث ففيه إقامة للداعي مقام المدعو اعتبارًا للأعم الأغلب إذ لا خفاء أنها إذا سافرت ثلاثًا، فإنها لابد من أن تحتاج إلى إركاب وإنزال وقضاء حاجة إلى غير ذلك فتضطر إلى ملامسة الرجال الأجانب، وأما إذا كان السفر أقل من ذلك فالنهي منوط