← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150963

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطا

ابن عاشور

Полный текст (362 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يقول له: لم لم تبالغ في صبِّ الماء على رأسي، فقد علم ابن منية أنَّ عُمر أمره بصبِّ الماء على رأسه من قوله: «أصبب على رأسي»؛ وبذلك يظهر معنى قول ابن منية له بعد هذا: «إن أمرتَني صببت» أي: إن صَمَّمت على أن تجعل الماء على رأسك صببتُ. وقول ابن منية: «أتريد أن تجعلها بي» الضمير المؤنث يعود إلى الفدية التي يوجبها إلقاءُ التفث مثل: قصِّ الأظفار؛ فكان يًعلى يحسب أنَّ المبالغة في صب الماء على الرأس من قبيل إلقاء التفث لما ينحدر مع الماء من الأوساخ؛ فلذلك ردَّ عليه عمر بقوله: «أصبُب» أي: رد صب الماء: «فلن يزيده الماءُ إلا شعثًا». فمعنى قوله: «أن تجعلها بي» أن تجعل الفدية عن خطا بسبب فعلي، وكلام يعلى هنا فيه ضرب من الدُّعابة مع عمر، فقد علم يعلى أنَّ عُمر لا يريد ذلك، وأنَّ يَعلى لو فعل بدون إذن عمر ما وجب على يعلى شيء من الفدية، إنَّما يجب ذلك على عمر. وقوله: «إن أمرتني صببت» أراد أمر عمر يبين ليعلي أن لا حَرج في صب المُحرم الماء على رأسه في غسله فرضًا أو تطوعًا، وأنَّه يقتدي به؛ لأنَّه لو كان له رأي يخالف ذلك ما جاز له التسبب فيما هو منهي عنه، ولو كان بإذن الفاعل. ألا ترى إلى حديث أبي قتادة الأنصاري في «صحيح البخاري» حين كان حَلالاً مع قوم حُرُم فرأى حمار وحش، فركب فرسه، وقال لمن معه: ناولوني سوطي فأبوا أن ينالوه سوطه؛ لأنَّهم حُرم لا يعينون على الصيد الممنوع للمُحرم. لَبسُ المُحْرِمِ المنْطَقةِ وقع فيه قول سعيد بن المسيُّب في المنطقة: «إذا جعل في طرفيها جميعًا سورة». هكذا في الأصل وفي نسخة صحيحة «سيورة» بهاء تأنيث في آخره، وهو جمع سير، وهو القيد من الجلد الذي يشدُّ به. وفي معظم النسخ سيورًا بدون هاء تأنيث.

стр. 177

لَبسُ الثيابِ المُصْيَغَةِ وقع فيه قول مالك: «ما لم يكن فيه صباغ زعفران أو ورس». الصباغ بكسر الصاد ما يصبغ به، أي: يدهن ويلون، فقوله: «زعفران أو ورس» بدل من: «صباغ». وضبط في بعض النسخ بالإضافة فتكون بيانه، أو على جعل الزعفران والورس بمعنى النبت، أي: صباغ للزعفران أو الورس، أي: كان من إثر ذلك النبت. ووقع في نسخ «من زعفران» الخ. مَوَاقِيتُ الإِهْلَالِ المواقيت جمع ميقات. وهو اسم صيغ بوزن المفعال الموضوع للدلالة على آلة الفعل. جعلوا الدالَّ على الوقت بمنزلة الآلة الصانعة له على سبيل الاستعارة لقصد المبالغة في الدلالة. ثمَّ شاع الاستعمال وتنوسي ما فيه من الاستعارة. والميقات مشتق في الأصل من الوقت الذي هو الزمان المقدر لإيقاع فعل ما، ولمَّا توسَّعوا في الاشتقاق من الوقت فعلَ وَقت يَقت، ووقَّت بالتشديد بمعنى قَدر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، زادوا في التوسع فأطلقوا التوقيت على تقدير المكان، فقالوا: وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، وسمُّوا الأمكنة التي عٌيِّنت لابتداء إحرام القادم للحجِّ والعمرة مواقيتَ الإحرام، ومواقيت الإهلال. وقد بينَّها حديث ابن عمر ﵁ في «الموطإ». والظاهر أنَّ هذه المواقيت إنَّما حُدِّدت وعيِّنت في الإسلام، كما يرشد إليه عدم تحديد ميقات لأهل العراق في زمن رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ العراق لم تفتح للإسلام حينئذ، فلما فُتح العراق أتوا عمر بن الخطاب، فقالوا: إن رسول الله حدَّ لأهل نجد قرنًا وهو جَور عن طرقنا وإنَّا إن أردنا قرنًا شق علينا، قال: فنظروا حذوها من طريقكم فحدَّ لهم ذات عرق، رواه البخاري

стр. 178

عن ابن عمر. فالظاهر أنَّ العرب في الجاهلية كانوا يخرجون من آفاقهم محرمين، أو كانوا يحرمون عند الوصول إلى حدود الحرم على سبيل التقريب؛ إذ كان أمرهم غير منضبط. *** مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن»، قال عبد الله بن عمر: وبلغني أن رسول الله قال: «ويهل أهل اليمن من يلملم». وقت رسول الله ﷺ لأهل الشام؛ لأن مشارف الشام قد فتحت في زمن رسول الله ﷺ بعد غزوة تبوك فالمراد من الشام مشارفها. ولم يوقِّت لأهل العراق إذ لم يكن يومئذ في العراق إسلام؛ ولذلك زاد ابن عمر في حديث البخاري في كتاب «الاعتصام»، فقال: لم يكن عراقٌ يومئذ. القِرَانُ فِي الحجِّ القِران مصدر قارن مبالغة في قَرن، وهو الجمع بين الحجِّ والعمرة في إحرام واحدٍ بأن يُحرم بحجِّ وعمرةٍ معًا في إحرام واحدٍ، ويبدأ بالعمرة في نيته في الإحرام. ويلحق به أن يحرم بعمرة ابتداءً غير ناوٍ الحجَّ ثمَّ ينوي الحج قيل السعي بين الصفا والمروة؛ فذلك أيضًا قرانٌ. فإذا أحرم بعمرة وحل منها في أشهر الحج ثمَّ في ذلك العام قبل الرجوع إلى بلده؛ فذلك التمتع الذي ورد ذكره في القرآن: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولم يكن القرآن ولا التمتُّع من مناسك الجاهلية؛ لأنَّهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج فُجورًا. أخرج البخاري عن ابن عبَّاس قال: كانوا يَرون العمرة في أشهر الحجِّ من أفجر الفجور في الأرض، ويقولون: إذا بَرَأ الدبر. وعفَا الأثر. وانسلخ صَفر،

стр. 179

حلت العمرة لمن اعتمر. اهـ. وكان الشهر الذي يكثرون فيه العمرة في الجاهلية هو شهر رجب؛ لأنه شهر حرام عند جمهور العرب، فلمَّا جاء الإسلام رخَّص الله للمسلمين الجمع بين الحجُّ والعمرة بالتمتُّع بنصِّ القرآن، وأوجب على التمتع إذا كان من غير أهل هديًا أو صيامًا عشرة أيَّام: ثلاثة في مدَّ الحجُّ، وسبعة إذا رجع إلى أفقه أو مثله في البعد. ورُخُّص في القرآن بدليل السنة بفعل النبي ﷺ في صدر الباب اسم «الشُّقْيَا» وهو بضم السين اسم لبئر كانت خارج المدينة كان لسعد بن أبي وقَّاص، وكان ماؤها عذبًا، وكانوا يستعذبون ماءها لرسول الله ﷺ ، وكانت حولها بيوت وقرية وهي في طريق مكَّة قرب عُسفان. *** ووقع أيضًا لفظ «يَنْجَع»، وهو بمعنى: يَعلف ويُلقم كما فسَّره الباجي في «المنتقى» وصاحب «القاموس». وفي اللسان: نجعه سقاه النجوع، أي: بفتح النون وهو أن يسقيه الماء بالبرز أو بالسِّمسم. والحاصل أنَّه عَلف مخلوط بماء. وفي فعل علي ﵁ دلالة على أنَّه لا طاعة لولاة الأمور في منح مباح، ولا في أحوال الناس في خويصاتهم ونوافلهم والأمور المباحة.

стр. 180

مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمير بن سلمة الضمري عن البهزي أن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة وهو محرم، حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير، فذكر ذلك لرسول الله فقال: «دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبته». فجاء البهزي وهو صاحبه إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله أبا بكر فقسمه بين الرفاق. ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل فيه سهم، فزعم أن رسول الله أمر رجلاً أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوه. الظاهر أن عميرًا لم يشهد هذا المشهد وإن كان من الصحابة. وإنما أخبره به البهزي كما يدل عليه قوله: «فزعم أن رسول الله أمر رجلاً» إلخ ولا يعارضه، أو لا يكون قرينة على خلاف ذلك، ما رواه بعضهم عن يحيى بن سعيد شيخ مالك بدون قوله: «عن البهزي»؛ لأنه يجوز للصحابي إذا روى عن صحابي أن يرسل إلى النبي ﷺ ولا يذكر الصحابي الذي تلقاه من النبي ﷺ ، كما هو أكثر مرويات ابن عبَّاس ﵁. وإذا جاز ذلك للصحابي جاز لغيره، فعلَّ يحيى بن سعيد أو من فوقه في هذا السند كان يرويه مرة مسندًا ومرة مرسلاً، عن الصحابي، فلا ينهض ما نقله

стр. 181

الزرقاني عن «التمهيد» عن موسى بن هارون: كان البهزي غير مُحرم وكان الذين مع رسول الله ﷺ محرمين، وقد قسم رسول الله حمار الوحش بين الرفاق وهم محرمون فدَّل على أنَّ المحرم يأكل الصيد إذا لم يَصده هو ولا صِيدَ من أَجْلِه. وفائدة إكمال القصة في الحديث من قوله: «ثمَّ مضى» إلى آخره التنبيه على أنَّ رفقه النبي ﷺ كانوا مُحرمين؛ فلذلك أمر رجلاً أن يقف عند الظبي أن لا يهيجه أحد من الرفقة، فأمر رسول الله ﷺ بذلك المقصود منه تعليم الناس الذين معه أنَّهم لا يجوز لهم أن يهيجوا ذلك الظبي؛ لأنهم إذا أهاجوه وفيه سهم كانت الحركة جارحة لمقاتله، فيتسبب عليه موته فيكونوا قد أصابوه. وليس المقصود من أمره الرجل بالوقوف عند الظبي الخشية على الظبي أن يصيبه ضُرِّ. *** مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أنه سمع أبا هريرة يحدث عبد الله بن عمر أنه مر به قوم محرمون بالربذة، فاستفتوه في لحم صيد وجدوا أناسًا أحلة يأكلونه، فأفتاهم بأكله. قال: ثم قدمت المدينة على عمر بن الخطاب، فسألته عن ذلك، فقال: بم أفتيتهم؟ قال: فقلت: أفتيتهم بأكله، قال: فقال: لو أفتيتهم بغير ذلك لأوجعتك. الظاهر أن عمر ﵁ أراد أنَّ الإقدام على الفتوى بالمنع بدون مستند من كتاب أو سنة ليست بالأمر الهين. وهذا الباب باب تعبد لا مدخل للقياس فيه؛ ولأنَّ الأصل في الأشياء الإباحة والصيد مباح، وإنَّما حرم الله على المحرم أن يقتل الصيد ولم يحرم عليه أن يأكله إذا كان لم يقتله، فلو أنَّ أبا هريرة أفتى بمنع أكل المحرم الصيد، لكان قد أفتى بدون مستند، فلا عذر له في اجتهاده، فتعيَّن على الخليفة العالم تأديبه. وقد عجب الله من فريق من المؤمنين أشاروا على رسول الله ﷺ باتباع عير قريش وترك نفيرهم في قصة بدر بقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦]، أي: تبين أن اتباع النفير أجدى على المسلمين. ووقع في حديث كعب الأحبار مع عمر حين ذكر له أنَّه أفتى قومًا حُرمًا بأخذ الجراد وأكله قول كعب: «والذي نفسي بيده إن هو إلاَّ نُثْرَة حوت ينثر في كلِّ عام مرَّتين»، فأقسم كعبُ الأحبار على ذلك معتمدًا على ظنِّه

стр. 182

ذلك فيما تلقاه من علوم اليهود قبل إسلامه. وقسمه هذا من لغو اليمين الذي لا يؤاخذ به الحالف، وهذا ظنٍّ قديم يظنه الناس الذين لا يشاهدون كيفية تولُّد الجراد؛ لأنه يتولَّد في الصحاري الرملية فإذا طار ألقته الرياح بالبحر ويرميه البحر، فيراه أهل الشطوط، فيحسبونه خرج من البحر فإذا رأوه طائرًا ظنوه طار من البحر، وهذا خطأ بل هو من خشاش الأرض يتولَّد كما يتولَّد النمْل، وقد وضعت العرب أسماء لبيضه ودوده. وفي القرآن: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]، فشبَّه هيئة خروجهم من القبور بهيئة خروج الجراد من بيوته، وفي القرآن: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]، والفراش: دود الجراد قبل أن يستكمل الأجنحة. وسكوت عمر على فتوى كعب الأحبار في الجراد سكوت توقف؛ لعدم ظهور دليل خطأ كعب الأحبار. ومالك ﵀ لم يأخذ بقول كعب، ورأى على مَن قَتلَ الجراد وهو مُحرم الفِدية. وهذا يكشف حال الحديثين اللذين أخرجهما أبو داود عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «الجراد من صَيد البحر»، وقد قال أبو داود عقب ذلك: والحديثان وَهم. وفي أحد الحديثين أبو المهزِّم وهو الذي اقتصر عليه الترمذي، فأما التِّرمذي فقال: هذا الحديث لا نعرفه إلَّا من حديث أبي المهزِّم وقد تكلَّم فيه شعبه. وأما أبو داود فقال: أبو المهزِّم ضعيف. مَا لَا يَحلُّ لِلمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ معلوم أنَّ المحرم لا يجوز له أن يَصيد صَيدَ البر، وأنه إذا صاد صيدًا، فقد فعل حرامًا، ولا يجوز له أكله فليس ذلك بمقود من هذه الترجمة، إنَّما المقصد منها التنبيه على أن بعض ما يصيده غيرُ المحرم لا يحل أكله للمحرم، ليَذكر الآثار التي يظهر منها أن المُحرم لا يأكل الصيد، وإنما محملها على صيد له حالة خاصة، وهو هنا ما صِيد لأجل المحرم، ومَا تردد المحرم في مقصد صائده، فقد كان الأعراب يصيدون الصيدَ

стр. 183

مدَّة الحجِّ ويتعرَّضون به للمُحرمين، فهو قد صيد لأجلهم بخلاف ما صيد قبل الإحرام وهو الصفيف الذي تقدَّم ذكره في باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد، فهذه الترجمة كالتكملة للترجمة التي قبلها، فإنَّما أبى رسول الله ﷺ أكل الحمار الوحشي الذي أهداه إليه الصَّعْب بن جثَّامة؛ لأنه علم أنَّه صاده لأجل رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله محرمًا؛ وذلك تأويل قوله: «إنَّا لم نَرُده عليم إلا أنَّا حرم». ووجه حرمة أكل المحرم ما صاده الحلال لأجله هو سدُّ الذريعة، لئلاَّ يكونوا كما حكى الله عن بني إسرائيل في قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، فإنَّهم حرم عليهم صيد البحر يوم السبت في جملة الأعمال المحرمة في السب، فجعلوا مصائد ينصبونها يوم السبت ويجمعون ما تجمع فيها من الحوت يوم الأحد. *** ووقع في هذا الباب قول عائشة لعروة بن الزبير: «إنَّما هي عشر ليال». أي: إن مدَّة أعمال الحجُّ عشر ليال ابتداءً من أول ذي الحجَّة إلى يوم النحر فإنَّ الصيد يحل بطواف الإفاضة. *** ووقع فيه قوله: «بقطيفة أرجوان». فيجوز فيه تنوين «قطيفة» على أن «أرجوان» وصفٌ لها؛ لأنَّ أصل الأرجوان الأحمر من الصوف، ويجوز إضافة قطيفة إلى أرجوان باعتبار كون الأرجوان صوفًا. قال في «اللسان»: والأكثر في كلامهم إضافة الثوب أو القطيفة إلى الأرجوان. مَا يَقْتلُ المُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابٍّ مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والقرب، والفأرة،

стр. 184

والكلب العقور». ذكر اسم العدد في أوًّل الكلام للإعانة على الضبط ولتهيئة النفوس لسماع الحكم، فليس لاسم العدد هنا مفهوم، فلا ينحصر المرخَّص في قتله للمحرم فيهذه الأنواع الخمسة. وأحسب أن تخصيص هذه الأنواع بالذكر؛ لأَّنها لما كان ضرُّها غير مخطر، وكان من الممكن دفعُها نبَّه عليها توسعه على الناس؛ إذ لا يخفي أن السباع المفترسة والحيَّات يقتلها المحرم لخطر أضرارها، فليس الشارع بحاجة إلى التنبيه على الإذن بقتلها. وأما سباغ الطير، فإنَّ ما فيها من النفور من الإنسان يكفيه شَرها، فإذا هاجمته فلا خلاف في قتلها. وإنَّما رخص للمحرم في قتل الغراب مع أنه غير مفترس؛ لأنه يؤذي الإبل في عيونها، ورُخِّص في قتل الحدّأة؛ لأنَّها تتخطف اللحم فهي مُضِرَّة بمتاع الحاجِّ؛ وكذلك الفأرة. والمراد بالكلب العقور هو الذي يعضُّ المارين. *** وقع فيه حديث هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «خمس فواسق» الخ. وهو مرسل عند جميع الرواة. وقد وجدت في طرة نسخة لا اتَّهمها أنَّه أسنده وكيع ابن الجرَّاح عن مالك بسنده عن عائشة. وهو غريب. مَا جَاءً فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ هكذا ثبت في نسخ «الموطإ» كلَّها «أحصر» بالهمز. وصرَّح القرطبي في

стр. 185

«التفسير»، بأن مالكًا ترجم في «الموطإ» «أحصر» في الأمرين اهـ. قلت: فقد جرى على قول جمهور اللغويين أنه يقال: حَصره وأحصَره بدون همز وبالهمز، بمعنى مطلق المنع، سواء كان الذي منعه عدوٍّ أم كان مَرضًا ونحوه. وإنَّما غلب إطلاق المهموز على المنع من غير العدو، وإطلاق المجرد على منع العدو، وهذا الذي ارتضاه صاحب «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦؛ ولذلك تكون الآية صالحة لإفادة حكم كل منه، إلا أن غلبة الاستعمال جعلت حكمها أظهر في منع غير العدوٍّ وزادته السنة بيانًا. وبهذا تعلم وجه اقتصار الإمام ﵀ هنا على الاحتجاج بعمل السنة دون الاحتجاج بالآية. ومن رأى أنَّ المهموز حقيقة في منع غير العدو رأى الآية غير مفيدة حكم منع العدو أصلاً. ومن عكس عكس أي: أحصر بسبب قتال وإن لم يكن جيش كفار. وإنما عبر العدو؛ لأنَّ أوَّل إحصار ورد في القرآن والآثار هو الذي أحصره المسلمون عام الحديبية. *** مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه قال حين خرج إلى مكة معتمرًا في الفتنة: إن صددت عن البيت صنعًا كما صنعنا مع رسول الله، فأهل بعمرة من أجل أن رسول الله أهل بعمرة عام الحديبية، ثم إن عبد الله نظر في أمره، فقال: ما أمرهما إلا واحد، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: ما أمرهما إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة ثم نفذ حتى جاء البيت فطاف طوافًا واحدًا، ورأى ذلك مجزئًا عنه وأهدى. معنى هذا أنَّ ابن عمر كان قد التزم الحج كلَّ عام، فلما كان عام الفتنة قال له ابناه عبيد الله وسلالم: لا يضرُّك أن لا تحجَّ العامَ فإنَّا نّخاف أن يُخال بينك وبين البيت، فقال ما قال، وأهلَّ بالعمرة دون الحجِّ؛ إمَّ لأنَّه ظنَّ أنَّه لا ينعقد موسم الحجِّ في ذلك العام؛ وإمَّا لأنَّه لما توقَّع الإحصار أراد الائتساء بالة إحصار رسول الله ﷺ . وقوله: «ثم نظر في أمره» أي: نظر نظر ترجيح بين الاقتصار على نية العمرة للتأسي في حال الإحصار، وبين أن ينوي الحجِّ؛ لئلا يبطل عادة طيبة التزمها فرأى

стр. 186

الثاني أولى وأرجح للفارق المعتبر، وهو أنَّ رسول الله ﷺ إنَّما خرج ناويًا العمرة؛ إذْ كان المشركون يصدُّون المسلمين عن الحجِّ معهم؛ ولذلك قال: «ما أمرهما إلا واحد»، أي: ما أمر الحجِّ والعمر إلَّا واحد في احتمال أن نُصدَّ عنهما معًا أو عن أحدهما أو أن نتمكَّن منهما، فلا وجه للعدول عن نية الحج، وليس المراد أنَّه لما علم بأنَّه سيحصَر نوى الحجَّ ليحصِّل ثواب حجَّة مع العلم بأنَّه لا يتمكن منها؛ لأنَّ ذلك لا يلاقي قوله: «ما أمرهما إلا واحد». وقوله: «أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة»، أراد به إشاعة ذلك لإفادة حكمه؛ ولأنَّه قد يبلغ ذلك إلى الحجَّاج بن يوسف، فلعلَّه أن يهادن ابن الزبير مدَّة الحج. وقد ظهر أن الناس تمكَّنوا من الحج في ذلك العام، وأن ابن عمر كان في حجته تلك قارنًا؛ ولذلك قال الراوي: «فطاف طوافًا واحدًا ورأى ذلك مُجزئًا عنه»، فمطابقة هذا الحديث للترجمة في مجرَّد قول ابن عمر: «إن صُددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله»، وأما بقية الحديث فهو دليل القِران، فلا يختلط عليك. مَا جَاءَ فِيمَنْ أٌحْصِرَ بِغَيرِ عَدُوِّ وقع فيه اسم «سعيد بن حُزَّابة المخزومي» وهو كذلك في بعض نسخ «الموطإ». وفي معظمها معبد بن حُزابة. ولم أقف على ترجمته فيما رأيت فيمن اسمهم سعيد ولا فيمن اسمهم مَعْبد. *** ووقع فيه قول مالك: «أو امرأة تُطْلَق»، فهو بضم التاء وسكون الطاء وفتح اللام مبنيًا للمجهول. يقال: طُلقَت المرأة -بضم الطاء وتخفيف اللام- إذا أصابها

стр. 187

الطَّلْق -بسكون اللام- وهو المخاض للولادة. الرَّمَلُ في الطَّوَافِ مالك، عن هشام بن عروة أن أباه كان إذا طاف بالبيت يسعى الأشواط الثلاثة يقول: اللَّهُمَّ لَا إِله إلَّا أنتا وأنت تُحْيِي بعدما أَمتَّا يخفض صوته بذلك. الارتجاز عادة قديمة عند العرب يخففون به عن أنفسهم مشقةَ الأعمال، فكانوا يرتجزون عند القتال وعند المَتْح على الآبار. وقد جاء في الحديث ارتجاز النبي ﷺ ، والمسلمين عند حفر الخندق، وارتجازه يوم حنين بقوله: أنا النَّبي لا كَذِب ... أنا بن عبد المطلب والارتجاز في الطواف وارد عن أهل الجاهلية. وطافت امرأة عريانة على حسب دين قومها، فقالت: اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله وكذلك ارتجز عروة بكلام صالح في تسبيح الله تعالى وورد مثله عن الحسن البصري. جَامِعُ السَّعْي مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قلت لعائشة وأنا يومئذ حديث السن: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فما على الرجل شيء أن لا يطوف بهما،

стр. 188

فقالت عائشة: كلا لو كان كما تقول لكانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة؛ فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله عن ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَ﴾ [البقرة: ١٥٨] الآية. قول عروة: «وأنا يومئذ حديث السنَّ» اعتذار توقُّفه وسؤاله عائشة؛ فيدلُّ على أنَّه موافق لتفسيرها الآية؛ وإنَّما اعتذر بحداثة سنة، إمَّا عن عدم علمه بسبب نزول الآية الذي فيه بيان المقصود منها، وإمَّا عن ضعف فهمه لأساليب الكلام العربي حتى لم يتَّضح له مفاد التركيب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه﴾ - وقوله: ﴿َفَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ﴾، فإنَّ عروة وإن كان عربيًا وناشئًا بين العرب، فإنَّ فهم خصائص اللغة يحتاج إلى ممارسة البلغاء وأهل اللسان، وتلك الممارسة لا تكمل في حداثة السنِّ؛ ولذلك كان العرب يصفون من بلغ منتهّى البلاغة والفصاحة من شعرائهم وخطبائهم بالفَحْل، والقرم، والبَازل. ومعنى كلام عائشة أنَّ الله تعالى لما أخبر أن الصفا والمروة من شعائر الله، فقد أنبأنا بوجوب السعي بينهما وأنَّ ما عليه جمهور العرب من السعي بينهما هو من مراد الله تعالى ومن بقايا الحنيفية الصحيحة، فلمَّا قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ علم أنَّ ذلك نفي للحرج عن فريق إذا أراد أن يطوف بالصفا والمروة. وتعيين هذا الفريق علم من القصة التي قصتها عائشة. وليس مراد عائشة أن قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ هو نصِّ على عدم التخبير في السعي، وأنَّه لو كان التخبير مرادًا لقال أن لا يطوَّف بهما، فإنَّ نفي الجناح من صيَغ الإباحة بالأصالة سواء كان تعلُّقه بالمنفي عنه بطريقة الإثبات أو بطريقة النفي؛ لأنَّ التخيير في الفعل يساوي التخيير في الترك كما هو شأن الإباحة. وإنَّما شأن صيغة الإباحة في كلام البليغ أن تتعلق بالطرف المتروك؛ لأنَّه الذي يَظهر فيه التخيير، فلمَّا تعلَّق نفي الحرج في الآية بالطرف المفعول، دلَّ على عدم الالتفات إلى جانب الترك، فلما انضمَّ إليه أن المأذون في فعله هو من شعائر الله تبين أن نفي الحرج مراد به حرج خاص وهو حرج تأثُّمهم؛ فيكون مثل قوله تعالى:

стр. 189

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، حين تأثموا من التجارة أيام الموسم، فكان قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ مجملاً بينَّه سبب النزول؛ فهذا وجه الاستدلال بالطريقة الجدلية أو جزتْه عائشة؛ لبلاغتها وذكاء سائلها، وهو من غرر الأدلة. وأحسب أن تحرُّج الأنصار وسؤالهم رسول الله ﷺ عن السعي بين الصفا والمروة أنَّ الله لما أبطل عبادة الأصنام وتنزَّهوا عن زيارة إساف ونائلة الصنمين اللذين كانا وضعا على شط البحر حذو قديد في المشلَّل، كما ورد في حديث عن هشام بن عروة عن أبي معاوية. وقد علم الأنصار أنَّ إسافًا ونائلة كانا موضوعين على الصفا والمروة وأنهما لمَّا نقلا إلى الشاطئ، تركوا السعي بين الصفا والمروة استغناء عنه بالسعي بين الصنمين في حيث نقلا. وبقي بعض العرب يسعى بين الصفا والمروة مثل أهل مكة، فظنَّ الأنصار أن السعي من مآثر الشرك وأن الصفا والمروة ليسا من الشعائر مثل الكعبة؛ فنفي ذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. وفي هذا الأثر عن أبي معاوية شكٍّ؛ إذ لا يعرف في تاريخ العرب أنَّ إسافًا ونائلة نقلا من الصفا والمروة إلى موضع غير ذلك، وقد جاء ذكرهما في مدَّ البعثة في قول أبي طالب: وحيث ينيخ الأشعرون رحالهم ... بملقى السيول بين سَافٍ ونائل فالوجه أنَّ الأوس والخزرج كانوا في الجاهلية لا يعبدون إسافًا ونائلة ويعبدون اللَّاتَ؛ فكانوا لا يسعون بين الصفا والمروة ويرون السعي بينهما إعراضًا عن عبادة اللات، فلمَّا أسلموا تركوا اللات لإسلامهم، وتركوا السعي بين الصفا والمروة؛ لأنَّهم كانوا تاركيه من قبل.

стр. 190

صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ وقع فيه قول القاسم بن محمد ﵀: «ثم تقف حتى يبيض ما بينها وبين الناس من الأرض». أي: حتَّى يخلو المكان من الناس، فعبَّر عنه بالابيضاض تبعًا لتعبيرهم عن الناس بالأّسْودة، كما ورد في حديث الإسراء في ذكر آدم: «فإذا عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة»، ويقال للإنسان: سَواد. قال حسان: لا يسألون عن السواد المقبل ويسمى الجمع الكثير السوادَ الأعظم، فجُعل خلو الأرض من سواد الناس بَياضًا. وهم يصفون الأرض بالبياض أيضًا إذا كانت ظاهرة، قال الحماسي: بيضٌ طرائقنا تغلي مراجلنا ... نأسو بأموالنا آثارَ أيدِينا أي: لكثرة ورود العفاة والمستضيفين في طرقهم لم يبق فيها لون التُّراب أحمرَ وصار أبيض. وفي المشارق «قال مالك: معنا تظهر لها الأرض، يريد يذهب الناس من الموقف». مَا جَاءَ فِي صِيَامِ أَيَّامِ مِنْى مالك عن أبي النصر، عن سليمان بن يسار، أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام أيام منى. ذكر ابن عبد البرِّ أنَّ مرسل في جميع الروايات عن مالك، وأنَّ النسائي وصله

стр. 191

عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن حُذافة اهـ. لكن قال ابن العربي في «المسالك»: وهو أيضًا مرسل؛ لأنَّ سليمان بن يسار لم يسمع من عبد الله بن حذافة اهـ. وهذا لم يقله غيرُ ابن العربي، فقد ذكر الذهبي في «الكاشف» و «التلخيص» أن ممن سمع من عبد الله بن حذافة سليمانَ بن يسار. على أنَّ ابن العربي لم يذكر شيئًا عن الواسطة بين سليمان بن يسار وعبد الله بن حذافة. وعنى ابنُ العربي بالمرسل المقطوع. والمقطوع من جملة إطلاق المرسل. العَمَلُ فِي الهَهدْي حَتَّى يُسَاقَ مالك أنه سأل عبد الله بن دينار: ما كان عبد الله بن عمر يصنع بجِلال بُدنِه بعد أن كسيت الكعبة هذه الكسوة؟ يريد بالكسوة المجعولةَ من الديباج وهي التي يرسلها الخلفاء تستر الكعبة كلها. وأوَّل من كساها الديباج هو الحجاج بن يوسف؛ وكانت قبل ذلك تكسى القَبَاطِيَّ والأَنْمَاطَ. والظاهر أن الخلفاء منعوا الناس من وضع جِلال البُدن عن الكعبة؛ لأنها دون الكسوة المجعولة لها من بين المال في النفاس. الحِلَاقُ مالك، عن نافه، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم ارحم المحلقين»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: «اللهم ارحم المحلقين». قالوا: ِ

стр. 192

والمقصرين يا رسول الله، قال: «والمقصرين». لم أر من شفَى الغليل ببيان وجه الاقتصار على الدعاء للمحلِّقين ابتداء، وبيان وجه الإعراض عمَّن قال له: والمقصِّرين مرَّة أو مرَّتين الدال على أن المحلَّقين هم الجديون بالثناء. وكلُّ ما قالوا في توجيهه مدخولٌ. والذي يظهر لي أنَّه لما كان الإحرام يمنع التطيب والتدهُّن مع كثر الشعث، كان الحِلاق عقب الفراغ من الحجِّ أنقىَ للرأس وأقطعَ للقمل والوسخ. والنظافة مقصد شرعي فدعا رسول الله ﷺ للذين أتوا بأقصاها تنبيهًا على فضلها، كما في قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]. ولما رام المقصِّرون لا تفوتهم بركة دعائه ﷺ ؛ لقنوه طلب الدعاء لهم، فأعرض عنهم أولاً إظهارًا لفضل الحَلق، ثمَّ شركهم في الدعوة بعدُ؛ كيلا يحرمهم من بركته. التَّلْبِيدُ وقع فيه قول عمر بن الخطاب: «من ضفر فليحلق، ومن عقص أو ضفر» الخ. فضبطا في النسخ بتشديد الفاء. يقال: ضَفر شعره يضفِر من باب ضرب ضفرًا.

стр. 193

ويقال: ضفَّر بالتضعيف تضفيرًا وهما بمعنى واحد. ووقع مثله في «جامع الهدي» من قول صَدقة بن يسار. صَلَاةُ مِنْى أي: وصف الصًّلاة أيَّام حلول الحجيج بمِنى أيَّام النحر، وأراد به هنا قصر الصلاة في مِنى، وأنَّه قصر مخصوص وليس قصرًا للسفر، إذ ليس بين مكَّة ومنى مسافة قصر إلَّا أنَّه قُصرت الصلاة رعيًا لتعب الحاج في تنقله من منى إلى مكة للإفاضة ثمَّ رجوعه إلى منى. وقد قصر النبي ﷺ والخليفتان من بعده والخليفةُ الثالث مدَّة من خلافته ثمَّ أتمَّ الصلاة من بعد؛ لأنَّه رأى أنَّ القصر رخصة وليس بمؤكد وخشى أن يظنَّ الناس وجوب القصر، وهذا كما فعّل عمر بن الخطاب في سجود القرآن أنَّه قرأ في خطبته يوم الجمعة مرَّة آيةَ سجدة فسجد، ثمَّ قرأ تلك السورةَ في الجمعة بعدَها فتهيَّأ الناس للسجود فقال لهم: «على رسلكم إنَّ الله لم يكتبها علينا إلَّا أن نشأ»، ولم يسجد. إفَاضَةُ الحَائِضِ مالك، قال هشام: قال عروة: قالت عائشة، ونحن نذكر ذلك: فلم يقدم الناس نساءهم إن كان ذلك لا ينفعهن؟ ، ولو كان الذي يقولون؛ لأصبح بمنى أكثر من ستة آلاف امرأة حائض كلهن قد أفاضت. قوله: «ونحن نذكر ذلك» من كلام عروة. وقوله: «فلم يقدم الناس» إلخ هو كلام عائشة، أي: تكلمت عائشة حيث سمعتنا نذكر ذلك. والإشارة بقوله ذلك إلى حديث عائشة عن رسول الله ﷺ المروي من طريق القاسم بن محمد، وعمرةَ بنتِ عبد الرحمن المقتضي سقوط طواف الوداع عن الحائض. وكلام عائشة هنا استدلالاً تفقُّه زيادةٌ على ما ثبت من الأثر الذي تذاكر فيه عروة مع بعض أهل العلم؛ فالاستفهام

стр. 194

في قول عائشة: «فلِم يقدم الناس نساءهم» إنكاري، أي: لو كان يلزم النساءَ الحيَّضَ طواف الوداع وهنَّ لا يطفن إلا بعد الطهر؛ لأنَّ الطواف يشترط فيه الطهارة؛ إذ هو في المسجد الحرام؛ فأرادت عائشة تعضيد الأثر بعمل أصحاب رسول الله والمسلمين فإنَّهم يقدمون نساءهم الطواهر إثر رمي الجمرة الأولى يوم مِنى فيرجعن إلى مكة يطفن طواف الإفاضة إن كن يخشين مَجيء عادتهنَّ في ذلك اليوم. وقولها: «إن كان ذلك لا ينفعهنَّ»، لو كان ذلك التقديم لا ينفعهنَّ في إسقاط طواف الوداع عنهنَّ إذا كُن حيَّضًا آخر يوم من أيام منى، فالشرط في قولها: «إن كان ذلك لا ينفعهن» بمعنى (لو). وقولها: «ولو كان الذي يقولون» أي: الذي يَقوله مَن يوجب طواف الوداع ويجعله ركنًا لأصبح بمنى عدد كثير من الحيَّض. جَامِعُ الحَج وقع فيه: «أن رسول الله ﷺ قال: ما رُئِيِ الشيطان يومًا هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أحقر، ولا أعيظ منه في يوم عرفة». الرؤية هنا بصرية تتعدى إلى مفعولين؛ فالشيطان نائبُ فاعل، وقوله: «هُو» ضمير فصل. وقوله: «أصغر» مفعول ثان لـ «رئي». وما بعده معطوفات عليه. وقوله: «يومًا» مفعول فيه دال على استغراق الأيام لوقوعه في سياق النفي. وقوله: «فيه» الضمير المجرور عائد على (يومًا) الذي هو بمعنى جميع الأيام، والجارُّ والمجرور يتنازعه في التعلق كلٍّ من «أصغر، وأدحر، وأحقر، وأغيظ». وإنما قدم على متعلَّقاته قضاء لحق الإيجاز؛ لتمكن إفادة العموم بالتنكير بعد النفي؛ فيفيدُ معنى جميع الأيام وهو مفرد ثمَّ ليعاد إليه الضمير المجرور بفي مفردًا فيفيدُ معنى في جميع الأيام. وقوله: «منه» الضمير فيه يعود إلى الشيطان، و (من) تفضيله فالشيطان مفضَّل

стр. 195

على نفسه باعتبارين. والمعنى ما رُئي الشيطان أصغر، ولا أدحر، ولا أحقر، ولا أغيظ في جميع أيام الدهر كله منه في يوم عرفة. فللَّه هذا الإيجاز من أفصح الفصحاء ﷺ . *** ووقع فيه قوله: «ونفح بيده نحو المشرق». وهو بنون وحاء مهملة بمعنى أشار، من قولهم: نفحت الدابة برجلها إذا دفعت بها، قاله في «المشارق». ووقع نسخ كثيرة من «الموطإ» بالخاء المعجمة وشرَح عليه الزرقاني؛ ولا شكَّ أن هذا تحريف، إذ لم يذكر في «المشارق» ولا في «النهاية» (نفخ) بالخاء المعجمة بمعنى أشار، ولا ذكره أحد من أهل اللغة.

стр. 196

كِتَابُ الجِهَادِ

стр. 197

النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ في الغَزْوِ مالك، عن يحيى بن سعيد، أنَّ أبا بكر الصديق بعث جيوشًا إلى الشام، فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان، وكان أمير ربع من تلك الأرباع، فزعموا أن يزيد قال لأبي بكر: إما أن تركب وإما إن أنزل، فقال أبو بكر: ما أنت بنازل وما أنا براكب، إني أحتسي خطاي هذه في سبيل الله. خروج أبي بكر يمشي مع الجيش لقصد تشييع الجيش تأنيسًا لهم، وإظهارًا لكرامتهم عنده، وليشاهد الجيشَ حين شروعه في السفر، فيرى هل ينقصه شيءٌ يحتاجون فيه إلى إعانة الخليفة أو إذنه لهم بشيء؛ فإنَّ حاجة المسافر والغازي تظهر عد شروعه في العمل؛ فإذا نسي شيئًا أو فرَّط في بعض العُدَّة ذكره حينئذ. فقول يزيد بن أبي سفيان لأبي بكر الصديق: «إمَّا أن تركب، وإما أن أنزل» أدب مع الخليفة؛ إذ رأى ركوبه مع مشي الخليفة جَفاء بحسب ما يَتراءى للناس في العُرف، وقول أبي بكر له: «ما أنت بنازل»، إذن له بالدوام على الركوب؛ لأنَّ نزوله لا فائدة فيه لأبي بكر، ولا ليزيدَ، فكان أبو بكر ناظرًا للحقيقة والفطرة دافعًا للأوهام عارفًا بحكمة الإسلام. ورَّبما حمل ذلك كل راكب في الجيش على النزول تأسيًا بأميرهم، فيختل نظام السير الذي يريد أبو بكر أن يرى نظامه وتمام أهبته؛ ولأنَّ ركوب الأمير لمَّا كان من شؤون سير الجيوش، كان يزيدُ حينئذ متلبسًا بشأنٍ من شؤون الغزو، فلا يطلبه لأنَّه من القربة؛ ولذلك لما قال أبو بكر: «ما أنتَ بنازل» لم يبيِّن له وجه منعه من النزول كأن يقول له: لا داعي إلى نزولك؛ ولأنَّ في توجيه مشي أبي بكر ما يفيد عدم الحاجة إلى نزول يزيد. وقول أبي بكر الصديق: «وما أنا براكب إنِّي احتسب خطايَ هذه في سبيل الله» بينٌ لوجه عدم ركوبه؛ لأنَّه خرج بينه تأنيس الغزاة وكرامتهم بخُطُوات لا تتبعه فلا فائدة في ركوبه. وفي مشيه راجلاً معهم تغلغل في وسط الجيش يَعلم به أحوالهم، وتطويلٌ لمدَّة تشييعهم أكثر ممَّا لو ركب، وليكون فيه تواضع دفع به عن نفسه الكريمة خيلاء ركوب الخيل، فمن ثّمَّ تمَّ الاحتساب في سبيل الله. وليس مجرَّد المشي وراء الغزاة بعض هذه المقاصد بحسبه.

стр. 198

ثم قال له: إنك ستجد قومًا زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله؛ فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له؛ وسجد قومًا فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشَّعر، فضْرِبْ ما فحصوا عنه بالسيف ... إلى آخر الحديث. أراد بالقوم الذين يزعمون أنَّهم حبسوا أنفسهم لله (الرهبان). وأراد بالقوم الذين فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشعر (طائفة من رؤساء النصارى)، كان دأبهم تحريض قومهم على عداوة المسلمين وقتالهم خَلص العلم بأحوالهم إلى الصديق ﵁ فإن رئاسة النصارى في تلك الأوقات كانت لأهل الدين. فهذه الطائفة جعلت علامة انقطاعها إلى تجهيز شؤون الاستعداد لقتال المسلمين فحصَ شعر رؤوسهم؛ ليعرفهم أتباعهم، ودَهْماؤهم، فيقتدوا بأوامرهم. وقوله: «فاضرب ما فحصوا عنه» هو الرأس، فليس الأمر بقتلهم؛ لأنهم حلقوا شعر أوساط رؤوسهم؛ إذ لا يتعلَّق بذلك غرض ديني، بل الأمر بقتلهم؛ لأنهم يقاتلون ويحرصون وتلك علامة لهم. العَمَلُ فِيمْن أُعْطِيَ شَيئًا فِي سَبِيلِ اللهِ وقع فيه قوله عبد الله بن عمر ﵁: «إذا بلغت وادي القرى فشأنك به». فقوله: «فشأنك به» كلمة تستعمل بمعنى أفْعل به ما شئتَ، فهي كلمة إذْنٍ بالتمليك، والشأن فيها بمعنى الأمر يجوز نصبه بإضمار فعل نحو: اعمل أو اجعل، والباء للتعدية، والمجرور متعلَّق بذلك الفعل المُضمر. ويجوز رفع «شأن» بالابتداء، والمجرور خبر، والباء للظرفية، أي: فأمرك فيه كائن، أي: نافذٌ. مَا جَاءَ في السَّلْبِ والنَّفْلِ سئل مالك عمن قتل من العدو: أيكون له سلبه بغير إذن الإمام؟ . فقال: لا يكون ذلك لأحد بغير إذن الإمام، ولا يكون ذلك من الإمام إلا على وجه الاجتهاد،

стр. 199

ولم يبلغني أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل قتيلاً فله سلبه» إلا يوم حنين. قال شهاب الدين القرافي في الفرق السادس والثلاثين في المسألة الرابعة: «حمله مالك ﵀ على أن تصرف رسول الله ﷺ إنَّما تختلف محاملها رعيًا لمقامات التصرف وعلاماته، وأية علامة على أنه تصرف بالإمامة أقوى من كونه تصرُّفًا في غزو، وليس مقام الغزو مقام الفتيا». وإذ قد كان قتل العدو في الجهاد من لوازم الجهاد، وكان حقُّ الجهاد في المغنم ثابتًا لم يكن لمن قَتل قتيلاً حقٍّ خاص في سلب قتيله؛ لأنه لم يأت عملاً زائدًا على كونه مجاهدًا، فتعين أنَّ التنفيل بالسلب له أسباب خاصة؛ فذلك كان محتاجًا إلى إذن الإمام، وإلى ذلك أوْمأ مالك ﵀ بقوله هنا: «ولا يكون ذلك من الإمام إلاَّ على وجه الاجتهاد» أي: لمراعاة المصلحة في ذلك فقد يأذن به لكل قاتل كما وقع يوم حنين لحرج موقف جيش المسلمين يومئذ بكثرة عدوِّهم وشدته، كما قال عباس بن مرداس مفتخرًا بقومه بني سليم في جيش المسلمين وبقوة هوزان:

стр. 200

عُدنا ولولا نحن أحدَقَ جمعهم ... بالمسلمين وأحرزوا ما جَمَّعوا وقد يخض الإمام بالسلب بعض الغزاة؛ لشدَّة عنائه وبلائه، فإنَّ تصرُّف الأئمة وولاة الأمر في شؤون المسلمين منوط كله برعي المصالح الخالصة، أو الراجحة، أو المساوية دون المصالح المرجوحة وما ليس بمصلحة فهم معزولون عن التصرف به. وقد أشار بقوله: «ولم يبلغني أنَّ رسول الله ﷺ قال: من قتل قتيلاً فله سلبه إلا يوم حنين» إلى أن ذلك العموم مخصوص بذلك اليوم للمصلحة التي ذكرنا وأن رسول الله لم يقل مثله في غير ذلك اليوم قبله أو بعده، فدلَّ على أنه لم يصدر عنه مصدر الفتوى والتشريع؛ بل مصدر الحثِّ والتشجيع. فالعجب من غفلة القرافي عن هذا الاستدلال البديع. مَا جَاءَ في الغلُولِ مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني أنه بلغه أن رسول الله ﷺ أتى الناس في قبائلهم يدعو لهم، وأنه ترك قبيلة من القبائل، قال: وإن القبيلة وجدوا في بردعة رجل منهم عقد جزع غلولاً، فأتاهم رسول الله ﷺ فكبر عليهم كما يكبر على الميت. هذا الحديث مما انفرد به مالك ﵀ من بين أهل الصحيح. وهو من غرر «الموطإ» وهو مرسل. قال ابن عبد البرِّ: لا أعلمه روي مسندًا بوجهٍ من الوجوه. اهـ.

стр. 201

وعبد الله بن المغيرة بن أبي بردة لم أقف على ترجمته في «الكاشف» للذهبي ولا في «تذهيب تهذيب الكمال» ولا ذكره شراح «الموطإ» ولا السيوطي في «إسعاف المبطإ». وأما أبوه المغيرة فذكر صاحب «الكاشف» وصاحب «التهذيب» وعليه علامة أنَّه أخرج له أصحاب السنن الأربعة، وقالا: روى عن أبي هريرة وروى عنه يحيى بن سعيد وسعيد بن سلمة ووثقه النسائي. وأبو بردة لم يترجمه «الكاشف» و «التذهيب» وذكر الزرقاني عن «الإكمال» أن أبا زرعة الرازي سئل عن اسمه، فقال: لا أعرفه. وقوله: «أتى الناس في قبائلهم» معناه أتى الجيش في منازلهم قبيلة قبيلة. وقد كانت الجيوش المجموعة من قبائل شتى تُقسم على حسب القبائل كما ورد في وصف جيش فتح مكة. وكان ذلك من عهد الجاهلية يقولون: خرجوا متساندين، إذا كانوا قبائل شتَّى على كل قبيلة قائدُها. والظاهر أنَّ هذا الخبر كان في غزو الفتح أو غزو حُنين عقبها عند الانتهاء من القتال. وقوله: «فأتاهم رسول الله ﷺ فكبًّر عليهم كما يكبِّر على الميت» هذا التكبير معناه أنَّهم فقدوا بفعله صاحبهم أهمَّ وظائف الحياة في المعاملة وهي وظيفة ردع بعضهم بعضًا عن الخسائس والجرائم، ويقظتهم لضبط أمورهم على سنَّة العرب في مؤاخذة القبيلة بجنايات آحادها، قال النابغة: أجدَّكُمُ لن تزجروا عن ظُلامة ... سفيهًا ولن ترعوا لودِّيَ آصرة ومن آثار اعتبار تلك السنة في الإسلام جعل الدية على القبيلة، فلمَّا لم يزجروا من هو منهم عن السرقة من الغنيمة جُعلوا كالأموات، وجعل ذلك الغال كمن لا قبيلة له، فذلك كقولهم: هو حيِّ كميت، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] وقول الشاعر: لقد أسمعتَ لو ناديت حيًّ ... ولكم لا حياة لمن تنادي

стр. 202

أي: لقد أسمعت لو كان الذين تناديهم يجيبون الداعي، ولكنَّهم كالأموات. فالتكبير هنا مكنية؛ لأنَّه من لوازم من مات بحدَثان موت. والمقصود من التكبير التعليم، وتأديب القبيلة، وإيقاظها إلى مساوي آحادها ليرجعوا عليهم باللائمة والغضب فيرتدعوا، وليعلموا أن حراسة حقوق الله تعالى، ورعى آداب الإسلام أوكد وأولى من حراسة حقوق الناس، فإنهم من قبل الإسلام كانوا يصدون سفهاؤهم عن ارتكاب المحارم خشية المغارم. فحقوق الله أولى بالعناية المشتهرين بها من عهد الجاهلية. وذلك مثل قول النبي ﷺ لمن سأله عن صوم كان على أبيه: «ضم عنه أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ فدين الله أحق بأن يقضى»؛ فإنه تنبيه إلى العناية بحقوق الله وأن لا يستخف بها؛ لأن ذلك يجر إلى تضييعها. وليس في ذلك التكبير إشارة إلى حكم شرعي يتعلق بالقبيلة؛ إذ لا تزر وازرة وزر أخرى خلافًا لما ذهب إليه الباجي وابن عبد البر فيما نقله الشارح الزرقاني، ومثله سلك ابن العربي في «ترتيب المسالك» وفي «القبس». *** ووقع فيه قول ابن عباس: «ولا حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الدم». أي: فشا فيهم الاعتداء بقتل بعضهم بعضًا. فالدم يطلق على إصابته، ومنه ما في خطبة حجَّة الوداع، «وإن دمَاء الجاهلية موضوعةٌ».

стр. 203

مَا تَكُونُ فِيهِ الشَّهَادَةُ مالك ن زيد بن أسلم، أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم لا تجعل قتلي بيد رجلٍ صلى لك سجدة واحدة. يحاجني بها عندك يوم القيام. إخراج هذا الأثر في هذا الباب تنبيه على أن عمر ﵁ قُتل شهيدًا شهادة كاملة كالشهيد الذي يُقتل في جهاد العدوِّ؛ لأنَّه قتله رجل كافر مجوسي حنقًا على الإسلام وعلى نصح عمر للإسلام والمسلمين، فكان قتله في ذات الله تعالى. وقد استجاب الله بذلك دعوته؛ إذ كان يدعو فيقول: «اللهم أرزقني شهادة في سبيلك، وموتًا في بلد رسولك» فقيل له: كيف الشهادة في المدينة؟ فقال: إذا أراد الله شيئًا هيَّأ أسبابه. فمعنى قول عمر في هذا الأثر: «لا تجعل قتلي بيد رجلٍ صلى لك سجدة واحدة»، يجتمل أنَّ المراد به مطلق التقليل لمقدار إسلام الرجل المدعو بنفي قتله إياه؛ لأن الصلاة لا تكون سجدة واحدة؛ فيكون هذا كقول النبي ﷺ : «من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاةٍ بنى الله له بيتًا في الجنة»؛ إذ عُلم أنَّ المسجد لا يكون بمساحة مفحص قطاة، وإنَّما المراد ولو كان أقل ما يمكن من السعة. ويحتمل أنَّه عبَّر عن الصلاة بالسجدة من التعبير عن الشيء باسم جزئه كقوله تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]. ويحتمل أنَّه أراد صلى ولو سجدة كأن أسلم وشرع أوَّل صلاة مع الجماعة فأدرك الإمام ساجدًا فمات في تلك السجدة، فيكون هذا قريبًا من قول النبي ﷺ : «يضحك الله إلى رجلين؛ يقتل أحدُهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيُقتل، ثمَّ

стр. 204

يتوب الله على القاتل فيقاتل فيُستشهدُ». وهذا بعيد. ووجه طلب انتفاء أن يكون قاتله على هذا الوصف على الوجهين الأول والثاني: أنه أراد أن يكون قاتله كافرًا، فيتعين أنه قتله بغضًا للإسلام ولإمامه فيكون قتله في سبيل الله كما وقع. وعلى الوجه الثالث: أن قاتله إذا أسلم يعد قتله وصلى ولو جزء صلاة صار أخاه في الإسلام، فإذا تحاجَّا عند الله عفا عمر عن دمه إكرامًا لأخوته الطارئة، فربما نقص بذلك شيءٌ عن عظيم أجر شهادته. وقد ورد في حديث استشهاد عمر في «البخاري» أنَّه لابن عبَّاس: الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدَّعي الإسلام؛ وذلك سرور باستجابة دعوته هذه. وقوله: «يحاجُّني بها عندك» على الوجهين الأولين معناه يجادلني بإسلامه في تبرير قتله إياي، فيذكر لي تقصيرًا في النصح للمسلمين أو اعتداءً على بعضهم في قصاص أو نحوه يقول: إنَّي رجلٌ مسلمٌ لولا ما رأيت من إضاعته للمسلمين ما قتلته، فتقصيره يُبيح دمه في تأويل قاتله، فيصير على كلِّ حالة قتله مجرد اعتداء وليس بشهادة. وعلى الوجه الثالث أنَّه يحاجُّه بالإسلام في التخلُّص من أن يكون قتلُه جريمة على الجامعة الإسلامية، فلا يكون قتله في سبيل الله ولكنَّه عدوان محض والله أعلم. *** مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا، مقبلاً غير مدبر أيكفر الله عني خطاياي؟ فقال رسول الله: نعم، فلما أدبر الرجل ناداه رسول الله أو أمر به فنودي له، فقال له رسول الله: كيف قلت؟ فأعاد عليه قوله، فقال رسول الله ﷺ «نعم إلا الدين». كان جواب رسول الله ﷺ أول مرة بحسب ما وعد الله به على لسانه من فضل

стр. 205

الشهداء في سبيله؛ إذ لم يكن فيه تقييد. وكان جوابه ثاني مرَّة عن وحي ناسخ لما تقرَّر من الإطلاق، وهو تقييده بالدَّين الذي للنَّاس عليه، إذا أخَّره عن غيره اضطرار فكان تأخيره خطيئة، أو بجميع التبعات التي للناس. وإلى هذا الثاني ذهب شراح الحديث. وأقول: فإن كان الأوَّل فذكر الدين بخصوصه ظاهر، وإن كان الثاني فذكر الدين خاصة؛ لأن رسول الله ﷺ علم بوحي أنَّ السائل مَدِين، وأنَّه مما أراده في سؤاله ليؤخر قضاءه طمعًا في الشهادة، وتكون حقوق الناس المعتدى عليهم كلُّها بمنزلة الدين بطريق القياس، فإنَّ من الاعتداء ما هو أشدُّ من الدين، فلا حاجة إلى دعوى أنَّ التشديد في أمر الدين كما قبل الفُتوح. وقول رسول الله ﷺ للسائل: «كَيْفَ قُلْتَ؟ » ليس المقصود من استعادة كلامه التحقق فيه؛ لأن رسول الله ﷺ إنَّما أجابه عن تحقٌّق سماع كلامه، وإنَّما المقصود اختصار الجواب؛ لئلا يكون رسولُ الله ﷺ هو المعيد للسؤال. العَمَلُ في غَسلِ الشُهَدَاءِ وقع فيه قول مالك في عمر بن الخطاب: «وكان شهيدًا يرحمه الله». فجاء في الترحُّم عليه بصيغة المضارع لقصد تجديد الرحمة من الله على عمر بن الخطاب، وقد شاع عند أهل اللسان أنَّ الترحُّم والاستغفار إذا كان فيه شيء من الإنكار يكون بلفظ المضارع كقول عائشة حين بلغها أنَّ عمر قال: إنَّ رسول الله اعتمر في ذي القعدة، وأنكرت ذلك: «يرحم الله أبا عبد الرحمن» الخ، فمعنى ذلك أنَّ مقام الإنكار إذا أراده المتكلم لا يأتي فيه بالترحم والاستغفار بصيغة الماضي. وليس المراد أنه كلَّما جيء فيه بصيغة المضارع دلَّ على الإنكار على أن القرينة مرجع في مثل هذا.

стр. 206

مَا يُكْرَهُ مِنَ الشَّيْءِ يُجْعَلُ فِي سَبِيلِ الله أراد بالكراهة التحريم. ومعلوم أنَّ التحريم إذا أضيف إلى اسم عين كان المراد تحريم استعماله فيما يقصده الناس من العمل كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أي: أكلها، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أي: تزوجهنَّ. و (من) بيان لـ (ما). وجملة «يُجعل» صفة للشَّيء، فالتقدير: كراهة الشيء المجعول في سبيل الله، أي: كراهة استعماله في غير ما جعل له. وبذلك يظهر وجه تخريج الأثر عن عمر هنا؛ لأنَّ عمر لما جعل البعير يحمل الرجلين إلى العراق في الغزو كان شديدًا في أن يسمح بجعل رجلاً واحدًا؛ فلذلك منعه الرجل الذي أراد أن يحتال، فيأخذ بعيرين للغزو ليكون ذلك أوسع له في حمل متاعه، فلم يسمح لع عمر بذلك؛ لأنَّه تجاوز الشرط المجعول من الإمام المبنيَّ على رعي المصلحة في حمل الجيش. فليس على هذه الترجمة خلل. ويظهر أنَّ ابن عبد البرِّ رآها مُقَصِّرة. أما ابن العربي فقال في «ترتيب المسالك»: والصّحيح من هذه الترجمة ما في «كتاب ابن بكير» فإنَّه قال في هذه الترجمة «باب ما يكره من الرجعة في شيء يحمل عليه في سبيل الله» وتابعه عليه القعنبي، وذكر حديث الفرس الذي حمل عليه عمر في سبيل الله، ثمَّ أراد يبتاعه اهـ. وأين يقع هذا الأثر المرويُّ عند يحيى، وقد قال ابن عبد البرِّ: إنَّ ابن بكير، والقعنبي ذكرًا أثر عمر هذا عقب حديث الفرس، فيكون إدخال هذا الأثر تحت تلك الترجمة لا وجه له، وقد علمت ما يغنيك عن هذا.

стр. 207

التَّرْغِيبُ في الجِهَادِ وقع فيه قول سعد بن الربيع ﵁: «فأقرئه مني السلام». وهو بهمزة قطع في أوله، وهي همزة تعدية، لتعدية فعل قَرأ المتعدِّي إلى مفعول واحد ويتعدَّى إلى الثاني بحرف على. يقال: قرأ فلان السلام على فلان، أي: قال له: السلام عليكم أو نحوه. فمعنى: «أقرئه» في الأصل اجعله قارئًا السلام. والكلام قلب أو توسع، أي: اجعل نفسك قارئًا ﵇ منِّي. والقراءة منه بمعنى القول كقول الشاعر: تحية مزن بات يقرؤها الرعدُ ... على منزل جرَّت به ذيلها دعد مَا جَاءَ في الخَيْلِ والمُسَابَقَةِ بَيْنَهَا عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع. قال يحيى بن مُزين الأندلسي في «تفسير الموطإ» عن يحيى بن يحيى: إنما قيل لها ثنية الوداع؛ لأنَّ رسول الله ﷺ ودَّه بها المقيمين بالمدينة في بعض مخارجه اهـ. فقول الشارح: لأنَّ الخارج من المدينة يمشي معه المودَّعون إليها يحتمل أنَّ ذلك كان بعد أن ودع بها النبي ﷺ في بعض مخارجه، فصار التوديع عندها سُنة. ويحتمل أنَّ النبيَّ ﷺ ودَّع الناس عندها في بعض مخارجه؛ لأنَّه وجد أهل المدينة كذلك يفعلون فأقرهم

стр. 208

على عادتهم. وهذا أظهر؛ لأنَّها تسمَّى ثنيَّة الوداع من قبل هجرة النبي ﷺ كما جاء في الأبيات التي أنشدها بَنات الأنصار يوم دخول النبي ﷺ المدينة: أقبل البدر علينا من ثَنيَّات الوداع إِحْرَازُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَرْضَهُ سئل مالك عن إمام قبل الجزية من قوم فكانوا يعطونها: أرأيت من أسلم منهم أتكون له أرضه؟ أو تكون للمسلمين ويكون لهم ماله ... ؟ الخ. أراد بالجزية هنا مال الصلح، كما أشار إليه ابن العربي في «ترتيب المسالك»، بقرينة ذكر الأرض، فليس المسؤول عنه مال جزية الجماجم؛ إذ لا شبهة في أنَّ من أسلم من أهل الذمة تسقط عنه جزية الجماجم. فقوله في السؤال: «ويكون لهم ماله»: أي: يكون للمسلمين المال الموضوع على الأرض.

стр. 209

كِتَابُ النُّذُورِ والَأيْمَانِ

стр. 210

مَا جَاءَ فيمَنْ نَذَرَ مَشْيًا إِلَى بَيْتِ اللهِ قوله: وسمعتُ مالكًا يقول: الأمر عندنا فيمن يقول: علي مشي إلى بيت الله أنه إذا عجز ركب ثم عاد يمشي من حيث عجز، فإن كان لا يستطيع المشي فليمش ما قدر عليه، ثم ليركب وعليه هدي: بدنة أو بقرة أو شاة إن لم يجد إلا هي. فقوله: «إن لم يجد إلَّا هي»، أي: إلا شاة يقتضي أنه لا ينتقل إلى هدي الشاة إلَّا عند العجز عن البدنة والبقرة. ومعنى ذلك أن البدنة والبقرة أفضل من الشاة، وهو الحكم في الهدايا. وليس معناه أن الشاة لا تجزئ إن استطاع بدنة أو بقرة. وقوله: «إن لم يجد إلَّا هي» أورد عليه الحافظ عبد الحي اللكنوي الهندي نزيل المدينة المنورة: أن الوجه أن يقول: إن لم يجد إلَّا إياها؛ لأنَّه استثناء مفرغ؛ فيكون المستثنى بحسب ما يقتضيه العامل الذِي قبله، والعامل يقتضي نصب ضمير الشاة. وقد أجاب عنه الشيخ البرزنجي المدني باحتمالات ضمنها تأليفًا له صغيرًا سماه (إصابة شاكلِة الداهي إعراب قول الموطإ إن لم يجد إلَّا هي) هي الآن غير حاضرة لديَّ. وأذكر أنَّي طالعتها فرأيت فيها تطويلاً، ورأيت الجواب فيها ضئيلاً. وقد أجاب استأذنا المحقِّق الشيخ سالم أبو حاجب ﵀ قبله بوجهين: أحدهما: أن يكون هذا من إنابة ضمير الرفع عن ضمير النصب كقراءة من قرأ: «إيَّاك يُعبد» بصيغة المجهول في (يعبد) وقد خرج ابن مالك عليه ما وقع في المسألة الزنبورية من قولهم: فإذا هُو إيَّاها، والقياس أن يقولوا: فإذا هو هي. والوجه الثاني: أن يكون هذا الكلام خارجًا على التوهُّم، وهو غور من أغوار العربية فيكون رفع الضمير على توهُّم أنَّه بعد أن قال: إن لم يجد، أي: الناذر خطر بباله معنى أن لم يوجد؛ فرفع الضمير على

стр. 211

ذلك التوهُّم. وفي ذلك حسن وهو دلالتهُ على أن المتكلِّم يجول بنفسه معنى الفعل المتوهَّم وهو المبني للمجهول؛ فيدلُّ على أنه يرى على الناذر أن يبذل جهده للحصول على بدنة أو بقرة. ونظيره قول العرب: إنَّهم أجمعون ذاهبون وأشباهه. وقدر ردَّ على الشيخين سالم، والبرزخي الأستاذُ محمد محمود الشنقيطي نزيل القاهرة بردًّ به فضول، وأجاب هو بما هو غير مقبول. والحق عندي أنَّ اعتبار التوهُّم اعتبار صحيح حسن، وقد جرت له نظائر في فصيح الكلام كقوله تعالى: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] يجزم «أكن» مع عطفه على «أصَّدق» المنصوب، على توهُّم أن يقول: إن تؤخرني أكن؛ ولأنَّه يشترك فيه العربي والمولِّدون؛ لأنه ناشئ عن سهو بخلاف غيره، فقد يقال: إنه لا يغتفر للمولد؛ إذ ليس فيه حد يفرق به بين الخطاب والقصد. وقد وقع نظير هذا في كلام عربي، ففي البخاري في كتاب «الفتن»: سمعت عمارًا يقول: «إن عائشة لزوجة نبيِّكم ولكنَّ الله ابتلاكم ليعلم إيَّاه تطيعون أم هي». مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النُّذُورِ في مَعْصِيةِ اللهِ مالك عن حميد بن قيس، وثور بن زيد الديلي؛ إنهما أخبراه عن رسول الله ﷺ وأحدهما يزيد في الحديث على صاحبه: أن رسول الله رأى رجلاً قائمًا في الشمس فقال: «ما بال هذا؟ » فقالوا: نذر أن لا يتكلم، ولا يستظل من الشمس، ولا يجلس، ويصوم، فقال رسول الله: «مروه فيتكلم وليستظل، وليجلس، وليتم صومه». فقال مالك: ولم يسمع أن رسول الله ﷺ أمره بكفَّارة وقد أمره رسول الله ﷺ أن يتم ما كان لله طاعة ويترك ما كان لله معصية.

стр. 212

قوله: «ويترك ما كان لله معصية». توقَّف في معناه الباجي، وابن عبد البرِّ فتأوله ابن عبد البرِّ في «التمهيد» في أحاديث ثور بن زيد شيخ مالك بأن قوله: «ويترك ما كان لله معصية» يدلُّ على أنَّ كلَّ ما ليس لله بطاعة حكمه حكم المعصية في أنَّه لا يلزم الوفاء به ولا الكفارة عنه. يريد فيكون الكلام جاريًا على معنى التشبيه البليغ ونظيره قول مالك في باب القضاء باليمين مع الشاهد من «الموطإ» «وإنما العتاقة حَدَّ» كما سنبينه هنالك، وهذا التأويل بعيد. وقال الباجي في «المنتقى»: «يحتمل أن تمسيه القيام في الشمس والصمت معصيةٌ وإن كان مباحًا في الأصل لوجيهن: أحدهما: أنه نذر كان معصية؛ لأنَّه لا يحلُّ أن ينذَر ما ليس بقُربه، ولو فعل على غير وجه النذر والتقرب به لكان مباحًا. والوجه الثاني: أنه إذا بلغ به حدَّ الاستضرار والتعب كان معصية سواء فُعل بنذر أم بغير نذر». وقال في الكلام على حديث: «من نذر أن يعصي الله، فلا يعصه» في آخر الباب: يحتمل أن نذر مثل هذا عند مالك معصيةٌ، وتأوَّله ابن العربي في «القبس» بمثل الوجه الثاني في كلام الباجي فقال كلمة نصُّها: «وإذا كان الناذر عاجزًا، فالنذر معصية وعليه بوَّب مالك وأدخل حديث أبي إسرائيل: «نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظلَّ، ولا يتكلَّم، ويصوم فقال له النبي ﷺ : مروه فليتكلم» الحديث. وقال في «ترتيب المسال»: «وما قُطع في المعصي أو أثر في الصحة فإنَّه يسقط عنه؛ لأنَّه معصية» اهـ؛ فيؤول هذا التأويل إلى تحريم تعذيب المرء نفسه وهو حرام لما قاله فقهاؤنا من أنَّ تعذيب الحيوان لغير أكله ولغير الانتفاع المأذون فيه لا يحلُّ، وجعلوا سباق الخيل والإبل رخصة؛ لأنَّه مباح مستثنى من أصل ممنوع. وأقول: ترجم

стр. 213

مالك ﵀ بما يدلُّ على حرمة النذر في معصية؛ لأنَّه قال: «ما لا يجوز من النذور في معصية الله» واستدلَّ على ترجمته بإنكار النبي ﷺ على أبي إسرائيل فعله الذي دلَّ عليه قوله: «ما باله؟ ». ولعل سؤال رسول الله ﷺ عنه؛ لأنَّه رأى عليه مخائل التضرر. فقول مالك ﵀: «وأمره أن يترك ما كان لله معصية» يحتمل أنَّه أراد أنَّه معصية للتضرُّر، على ما ذهب إليه الباجي، وابن العربي وهو بعيد. ويحتمل أنَّ رسول الله ﷺ كان نهى عن التقرب إلى الله بتعذيب النفس ممَّا كان يفعله أهل الجاهلية؛ فكان بعضهم يحجُّ مصمتًا، وبعضهم يترك التجارة في الحجِّ، وبعضهم لا يستظلُّ بسقف. وقد نزل في بعض ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وقوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ فيكون على هذا كلَّه استدلالاً منه بنص الخطاب، وقد يكون محلُّ الاستدلال أنَّ رسول الله ﷺ لما أنكر على أبي إسرائيل فعله، وأمره بأن يترك ما عدا الصيام دلَّنا على أنَّ ما ليس بقربة شرعية في ديننا لا نتقرب بنذره إلى الله؛ لأن النذر التزام قربة، ولا نتقرب إلى الله بما لم يجعله من القُرَبِ، فقد يصير ذلك النذر بعد العلم بهذا معصية؛ لأنَّه تعدٍّ لحدود الله؛ فترك النذر بالمعاصي أولى بالمنع؛ فيكون استدلالاً بظاهر الحديث في البعض، وبفحواه في البَقيَّة، وهذا الذي يساعد ما سيأتي من قول مالك في معنى حديث: «من نذر أن يعصى الله فلا يَعصه». والحاصل أنَّ ظاهر قول الإمام: «ويترك ما كان لله معصية» مؤول باتفاق جهابذة مذهبه ﵏ أجمعين. مالك عن طلحة بن عبد الملك الأَيْلِي، عن القاسم بن محمد بن الصديق عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». قال يحيى: وسمعت مالكًا يقول: معنى قول رسول الله ﷺ : «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام، أو إلى مصر، أو إلى الربذة، أو ما أشبه ذلك مما ليس لله بطاعة إن كلم فلانًا، أو ما أشبه ذلك؛ فليس عليه في شيء من ذلك شيء إن هو كلمه أو حنث بما حلف عليه؛ لأنَّه ليس لله في هذه الأشياء طاعة، وإنما يوفَى

стр. 214

لله بما له فيه طاعة. قول مالك معنى «قول رسول الله» الخ أنَّ ذلك هو الذي توجَّه إليه قصد رسول الله ﷺ ابتداء وإن كان لفظه يشمل نذر ما كان في ذاته معصية قبل النذر؛ كمن نذر قتل نفس معصومةِ الدم، او شربَ خمر، لكن ذلك لا تتوجَّه إليه نفوس المسلمين. وإنَّما أراد رسول الله من كلامه قوله: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» أي: النذر الذي يجب الوفاء به هو نذر الطاعات والقُرب، وأنَّ ما عداه ليس بنذر ولا يجب الوفاء به؛ فعبَّر عنه بقوله: «من نذر أن يعصي الله» لوقوعه في مقابلةِ قوله: «من نذر أن يطع الله»، فهذه مشاكلة في التضاد؛ فاقتصر عليه رسول الله ﷺ لصدقه بنذر المعاصي التي كان يفعلها أهل الجاهلية، وهو نادر، وبما شابه من نذر العبث الشَّبيه بنذر الجاهلية؛ ولذلك لما فسَّر مالك بالمثال وصفه بقوله: «مما ليس لله بطاعة». اللَّغْوُ فِي اليَمِينِ فيه قول عائشة ﵃: «لغو اليمين قول الإنسان: لا والله، لا والله». هكذا في روايات «الموطإ» كلها بتكرير «لا والله» وقد بينَّه الزقاني بما نقله عن الماوردي وذكره أنَّه زاد في رواية يحيى بن بكر عن مالك «وبَلَى والله»، والمعنى أن يجري ذلك على اللسان لقصد التأكيد دون قصد الإيجاب أو الامتناع من فعل. وقد كان ذلك من استعمال العرب، وهو مورد قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ولم يرد عن النبي ﷺ نهى عن استعماله؛ فلذلك استمر استعماله في كلام الناس. قال أبو تَّمام:

стр. 215

فوالله ما أدري أأحلامُ نائم ... ألَّمت بنا أم كان في الركب يوشع وهو يدري انتفاء الأمرين. وقول عائشة المذكور هنا روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ عند أبي داود، كما ذكره الشارح الزرقاني. ولم يرد مالك هذا لغوًا، كما دلَّ عليه قوله: «قال مالك: أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإنسان على الشيء، يستيقن أنه كذلك، ثمَّ يوجَدُ على غير ذلك». الخ. ومحمل كلام مالك هذا أنَّه حمل ما قالتْه عائشة على أنَّه كان رخصة في أوَّل الإسلام وأنَّه مورد الآية، ثمَّ انتهى عنه المسلمون، فوجب تعظيم اليمين على أصل الدلالة اللغوية. وأخذ أبو بكر الأبهري من المالكية بظاهر قول عائشة، كما حكاه الباجي عنه.
следующие страницы →