← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150963

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطا

ابن عاشور

Полный текст (362 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ذلك التوهُّم. وفي ذلك حسن وهو دلالتهُ على أن المتكلِّم يجول بنفسه معنى الفعل المتوهَّم وهو المبني للمجهول؛ فيدلُّ على أنه يرى على الناذر أن يبذل جهده للحصول على بدنة أو بقرة. ونظيره قول العرب: إنَّهم أجمعون ذاهبون وأشباهه. وقدر ردَّ على الشيخين سالم، والبرزخي الأستاذُ محمد محمود الشنقيطي نزيل القاهرة بردًّ به فضول، وأجاب هو بما هو غير مقبول. والحق عندي أنَّ اعتبار التوهُّم اعتبار صحيح حسن، وقد جرت له نظائر في فصيح الكلام كقوله تعالى: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] يجزم «أكن» مع عطفه على «أصَّدق» المنصوب، على توهُّم أن يقول: إن تؤخرني أكن؛ ولأنَّه يشترك فيه العربي والمولِّدون؛ لأنه ناشئ عن سهو بخلاف غيره، فقد يقال: إنه لا يغتفر للمولد؛ إذ ليس فيه حد يفرق به بين الخطاب والقصد. وقد وقع نظير هذا في كلام عربي، ففي البخاري في كتاب «الفتن»: سمعت عمارًا يقول: «إن عائشة لزوجة نبيِّكم ولكنَّ الله ابتلاكم ليعلم إيَّاه تطيعون أم هي». مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النُّذُورِ في مَعْصِيةِ اللهِ مالك عن حميد بن قيس، وثور بن زيد الديلي؛ إنهما أخبراه عن رسول الله ﷺ وأحدهما يزيد في الحديث على صاحبه: أن رسول الله رأى رجلاً قائمًا في الشمس فقال: «ما بال هذا؟ » فقالوا: نذر أن لا يتكلم، ولا يستظل من الشمس، ولا يجلس، ويصوم، فقال رسول الله: «مروه فيتكلم وليستظل، وليجلس، وليتم صومه». فقال مالك: ولم يسمع أن رسول الله ﷺ أمره بكفَّارة وقد أمره رسول الله ﷺ أن يتم ما كان لله طاعة ويترك ما كان لله معصية.

стр. 212

قوله: «ويترك ما كان لله معصية». توقَّف في معناه الباجي، وابن عبد البرِّ فتأوله ابن عبد البرِّ في «التمهيد» في أحاديث ثور بن زيد شيخ مالك بأن قوله: «ويترك ما كان لله معصية» يدلُّ على أنَّ كلَّ ما ليس لله بطاعة حكمه حكم المعصية في أنَّه لا يلزم الوفاء به ولا الكفارة عنه. يريد فيكون الكلام جاريًا على معنى التشبيه البليغ ونظيره قول مالك في باب القضاء باليمين مع الشاهد من «الموطإ» «وإنما العتاقة حَدَّ» كما سنبينه هنالك، وهذا التأويل بعيد. وقال الباجي في «المنتقى»: «يحتمل أن تمسيه القيام في الشمس والصمت معصيةٌ وإن كان مباحًا في الأصل لوجيهن: أحدهما: أنه نذر كان معصية؛ لأنَّه لا يحلُّ أن ينذَر ما ليس بقُربه، ولو فعل على غير وجه النذر والتقرب به لكان مباحًا. والوجه الثاني: أنه إذا بلغ به حدَّ الاستضرار والتعب كان معصية سواء فُعل بنذر أم بغير نذر». وقال في الكلام على حديث: «من نذر أن يعصي الله، فلا يعصه» في آخر الباب: يحتمل أن نذر مثل هذا عند مالك معصيةٌ، وتأوَّله ابن العربي في «القبس» بمثل الوجه الثاني في كلام الباجي فقال كلمة نصُّها: «وإذا كان الناذر عاجزًا، فالنذر معصية وعليه بوَّب مالك وأدخل حديث أبي إسرائيل: «نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظلَّ، ولا يتكلَّم، ويصوم فقال له النبي ﷺ : مروه فليتكلم» الحديث. وقال في «ترتيب المسال»: «وما قُطع في المعصي أو أثر في الصحة فإنَّه يسقط عنه؛ لأنَّه معصية» اهـ؛ فيؤول هذا التأويل إلى تحريم تعذيب المرء نفسه وهو حرام لما قاله فقهاؤنا من أنَّ تعذيب الحيوان لغير أكله ولغير الانتفاع المأذون فيه لا يحلُّ، وجعلوا سباق الخيل والإبل رخصة؛ لأنَّه مباح مستثنى من أصل ممنوع. وأقول: ترجم

стр. 213

مالك ﵀ بما يدلُّ على حرمة النذر في معصية؛ لأنَّه قال: «ما لا يجوز من النذور في معصية الله» واستدلَّ على ترجمته بإنكار النبي ﷺ على أبي إسرائيل فعله الذي دلَّ عليه قوله: «ما باله؟ ». ولعل سؤال رسول الله ﷺ عنه؛ لأنَّه رأى عليه مخائل التضرر. فقول مالك ﵀: «وأمره أن يترك ما كان لله معصية» يحتمل أنَّه أراد أنَّه معصية للتضرُّر، على ما ذهب إليه الباجي، وابن العربي وهو بعيد. ويحتمل أنَّ رسول الله ﷺ كان نهى عن التقرب إلى الله بتعذيب النفس ممَّا كان يفعله أهل الجاهلية؛ فكان بعضهم يحجُّ مصمتًا، وبعضهم يترك التجارة في الحجِّ، وبعضهم لا يستظلُّ بسقف. وقد نزل في بعض ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وقوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ فيكون على هذا كلَّه استدلالاً منه بنص الخطاب، وقد يكون محلُّ الاستدلال أنَّ رسول الله ﷺ لما أنكر على أبي إسرائيل فعله، وأمره بأن يترك ما عدا الصيام دلَّنا على أنَّ ما ليس بقربة شرعية في ديننا لا نتقرب بنذره إلى الله؛ لأن النذر التزام قربة، ولا نتقرب إلى الله بما لم يجعله من القُرَبِ، فقد يصير ذلك النذر بعد العلم بهذا معصية؛ لأنَّه تعدٍّ لحدود الله؛ فترك النذر بالمعاصي أولى بالمنع؛ فيكون استدلالاً بظاهر الحديث في البعض، وبفحواه في البَقيَّة، وهذا الذي يساعد ما سيأتي من قول مالك في معنى حديث: «من نذر أن يعصى الله فلا يَعصه». والحاصل أنَّ ظاهر قول الإمام: «ويترك ما كان لله معصية» مؤول باتفاق جهابذة مذهبه ﵏ أجمعين. مالك عن طلحة بن عبد الملك الأَيْلِي، عن القاسم بن محمد بن الصديق عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». قال يحيى: وسمعت مالكًا يقول: معنى قول رسول الله ﷺ : «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام، أو إلى مصر، أو إلى الربذة، أو ما أشبه ذلك مما ليس لله بطاعة إن كلم فلانًا، أو ما أشبه ذلك؛ فليس عليه في شيء من ذلك شيء إن هو كلمه أو حنث بما حلف عليه؛ لأنَّه ليس لله في هذه الأشياء طاعة، وإنما يوفَى

стр. 214

لله بما له فيه طاعة. قول مالك معنى «قول رسول الله» الخ أنَّ ذلك هو الذي توجَّه إليه قصد رسول الله ﷺ ابتداء وإن كان لفظه يشمل نذر ما كان في ذاته معصية قبل النذر؛ كمن نذر قتل نفس معصومةِ الدم، او شربَ خمر، لكن ذلك لا تتوجَّه إليه نفوس المسلمين. وإنَّما أراد رسول الله من كلامه قوله: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» أي: النذر الذي يجب الوفاء به هو نذر الطاعات والقُرب، وأنَّ ما عداه ليس بنذر ولا يجب الوفاء به؛ فعبَّر عنه بقوله: «من نذر أن يعصي الله» لوقوعه في مقابلةِ قوله: «من نذر أن يطع الله»، فهذه مشاكلة في التضاد؛ فاقتصر عليه رسول الله ﷺ لصدقه بنذر المعاصي التي كان يفعلها أهل الجاهلية، وهو نادر، وبما شابه من نذر العبث الشَّبيه بنذر الجاهلية؛ ولذلك لما فسَّر مالك بالمثال وصفه بقوله: «مما ليس لله بطاعة». اللَّغْوُ فِي اليَمِينِ فيه قول عائشة ﵃: «لغو اليمين قول الإنسان: لا والله، لا والله». هكذا في روايات «الموطإ» كلها بتكرير «لا والله» وقد بينَّه الزقاني بما نقله عن الماوردي وذكره أنَّه زاد في رواية يحيى بن بكر عن مالك «وبَلَى والله»، والمعنى أن يجري ذلك على اللسان لقصد التأكيد دون قصد الإيجاب أو الامتناع من فعل. وقد كان ذلك من استعمال العرب، وهو مورد قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ولم يرد عن النبي ﷺ نهى عن استعماله؛ فلذلك استمر استعماله في كلام الناس. قال أبو تَّمام:

стр. 215

فوالله ما أدري أأحلامُ نائم ... ألَّمت بنا أم كان في الركب يوشع وهو يدري انتفاء الأمرين. وقول عائشة المذكور هنا روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ عند أبي داود، كما ذكره الشارح الزرقاني. ولم يرد مالك هذا لغوًا، كما دلَّ عليه قوله: «قال مالك: أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإنسان على الشيء، يستيقن أنه كذلك، ثمَّ يوجَدُ على غير ذلك». الخ. ومحمل كلام مالك هذا أنَّه حمل ما قالتْه عائشة على أنَّه كان رخصة في أوَّل الإسلام وأنَّه مورد الآية، ثمَّ انتهى عنه المسلمون، فوجب تعظيم اليمين على أصل الدلالة اللغوية. وأخذ أبو بكر الأبهري من المالكية بظاهر قول عائشة، كما حكاه الباجي عنه.

стр. 216

كِتَابُ الصَّيدِ

стр. 217

مَا جَاءً في صَيْدِ البَحْرِ قوله: «عن سَعد الجَاري» هو سعد بن نوفل الجاري مولى عمر بن الخطاب، استعمله عمر علي الجَار، الجَار مرفأ المدينة في القديم، ثمَّ ترك وصار مَرفَؤُها ينبع النخل. ذكر ياقوت الحموي في «معجم البلدان» سعدًا هذا، وذكر أن حديثه يُختلف فيه، وأن له ولدين عبد الرحمن بن سعد، وعمرو بن سعد كلاهما من المحدثين، وليس مذكورًا في «تذهيب التهذيب» ولا في «إسعاف المبطَّإ» ولا في «الكاشف» للذهبي. ووقع فيه قول سعد الجاري «أو تموت صَرَدًا» الصرد بالتحريك: شدّة البرد، وهو منصوب على نزع الخافض، أي: من صرد، قال النابعة: طوع الشوامت من خوفٍ ومن صردٍ *** مالك: لا بأس بأكل الحيتان يصيدها المجوسي؛ لأن رسول الله ﷺ قال في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». قال مالك: وإذا كان ذلك ميتًا فلا يضرُّه مَن صاده. أي: إذا أبيح أكل الحوت ميتًا، فلا التفات إلى من تولَّى صيده من البحر أمسلم هو أم غيره؛ لأنَّ الالتفات إلى شروط الصائد إنَّما هو لإتمام حقيقة الذكاة المعتبرة شرعًا، فما يؤكل بدون ذكاة لا فائدة في الاشتغال بأوصاف مستخرجة، وهذا استدلال واضح. مَا يُكْرَهُ مِنْ أَكْلِ الدَّوابِّ وقع فيه قوله: «وقال الله تعالى: ﴿يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ

стр. 218

الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ [الحج ٣٦]». جمع الإمام بين آيتين ولم يفرق بينهما بإعادة «وقال»: فالآية الأولى تنتهي عند قوله «من بهيمة الأنعام». والآية الثانية بعضٌ من قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] إلى قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. فاقتصر مالك على محلِّ الاستدلال اعتمادًا على حفظ الناس للقرآن، ولم يخلط بين الآيتين.

стр. 219

كِتَابُ الفَرَائِصِ

стр. 220

مِيرَاثُ الصُّلْبِ مالك «الأمر المجتمع عليه عندنا والذي أدركتُ عليهِ أهلَ العِلمِ ببلدنا فِي فَرائِضِ المواريثِ أّنَّ ميراثَ الوَلَدِ مِن وَالدِهِمْ .. » الخ. قال شيخنا العلامة الوزير في وقت رواية «الموطإ»: قوله: «الأمر المجتمع عليه عندنا والذي أدركت عليه أهل العلم» الخ مقصود به حكم جميع المسائل التي دخلت تحت ترجمة الباب، وإلَّا فإنَّ ما في صدر كلامه عقب ذكر الأمر المجتمع عليه ثابتٌ بنَصِّ القرآن على أنَّه قد يفيد أيضًا أن العمل دلَّ على أنَّ ذلك محكمٌ لا نسخ فيه. مِيرَاثُ الإِخْوَةِ لِلأَبِ والأُمِّ وقع في أوله قول مالك: «ولا مع الأب دنيا». وهو بكسر الدال وسكون النون، ويجوز أيضًا ضمُّ الدال والمشهور الكسر، وعليه روي قول النابغة: بنو عمه دِنيا وعَمرُو بنُ عامر ... أولئك قومٌ بأسهم غير كاذب ومعناه: القرابة القريبة؛ فيقع وصف دِنيا بعد لفظ العمِّ والعمَّة، والخال والخالة باتفِّاق أهل اللغة، وبعد لفظ الأخ والأخت على قول جمهورهم. وعن الأصمعي والكسائي: لا يعرف هذا الوصف إلا في العمِّ والخال؛ ولم يذكرها أهل اللغة في وصف الآبَاء والأمَّهات. والقياس لا يمنعه؛ لأنَّه مشتق من الدُّنوِّ؛ فكلّ اسم ذي

стр. 221

صلب، أو رحم يطلق على البعيد والقريب يجوز أم يوصف بدنيا للتنصيص على أنَّ المراد القريب منه دون البعيد، واسم الاب والأمِّ يطلقان على الجدِّ والجدَّة واستعماله في «الموطإ» جرى على هذا. وأعلم أنَّه إذا جعل دنيا بكسر الدال فهو إما اسم مصدر بمعنى الدنو مثل: ذِكرى؛ فتكون ألفه للتأنيث فلا يطابق موصوفه، وهذا هو الراجح فيه؛ ولذلك جرى على موصوفه بدون مطابقة في التذكير والإفراد وضدِّهما، كقوله هنا: «الأب دنيا»، وإمَّا وصفٌ على وزن فِعْل مثل: جلي؛ فيكون نعتًا أو حالاً ممَّا قبله فيطابق، فيقال: ابن عمٍّ دنيا وابنُ عمَّة دِنيةٍ، وألفه ليست ألف تأنيث فيكون منونًا؛ ولذلك يجوز تنوينه هنا على أنَّه حال من الأب. مِيرَاثُ الإِخْوَةِ لِلأَبِ وقع فيه قوله: «وإن لم يكن بنو الأب والأم إلا امرأة واحدة أو أكثر». جرى كلامه على تغليب التذكير هنا تبعًا للتغليب في قوله قبيلة: «فكان في بني الأب والأم ذكر». استثنى «امرأة» وهي مفرد من «بنو الأب» وهو جمع؛ لأن «بنو الأب» أريد به الجنس، فلا التفات فيه إلى إفراد ولا جمع، كأنَّه قال: وإن لم يكن جنس أبناء الأب والأم، أي: الأشقَّاء إلَّا امرأة، وعليه فيتعين جعل (كان) ناقصة و (امرأة) خبرها بعد الاستثناء المفرغ. ونظيره قوله الآتي في ميراث الجدِّ: «إلَّا أن يكون الإخوة للأب والأمِّ امرأة واحدة». *** ووقع فيه قوله: «تَتِمَّة الثلثين». التتمة بفتح التاء الأولى، وكسر التاء الثانية بوزن تكملة ومعناها، وهو ما يتمُّ به الشيء، ويغلط من يكسر التاء الأولى كثيرون. مِيرَاثُ الجدِّ وقع فيه قوله: «يبدأ بأحد إن شركه بفريضة»؛ فجاء بلفظ (أحد) المراد به

стр. 222

شخص، وهو من الألفاظ التي لا تجئ في غير سياق النفي، وقد ألحق الشرط بالنفي؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، وهنا وقع في سياق شرط وهو قوله عقبه: «إن شركه» قاله الأستاذ سالم بوحاجب ﵀. *** وقع فيه قوله: «فإن الإخوة للأب والأم يعادون الجد بإخوتهم لأبيهم» فقوله: «يعادون» هو بتشديد الدَّال مضارع عادَّ الدال على المفاعلة، وهي مفاعلة تقديرية؛ لأن الجدَّ يعدُّ في حسبانه الإخوة الأشقاء دون الذين؛ لأنَّه يرى الأشقاء بحجبون الذين للأب في المواريث؛ فيظن أن لا مضرَّة عليه إلَّا من الإخوة الأشقاء، ولكن الأشقاء يعدُّون إخوتهم لأبيهم على الجدِّ؛ فيمنعوه بهم من وفرة حظه، ثمَّ يأخذ الأشقاء ما يحسب للإخوة للأب بطريق الحجب. *** ووقع فيه قوله: «إلَّا أن يكون الإخوة للأب والأم امرأة»، وقد تقدَّم نظيره آنفًا. مِيرَاثُ الجَدَّةِ مالك عن ابن شهاب، عن عثمان بن اسحاق بن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر: ما لك في كتاب الله شيء وما عملت في سنة رسول الله لك شيئًا؛ فأرجعي حتى أسأل الناس. فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله أعطاها السدس؛ فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة؛ فأنفذه لها أبو بكر الصديق ...

стр. 223

المراد بالجدَّة التي جاءت أبا بكر أمُّ الأمِّ. وقوله للمغيرة: «هل معك غيرك؟ » بناه على أن المقام مقام شهادة لا مقام رواية؛ لأنَّ في المسألة نازلة فيها حق لمعين وله من يعارضه فحصلت فيها حقيقة مقام الشهادة من حيث وجود الترافع المقدر. مَنْ لَا مِيرَاثَ لَهُ قوله: والمرأة ترث من أعتقت هي نفسها؛ لأن الله ﵎ قال في كتابه: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. جعل الباجي في «المنتقى» الاستدلال بالآية على إثبات أن المرأة ترث من أعتقته بالولاء فقال: الاستدلال منه إنَّما يكون بأن يثبت الميراث بالولاء وأن يكون لفظ الجمع المذكر يقع تحته المؤنَّثُ بمجرَّد اللفظ؛ فحينئذٍ تتناول الآية ميراث المرأة لمن كان مولى لها اهـ. فعل هذا يكون استدلالاً إجماليًّا؛ لأنَّ الآية المستدلَّ بها لم تجئ في أحكام الميراث، بل في أحكام دَعوة من لا يعرف أبوه. على أنَّ في شمول جمع المذكر للنساء خلافًا بين أهل أصول الفقه. وليس فيها دليل على أنَّ المرأة لا ترث إلَّا من أعتقته. وكان شيخنا العلَّامة الوزير ﵀ حين المذاكرة رأى أنَّ مراد مالك ﵀ الاستدلال على قوله: «ترث من أعتقت هي نفسها» ولم يسمِّه ولاء. ووجه الاستدلال منه أنَّ الآية أضافت الموالي إلى ضمير جمع الذكور؛ فظاهره أنَّ الولاء لا يكون للناس، إذ لا يدخل النساء في جمع الذكور إلَّا بقرينة. قال: فالمراد في الآية من الموالي مَن ثَبتَ له ولاء قريب أو بعيد، وليست المرأة بذات ولاء كهذا، بل إنما ترث بالعتق المباشر خاصة وهو أخصُّ من الولاء. انتهى كلامه. ولم يطَّلع ﵀ على «المنتقى» للباجي ولكنَّه أطلع على قول الزرقاني: «ومن جملة الموالي الأنثى

стр. 224

المعتقة». ولله در شيخنا فيما قرَّر فإنَّ الولاء في العرب لحمة كلحمة النسب كما جاء في الحديث، وهو يضاف إلى القبيلة. يقال: مولى بني فلان؛ لأنَّه اعتزاز، والمعروف عندهم أن الاعتزاز بالرجال، فلما أضافت الآية الولاء إلى الذكور علمنا أنه الولاء المستمر وقد قرنته بالأخوة وإنما كان يؤاخي رجال القبيلة، ولما آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار ما آخى إلَّا بين الرجال. فالمراد من الاستدلال بالآية أن الولاء المطلق وهو الأعم لا يرث به إلَّا الرجال فليست المرأة مستحقة إياه، وإنما ثبت لها ميراث خاص بالعتق وهو ولاء خاصٍّ بحديث بريرة؛ فالنساء لا يرثن بالولاء إلَّا من أعتنقه أو جرَّه إليهنَّ من أعتقنَه بولادة أو عتق. مِيرَاثُ وَلَدِ المُلَاعَنَةِ وَوَلدِ الزْنَا اقتصر في هذا الباب على كون ابن اللعان موروثًا ولم يذكر كونه وارثًا؛ لأنه معلوم من عكسه؛ لأنَّ أمَّه وإخوته لأمَّه ورثوه بوجه نسب، فهو يرثهم أيضًا بذلك الوجه، ولم يذكر ميراث ولد الزنا؛ لظهور أنَّه بمنزلة ولد اللعان.

стр. 225

كِتَابُ النِّكاحِ

стр. 226

لا شبهة في أنَّ النكاح في اللُّغة وفي الشريعة هو عقد التزوج؛ ولذلك يقال: نكحت المرأة قال تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وأما حَمله على الدخول بالمرأة في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ فذلك قيد في مطلقة أثبتته السنة الصحيحة وليس من دلالة اللغة. مَا جَاءَ فِي الخِطْبَةِ وقع فيه قول مالك: وتفسير قول رسول الله ﷺ فيما نرى والله أعلم «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه»: أن يخطب الرجل المرأة، فتركن إليه ويتَّفقا على صداقٍ واحدٍ. الخ، هذا التفسير تأويلٌ لظاهر الحديث، والدليل على تأويله القاعدة القطعية المستقراه من الشريعة وهي درء الفساد، فإن الفساد حاصل لو حمل الحديث على ظاهره، وليس فيما تأول به الإمامُ الحديثَ فساد؛ لأنَّ الخاطب لا يحصل له حَرج من خطبة أحد على خطبته ما لم يكن قد بدا له من المخطوب إجابة وتراكن، ولو فرض حصول حرج لبعض الناس؛ فذلك غير جار على قواعد التعقل المعروفة، فلا يعتد به في الشريعة لندرته. مَا جَاءِ في الصَدَاقِ والحِبَاءِ قوله: وذلك أن الله ﵎ قال في كتابه: ﴿ِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فهن النسوة اللاتي قد دخل بهن ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فهو الأب في ابنته البكر والسَّيدُ في أمته، وهذا الذي سمعتُ في ذلك وعليه الأمْرُ عندنا. يعني: فالآية أومأت إيماءً إلى حالتين معروفتين بين المسلمين؛ فالعفو المسند إلى ضمير النساء هو عفو النساء اللاتي لهنَّ أن يعفو وهنَّ النساء المالكات أَمْرَ أنفسهنَّ فقوله: «اللَّاتي قد دُخل بهنَّ» أي: اللاتي قد كُنَّ دُخل بهنَّ في نكاح قبل هذا؛ لأنَّ الآية في طلاق قبل الدخول؛ فتعينَّ أنَّ مراد مالك أنَّهنَّ دُخل بهنَّ فيما سلف، أي: النساء الثيبات، وقد كان هذا الكلام يستشكل ولم يشرحه الشارحون.

стр. 227

وفسَّر ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ بالأب في ابنته البكر والسَّيد في أَمَتهِ، أي: الذي بيده أن يعقد دون إذن، كما يدل عليه قوله: «بيده» الدال في كلام العرب على أنه مستقلِّ به «بيدك الخير»، ولا يصحُّ أن يكون المراد بـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ الزوج، على أنَّ العفو بمعنى تكميل النصف المرجوع به من المهر كما روى عن الشافعي؛ لأنَّ إطلاق اسم العفو على التكميل بعيد، قال في «الكشاف»: «وتسمية الزيادة على الحق عفوًا فيها نظر»، وأنظر «الانتصاف» لابن المنير. المقامُ عِنْدَ البِكْرِ والَأيمِ عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي: أن رسول الله ﷺ حين تزوج أم سلمة وأصبحت عنده، قال لها: «ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت»، فقالت: ثلث. علم منه أنَّ حقَّ المرأة الأيِّم في ثلاث ليالٍ عند البناء بها؛ لأنَّ أمَّ سلمة كانت أيِّمًا وقد جعل لها ثلاث الليالي حقًا لها؛ لأنَّه قال لها: «وإن شئتِ ثلَّيتُ عندك ودُرت»، وأما تخييرها في التسبيع ويُسبع عند بقيَّة أزواجه؛ فذلك أنَّ التسبيع يسقط حقَّ المرأة الثيب في التثليث وليس لها مزيَّة إلَّا الابتداء بسبع عند البناء بها؛ فعلم بذلك أن لا حقَّ للثيب في أكثر من ثلاث لياي أو الابتداء بسبع ليال ولا تحسب فيها الليالي الثلاث؛ إذ لا تستحقها. نِكِاحُ المُحَللِ ومَا أَشْبَهَهُ وقع فيه قول مالك: «إنَّ القاسم بن محمد سئل عن رجل طلق امرأته البتة» الخ. البتة: مصدر بصيغة المرة من بت إذا قطع، وهمزة البتة همزة وصل؛ لأنها همزة (ال) المعرفة، وقد أغرب الدماميني في «شرح التسهيل»، فنقل عن «اللباب» أنه سُمع في

стр. 228

البتة قطع الهمزة وأن شارحه صاحب «العباب» قال: إنَّه المسموع، قال الدماميني: ولا أعرف ذلك من جهة غيرهما، ورده الدماميني. وقد اعتاد الممارسون من طلبة العلم بتونس الاقتصار على قطع الهمزة وهو خطأ؛ إذ لم يذكر ذلك أحد من أئمة اللغة ولا يقتضيه قياس؛ وفي طباع الناس إلف الغريب. النهي عن نكاح إماء أهل الكتاب قوله فيه: فإنما أحل الله فيما نرى نكاح الإماء للمؤمنات ولم يحلل نكاح إماء أهل الكتاب ... أفادت «إنما» قصرًا إضافيًّا، أي: بالنسبة إلى نكاح الإماء الكتابيات، وقد استدلَّ على القصر بالآية، أمَّا الاستدلال على أحد طرفي جملة القصْر، أعني إباحة نكاح الإماء المؤمنات فالمنطوق وهو إجماع، وأما الاستدلال على الطرف الآخر وهو تحريم نكاح الإماء الكتابيات فمفهومُ الصفة في قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] وهذا يخالف فيه من لا يرى الاحتجاج بالمفاهيم؛ ولذلك قال الإمام هنا: "فيما نُرى" أي: من جهة الاحتجاج بالمفهوم. وقوله: «ولم يحلل نكاح إماء أهل الكتاب» تصريح بمضمون إحدى الجملتين اللتين يفيدهما القصر للإشارة إلى أنه قصر إضافي. نكاح العبيد قوله: قال مالكٌ: والعبد مخالفٌ للمحلل، إن أذن له سيده ثبت نكاحه، وإن لم يأذن له سيده فرق بينهما، والمحلل يفرق بينهما على كل حالٍ إذا أُريد بالنكاح التحليل. احتاج إلى إبداء الفرق بين نكاح العبد ونكاح المحلل؛ إذ كان كلا النكاحين مؤقتًا والتوقيت ينافي في ظاهره عقدة النكاح، ففسخ نكاح المحلِّل واجب لأجل كونه تزوج المرأة ليحلَّها لمن بتَّها لا لتبقى في عصمته، فهو على نيَّة الفراق عند حصول الدخول والوطء؛ فكان كنكاح المتعة فوجب فسخه ولو بدا للزوجين الاستمرار عليه والإعراض

стр. 229

عن التحليل، ولم يفتح نكاح العبد إذا أجازه سيده مع أنه مؤقت بما يبدو من السيد من تقرير أو فسخ؛ فوجه التنبيه على التفرقة بينهما أن لا يظن أحد أن إعراض الزوجين في نكاح المحلل عن التحليل يقتضي تقريره، وهو مراده بقوله: «يفرق بينهما على كل حالٍ»؛ ولهذا ذكر هذا الباب عقب نكاح المتعة، ووجه التفرقة بين نكاح المحلل ونكاح العبد هو أن التوقيت في نكاح المحلل غالب مستمر؛ ولأن الزوجين قد دخلا عليه فمن النادر جدًّا الندور إعراضهما عنه إلى التماسك بنكاحهما؛ بخلاف نكاح العبد بدون إذن سيده فإن الغالب فيه الإجازة من السيد؛ لأن السيد يرغب في إنكاح عبده؛ فهذا وجه التفرقة بينهما فيما رآه مالك رحمه الله تعالى. نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله وقع فيه قوله: «وإلا سيره شهرين»، ثم قول رسول الله ﷺ : «بل لك تسيير أربعة أشهر». فالتسيير مصدر السير وهو المشي، أطلق مجازًا على الأمان بعلاقة اللزوم؛ لأن العرب كانوا إذا أمنوا سافروا؛ ولذلك كانوا يسيرون في الأشهر الحرم، فأطلق التسيير على التأمين كما أطلقت السياحة، قال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] أي: كونوا آمنين؛ ولذلك قال عقبه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]؛ لأن المسافر يفارق قومه فلا يجد نصيرًا؛ ولأنه قد يدخل ديار أعدائه في بعض طريقه، وقد قال له رسول الله: «لك تسيير أربعة أشهر» زيادة في مدة الأمان ولا يريد الأشهر الحرم؛ لأن الأمان فيها معلوم لا يحتاج إلى إيقاع.

стр. 230

ما جاء في الوليمة وقع فيه حديث أبي هريرة: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء، ويترك المساكين، ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله». هذا الحديث أخرجه معظم رواة «الموطإ» عن مالك موقوفًا على أبي هريرة غير مرفوع، وكذلك أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي من طريق مالك، وأخرجه مسلم أيضًا، وابن ماجه من طريق سفيان بن عيينة، كل ذلك موقوفًا على أبي هريرة، غير أن مسلمًا أخرجه أيضًا من طريق سفيان عن زياد ابن سعد عن ثابت الأعرج عن أبي هريرة يرفعه إلى رسول الله ﷺ ، قال ابن عبد البر: إن روح ابن القاسم، وإسماعيل بن سلمة روياه عن مالك مرفوعًا اهـ. وإن اتفاق أهل الضبط من رواته عن مالك، وسفيان مع تعددهم على وقفه يجعلنا في شك من صحة رفعه إلى رسول الله ﷺ ، فالظاهر أنه من قول أبي هريرة عن اجتهادٍ منه بأنه حمل الأمر الوارد عن رسول الله في إجابة الدعوة في قوله: «فليُجب» على الوجوب. وقد عُرفت نظائر لهذا من أحاديث أبي هريرة ﵁، ولو كان ذلك من كلام رسول الله لصرح به أبو هريرة، فالرواية القليلة التي رفعته إلى رسول الله ﷺ لا تكافئ الروايات التي وقفته على أبي هريرة، وليس مقامها مقام قبول زيادة العدل؛ لأن محله

стр. 231

أن لا تكون تلك الزيادة ما لا يغفل أمثال تاركيها عنها وعن التنقيب عليها. وليس مثل هذا مما لا يقال من قبل الرأي فيحمل موقوفه من الصحابي على حكم الرفع؛ لأن جميع ما في هذا الحديث يثبت بطريق الرأي. أما صدره فهو حكمة طريقها السبر والمشاهدة، عبرت عن حقيقة صادقة؛ لأن خير الطعام أكثره ثوابًا، وهو ما صادف محتاجًا إليه، وأما عجز الحديث فهو مجال للاجتهاد، فقد يرى المجتهد -إذا حمل صيغة الأمر على الوجوب- أن يثبت لضد المأمور به الحرمة؛ لأن ترك الواجب حرام، وقد تقرر في أصول الفقه أن للمجتهد أن يقول في الحكم الذي طريقه الاجتهاد: هذا حكم الله، ويحتمل أن من رواه مرفوعًا إلى رسول الله كان رفعه مقتصرًا على قوله: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك المساكين»، فأما قوله: «ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» فذلك من قول أبي هريرة لا محالة. ولأبي هريرة نظائر أمثال هذه الزيادة في أحاديثه مثل قوله: «هذه من كيس أبي هريرة»، والحديث الذي فيه: «فرطن بالفارسية». فإن قلت: ما وجه استبعاد أن يكون قوله: «ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» من كلام رسول الله ﷺ ؟ قلت: أما من جهة الإسناد فقد عرفته، وأما من جهة المعنى فللفرق البين بين صيغة الأمر وهي: «فليُجب» فإنها صالحة للحمل على الندب المؤكد وبين الإخبار بقوله: «فقد عصى الله ورسوله»؛ لأن العصيان لا يستعمل في الكراهة وتعليقه باسم الله ورسوله يؤكد أن المقصود منه المعصية التي يعاقب على فعلها في الآخرة. وأصول الشريعة لا تقتضي أن تكون عدم الإجابة

стр. 232

معصية، إذ لا يترتب عليها فساد في المعاملات بين الناس؛ ولكنها غضاضة في المعاملة، ولنظائرها حكم الكراهة لا حكم التحريم فقياسها الكراهة. وقوله: «شر الطعام» أراد بالشر أقل الطعام ثوابًا. فالشر مستعمل في عدم النفع في الآخرة، وإلا فإن الوليمة مطلوبة وقد أمر رسول الله بها عبد الرحمن بن عوف وهي من سنة النكاح والإجابة مأمورٌ بها شرعًا، ولكن لما كانت الوليمة لا يقصد بها معين كانت دون إطعام الفقير، ودون إضافة ابن السبيل، ودون إطعام الصديق والقريب وربما عرض لها الرياء. والأظهر أن تجعل جملة: «يدعى إليها الأغنياء» صفة للوليمة، أي: التي يقصد أن لا يدعى إليها الفقراء لفقرهم، فيكون تحذيرًا من هذا القصد؛ لأن ذلك ناشئ عن الكبر والرياء وليس المراد أن الوليمة كلها كذلك، والمشاهد أن الولائم تقع على الحالتين. جامع النكاح مالكٌ عن أبي الزبير المكي: أن رجلاً خطب إلى رجلٍ أخته، فذكر أنها قد كانت أحدثت، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فضربه أو كاد يضربه، ثم قال: ما لك وللخبر. كان هذا الرجل قد حسب أن إخباره الخاطب بأن مخطوبته أحدثت، أي: زنت أمرٌ مشروعٌ، وأن كتمانه ضرب من الغشٍّ للخاطب وكان مخطئًا في حسبانه ذلك، وإخباره بذلك غير مشروع؛ فلذلك ضربه عمر أو كاد يضربه؛ لأنه لو فعل أمرًا مشروعًا لما أدبه على فعله، فالضرب تأديبٌ ظاهر، والهم بالضرب همًّا قويًّا -على ما شك فيه الراوي- تأديب أيضًا إذا كان الرجل من أهل الفضل؛ لأن عمر ما هم بضربه إلا لأنه يجوز له ضربه إذ كان عمر وقافًا عند أحكام الشرع، فإن كان الحاصل من عمر ضرب الرجل فهو لم يعذره بجهل إذ لعل مثله ما كان يجهل سوء ما لمولاته لو تأمل ولم يعجل، وإن كان الحاصل منه مجرد العزم على ضربه، ثم لم يضربه؛ فقد عذره عمر بأنه أراد خيرًا.

стр. 233

ووجه الفقه في هذا كله أن النبي ﷺ أمر بستر المسلم فيما زل فيه من المعاصي فقال في الحديث الصحيح: «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة». وفي الحديث الآخر: أنه زجر الذي أخبره بزنا رجلٍ مسلم فقال له: «هلا سترته بردائك»، وغير ذلك من الآثار، فحصل العلم بأن من مقاصد الشريعة الستر على المسلمين في المعاصي ما لم يخش ضرٌ على الأمة؛ لأن في الستر مصالح كثيرة، منها: إبعاد المقترف عن استخفاف الناس به وكراهيتهم له، ومنها أن في التسميع بالعاصي مظنة قصد التشويه به، فيحدث من ذلك سوء نية للمشهر به، ومنها أن إشاعة المعاصي تسهل أمرها على متجنبها؛ إذ النقائص تسهل بكثرة مرتكبيها، يقول من تنزع نفسه إليها: أن له نظائر وأسوة في غيره فبإشاعتها توقظ عيون الدعارة والفساد، وهذا مما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]، ومنها أن من حصلت منه المعصية على وجه الفلتة إذا ستر أمره بقي له وقاية مروءته فلعله لا يعاود تلك المعصية فإذا افتضح زال ذلك الاتقاء، فقال: أنا الغريق خوفي من البلل، ومنها أن التشهير يحدث عداوة بين المشهر والمشهر به، وذلك ينافي مقصد الإسلام من دوام الألفة والمحبة بين المسلمين. فلأجل ذلك كله وغيره أدب عمر من شهر بأخته؛ لأن تلك المقاصد التي ذكرناها هي أقوى واكد في جانب الأقارب بله الإخوة، وليس هنالك ما يعارض؛ إذ لا منفعة للخاطب في إعلامه بما أحدثته مخطوبته؛ فإنه ذنب مضى وليس هو عيبًا في الخلقة يجب الإعلام به لتجنب الغرور بالخاطب؛ كعيوب الأبدان والأخلاق من مرض أو جنون أو حماقة قوية تمنع حسن المعاشرة، على أن الإخبار بمثل ذلك يوجب انكفاف الرجال عن تزوج المرأة؛ ولذلك قال له عمر: «ما لك وللخبر»، يعني لا داعى إلى ذلك الخبر ولا فائدة، فإن الاستفهام في قوله: «ما لك» استفهام إنكاري هو في معنى النفي، أي: ليس لك مع هذا الخبر اتصال واختصاص. ثم إن كان الذي أحدثته المرأة لا يعلمه إلا أخوها وخاصتها فوجوب كتمانه عن

стр. 234

الخاطب ظاهر، وإن كان قد اشتهر بين الناس؛ فوجوب كتمانه عن أهلها وجيه؛ إذ كان على الخاطب أن يستعلم على مخطوبته من غير أهلها وأن يستشير ذوي نصيحته، وليس الولي بمستشار، وكل ينصح لمواليه، وهذا الأخ قد عكس سنة المعاملات القومية، كما قال مرة الفقعسي الحماسي: رأيت موالي الألى يخذلونني ... على حدثان الدهر إذ يتقلب فإن كان فعل ذلك خشية أن يطلع الخاطب بعد التزوج على حدث زوجته، فليس الذي يحصل بعد اطلاعه بأشد عاقبةً مما أخبره أخوها قبل الزواج. * * * قوله: غير أن القاسم بن محمدٍ قال: طلقها في مجالس شتى. يتعين ضبط «طلقها» بصيغة الأمر، أي: قال للوليد بن عبد الملك ذلك حين أفتاه بأنه إذا طلق إحدى زوجاته الأربع طلاق البتات، أنه يتزوج امرأة عقب ذلك ولا ينتظر أن تنقضي عدة المرأة التي طلقها، وعلى ذلك بنى أبو عمر بن عبد البر كلامه فنقل عنه الزرقاني أنه قال: «أراد أن يشتهر طلاقها البتات ويستفيض؛ فتنقطع عنه الألسنة في تزوج الخامسة». ويؤيد هذا قول القاسم: «في مجالس شتى» لوجوهٍ: أحدها: أن طلاق البتات لا يتعين لاعتباره بتاتًا وقوعه في مجالس شتى، بل يكون ولو بكلمة على ما أجمع عليه الصحابة من أثناء خلافة عمر بن الخطاب وتبعهم جمهور العلماء. والثاني: أنه لو أراد تعديد صيغ الطلاق؛ ليكون بتاتًا لقال له في مجالس ثلاثة، وأما لفظ «شتى»، فهو مفيد للكثرة لقصد الاشتهار. والثالث: أنه لو كان المراد به تكرر صيغ الطلاق لكان فضولاً من القول؛ لأن الفتيا إنما صدرت على من طلق زوجه الرابعة طلاق البتات؛ وإنما أراد القاسم بن محمد تنبيه الخليفة إلى ما يكف عنه ألسنة المتقعرين المرجفين أن يقولوا: طلق زوجة

стр. 235

رابعة وتزوج قبل انقضاء عدتها فتكون الجديدة خامسة ولا يبينون كيفية طلاق الرابعة. وعلل الباجي في «المنتقى» كلام القاسم بن محمد بتعليلٍ ضعيفٍ فانظره، وقد ضبط في بعض نسخ «الموطإ» بصيغة الماضي، واستظهره الشارح الزرقاني وهو خطأ.

стр. 236

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ كتاب الطلاق

стр. 237

ما جاء في اللعان كان العرب أصحاب غيرة على النساء وكانوا يتمادحون بالإفراط في تلك الغيرة، وكانوا يعدون اتصال المرأة بغير زوجها عارًا على زوجها إن كانت ذات زوج وعلى أوليائها إن لم تكن متزوجة، ويرون السكوت على ذلك ضعفًا واعتداءً، ويجعلون جزاء ذلك القتل، يقتلون المعتدي على كرامتهم دفعًا للمعرة؛ لأن السيف يغسل العار كما قال سعد بن ناشب: سأغسل عني العار بالسيف جالبًا ... علي قضاء الله ما كان جالبًا وعلى ما احترسوا وراقبوا فإن أمر التخادن والزنا كانا فاشيين فيهم، قال امرؤ القيس: تجاوزت أحراسًا إليها ومعشرًا ... علي حراسًا لو يُسرون مقتلي وفي حديث الصحيح أن سعد بن عبادة قال في مجلس رسول الله ﷺ : «لو وجدت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفحٍ» أي: غير ضارب بصفحة السيف بل بحده ضرب قتل. ومن أجل تلك الغيرة اندفع كثير منهم إلى جريمة الوأد، فإذا عرضت في المرأة ريبة أو اشتهرت بالخنا تطرقت الألسنة إلى الطعن في نسبة أولادها إلى صاحب عصمتها، وكانوا يخوضون في ذلك بالظنة، ويتقولون على الناس؛ وبخاصة في المهاجاة والتعيير؛ فتشيع القالة، ولم يكونوا يتوخون الصدق في ذلك، فكانت حالتهم في مجموع الأمرين فوضى غير جارية على حد محدود ولا على حق مشهود. فلما ظهر الإسلام حد للحقوق حدودًا، واجثت منهم أسباب الفوضى، وكان فيما شرعه القصاص من القاتل، ونزع منهم ما كان مشهورًا بينهم من عذر الرجل إذا قتل رجلاً وجده في بيته وزعم أنه وجده مع امرأته على حالة غير مرضية، وسوى في التحريم بين أن يزني الرجل وأن تزني المرأة؛ وشرع حد القذف، وجعل قذف الرجل امرأته كقذفه أجنبيًا عنه، فنزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فكبر ذلك عليهم فقال سعد بن عبادة يا رسول الله:

стр. 238

أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلاً أيقتله؟ قال رسول الله: «لا»، قال سعد: بلى والذي أكرمك بالحق. وفي رواية أنه قال: لو وجدت مع امرأتي رجلاً لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله: «نعم»، قال: كلا والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك، وفي «صحيح مسلم» جاء عُويمر العجلاني مجلس رسول الله ﷺ فقال: «لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً؛ فتكلم جلدتموه أو قتل قتلتموه أو سكت سكت على غيظٍ»، فنزل الوحي يجعل مخرجًا للأزواج إن حملهم الغضب والغيرة على قذف أزواجهم، نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الآيات عقب آيات: ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]؛ فكان حكم اللعان الذي شرعه الله للأزواج رخصة وعذرًا. وكان أول لعان وقع في الإسلام لعان عُويمر العجلاني وزوجه خولة، فما راعت الشريعة في ذلك إلا دوافع الفلتات اللسانية التي تغلب الغيرة صاحبها على صبره وإمساك لسانه؛ وإذ قد كان من الغيرة ما يخيل للرجل في امرأته ما ليس فيها وما يُزوي إليه من قرائن كاذبة يجمعها وينسقها يومًا فيومًا لا سيما إذا صادف الرجل المغيار امرأةٌ مدلة بجمالها، أو غرة في أحوالها، أو محسدة من أختانها وعذالها، فقد قيل في المثل: «من يخل يره» وقال أبو العلاء: ومثلك من تخيل ثم خالا لم يجعل الشرع الحق للرجل وحده في تأييد دعواه بالملاعنة، بل جعل للمرأة حق الدفع لما ألصقه بها زوجها؛ فجعل لها أيماناً خمسة أيضًا لتكذيبه وتبرئة نفسها. وقد يكون كلاهما صادقًا في يمينه؛ فالرجل يعتمد على ظنه وعلى ما خيلته له نفسه، والمرأة تعتمد على عفافها وبراءتها، فإن الصدق في مثل هذا تابع للظن لا لما في نفس الأمر. وأما قول رسول الله ﷺ للمتلاعنين: «أحدكما كاذب» في حديث ابن عمر في «صحيح مسلم»؛ فيحتمل أن ذلك خاص بذنيك المتلاعنين، ويحتمل أن المراد: أحدكما كاذب بحسب نفس الأمر وإن كان كل موافقًا لما في ظنه؛ وذلك يسمى صدقًا. فهذا ما ثبت من اللعان بحكم القرآن، وما مضى من السنة لم يختلف فيه أئمة المسلمين، وهو عمل عظيم بطل به ذلك التفويض الذي كان للزوج في الجاهلية.

стр. 239

وبقي الكلام فيما لو زعم الزوج أن حملاً بزوجه ليس منه، وهذا قد وقع في شأنه تعارض بين الآثار المروية من السنة؛ فوقع في حديث نافع عن ابن عمر من «الموطإ»: «أن رسول الله فرق بين المتلاعنين وألحق الولد بأمه». ووقع في «الصحيحين» في حديث عويمر العجلاني من طريق ابن جريج، وطريق يونس عن ابن شهاب عن سهل بن سعد زيادة قوله: «فكانت المرأة حاملاً؛ فكان ابنها يدعى إلى أمه، ثم جرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها»؛ فأما هذه الزيادة التي في حديث ابن شهاب من طريقي ابن جريج ويونس فهي زيادة مجملة؛ لأن مبنى قضية عويمر العجلاني على دعواه أنه رأى امرأته تزني، وأن اللعان الذي جرى بينهما لدفع الحد عنه، وأن ذلك اللعان جرى على حكم آية سورة النور المقتصر على أن المقصود من اللعان درء حد القذف؛ وبذلك جاءت الروايات المعروفة في حديث عويمر العجلاني. فهذه الزيادة إذا قبلناها وقلنا هي زيادة عدل ولم نأخذ بشرط من اشترط في قبول زيادة العدل أن يُعلم اتحاد المجلس وأن لا يكون أمثال الراوي الذي لم يرو الزيادة ممن يغفل عن مثلها ولم نرجح رواية مالك عن ابن شهاب الحديث بدون هذه الزيادة بأن مالكًا أثببت من يونس وابن جريج، وهو في أحاديث ابن شهاب أثبت الناس؛ لأنه كان ألزم له، فهي غير مفيدة حكمًا في شأن انتفاء نسب الولد من الزوج الملاعن؛ إذ قصاراه أن الناس كانوا يدعون ذلك الولد إلى أمه، وليس في دعاء الناس إياه بذلك حجةٌ شرعية؛ لعلهم دعوه بذلك؛ إذ لم يعلموا أباه؛ لأنه نشأ عند أمه ومن شأنها أن تكون ساخطة على أبيه فلا تذكره لابنها، ومن شأن أبيه إذ ادعى ما ادعى أن لا يتتبع مصير ذلك الولد. ولا يمكن أن نعرف انتفاء نسب الولد من ذلك الملاعن إلا لو روي في ذلك تنازع بين المرأة وزوجها في خصوص النسب، أو تنازع في ذلك بين الولد وأبيه. وكذلك قول الراوي: «ثم جرت السنة أنه يرثها» لا يفيد أكثر من كون ولد اللعان لاحقًا بأمه وأن اللعان لا يجعله غير معتدٍّ ببنوته منها ولو نكلت عن الأيمان، وكذلك ولد الزنا يرث أمه التي حملت به من زنى وترثه. والحاصل أن ليس في تلك الزيادة دليل من منطوق ولا مفهوم ينفي الولد من أبيه باللعان أو ينفي إرثه أباه الذي لاعن به.

стр. 240

فأما الزيادة التي في حديث ابن عمر في «الموطإ»: «وألحق الولد بالمرأة»؛ فقد تدل بدلالة الاقتصار أنه لم يلحقه بأبيه؛ لأن في القضية أن الأب انتفى من ذلك الولد فأبى الدارقطني قبول هذه الزيادة، وقال: إنها تفرد بها مالك ﵀، يريد أنه حديث غريب فيما تتوفر الدواعي على نقله. وانتصر ابن عبد البر لمالك. والحق عندي أن حديث ابن عمر لا يقتضي أكثر من كون نفي الحمل قذفًا للمرأة وأنه يجد منه الزوج مخرجًا باللعان، كما يجد به مخرجًا من القذف بدعواه زناها. وأما ما زاد على ذلك فهو مجال للاجتهاد ليس ثابتًا بالأثر ولم يذكر مالك في «الموطإ» أن العمل جرى بذلك. والمقام مقام عسير فإن فيه حق الولد في لحاق نسبه وهو أعظم من حق المرأة في قذفها. فإذا كان الله تعالى قد جعل للمرأة مقالاً تدفع به زوجها عن انتهاك عرضها، فهو أعدل من أن لا يجعل للولد مقالاً يصد أباه عن المجازفة في قطع نسبه، وقد علمنا أن حفظ النسب أقوى في نظر الشريعة من حفظ العرض، فقد اختلفوا في عد حفظ العرض من الكليات الضرورية. وأنه لا أغض النظر عن عم أمر لحاق النسب عند العرب، وعن ذكاء العربي، وصحة تفكيره، وعن حرص العرب على إلحاق أولادهم بهم، حتى لقد كانوا يستلحقون أبناءهم الذين من بغاء أو من زنى في الجاهلية، ولقد كانوا يكلون أمر تحقيق الشبه عند الشك إلى القافة من بني مدلج، وأنه ليس بالهين عليهم رمي أزواجهم بالزنا ونفي أولادهم من ذلك، غير أني لا أنسى أيضًا أن تنصلهم من العار عند القالة، واندفاعهم إلى الغضب عند الغيرة، واعتماد البعض منهم على حدة الذكاء اعتمادًا يجعله يقدر هواجسه حقًّا، وامتلاء عقولهم بأوهام تجافي الحقيقة من زعمهم الشبه واللون ومدة الحمل دلائل على صحة النسب وبطلانه، وكان على ذلك معتمد قافتهم، وكان ذلك داعيًا لشك كثير منهم في أولادهم. كما جاء في حديث أبي هريرة في «صحيح مسلم» أن فزاريًّا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، يعرض بأن ينفيه، فقال له رسول الله ﷺ :

стр. 241

«هل لك من إبل؟ » قال: نعم، قال: «فما ألوانها»، قال: حُمر، قال: «فهل فيها من أورق؟ » قال: نعم، قال: «فأنى أتاها ذلك؟ » قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: «وهذا عسى أن يكون نزعه عرق» ولم يرخص له في الانتفاء منه اهـ. ولا أنسى أن في بعض الناس غفلة وسرعة وفي بعضهم رقة دين وقلة مروءة؛ فكل هؤلاء لا يعتمد على ظنونهم ولا على ثباتهم ولا على أيمانهم. وقد علمنا من النظائر الشرعية أن الشريعة في مثل هذا الحق رجحت النادر على الغالب، من أجل ذلك قضت بلحاق الولد بأبيه إذا ولدته المرأة لستة أشهر، وقضت بإقامة الحد على القاذف بالزنا إذا نقص واحد من الأربعة الشاهدين به. ولا أنسى أن في غير العرب من الأمم أناسًا كثيرين تمتلكهم الأوهام ويقضون بالأحلام، وقد شاهدت كثيرًا من تساهل رجال كثيرين في نفي أولادهم تفصيًا من النفقات أو نكاية بالأصهار والزوجات. فلا ينبغي أن تكون إضاعة الآباء حقوقهم في اتصال أنسابهم بأبنائهم أصلاً نعتمد عليه في إضاعة حقوق الأبناء في اتصالهم بآبائهم؛ وليس هذا الحق بدون حق الأب، فإن انتفاء الولد من نسب أبيه يجعله في سوء حال من الحياة في صغره وكبره. وفي النوازل أحوال تقرب من اليقين في نفي الحمل؛ كمن سافر وترك زوجه مدة طويلة فوجدها حاملاً، وكما لو بقيت المرأة بعيدة عن زوجها بحيث يوقن أنه لم يقربها مدة طويلة ثم يظهر بها حمل، فتحمل الأب مثل هذا حرج عليه. فمن أجل ذلك قال مالك وجماعة من العلماء بإجراء اللعان بسبب نفي الحمل، وجعلوه موجبًا لانتفاء النسب عن المُلاعن مع تحقق الاستبراء، وإنما اختلف في صفة الاستبراء، وأما من اشترط في اللعان بنفي الحمل أن يكون مع النفي رؤية زنا المرأة فهو شرط لا دليل عليه ولا نظير يقتضيه، ومن العجيب أن يعد الاستبراء في مثله بحيضة مع أنهم لم يكتفوا بها في العدة، وهما من قبيل واحد إن لم يكن أمر اللعان أعظم؛ لأنه نفي نسب واقع والعدة لحفظ نسب متوقع؛ فليكن مبنى الفقه في هذا الأمر إما التمكين

стр. 242

من اللعان لنفي الحمل فيشترط تحقق الاستبراء لا ريبة فيه ولا احتمال، وإما إلغاء اللعان لنفي الحمل؛ وجعل النسب تابعًا للعصمة والفراش، كما اقتضاه حديث ولد وليدة زمعة. والمقام حرج، يضيق عن المناظرة والحجج، ولا ينبغي أن يترك غير محوط بأسوار الاحتياط، بل يجب أن تسد عنه ذرائع التساهل والأغلاط، وهذا دستور يرجع إليه في اللعان بقاعدة تحقيق المناط. عدة التي تفقد زوجها مالك عن يحيي بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: أيما امرأةٍ فقدت زوجها، فلم يُدر أين هو؛ فإنها تنتظر أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهرٍ وعشرًا ثم تحل. قال مالك: وإن تزوجت بعد انقضاء عدتها فدخل بها زوجها أو لم يدخل بها؛ فلا سبيل لزوجها الأول إليها. قال: وذلك الأمر عندنا. لم يرد في السنة شيء في المفقود فكان الحكم في شأنه من زوجه ومن ماله منوطًا بالاجتهاد، وأول ما حفظ فيه قضاءٌ لعمر بن الخطاب ﵁ حين اتسعت أقطار الإسلام وامتدت الفتوح، وتوغل المسلمون في بلاد العدو، وانقطعت أخبار كثير منهم عن أهليهم، وتضرر الأزواج والقرابة. ومسائل المفقود مبسوطة في «المدونة» وغيرها من كتب مذهبنا، وإنما الذي نهتم به هنا هو مسألة «المُوطإ» في تزوج امرأة المفقود بعد تأجيله وتمويته أو طلاقها عليه، ثم يقدم زوجها بعد عقد زوج آخر عليها، فقال مالك هنا: إن مجرد العقد يفيتها على زوجها الأول لو قدم سواء بنى بها الزوج الثاني أم لم يبن بها. ودرج على ذلك مالك مدة طويلة ثم قال مالك في آخر عمره: إذا قدم زوجها الأول قبل بناء الثاني بها فسخ عقد الثاني ورجعت إلى زوجها الأول. وبقوله الثاني الذي رجع إليه أخذ ابن القاسم وأشهب من أصحاب مالك وأخذ بقية أصحاب مالك بقوله الأول وهو

стр. 243

الذي في «الموطإ». والمسألة معضلة وكلا القولين له وجه من النظر وجيه، فأما ما في «الموطإ» فوجهه أن رفعها للسلطان وتأجيله المفقود أربع سنين وإذنه لها بالاعتداد عقب الأجل قد استوفى حق الزوج الغائب في زوجه؛ إذ لم يرسل إليها ولم يعرفها بمقره، وقد رفع ذلك أيضًا الإضرار عن المرأة من بقائها بدون معاشر؛ فلما عقد عليها زوج ثان تقرر لهذا الثاني من الحق في المرأة مثل ما كان للزوج الأول، فلا تنز من زوجها الثاني ولا يبطل عقده المأذون فيه شرعًا، وقد اعتضد هذا الرأي بقول عمر في التي يطلقها زوجها الغائب عنها ثم بلغها طلاقه إياها ثم يراجعها ولا تبلغها المراجعة فتتزوج غيره أنه لا سبيل لزوجها الأول إليها سواء دخل بها زوجها الآخر أم لم يدخل بها كما في «الموطإ»؛ فذلك أصل يقاس عليه حكم زوجة المفقود؛ ولعل زوجة المفقود أولى بحكم عدم فسخ نكاح زوجها الثاني من حكم زوجة الغائب. ووجه القول الثاني الذي في «المدونة» أن عصمة الزوج الأول تقررت بوجه يقين، وأن عصمة الثاني بنيت على ن تبين خلافه فكان عقد الثاني عقدًا على ذات زوج إلا أنه لما كان مأذونًا فيه كان عقدًا معتبرًا شرعًا فكان العقدان بمنزلة حجتين متعارضتين فإذا لم يدخل الثاني كان الترجيح لعقد الأول؛ لأنه معضود بحيازة العصمة السابقة بحكم الاستصحاب، وفي إرجاع زوجه إليه استبقاء لكرامة الأخوة الإسلامية بين الزوج الأول والزوج الثاني بإرجاعها للرجل الذي عرفها وأنس بها، وإذا دخل بها الثاني اعتضدت حجة الثاني بحيازة العصمة الطارئة المأذون فيها شرعًا فأبطلت عصمة الأول وصار للثاني من التعلق بأمر أنه مثل ما كان للأول؛ فلا يظهر معنى استبقاء كرامة الأخوة في أحدهما، على أن ابن يونس روى أن مالكًا قال: «بلغتني عن عمر في امرأة المفقود وفي التي تعلم بالطلاق ولم تعلم بالرجعة أنها إن تزوجت ثم قدم الأول فإنه أحق بها ما لم يدخل بها الثاني، وهذا أحب ما سمعت إلي فيها» اهـ. وهذا البلاغ يخالف بالصريح ما بلغه عن عمر بن الخطاب في التي طلقها الغائب ثم راجعها وتزوجت ولم تعلم بالمراجعة كما في «الموطإ»، ويخالف بالقياس ما بناه عليه مالك في «الموطإ» من حكم زوجة المفقود. فإذا صح هذا البلاغ عن مالك حسب نقل ابن يونس وابن عبد البر، فقد رجحه

стр. 244

مالك على ما بلغه عن عمر في «الموطإ». وإن لم يصح عن مالك فقد أخذ مالك برأي يخاف رأي عمر؛ لأنه استبان له رجحان رأيه على ما ثبت عن عمر. قال أبو عمر ابن عبد البر في كتاب «الكافي» بعد أن ذكر قول مالك الثاني «وهذا من طريق الأثر أصح». وليست مسألة نظر لأنا قلدنا فيها عمر ابن الخطاب ﵁ اهـ. وكان قول ابن عبد البر «هذا من طريق الأثر أصح» يلوح إلى أن القول الذي في «الموطإ» أصح من طريق النظر من حيث إن عقد الثاني انعقد بوجه شرعي؛ فصار مبطلاً للعقد الأول ولا وجه لإبطال عقد الثاني. وقوله: «وليست مسألة نظر» فيه نظر. ومن البين أن المنظور إليه شرعًا في تأجيل الغائب المفقود واعتداد زوجه منه وأنها تحل للأزواج بعد انقضاء العدة هو حق المرأة في طلب العشير؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]؛ فلذلك لم يُلتفت إلى كون الغائب مفرطًا في إعلام زوجه بمحل غيبته أو غير مفرط، ولا إلى كونه مقهورًا على الانقطاع أو مختارًا؛ لأن حق المرأة سبب يبيح لها التخلص من عصمة هذا المفقود؛ فصار من خطاب الوضع الذي لا يعتبر فيه علم المكلف ولا قدرته ولا معذرته، وما يترتب على ذلك له من التزويج والفوات هو كله من آثار السببية. وقول مالك ﵀ هنا: «وذلك الأمر عندنا» لعله يريد به نفسه، أي: وذلك الأمر عندي، أي: وذلك رأيي، ولا يريد به أنه الأمر عند أهل المدينة؛ لأن رجوعه عن هذا القول في رواية ابن القاسم وأشهب عنه. وقوله: «إنه بلغه عن عمر بن الخطاب مثل ما رجع هو إليه»، يدل على أنه لم يرد بقوله هنا: «وذلك الأمر عندنا» عمل أهل المدينة فإنه لو ثبت عملهم؛ لكان أصلاً عظيمًا يرجع إليه عند مالك ﵀. ما جاء في الإحداد وقع فيه لفظ «الشيرق»، وقد بينته في «العيلة وما يشبهها» بعد هذا.

стр. 245

ما جاء في الرضاعة بعد الكبر ما كان ينبغي أن يختلف أهل العلم في أن الرضاعة بعد الكبر، أي: بعد استغناء الطفل عن اللبن غير موجبة حُرمة ملحقة بحرمة النسب، ولو أوجبت ذلك لكان حكم الرضاع عبثًا؛ مع أن الشريعة إنما جعلت له تلك الحُرمة ما لأجل أشبه به النسب في استبقاء حياة الطفل واختلاط لبن المرضع بلحمه ودمه حين لا يغني عنه غيره؛ فهذا من جهة المعنى وقد تأيد بقول النبي ﷺ لبعض أزواجه «انظرن من يدخل عليكن فإنما الرضاعة من المجاعة»، ولا ينبغي أن يشك في أن إذن النبي ﷺ لسهلة بنت سهيل في أن يدخل عليها سالمٌ مولى أبي حذيفة متبنى أبي حذيفة زوجها، إنما كان على وجه الرخصة لها؛ إذ كان حكم إرجاع المتبنين إلى الحقيقة في اعتبارهم أجانب من جهة النسب حكمًا، قد فاجأهم في حين كان التبني فاشيًا بينهم؛ وكانوا يجعلون للمتبنين مثل ما للأبناء؛ فشق ذلك عليهم وامتثلوا أمر الله تعالى في إبطاله. وكانت سهلة زوج أبي حذيفة بحال احتياج إلى خدمة سالم واختلاطه بهم؛ إذ لم يكن لها إلا بيت واحد، فعذرها رسول الله ﷺ ورخص لها أن يدخل سالم عليها وهي فضل وجعل تلك الرخصة معضدة بعمل يشبه ما يبيح الدخول أصالة محافة على حكم إبطال التبني بقدر ما تمكن المحافظة في مقام الرخصة ومقام ابتداء التشريع، فإن للتدريج في أوائل التشريع أحوالاً مختلفة كما رخص لهانئ بن نيار أن تجزئ عنه الضحية بالعناق التي ضحى بها قبل أن يضحي رسول الله ﷺ . وكان تعضيد الرخصة بعمل كتعضيد استشعار العجز عن الطهارة المائية بالتيمم كما أشرت إليه في باب التيمم. ألا ترى أنه لم يرخص لسهلة أن يكون لسالم أحكام الأبناء كلها وإنما اقتصر على أنه يدخل عليها وهي فضل، ولذلك لم يسمح أزواج رسول الله ﷺ لأحد أن يدخل عليهن بعد الحجاب؛ بسبب رضاعة في الكبر مع احتياجهن إلى مثل ذلك ورأين حكم سهلة خصوصية كما في «الموطإ». وقد كان النساء يحتجن إلى مثل ما احتاجت إليه

стр. 246

سهلة، فلم يؤثر أن رسول الله ﷺ رخص لأحد غير سهلة مع توفر الدواعي على سؤالهن الرخصة منه؛ لأن الناس كلهم قد علموا أن الرخصة لا يُقاس عليها وأنها يفوز بها السابق، فلو تلاحق به الناس وألحقوا لآل الأمر إلى إبطال الحكم. وكان ما رأته عائشة في ذلك شذوذًا لم يأخذ به أحد من الصحابة سوى أن أبا موسى الأشعري أفتى به ثم خطأ نفسه حين راجعه عبد الله بن مسعود، ولم يكن ما فعلته عائشة إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ فلم يصحبه تقرير شرعي. * * * وقع فيه قوله: فقال أبو موسى: «لا تسألوني عن شيءٍ ما كان هذا الخبر بين أظهركم» الخطاب لأهل الكوفة، والحبر هو عبد الله بن مسعود. وإنما نهاهم أبو موسى عن أن يسألوه إعلامًا بفضل ابن مسعود وعلمه وإراحة لهم من عناء التردد على أبي موسى للاستفتاء؛ لأنه يردهم إلى ابن مسعود؛ إذ قد علم أنه أضلع منه في فقه الفتوى. وفيه دليل على أن المستفتي مكلف باستفراغ الجهد في سؤال من يعتقده أرجح علمًا، وأنه لا يجوز تقليد المرجوح علمًا مع تحقق رجحان علم غيره غالبًا. وهذا أصل لوجوب بحث المقلد عن مجتهد يرجح غيره أو يساويهم إن استطاع ذلك. وفي كلامه دلالة على انهم يسألونه إذا غاب ابن مسعود عنهم، وأنه يفتيهم مع كونه قد رأى من نفسه الخطأ في مسألة الرضاع؛ لأن المفتي ليس مطالبًا بإصابة الحق في نفس الأمر، بل هو مطالب بالاجتهاد في الأدلة بحسب علمه مع كونه يعتقد نفسه أهلاً للفتيا ويرجو إصابة الصواب غالبًا، وإنما اعتمد أبو موسى على ظاهر قول النبي ﷺ : «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة». وعلى ظاهر فتوى رسول الله ﷺ لسهلة بنت سهيل في إرضاعها سالمًا مولى أبي حذيفة، كما اعتمدت عائشة ﵂. وكان ابن مسعود أفقه إذ علم إن محل الحديث الرضاعة التي هي غذاء للطفل؛ فهو من حمل لفظ الرضاعة على معناه المقصود شرعًا دون ما هو كالعبث؛ وإذ علم أن مسألة

стр. 247

سهلة بنت سهيل كانت خصوصية ورخصة؛ إذ كان إبطال التبني في مبدأ أمره، كما فهم ذلك أزواج رسول الله ﷺ وعليهن الرضوان وعمر بن الخطاب، وفيه حديث صريح في الصحيح وهو قول رسول الله لإحدى أمهات المؤمنين: «انظرن من يدخل عليكن، فإنما الرضاعة من المجاعة».

стр. 248

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ كتاب البيوع

стр. 249

ما يجوز في استثناء الثمر وقع فيه قوله: «ثمر حائطٍ له يُقال له الإفراق». هو بفاء فراء فألف فقاف. قال في «القاموس»: موضع من أموال المدينة. قال ياقوت: هو بفتح الهمزة عند الأكثرين، وضبطه بعضهم بكسر الهمزة. ما جاء في ثمر المال يباع أصله فيه قول النبي ﷺ : « .. فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع». وقع قوله: «يشترط» في أربع نسخ من الموطإ بدون هاء الضمير. وكذلك هو في «التقصي» لابن عبد البر، فيكون من حذف المفعول للعلم به، ووقع بالضمير «يشترطه» في نسخة صحيحة مقروءة على نسخة ابن بشكوال، ولم يُذكر فيها رواية أخرى خلافًا لعادة مقابلها أن يذكر اختلاف الروايات. المزابنة وقع فيه «قال مالك: وتفسير المزابنة: أن كل شيءٍ» إلخ.

стр. 250

هكذا ثبت في نسخ «الموطإ» كلها وعليه فخبر «أن» هو قوله بعد أسطر: «فليس ذلك بيعًا» إلخ. ودخلت الفاء في الخبر للربط لبعد العامل. بيع الذهب بالورق وقع فيه قول عمر ﵁: «إني أخاف عليكم الرماء». ضبط في «القاموس» بفتح الراء وبالمد وهو الربا. قال في «اللسان» عن اللحياني: هو على البدل، يريد إبدال الباء ميمًا لقرب مخرجيهما. وفي «تاج العروس» أنه وجد في نسخ «المحكم» مضبوطًا بكسر الراء لغة في الربا (لأن شأن الإبدال عدم تغيير زنة الكلمة). ووجدت في طرة نسخة صحيحة من الموطإ مقابلة على نسخة ابن بشكوال نقلاً عن كتاب ابن أبي الخصال، عن ابن السكيت الرماء ممدود مفتوح الأول هو الربا. يقال: منه أرمى أي: أربى، وسابه فأرمى عليه، أي: زاد. وكذلك قال أبو عبيد عن الكسائي. وقال أبو عبيد: في هذا الحديث أصل الرماء الزيادة، يقال: أرميت على الخمسين، أي: زدت، إرماء، ويروى عن عمر في بعض الحديث: «إني أخاف عليكم الإرماء»، فجاء بالمصدر الصرف. * * * فيه حديث: «مالك بن أوس بن الحدثان». قال ابن وضاح: ليس لمالك بن أوس في «الموطإ» غير هذا الحديث.
следующие страницы →