← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150962

الكوكب الدري على جامع الترمذي

رشيد الكنكوهي

Полный текст (1 886 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

رسول الله ﷺ ] أي أجازنا طعمه (١) ومما يدل على الكراهة أن خالدًا روى رواية التحريم وكان إسلامه بعد خيبر، وروايات الجواز مقيدة بيوم خيبر ففي رواية خالد حرمتها دلالة على أن حرمتها متأخرة مع أن اجتماع روايتي التحريم والحلة يرجح الحرمة ولذلك ذهب إلى الحرمة أبو حنيفة ومالك الأوزاعي وغيرهم والله تعالى أعلم، قوله [ح وحدثنا ابن أبي عمر] هذا تحويل (٢) من أول الإسناد، قوله [والمجثمة (٣)] ووجه الكراهة فيها ما في جوازها من الإقدام على هذه الفعلة والاجتراء عليها ولأنها تصير بذلك أقرب إلى الموت فلا تفعل فيها الذكاة كامل فعلها، وهذا إذا كان ذكاها بعد التجثم والرمي فإذا ماتت ولم تذك فهي حرام مطلقًا والنهي عن الأكل حينئذ تحريمية. [باب الفارة تموت في السمن] قوله [القوها وما حولها] هذا تنصيص على أن السمن كان جامدًا وعلى أنه (٤) إذا كان جامدًا فإن الحواية إنما تتحقق

стр. 947

فيه دون الذائب، قوله [فإن الشيطان يأكل بشماله] فيه دلالة على أن من لم يكن موجودًا بين يديه من الكفرة وغيرهم لم يجز التشبه بهم فإن حضور من يلزم به الشبه غير مشروط في حرمة التشبه، فإن الشيطان ليس بمعلوم ومحسوس أين هو؟ ولا يدرك صنعه هذا بحالة ومع ذلك فقد نهينا عن اختيار فعله فلو فلم يكن في قرية من اليهود أحد لم يجز لأهل تلك القرية اختيار عاداتهم وحركاتهم في قيامهم وقعودهم وكذلك في كثير من الأمور، فأفهم واغتنم فإنه يفيد فوائد والله أعلم. [باب ما جاء في لعق الأصابع] اعلم أن في بعض أجزاء الطعام بركة وفضلاً على بعض آخر منها كما أن في بعض أفعال الطاعم وحركاته بركة على بعض آخر منها وكل غير معلوم التعين ومعنى الحديث يحتمل الأمرين كليهما فلك أن تحمله على بركة أجزاء (١) الطعام ولك الصورة الثانية إلا أن بعض ألفاظ الحديث آب عن بعضها ولا يتوهم أن هذا تحضيض على كثرة الأكل (٢) لأنها مع كونها

стр. 948

منهية بالروايات (١) الآخر لا تستدعيها هذه الرواية: أيضًا فإن هذا الجزء البركتي إن فاته في هذا الوقت فإنه لا يفوته في الطعام الثاني أو الثالث، أما لو كان في الجزء الذي على أصابعه أو على الصفحة فإنه يفوته إذا غسل يديه أو صحفته. قوله [لعق أصابعه الثلاث] فيه دلالة على أنه ﷺ كان يأكل بثلاث أصابع (٢) والحكمة فيه أن فيها كفاية والزيادة عليها كما في الأكل بخمس دالة على

стр. 949

شدة الحرص وباعثه على زيادة الأكل مع أنه إذا كانت لقمة صغيرة يكون للشبع حاصلاً في أقل مما يشبع لو أخذ اللقمة كبيرة وذلك لأنه في صغرها أقدر على المضغ منه إذا كانت اللقمة كبيرة وكلما كانت المضغة أجود كان الشبع أسرع لانتشار أجزاء الطعام في المعدة، وملئها إياها وذلك مشاهد في أجزاء الفوفل إذا قطعت فإن أجزاءها كلما كانت أصغر كانت أوفر وله نظائر كثيرة والله أعلم وعلمه أتم وأحكم، قوله [استغفرت له القصعة] لا حاجة (١) إلى حمله على المجاز بل استغفار القصعة على حقيقته كما أن تسبيحها في قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ (٢) بِحَمْدِهِ﴾ على الحقيقة فأي بعد بعد ذلك في استغفار القصعة، ثم ما دعا القصعة (٣) إلى الاستغفار توقيها بسبب لحس الرجل اللاحس عن سور الشيطان ولعابه لو لعقه بعدم لعقه. قوله [قال أول مرة الثوم ثم قال الثوم إلخ] فاعل هذين القولين (٤)

стр. 950

هو الراوي لا النبي ﷺ ، قوله [إني أخاف أن أوذى] فإن وقت نزول جبرئيل لم يكن معينًا ومعلومًا ثم اعلم أن الملائكة ليست كلها تتأذى بأمثال هذه الأشياء وإلا لكان الكل (١) حرامًا أو مكروهًا مطلقًا، وليس كذلك بل المتأذي هو بعضهم أو كان الرب ﵎ جعل للحفظة (٢) أو الكتاب سبيلاً حتى لا يتأذون، قوله [ولا يحل وكاء] يمكن أن يكون من الحلول أو الحل خلاف العقد والأولى هو الأول، قوله [فإن الفويسقة] أعاد لفظ التعليل (٣) وغير طرز الكلام توكيدًا

стр. 951

والفسق (١) لما كان هو الخروج عن الحد وهي خارجة عن حده صح إطلاق الفويسقة عليها والتصغير للتحقير لا لصغر الجثة، قوله [أن يقرن بين التمرتين حتى يستأذن] ثم الاستيذان (٢) إنما هو إذا كانا فيه شريكي ملك أو كان أبيح لهما إلا أنه قليل بحيث لا يكفي لشبعهما جميعًا فلو سارع أحدهما إلى أكله بقى الآخر جائعًا، وأما إذا أبيح لهما وكان كثيرًا فلا يحتاج إلى الاستئذان منه إلا أنه يبين عذره يعني إذا فرغ قبل صاحبه أي إنما شبعت لأني كنت أكثر منك أكلاً بالقرآن حتى لا يترك صاحبه حياء منه ومن الحضار. [باب ما جاء في استحباب التمر] قد فهم الترمذي معنى بيت لا تمر فيه على عمومه لكل أهل بيت ولذلك عقد الباب بهذه الترجمة، والحق أن معنى الحديث أن من في بيته تمر ليس له أن يعد (٣) نفسه جائعًا وإنما الجائع من ليس له شيء حتى التمر، وإنما قال ذلك لأن أكثر شيء عندهم كان هو التمر فكان فيه تعليمًا للزهد والقناعة والشكر على اليسير، قوله [أن يأكل الأكلة إلخ] بفتح

стр. 952

الفاء (١) أو ضمها والأول يستدعي الحمد على كل شبع ورى، والثاني على كل لقمة، وجرعة. [باب الأكل مع المجذوم] قوله [ثم قال كل بسم الله ثقة بالله] ظاهره مشكل فإن الجذوم لا يخاف شيئًا حتى يثق بالله ويتوكل عليه، وإنما الخائف عن أعدائه هو الذي يأكل المجذوم معه، والجواب أن المجذوم ربما يخاف على نفسه أن يلحقه عار بأعداء مرضه إلى غيره وأيضًا ربما يهم في أكله مع من يحبه كولده وزوجته فلا يشتهي أن يأكل معه فيتعدى إليه مرضه وههنا من هذا القبيل فإن المجذوم لما أشفق على النبي ﷺ لم يشته أن يأكل معه فقال النبي ﷺ كل: ثقة بالله ولا تخف على. [باب ما جاء أن المؤمن يأكل في معي واحد إلخ] فيه إشكال فإن الأمعاء ستة لا سبعة ومع ذلك فإن الطعام لا يصل أول ما يرد إلى الأمعاء فكيف يصح قوله إنه يأكل في سبعة أمعاء، والجواب أن هذا تمثيل وتصوير لكثرة أكله والمعدة عدت سابعة (٢) الأمعاء تغليبًا فكان ذلك نظير قول السعدي رحمة الله عليه ع كه يرى إذ طعام تابيني (٣)، أفترى المرء يبقى حيًا بعد امتلاء جوفه إلى الأنف

стр. 953

فكان ذلك كناية عن كثرة الأكل وكذلك قوله ﵇ هذا كناية عن كثرة أكله حتى إنه لم يترك موضعًا في جوفه الأعلى والأسفل إلا وقد ملأه ومعنى (١)

стр. 954

الحديث أن المؤمن لما كان همه الاشتغال بالطاعة والاكتفاء عن الأطعمة بالمقدار الذي يكفي كان أكله قليلاً بخلاف الكافر. [باب في طعام الواحد يكفي الاثنين] ليس المعنى بالطعام هنا هو الذي سبق (١) بل المراد به شبعه يعني أنه كفاية الاثنين لا تكون كفاية الثلاثة نعم شبعة الاثنين كفاية الثلاثة، ويمكن أن يقال إن كفاية الاثنين يكفي الثلاثة إذا أخلصا النية وأكلوا ببسم الله فإن البركة تنزل عليه مع أن الكفاية متفاوتة فيكون (٢) أقل وأكثر، قوله [نأكل الجراد] إلا أن (٣) النبي ﷺ لم يأكله.

стр. 955

قوله ونهى رسول الله ﷺ أكل الحلالة] هي من الحيوان ما يكثر من أكل العذرة وحد حرمته ظهور أثر النجاسة في عرقه ولبنه ولحمه والمؤثر في إزالتها تركه أكلها فإذا تركت النجاسة (١) أياها طهر لحمه ولا تقدير (٢) في ذلك، وإنما المؤثر فيه زوال أثر النجاسة فأما ما تأكل العذرة أحيانًا فلا كراهة فيه إذ قد ثبت أن النبي ﷺ أكل لحم الدجاجة والضعان وهما تأكلان العذرة أحيانًا، قوله [ويقول

стр. 956

بريه] أي يقول ابن أبي فديك موضع إبراهيم (١) بريه إلخ، والحباري طير لذيذ اللحم يسمى (٢) في الهندية تكدر. [باب ما جاء في أكل الشواء] أي لا يظن كراهته بناء على الترفه والتنعم، قوله [الحلواء والعسل] إما أن يراد به مطلق الحلو فتذكر العسل (٣) تخصيص بعد التعميم، أو المراد به الاصطلاحي فهو من عطف المغايرة، قوله [وفضل عائشة إلخ] واختلفوا في عائشة وفاطمة أيتهما أفضل، ولعل الحق إن لكل منهما فضلاً بجهة ليست في الثانية فعائشة لفقهها، وفاطمة لبنوتها وجزأيتها، قوله [أهنأ وأمرأ] لاختلاط لعاب الفم بأجزائه فيكون ألذ فيجذبه المعدة ولذلك يكون أمرأ

стр. 957

وأهنأ، قوله [ما كان الذراع أحب اللحم إلخ] كأنها أرادت بذلك دفع ما يرد من أن النبي ﷺ كيف رغب إلى لذائذ الدنيا وهو أرفع شانًا من أمثال هذه فبينت أن رغبته إليه لم يكن لما فيه من اللذة فحسب وإنما كان يعجبه الذراع لما فيه من عجلة النضج وفيه إسراع إلى الاشتغال بالطاعات بتعجيل الفراغ عن مثل هذه الحاجات، ثم بذلك يلزم أنه لطيف أيضًا وإلا لم يتعجل نضجه. [باب ما جاء، نعم الادام الخل] اعلم أولاً أن الادام (١) بكسر الهمزة بضم الهمزة وسكون الدال مفردان والأدم بضمتين جمع، وثانيًا أن قوله ﷺ هذا ليس للغة حتى يلزم بذلك كونه إدامًا لغة وعرفًا وإنما هذا تعليم منه ﷺ أمته (٢) الزهد فكأنه قال لا تغد (٣) يا من عنده الخل إلا ادام ألك ليس معك إدام فإن الخل نعم الادام هو وإن لم يكن إدامًا فكان ذلك كما قال النبي ﷺ من أن خبز الحنطة إدامه معه أفترى ذلك إلا تعليمًا للزهد

стр. 958

فلا إيراد (١) بذلك على الأحناف في أنهم لم يدخلوا الخل في الأدم في الإيمان وأمثالها إذ مبناها على العرف واللغة، قوله [وأم هانئ ﵂ ماتت بعد علي ﵁ إلخ] فيه دفع لما عسى (٢) أن يتوهم أن الشعبي ليس له لقاء بعلي فلا يكون بأم هاني فيكون الرواية مرسلة منقطعة فدفعه بأنها بقيت بعده، فالشعبي لقيها وإن لم يلق عليًا. [باب ما جاء في أكل البطيخ بالرطب] البطيخ (٣) هو المشهور فينا بخريزه

стр. 959

وأما ما قال بعضهم في معناه أنه البربز فهو ليس بسديد ومنشأ توهمه ما ورد في بعض الروايات (١) أنه كان يميت بحر الرطب برده، والجواب (٢) عنه أن المراد بالحر والبرد ثمة حرارة الحس واللمس وبرودته فإن الحالي من الأشياء يحس كأنه حار ولا كذلك البطيخ فإنه يتبرد بتركه مقطوعًا، وأما ما أجاب بعضهم بأنه كان نيًا غير نضيج فيأبى عنه أنه لا يؤكل عادة. قوله [اشربوا من أبوالها] قد سبق بيانه (٣) ولا ضير في الإعادة فلعلها لا يخلو عن الإفادة، وهو أن محمدًا قد ذهب بهذا الحديث إلى حلة بول مأكول اللحم وطهارته، وقال الإمام الهمام إنما كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ فلا يحل إلا إذا اضطر إليه، وأما الطهارة فلا، وقال أبو يوسف: إنما يحل للتداوي لا مطلقًا، وأدلة المذاهب الثلاثة في كتب الفقه مذكورة بأوفى تفصيل وأتم بيان فلا فافة لنا إلى بيان دليل عليها أو برهان.

стр. 960

قوله [فقالوا ألا نأتيك بوضوء] أي الماء والظاهر أن المراد بالوضوء في السؤال، والجواب كليهما هو الوضوء الاصطلاحي ووجه الظهور قوله: إذا قمت إلى الصلاة فإن المأمور به عند ذلك هو الوضوء المصطلح دون الوضوء بمعنى النظافة وعلى هذا فمنشأ السؤال أن السائل لما علم من حال النبي ﷺ أنه لا يزال على طهر ظن أن ذلك واجب عليه فسأل أن يأتيه بالوضوء فنفى النبي ﷺ وجوبه بمقالته تلك، وهذا التوجيه وإن كان لا بأس به في بيان معنى الحديث غير أنه لا يوافق رأى المؤلف حيث أورده في هذه الأبواب واستنبط منه مسألة غسل اليد كما هو مصرح به فالذي يوافق رأيه في توجيه الرواية أن يقال أن السائل ظن أن غسل اليد قبل الأكل مما لا بد منه فسأل إتيان الماء لغسل اليد فرد النبي ﷺ زعمه هذا بنفي الوجوب عن جملة أنواعه سواء كان بالمعنى المصطلح أو الغير الاصطلاحي في في غير وقت القيام إلى الصلاة ففيه بيان لما كان السائل مخطئًا فيه مع الفائدة الزائدة وهي أنه ليس شيء من الوضوء واجبًا في غير وقت القيام إلى الصلاة ويمكن توجيه الكلام بحيث يراد بالوضوء في السؤال والجواب كليهما الوضوء العرفي ولا ينافي مقصود المؤلف أيضًا، وهو أن يقال إن السائل ظن وجوب الوضوء العرفي قبل الطعام فقصره النبي ﷺ على قيام الصلاة فلا يجب الوضوء العرفي في وقت إلا وقت القيام إلى الصلاة ولا ينافيه وجوب شيء آخر مع الوضوء العرفي وهو غسل بقية أعضاء الطهارة فأفهم وبالله التوفيق، ثم لما نفى النبي ﷺ الماء في الجواب علم أنه لم يمس ماء وبذلك يعلم أن غسل الأيدي قبل الطعام لا يجب وذهب الثوري إلى الكراهة بظاهر الحديث حيث أنكر الغسل ونفى الوجوب وأنت تعلم أن نفي الوجوب لا يقتضي الكراهة، وأما أنه هل يستحب أم لا فالنص عنه ساكت ويتفحص من نصوص أخر وردت في ذلك وإن كانت ضعافًا فإنها باجتماعها حصلت نوعًا من القوة، وأما ما يتوهم من أن الضعاف من الروايات تقبل في فضائل الأعمال -وههنا كذلك- فإن الثابت بالحديث ليس إلا بركة الغسل وهي؟ ؟ ؟

стр. 961

فضيلة فالجواب عنه ما قدمنا من قبل من أن ثبوت الفضيلة إنما يكون (١) إذا ثبت نفس ذلك العمل بنص آخر قوي بحسنه الذاتي أو باجتماع غيره معه دون هذه الفضيلة فإنها ثبتت بالضعيف وههنا من تكلم في نفس الغسل لعدم الثبوت فله أن يتكلم في تلك الفضيلة أيضًا فأفهم، وحاصل ذلك أن ثبوت حكم ما لا يمكن بالضعيف من الروايات، وأما رجاء المثوبة والفضيلة فممكن الثبوت بالضعاف، لما له تعالى من كرم على عباده عميم وفضل على هذه الخليفة عظيم فلا يرجى منه أن يخيب راجيًا فضله لا سيما وقد ناط عليه شغله. قوله [يعني الدباء إلخ] ثم إنه شامل لجميع (٢) أنواعه ولا يجوز تخصيصه بنوع دون آخر لعدم ورود النص بذلك واللفظ يتناول الكل ولعل رغبته ﷺ إليه لما فيه من البرد بحسب المزاج وأمزجة العرب حارة أو لكونه سهل التناول سريع النضج ولما فيه من الذائقة المرغوبة واللذة وتقوية بعض الأعضاء (٣) الرئيسة، قوله [فإن ترك العشاء مهرمة] لتوجه الحرارة إلى الباطن فتأخذ في أفناء الرطوب الغريزية إذا لم تجد غيرها، قوله [أدن يا بني] فيه تسمية الرجل لغير ابنه ابنه، قوله [فسم الله إلخ] وفيه تأديب الكبير الصغير. قوله [فليقل بسم الله أوله وآخره] فإنه إذا قالها قاء الشيطان ما أكل معه وعادت

стр. 962

البركة التي كانت خرجت باشتراكه، قوله [كان رسول الله ﷺ يأكل طعامًا] قضية عين لا قضية استمرار ودوام فمعنى جاء أعرابي أنه كان (١) لا يستم بأكلهم حتى جاء أعرابي فأتمه بلقمتين وبذلك يعلم أن تسمية أحد من الحاضرين إنما يجزئ عمن حضرت وقت التسمية لا عمن لم يحضر بعد وبذلك اجتمعت الروايات التي يتوهم تعارض بينها.

стр. 963

كتاب الأشربة [باب في شارب الخمر] قوله [كل مسكر خمر] أما الأئمة الثلاثة (١) ومحمد رحمهم الله تعالى فقد حملوه على أنه بيان اللغة فكان كل ذلك خمرًا لا كالخمر

стр. 964

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 965

فوجب لهم القول بنجاسته وحرمة شرب ما لم بسكر ولو قطرة والحد على شاربه، والإمام أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف فقالا: هذا ينافي منصب الرسالة أفترى النبي ﷺ بعث ليعلم العرب لسانهم التي هم أبناء بجدتها (١) والمصير إليهم في حل عقدتها فلم يكن مقصوده ﷺ إلا بيان اشتراك كل مسكر بالخمر في الحد على شاربها لا غير وهذا لا يتحقق ما لم يسكر فإن الحكم على المشتق ينبئ عن كون المأخذ علة للحكم إلا أن الإمام مع ذلك حرم أربعًا من أنواع الخمر في بعض (٢)

стр. 966

أوصافها ثم حرمتها بعد ذلك ظنية لا غير، فلا يكفر جاحد حرمتها كما يكفر لو جحد حرمة الخمر. قوله [لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا] اعلم أولاً أن عدم القبول لا يستلزم (١) عدم فراغ الذمة. وثانيًا أن المراد بالصباح هو اليوم تسمية للكل باسم الجزء لما أن بداية الصلوات كلها منه. وثالثًا أن الأربعين له صلوح المداخلة (٢) في تغير الآثار وأن الغذاء يبقى أثر ما منه إلى انقضاء أربعين يومًا. ومعنى قوله لم يتب الله عليه أنه بناء على ما هو الأكثر من عادته الجارية في عباده من أنه لا يوفقه بعد ذلك للتوبة وإن تاب فالتوبة مقبولة، ومعنى قوله في الرابعة فإن تاب إنما هو إرادته التوبة لا حقيقتها، وكذلك معنى قول ﷺ في الرواية المتقدمة فمات وهو مدمنها لم يشربها في الآخرة إنما هو إذا استحلها لأنه إذا أدمنها فكثيرًا ما لا يبقى في قلبه حرمتها، أو النفي غير مؤبد أي لم يشربها إلى حين انقضاء أيام الجزاء الذي قدر له، أو المعنى لم يشربها في الآخرة لعدم اشتهاءه إياها بأمر الله تعالى سبحانه وقدرته وتصرفه تعالى على قلبه وشهوته، ولا يمكن أن يقال إنه تشديد وتغليظ وليس المراد مدلول لفظه لأنه يلزم عليه أن يكون كذبًا، و

стр. 967

يمكن أن يقال إن من حمله على التشديد والتغليظ ليس غرضه أنه كلام لم يرد معناه أصلاً حتى يلزم الكذب بل، غرضه أنه لم يرد ظاهر معناه وحقيقته المتبادرة منه، وهو نفي القبول أصلاً، بل المنفي نوع من القبول خاص والأخبار متعلقة بنفي توبة مخصوصة وهو الرجوع بالرحمة الكاملة الذي كان لو لم يرجع إلى الشرب رابعة، إلا أنه أبرزه في صورة العام المطلق تشديدًا وتهديدًا كالمعلم يهدد تلميذه أو المولى يشدد على عبده فيقول: إن لم تفعل هذا قتلتك ليس المراد ظاهر معناه حتى يلزم الكذب، بل هو مجاز عن الضرب الشديد إلا أنه أبرزه في صورة القتل تغليظًا واتمامًا للزجر وتشديدًا، ولا يتوهم أن مدمن الخمر ليس بأدون شأنًا ولا أكثر عقابًا من الكافر ومع ذلك فكثير من الكفار يوفق للتوبة فكيف لا يوفق مدمن الخمر، وعدم التوهم لأن الكافر كان جاهلاً عن نعمة الإسلام ولم يعرف حقيقة أمره فلا يسخط عليه كما يسخط على من عرف بشأنه ثم سقط في هوة (١) المنكرات الشرعية، ونظيره المرتد فإنه ليس أسوء حالاً من أهل الذمة في نفس الكفر ومع ذلك فقد وجب قتل المرتد دون أهل الذمة لهذا الذي ذكرنا فإن الامتناع أسهل من الارتداد. قوله [سئل عن البتع] وهو شراب العسل لكن النبي ﷺ أجابهم بقول فصل يمهد لهم أصلاً يتفرع عليه جزئيات كثيرة، وهو أن كل مسكر حرام، أو كل شراب أسكر فهو حرام، وما لم يبلغ مقداره إلى حد الاسكار لم يدخل في أفراد الموضوع حتى يصح عليه حمل الحرام، فبقى على حله، إلا إذا كان بغير نية التقوى للعبادة فإنه يحرم حينئذ المقدار الغير المسكر أيضًا لكن لا بالنص الذي (٢)، بل بقوله ﵊ الآتي بعد ذلك وهو ما أسكر كثيره فقليله حرام، وما أسكر الفرق منه فملأ منه حرام، وهذا الذي ذكرنا محمل لهذين الحديثين فإن قليله

стр. 968

حينئذ يكون باعثًا على شرب كثيره فيكون سبب الحرام وسبب الحرام حرام، ولا يكون منجزًا إلى الكثير إذا كان شربه بنية التقوى على الطاعة وإنما يحتاج إلى أمثال هذه التأويلات لما ثبت من بعض (١) الصحابة شرب أمثالها، فعلم بفعله أن النهي ليس مطلقًا، عامًا ويمكن أن يقال في الرواية الأولى وهو ما أسكر كثيره أن الكثير والقليل كلاهما مسكرن إلا أن الكثير أكثر إسكارًا من القليل، فالقليل حينئذ قسمان قليل مسكر وقليل غير مسكر، والموضوع في الحديث هو القليل الأول دون الثاني، فكان المعنى أن القليل المسكر حرام وإن قل إسكاره، فبقى القليل الغير المسكر على حله، وهذا التأويل جار في قوله ﵊ كل مسكر حرام

стр. 969

قوله [نهى رسول الله ﷺ ] جملة استفهامية حذفت (١) منه همزة الاستفهام، والنهي عن منسوخ (٢) كما يتبين بالحديث الآتي بعد ذلك، ولعل ابن عمر ﵁ لم يبلغه النسخ، أو بلغه لكن لما كان ارتفاع النهي بارتفاع علته وهو وفور الرغبات إليها والتباس بلوغه إلى حد الاسكار عاد النهي بعود علته، ويكون السائل كذلك. قوله [أو ينسج نسجًا] المراد بالنسج هو الخرط والصنع، والجامع توارد الحركات المختلفة كما في النسخ، وقيل: الصحيح (٣) النسخ -بالحاء المهملة- وهو النقر

стр. 970

ثم النهي عن الانتباذ في هذه الظروف دون الأسقية لما فيها من خفاء حال المظروف لعدم إمكان انتفاخها عند الاشتداد، ولما فيها من تسارع الاشتداد إليه لعدم نفوذ الهواء، وأما الأسقية فيعلم حال ما فيها إذا اشتد وغلا، وهذا إذا أوكيت أفواهها فإنها بانتفاخها يعلم اشتداد ما فيها، وأما إذا لم يوك فالكل سواء. قوله [الخمر من هاتين] ولا يعني به الحصر (١). قوله [نهى أن ينتبذ البسر والرطب] هذا النهي كالنهي عن الانبتاذ في الظروف المتقدم ذكرها، كان (٢) في أول الأمر لما فيه بعد الخلط من قوة فيسرع

стр. 971

الاشتداد (١). ثم صار الأمر واسعًا غير أن المسكر حرام أيًا ما كان. [باب في كراهية الشرب في آنية الذهب والفضة . قوله [فأتاه إنسان بإناء من فضة] هذا (٢) الإنسان كان ذميًا ولذلك لم يكسر (٣) حذيفة إناءه، أو يكون

стр. 972

الإناء للذمي وإن كان الآتي به مسلمًا، وكان قوله إني كنت نهبته إلخ، دفعًا لما يتوهم من أنه كيف يتبادر إلى ضربه ولم ينهه بلسانه، وفيه دلالة على جواز التأديب باليد إذا لم يتأدب بتأديب اللسان. قوله [نهى أن يشرب الرجل قائمًا] وذلك (١) لما فيه من سرعة النفاذ للورود من أعلاه دفعة فيضر المعدة، وأما قوله في الجواب عن الأكل: (٢) وذاك أشد، فقياس صحيح فإن ما ذكر من الوجه وإن لم يوجد في الأكل لكنهما يشتركان في وجوه آخر من كثرة مقدار المأكول والمشروب لاتساع البطن وإهانة الطعام إلى غير ذلك، ولكن النهي في هذين لما لم يكن شرعيًا وإنما هو لحفظ صحته الحاصلة لا يكون آثمًا بارتكاب ما ذكر، وبينه النبي ﷺ بفعله وتقريره سيجيئ بعد هذا. قوله [ضالة المسلم حرق النار] ويدخل في المسلم الذمي لقوله ﷺ : بذلوا الجزية ليكون أموالهم كأموالنا، ثم الظاهر أن المؤلف أورد هذه الرواية ههنا ليثبت بذلك أن قتادة كثيرًا ما يروى عن أبي مسلم بواسطة الآخرين، فلا يتوهم بذلك أنه روى هذه الرواية، رواية النهي عن الشرب قائمًا بواسطة، ووجه عدم التوهم قوله: هكذا روى غير واحد إلخ، فإذا اتفقت الرواة على ترك الواسطة في هذا السند كان

стр. 973

الظاهر منه عدم الواسطة، ولا يبعد أن يكون إيراد رواية ضالة المسلم إشارة إلى أن قتادة لما كان مدلسًا وقد ثبت بينه وبين أبي مسلم واسطة ولو في غير هذا الحديث كان الاتصال في رواية النهي غير متبقين به أيضًا. فلعله دلس وترك ذكره، والله أعلم. قوله [كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الل عليه وسلم ونحن نمشي] ثم كونه مسقطًا (١) للعدالة إذا كان في الأسواق وأمثالها لا ينافي كونه مما ارتكبه أصحاب النبي ﷺ فإن ذلك لما كان أمارة على قلة المروءة كان الظاهر من حاله أن لا يبالي بالكذب في أخباره، ولم يكن هذا في أصحاب النبي ﷺ لما لهم من قدم في امتثال الأوامر واجتناب النواهي ثابتة فلا يقاس عليهم غيرهم، مع أنه ليس فيه تصريح بأنهم كانوا يرتكبون ذلك في الأسواق وهو المضر لا مطلق الأكل ماشيًا ولو في بيته، على أن الحاكم لو قبل شهادة مثل هذا الرجل لعلمه بحاله أنه لا يكذب وإن كان يأكل وهو يمشي في الأسواق لم يرتكب بأسًا، فليس ذلك مما يخالفه لاندفاع هذا الظاهر بعلمه. قوله [شرب من زمزم وهو قائم] لأن النهي عنه كان لما فيه من مظنة الضرر والتحرز عن الإكثار، وكلاهما منتفيان فإنه نفع خالص وبركة محضة والإكثار منه مقصود فلا يكون منها، ثم الظاهر من ملاحظة الروايات أنه ﷺ شرب ماء زمزم وهو واقف على بعيره فلم يكن فيه الشرب قائمًا، ولعل بعض الرواة فهم من لفظة الوقوف الدابة (٢) فاشتبه المعنى فعبره بذلك لكونه رواية بحسب المعنى في زعمه،

стр. 974

ولا يبعد أن (١) يكون هذا ثابتًا أيضًا فإن القضايا كثيرًا ما يتعدد والله أعلم. [باب في التنفس في الإناء] له معنيان (٢) تنفس الشارب في نفس الإناء سواء اتصل المظروف بأطرافه بفيه أو لم يتصل بأن نفخ فيه وأطرافه مناتة عنه، وتنفسه وهو يأخذ من الإناء، أي لم يتم سقيه وإن باعد الإناء من فيه، وهذا لا يكون في الإناء وإنما يكون خلال الشرب، والأول مكروه (٣) لكراهة الطبيعة، والثاني

стр. 975

مندوب إليه وهو مبني على ما إذا كان المشروب على حسب ذلك. وأما إذا كثر فلا يشربه في الثلاث كما إذا قل لا حاجة إلى تثليثه بل يشربه في نفسين أو نفس واحد كما سيظهر (١) بالتأمل. قوله [لا تشربوا واحدًا كشرب البعير] هذا مشير إلى كثرة المشروب فإن المماثلة بشرب البعير لا يتحقق (٢) بدونه. قوله [كان إذا شرب يتنفس مرتين] يمكن إرجاعه (٣) إلى الثلاث بأن الراوي لم يعد الثالث وإنما ذكر ما يقع منهما في الإناء.

стр. 976

قوله [القذاة أراها في الإناء] كأن الرجل حصر طرق إزالة القذى في النفخ فكأن النبي ﷺ أجابه بطريق التنزل بعد تسليم الحصر المفهوم من كلامه، فإنه لما أورد وقوع القذي حين نهى النبي ﷺ عن النفخ في الماء، علم من كلامه أنه يسأل عما إذا لم يجد مزيلاً غير النفخ كما إذا كانت على يديه نجاسة أو شيء مما يكره الطبع ولا شيء يخرجه به فأجابه النبي ﷺ بذكر ما هو غاية الأمر في إخراجه وإن كان له طرق آخر أيضًا. قوله [نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه] والفرق بين التنفس والنفخ أن صوت النفخ أشد وأرفع، وأجزاء الريق وريش (١) في الأول منها في الثاني. قوله [نهى عن اختناث الأسقية] وسبب (٢) النهي ما فيه من كراهة الطبيعة ومخالفة النظافة بأثر (٣) نتن الفم فيه، فيؤدي إلى اجتماع الذبان (٤) عليه، ولما فيه من احتمال أن يكون في داخله (٥) شيء فيؤذيه، ومع ذلك فالشرب هكذا

стр. 977

جائز ولذلك فعله النبي ﷺ أن لا يحملوا النهي على التحريم (١). [باب ما جاء في أن ساقي القوم آخرهم شربًا] هذا إذ تولى القسمة ولم يملك المقسوم فأما إذا كان من ملكه فهو بالخيار أنى يأخذ، وإنما جعل لقاسم آخرًا لأن في تقديمه نفسه دلالة على الحرص وإيثار نفسه على أصحابه. قوله [الحلو البارد] وجه (٢) الحلاوة ظاهر وسبب استحباب البرد حرارة المزاج فلا ينافيه لو ثبت استحباب شيء آخر لوجه آخر.

стр. 978

أبواب البر (١) والصلة عن رسول الله ﷺ

стр. 979

قوله [من أبر] فعل متكلم، ووجه ذكر الأم ترجيحها على الأب في أحكام (١) البر والصلة، وأما الاطاعة ففيها تقديم للأب كالتعظيم، ثم تكرار (٢) الجواب مشعر بكثرة البون بين الأبوين في الانفاق. قوله [أي الأعمال أفضل] اختلفت الأجوبة عن ذلك باختلاف السائل والزمان والمكان، ثم إن النبي ﷺ لم يذكر الإيمان ههنا مع ماله من فضل على سائر الأعمال مسلم اتكالاً على فهم الذي سأله واعتمادًا على علمه بإعلامه ﷺ ، أو باجتهاد منه أن الإيمان ملاك الأمر ورأس الطاعات، أو لأن السائل سائل عن أفعال الجوارح كما هو الغالب في استعمال لفظ العمل، وليس الإيمان داخلاً فيها. قوله [الوالد أوسط إلخ] ثم إن حال الأم معلوم بذلك مقايسة فصح الاستدلال. قوله [وكان متكئًا فجلس] وهذا للاهتمام بشأنه كالتكرار، وإنما أكده دفعًا لما يتوهم من تعقيب ذكره أن أمره خفيف، ولما كثر في النفوس من قلة المبالاة به بخلاف أخويه المتقدمين ولأن ضرره متعد دون ضرر الشرك، وكذلك

стр. 980

هو أعم بحسب المورد من الشرك والعقوق، فكان فيه مضرة جزئية تزيد بها عليهما والشهادة المذكورة أخص من قول الزور، ثم تمنيهم سكوته ﷺ إنما كان لغاية مودتهم إياه، فكانوا يحبون التخفيف (١) عنه ما أمكن، فإنما قصدوا بذلك أنا فهمنا مراده حق الفهم فلا حاجة له إلى تحمل المشقة بعد ذلك. قوله [وهل يشتم الرجل والديه] إنما سألوا عن ذلك علمًا منهم أن مثل ذلك لا يمكن أن يقع (٢) عادة، والمنع إنما يفيد عما يقع عادة، وأما النبي ﷺ فلم يحببهم بأن يدفع عنهم استبعاده فيقول: إنه سيقع بعد زمان بل غير الجواب توسيعًا للدائرة فقال: إن سبب الشيء له حكمه، فلما كان التسبب في ذلك من الكبائر علم حال الارتكاب بالأولى، وكان التسبب شائعًا فيهم فكانوا يلعنون ويشتمون آباء الرجال فيجازون عليه، قوله [أن أبر البر إلخ] فإن (٣) هذا دليل على كثرة

стр. 981

حبه إياه، وهذا غير خفي على من ابتلى بحب أحد فإن زيادة تعلق قلب الرجل بمتعلقي محبوبه مترتبة على حسب حبه له، فكل ما كان حبه له أوفر كان التعلق بأهل وده أكثر. فمن مذهبي حب الديار لأهلها ... وللناس فيما يعشقون مذاهب [باب في بر الخالة] قوله [فهل لي من توبة] لقد تقرر في أكثر النفوس ورسخ أن الجناية العظيمة لا تكفرها التوبة باللسان فإنه أمر خفيف عندهم، ويشهد له قصة ماعز والامرأة الأسلمية فإنهما لم يريا التوبة مكفرًا عنهما حتى قالا طهرنا مع أن الطهارة قد كانت حصلت بالندامة على ما فرطا في جنب الله، فلما عرفت ذلك فاعلم أن الرجل قد كانت معصيته غفرت له كائنًا ما كان بتندمه إلا أنه لم يكن يرى هذه الندامة -وهو أمر لا مشقة فيه- مكفرة عنه فلذلك أمر النبي ﷺ ببر الخالة لا لرفع الجناية فإنها كانت ارتفعت، بل ليحصل في قلبه نوع طمأنينة، وأيضًا فقد ورد في بعض الروايات أن بدر منه ذنب ثم ندم عليه والأولى (١) أن يأتي

стр. 982

بعده حسنة لينجبر بذلك ما تطرق إلى باطنه من خبث بارتكاب هذا الإثم، والتوبة وإن كانت ماحية للذنب ولكنها لا تفيد هذا النور والسرور الزائل عنه بشؤم الذنب، ولعل ذنبه يكون من قطعية رحم فناسب أن يبدل موضعه ما يكون صلة، ولا يذهب عليك أن الذنب كان من حقوقه تعالى وسبحانه لا من حقوق العباد فلا يحتاج في اغتفاره إلى شيء سوى التوبة وقد حصلت مع أنه لو كان من حقوق العباد لم يكن السبيل إلى اغتفاره غير عفو صاحب الحق غير أن حقيقة الرحم وغيرهما مما هو متعلق بالعباد لا تخلو عن معصيته تعالى فاحتيج لرفع هذا الإثم إلى التوبة وبقى بر الخالة مجرد فضل. قوله [دعوة المظلوم إلخ] فأما إجابة دعوة المظلوم فظاهرة حيث يدعو من حاق قلبه، وأما المسافر فلما له من انكسار لاحق بالبعد عن الأهل والوطن فلا يكون رجاءه إلا إلى الله تعالى خالصًا، وأما الوالد فلأنه لا يقدم على الدعاء بضرر الولد إلا إذا بلغ (١) منه الجهد غايته فيكون مجابًا لا محالة، وبذلك تبين أن المراد في الرواية دعوة الوالد على ضرر الولد وإن كانت دعوته له أيضًا مجابة إلا أنها ليست بتلك المثابة، ثم المراد بالمسافر النازح عن الأوطان وإن لم يكن قدر السفر الشرعي، قوله [لا يجزئ ولد والدًا إلخ] هذا الجزاء إنما هو جزاء إخراجه عن الليس إلا الأيس (٢) فحسب، وبعد ذلك حقوق آخر من تربيته وإلباسه وإطعامه مدة صغره. [باب في قطعية الرحم] قوله [وأوصلهم إلخ] وكان ابن عوف من نبي زهرة وأبو الدرداء جرهم أنصاري ولعلهما يجتمعان في جد من الأجداد البعيدة

стр. 983

ومع ذلك فلم يترك عبد الرحمن أن يعوده ويصل إليه فكان أوصل أصحابه ﷺ ، ولا يبعد أن يكون فيه أمور لم تذكر ههنا وهي باعثة لهذا الكلام. قوله [أنا الرحمن] يعني بذلك (١) أني شققتها من مادة الرحمة ووضعت فيها قسطًا من الرحمة وإن لكل من اسمه نصيبًا، ولا يبعد أن يراد بالاسم نفس المسمى. [باب في حب الولد] قوله [وتجهلون] من الجهل مقابل العلم لا ما يقابل الحلم فإن بعضهم كان بالاشتغال بالأولاد والأهل لم يحضر المدينة فبقى جاهلاً فعزم على أن يقتل أولاده ولا يبعد حمله على مقابل الحلم لأنه يكون سببه أيضًا، قوله [وإنكم لمن ريحان الله] دفع لما أوهمه الكلام السابق من أنهم لما كان شأنهم ذلك فلا ينبغي أن يتوجه إليهم أحد بل ولا ينظر إليهم بمؤخرة عينية أيضًا، فقال إنكم من ريحانة الله، والريحانة (٢) محبوبة مشمومة تورث فرحًا في القلب وحبورًا وتوجب تسلية للكئيب وسرورًا فكذلك ينبغي أن يكون الرجل بأولاده الأدنين منهم والأقصين.

стр. 984

[باب في رحمة الولد] قوله [إنه من لا يرحم إلخ] فإن التقبيل (١) وأمثاله لما كانت أمارات على رقة القلب علم بانتفائه انتفاؤها، وفيه مراتب بعضها اضطرارية وهي أعلى مراتبها، والحكم عليه (٢) بذلك اللفظ مشعر بقلة المرحومية على قلة الراحمية، وبكثرتها على كثرتها. [باب في النفقة على البنات] قوله [وقد زادوا في هذا الإسناد إلخ] وذلك لأن سعيد بن عبد الرحمن من الطبقة السادسة ولم يثبت لقاؤه أحدًا من الصحابة فلا بد أن يكون بينه وبين أبي سعيد واسطة غير أنه لم يسم (٣) أحد حتى يعلم والله أعلم، قوله [فأخبرته] إنما أخبرت عائشة بذلك النبي ﷺ ولم يكن بأمر عجيب يعجب منه لأنها لم تكن ذاقت حلاوة الولادة فلم تكن تدري ما تعلق الوالدة بولدها فعجبت أن توثر ولدها وهي أحوج منه إلى الأكل. قوله [دخلت أنا وهو الجنة كهاتين إلخ] المراد بذلك استحقاقه المعية لو

стр. 985

لم تكن في النبي ﷺ ما يوجب سبقه في الدخول، أو المراد المعية في الدخول وليس فيه ما يوجب أنه ﷺ لم يدخل قبلها، أو المعية معية الخادم لمخدومه، ويمكن أن يقال: إن المراد بذلك غاية القرب بين دخولهما لا المعية الحقيقية، أو يقال: إن الإشارة بالأصبعين الوسطى والسبابة كافية في بيان الفرق في دخولهما فإن السبابة متأخرة عن الوسطى، وإنما احتيج إلى هذه الأجوبة (١) لما ورد أنه ﷺ أول من يستفتح باب الجنة وأول من يدخلها، وأيضًا فإن الأنبياء ﵈ سابقون من أفراد الأمم يقينًا فاحتيج إلى توجيهه والله أعلم. قوله [ينكر هذا التفسير] الذي أنكره سفيان (٢) وغرضه ما أسلفنا لك أن أمثال هذه لا يبين للعوام لئلا يجترؤا على ارتكاب ما أخاف عنه النبي ﷺ . [باب في رحمة الناس] قوله [من لم يرحم إلخ] ثم عدم الرحم (٣) من
следующие страницы →