Полный текст (362 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
جواز مصر هنا مكان يجتاز منه التجار من المسلمين وغيرهم من البرِّ إلى البرِّ في طريق بحري غير طويل، وكذلك يسمى نفس التنقل في مثل هذا جوازًا، وقد سمى أهل الأندلس دخول الأمير يوسف بن تاشفين إلى أرض الأندلس دخول الأمير يوسف بن تاشفين إلى أرض الأندلس جائيًا من المغرب الأقصى جوازًا، والظاهر أن المراد بالجواز هنا إما خليجٌ من خلجان النيل التي تصل إلى بحر القلزم مثل: خليج القاهرة الذي أمر بحفره عمر بن الخطاب إلى بحر القلزم سنة ثمانى عشرة (١٨)، وجرت فيه السفن تحمل الطعام إلى مكة والمدينة. ذكره القلقشندي في صبح الأعشى (ص ٣٠٢ جزء ٣)، ردمه أبو جعفر سنة (١٥٢). وذكر المقريزي في «الخطط» هذا الخليج بتفصيل، فقال: خليج مصر بظاهر مدينة الفسطاط يمر من غربي القاهرة وهو خليج قديك كان قبل الإسلام؛ فلمَّا فتح المسلمون مصر انقطع الخليج وانسد، ثم جدد حفره عمرو بن العاص عام الرماده، فكان يصبُّ في بحر القلزم، فتسير فيه السفن إلى البحر الملح وتمر في البحر إلى الحجاز واليمن والهند، فاحتفر عمرو الخليج في حاشية الفسطاط، فساقه من النيل إلى القلزم، فجرت فيه السفن، فكان يُحمل فيه الطعام إلى مكة والمدينة، ودام إلى زمن عمر بن عبد العزيز، ثم ضيعه الولاة بعد ذلك، فترك وغلب عليه الرمل، فانقطع، وكانت السفن تخرج إلى الجار (مرسى الحجاز أيامئذٍ). وبنى عليه عبد العزيز بن مروان قنطرة. وفي «المقريزي» ما يؤذن بأن المدينة المسماة اليوم مدينة السويس كانت تسمى مدينة القلزم، وكانت تمرُّ بها مراكب اليمن والهند، وتُحمل منها التجارات إلى الحجاز واليمن والشام، وكانت المراكب تدفع فيها المكوس في زمن الفراعنة وتعشَّر السلع التي تمر بها المراكب، واستمر ذلك إلى عهد الدولة العبيدية.
ما جاء في الكنز
أي: في بيان المراد منه في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية، وأنه ليس المراد به كل مال مخبوء، كما توهمه أبو ذرِّ ﵁، بل المراد به المال الذي لم يؤدِّ مالكه
стр. 142
زكاته، كما فسَّره حديث أبي هريرة الآتي، وأجمع عليه جمهور الصحابة.
* * *
مالكٌ عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة أنه كان يقول: مَن كان عنده مالٌ لم يؤدِّ زكاته مُثل له يوم القيامة شُجاعًا أقرع يطلبه، حتى يُمكنه يقول: أنا كنزك.
قوله: «حتى يمكنه» الضمير المنصوب البارز في قوله: «يمكنه» يعود إلى الشجاع. والضمير المرفوع المستتر في قوله: «يمكنه» يعود إلى من كان عنده مال، أي: حتى يمكن صاحب المال الشجاع، أي: يصير في مكنة الشجاع، يقال: أمكنني الأمر فهو ممكن.
زكاة الماشية
وقع فيه قول مالك: «وكذلك الإبل العُراب والبُخت».
فالعراب بكسر العين: هي الإبل العربية، وهي أجود الإبل وأنجبها. والبخت: الإبل الخُراسانية، وهي ذات سنامين.
صدقة الخلطاء
الخلطاء الذين يخلطون إبلهم في الرعي والسقي والمُراح دون اشتراك. والمقصود من بيان أحكامها أن الساعي يأخذ من مجموعها كأنها إبلٌ لرجل واحد، والخلطاء
стр. 143
يتراجعون بينهم، فيكون على كل أحد منهم ما يوجبه نصابه من قدر الزكاة، فلا يكلَّف الساعي بتحرير ذلك؛ لأنه يطول وتكثر فيه الدعوى، بل يأخذ من الصبرة والخليطان يترادان بينهما بعد ذلك، فحالة الخلطة تشبه حالة الانفراد في أصل وجوب الإخراج على كل من أصحاب الغنم، وتشبه حالة الشركة في القدر المخرَج.
* * *
ووقع فيه قوله: «والدلو واحدًا».
هكذا في معظم النسخ الصحيحة، وفي بعض النسخ «والدلو واحدة» بالتأنيث، والدلو تذكر وتؤنث والتأنيث أشهر.
* * *
ووقع فيه قوله: «والمراح واحدًا».
وقد ضبط في النسخ بضم الميم وهو الأحسن، يقال: أراح الراعي الغنم، وقال تعالى: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ [النحل: ٦]، وقال النابغة:
وصدر أراح الليل عازب همِّه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب
ويجوز فتح الميم من قوله: راحت الغنم.
ما يُعتد به من السجل
ووقع فيه: «والأكولة هي التي تُسمن لتُؤكل».
هكذا فسره مالك ﵀، وهو المتعيِّنن وهي فعولة بمعنى مفعوله؛ ولذلك قرنوها بهاء التأنيث تفرقة بينها وبين فعولة التي بمعنى فاعلة؛ لأنَّ فعولًا بمعنى فاعل يلزم الإفراد والتذكير، نحو: صبور، وبغي؛ لأن أصبه بغوي، وأمَّا فعول بمعنى مفعوله، فيجوز
стр. 144
فيه المطابقة وعدمها؛ ولذلك ورد في القرآن: ﴿فَقُولا إنَّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] بالتثنية، وورد: ﴿إنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]، وورد فيه: ﴿إنَّا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦].
* * *
قوله: «على الألف بحصتها» كذا في نسخ «الموطأ» بتأنيث ضمير الألف، والألف اسم مذكر، فإنما أنث ضميره هنا باعتبار تمييزه؛ لأنه تقدم قوله: «ألف شاة»؛ لأن المعتبر في مثل هذا هو التمييز.
زكاة ما يُخرص من ثمار النخيل والأعناب
وقع فيه: «ولا عذق ابن حُبيق».
(عذق) بفتح العين النخلة، وابن حُبيق بقاف في آخره اسم تمر، لعله سُمِّي باسم رجل جلبه إلى المدينة أو كان كثيرًا في حائطه، كما يقول أهل تونس يرتقال البراذعي، فيجوز إضافة عذق إلى ابن حُبيق على معنى الشجر المعروف بالتمر الذي هذا اسمه، فيكون مذ غلب على هذا الصنف من التمر اسم عذق ابن حُبيق، أو المعنى: النخل المعروف باسم الرجل الذي غرسه أو ملكه، فيكون على حذف مضاف، أي: تمر عذق ابن حُبيق، ويجوز فيه أن يكون عذق منوّنًا وابن حُبيق صفة له، فقد نقل أهل اللغة عن أبي علي الفارسي، أنَّه قال في عذق ابن طاب: إنهم سموا النخلة باسم الجنس ووصفوه بمضاف إلى معرفة، فصار مثل زيد بن عمرو أهـ.
وقد وجدته مصحًّحًا عليه في نسخة من «الموطأ» بالتنوين والوصف، ويقال أيضًا: عذق حُبيق، بحذف ابن.
стр. 145
اشتراء الصدقة والعود فيها
فيه حديث عمر أنه قال: حملت على فرسٍ عتيق في سبيل الله، وكان الرجل الذي هو عنده قد أضاعه، فأردت أن أشتريه منه، فسألت عن ذلك رسول الله، فقال: «لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحدٍ، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه».
الحمل معناه: إعطاء الفرس أو البعير لمن يرجى منه الجهاد؛ لأنه كفء له وهو لفقره لا يجد ما يركبه للجهاد، فسمِّيت تلك الصدقة حملًا؛ لأنَّها لأجل الحمل على الدابة للغزو لا لأجل الأكل أو نحوه. فالحمل تمليك على وجه الصدقة؛ لأجل أن يركبه في الجهاد المتصدَّق عليه، فهو تمليك لغرض موكول تنفيذه إلى أمانة المعطي ودينه. وقد جاء ذكره في القرآن في قوله تعالى: ﴿ولا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٩٢]؛ ولذلك لا يحجر على المتصدق عليه استعمال تلك الدابة لركوبه لغير الجهاد، وقد كان الحمل، أي: إعطاء المركوب لمن لا يجد ما يركبه من عطايا الأجواد في الجاهلية؛ لأن الركوب كان من مقومات حاجات الناس، ويسمى الذي لا يجد ركوبه كلًّا. وفي حديث خديجة: «قولها للنبي ﷺ : إنك لتحمل الكل وتكسب المعدوم»، فالجهاد هو الباعث للتصدق على صدقته وليس هو شرطًا في العطية، وبذلك يفارق الحملُ إعطاء الأمير ظهر الدابة من يركبها للخروج إلى الغزو، فذلك من التجهيز للغزو والدابة فيه ملك لبيت مال المسلمين، وهي إبل الزكاة ونحوها التي يتَّخذ لأجلها الحمى ونحوها، ولها حكم الوقف. على أن ذلك يسمى حملًا أيضًا، قال عمر: «لولا المال الذي أخمل عليه في سبيل الله ما حميتُ عليهم من بلادهم شبرًا».
ولأجل هذه الاعتبارات صحَّ بيع المحمول الدابة؛ لأنه مؤتمن على التصرف في ذلك باجتهاده، فالمظنون به أنه لا يبيعه إلا لأنه وجد ظهرًا يجاهد عليه؛ ولذلك لم يرد النبي ﷺ بيع الفرس المذكور في حديث عمر، واقتصر على نهي عمر عن شرائه؛ لأنَّه هو المتصدق به، وعلَّله بقوله: «فإن العائد في صدقته» إلخ، ولهذا ترجمه مالك في
стр. 146
«الموطأ» «باشتراء الصدقة والعود فيها».
أما علَّة منع النبي ﷺ عمر من اشتراء الفرس واعتباره إياه عودًا في صدقته مع أنَّه إنَّما أراد عوده إليه بالثمن، فالعلَّة صرف النفس عن اتَّباع ما جادت به لوجه الله تعالى؛ ليكون ذلك أعرق في إخلاص العطية لله وسدًّا لذريعة الندامة على الخبر؛ ولذلك اختلف في أن هذا النهي نهي تحريم أو نهي تنزيه.
مكيلة زكاة الفطر
وقع فيه: قال مالكٌ: والكفارات كلها وزكاة الفطر وزكاة العُشور كل ذلك بالمدِّ الأصغر مدَّ النبي ﷺ إلا الظهار، فإن الكفارة فيه بمد هشام وهو المد الأعظم.
قال ابن رشد في «البيان والتحصيل» في شرح سماع القرينين من كتاب الزكاة: «لا خلاف في أن صاع النبي ﷺ أربعة أمداد بمده ﵇: واختلف في قدر المدِّ، فقيل: وزن رطل وثلث وهو المشهور في المذهب، قيل بالماء وقيل بالمتوسط من البر. وقيل: رطلٌ ونصف، وقيل رطلان» أهـ. ومدّ هشام مضاف إلى هشام بن إسماعيل المخزومي عامل المدينة لعبد الملك بن مروان، وهو أخو زوجه وخال هشام بن عبد الملك.
ومدُّ هشام هو على الصحيح مدَّان بمدِّ النبي ﷺ . قال ابن رشد في «البيان والتحصيل»: «اختلف في قدر المدِّ النبوي بالكيل من المد الهشامي، فقيل: ثلاثة أخماس مد هشام. وقيل: نصف مدِّ هشام. وهو تأويل البغداديين عن مالك؛ لأنه رأي في كفارة الظهار مدين بمدِّ النبي ﷺ » أهـ. فلم يُرد مالك أن هشام مكيال شرعي؛ ولكنه جعله عبارة عن مدين بالمد النبوي؛ لأن مد هشام كان مشهورًا بين أهل المدينة.
وفي «المنتقى» لأبي الوليد الباجي في باب الظهار، روى ابن حبيب عن مطرف
стр. 147
إن مالكًا كان يُفتي في كفارة الظهار بمدين لكل مسكين، ويكره أن يقال: مد هشام. وهذا يدلُّ على أنه ذكره أولًا (أي: في الموطأ) لما كان المستعمل بين الناس يُبين به مقدار ما يلزم من ذلك وهو مدَّان بمدِّ النبي ﷺ على سبيل التقريب (أي: التقريب لأفهام الناس الذين نسوا المد النبوي) فلما بلغه أنه قد ظن به أنه جعل ذلك مقدارًا في نفسه (أي: ذاتيًّا) أنكره وكرهه» أهـ.
ثم إن تفرقة مالك ﵀ بين الكفارات والتقديرات غير الظهار إذ جعل الظهار مدَّين. قال ابن رشد في سماع القرينين من كتاب الزكاة: «حمل على فدية الأذى المقيدة في السُنة بمدين؛ لأنهما (أي: الكفارة والفدية) جميعًا مطلقتان في القرآن».
стр. 148
كشف المغطى
من المعاني والألفاظ الواقعة
في الموطأ
كتاب الصيام
стр. 149
وقع في أكثر النسخ كتاب الصيام بعد الزكاة، وفي بعض النسخ كتاب الزكاة بعد الصيام.
شرع الله الصيام وجعله من قواعد الإسلام، كما دلَّ عليه قول رسول الله ﷺ «بني الإسلام على خمس ... » فذكر فيها «وصيام رمضان ... »، وكما في حديث سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان، وحديث ضمام بن ثعلبة السعدي، وحديث النجدي. والصوم من النواميس الإلهية في شرائع كثيرة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ولعله كان من الحنيفيَّة، فقد ثبت في «الموطإ» أن قريشًا كانوا يصومون يومَ عاشوراء في الجاهلية، وأنَّ رسول الله ﷺ صامه فيما قبل الإسلام، وثبت في «صحيح البخاري» أن اليهود كانوا يصومونه في المدينة، وثبت أنَّ صومه كان مفروضًا على المسلمين عند قدومهم المدينة، ثمَّ نسخ بصوم رمضان في شعبان سنة اثنتين.
وفي الصيام حكمة عظيمة، لاشتماله على فوائد كثيرة نفسانية وجسمانية.
فالنفسانية منها: التخلُّق بالصبر على أشدِّ اللذَّات تعلقًا بالجبلة وأكثرها انبعاثًا في النفس. ومنها التخلُّق بقوَّة الإرادة على ترك المحبوب وارتكاب مصاعب الأمور. ومنها تذكير النفس بحال حاجة المحتاج لتنبعث فيها داعية مواساة الفقير. ومنها تقوية الناحية الملكية في الأرواح البشرية؛ لتتزكَّى بذلك وتتهيَّأ؛ لأن تصدر عنها أفعال الخير. ومنها معرفة قدر نعمة تيسير الطعام والشراب؛ ليشكر الله تعالى على ذلك ويزن نعمة تيسيرها بحالة فقدها الموقت، فيتَّعظ بما لو فقدها فقدًا مستمرًّا.
وأما الجثمانية فمنا: التعويد بتغيير أنظمة المعيشة؛ ليقتدر المسلم على تحمل تغيير
стр. 150
نظم عيشه في مدَّة الجهاد وفي الاغتراب والأسفار، فيكون قليل الكروب عند الكوارث. ومنها إراحة الجهاز الهضمي وقتًا طويلاً؛ ليزول بذلك ما عسى أن يكون قد غشيه من صلصال الإفراز، وهي الفائدة الحاصلة من الحمية في علم الصحَّة والطب.
وفيه فوائد جمَّة يعلمها الله تعالى؛ ولذلك قال الله تعالى في مقام الترخيص لبعض أهل الأعذار الخفيفة في الفطر: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ثم إنَّ في توقيت هذه العبادة بشهر معين من العام لسائر الأمة حكمة عظيمة، وهي تيسيره عليهم؛ لأن الاشتراك في المصاعب يسهلها على النفوس، وفيه أيضًا حكمة حصول النظام في أمور المسلمين؛ ليعتادوا على النظام من حصوله في أهمِّ العبادات. وفيه حكمة توقيت هذا التغير الواسع في نظام العيش بوقت معين مثل: أوقات الحِميات والأدوية في الطب. وفيه حكمة كونه جزءًا من اثني عشر جزءًا من السنة، فهو بمقدار ثلث فصل من فصول العام.
ما جاء في تعجيل الفطر
مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر».
لم يتضح المراد بالخير في كلام رسول الله ﷺ سلم لشراح هذا الحديث، ولم يظهر وجه التسبب بين تعجيل الفطر ودوام الخير للأمة، فجعل بعض رواة الحديث يرونه بالمعنى الذي بدا له، فرواه بعض الرواة عن سهل بن سعد: «لا تزال أمتي على سنتي ما يم تنتظر بفطرها النجوم»، وروى عن أبي هريرة مرفوعًا: «لأن اليهود والنصارى يؤخرون»، وجاء في «سنن أبي داود» و «مسند أبي خزيمة» عن أبي هريرة
стр. 151
مرفوعًا: «لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر».
وأما شراح الحديث، فقال الباجي: إنَّما هو مكروه إذا قصد بتأخير الفطر انتظار ظهور النجوم مثل: اليهود، فيكره لمن رأى ذلك فضيلة. وأمَّا تأخيره على غير هذا الوجه مع اعتقاد أنَّ صومه قد كمل مع الغروب فلا كراهة فيه، وقال المازري في «المعلم» أي: أنَّ تغيير هذه السنة علم على فساد الأمر. أهـ.
وأنا أقول كلمة رسول الله ﷺ أكثر معنى؛ والمراد بالخير هو خير الدنيا في صحة أجسامهم وخير الآخرة في استكمال مقدرتهم على أداء تلك العبادة. والحكمة في ذلك فيما أرى أن الصوم تغيير لأوقات الأكل، فإنَّ الناس يأكلون أكلات ثلاثة في النهار وأكلة في الليل، وأنَّ إكثار الأكلات في النهار شيء اقتضاه تطلب المزاج لما يخلف عليه ما أوضاعه من القوة بعمل سائر الحواس والأعضاء بقصدٍ أو بغير قصد. ومعظم عمل الجسد عمل داخلي يديره نظام المجموع العصبي المنزَّل من الحيوان منزلة الحرِّك الميكانيكي مع ما يمدُّه تبعًا لحركته من حركة الدم في دورته وما يتأثر تبعًا لذلك كلِّه من عروق، وعضلات، ونسيج لحمي، وجلد. فهو لا جرم يحتاج إلى الاستراحة بعد حين من العمل استجدادًا للقوى، ومن لطف الله تعالى بالنَّوع أن جعل لنظام هذه الكرة التي نعيش عليها سببين عظيمين: أحدهما للعمل، والآخر للراحة وهما النور والظلمة. ولذلك قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، فالنور يوقظ المجموع العصبي ويبعثه على العلم، والظلام يهديه ويعينه على الراحة ويحمله عليها. ومن أهمِّ آثار أعمال المجموع العصبي حركة الجهاز الهضمي، فهو يحتاج إلى الدافع العصبي وإلى دورة الدم؛ فلذلك يكون الهضم أسرع في أكلات النهار منه في أكلة الليل ولما كان الصوم إمساكًا عن الأكل في النهار، وكان الإفطار ابتداء أكل بعد ذهاب النهار ندبت الشريعة أن تكون تلك الأكلة في أقرب الأوقات بساعات النهار، انتفاعًا ببقايا النشاط الذي في الجهاز الهضمي؛ لأنه بمقدار امتداد ما بعد الغروب ينقص ذلك النشاط وتتوغل الأعضاء في طلب الراحة مع الفتور عن العمل، وقد أشارت السنة بفعل الرسول ﷺ وأصحابه إلى أنَّ السحور يكون في آخر أجزاء الليل؛ لتكون تلك الأكلة مستقبلة ظهور النهار وهبوب الأعضاء إلى العمل؛
стр. 152
فلذلك كان من السنة تعجيل ثابتًا بالسنة القولية، وتأخير السحور بالسنة الفعلية.
وإنما قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»، ولم يزد عليه: «وأخروا السحور»، فإن الثابت في «الصحيح» هو الاقتصار على ذكر تعجيل الفطر ولم تثبت زيادة: «وأخروا السحور»؛ لأن رسول الله قد علم أن كثيرًا من أصحابه كان يحب التملي من الصوم، والاستكثار من الخير والقربة حتَّى رام كثير منهم أن يصل صوم اليوم بصوم اليوم الموالي له، وهو ما دعا رسول الله إلى النهي عن الوصال، كما في أحاديثه المثبتة في «الموطإ» وما بعده. ومن البين أن معنى التعمق في الصوم يبعث على تأخير الفطر وتأخير السحور، فكان تعمُّقهم في ذلك منافيًا لمقصد الشريعة في أول طرفيه وموافقًا لمقصدها في طرفة الآخر وهو تأخير السحور، ندبهم رسول الله إلى تعجيل الفطر؛ لأنه المظنون بهم ولم يندبهم إلى تأخير السحور؛ لأنه حاصل منهم، فكما كانوا لقوله من الممثلين لا تكونوا عن فهم قوله من الغافلين.
الرخصة في القبلة للصائم
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: إن كان رسول الله ليقبل بعض أزواجه، وهو صائم، ثم تضحك.
هكذا وقع هذا الحديث في سائر نسخ «الموطإ» من رواية يحيى بن يحيى التي بأيدينا والتي شرح عليها شارحوه. ووجدتُ في نسخة عندي هكذا «وهو صائم،
стр. 153
ثم يصلي، ثم تضحك»، وكتب الناسخ في طرتها سقط لغير يحيى «ثم يصلي»، فاقتضى أنَّ رواية يحيى قد زادت «ثم يصلي» ولم أر أحدًا روى هذه الزيادة ولا صحَّ عن عائشة في ذلك شيء، فقد روى الترمذي وأصحاب السنن حديثًا عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قبَّل بعض نسائه، ثمَّ خرج إلى الصلاة ولم يتوضَّأ، قال عروة: قلت: من هي؟ إلا أنتِ، قال: فضحكت. وقال الترمذي: «وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة في هذا؛ لأنه لا يصحُّ عندهم لحال الإسناد. وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني قال: ضعف يحيى ابن سعيد القطَّان هذا الحديث، وقال: هو شبه لا شيء. وقال الترمذي: سمعن محمَّد بن إسماعيل يعني أبا عبد الله البخاري يضعف هذا الحديث وقال: إن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة وليس يصحُّ عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء اهـ. فأمر هذه النسخة عجيب، وعادة ناسخها أن يُثبت بعض الاختلاف في الرواية بين يحيى بن يحيى وغيره، وبين روايتي عبيد الله بن يحيى وابن وضَّاح عن يحيى بن يحيى ما دلَّ على أنه نسخها من نسخة متقنة، فإذا صحَّ هذا عن يحيى فلعلَّ عائشة جمعت الحديثين فحدث بهما ابنه هشامًا، فيكون هذا من غرائب يحيى عن مالك عن هشام بن عروة».
ووقع فيه: «مالك، عن يحيى بن سعيد أنَّ عاتكة بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفتل امرأة عمر بن الخطاب».
هكذا وقع في نسخة من الموطإ ونبه ناسخها في طرتها، أنه كذلك وقع في رواية عُبيد الله (يعني ابن يحيى) عن يحيى بن يحيى، وأن ابن وضَّاح قال: هذا وهم والصواب أنها عاتكة بنتُ زيد بن عمرو بن نفيل. وفي المتن الذي شرح عليه الباجي في «المنتقى» عاتكة بنت سعيد بن زيد. ولم ينبه الباجي على الغلط فيه.
стр. 154
مَا جَاءَ فِي قَضَاء ِرَمضَان َوَالكَفَّارَاتِ
وقع فيه: «أن ابن عمر كان يقول: يصوم قضاء رمضان متتابعًا من أفطره من مرض أو في سفر».
فكتب ناسخ نسخةٍ في طرتها: «هذا الحديث ثبت لابن وضَّاح وسقط لعبيد الله»، ولم أجد أحدًا ذكر ذلك، وهو ثابت في جميع نسخ «الموطإ» التي بأيدينا من رواية عبيد الله بن يحيى.
***
ووقع فيه قول: ابن شهاب أنَّ عبد الله بن عبَّاس، وأبا هُريرة اختلفا في قضاء رمضان، فقال أحدهما: يُفَرِّقُ بينه، وقال الآخر، لا يُفَرِّقُ بينه. لا أَذْرِي أيَّهما قال: يُفَرِّقُ بينه ولا أيَّهما قال: لا يفرِّق بينه.
وكتب ناسخ نسخة في طرتها: «إن الذي قال: لا يفرق بينه هو أبو هريرة قاله ابن وضَّاح»، ولم أر لأحد من شرَّاح «الموطإ» إنَّما اشتهر أنَّ ابن عبَّاس يقول: يقضيه مفرَّقًا. روى ذلك عنه عبد الرزاق، والدارقطني عن معمر. وقال ابن عبد البرِّ: صحَّ أنَّ أبا هريرة أجاز تفريق قضاء رمضان وكذلك ابن عبَّاس.
قلت: فالظاهر أنَّ أبا هريرة كان يقول: لا يفرّق بينه، ثمَّ رجع عن ذلك.
***
ووقع فيه قول مالك: من أكل أو شرب في رمضان ناسيًا أو ساهيًا.
اختلف في النسيان والسهو، فقيل: هما مترادفان، وقيل: النسيان ذهاب المعلوم
стр. 155
من الذكر والحافظة بحيث لا يتذكره بسرعة أو يحتاج إلى تنبيه قوي أو تذكير. والسهوُ: غيبة المعلوم عن الذكر، بحيث يتذكره بسرعة أو بأقلِّ تنبيه، ويفسر بالغفلة. والحق أن كلا اللفظين يطلق في موضع الآخر، فإذا اجتمعا فالمقصود التفرقة. ومراد مالك هنا التعميم في موجب الفطر عن غفلة سواء كانت غفلة قوية أم ضعيفة لئلاَّ يحسب أحد أن الغفلة الضعيفة بمنزلة العمد.
صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ
مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله يصومه في الجاهلية، فلما قدم رسول الله المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة، وترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه.
هذا الحديث أصرح شيء في أمر صوم عاشوراء، فقوله: «وكان رسول الله يصومه في الجاهلية» معناه: أنه يشارك قريشًا في صومه قبل البعثة؛ لأنه من البر مثل: الحجِّ، والطواف بالبيت، والاعتكاف في المسجد الحرام، فلم يعصمه الله تعالى من مشاركته قريشًا فيه. ودلَّ على أنَّ رسول الله ﷺ لم يأمر الناس بصومه بعد البعثة؛ لأنه رآهم مستمِّرين على صومه في جملة أمورهم؛ ولأنهم لم يسألوه عن ذلك؛ لأنهم رأوه يصومه، وأنَّ رسول الله عليه الصلاة والسلم أوجب صيام عاشوراء بعد هجرته إلى المدينة، فقد قال لليهود: «نحن أحق بموسى منكم» وأمر بصيامه، كما في حديث أبي موسى الأشعري وابن عبَّاس في «الصحيح».
صِيَامُ الَّذي يقْتلُ خَطَأ أَوْ يَتَظَاهَرُ
وقع فيه قوله: «وكذلك المرأة التي يجب عليها الصيام في قتل النفس خطأ، إذا حاضت بين ظهري صيامها».
стр. 156
أي: في خلال صيامها. تقول العرب: فلان بين أظهر القوم، وبين ظهريهم، وبين ظهرانيهم، يعنون بينهم في وسطهم وفي خلالهم. وفي حديث الشفاعة ... «وينصب الصراط بين ظهراني جهنَّم». وكلها كلمات جرت مجرى الأمثال لا تغير، ولا مفهوم للظهر ولا للتثنية، ولا للجمع، ولا لزيادة النون.
النَّذْرُ في الصِّيام والصِّيامْ عَنِ الميت
مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يسأل هل يصوم أحد عن أحد أو يصلي أحد عن أحد؟ فيقول: لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد.
أراد الصلاة والصيام المفروضين؛ لنهما عبادتان قاصرتان على نفس المتعبد بهما ليس فيهما نفع لغيره، فلا تجزئ فيهما النيابة. وقد أجمع العلماء على أن صلاة أحد عن غيره لا تجزئ عن الغير سواء كان الغير حيًا أم ميتًا. وأجمعوا على أن صيام الحي لا يجزئ عن غيره الحي. واختلفوا في الصيام عن الميت خاصة لأجل خبرين أحدهما: حديث «الصحيحين» عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، والأخر: حديثهما أيضًا عن ابن عباس أنَّ رجلاً النبي ﷺ فقال: إن أمي أو أختي ماتت وعليها صوم أفأصوم عنها؟ فقال: «نعم أرأيت لو كان على أمك (أو أختك) دين أكنت قاضيه؟ » قال: نعم، قال: «فدين الله أحق بأن يقضى». وقد أخذ بهما إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وأهل الظاهر ولم يأخذ بهما مالك؛ إذ لم يجد عليهما عمل أهل المدينة؛ ولأنه ثبت أن عائشة وابن عبَّاس كانا يفتيان بأن لا يصوم أحد عن أحد، ونقل عن مالك أنه قال: ما سمعت أحدًا من الصحابة والتابعين بالمدينة أفتى بما روته عائشة وابن عبَّاس، يعني مع أنَّ
стр. 157
مثله ممَّا يتكرر السؤال عنه وتنقل الفتوى به. وإذا كانت عائشة وابن عبَّاس يفتيان بخلاف روايتهما؛ فذلك توهين لمدلول الرواية، فإمَّا أن يكون ذلك حُكمًا منسوخًا وإما أن يكون ذلك مؤَؤَّلاً. وقال عياض: إن اضطراب الرواية عن ابن عبَّاس، فبعضُ الرواة عنه روى أن السائل رجل وبعضهن روى أنَّه امرأة. وقد أجاب ابن العربي في «القبس»، فقال: إنَّما أجاب النبي ﷺ من مسألة: بانه يصوم وعلَّله بـ «أن» دَين الله أحق بأن يقضَى» من أجل أنَّهم كانوا قد جبلوا على إكرام أوليائهم بعد موتهم في الجاهلية حتَّى أن كانوا لينحرون الجزُر على قبور كرمائهم؛ لأنهم كانوا يحبون ذلك في حياتهم، فأراد النبي ﷺ أن لا يقطع منهم ذلك البر بأوليائهم. انتهى، أي: وأن لا يظهر فيهم تنزيل حقوق الله تعالى عن عوائد الناس، فلمَّما تقرَّر الإسلام فيهم نسخ ذلك، ويدل لوهن إيجاب ذلك على الوليِّ أنَّه لو لم يصم الولي عن ميته لا أحسب أنَّ أحدًا يُقدم على القول بأنَّ الولي يعاقب على ترك صومه عن وليُّه الميت، فيكون (كذي العر يكوي غيره وهو رَاتع) على أن التشبيه بالدين يقتضي عدم الوجوب؛ لأنَّ الوليَّ لا يجب عليه أداء دين مولاه حفاظًا على المروءة، فلا شكَّ أنَّ الحديث ورد في حالة يحمل إبهامها على عدم الأخذ بظاهره.
وقد أخذ الجمهور في هذا بمثل ما أخذ مالك ﵃. وقال أبو حنيفة: لا يصوم الوليُّ ولكن عليه فدية طعام مسكين عن كلِّ يوم وجوبًا في مال الميِّت واستحبابًا إن لم يترك مالاً. وقال الشافعي في أوَّل قوليه: يستحب للوليِّ أن يصوم عن مولاه الميت، وقد رجع الشافعي عن هذا القول إلى قول مالك.
стр. 158
قَضَاءُ التَّطَوُّعِ
استقراء أدلَّة الشريعة ينبئ بأنَّ من مقصدها إتمام الأعمال الصالحة، فأمَّا المفروضات فلا شبهة في وجوب قضائها إذا اختلَّ معناها، وأمَّا التطوُّع فلأنَّ المتطوِّع قد كان في خيرة من أمره فلمَّا عزم التقرب إلى الله بنافلة وشرع فيها فقد تلبَّس بعمل صالح، فرجوعه عنه سوءُ أدب وندامة على فعل الخير؛ وذلك لا ينبغي أن يكون خلقًا للمؤمن، فوجوب إتمام المتطوِّع نافلته وجوبٌ عارض، ووجوب إتمام المفترض فريضته وجوب أصلي؛ ولذلك أوجب النبي ﷺ على حفصة وعائشة قضاءً صومهما التطوع؛ إذْ أفطرتا عمدًا؛ ولذلك لم يجب قضاء التطوع على من أفطر فيه ناسيًا؛ لانعدام علَّة القضاء، بخلاف المفطر ناسيًا في صوم الفريضة؛ لأنه صَوم مقصود لذاته، فاختلاف يفضي إلى فوات المقصود منه. وقد استدلَّ مالكٌ هنا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] استدلالاً بعموم التعريف باللام للنوعين وقرينة العموم ظاهرة؛ لأن آية الصيام ذكرتْ نوعين: واجبًا وتطوعًا إذ قال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وآية الحجِّ ذكرت الحجِّ والعمرة وليست العمرة بواجبة عنده، فأفادت عموم النوعين الفَريضة والتطوُّع؛ وبذلك تبينت مَحامل الآثار الواردة في أحوال هذا النسيان حمْلاً دلَّ عليه العمل وأرشد إليه النظر السديد. وقد بيَّنَّا ذلك في شرح حديث: «فإنمَّا أطعمه الله وسقاه» من «شرح مشكل البخاري».
***
ووقع في حديث عائشة وحفصة: «وبدرتني بالكلام وكانت بنت أبيها».
стр. 159
أي: كانت حفصة شبيهة بأبيها عمر بن الخطاب في الإقدام والمبادرة بما تعزم عليه من الخير، فلفظ البنت هنا مستعمل كناية في لازم المعنى عُرفًا وهو شدَّة المشابهة، قال قائلهم: «ومن يشابه أبه فما ظلم». وأما لفظ الأب فمستعمل في أصله.
***
ووقع في كلام مالك: وَإذَا دَخَلَ فيِ الطَّوْافِ لَمْ يَقْطَعْهُ، حَتَّى يُتِمَّ سُبُوعَهُ.
فالسُبُوع بضم السين وبالباء الموحدة هو اسم للسُّبُع من شيء معدود بسَبْع. يقال: سبوع وأسبوع بهمزة مضمومة لمجموع أيام الجمعة، ويقالان لمجموع الطواف. وفي تونس يسمون حِزب القرآن الذي يُقرأ في جامع الزيتونة بعد الفجر منجَّمًا على سبعة أيام حزب السُّبُوع.
***
ووقع قوله: سَاهيًا أَوْ نَاسِيًا.
وقد تقدَّم وجه الجمع بينهما في ما جاء في قضاء رمضان آنفًا.
جَامِعُ الصِّيامِ
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم إني صائم».
стр. 160
حُذف متعلَّق (جُنَّة) لقصد التعميم، أي: التكثير للمتعلَّقات الصالحة بالمقام. والتعميم الحاصل من حذف المتعلق من مفعول أو مجرور إنَّما هو تعميم بمعنى التكثير لا بمعنى الاتغراق، فهو تعميم ادعائي في المقام الخَطابي نحو قولك: قد كان منك ما يُؤلم. والجُنَّة: الوقاية. فأفاد كلام الرسول ﷺ أنَّ الصوم وقاية من أضرار كثيرة، فكلُّ ضرٍّ ثبت عندنا أنَّ الصوم يدفعه، فهو مراد من المتعلَّق المحذوف. وقد يعرض لنا أن نعدَّ الآن أنَّ جنَّة من أضرار أخروية جمَّة بما ثبت من المغفرة للصائم ودخوله من باب الريَّان في الجَنة، وأنَّه تصفد في شهره الشياطين، وأنَّه أيضًا وقاية من الأضرار البدنية التي تجلبها الشهوات الحيوانية إذا أرضاهما صاحبهما، وأنَّه وقاية من خبائث نفسانية بما فيه من تزكية النفس واستشعار التخلق بالملكية. فهو جُنَّة من نقائِص الأحوال الحيوانية الحاجبة للنفسِ عن الالتحاق بأهل الملكية، وليس المراد أنه جُنَّة من النار كما اقتصر عليه بعض النظار. ومن هنا ظهر وجه التفريغ بالفاء في قوله: «فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يَرفثْ ولا يَجهل».
ووجه التفريغ الثاني على التفريغ في قوله: «فإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه»، الذي جاء به بعد أن أنُهِيَ الصائم عن الاعتداء على الناس في المخاطبات والمعاملات بالقول والفعل بما رمز إليه قوله: «فلا يرفث ولا يجهل»، نهيٌ أيضًا عن أن يجازىَ اعتداء غيره عليه بمثله فلأن المجازاة على الشر بمثله مرخَّص فيها، ولكن الصائم لمَّا ارتقى ارتقى إلى درجة الملكية حقيقًا بالإمساك عن التلبس بسِمات الحيوانية. فلقوله «فلْيقل: إنِّي صائم إنِّي صائم» معناه: فليقتصر على هذا القول. وليس المراد فليقُل ذلك وهو يباشر الانتقام لظهور أنه لا معنى له وإنَّما لم يؤمر بالإمساك مطلقًا وأمر بأن يقول لمن اعتدى عليه: إنِّي صائم، مع أنَّ ذلك لا يدفع عنه أذى المعتدين، ترخيصًا للمعتدّى عليه في شيء مما يزيل عنه حرج الصبر على الاعتداء لما في النفوس من إباء الضيم، فرخص له في هذا القول وإن كان فيه شيء من الرياء لمصلحة أعظمَ وهي إمساك النفس عن الاندفاع إلى الانتقام، ليعلم بذلك لمن اعتدى عليه وللناس أنَّ إمساكه عن الانتقام والمجازاة ليس لعَجْز وضُعف، بل للحفاظ على كمال الصوم من أن ينثلم بالدخول في آثار الغضب الذي هو من القوى الحيوانية.
والمقصود من قوله: «إنِّي صائم» مرتين مجرَّد التكرير، أي يكرٌر ذلك تكريرًا يعيه
стр. 161
من يسمعه، ويرتدع به من يَقرعه.
***
مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي فالصيام لي وأنا أجري به. كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به».
معنى قوله: «أطيب عند الله من ريح المسك» أن الله تعالى ليس كمخلوقاته الذين تتأثر مداركهم بمؤثرات الحواسِّ بدون اختيار، فتكون الرائحة الطيبة محبوبة إليهم والرائحة الكريهة مكروهة إليهم بقطع النظر عن أسبابها وآثارهما، وإنَّما الأشياء في استجلاب رضي الله تعالى وغضبه منوطة بمعانيها وحقائقها من حصول كمال أو نقصان وامتثال للشرع أو عصيان، وأمَّا أحوالها الظاهرة فلواحق، فتشبيهها بالمسك في أنَّه يستوجب رضي الله لما يتركه من النزاهة في الأجسام التي تتلطخ به. ولذلك استحب تطيُّب الكعبة بالخلوق، واستحبَّ التطيُّب للجمعة، ولرواية الحديث: «ونُهي عن تلطيخ جدار المسجد بالقذر أو البصاق». ولكن للمعاني عند الله أعظم حظ فنكهة لأمة الحرب في الجهاد مرفوعة لله تعالى؛ وكذلك رائحة دم الشهيد. وطيب الخمر المختومة بالمسك خبيث عند الله تعالى؛ فلذلك كان خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؛ لأنه رائحة منبعثة عن الكون في عبادة؛ ولذلك ترى الفعل الواحد يكون قربة في بعض الأوقات ومعصية في بعضها مثل ضرب الناقوس للنداء للصلاة، فقد كان قربة في دين النصارى حتى إنَّ صوته يتقربون به لنفع موتاهم، فلما نسخ النداء به في الإسلام بالأذان صار بضد ذلك فورد أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه ناقوس. وليس ذلك لأن الملائكة ترهب صوت الناقوس؛ ولكن لأنهم كرهوه لمَّا علموا غضب الله على من ينادي إلى الصلاة به. وكذلك القول في الكلب في البيت، أي الكلب: المنهي عنه دون كلب الحراسة في الخوف في الحضر. وقد اتخذ الشيخ أبو
стр. 162
محمد بن أبي زيد كلبًا في داره بالقيروان مدة الخوف.
وقوله: «إنما يذر شهوته» إلخ، هو ممَّا يرويه رسول الله ﷺ عن ربه تعالى كما هو صريح في رواية أبي صالح الزيات عن أبي هريرة في «صحيح البخاري»، فيكون في الكلام قول محذوف دلَّ عليه قوله: «عند الله»؛ لأن ذلك لا يعلم إلا بإعلام الله تعالى رسوله ﷺ ، فهو على حد قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] الآية. ويحتمل أنَّ أبا هريرة جمع في تحديثه كلامينْ سمعهما من رسول الله ﷺ متفرقين فحدَّث بهما جميعًا فإنَّه قد جمع في رواية أبي صالح الزيات عنه بين بعض ﷺ هذا الحديث وبين الحديث المتقدم قبل هذا، وفرَّق هذا الحديث وزاد حديث «للصائم فرحتان» كلُّ ذلك في تحديث واحد، وحذف قوله: «إنَّما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي».
وعلى ظاهر هذه الرواية التي هي أصحُّ من رواية أبي صالح الزيات؛ لأنَّ الأعرج أثبت في أبي هريرة من أبي صالح الزيات تكون جملة «إنَّما يذر شهوته» واقعة موقع الاستئناف البياني بتقدير سؤال سائل عن سبب جعل «خُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».
ومعنى قوله: «إنَّما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» إثبات بالصيام من بين سائر العبادات؛ لأن قوام ماهية الصلاة والحج والزكاة قوام وجودي بإتيان أفعال تشتمل على ما فيه حظ للمتعبد بها من دعاء وتبرُّك بشعائر الحج، ورجاء نماء المال وبركته بالزكاة، وما فيها من ترك الشهوات أمر عارض بسبب الاشتغال بها. وأمَّا الصيام فقوامه ماهيته عدمي؛ إذ هو ترك الشهوات لا غير وليس للصائم فيه حظٌّ إلاَّ أنَّه أمر فامتثل، فظهر الفرق بينه وبين بقية العبادات وإن كان جميعها لله إخلاصًا له. وقد خفي هذا عن الناظرين؛ وظهر بذلك موقع التفريع في قوله: «فالصيام لي» ظهورًا لا خفاء معه.
стр. 163
وقوله: «وأنا أجزي به» مقصود به إجمال الجزاء إجمالاً يفيد تعظيمه إذ أسند إلى ضمير الجلالة، أي: فما ظنُّه بجزاء أنا أتولاَّه، ثمَّ أكد ما أفاده هذا الكلام من التعظيم بقوله: «كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلاَّ الصيام فهو لي وأنا أجزي به».
وقوله: «فهو لي» يجوز أن يكون توكيدًا لقوله قبله: «فالصيام لي»، فيكون أعادهُ ليرتِّب عليه قوله: «وأنا أجزي به» أي: فإيقاعه لي. ويجوز أن يكون معنى اللام في قوله: «فهو لي» غير معنى اللام في قوله: «فالصيام لي» بأن تكون اللام الثانية بمعنى الملك والاختصاص، أي: ثوابه موكول لي، فيقارب معنى اللام هنا معنى إلى في قول القائل: «ذلك إليه»، فيكون قوله: «فهو لي» فجزاؤه لي. وعلى هذا المعنى يُؤَؤَّلُ حديث أبي صالح الزيات عن أبي هريرة: «كل عمل ابن آدم له إلاَّ الصوم فإنَّه لي وأنا أجزي به».
***
مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين».
هو مرفوع إلى النبي ﷺ كما في «الموطإ» معن بن عيسى، وفي «الصحيحين».
стр. 164
وقوله: «فتحت أبواب الجنة» ليس المراد به فتحها لدخول الداخلين؛ لأن ذلك إنَّما يكون بعد الحساب وقد جعل هنا عند دخول رمضان، فالمراد لا محالة فتح من قبيل دلالة الفعل على فضل شهر الصيام ليرى الملائكة ما أعدَّ الله للصائمين فهي بمنزلة الكناية. وقد روى: «فُتحت أبواب السماء». ومعناها التهيئة لقبول العمل كما جاء في عكسه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وروى: «فتحت أبواب الرحمة» وهي ظاهرة.
وقوله: «وغلقت أبواب النار» دلالة بالفعل أيضًا كالكناية عن المغفرة وتبشير الطاعة. وتصفيد الشياطين تمثيل لتعطيل كثير من حيل الشيطان وحبائله؛ لأن المصفَّد تقلُّ حركاته وتصرُّفاته، فليس في الحديث دلالة على تمحُّض الناس في أيام الصيام للطاعات وعصمتهم من المعاصي. ومن حمله على ذلك لم يجد التأمل فيما يؤول إليه كلامه من مخالفة الحديث لما هو مشاهد.
وقوله: «فتُحت، وغُلقت، وصفدت» ثلاثتها بالتشديد للدلالة على قوَّة الفعل في ثلاثتها، قال تعالى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ وقال: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣].
***
وقع فيه قال يحيى: سمعت مالكًا يقول في صيام ستَّة أيَّام بعد الفطر من رمضان: إنَّه لم يرَ أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وأنَّ أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدْعَته، وأن يُلحِقَ برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجَفَاءِ لَوْ رَأوا في ذلك رخصةً عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك.
أي: فهو ليس من السنة ولم يثبت بوجه تطمئن له النفس، ولو كان من السنة ما تركه أهل العلم والفقه والسلف. وكان مجرَّد عدم ثبوته في السنة غير قاض بكراهته إلَّا أنه قد عرض له ما أوجب كراهته وهو ما بينه مالك ﵀.
فقوله: «ويخافون بدعته» أي: يخافون أن يصر ذلك الصوم بدعة. واسم البدعة قد صار علمًا بالغلبة على الحدث المذموم في الدين ولو بالكراهة؛ لأنَّ التزام عدد معين من الأيام والتزام وقت له أثر يوم الفطر يوهم أنَّه ملحق برمضان؛ فذلك كرهه العلماء
стр. 165
وإن كان أصل الصوم التطوع في ذاته قربة، فالكراهة لصقت به هنا من عارض سوء فهم الدهماء إياه.
стр. 166
كشف المغطى
من المعاني والألفاظ الواقعة
في الموطأ
كِتَابُ الاعْتِكَافِ
стр. 167
وقع في أكثر الروايات «كتاب الاعتكاف» عقب «كتاب الصيام» ثم بعده «ما جاء في ليلة القدر»، ووقع في بعض الروايات «ما جاء في ليلة القدر» عقب «كتاب الصيام» ثمَّ بعده «كتاب الاعتكاف».
ذِكْرُ الاعْتِكَافِ
وقع فيه: عن ابن شهاب، عن عُروة وعَمرة بنت عبد الرحمن إلخ.
كذا الجمهور الرواة وهو الصواب؛ لأنَّ عروة روى وحده عن عائشة قالت: «وكان النبيُّ يصغي إليَّ رأسه وهو مجاورٌ في المسجد فأرّجِّلُه وأنا حائض» كما هو في «صحيح البخاري»، فلو كان عروة روى عن عائشة مباشرةً زيادة قوله: «وكان لا يدخل البيت» إلخ لحدَّث بها في حديثه عن عائشة؛ ولكنَّه روى هذه الزيادة عن عمرة فحدَّث بها؛ ولذلك اقتصر مالك على حديثه هذا لجمعه الأمرين.
***
ووقع فيه قول مالك: «والمعتكف مشتغل باعتكافه لا يعرض لغيره». يُقال: عرض للشيء: بدا له وظهر. فاستعمله هنا كما يستعمل أقبل على العمل، بمعنى اشتغل به، فاستعمال عرض كناية عن الاشتغال؛ لأن المشتغل بالشيء يظهر له.
стр. 168
قَضَاءُ الاِعْتِكَافِ
وقع فيه قول رسول الله ﷺ : «آلبرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ؟ » الاستفهام حقيقي، «وتقولون» بمعنى: تظنُّون، فإنَّ القول يطلق بمعنى الظَّنِّ بعد الاستفهام في كلام العرب كلهم. وفصل بين الاستفهام، وفعل القول بالمعمول وهو فصل قصر إضافي، أي: أتظنون بهن البرَّ لا غير البر، والمخاطب الرجال الذين سألهم عن الأخبية وأجابوه. وفي الكلام تعريض بأنَّ الداعي لبعضهن في ذلك المنافسة في القرب من النبي ﷺ كيلا تستأثر إحداهن بقربه والكلام معه ومعاشرته، أي: فلم تكن نية بعضهن الاعتكاف باتداءً قبل أن ترى ضرَّتها قد نصبت خباءها؛ ولذلك كره لهنَّ رسول الله ذلك الاعتكاف؛ إذ لم يكن لمجرَّد البرَّ بل له ولغيره؛ وذلك لا يوجب بطلان العمل ولكنه أقلُّ من العمل المراد به البرُّ المجرد. وعدل هو عن الاعتكاف وعدل بهن؛ لأنهم لم يشرعوا فيه فلم يجب عليهم، والقصد من ذلك أن يكون عمله ﷺ غير مشوب بما يشوش باله، وأن يكون عملهن غير مشوب بمقصود دنيوي؛ ولذلك لما اعتكف رسول الله إثر ذلك في شوال لم يأمرهن بالاعتكاف معه.
وتسمية ذلك قضاء في الترجمة مبنية على أنَّ رسول الله ﷺ لا ينصرف عن عمل نواه إلَّا ناويًا قضاءه. وليس ذلك من القضاء المتعارف في الفقه؛ لأنَّه إنَّما يقع في الواجبات؛ ولذلك قضى رسول الله ﷺ الركعتين اللتين كان يصليهما بعد الظهر فصلَّاهما بعد العصر لما شغل عنهما كما في الحديث، فأعمال رسول الله ليس كأعمال سائر الأمَّة؛ فلذلك لم يأمرهن بالقضاء على انفراد.
النِّكاحُ فِي الاعْتِكَافِ
وقع فيه قول مالك ﵀: «فرق بين نكاح المعتكف وبين نكاح المحرم: أن المحرم
стр. 169
يأكل، وبشرب، ويعود المريض، ويشهد الجنائز، ولا يتطيب. والمعتكف والمعتكفة يدهنان، ويتطيبان، ويأخذ كل واحد منهما من شعره، ولا يشهدان الجنائز، ولا يصليان عليها، ولا يعودان المرضى فأمرهما في النكاح مختلف».
أراد إبداء الفارق بين الإحرام والاعتكاف في أحكام كثيرة، ليظهر أنهما ليسا من جنس واحدٍ وإن اشتراكا في أنَّهما عبادة، واستدل على اختلاف جنسيتهما باختلاف خصائصهما. فإذا تبين اختلاف الجنسين تعين أن لا يكون مُناسب أحد الجنسين مناسبًا للجنس الآخر، فالمنع من عقد النكاح مناسب للإحرام، ولا يلزم أن يكون مُناسب أحد الجنسين مناسبًا للاعتكاف، فلا يقاس الاعتكاف على الإحرام في منع النكاح للمتلبس به، لانتفاء المناسبة بسبب اختلاف الجنسين. والمقصود من هذا فقه في السنة، ودفعٌ لمن قد يَطعن في المأثور من السنة بأنَّه مخالف للقياس، فيتطرق إلى الشك في صحَّة الأثر، وإلَّا فإنَّ الاعتماد في هذا على السنة لا على القياس. ولذا قال مالك في آخر كلامه: «وذلك الماضي من السنة في نكاح المحرم والمعتكف والصائم». وقد يأتي مالك بمثل هذا كما قال في القضاء بالشاهد واليمين: «إنَّه ليكفي في ذلك ما مضى من السنة ولكن المرء قد يُحبُّ أن يعرفه وجه الصواب ومواقع الحجَّة». وهذا المسلك الذ سلكه في هذا الباب يرجع إلى القدح في القياس المفروض أو المقول به بقادح الفرق والقدح في المناسبة.
وقوله: «إنَّ المحرم يأكل ويشرب (أي: في النهار) بخلاف المعتكف»؛ لأنَّ من شرط صحة الاعتكاف أن يكون المعتكف صائمًا صيامًا فرضًا أو نقلاً.
مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ
وقع فيه: «أن رسول الله ﷺ أرى أعمار الناس قبلة أو ما شاء الله من ذلك».
стр. 170
الرؤية هنا عرفانية، فعلها متعدٍّ إلى مفعول واحد، وصار بالهمزة متعديًا إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبرَ، أي: أعمله الله بأعمال الناس قبله إعمالاً صريحًا بالمشاهدة.
وقوله: «أو ما شاء الله من ذلك» شك من شيخ مالك أو من مالك. وهذا الشكُّ يدلُّ على أنَّ هذا البلاغ حكاية للفظ نبوي؛ ولذلك تحرَّى راويه على عادة مالك وشيوخه في توخِّي اللفظ النبوي: والمعنى أو أرِيَ ما شاء الله أن يُريه من أعمار مَن قبله، أي: أعمار بعض الأمم، وكلا الاحتمالين كاف في تقاصيره أعمار أمته.
وقال: «فكأنَّه تقاصر أعمار أمَّته» أي: فأشهت حالته حالةَ من تقاصر أعمار أمته، أي ظهر على ملامحه ما يُؤذن بذلك ولم يسأله تأدبًا مع الله تعالى، فأعطاه الله ليلة القدر، أي: كرامة له لإزالة مخافته التي لم يصرحْ بها.
وقوله: «تقاصَر أعمار أمته» استعمل تقاصَر متعدِّيًا، ومعناه استقصر أعمارهم. وهذا استعمال غريب لمادة التفاعل. وقوله: «أن لا يبلغوا من العمل» بدَل اشتمال من أعمار.
***
وفيه قوله: فأعطاه الله «ليلة القدر خير من ألف شهر».
ليلة مرفوع على الحكاية للآية؛ وكذلك «خيرٌ من ألف شهر»، فمعنى: «فأعطاه الله»: فأنزل عليه هذه الآية عطية منه تعالى، ويفسِّر هذا ما رواه ابن أبي حاتم مرسلاً بأطول مما في «الموطإ».
***
وفيه: قال له جبريل: فقد أنزل الله عليك خيرًا من ذلك ليلة القدر خير من ألف شهر.
وما أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد مرسلاً بأطول مما في
стр. 171
«الموطإ»، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]، وفي بعض النسخ من «الموطإ» «ليلة» بالنصب، (وخير) بالرفع، فيكون معنى: (فأعطاه): وهبة تلك الليلة، ويكون رفْع (خير) على أنَّه نعت مقطوع أو خبر لمبتدأ محذوف، وجملته مستأنفة لبيان مقدار العطية، ولم يُرْوَ (خيرًا)، ولو روي لكان حالاً من ليلة القدر.
стр. 172
كشف المغطى
من المعاني والألفاظ الواقعة
في الموطأ
كِتَابُ الحَجٌ
стр. 173
أصل الحجَّ من الحنيفية، أذن الله به خليله إبراهيم ﵇؛ ليتم مرادُ الله تعالى من تأهيل ذلك الوادي المبارك بذرِّية إبراهيم؛ فيكونوا في معزل عن الاندماج في مساوي الأمم الضالة، وفي منجاة من مساوي الأخلاق الموروثة من فاسد الأعراق، فإنَّ الأخلاق تتلاقح بالقرب، وتُعدي الصحاحَ مباركُ الجُرْب، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٧] فقد عُلم أنَّه لم يسكنهم في ذلك المعزل إلَّا حرصًا منه على بقاء كلمة التوحيد محفوظة محروسة في قوم يعلنونها ويشيدون ذكرها ويرفعونها. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨]، وكل ذلك تهيئة لظهور الرسول الكريم ﷺ الذي قطع الله به شبه الشرك والضلال، كما يؤمئ إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٨، ٢٩]؛ وإذ قد علم إبراهيم من سنَّة هذه الحياة أن لا يستقيم أمر المنعزلين في مكان إذا انقطع عنهم مدد العيش وخشي إنِ اشتدَّ عليهم تحصيل عيشهم أن يغادروا ذلك المكان، ويلتحقوا بالأمم الذين سكن حبُّ الشرك أفئدتهم ورَانَ؛ سأل إبراهيم ربه أن يسهل رزق ذريته الذين أودعهم في ذلك الوادي من الواردين عليهم المجتازين دون الساكنين المجاورين؛ لئلاَّ تلتصق بهم المساوي من الساكن والثاوي، فقال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]؛ فشرع الله لذلك الحجَّ على لسان إبراهيم شرعًا قضى الله به أمنية خليله في جانبي الدين والدنيا؛ فكان حجُّ الناس إلى كعبة التوحيد بثًّا لدعوته وإعلانًا لحجته، وكان مع ذلك مجلبة للأرزاق من سائر الآفاق. قال الله تعالى في حكاية ذلك والتنبيه على نُكت منها ما ذكرنا: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ
стр. 174
أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٦ - ٢٨]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧].
فهدى الله من هدى من العرب إلى زيادة الكعبة، ثمَّ أقيمت عندها الأسواق ورغبهم في الاجتياز بها ما كان لإسماعيل وذريته من سنة قرى الضيف؛ فأصبحت مكَّة مأمنًا للمارين إلى أن كثرت ذرية إسماعيل وتفرَّقوا فيما حولها وفيما بعُد عنها، فكان منهم مادة لسكان مكَّة الذين هم دَعوة إبراهيم.
فكانت أعمال الحج ومناسكه ممَّا رسمه إبراهيم ﵇ بإذن ربِّه تعالى، واستمر عليه العرب في أطوارهم كلَّها إلى أن دخل فيهم الإشراك، فحرَّفوا الحنيفية، ومع ذلك لم يدخلوا في مناسك الحجِّ شيئًا ن عبادة الأصنام إلَّا وضعَهم طائفة من الأصنام في المسجد الحرام.
ولما جاء الإسلام لم يغير من مناسك العرب ي الحجِّ إلَّا أشياء قليلة هي التي دخلها التحريف، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقول النبي ﵇ «أن لا يحج بعد العام مشرك ول يطوف بالبيت عريان»، بل رفع توهمًا كان توهَّمه الأنصار في تركهم السعي بين الصفا والمروة؛ لأنَّهم كانوا ي الجاهلية يتجنَّبون السعي بينهما؛ إذ كان عليهما الصَّنمان (إسافّ ونائلة)، وكان أهل يثرب لا يدينون لهما وإنَّما كانوا يعبدون مناة، فكانوا يهلُّون إليها حذو قديد بعد انقضاء الحجِّ، فلما جاء الإسلام تركوا عبادة مناة ظنَّوا أنَّ السعي بين الصفا والمروة إنَّما كانت قريش تفعله لأجل إساف ونائلة؛ فتخرَّج الأنصار من السعي، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]. كما أخرج مالك ﵀، في هذا حديث عروة بن الزبير عن عائشة ﵃، وفي «صحيح البخاري» عن عاصم قال: قلت لأنس بن مالك:
стр. 175
أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتَّى أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [سورة البقرة: ١٥٨].
وقد تبينت أعمال مناسك الحج بفعل النبي ﷺ في حجَّة سنة عشر من الهجرة؛ فسائر أعمال الحجَّ عبادة الله تعالى اتبع فيها الإسلام شريعة إبراهيم ﵇، فلم يغير منها شيئًا، عقلنا بعض معانيها ولم نعقل الآخر ففوضنا العلم فيه إلى الله الذي أمر به رسوليه ﵇.
والحكمة في مجموعه بعد مجيء الإسلام التسامع بأمر التوحيد حتَّى لا يجد الإشراك مدخلاً إلى النفوس، واستشعار الوفادة على الله تعالى في بيته الذي أقامه دلالة على وحدانيته؛ واجتماع طوائف من المسلمين من أقطار الإسلام لتعرُّف بعضهم بأحوال بعض وتشاورهم فيما يعود عليهم بالنفع ويدفع عنهم المصائب والنوائب، وتعاون بعضهم ببعض؛ فكم كان موسم الحجِّ مُعْلِنَ علم العلماء، ومُسَيِّر تأليف المؤلفين النبلاء، ومبلغ مشتكى المضعوف من الخلفاء والأمراء. ثمَّ ما فيه من التجرد من علائق الحياة الدنيا تجُّردًا يُجعل منه برزخ يتسرى منه التجرُّد عن التشبث بالدنيا إلى مسالك النفوس فيزيدها زكاة وتقديسًا، وما فيه من تجلَّى المساواة الإسلامية في أجلى مظاهرها ... ومن مشاهدة منبثق نور الوحي لرسول الله ﷺ ومطلعه. ثمَّ من مشاهدة قبره ﷺ مأوى ذلك النور ومستقَرٌّه، تحصيلاً بين البدء والختام في معرفة قدره وبرِّه.
غُسْلُ المُحرِمِ
مالك، عن حميد بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح، أن عمر بن الخطاب قال ليعلي بن منية وهو يصب على عمر بن الخطاب ماءً، وهو يغتسل: اصبب على رأسي، فقال يغلى: أتريد أن تجعلها بي؟ إن أمرتني صببت، فقال له عمر بن الخطاب: اصبب فلن يزيده الماء إلا شعثًا.
قول عمر ليعلي أول مرة: «اصبب على رأسي»؛ أمر مستعمل في التحريض، كأنَّه
стр. 176
يقول له: لم لم تبالغ في صبِّ الماء على رأسي، فقد علم ابن منية أنَّ عُمر أمره بصبِّ الماء على رأسه من قوله: «أصبب على رأسي»؛ وبذلك يظهر معنى قول ابن منية له بعد هذا: «إن أمرتَني صببت» أي: إن صَمَّمت على أن تجعل الماء على رأسك صببتُ.
وقول ابن منية: «أتريد أن تجعلها بي» الضمير المؤنث يعود إلى الفدية التي يوجبها إلقاءُ التفث مثل: قصِّ الأظفار؛ فكان يًعلى يحسب أنَّ المبالغة في صب الماء على الرأس من قبيل إلقاء التفث لما ينحدر مع الماء من الأوساخ؛ فلذلك ردَّ عليه عمر بقوله: «أصبُب» أي: رد صب الماء: «فلن يزيده الماءُ إلا شعثًا». فمعنى قوله: «أن تجعلها بي» أن تجعل الفدية عن خطا بسبب فعلي، وكلام يعلى هنا فيه ضرب من الدُّعابة مع عمر، فقد علم يعلى أنَّ عُمر لا يريد ذلك، وأنَّ يَعلى لو فعل بدون إذن عمر ما وجب على يعلى شيء من الفدية، إنَّما يجب ذلك على عمر.
وقوله: «إن أمرتني صببت» أراد أمر عمر يبين ليعلي أن لا حَرج في صب المُحرم الماء على رأسه في غسله فرضًا أو تطوعًا، وأنَّه يقتدي به؛ لأنَّه لو كان له رأي يخالف ذلك ما جاز له التسبب فيما هو منهي عنه، ولو كان بإذن الفاعل. ألا ترى إلى حديث أبي قتادة الأنصاري في «صحيح البخاري» حين كان حَلالاً مع قوم حُرُم فرأى حمار وحش، فركب فرسه، وقال لمن معه: ناولوني سوطي فأبوا أن ينالوه سوطه؛ لأنَّهم حُرم لا يعينون على الصيد الممنوع للمُحرم.
لَبسُ المُحْرِمِ المنْطَقةِ
وقع فيه قول سعيد بن المسيُّب في المنطقة: «إذا جعل في طرفيها جميعًا سورة».
هكذا في الأصل وفي نسخة صحيحة «سيورة» بهاء تأنيث في آخره، وهو جمع سير، وهو القيد من الجلد الذي يشدُّ به. وفي معظم النسخ سيورًا بدون هاء تأنيث.
стр. 177
لَبسُ الثيابِ المُصْيَغَةِ
وقع فيه قول مالك: «ما لم يكن فيه صباغ زعفران أو ورس». الصباغ بكسر الصاد ما يصبغ به، أي: يدهن ويلون، فقوله: «زعفران أو ورس» بدل من: «صباغ». وضبط في بعض النسخ بالإضافة فتكون بيانه، أو على جعل الزعفران والورس بمعنى النبت، أي: صباغ للزعفران أو الورس، أي: كان من إثر ذلك النبت. ووقع في نسخ «من زعفران» الخ.
مَوَاقِيتُ الإِهْلَالِ
المواقيت جمع ميقات. وهو اسم صيغ بوزن المفعال الموضوع للدلالة على آلة الفعل. جعلوا الدالَّ على الوقت بمنزلة الآلة الصانعة له على سبيل الاستعارة لقصد المبالغة في الدلالة. ثمَّ شاع الاستعمال وتنوسي ما فيه من الاستعارة. والميقات مشتق في الأصل من الوقت الذي هو الزمان المقدر لإيقاع فعل ما، ولمَّا توسَّعوا في الاشتقاق من الوقت فعلَ وَقت يَقت، ووقَّت بالتشديد بمعنى قَدر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، زادوا في التوسع فأطلقوا التوقيت على تقدير المكان، فقالوا: وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، وسمُّوا الأمكنة التي عٌيِّنت لابتداء إحرام القادم للحجِّ والعمرة مواقيتَ الإحرام، ومواقيت الإهلال.
وقد بينَّها حديث ابن عمر ﵁ في «الموطإ». والظاهر أنَّ هذه المواقيت إنَّما حُدِّدت وعيِّنت في الإسلام، كما يرشد إليه عدم تحديد ميقات لأهل العراق في زمن رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ العراق لم تفتح للإسلام حينئذ، فلما فُتح العراق أتوا عمر بن الخطاب، فقالوا: إن رسول الله حدَّ لأهل نجد قرنًا وهو جَور عن طرقنا وإنَّا إن أردنا قرنًا شق علينا، قال: فنظروا حذوها من طريقكم فحدَّ لهم ذات عرق، رواه البخاري
стр. 178
عن ابن عمر. فالظاهر أنَّ العرب في الجاهلية كانوا يخرجون من آفاقهم محرمين، أو كانوا يحرمون عند الوصول إلى حدود الحرم على سبيل التقريب؛ إذ كان أمرهم غير منضبط.
***
مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن»، قال عبد الله بن عمر: وبلغني أن رسول الله قال: «ويهل أهل اليمن من يلملم».
وقت رسول الله ﷺ لأهل الشام؛ لأن مشارف الشام قد فتحت في زمن رسول الله ﷺ بعد غزوة تبوك فالمراد من الشام مشارفها. ولم يوقِّت لأهل العراق إذ لم يكن يومئذ في العراق إسلام؛ ولذلك زاد ابن عمر في حديث البخاري في كتاب «الاعتصام»، فقال: لم يكن عراقٌ يومئذ.
القِرَانُ فِي الحجِّ
القِران مصدر قارن مبالغة في قَرن، وهو الجمع بين الحجِّ والعمرة في إحرام واحدٍ بأن يُحرم بحجِّ وعمرةٍ معًا في إحرام واحدٍ، ويبدأ بالعمرة في نيته في الإحرام. ويلحق به أن يحرم بعمرة ابتداءً غير ناوٍ الحجَّ ثمَّ ينوي الحج قيل السعي بين الصفا والمروة؛ فذلك أيضًا قرانٌ. فإذا أحرم بعمرة وحل منها في أشهر الحج ثمَّ في ذلك العام قبل الرجوع إلى بلده؛ فذلك التمتع الذي ورد ذكره في القرآن: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ولم يكن القرآن ولا التمتُّع من مناسك الجاهلية؛ لأنَّهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج فُجورًا. أخرج البخاري عن ابن عبَّاس قال: كانوا يَرون العمرة في أشهر الحجِّ من أفجر الفجور في الأرض، ويقولون: إذا بَرَأ الدبر. وعفَا الأثر. وانسلخ صَفر،
стр. 179
حلت العمرة لمن اعتمر. اهـ. وكان الشهر الذي يكثرون فيه العمرة في الجاهلية هو شهر رجب؛ لأنه شهر حرام عند جمهور العرب، فلمَّا جاء الإسلام رخَّص الله للمسلمين الجمع بين الحجُّ والعمرة بالتمتُّع بنصِّ القرآن، وأوجب على التمتع إذا كان من غير أهل هديًا أو صيامًا عشرة أيَّام: ثلاثة في مدَّ الحجُّ، وسبعة إذا رجع إلى أفقه أو مثله في البعد.
ورُخُّص في القرآن بدليل السنة بفعل النبي ﷺ في صدر الباب اسم «الشُّقْيَا» وهو بضم السين اسم لبئر كانت خارج المدينة كان لسعد بن أبي وقَّاص، وكان ماؤها عذبًا، وكانوا يستعذبون ماءها لرسول الله ﷺ ، وكانت حولها بيوت وقرية وهي في طريق مكَّة قرب عُسفان.
***
ووقع أيضًا لفظ «يَنْجَع»، وهو بمعنى: يَعلف ويُلقم كما فسَّره الباجي في «المنتقى» وصاحب «القاموس». وفي اللسان: نجعه سقاه النجوع، أي: بفتح النون وهو أن يسقيه الماء بالبرز أو بالسِّمسم. والحاصل أنَّه عَلف مخلوط بماء. وفي فعل علي ﵁ دلالة على أنَّه لا طاعة لولاة الأمور في منح مباح، ولا في أحوال الناس في خويصاتهم ونوافلهم والأمور المباحة.
стр. 180
مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ
مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمير بن سلمة الضمري عن البهزي أن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة وهو محرم، حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير، فذكر ذلك لرسول الله فقال: «دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبته». فجاء البهزي وهو صاحبه إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله أبا بكر فقسمه بين الرفاق. ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل فيه سهم، فزعم أن رسول الله أمر رجلاً أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوه.
الظاهر أن عميرًا لم يشهد هذا المشهد وإن كان من الصحابة. وإنما أخبره به البهزي كما يدل عليه قوله: «فزعم أن رسول الله أمر رجلاً» إلخ ولا يعارضه، أو لا يكون قرينة على خلاف ذلك، ما رواه بعضهم عن يحيى بن سعيد شيخ مالك بدون قوله: «عن البهزي»؛ لأنه يجوز للصحابي إذا روى عن صحابي أن يرسل إلى النبي ﷺ ولا يذكر الصحابي الذي تلقاه من النبي ﷺ ، كما هو أكثر مرويات ابن عبَّاس ﵁. وإذا جاز ذلك للصحابي جاز لغيره، فعلَّ يحيى بن سعيد أو من فوقه في هذا السند كان يرويه مرة مسندًا ومرة مرسلاً، عن الصحابي، فلا ينهض ما نقله
следующие страницы →