← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150963

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطا

ابن عاشور

Полный текст (362 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

طويلٌ فارقد»، ولأن الله تعالى نبهنا على فضلها بقوله: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، ولم ينبه على غيرها في أوقات الصلوات المذكورة قبل بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقد غير أسلوب تعلُّق بوقت الفجر، فلم يقل: أقم صلاة لدلوك الشمس إلى الفجر، بل جمع أوقات أربع صلوات في قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ثم أفرد وقت الفجر؛ لأنه إمَّا أراد به وقت الفجر، أو الوقت الذي يليه الفجر. الرخصة في الصلاة في الثوب الواحد كان غالب لباس الرجال العرب ثوبين، غير مخيطين، فإن اسم الثوب إنما يراد به: القطعة المنسوجة. فلِباسهم: إزار وهو شقة من المنسوج تلف على النصف الأسفل، ورداء وهو شقَّة مثلها تلف على الكتفين والصدر. فإذا قالوا: لفلان ثوبٍ واحد، فمرادهم: أنه الإزار× إذ هم لا يلبسون الرجاء بدون إزار. وأمَّا نحو: القميص، والجبَّة للرجل، والدرع للمرأة، فلا يسمَّى ثوبًا، وهو لباس الخاصة وأهل الترف، فإذا صلى المصلي في إزار فقط بقي نصفه الأعلى عريانًا، وهو منظر غير لائق بحالة الصلاة، فكانت السنة أن يصلي المصلَِي مستور الظهر، ولكن كثيرًا من الناس لا يجد ثوبين، فرخَّص لهم الصلاة في الثوب الواحد بأن يجعلوه على الكتفين على كيفية لا تنكشف معها العورة، وهي الاشتمال: وهو التوشُّح بالثوب ليقر في مكانه، فلا يتدلَّى بتكرُّر الحركة. وقد صلى رسول الله ﷺ بعض الصلوات كذلك في بيته. وهو محمل حديق عُمر بن أبي سلمة، ومحمل فعل أبي هريرة، وقد بيَّن ذلك كله حديث جابر في هذا الباب. وقد ورد في الحديث أن النساء في صلاة الجماعة كنَّ يؤمرن أن لا يرفعن رؤوسهن من السجود حتى يجلس الرجال؛ لقصر أثواب بعض الرجال. وبهذا يعلم أنَّ المراد من الرخصة أنها الحالة التي لا يجد فيها المصلي ثوبين، وأن ذلك في الثوب دون نحو القميص والجبة. ولهذه النكتة أخرج مالك حديث ربيعة بن أبي

стр. 107

عبد الرحمن أن محمد بن عمرو بن حزم كان يصلي في القميص الواحد، أي لأن القميص ليس بثوب. الرخصة في صلاة المرأة في الدرع والخمار يعني فقط دون إزار ولا ملحفة. وقع في سند الحديث الأول من هذه الترجمة «محمد بن زيد بن قنفذ» فثبت في بعض نسخ «الموطإ» بدال مهملة، وفي معظم النسخ بذال معجمة وهو الأصح وكلاهما لغة في اسم الحيوان المعروف ذي الشوك القصير على ظهره. ويُعرف محمدُ بن زيد هذا بمحمد بن زيد بن المهاجر التيمي المدني، وهو من شيوخ مالك روى عن أبيه زيد، وعن سعيد بن المسيب، وعن أمه أم حرام، وهو ثقة جليل حسبك أنه روى عنه مالك. تم بحمد الله. * * * ووقع في قول عروة: «أن المرأة استفتته فقالت: إن المنطق شق عليَّ» قال ابن مزين في «تفسير الموطأ» عن عيسى بن دينار: المنطق هو الإزار، تريد: أن الإزار يشقُّ عليها، فرخص لها أن تصلِّي في الدرع والخمار بلا إزار. أهـ. الجمع بين الصَّلاتين قوله في حديث معاذ: «وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار». يضحى (بفتح الياء وبفتح الحاء) مضارع ضَحِى (بكسر الحاء). يقال: ضحِي فلان، إذا أصابه حرُّ الشمس في وقت الضَّحَاء،

стр. 108

قال عمر بن أبي ربيعة: رأت رجلًا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحَى وأما بالعشي فيخصَر والضاحي: البازر للشمس في وقت الضَحاء، قال كعب: يومًا يظل به الحرباء مصطخِدا ... كأن ضاحيه بالشمس مملول وعلى هذا فإثبات الضحى للنهار استعارة تبعية، ومعناه: حتى يصيب النهار حر الشمس، أي: يتمكَّن حرُّ الشمس من الفضاء المسمى بالنهار، كما يتمكن من الرجل القائم في الشمس. ويحتمل أن يكون مجازًا عقليًّا، أي: حتى يضحي الناي في النهار، وهو وقت شدة حرَّه، أي بعد شروق الشمس ببعيد. ما يجب فيه القصر وقع فيه قول سالم بن عبد الله بن عمر: «أن أباه ركب إلى ريمٍ». هكذا وقع في روايات الموطإ بكسر الراء بعدها تحتية ساكنة. والظاهر أن السكون تخفيف، وأن أصله بهمزة ساكنة بعد الراء، كما وقع في «معجم ياقوت» مقدمًا على القول بأنه بالياء، وهو اسم واد لمزينة قرب يصب فيه ورقان، وهو مصروف. وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة مالكٌ عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري أنه قال: من كلام النبوءة: إذا لم

стр. 109

تتشح فاصنع ما شئت. ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة يضع اليُمنى على اليُسرى، وتعجيل الفِطرِ، وتأخير السُّحور. قد يكون المراد بكلام النبوءة كلام رسول الله ﷺ بقرينة قوله: «ووضع اليدين» إلخ، فالحديث مرسل وقد جمع في روايته أربعة أقوال من أقوال رسول الله ﷺ . جمعها تحت قوله: «من كلام النبوءة» فعلمنا أنه لا يريد إلا كلام رسول الله ﷺ . ومعنى قوله: «ووضع الدين» أي: قول يدلُّ على الأمر بذلك، وكذلك قوله: «وتعجيل الفطر». ووقع في «تفسير ابن مزين» للموطأ عيسى بن دينار أن معناه من كلام الأنبياء، وعن يحيي بن يحيي عن ابن نافع مثله أهـ. قلت: ويؤيده أنه وقع في رواية البخاري عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوءة الأولى» إلخ، فيكون تأويله أن وضع اليدين إحداهما على الأخرى كان سنة الصلاة في الأمم السالفة، وقد رأيت اليهود يضعون الأيدي على الأيدي في صلاتهم. وأما تعجيل الفطر فذلك في صوم الأمم، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وعلى هذا التأويل يكون شرع ذلك للمسلمين بما دلَّ عليه كلام رسول الله ﷺ من استحسانه.

стр. 110

انتظار الصلاة والمشي إليها مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب قال: يُقال: لا يخرج أحدٌ بعد النداء إلا أحدٌ يُريد الرجوع إليه إلا منافقٌ. ثبت في «الموطإ» كلا المستثنيين مرفوعًا، ومقتضى القاعدة المشهورة بين النحاة أن يكون أحدهما مرفوعًا والآخر منصوبًا، لأنَّ أداة الاستثناء هنا غير مؤكدة؛ ولأنَّ الكلام تامٌّ. وأحسب أن مثل هذا التركيب مما لم يتكلم عليه النحاة؛ لأنه واسطة بين ما تكررت فيه المستثنيات وبين ما فيه مستثنى واحد، فإن التكرير هنا ليس تكريرًا للمستثنيات على السواء بأن تكون المستثنيات بمنزلة المثنى والجمع، بل التكرير هنا تكرير مرتب بقوله: «إلا أحدٌ يريد الرجوع إليه» استثناء من لفظ (أحد) الأول باعتبار جنسه فقط فـ (إلا) فيه بمنزلة (غير) لأنه كالوصف، وقوله: «إلا منافق» استثناء من (أحد) باعتبار جنسه وحكمه وهو مناط القصر ومحلُّ الفائدة، فلذلك كانا حقيقين بالرفع. على أنِّي أحسب أن ما ذكره النحاة في تكرير (إلا) لغير توكيد مع الكلام غير المفرغ، من رفع أحد المستثنيات ونصب الباقي مجرد نظر لا شاهد عليه من كلام العرب. ولا أحسب العرب يرتضونه، وإنما جر النحويين إليه طرد قاعدتهم، وهي أن المبدَل منه إذا أبدل منه مرة لا يُبدل منه مرة أخرى؛ لأنه صار بالإبدال منه أولًا كالساقط. ما جاء في الصلاة على النبي ﷺ - قوله: «قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمدٍ وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيدٌ». فيه إشكال التشبيه المقتضي قوَّة المشبَّه به أو تساويهما. ولهم عليه أجوبه تبلغ بضعة

стр. 111

عشر جوابًا تتفاوت قوةً وضعفًا، وكلها لا ينثلج لها الصدر. والقول الفصل في الجواب ما أجاب به العلامة جدي الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور في «شرحه على قصيدة البُوصيري»: أن التشبيه هنا تمهيد لبساط الإجابة؛ لأنه تعالى لما تفضَّل على إبراهيم بصلاة وبركة عظيمة كان مرجوًّا أن ستفضل على محمَّد، فإنه قد عُرف من الله الفضل. هذا حاصل كلام الجدِّ وأكمله، فأقول: إن القدوة والأسوة في الأمور معهود تيسير الأمور بها، وتقريب حصول أمثالها في الخير وضده، قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١]. وقال عبدة بن الطيب: وفي كل حيِّ قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب وقال النابغة في تمهي بساط الاعتذار: كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا العمل في جامع الصلاة وقع فيه قول عبد الله بن عمرو بن العاص الذي سأله: «أأُصلي في عطن الإبل؟ فقال: لا». اختلف في سبب النهي. وفي «تفسير ابن مُزين للموطإ» عن عيسى بن دينار قال لي ابن وهب: إنما كره ذلك؛ لأن الناس يستترون بها عند الخلاء. قلت: هذا في المناهل، فإن كان في المؤبلة؟ قال: لا أرى بالصلاة في إعطانها هنالك؛ لأن ..... ليست بنجسٍ أهـ.

стр. 112

جامع الصلاة مالكٌ عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». حديث مرسل من أجمل مراسيل مالك ﵀. وهو مرويٌّ في «مسند البزار» من طريق آخر عن أبي سعيد الخدري وفي «مسند العُقيلي» عن أبي هريرة. ودعاء رسول الله ﷺ أفاد غرضين: أولهما: نُفرته ﷺ من أن يكون بعض شؤونه سبب ضلال تحقيقًا لمعنى كونه رحمةً للعالمين، ووسيلة هدي مع أن عبادة قبره والعياذ بالله لا تلحقه منها تبعة، فإن عيسى ﵇ عُبد من دون الله، وقال: ﴿وكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]. المقصد الثاني: أنه كناية عن طلب توفيق أمته بأن يعصمهم الله من عيادة الأوثان التي وقعت فيها أمم أخرى بعد اهتدائها مثل: اليهود والنصارى؛ لأن المسلمين لو عبدوا الأوثان والعياذ بالله لكان أحق أحد بأن يعبدوه هو رسولهم، فإذا طُلبت لهم السلامة من أن يعبدوا قبره كان ذلك مستلزمًا طلب سلامتهم من عبادة كل وثنٍ. * * *

стр. 113

مالكٌ عن يحيي بن سعيد؛ أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان: إنك في زمان كثيرٍ فقهاؤه قُراؤه، تُحفظ فيه حدود القرآن وتُضيَّع حروفه، قليلٌ من يسأل، كثيرٌ من يُعطي، يطيلون فيه الصلاة ويُقصرون الخطبة، يبدئون أعمالهم قبل أهوائهم. وسيأتي على الناس زمانٌ قليلٌ فقهاؤه كثيرٌ قراؤه. تُحفظ فيه حروف القرآن وتُضيَّع حدوده. كثيرٌ من يسأل قليلٌ من يُعطي. يطيلون فيه الخُطبة ويُقصرون الصلاة، يبدَّئون فيه أهواءهم قبل أعمالهم. مساق كلام ابن مسعود الثناء على الزمان الذي هو فيه بأن أهله يضعون أمور الدين مواضعها فيقدِّمون الأنفع على غيره، ولا يشتبه عليهم التفريط بالاستقامة. وذمُّ الزمان الذي سيجيئ بأن أهله يفيتون الأنفع والنافع، ويعبأون بما دون الأنفع وبالضار؛ لأنهم لا يضعون أمور الدين مواضعها في الترتيب والارتكاب؛ ولذلك جمع من صفات أهل الزمان الأول ما كلُّه فضائل، وجمع من صفات أهل الزمان الثاني أمورًا بعضها مفضولة وبعضها نقائص. فقوله: «كثير فقهاؤه قراؤه» أراد: القراء بدون فقه بقرينة المقابلة، كأنه قال: قليل أهل القراءة وحدها، ونظائر هذا كثير في الكلام إذا علق الفعل بلفظ يدلُّ على أقل حالة في الغرض المسوق له الكلام، كما وقع في قول أبي برزة: كان النبي يصليِّ الصبح وأحدنا يعرف جليسه، أي: فقط، ولا يعرف من هو أبعد منه، وكذلك قولهم: «هو أخوه لأبيه»، أي: دون أمه، فلا ينافي ما هنا ما وقع في «صحيح البخاري»: وكان القراء أهل مجلس عمر كهؤلاء كانوا أو شبانًا، فإنه أراد القراء الفقهاء. وقوله: «تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروف» أراد به: قِلة المنافسة في الاستكثار من حفظ ألفاظ القرآن عن ظهر قلب بالنسبة إلى المنافسة في العمل بما جاء به القرآن من واجبات، ومنهيَّات، وفضائل أعمال، وأخلاقٍ. وأما حفظ ألفاظه فبقدر التيسير. وليس المراد التمدُّح بإضاعة حروف القرآن، أي: ألفاظه مطلقًا. ومعلوم أنَّ ليس مراده بحروف القرآن اختلاف وجوه أداء ألفاظه بحسب لغات العرب؛ إذ ليس ذلك مما يقصده ابن مسعود. وفي «تفسير يحيي ابن مُزين للموطأ» عن عيسى بن

стр. 114

دينار ويحيي بن يحيي عن ابن نافع أن قوله: «يُبدئون فيه أعمالهم قبل أهوائهم» معنا: يبدأون الحق بما فرض الله عليهم قبل أهوائهم التي هي على خلاف الحقٌ. جامع الترغيب في الصلاة مالكٌ عن عمه أبي سُهيل أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله من أهل نجد، ثائر الرأس، يُسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله: «خمس صلوات في اليوم والليلة». قال: هل عليَّ غيرهنَّ؟ قال: «لا، إلا أن تطوَّع». قال رسول الله: «وصيام شهر رمضان». قال: هل عليِّ غيره. قال: «لا، إلا أن تطوَّع». قال: وذكر له رسول الله الزكاة، فقال: هل عليِّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوَّع». فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله: «أفلح الرجل إن صدق». هذا الرجل النجدي هو غير ضمام بن ثعلبة الوارد حديثه في «الصحيحين»؛ لأن ضمانًا من بني سعد بن بكر، ومنازب بني سعد ببادية مكة من تهامة وليسوا من أهل نجد؛ ولأن ضمانًا ذكر أنه رسولُ قومه بني سعد ووافدهم وهذا النجدي إنما جاء يسأل لنفسه؛ ولأن قول طلحة: «يسمع جويُّ صوته ولا نفقه ما يقول» يؤذن بأنه يتكَّلم لغة غير حضرية، ولغة بني سعد من اللغات الفصيحة المشهورة، وقد عُدت من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن في تفسير حديث: «أُنزل القرآن على سبعة أحرفٍ»؛ ولأن ضمامًا جاء كافرًا وسأل رسول الله ﷺ . ومن زعم

стр. 115

أنه ضمام فقد أبعد: وقول رسول الله ﷺ : «إلا أن تطوَّع» منقطع يفيد الاستدراك لرفع ما يتوهم من قوله: «لا» أن يظن السامع أنه غير مستفيد من عمل البر غير ما ذكر، وقرينة الانقطاع نفس لفظ التطوع المؤذن بالاختيار، فلا يدخل في النفي الوارد جوابًا؛ لقوله: «هل عليَّ غيرهنَّ» المفيد بكلمة (عليَّ) معنى الوجوب واللزوم. ومن قال: إنه استثناء متصل وأن المراد إلا أن تشرع في تطوع فيكون عليك إكماله، فقد خرج عن مهيع الكلام خروجًا تثقيلًا وما ذكرته أسدُّ وأقوم قيلًا. ومبادرة رسول الله ﷺ بذكر التطوع له انتهاز فرصة للترغيب في الخير. وما بيَّنه رسول الله ﷺ له من شرائع الإسلام هو الأعمال المتعينة على المسلم في خاصته فهي لازمة له بالذات، ولم يبين له الأحكام العارضة في المعاملات؛ لأنها تطول؛ ولأن عليه أن يسأل عنها عند حدوثها به أو تردده في الإقدام عليها، مثل الوفاء بالنذر كما هو معلوم لهم. على أن الظاهر أن هذا السائل جاء في مبدأ نزول رسول الله ﷺ بالمدينة قبل أن تتسع الشريعة ويجب الجهاد، ألا ترى أنه لم يذكر له الحج ولا الجهاد ولا ما هو معلوم المذمة عند الناس قبل مجيء الشريعة مثل: السرقة، والزنى. وفي هذا ما يبين تأويل قول رسول الله للناس: «أفلح الرجل إن صدق»؛ لأنه إذا أتى بالواجبات المفروضة عليه، فقد صار مفلحًا. العمل في صلاة كسوف الشمس جعلت الشريعة تغيرات أحوال الشمس فيما يبدو لنا أسبابًا لصلوات أي أوقات أمر بالصلوات؛ لأن الشمس آية عظيمة من آيات الله أو مظهر من مظاهر عظيم قدرته وخلقه؛ فجعل تغيُّراتها اليومية أوقاتًا للصلوات اليومية لمناسبة تذكيرها بالخالق المستحق

стр. 116

العبادة وغير ذلك، كما تقدَّم في أوَّل وقوت الصلاة، وجعل لغير أحوالها النادرة سببًا لصلاة الكسوف في جماعة خُضعانًا لله تعالى، وإشفاقًا من أن يكون كسوفها علامة اختلال يعرض في نظام هذا العالم فيحترم الناس ويحول بينهم وبين التوبة. وصلاة الكسوف غير واجبة، ولكنه سنَّة؛ لأنها لم تقرن بعلامات الإيجاب مثل الأذان لها، والتحريض على فعلها، ولوم من تخلَّف عنها. وجعلت صلاة الكسوف على هذا الطول، لقصد أن تستغرق الصلاة وقت الكسوف كله؛ فيكون طول الصلاة وقصرها بحسب المقدار الذي يُظن تجلَّي الكسوف عنده. وأمَّا القمر فلم يُجعل تغيّره بالخسوف سبب صلاة جماعة؛ أنه يكون في وقت انزواء الناس في بيوتهم فرُغِّبوا في التنقل أفذاذًا عند حدوث خسوفه. وقد نبَّههم الرسول ﵊ إلى أن كسوف الشمس أو القمر لا يُؤذن بحوادث بين الناس؛ ليزيل عنهم العقائد الوهمية المفسدة للتفكير؛ إذ قد ظن ناس أن الشمس خسفت لموت إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وعلى ذريته وسلم، فقال لهم في خطبته إبطالًا لذلك الوهم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته» أي: لموت أحدٍ أسفًا عليه ولا لحياته غضبًا عليه أو إعلامًا بشؤمه. ما جاء في صلاة الكسوف وقع فيه قول الراوي: «وأما الكافر أو المنافق لا أدري أيتهما قالت أسماء؟ ».

стр. 117

أي آية الكلمتين؛ لأن القول إنما يتعدى إلى الكلمات فلا عبرة بكون اللفظين مذكرين. الاستمطار بالنجوم مالكٌ عن صالح بن كيسان عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعودٍ عن زيد بن خالدٍ الجُهني أنه قال: صلي لنا رسول الله صلاة الصُبح بالحديبية على إثر سماءٍ كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ بي، فأمَّا من قال: مطرنا بفضل الله ورجمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب. وأمَّا من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب». المعنى: أصبح من عبادي مؤمن بي ثابتٌ على إيمانه السابق، وكافر بي باق على كفره السابق، وليس المراد أن الكافر صار مؤمنًا ولا أ، المؤمن صار كافرًا؛ لبعده عن الفهم؛ فليس في الكلام ما يقتضي أن مَن قال: «مطرنا بنوء كذا» من المؤمنين يصير كافرًا، ولا أن من قال: «مطرنا بفضل الله» يصير مؤمنًا، إذا كان لم يوحِّد الله تعالى، فإذا كان المراد من الكفر حقيقته الشرعية المعروفة، فالمعنى كما تقرر: أصبح من عبادي من يقول هذا وهم المؤمنون، ومن يقول ذلك وهم عبدة الكواكب، وهذا ظاهر الحديث. والمقصود منه بيان فضيلة المؤمنين في تصاريف عقائدهم كلها، ونزاهتِها عن الوهم والسخافة، وتخليط حقائق الأشياء بأن يشتبه عليهم السبب العادي بالمدِّبر الفاعل؛ ويحتما أن المراد بالكافر المشابهة، أب أصبح من عبادي مؤمن خالص لا يشبه قوله قول الكافرين، ومؤمن يشبه قوله قول الكافرين وهو مَن يقول من المسلمين «مُطرنا بنوء كذا» يجري على لسانه ما كان يعتاده في الجاهلية لغفلة عن الاعتقاد أو لخفة ذلك على اللسان؛ فيكون المقصود من هذا الكلام التحذير من التساهل في الأمرين، ولكن هذا الاحتمال يبعده قوله: «فذلك كافر بي» إلَّا على اعتبار التشبيه البليغ. وعلى كلا الاحتمالين فإن من يقول: «مُطرنا بنوء كذا» إذا لم يقصد منه كون النوء مدبرًا شريكًا لله في التقدير لا يكفر بقوله ذلك، ويحتمل أن يكون المراد

стр. 118

بالكفر كفر النعمة، فإن المطر نعمة أنعم الله بها، فالذي يقول: «مُطرنا بنوء كذا» قد أسند النعمة إلى غير النعم بها في ظاهر قوله، فكان كافرًا بالنعمة؛ إذ يشغله الاشتغال بتعرُّف النوء الذي حصل عنده المطر عن التفكير في شكر المنعم بالمطر؛ فالمقصود من الكلام تشنيع هذه المقالة. ما جاء في القبلة شُرع استقبال جهة معينة في الصلاة إكمالًا لاستحضار الوقوف بين يدي الله حتى يكون المصلي غير مختار أن يتوجه حيث شاء، بل إنما يتوجه لجهة معينة يستشعر بها أنه متوجه إلى عبادة ربه تعالى، فكان من المناسب أن تعيّن جهة الصلاة بجهة شيءٍ له مزيد تعلق بتذكير الله تعالى. واتفق أهل العلم على أن رسول الله ﷺ والمسلمين أيام كانوا بمكة قد استقبلوا جهة معينة في الصلاة. والأصح أنهم استقبلوا جهة بيتٍ المقدس، أي جهة الشرق؛ لأن بيت المقدس بنيت على موضع مسجد إبراهيم ﵇ الذي بناه بعد الكعبة بأربعين سنة، كما ورد في حديث أبي ذر عن رسول الله ﷺ في «صحيح البخاري». ولا شك أن الاستقبال كان بأمر من الله تعالى، ولولا ذلك لما تأخر رسول الله ﷺ عن استقبال الكعبة، حتى يرد له الأمر بذلك من الله تعالى، كما أنبأ به قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]، وقد رُوي أن رسول الله ﷺ كان في مكة يجعل الكعبة بينه وبين جهة بيت المقدس؛ فلما هاجر إلى المدينة تعذَّر ذلك؛ فتمحض أن يتجه إلى بيت المقدس، ولم يصحَّ ذلك. وروي أنه كان في مكة يستقبل الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس قبل الهجرة بثلاث سنين، فصلى كذلك ثلاث سنين، ثم هاجر إلى المدينة، فاستمر كذلك إلى أن أمر باستقبال الكعبة، ولم يصح، إذ يكون حكم القبلة قد نسخ مرتين، وهذا غير لائق بالشريعة. ومن العجائب أن أيا بكر بن العربي ساير هذا في «العارضة» وجعل له نظيرين: نسخ نكاح

стр. 119

المتعة مرتين، ونسخ أكل لحوم الحمر الأهلية مرتين. وكلُّ ذلك بناء على أساس واه نشأ عن اضطراب في الرواية في أحكام هذه الثلاثة، وليس هذا موضع بيانه. وإنما أمر رسول الله ﷺ باستقبال بين المقدس في مدة مقامه بمكة؛ لأن الكعبة كانت محوطة بالأصنام، فلو استقبلها رسول الله ﷺ لاتخذ المشركون ذلك شبهة يرجون بها صحة معتقدهم، فلما هاجر رسول الله ﵊ والمسلمون إلى المدينة وتقرَّرت مجافاته لشعائر الشرك بالخروج من بين المثرين على الإشراك لم يبق في استقبال الكعبة شُبهة يتخذها المشركون حجة على المسلمين، والحكمة في إمهال الأمر باستقبال الكعبة إلى مضي ستة عشر شهرًا من حين الهجرة إلى المدينة، قطعُ طماعية المشركين في ندامة المسلمين على خروجهم من مكة أن يقولوا: لما خرجوا من بيتنا حنُّوا إلى مكة فاقتنعوا باستقبالها؛ فكانت المدة التي مضت مدة لا يبقى للشوق بعدها مخامرة للنفوس، فلا يستطيع مدع أن يدعي أن الاستقبال كان حنينًا إلى الأوطان، ومن الناس من قال: إن رسول الله ﷺ استقبل بيت المقدس تأليفًا لليهود بالمدينة. وهذه غفلة إذ قد استقبله بمكة وليس في مكة يهود. ثم اختار الله لرسوله ﵊ وللدين أن تكون قبله أهله الكعبة؛ لأنها أولى الجهات باستقبال مناجي ربه، إذ الكعبة أول بيت أقيم لإعلان توحيد الله، كما بيَّناه في تفسير قوله تعالى: ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، ولأنه أول بيت بناه رسول بيده. فإنه بناه إبراهيم قبل أن يبني المسجد الأقصى. الرخصة في قراءة القرآن على غير وضوء مالكٌ عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن مجمد بن سيرين، أن عمر بن الخطاب كان في قوم وهم يقرؤون القرآن، فذهب لحاجته، ثم رجع وهو يقرأ القرآن، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أتقرأ القرآن ولست على وضوء؟ ، فقال له عمر: من أفتاك بهذا أمسيلمة؟

стр. 120

كان هذا الرجل من بني حنيفة، والاستفهام في قول الرجل: «أتقرأ القرآن على غير وضوء؟ » إنكار واستغراب؛ فلذلك أغلظ له عمر الجواب؛ لأنه وضع نفسه في عداد من ينكر على أهل العِلم، وهو ليس منهم ولا كان من قومه أهل علم؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بالردَّة في خلافة أبي بكر، وكانوا تبعًا لمسيلمة الكذَّاب، ولقد كان هذا الرجل جديرًا بما تلقاه من عمر؛ إذ كان عليه أن يجعل فعل عمر قدوة يقتدي بها، فلما تجاوز طوره وجب زجره. ما جاء في القرآن مالكٌ عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قال: أُنزلت «عبس وتولى» في عبد الله ابن أم مكتوم. جاء إلى رسول الله، فجعل يقول: يا محمد استدنني، وعند النبي رجلٌ من عُظماء المشركين، فجعل النبي يُعرض عنه ويُقبل على الآخر، ويقول: يا أبا فُلان هل ترى بما أقول بأسًا؟ فيقول: لا والدماء ما أرى بما تقول بأسًا، فأنزلت: ﴿عَبَسَ وتَولَّى (١) أَن جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢]. كان ذلك بمكة في صدر الإسلام أيام عرض رسول الله ﷺ القرآن على مشركي مكة، وكان ابن أم مكتوم من المسلمين الأولين، وكان أعمى البصر، والرجل الذي عند رسول الله من عظماء المشركين. قيل: هو عتبة بن ربيعة، وقيل: أبي بن خلف، وقيل: أمية بن خلف، وقيل: شيبة بن ربيعة. ومعنى قول رسول الله ﷺ : «هل ترى بما أقول بأسًا»: أي: ضرًا عليك وعلى قومك؛ وذلك لأن أول ما نزل من القرآن

стр. 121

كان تذكيرًا بالخلق، وتحذيرًا من كفر نعمة الله، وإثباتًا لنبوَّة محمد ﷺ ، ووعدًا على الأعمال الصالحة؛ مثل: سورة اقرأ باسم ربك، وسورة المدثر، وسورة المزمل، ولم يكن فيه شيء من التعرض لآلهتهم، فلم يتلقوه بالقبول، وكذبوا الرسول، وأنكروا البعث، وناصبوا رسول الله ﷺ والمؤمنين العداء؛ فلذلك عَرض رسول الله على أحد عظمائهم ما نزل من القرآن، فقال له الآخر: «ولا الدماء، ما أرى بما تقول بأسًا». وكان رسول الله يرجو أن يسلم ذلك العظيم، فيقتدي به قومه، أو أن يصدًّ قومه عن أذى المسلمين، وقد رأى من الرجل تأثرًا بالقرآن ومقاربة للإيمان، فجعل يُعرض عن الاشتغال بابن أمِّ مكتوم خشية امتعاض هذا الرجل، وخشية انفضاض المجلس عن غير طائل، فكان شغل رسول الله ﷺ شغلًا بمهمِّ شرعي عظيم، اجتهد رسول الله ﵊، فرأى أنه أهم من الاشتغال بابن أم مكتوم؛ لأن المشرك إذا دخل في الإسلام زاد في أتباعه، وابن أم مكتوم إسلامه حاصل وإرشاده لا يَفوت؛ ولكن الله تعالى لم يقرَّه على اجتهاده هذا، فأعلمه بأن الاشتغال بهدي أحد من المؤمنين والاهتمام به أولى عند الله من الاشتغال بمحاولة إقناع أحد المشركين؛ لأن إكمال هدي المؤمن بما يزيده تزكية ورشدًا محقق الحصول؛ لأنه طالب هدي؛ ولأن الإقبال عليه يزيده محبَّةً لله ورسوله، وهدي المشرك مشكوك فيه؛ لأنه مكابر معاند، وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]. والإقبال عليه لا يزيده إلا طغيانًا. فهذا علم جديد أوحى الله به إلى رسوله ﷺ ؛ ليعلم به أصلًا من أصول دين الإسلام. وقول ابن أم مكتوم: «استدنني»: أي: خذ بيدي. أراد أن يصل إلى الجلوس عنده؛ لأنه لما بلغ البيت خشي إن هو استمر على المشي إلى النبي ﷺ لأن يطأ جالسًا أو يعثر في شيء؛ ولذلك حكى الله حاله بقوله: «الأعمى»، فليس في ذلك تحقير لابن أم مكتوم، ولا تعريض بأن رسول الله ﷺ عبس له؛ لأنه أعمى، إذ لا يخطر ذلك بالبال. وقول المشرك: «لا والدماء»: قسم تلطف فيه المشرك، فلم يباشر رسول الله ﵊ بقسم بآلهتهم، فأقسم بالدماء التي هي دماء الهدايا في الحج. وقد يُقال: كان اجتهاد رسول الله جاريًا على حسب ظواهر الأحوال دون إطلاع على مراد الله بها، فإن السعي إلى هداية مشرك أهم، وأعنى من الاشتغال ببعض المسلمين اشتغالًا قد يفيت إقناع ذلك المشرك، فيعلم أنَّ ذلك المسلم جاء مستزيدًا اهتداء، وجاء بقلبٍ سليم ممتلئ إيمانًا وخيرًا، ويعلم أن المشرك مصر على

стр. 122

شركه، وأن إظهاره الاقتناع بما يقول رسول الله ﷺ محض مصانعه ومؤاربه، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ [عبي: ٥] أي: طغى وكفر، ﴿فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) ومَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٥، ٦]، فكان حال رسول الله ﷺ في هذه القضية كحال موسى مع الخضر، فقد حصل ذانك المقامان لرسول الله ﷺ من تلقاء ربه من غير احتياج إلى مخلوق، فكان العلمان الحاصلان له علمين لدنيين، والله أعلم. ما جاء في قراءة قل هو الله أحد عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] يُرددها فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالُّها، فقال رسول الله: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن». هذا الحديث معضودٌ بمثله عن أبي أيوب، وأبي هريرة، وأبي بن كعب، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي الدرداء، وأم كلثوم بنت عقبة. وانحصرت التأويلات التي تأوَّل بها أصحاب معاني الآثار لهذا الحديث في أربعة تأويلات: الأول: أنها تعدل ثلث القرآن في الأجر، أي: يكون لمن قرأها من الأجر مثل ثلث أجر من قرأ القرآن كله بدونها. ونسبه ابن السيد إلى الفقهاء والمفسرين، وهو رأي الأيِّي. التأويل الثاني: أن ذلك لمن لا يُحسن غيرها أو في مدة محاولة تعلم غيرها معها، أو أراد ذلك القارئ المعين أو نحوه ممن قرأها على صفة الخشوع والتحسر؛ لأنه لم يحسن غيرها، كما ينبئ به قول الراوي: «وكأن الرجل يتقالُّها». الثالث: أنها تعدل ثلث القرآن باعتبار أجناس معانيه؛ لأن القرآن أحكام، وأخبار، وتوحيد. وقد انفردت هذه السورة بجمعها أصول العقيدة الإسلامية مع الإيجاز. وأقول: إن هذا يشبه قولهم: الفرائض نصف الفقه، أي: نصف جنسه؛ لأن منه أحكام الأحياء ومنه أحكام الوفيات. وكذلك قولهم: لا أدري نصفُ العلم؛ لأن العلم منه فهم، ومنه توقف. ونحوه ما روي في الحديث وإن كان ضعيفًا: «خُذوا شطر

стр. 123

دينكم عن هذه الحميراء»: يعني عائشة، بناء على تأويل الشطر بأنه شطر الأحكام، أعني الجنس المتعلق بأحكام النساء. ويرجح هذا التأويل ما رواه مسلم عن أبي قتادة، وأحمد عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاءٍ، فجعل قل هو الله أحد ثلث القرآن». أي: كان ذلك قبل نزول آيات مثلها نحو آية الكرسي؛ أو لأنها لا توجد سورة واحدة جامعةً لما في سورة الإخلاص. التأويل الرابع: أنها تعدل ثلث القرآن في الأجر مثل التأويل الأول، ولكن لا يكون تكرير هذه السورة بمنزلة قراءة ختمة من القرآن؛ ولكن قراءتها مرة لها من الأجر مثل ثلث أجر قراءة جميع القرآن، قاله إسحاق بن راهويه. وفي «سماع ابن القاسم» من كتاب الصلاة الثاني من «العتيبة»: سئل مالك: عمن قرأ: قل هو الله أحد مرارًا في ركعة واحدة؟ فكره ذلك، وقال: هذا من محدثات الأمور. قال ابن رشد: كره مالك ذلك لئلا يعتقد أن أجر من قرأ: قل هو الله أحد ثلاث مرَّات كأجر من قرأ القرآن كله، بتأويل ما رُوي عن النبي ﷺ : من أنها تعدل ثلث القرآن إذ ليس ذلك معنى الحديث عند العلماء، فإنهم أجمعوا على أ، من قرأ: قل هو الله أحد ثلاث مرات لا يساوي في الأجر من أحيا الليل بالقرآن كله، وقد اختلف العلماء في معنى قول النبي ﷺ : «أنها لتعدل ثلث القرآن» اختلافًا كثيرًا لا يرتفع بشيءٍ منه عن الحديث الإشكال، ولا يتخلص عن أن يكون فيه اعتراض أهـ. قلت: قال ابن عبد البرِّ: السكوت على هذه المسألة وشبهها أفضل من الكلام فيها وأسلم. قلت: إنها جمعت أصول العقيدة الإسلامية، وإبطال عقائد أشهر الملل المشهورة، فقوله: «هو الله» ردٌّ على الدهرين؛ إذ هو إثبات لوجود الله.

стр. 124

وقوله: «أحَد» رد على المشركين الخُلَّص الذين عبدوا آلهة كثيرة، ولم يعبدوا الله، مثل: مشركي اليونان، ومجوس الفرس، وعبدة الكواكب من العرب أمثال أهل سبأ، وعلى المشركين من العرب الذين اعترفوا لله بالإلهية، وأشركوا معه في الإلهية. وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]. أي: الذي يُقصد في المهمات دون غيره، رد على بعض المشركين الذين اعتذروا لعبادة الأصنام بأنها تقربهم إلى الله زلفى، وقالوا في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. وقوله: ﴿ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] إبطال لعقائد بعض أهل الكتاب من اليهود الذين أثبتوا الجسم لله تعالى. فقد زعموا أن يعقوب صارع الله تعالى وغلبه، فلقبه الله إسرائيل، أي: غالب إيل، وإيل اسم الله تعالى. ما جاء في الدُعاء مالكٌ عن أبي الزبير المكي، عن طاوسٍ اليماني، عن عبد الله بن عباسٍ: أن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل يقول: «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيام السماوات والأرض، ولك الحمد أنت ربُّ السماوات والأرض، أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حقٌ، والجنة حقٌ، والنار حق، والساعة حقٌ» إلخ. قوله: «نور السماوات والأرض»، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، فالنور استعارة لمدير الاستقامة وانتظام الأمور؛ لأن المتعارف أن النور هو الذي يمكن الإنسان من السير والعمل، وبدونه يكون في حيرة، كما تطلق الظلمة على الجهل؛ لأن فيها تستبهم الأشياء والطرق، ولذلك يمثلون الذي يعمل عملًا غير مفيد أو مضرًّا، فيقولون: هو كحاطب ليل، وكخبط عشواء في ظلماء. وقوله: «أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق»، جاء في لفظ الحق بالتعريف ليفيد قصرًا، وهو قصر ادعاء، أي: وجودك الحق دون وجود غيرك، وقولك، ووعدك دون قول غيرك ووعده؛ لأن هذه الصفات ثابتة لله تعالى ثبوتًا لا يقبل التخلف، فجُعلت كأن الحق قصر عليها، وأن وجود الحوادث وقولهم ووعدهم لمَّا كان عرضة للعدم والتخلف جعل كأنه لا أحقية له. والمقصود تعظيم الله تعالى والتأدُّب معه، وأما قوله: «ولقاؤك

стр. 125

حق» إلخ، فجاء على الأصل من التنكير؛ إذ لا مقتضى للتأدب والتعظيم فيها. العمل في الدُّعاء مالكٌ أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان يدعو، فيقول: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنُكرات، وحُب المساكين، وإذا أردت في الناس فتنةً، فاقبضني إليك غير مفتون». سأل رسول الله ﷺ أن يُجبل على حب المساكين، فاستُجيب له، لتكون نفسه الطاهرة قد بلغت غاية التزكية؛ حتى يصير انعطافها وميلها إلى من هو أولى بالعطف والرأفة ميل محبة لا مجرد ميل نفع، ودفع ضر، فإن مرأى فقير عند الناس يوجب انكسار الحالة، فيدعوهم إلى نفعه دعاءً متفاوتًا لقصد إراحة أنفسهم من ذلك الانكسار الحاصل لهم من رؤيته، حتى أن البخيل يكتفي بأن يدعو له بتيسير الرزق، ورؤية حال الغنى مبهجة قال الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩]، فسأل رسول الله ﷺ أن يكون المسكين منه بمرتبة المحبة، حتى يكون الإحسان إليه إرضاءً لنفسه لمحبته، وليس لمجرد دفع ألم الانكسار النفساني، فإذا بلغت النفس إلى محبة الفقير أو إلى القرب من ذلك بعدم احتقاره، فقد بلغت شأوًا عظيمًا في السبق إلى الخيرات، وزالت عنها فتنة المظاهر الخلابة.

стр. 126

مالكٌ أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «ما من داعٍ يدعو إلى هدى إلا كان له مثل أجر من تبعه» إلخ. يحتمل أن ذكر هذا البلاغ في هذه الترجمة سهوٌ جره أن في البلاغ كلمة «داع». ويحتمل أن المقصود التنبيه على الترغيب في الدعاء للمسلمين بالهدى والمغفرة؛ لأنه إذا استجيب له يكون سببًا في الهدي؛ ولأن فيه رغبة الداعي في حصول الهدي، فيكون شأنه أن يسعى إلى هدى الناس إن وجد إليه سبيلًا، وفيه التحذير من الدعاء على المسلمين؛ لأن تلك الدعوة وإن لم تكن مستجابة فإنها دالة على سوء طوية الداعي، فيكون شانه لو وجد سبيلًا إلى تضليل المسلمين أن يضللهم، ولهذا قال رسول الله ﷺ لمن قال لرجل سكران حين رآه: لعنهُ الله: «لا تعينوا الشيطان على أخيكم». ولعله يرتبط بالبلاغ بعده المروي عن ابن عمر؛ لأن دعاء ابن عمر بأن يكون للمتقين إمامًا، قد يُسأل عن وجه طلبه ذلك، ولماذا لم يقتصر على سؤال أن يكون من المتقين؟ ، فبينه بأن رسول الله أخبر بما يحصل من الأجر للداعي إلى هدى، فينبغي أن يدعو المرء بمثلٍ دعاء ابن عمر إن كان أهلًا لذلك، وإنما قدمه على المبين؛ لأنه من كلام رسول الله ﷺ ، فعُلم أن ابن عمر دعا بما هو عمل مُرغب فيه، ويحصل مع ذلك بيان مراد ابن عمر ﵁.

стр. 127

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ كتاب الجنائز

стр. 128

وقع في أكثر نسخ «الموطأ» الصحيحة كتاب الجنائز عقب كتاب الصلاة ووقع في بعض النسخ كتاب الزكاة إثر كتاب الصلاة، ثم الصيام، ثم الجنائز. ما جاء في دفن الميت مالكٌ أنه بلغه أن رسول الله ﷺ تُوفي يوم الاثنين، ودُفن يوم الثلاثاء وصلى الناس عليه أفذاذًا لا يؤمهم أحدٌ، فقال ناسٌ: «يُدفن عند المنبر، وقال آخرون: يُدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق فقال: سمعت رسول الله يقول: «ما دُفن نبيٌّ قط إلا في مكانه الذي تُوفي فيه، فحُفر له فيه. إلخ. أما صلاتهم أفذاذًا، فقد ذكر الباجي لها وجوهًا. والذي عندي أنهم رأوا أن الجماعة في صلاة الجنازة شفاعة للميت، ورسول الله هو الشافع للناس، فكانت الصلاة عليه فائدتها للمصلي لا له. وأما قول أبي بكر في الدفن، فلمَّا علم أبو بكر من ذلك أن هذه سنة الأنبياء السابقين كلهم كما يدل عليه لفظ (قط) المستغرق للزمان الماضي علم أنها كرامة لهم أكرمهم الله بها، حتى لا تنقل الأيدي أجسامهم إلا بقدر الضرورة؛ فكان محمد ﷺ حقيقًا بما لإخوانه من الكرامة، فيكون الاستدلال اجتهادًا من أبي بكر ﵁، ويجوز أن يكون أبو بكر علم من إخبار رسول الله ﷺ إيَّاه بذلك أنه صدر في معرض التنبيه وإظهار الاستحسان لذلك؛ فيكون كالوصية من رسول الله ﷺ بأن يفعل في دفنه مثل ذلك.

стр. 129

الوقوف للجنائز والجلوس على المقابر قال مالكٌ: «وإنما نُهي عن القعود على القُبور فيما نُرى للمذاهب». أي: فلفظ القعود كناية، مثل ما وقع في خبر بناء بيعة الحبشة المسماة: القُلَّيْس بضم القاف، وفتح اللام المشددة، وسكون التحتية المسماة بالكعبة اليمانية من قول الراوي: «فجاء الكناني فقعد فيها» قال ابن هشام أي: أحدث. ووجه هذا المحمل أن الشريعة منزهو عن كراهة أو تحريم شيء في حق الميت يجوز مثله في حق الحي، فإن القبر بيت للميت ولا مانع من القعود على سطح بيت أحد، أو على سرير فوق سريره كبيوت المدارس وفُرش مراكب البحر؛ فتعين تأويل اللفظ على محمل صحيح فصيح الاستعمال. ومن العجب قول ابن بطال: «إن تأويل مالك هذا بعيد»، وأعجب منه قول النووي: «إنه بعيد أو باطل». ففي صحيح البخاري في باب «الجريد على القبر»: «وقال عثمان بن حكيم أخذ بيدي خارجه؛ فأجلسني على قبر، وأخبرني عن عمِّه يزيد بن ثابت قال: إنما كُره ذلك لمن أحدث عليه، وقال نافع: كان ابن عمر يجلس على القبور». ولهذا قام مالك البلاغ الذي عن علي ﵁.

стр. 130

جامع الحسبة في المصيبة وقع فيه ما روى محمد بن كعب القرظي من قول المرأة الإسرائيلية للرجل العابد الفقيه الذي احتجب عن الناس آسفًا على زوجه لما توفيت: «إني استعرتُ حليًا من جارةٍ لي، فكنتُ ألبسه وأعيره زمانًا». ما ذكرته المرأة ليس من نعمة الله بالعارية، وما أخبرت به عن نفسها غير واقع، ولكنه لا يُعد من الكذب؛ إذ كان المقصود منه ضرب المثل مع إسفار الكلام في آخره عن مقصدها وأنها ما أرادت الكذب، وهذا مثل وضع مقامات الحريري، كما نبَّه عليه هو في «خطبته». فإن قلت: التمثيل يتم بقولها: «إني استعرت حليا من جارة لي»، فما وجه زيادة قولها: «فكنت ألبسه» ثم زيادة قولها: «وأُعيره زمانًا»، فإن في الاقتصار على أنها استعارت مندوحة عن الزيادة في الإخبار بخلاف الواقع، وقد قال رسول الله ﷺ : «في المعاريض مندوحة عن الكذب». قلت: أرادت بذلك إتمام التمثيل؛ لأن في اللبس والإعارة للناس زيادة تمكن من الانتفاع وطول المكث بحيث أشبه الملك لعلم الجارة بتصرف المستعيرة تصرفًا واسعًا؛ ولذلك أعادت على الفقيه لما أفتاها برده، فقالت: «إنه مكُث عندي زمانًا». * * * ووقع فيه قولها: «أي يرحمك الله» فقد ضبطه الشارح الزرقاني بفتح الهمزة وسكون الياء حرف نداء؛ فيكون المنادي محذوفًا؛ فيرجع النداء إلى كونه مستعملًا في التنبيه.

стр. 131

ووجدته في نسخ لا بأس بها، مضبوطًا بكسر الهمزة، فيكون حرف جواب لتصديق مضمون كلامه الفقيه، لكن المعروف في «إي» الجوابية أن يليها القسم، فقد جاءت هنا على النادر. جامع الجنائز وقع فيه قول النبي ﷺ : «كل ابن آدم تأكله الأرض، إلا عجب الذنب منه خُلق وفيه يُركب». ثبت في روايات النسخ الصحيحة من «الموطأ»: «وفيه يُركب» بلفظ (في) الظرفية، وهو كذلك في رواية الأعرج عن أبي هريرة عند مسلم في كتاب «الفتن» من غير طريق مالك كما هي في «الموطأ»؛ وكذلك في رواية همَّام بن منبه عن أبي هريرة عند مسلم، ووقع في نسخ لا يوثق بصحتها من «الموطأ»: «ومنه يركب» بلفظ (من) الابتدائية، وهي كذلك في رواية أبي صالح عن أبي هريرة في حديث أطول عند مسلم، ولعل ما في نسخه «الموطأ» قد انجر لها من هذه الرواية؟ ومعنى (في) على الرواية الثابتة في «الموطأ»: هو الظرفية المجازية المقاربة لمعنى الملابسة، أي: يركب ويعاد في عجب الذنب، أي: مظروفًا تركيبه في العجب، وهو ما ورد في بعض الأحاديث أن الناس ينبتون من عجب الذنب، فالإتيان بفي لإجمال موضع التركيب وكيفيته، أي: يحصل التركيب في العجب، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]، وقول سيرة الفقعسي من شعراء الحماسة: نحابي بها أكفاءنا ونُهينا ... ونشربٌ في أثمانها ونقامر يريد: الإبل التي أخذوها في الدية، أي: يحصل شرب وتقامر مظروفان في أثمان تلك الإبل. * * *

стр. 132

مالكٌ عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كل مولود يُولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يُنصرانه، كما تناتج الإبل من بهيمةٍ جمعاء هل تُحس من جدعاء؟ قالوا: يا رسول الله، أرأيت الذي يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين». أي: يولد على ما فطر الله، أي: خُلِقَ عليه العقول من إدراك حقائق الأشياء على ما هي عليه واستفادة المدلولات من الأدلة، فلو ترك دون تلقين للضلالة لاستفاد أصل الهدى الذي جاء به الإسلام بنفسه، أو لأذعن إلى دعوة الإسلام وتصديقه بصحة نظره. وقوله: «كما تناتج الإبل» تمثيل؛ و «تناتج» بفتح المثناة الفوقية في أوله، وأصله تتناتج بتاءين حذفت أولاهما اختصارًا. ومعناه أنتجت، أي: ولدت؛ فالمفاعلة ليست على بابها بل هي للإشارة إلى الكثرة، أي كعموم ما تلده الإبل؛ وما موصولة والرابط محذوف على الغالب، أي كالذي تلده الإبل غالبًا دون علَّة وهو المشبه به، والمشبه هو ولد الآدمي، شبه يولد الناقة، وليست (ما) بمصدرية كما يتوهَّمه كثير. وقوله: «من بهيمة» من فيه بيان للإبهام الذي في الموصول، فما صدق بهيمة هي البهيمة المولودة لا البهيمة الوالدة، والمعنى: كالذي تلده الإبل من الأولاد الجمعاء لا جدعاء فيها، وإنما يُجدع ابنها بفعل أهلها؛ وبذلك تم التمثيل. وإيَّاك أن تظن (من) ابتدائية؛ لأن ذلك لا يستقيم معه التمثيل؛ لأن المقصود تمثيل حال عقل الآدمي المولود في كماله واستقامته بحال جسد البعير المولود في تمامه، وليس المراد التمثيل بتمام جسد الوالد؛ لأنه يفضي إلى أن يكون الممثل تمام عقل الوالدين وهو يفسد المعنى المقصود، فشدَّ يدك بهذا التفسير، فإن هذا الحديث قد أخطأ فيه جمٌّ غفير. وقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» يتعيَّن أن (كان) فيه زائدة، وأن أصل الكلام: الله أعلم بما عملوا، أي الله أعلم بما صاروا إليه في الآخرة، فقد أمسك رسول الله ﷺ في هذا الحديث عن الجواب عن هذا السؤال وفوضه إلى علم الله تعالى مثل أمر الروح وأمر الساعة، وليس المقصود أن الله يجعلهم على مراتب تناسب ما كانوا سيفعلونه من خيرٍ أو شرٍّ، كما توهمَّه الشراح؛ لأن ذلك معنى غير مستقيم، إذ

стр. 133

لا يكون الجزاء مترتّبًا على عمل لم يقع لا سيَّما الجزاء السوء؛ وإذ لا معنى لتعليق علم الله بشيء غير واقع، فقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» هو كما يقولون: ليت شعري ما صنع فلانٌ، لا يريدون البحث عن عمله؛ إذ لا عمل مقصود بمعرفته، بل يريدون: ليت شعري ماذا كانت حاله في مغيبه عنِّي. فإن قلت: فقد ورد في رواية عن ابن عباس في هذا الحديث في «صحيح البخاري» قوله: «سئل رسول الله عن أولاد المشركين، فقال: الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين»، فقوله: «إذا خلقهم» ظرف، أي قد علم الله عملهم من حين خلقهم، وهو يؤيد ما حمل الشُّراح عليه معنى حديث «الموطأ». قلت: كلا؛ لأن (إذ) غير متعينة لهذا المعنى، فإن معناها التعليل، أي الله أعلم بحالهم؛ لأنه خالقهم، ويتعين حمله على هذا؛ لأن معناها التعليل، أي الله أعلم بحالهم؛ لأنه خالقهم، ويتعين حمله على هذا؛ لأن المحمل الآخر قد علمت فساده فتعيَّن غيره، ويؤيِّد ما قلته أن أحمد بن حنبل روى حديث ابن عباس أنه قال: «حدَّثني رجل من أصحاب رسول الله عن النبي ﷺ أنه قال: «ربهم أعلم بهم هو خالقهم، وهو أعلم بما كانوا عاملين»؛ فلعل ما وقع في رواية البخاري: «إذ خلقهم» رواها الراوي عن ابن عباس بالمعنى حسب ظنه. * * * مالكٌ عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يمُر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه». التعريف في لفظي (الرجل) في الحديث تعريف الاستغراق، أي حتى يمرَّ كل رجل بقبر كل رجل، أي: يقبر أي رجل يمرُّ بقبره؛ فيتمنى أن يكون مكانه، أي حتى يصير الموت أحب إلى الناس من الحياة لما يلاقون في الحياة من الفتن والأضرار، وليس المراد حتى يمر رجل بقبر رجل آخر، فيتمنى أن يكون مكانه؛ لأن هذا قد يقع في كل زمان إذا عرض لبعض الناس ما يسأم منه الحياة. كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ

стр. 134

كتاب الزكاة

стр. 135

وقع في أكثر النسخ كتاب الزكاة قبل الصيام، ووقع في بعض النسخ كتاب الصيام قبل الزكاة. الزكاة اسم جاء في الإسلام مرادًا به الحق الذي يجب على الغنيِّ إعطاؤه من ماله لنفع فقراء المسلمين ونوائب المسلمين؛ وكأنها سميت زكاة؛ لأنها تزكي المال، أي: تطهره من الفساد والتبعات. وأحسب أ، هذا المعنى كان معروفًا في كلام العرب؛ لأن هذا اللفظ ما ورد في آيات القرآن لم يحتج الرسول ﵊ لتبيين المراد منه، فالزكاة أخص من الصدقة؛ لأن الزكاة حقٌ لله في مال الغني والصدقة عطية يتطوع بها المُعطي وإن لم يكن غنيًّا، ومن الزكاة يكون جزء عظيم من الأموال التي تنفق في المصالح العامة للمسلمين المعبَّر عنها ببيت المال، وقد قال أبو بكر لعمر بن الخطاب في المحاورة التي دارت بينهما حين عزم على قتال مانعي الزكاة لأقاتلنَّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال»، وقد كانت بذلك جديرة أن تعدَّ في شعائر نظام ولاية أمر المسلمين، ولكن الله رفع قدرها؛ فجعلها عبادة وقربة وقارن بها الصلاة تنويًها بشأنها، وجعلها من خطاب التكليف المقصود لذاته، وجعل الغني المعبر عنه بالنصاب، ومرور الحول الذي يتحقق به الغنى فيما اشترط فيه مرور الحول بمنزلة تسقط الزكاة عن أيتام المجانين؛ لأنها حقُّ المال، وليست عبادة على المعنى الأتمِّ؛ ليكون بذلك كله داعي المسلم إلى إعطائها من نفسه؛ لأنه يراها ذخرًا اتخذه عند ربه. وبهذا الجعل الإلهي يكون تناول الفقير حظه من مال الزكاة غير مُغض به؛ فيبقى بذلك حسنّ المبرة بين أغنياء الأمة وفقرائها. ولو جُعلت الزكاة بمنزلة المغارم المالية، ونزلت منزلة آثار خطاب الوضع، مثل ضمان قيم المتلفات، فاعتبر الغنى أصلًا والزكاة فرعًا له -لحديث في النفوس أنفة تبعثهم على منعها علينًا أو خفية؛ فينقطع بذلك حبل التواصل بين الأغنياء والفقراء وبين الراعي والرعية؛ وذلك يدخل خللًا عظيمًا يميت من الأمة رابطة التعاون على المصالح ويفتح أبواب التأويل لمنع الزكاة؛ وذلك خيال لما تخيَّله

стр. 136

بعض قبائل العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ دفهم إلى منع الزكاة، فقالوا: إنما كنا نعطي حق أموالنا لرسول الله؛ فإذا قد توفيِّ رسول الله، فلا ندين بذلك لرجال أمثالنا، وقد قال بعض هؤلاء من قبيلة طي، ولعله يعني أحد سعاة الزكاة في صدر خلافة أبي بكر ﵁: فقولا لهذا المرء ذُو جاءَ ساعيًا ... هلم فإن المشرفي الفرائض وقد قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: «فإن هم أطاعوا لك لذلك (أي بالإيمان والصلاة)؛ فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم» وفي معناه ما وقع في حديث ضِمام بن ثعلبة. وإذ قد كانت الزكاة حقًا في مال الغني كان مناط تقدير الأنواع والمقادير التي تجب فيها الزكاة شرعًا منظورًا فيه إلى ما يعتبر غنى لصاحبه من الأموال التي لا ينعدم النفع بها، وفي المقادير التي لا تحسب تافهة ولا غير ثابتة في ملك أربابها، فمن هنا تتشعب أحوال الأموال الزكاة وغيرها، والمقادير التي تجب فيها الزكاة من تلك الأموال، ومرور الزمن الذي يتحقق به الغنى عن استهلاك ذلك المال في لوازم الحياة، وتظهر لفروق الجديرة بالاعتبار بين مختلف هذه الأمور؛ وذاك لا يجمع عن زمام النظر في تصاريف الشريعة. الزكاة في العين من الذهب والورق وقع فيه «وقال مالكٌ في رجل كانت له عشرة دنانير، فاتَّجر فيها فحال عليها الحول، وقد بلغت عشرين دينارًا أنه يُزكيها مكانه ولا ينتظر بها أن يحول عليها الحول من يوم بلغت ما تجب فيه الزكاة؛ لأن الحول قد حال عليها وهي عنده عشرون». هذا مما انفرد به مالك ﵀ من بين الفقهاء، فاعتبر حول ربح المال تبعًا لحول أصله،

стр. 137

ولم يشترط أن يكون الأصل نصابًا، وقاسه على حول نسل الأنعام، وهو قياس واضح بجامع أن كلًّا مما يزكي ومما يشترط فيه نصاب مخصوص، وقد اعتبر الشارع حول النسل تبعًا لحول أصله؛ فيقدر النسل كالموجود مع أصله وفي ضمنه، وكذلك ربح المال. وقول ابن عبد البر: «قاسه على ما لا يشبهه في أصله ولا في فرعه، وهما أصلان، والأصول لا يُرد بعضها إلى بعض وإنما يردُّ الفرع إلى أصله» كلام غير ملتئم وهو أشبه بالمصادرة إن لم يكن دخلًا. وقوله في «الموطأ»: «لأن الحول قد حال عليها، وهي عنده عشرون»، مقدمة صغرى للقياس، ونظمه هكذا: هذا مال له ربح حال عليه الحول وهو مثابٌ، وكل مال يربحه حال عليه الحول وهو نصابٌ، وجبت فيه الزكاة، ودليل المقدمة الصغرى الضرورة ودليل الكبرى الأصل المقيس عليه. الزكاة في المعادن «إن رسول الله ﷺ قطع لبلال بن الحارث معادن القبلية». وقع هذا في «الموطأ» (قطع) بدون همزة وعداه باللام، ووقع مثله في حديث «الصحيحين» أن رسول الله ﷺ أراد أن يقطع (بفتح الياء) للأنصار من البحرين، فقالوا: حتى تقطع لإخواننا المهاجرين، والموجود في كتب اللغة: أقطع بالهمزة معتديًا، ولم يذكروا قطع له. قال عياض في «المشارق»: أصله من القطع كأنه قطعة له من جملة المال أهـ. فهو استعمال صحيح؛ أن هذا من القياس في اللغة الذي

стр. 138

يندرج تحت قواعد الاشتقاق التصريفية العامة. زكاة أموال اليتامى لمَّا كانت الزكاة حق المال، وكان التصرف في مال الصغير موكولًا بحكم الشريعة إلى وليَّه خالف حكم الزكاة بقية أحكام خطاب التكليف، فلم بُعف من وجوبها مال الصغير؛ لأن سبب اشتراط البلوغ في خطاب التكليف، هو أ، خطاب التكليف ما عدا الزكاة أعمال يقوم بها المكلف، ولا تكليف مع الصبا. فأمَّا الزكاة فهي عمل في المال لا في البدن؛ فأعطيت حكم خطاب الوضع في وجوبها في مال الصغير، كما يجب فيه غرم المتلفات، ودفع النفقات، والمهور، وأثمان المبيعات، وقد بيَّنا قبيل هذا أن الزكاة إنما وضعها الشرع في عداد خطاب التكليف تنويهًا بشأنها، وأنها كانت جديرة بأن توضع في عداد خطاب الوضع، فلا شبهة في إيجابها في مال الصبي، على أ، حكمة مشروعيتها كانت تتعطل في أموال كثيرة؛ لكثرة أموال اليتامى؛ فيحرم الفقراء وأهل مصارف الزكاة من حق كثير في غنى واسع؛ ولذلك مضى عمل الصحابة ومَن بعدهم على إخراج الزكاة في مال اليتامى؛ وبذلك أخذ جمهور أئمة الفقه. وخالف أبو حنيفة، فأسقطها عن مال اليتيم؛ تغليبًا لجانب معنى خطاب التكليف. زكاة الميراث مالكٌ أنه قال: إن الرجل إذا هلك، ولم يؤد زكاة ماله، أرى أن يؤخذ ذلك من ثُلث ماله، ولا يُجاوز به الثلث، وتبدأ على الوصايا، وأراها بمنزلة الدين عليه، فلذلك رأيت أن تبدأ على الوصايا. قال: وذلك إذا أوصى بها الميتُ؛ فإن لم يوص بذلك الميت؛ ففعل ذلك أهله فذلك حسنٌ، وإن لم يفعل ذلك أهله لم يلزمهم ذلك. أي: تشبه الدين في حكم التبدئة على بقية الوصايا مثل التدبير، وهذا جمع بين

стр. 139

دليل تهمة قصد حرمان الوارث من الميراث للعداوات، وبين دليل أعمال الإقرار؛ فجعلت في الثلث خاصة لحق الوارث، وبدئت على غيرها من الوصايا؛ لضعف تهمة قصد تنقيص مال الوارث؛ لأن الزكاة عبادة، فلا يتهم المسلم أن يتقرب إلى الله بمعصية. الزكاة في الدين مالكٌ عن ابن شهابٍ عن السائب بن يزيد أن عثمان بن عفان كان يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دينٌ، فليود دينه حتى تحصل أموالكم، فتؤدون منه الزكاة. وجم شراح «الموطأ» في هذا المقام واستشعروا ما فيه من الإشكال. وأقدم أبو الوليد الباجي، فقال في «المنتقى»: «يحتمل أن قوله: «هذا شهر زكاتكم»، قاله لمن عَرف حاله في الحول. ويحتمل أنه يريد الشهر الذي جرت عادة أكثره بإخراج الزكاة فيه، إن كان يريد العين، وإن كان يريد الماشية؛ فأراد الشهر الذي يجب فيه إخراج زكاتها» أهـ. فضمير الرفع في قوله: (قاله) عائد إلى (عثمان)، وضمير (عرف) عائد إلى (مَن)، أي: المكلف الذي يعرف حال حول ماله. وأمَّا الاحتمال الثاني، فأراد بالعادة اصطلاح الناس تعين لتيسير تعيين أوقات زكواتهم؛ لأن مرور أحوال الناس مختلف باختلاف مبادئ تجمع نصب الزكاة عندهم، وأمَّا احتمال أنه يريد زكاة الماشية، وقد رُوي أن الشهر المشار إليه في كلام عثمان هو شهر رجب. فالذي أراه في معنى كلام الخليفة الثالث: أنه يشير إلى شهر مصطلح عليه بين التجار وأهل المعاملات التجارية، تبتدأ عند عقوده الشركات، والقراضات المؤجلة عند من لا يرى منع تأجيلها إلى آجال يتحقق فيها الربح وإجارات التجارة ونحوها، وتقوم فيه السلع؛ فيدخل على ذلك الداخل، ويخرج الخارج قصدًا لتسهيل الاستعداد لتصفية الأرباح وانتهاء القراضات والإجارات في التجارات عند من يرى جواز تأجيل القراضات، والظاهر أن هذا الشهر قد كان معروفًا عند أهل المدينة من قبل الإسلام،

стр. 140

فدرجوا عليه في الإسلام؛ وذلك كان من القريب أنه شهر رجب، فإن أهل الجاهلية كانوا يعترون، أي: يذبحون العتيرة في رجب، وهي شاة يذبحها من بلغت غنمه مائة شاة فهي تشبه الزكاة. على أني أحسب أن بعض العرب كان يجعل رجبًا مبدأ السنة لقولهم في المثل: «عِش رجبًا تر عجبًا»، ولعل أهل المدينة كانوا من هؤلاء، ويكون مراد الخليفة بالزكاة في كلامه زكاة التجارات وديونها. وبدون هذا المعنى يشكل الكلام؛ إذ لا يجوز التقدم ولا التأخر في الزكاة إذا مضى على النصاب عام، وسيجيئ في «الموطأ» في باب زكاة العروض قوله: «وما كان من مال عند رجل يديره للتجارة ولا ينض لصاحبه منه شيء تجب عليه فيه الزكاة؛ فإنه يجعل له شهرًا من السنة يقوم فيه ما كان عنده من عرض للتجارة ويحصي فيه ما كان عنده من نقد أو عين، فإذا بلغ ذلك كله ما تجب فيه الزكاة، فإنه يزكيه»؛ فيمكن أن أهل التجارات المدارة اصطلحوا بينهم على أن جعلوا شهر زكاة عروضهم وديونهم وأموال تجرهم من تجارتهم شهرًا متحدًا؛ ليكون ذلك أوفق بمعاملة بعضهم بعضًا؛ فصار ذلك أشهر شهر معاقداتهم، كما كان شهر زكاتهم. زكاة العروض وقع في حديث يحي بن سعيد: «أن زريق بن حيان كان على جواز مصر في زمان الوليد، وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، فذكر: أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه أن انظر من مر بك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون من التجارات من كل أربعين دينارًا دينارًا».

стр. 141

جواز مصر هنا مكان يجتاز منه التجار من المسلمين وغيرهم من البرِّ إلى البرِّ في طريق بحري غير طويل، وكذلك يسمى نفس التنقل في مثل هذا جوازًا، وقد سمى أهل الأندلس دخول الأمير يوسف بن تاشفين إلى أرض الأندلس دخول الأمير يوسف بن تاشفين إلى أرض الأندلس جائيًا من المغرب الأقصى جوازًا، والظاهر أن المراد بالجواز هنا إما خليجٌ من خلجان النيل التي تصل إلى بحر القلزم مثل: خليج القاهرة الذي أمر بحفره عمر بن الخطاب إلى بحر القلزم سنة ثمانى عشرة (١٨)، وجرت فيه السفن تحمل الطعام إلى مكة والمدينة. ذكره القلقشندي في صبح الأعشى (ص ٣٠٢ جزء ٣)، ردمه أبو جعفر سنة (١٥٢). وذكر المقريزي في «الخطط» هذا الخليج بتفصيل، فقال: خليج مصر بظاهر مدينة الفسطاط يمر من غربي القاهرة وهو خليج قديك كان قبل الإسلام؛ فلمَّا فتح المسلمون مصر انقطع الخليج وانسد، ثم جدد حفره عمرو بن العاص عام الرماده، فكان يصبُّ في بحر القلزم، فتسير فيه السفن إلى البحر الملح وتمر في البحر إلى الحجاز واليمن والهند، فاحتفر عمرو الخليج في حاشية الفسطاط، فساقه من النيل إلى القلزم، فجرت فيه السفن، فكان يُحمل فيه الطعام إلى مكة والمدينة، ودام إلى زمن عمر بن عبد العزيز، ثم ضيعه الولاة بعد ذلك، فترك وغلب عليه الرمل، فانقطع، وكانت السفن تخرج إلى الجار (مرسى الحجاز أيامئذٍ). وبنى عليه عبد العزيز بن مروان قنطرة. وفي «المقريزي» ما يؤذن بأن المدينة المسماة اليوم مدينة السويس كانت تسمى مدينة القلزم، وكانت تمرُّ بها مراكب اليمن والهند، وتُحمل منها التجارات إلى الحجاز واليمن والشام، وكانت المراكب تدفع فيها المكوس في زمن الفراعنة وتعشَّر السلع التي تمر بها المراكب، واستمر ذلك إلى عهد الدولة العبيدية. ما جاء في الكنز أي: في بيان المراد منه في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية، وأنه ليس المراد به كل مال مخبوء، كما توهمه أبو ذرِّ ﵁، بل المراد به المال الذي لم يؤدِّ مالكه

стр. 142

زكاته، كما فسَّره حديث أبي هريرة الآتي، وأجمع عليه جمهور الصحابة. * * * مالكٌ عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة أنه كان يقول: مَن كان عنده مالٌ لم يؤدِّ زكاته مُثل له يوم القيامة شُجاعًا أقرع يطلبه، حتى يُمكنه يقول: أنا كنزك. قوله: «حتى يمكنه» الضمير المنصوب البارز في قوله: «يمكنه» يعود إلى الشجاع. والضمير المرفوع المستتر في قوله: «يمكنه» يعود إلى من كان عنده مال، أي: حتى يمكن صاحب المال الشجاع، أي: يصير في مكنة الشجاع، يقال: أمكنني الأمر فهو ممكن. زكاة الماشية وقع فيه قول مالك: «وكذلك الإبل العُراب والبُخت». فالعراب بكسر العين: هي الإبل العربية، وهي أجود الإبل وأنجبها. والبخت: الإبل الخُراسانية، وهي ذات سنامين. صدقة الخلطاء الخلطاء الذين يخلطون إبلهم في الرعي والسقي والمُراح دون اشتراك. والمقصود من بيان أحكامها أن الساعي يأخذ من مجموعها كأنها إبلٌ لرجل واحد، والخلطاء

стр. 143

يتراجعون بينهم، فيكون على كل أحد منهم ما يوجبه نصابه من قدر الزكاة، فلا يكلَّف الساعي بتحرير ذلك؛ لأنه يطول وتكثر فيه الدعوى، بل يأخذ من الصبرة والخليطان يترادان بينهما بعد ذلك، فحالة الخلطة تشبه حالة الانفراد في أصل وجوب الإخراج على كل من أصحاب الغنم، وتشبه حالة الشركة في القدر المخرَج. * * * ووقع فيه قوله: «والدلو واحدًا». هكذا في معظم النسخ الصحيحة، وفي بعض النسخ «والدلو واحدة» بالتأنيث، والدلو تذكر وتؤنث والتأنيث أشهر. * * * ووقع فيه قوله: «والمراح واحدًا». وقد ضبط في النسخ بضم الميم وهو الأحسن، يقال: أراح الراعي الغنم، وقال تعالى: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ [النحل: ٦]، وقال النابغة: وصدر أراح الليل عازب همِّه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب ويجوز فتح الميم من قوله: راحت الغنم. ما يُعتد به من السجل ووقع فيه: «والأكولة هي التي تُسمن لتُؤكل». هكذا فسره مالك ﵀، وهو المتعيِّنن وهي فعولة بمعنى مفعوله؛ ولذلك قرنوها بهاء التأنيث تفرقة بينها وبين فعولة التي بمعنى فاعلة؛ لأنَّ فعولًا بمعنى فاعل يلزم الإفراد والتذكير، نحو: صبور، وبغي؛ لأن أصبه بغوي، وأمَّا فعول بمعنى مفعوله، فيجوز

стр. 144

فيه المطابقة وعدمها؛ ولذلك ورد في القرآن: ﴿فَقُولا إنَّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] بالتثنية، وورد: ﴿إنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]، وورد فيه: ﴿إنَّا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]. * * * قوله: «على الألف بحصتها» كذا في نسخ «الموطأ» بتأنيث ضمير الألف، والألف اسم مذكر، فإنما أنث ضميره هنا باعتبار تمييزه؛ لأنه تقدم قوله: «ألف شاة»؛ لأن المعتبر في مثل هذا هو التمييز. زكاة ما يُخرص من ثمار النخيل والأعناب وقع فيه: «ولا عذق ابن حُبيق». (عذق) بفتح العين النخلة، وابن حُبيق بقاف في آخره اسم تمر، لعله سُمِّي باسم رجل جلبه إلى المدينة أو كان كثيرًا في حائطه، كما يقول أهل تونس يرتقال البراذعي، فيجوز إضافة عذق إلى ابن حُبيق على معنى الشجر المعروف بالتمر الذي هذا اسمه، فيكون مذ غلب على هذا الصنف من التمر اسم عذق ابن حُبيق، أو المعنى: النخل المعروف باسم الرجل الذي غرسه أو ملكه، فيكون على حذف مضاف، أي: تمر عذق ابن حُبيق، ويجوز فيه أن يكون عذق منوّنًا وابن حُبيق صفة له، فقد نقل أهل اللغة عن أبي علي الفارسي، أنَّه قال في عذق ابن طاب: إنهم سموا النخلة باسم الجنس ووصفوه بمضاف إلى معرفة، فصار مثل زيد بن عمرو أهـ. وقد وجدته مصحًّحًا عليه في نسخة من «الموطأ» بالتنوين والوصف، ويقال أيضًا: عذق حُبيق، بحذف ابن.

стр. 145

اشتراء الصدقة والعود فيها فيه حديث عمر أنه قال: حملت على فرسٍ عتيق في سبيل الله، وكان الرجل الذي هو عنده قد أضاعه، فأردت أن أشتريه منه، فسألت عن ذلك رسول الله، فقال: «لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحدٍ، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه». الحمل معناه: إعطاء الفرس أو البعير لمن يرجى منه الجهاد؛ لأنه كفء له وهو لفقره لا يجد ما يركبه للجهاد، فسمِّيت تلك الصدقة حملًا؛ لأنَّها لأجل الحمل على الدابة للغزو لا لأجل الأكل أو نحوه. فالحمل تمليك على وجه الصدقة؛ لأجل أن يركبه في الجهاد المتصدَّق عليه، فهو تمليك لغرض موكول تنفيذه إلى أمانة المعطي ودينه. وقد جاء ذكره في القرآن في قوله تعالى: ﴿ولا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٩٢]؛ ولذلك لا يحجر على المتصدق عليه استعمال تلك الدابة لركوبه لغير الجهاد، وقد كان الحمل، أي: إعطاء المركوب لمن لا يجد ما يركبه من عطايا الأجواد في الجاهلية؛ لأن الركوب كان من مقومات حاجات الناس، ويسمى الذي لا يجد ركوبه كلًّا. وفي حديث خديجة: «قولها للنبي ﷺ : إنك لتحمل الكل وتكسب المعدوم»، فالجهاد هو الباعث للتصدق على صدقته وليس هو شرطًا في العطية، وبذلك يفارق الحملُ إعطاء الأمير ظهر الدابة من يركبها للخروج إلى الغزو، فذلك من التجهيز للغزو والدابة فيه ملك لبيت مال المسلمين، وهي إبل الزكاة ونحوها التي يتَّخذ لأجلها الحمى ونحوها، ولها حكم الوقف. على أن ذلك يسمى حملًا أيضًا، قال عمر: «لولا المال الذي أخمل عليه في سبيل الله ما حميتُ عليهم من بلادهم شبرًا». ولأجل هذه الاعتبارات صحَّ بيع المحمول الدابة؛ لأنه مؤتمن على التصرف في ذلك باجتهاده، فالمظنون به أنه لا يبيعه إلا لأنه وجد ظهرًا يجاهد عليه؛ ولذلك لم يرد النبي ﷺ بيع الفرس المذكور في حديث عمر، واقتصر على نهي عمر عن شرائه؛ لأنَّه هو المتصدق به، وعلَّله بقوله: «فإن العائد في صدقته» إلخ، ولهذا ترجمه مالك في
следующие страницы →