← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150963

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطا

ابن عاشور

Полный текст (362 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

سهلة، فلم يؤثر أن رسول الله ﷺ رخص لأحد غير سهلة مع توفر الدواعي على سؤالهن الرخصة منه؛ لأن الناس كلهم قد علموا أن الرخصة لا يُقاس عليها وأنها يفوز بها السابق، فلو تلاحق به الناس وألحقوا لآل الأمر إلى إبطال الحكم. وكان ما رأته عائشة في ذلك شذوذًا لم يأخذ به أحد من الصحابة سوى أن أبا موسى الأشعري أفتى به ثم خطأ نفسه حين راجعه عبد الله بن مسعود، ولم يكن ما فعلته عائشة إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ فلم يصحبه تقرير شرعي. * * * وقع فيه قوله: فقال أبو موسى: «لا تسألوني عن شيءٍ ما كان هذا الخبر بين أظهركم» الخطاب لأهل الكوفة، والحبر هو عبد الله بن مسعود. وإنما نهاهم أبو موسى عن أن يسألوه إعلامًا بفضل ابن مسعود وعلمه وإراحة لهم من عناء التردد على أبي موسى للاستفتاء؛ لأنه يردهم إلى ابن مسعود؛ إذ قد علم أنه أضلع منه في فقه الفتوى. وفيه دليل على أن المستفتي مكلف باستفراغ الجهد في سؤال من يعتقده أرجح علمًا، وأنه لا يجوز تقليد المرجوح علمًا مع تحقق رجحان علم غيره غالبًا. وهذا أصل لوجوب بحث المقلد عن مجتهد يرجح غيره أو يساويهم إن استطاع ذلك. وفي كلامه دلالة على انهم يسألونه إذا غاب ابن مسعود عنهم، وأنه يفتيهم مع كونه قد رأى من نفسه الخطأ في مسألة الرضاع؛ لأن المفتي ليس مطالبًا بإصابة الحق في نفس الأمر، بل هو مطالب بالاجتهاد في الأدلة بحسب علمه مع كونه يعتقد نفسه أهلاً للفتيا ويرجو إصابة الصواب غالبًا، وإنما اعتمد أبو موسى على ظاهر قول النبي ﷺ : «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة». وعلى ظاهر فتوى رسول الله ﷺ لسهلة بنت سهيل في إرضاعها سالمًا مولى أبي حذيفة، كما اعتمدت عائشة ﵂. وكان ابن مسعود أفقه إذ علم إن محل الحديث الرضاعة التي هي غذاء للطفل؛ فهو من حمل لفظ الرضاعة على معناه المقصود شرعًا دون ما هو كالعبث؛ وإذ علم أن مسألة

стр. 247

سهلة بنت سهيل كانت خصوصية ورخصة؛ إذ كان إبطال التبني في مبدأ أمره، كما فهم ذلك أزواج رسول الله ﷺ وعليهن الرضوان وعمر بن الخطاب، وفيه حديث صريح في الصحيح وهو قول رسول الله لإحدى أمهات المؤمنين: «انظرن من يدخل عليكن، فإنما الرضاعة من المجاعة».

стр. 248

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ كتاب البيوع

стр. 249

ما يجوز في استثناء الثمر وقع فيه قوله: «ثمر حائطٍ له يُقال له الإفراق». هو بفاء فراء فألف فقاف. قال في «القاموس»: موضع من أموال المدينة. قال ياقوت: هو بفتح الهمزة عند الأكثرين، وضبطه بعضهم بكسر الهمزة. ما جاء في ثمر المال يباع أصله فيه قول النبي ﷺ : « .. فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع». وقع قوله: «يشترط» في أربع نسخ من الموطإ بدون هاء الضمير. وكذلك هو في «التقصي» لابن عبد البر، فيكون من حذف المفعول للعلم به، ووقع بالضمير «يشترطه» في نسخة صحيحة مقروءة على نسخة ابن بشكوال، ولم يُذكر فيها رواية أخرى خلافًا لعادة مقابلها أن يذكر اختلاف الروايات. المزابنة وقع فيه «قال مالك: وتفسير المزابنة: أن كل شيءٍ» إلخ.

стр. 250

هكذا ثبت في نسخ «الموطإ» كلها وعليه فخبر «أن» هو قوله بعد أسطر: «فليس ذلك بيعًا» إلخ. ودخلت الفاء في الخبر للربط لبعد العامل. بيع الذهب بالورق وقع فيه قول عمر ﵁: «إني أخاف عليكم الرماء». ضبط في «القاموس» بفتح الراء وبالمد وهو الربا. قال في «اللسان» عن اللحياني: هو على البدل، يريد إبدال الباء ميمًا لقرب مخرجيهما. وفي «تاج العروس» أنه وجد في نسخ «المحكم» مضبوطًا بكسر الراء لغة في الربا (لأن شأن الإبدال عدم تغيير زنة الكلمة). ووجدت في طرة نسخة صحيحة من الموطإ مقابلة على نسخة ابن بشكوال نقلاً عن كتاب ابن أبي الخصال، عن ابن السكيت الرماء ممدود مفتوح الأول هو الربا. يقال: منه أرمى أي: أربى، وسابه فأرمى عليه، أي: زاد. وكذلك قال أبو عبيد عن الكسائي. وقال أبو عبيد: في هذا الحديث أصل الرماء الزيادة، يقال: أرميت على الخمسين، أي: زدت، إرماء، ويروى عن عمر في بعض الحديث: «إني أخاف عليكم الإرماء»، فجاء بالمصدر الصرف. * * * فيه حديث: «مالك بن أوس بن الحدثان». قال ابن وضاح: ليس لمالك بن أوس في «الموطإ» غير هذا الحديث.

стр. 251

المرُاطلة وقع فيه قوله: «ويأخذ صاحبه ذهبًا كوفيةً وتلك الكوفية مكروهة عند الناس». أي: هي دنانير مغشوشة بالخلط. قال بشار بن برد يهجو حمادًا عجرد بطريقة التهكم: واشدد يديك بحماد أبي عُمر ... فإنه نبطيٌّ من دنانير أي: أنه دينار نبطيٌّ. والنبط هم سكان سواد الكوفة، يريد أنه في العد مع الأعيان كالدينار النبطي في العد مع الدنانير. العينة وقع فيه: «فدخل زيد ورجل من أصحاب النبي ﷺ ». وجدت في نسخة من الموطإ مقروءة على ابن بشكوال أن الرجل هو رافع بن خديج، قال: ذكره ابن وضاح. * * * وقع فيه قوله: «والشيرق». وتقدم هذا اللف في الإحداد، فضبط بالشين المعجمة وبعدها ياء مثناة تحتية. وفي «نسخة» باء موحدة فراء فقاف. والظاهر أن نسخة الباء الموحدة خطأ فهو بتحتية. والمراد به دهن السمسم ولم تضبط حركاته. والذي في كتب اللغة السيرج -بسين مهملة مكسورة، ثم مثناة تحتية ساكنة فراء

стр. 252

مفتوحة فجيم- وهو معرب سيره. وربما يقال: شيرج -بشين معجمة مفتوحة- بوزن صيقل، فلعل لفظ الشيرق المذكور هنا هو لغة في الشيرج عوضت فيه الجيم بالقاف؛ لأن أصل الكلمة فارسي، فعربوها بحروف مختلفة على قاعدة قولهم: «أعجمي فالعب به ما شئت»، فيتعين أن يكون بفتح الشين. وفي «المشارق» بكسر الشين آخره قاف ويكتب بالجيم أيضًا، وهو زيت الجلجلان. وكذلك ضبطه أبركان في «شرحه لمفردات مختصر ابن الحاجب». وفي «تذكرة داود الإنطاكي»: شيوج بشين معجمة وجيم هو دُهن الجلجلان يعني السمسم بالسريانية. السلفة في الطعام ضبط في أكثر نسخ «الموطإ» بضم السين المهملة وسكون اللام، والمراد به السلم، ولم أقف على هذا الضبط في ألفاظ السلف في كتب اللغة. وتكرر هذا أيضًا في الترجمة الآتية «السلفة في العروض». وثبت في بعض النسخ «السلف» وفي الترجمة الآتية. و(في) هنا للتعليل، أي: السلف لأجل الطعام، أي: لأجل شرائه وهو السلم. جامع بيع الطعام مالك عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم أنه سأل سعيد بن المسيب، فقال: إني رجلٌ أبتاع الطعام يكون من الصكوك بالجار، فربما ابتعت منه بدينار ونصف درهم، أفأعطي بالنصف طعامًا؟ فقال سعيدٌ: لا. ولكن أعط أنت درهمًا وخذ بقيته طعامًا.

стр. 253

قوله: «إني أبتاع الطعام» يريد أن يبين له أنه تقع منه عقد مختلفة المقادير على حسب ما في الصكوك التي تعطى بأيدي أصحاب العطاء يقبضونها بالجار أو يبيعونها به. والجار: مرفأ المدينة. وقوله: «أفأعطي بالنصف طعامًا»، أي: حيث لا يجد كسر الدرهم لقلة الكسور ويكون عنده الطعام؛ لأنه يتجر فيه، فيريد أن يعطي طعامًا عوض نصف الدرهم إذ لم يجده. وقول سعيد: «ولكن أعط أنت درهمًا وخذ بقيته طعامًا»، أي: حيث كان هو تاجرًا، فليدفع درهمًا كاملاً ويزيده البائع طعامًا بقيمة نصف درهم ليسلم من بيع الطعام بنقدٍ مع طعام؛ لأنه لا يخلو من بيع الطعام بالطعام. ويريد سعيد أنه لا يجوز له أن يعطي دينارًا وطعامًا ثمنًا عن الطعام. وأراه مخلصًا من ذلك فإن لم يجد طعامًا عند البائع أكثر مما يساوي دينارًا ونصف درهم وجب عليه الإعراض عن هذا الشراء أصلاً. * * * ووقع فيه قول مالك: «لا ينبغي أن يشتري الرجل طعامًا بربع أو ثلثٍ أو كسرٍ من درهم على أن يُعطى بذلك طعامًا إلى أجلٍ». فقوله: «على أن يعطي» هو بكسر الطاء وياء مفتوحة، أي: على شرط أن يدفع المشتري عن جزء الدرهم طعامًا مؤجلاً، فيصير جزء الدرهم إنما جعل قيمة للطعام، فقوله: «بذلك» الباء الموحدة فيه للعوض، والإشارة إلى ربع أو ثلث أو كسر الدرهم. الحكرة والتربص وقع فيه قول عمر ﵁: «فليبع كيف شاء الله، وليمسك كيف شاء الله». هو كذلك في جميع نسخ «الموطإ»، أي: كيف شاء الله له، والمعنى كيفما تيسر له. * * *

стр. 254

ووقع فيه قول عمر: «وإما أن ترفع من سوقنا». ضبط في نسختين صحيحتين بفتح المثناة الفوقية وفتح الفاء، أي: أن ترفع سلعتك أو زبيبك. ولا يصح ضم الفوقية؛ لأن حاطبًا لم يكن ملازمًا للسوق؛ ولكنه جلب زبيب كرومه يبيعه جملة واحدة. ويؤيد ذلك أنه وقع في قصة حاطب هذا أن عمر قال له: «وإلا فارفع من سوقنا». قال ابن أبي الخصال عن عيسى بن دينار كان حاطب يبيع من زبيبه أقل مما يبيع به أهل السوق، فقال له عمر: «إما أن تبيع كما يبيع الناس وإلا فارفع من سوقنا». وقد روي أن عمر رجع عن ذلك كما قال أبو الوليد في روايته عن القاسم بن محمد أن عمر مر بحاطب وهو بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما فسعر له مدين بدرهم. فقال عمر: «حدثت بعيرٍ مقبلة من الطائف تحمل زبيبًا هم إذا وضعوا بجنبك اعتبروا بسعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت». ثم أتى حاطبًا في داره فقال: «إن الذي قلت ليس بعزيمة ولا قضاءٍ، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد فبع كيف شئت». ما يجوز من بيع الحيوان وقع فيه قوله: «ليس بينهما تفاضلٍ في نجابةٍ ولا رحلةٍ». فرحلة بضم الراء وبكسرها، وبسكون الحاء المهملة هي: القوة على السير مشتقة من الرحيل، وهو السفر. ومنه سمي البعير الذي يسافر عليه راحلة. فالرحلة صفة حسنٍ للراحلة. وفي «المشارق» ضبطناه عن شيوخنا بكسر الراء، والذي حكاه أبو عبيدة الضم. وقال: روايتنا فيه بالحاء، وضبطناه في الحاشية عن بعض الرواة

стр. 255

بالجيم اهـ، أي: فعلى رواية الجيم يكون مأخوذًا من صفة الرجل، والمراد: القوة، كما قالوا: ناقة مذكرة، أي: قوية كالجمل. قال كعب: غلباء وجناء علكوم مذكرة بيع اللحم باللحم مراده بقوله: «بعض ذلك ببعضٍ» بعض لحوم الطير ببعض لحوم غيره لا بعض الطير ببعض الطير؛ لأنه بنى كلامه على اختلاف الأصناف في قوله في طالعته: «في لحم الإبل والبقر والغنم» إلخ، فالإشارة بقوله: «ذلك» إلى الطير، فقوله: «مخالفة للحوم الأنعام والحيتان» يريد به مخالفة لها في الصنف ولا يريد المخالفة في الحكم. ولا خلاف في المذهب أن لحوم الطير كلها كصنف واحد، وإن اختلفت أصنام الطير. ولكن في لفظ «الموطإ» إجمالاً. السلف وبيع العروض وقع فيه قوله: ولا بأس أن يشترى الثوب من الكتان أو الشطوي. ثبت (أو) في رواية يحيي بن يحيى، وطرح ابن وضاح (أو)، وكذلك أيضًا في كتاب الشيخ أبي بحر. وفي أصل أبي عمر بن عبد البر بواو العطف عوض (أو)، وعلم على الواو وكتب في الحاشية بخطه: الواو خطأ، لم تقع لغير يحيى. كذا في طرة نسخةٍ مقابلة على نسخة ابن بشكوال منهاةٍ الطرة بعلامة ابن أبي الخصال.

стр. 256

قلت: لأن «الشطوي» وما عطف عليه أصناف من الكتان، فلا وجه لعطف أولها على الكتان بأو ولا بالواو؛ لأن الكتان نوعها. أما بقية الأصناف المذكورة بعد فإثبات (أو) فيها متعين. * * * ووقع فيه قول: «أو القوهي» نسبة إلى قوهستان بضم القاف بعدها واو، ثم هاء مكسورة: بلد بكرمان قرب (جيرفت) واسمه معرب من (كوه ستان)، فكوه الجبل وستان المكان، أي: بلد الجبال. والقوهي: ثوبٌ أبيض ينسج بقوهستان. قال نُصيب: سودت فلم أملك سوادي وتحته ... قميص من القوهي بيضٌ بنائقه السلف في العروض وقع فيه قوله: إذا كان موصوفًا إلى أجلٍ مسمى، ثم حل الأجل. نقل في طرة النسخة المقروءة على ابن بشكوال عن كتاب ابن أبي الخصال أنه كتب: قال أبو عمر: يستغنى عن قوله: «ثم حل الأجل». قلت: لأنه قال بعد ذلك: «فإنه لا بأس أن يبيع المشتري تلك السلعة مع البائع قبل أن يحل الأجل أو بعد ما يحل الأجل» إلخ.

стр. 257

النهي عن بيعتين في بيعةٍ وقع فيه قوله: «عشرة أصوعٍ ونحوه». الصاع يجمع على أصوع بواوٍ مضمومةٍ بعد الصاد، وعلى أصؤعٍ بهمزةٍ مضمومةٍ بعد الصاد، وعلى أصواعٍ، وعلى صوعٍ. ووجدت في النسخة المقروءة على ابن بشكوال أنه ثبت في نسخة ابن عتاب أصؤع بالهمز حيث أتى في هذا الباب، وكذلك في نسخة ابن الطلاع إلا الأول فإنه كتبه: آصعٍ، أي: بهمزة ممدودة في أوله. قلت: وهو مكتوب في أصل النسخة «أصوعٍ» بواوٍ بعد الصاد وهو الأصح. وأما من كتبه «آصعٍ» بهمزة ممدودة في أوله فهو خطأ؛ إذ لم ينقله أحد من أئمة اللغة. قال عياض في «المشارق»: «وجاء في رواية الشيوخ: آصعٍ، والصواب: أصوعٍ». * * * وقع فيه قول مالك: «فليس للمبتاع في هذا حجة على البائع بأن يضع من الثمن الذي ابتاع على البرنامج». وقع في جميع نسخ «الموطإ» زيادة قوله: «على البرنامج» بعد قوله: «ابتاع» وهو مجرد مثال ليس مقصودًا بالحكم في بيع المرابحة؛ لأن بيع المرابحة لا يلزم أن يكون على البرنامج، ولكن لما كان البيع على البرنامج قد يقع على المساومة وقد يقع على المرابحة كما سيجيء في قول مالك في أثناء الترجمة الموالية فرضه هنا على سبيل المثال. ولعل غالب بيع المرابحة في عرف أهل التجارة في عصرهم كان يجري في بيع البرنامج حين ترد الأصناف المصنفة من السلع للتجار الكبار، فيبيعون كل صنف لأهل التجر فيه بربحٍ معين يضاف إلى رأس المال.

стр. 258

بيع الخيار مالك عن نافعٍ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «المتبايعان كل واحدٍ منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار». قال مالك: وليس لهذا عندنا حد محدودٌ ولا أمرٌ معمولٌ به. معنى الحديث ظاهر وقد استوفاه الشارحون، وشغلوا به وبذكر الخلاف في فقهه عن بيان مراد الإمام بقوله: «وليس لهذا عندنا حدٌّ محدودٌ ولا أمر معمول به» إلا كلمة لابن العربي في «القبس»؛ إذ قال «إشارة إلى أن المجلس مجهول المدة، ولو شُرط الخيار مدة مجهولة لبطل إجماعًا فكيف يثبت حكم بالشرع ما لا يجوز شرطًا في الشرع؟ ، وظن الجهال الموسومون بالعلم من أصحابنا أن مالكًا إنما تعق فيه بعمل أهل المدينة وهذه غباوة وإنما غاص على ما قلناه» اهـ. فمالك وجد هذا الحديث قد روي عن ابن عمر، وعن حكيم بن حزام فيما تعم به البلوى، ووجد محمله غير بين؛ لأن المجلس لا ينضبط، وشأن التشريع في الحقوق أن يكون مضبوطًا لتمكن للمتعاملين المطالبة بالحقوق، ويتيسر للقضاة فصل القضاء، فلما ورد هذا الحديث عن غير ضبط كان ذلك عائقًا عن التوصل إلى المراد منه فكان مجملاً، ولم يصحبه ما يبينه من عمل، ولذلك قال مالك: «ولا أمر معمول به». والأدلة المجملة لا تكون أدلة تفقه فيجب التوقف، فوجب الرجوع فيه إلى القواعد الشرعية، وهي أن الأصل في البيوع الانضباط وطرح الغرر. وقد روي عن ابن عمر ﵁ وكان يرى العمل بخيار المجلس أنه كان إذا رغب في انعقاد بيع شيء ابتاعه أن يقوم من المجلس، فيجيء من ذلك أن من كان يرغب في بقاء حق الرد أن يطيل البقاء في المجلس، وذلك مثار لعدم

стр. 259

الانضباط ودخول الغرر مع أن الأصل في العقود اللزوم؛ لأن دلالة العقود القولية والفعلية أسباب لتحصيل آثارها من الملك وغيره. والأظهر أن رسول الله ﷺ أراد بالتفرق التفرق المعتاد، وهو الذي يحصل بين المتبايعين من الانصراف عقب التراضي، ودفع الثمن، وقبض السلعة فيكون لفظ «ما لم يتفرقا» جرى على الغالب، والمقصود بت البيع وتحققه. أو يكون المقصود من ذلك التمهيد إلى ما بعده، وهو قوله ﵊: «إلا بيع الخيار». وليس المراد به جلوس المشتري لدى البائع ومحادثته معه عقب البيع إذا كانا صاحبين أو نحوهما. البيع على البرنامج البرنامج بفتح الباء الموحدة وبفتح الميم على الصحيح. وقيل: بكسر الميم اسم معرب (برنامه) بالفارسية، وهو الزمام الذي يذكر فيه التاجر سلعه وأسعارها. * * * وقع فيه قوله: «ريطةً سابريةً» ضبط الشارح الزرقاني «سابرية» بفتح الباء الموحدة. وكذلك قال السيوطي في «لب اللباب في الأنساب». والمشهور كسر الباء ولعلهما غرهما ظاهر إطلاق «القاموس» فيه؛ إذ لم يضبطه، فحمله الزرقاني على اصطلاح «القاموس» في ترك الضبط أنه يريد الفتح ولم يضبطه صاحب «تاج العروس» ولا في «المشارق»، والموجود في نسختين صحيحتين من «القاموس» ضبطه بكسرة تحت الباء، وكذلك تكرر ضبطه بكسرة الباء في طبعة «لسان العرب» بمطبعة بولاق بضبط مصحح دار الطباعة ببولاق مصر،

стр. 260

والمعروف أنه العلامة نصر الهوريني. وضبط في نسخة «الموطإ» المقابلة على نسخة ابن بشكوال بكسر الباء. ووجدت ضبطه في نسخة من «الموطإ» بضمة على الباء وهو القياس؛ لأنه نسبة إلى سابور كورة من كور فارس. قال في «المشارق»: فاستثقلوا فخففوه. وضبط بكسرة في كتاب «المخصص» لابن سيده بمطبعة بولاق في باب الثياب في بيت ذي الرمة الآتي، ولعل صاحب «القاموس» ترك ضبطه بناء على أنه مشتهر بالكسر؛ لأنه قد نبه على ذلك في «مقدمة القاموس». ووجدته في نسخة من «ديوان ذي الرمة» بكسرة تحت الباء في قوله يصف دلوًا أدليت في بئر لا ماء فيها: فجاءت بنسخ العنكبوت كأنه ... على عصويها سابريٌّ مشبرق فالحاصل أن الصواب أنه بكسر الباء. ما جاء في إفلاس الغريم وقع فيه قول رسول الله ﷺ : «أيما رجلٍ أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه، فهو أحق به من غيره». فالتعريف باللام في قوله «الرجل» تعريف الجنس، وليس تعريف العهد، فهو والتنكير سواء، فلذلك لا يكون الرجل المعروف في الحديث عين الرجل المنكر. وعلى القاعدة المشهورة عند أهل العربية من أن النكرة إذا أعيدت معرفة فهي عين الأولى لظهور القرينة هنا أنه لا يكون الرجل الذي أفلس هو صاحب الحق في ماله. فإن قلت: ما سبب وقوع هذا التعريف حتى نصير إلى دلالة القرينة؟ قلت: يحتمل أن الراوي حذف من كلام الرسول ﷺ ما كان مقتضيًا تعريف الرجل الثاني مثل أن يقع جوابًا لسؤال سائل سأله عن رجل باع سلعة بنسيئة فوجد سلعته عند المشتري حين

стр. 261

التفليس فاختصر الراوي الحديث مع الاحتفاظ باللفظ الصادر من النبي ﷺ أو نحو ذلك. ويحتمل أنه من لفظ الراوي روى كلام الرسول ﷺ بالمعنى اعتمادًا على القرينة. وقد روي هذا الحديث في «صحيح البخاري» من طريق يحيى بن سعيد بهذا السند بلفظٍ مغاير لما في «الموطإ» فيقوي كونه مرويًا بالمعنى.

стр. 262

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ كتاب القراض

стр. 263

وقع في حديث زيد بن أسلم قوله: «فرحب بهما، وسهل». أي قال لهما: مرحبًا وسهلاً .. وتقديره: نزلتما مرحبًا أي: مكانًا رحبًا، ودخلتما سهلاً أي: طريقًا سهلاً. فقوله: «رحب وسهل» فعلان منحوتان من قول مرحبًا، وسهلاً. وأكثر النحت يقع في الجمل المقولة التي يكثر التخاطب بها أو التعبير عنها. ومن ذلك قولهم: بسمل، أي قال: بسم الله. قال عمر بن أبي ربيعة: لقد بسملت ليلى غداة لقيتها ... ألا حبذا ذاك الحبيب المبسمل ومن قولهم: فداه بأبيه، أي قال له: أفديك بأبي. قال زياد بن واصل السلمي: فلما تبين أشباحنا ... بكين وفديننا بالأبينا وقولهم: هلل إذا قال: لا إله إلا الله. وجزى إذا قال: جزاك الله بخير، وحياه إذا قال: أحياك الله. وهم ينحتون هذه الأفعال بأن يضموا بعض حروف واقعة في الجملة المنحوت منها إلى بعض بحيث تنبء تلك الحروف عن الجملة المنحوت منها ويشتقون منها فعلاً رباعيًا مضعفًا؛ ولذلك يكون مصدرها التفعيل والتفعلة فيقال: أهل به تأهيلاً. قال البعيث بن حريث: فقلت له أهلاً وسهلا ومرحبًا ... فردت بتأهيل وسهل ومرحب وهذا النحت كثير في الكلام ومنه المولد، فقد قيل في «بسمل»: إنه مُولد. وهنالك طرق أخرى من النحت نادرة هي أشبه بالمزج منها بالنحت كقولهم: شقحطب إذا شق الحطب، فهو بمنزلة قولهم: عبشمي، أي من عبد شمس، وعبدري أي: من بني عبد الدار. * * * ووقع فيه قوله: «فقال رجلٌ من جلساء عمر». وجدت في النسخة المقابلة والمقروءة على أبي القاسم ابن بشكوال ما نصه: «الرجل هو عبد الرحمن بن عوف. وذكر أبو القاسم أن أبا الحسن يونس بن مغيث أخبره

стр. 264

بذلك. قال أبو القاسم: وقد قيل هو عثمان ﵁». التعدي في القراض وقع فيه قوله: «إن شاء أن يأخذ السلعة أخذها وقضاه» الضمير المرفوع يعود إلى دافع المال، والضمير المنصوب عائد إلى المدفوع إليه وهو العامل. * * * وقوله: «ما أسلفه» الضمير المرفوع عائد إلى العامل، والمنصوب عائد إلى صاحب المال. * * * وقوله: «وإن أبي (أي: صاحب المال) كان المقارض (بفتح الراء وهو العامل) شريكًا له بحصته من الثمن في النماء والنقصان». * * * وقوله: «بحساب ما زاد العامل» العامل هو المقارض بفتح الراء. وأظهر في مقام الإضمار لزيادة البيان. جامع ما جاء في القراض وقع فيه قوله: «ثم ذهب ليدفع إلى ربٍّ السلعة المائة الدينار».

стр. 265

عرف فيه اسم العدد ومميزه كليهما بلام التعريف وهو مذهب كوفي غلب على استعمال الناس في تعريف اسم العدد. وجوز الكوفيون القياس عليه وهو جار على رأيهم في جواز تعرف التمييز وأن تنكيره أغلبي، وخالف البصريون ورأوه قبيحًا. وعلى قول الكوفيين فاسم تمييز العدد إذا عُرف هو باللام يبقى على إعرابه الذي كان عليه قبل التعريف. فالمائة هنا منصوب على المفعولية، والدينار مجرور على حكم تمييز العدد فإن تمييز المائة مجرور بإضافة اسم المائة إليه. ويحصل هنا جمع بين تعريف المضاف والمضاف إليه؛ وهو أيضًا جائز عند الكوفيين في إضافة اسم العدد، كما جاز عندهم وعند البصريين في الإضافة اللفظية. ولا يجوز أن يكون قوله: «الدينار» منصوبًا على البدلية من «المائة»، كما ضبط به في بعض نسخ «الموطإ»؛ لأنه يفسد المعنى؛ إذ لا معنى لإبدال الدينار من المائة.

стр. 266

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ كتاب الشفعة

стр. 267

ما جاء في الشفعة وقع فيه قوله: «قال مالكٌ: ومن باع شقصًا من أرضٍ مشتركةٍ فسلم بعض من له فيها الشفعة للبائع وأبى بعضهم» إلخ. قال أبو عمر: كذا وقع عند أكثر رواة «الموطإ» «للبائع»، وصوابه «للمبتاع»، يعني أن البائع قد أخرج الملك من يده، وإنما تسلم الشفعة للمشتري. ما لا تقع فيه الشفعة وقع فيه قوله: «أو مات البائع والمشتري» بالعطف بالواو في نسخة ابن بشكوال، ونسخة أخرى صحيحة. ووقع في خمس نسخٍ أخرى عطفًا بأو، والمعنى متفاوت لكن العطف بالواو أظهر؛ لأن المقصود أنه لم يبق من يعرف ثمن المبيع؛ بحيث يحلف على ما يهمه من تعيين الثمن فطول المدة وحده موهن حق القائم بالشفعة بعد الحكم له بالاستحقاق؛ فيسقط حقه في الشفعة؛ لأنه يتهم على أنه ترك القيام بالاستحقاق؛ لأنه لم يجد ثمن المبيع وجهل الثمن؛ فيسقط حقه بموت الشهود وموت البائع والمشتري أو نسيان الشهود والبائع والمشتري مقدار الثمن. والحاصل أن المستحق جديد الحق في الشفعة؛ لأن شركته لم تتحقق إلا بعد البيع فكان حقه ضعيفًا لاتهامه؛ فصار معرضًا للسقوط بخلاف حكم الغائب؛ ولهذا لو كان المستحق غائبًا لكان على شفعته؛ لأن غيبته تنفي تهمته ويشفع بالقيمة إن جهل الثمن. والحاصل أن العبرة بقوله: «فنسي أصل البيع» أي: صفته بخلاف ما تعرض فيه التهمة على البائع أو المشتري دون صاحب الشفعة؛ فحينئذٍ يصار إلى التشفيع بالقيمة.

стр. 268

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ كتاب الأقضية

стр. 269

القضاء باليمين مع الشاهد وقع فيه قوله: «وإنما العتاقة حد من الحدود». هذا الكلام على التشبيه البليغ، أي: ما هي إلا مثل حد من الحدود لا تجوز فيها شهادة النساء. يريد أن العتق ليس بمال ولا آيل إلى مالٍ، وهذا كقوله في باب ما لا يجوز من النذور: «فأمره أن يتم ما كان لله طاعة ويترك ما كان لله معصية» يعني ما كان كالمعصية في كونه لا قربة فيه. وقد تقدم القول في ذلك في موضعه. القضاء فيمن هلك وله دين وعليه دين له فيه شاهدً واحدً قال مالكٌ في الرجل يهلك وله دينٌ عليه شاهدٌ واحدٌ وعليه دين للناس لهم فيه شاهدٌ واحدٌ، فتأبى ورثته أن يحلفوا على حقوقهم مع شاهدهم قال: فإن الغرماء يحلفون ويأخذون حقوقهم، فإن فضل فضلٌ لم يكن للورثة منه شيءٌ؛ وذلك أن الأيمان عرضت عليهم فتركوها. أي: لأن الورثة لما أبوا أن يحلفوا على حقهم؛ فلا وجه لإعطائه إياهم بدون حجة تامة. إلا أن يقولوا لم نعلم لصاحبنا فضلاً ويعلم أنهم إنما تركوا الأيمان من أجل ذلك، فإني أرى أن حلفوا ويأخذوا ما بقي بعد دينه. أي: إلا أن يقولوا ظننا أن ما عليه من الديون يستغرق ما تركه وما له من الديون على الناس، ويحصل العلم بأنهم ما أبوا الحلف إلا من أجل أنهم ظنوا أن لا يكون في تركته فضل؛ فحينئذٍ يمكنون من الحلف وإلا لم يمكنوا، ووجه ذلك أن إعراضهم عن الحلف المثبت حقهم مع علمهم بأن لهم نفعًا في تركة مورثهم يُعد إسقاطًا منهم لحقهم وإعراضًا عنه؛ فلا يمكنون منه بعد إسقاطه بخلاف ما إذا لم يتحققوا أن في التركة

стр. 270

فضلاً عن الدين الذي على مورثهم فإن إعراضهم عن الحلف لا يعد إسقاطاً لحقهم، بل هو إعراض عن إتمام حجة لا ينتفع بها إلا غيرهم في ظنهم مع ما في اليمين على الحق من الحرج عند الناس. قال في «المنتقى»: وقد حكى ابن عبدوس في «المجموعة» قول مالك بمثل ما في «الموطإ». القضاء في رهن الثمر والحيوان وقع فيه قول مالك: «أن من أمر الناس أن يرهن الرجل ثمر النخل ولا يرهن النخل». فالواو في قوله: «ولا يرهن النخل» واو الحال، أي: أن من معاملات الناس أن يرهن أحد ثمر نخله دون أن يرهن نخله. وليس المراد أنهم لا يرهنون أصول النخل، بل المراد أنهم إن رهنوا الأصول فالثمر تبع لها، وقد يرهنون الثمر خاصة. فقوله: «من أمر الناس» معناه: من شأنهم ومعاملتهم. والمراد بالناس هنا عموم الناس، وليس المراد به العلماء مثلما يقع في كلامه غير مرة؛ إذ يقول: وهو الذي لم يزل عليه عمل الناس. القضاء في الرهن يكون بين الرجلين وقع فيه قوله: «بيع له نصف الرهن». فاللام في قوله: «بيع له» لام التعليل، أي: بيع نصف الرهن لأجله وإجابة لطلبه، وليست لام تعدية فعل (بيع). القضاء في جامع الرهون قوله: فإن هلك الرهن وتناكرا الحق، فقال الذي له الحق: كانت لي فيه عشرون

стр. 271

دينارًا، وقال الذي عليه الحق: لم يكن له فيه إلا عشرة دنانير، وقال الذي له الحق: قيمة الرهن عشرة دنانير. وقال الذي عليه الحق: قيمته عشرون دينارًا. أي: قال المرتهن: إن الدين عشرون، وقال المدين: بل عشرة دنانير. وعُطف بالواو قوله: «وقال الذي له الحق» إلخ، أي: جمع الذي له الحق بين القولين في تكثير عدد الدين وتقليل قيمة الرهن الذي بيده، وجمع الذي عليه الحق بين القولين في تقليل عدد الدين وفي تكثير قيمة الرهن. القضاء في كراء الدابة وقع فيه قوله: «البدأة». قال ابن مسرة: هي أن يكري الرجل الدابة على المسير إلى موضع فقط وليس على أن يرجع عليها. * * * وقع فيه قوله «وإن أحب فله رأس ماله ضامنًا على الذي أخذ المال». فقوله: «ضامنًا» حال من «رأس ماله»، واسم الفاعل فيه بمعنى اسم المفعول، أي: مضمونًا مثل: «عيشة راضية»، «وتجارة رابحة». وفي حديث أبي طلحة قال له رسول الله ﷺ : «ذلك مالٌ رابحٌ»، ومجيء اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول قليل. وكذلك قوله في باب ما يوجب العقل على الرجل: «في الصبي الذي لا مال له إذا جنى جناية دون الثلث أنه ضامن على الصبي في ماله»، وقد ورد نظيره في قول مالك ﵀ في القضاء في الضواري والحريسة «وأن ما أفسدت المواشي بالليل

стр. 272

ضامن على أهلها» ووجهه أنه ضامن للمعتدى عليه حقه. ولا يصح اعتبار المجاز العقلي هنا؛ لأن قوله: «على الذي أخذ المال» ونظائره يمنع من المجاز؛ إذ هو الفاعل الحقيقي لاسم الفاعل. القضاء فيمن ارتد عن الإسلام وقع فيه قول عمر: «هل فيكم من مغربة خبرٍ» بفتح الغين المعجمة وكسر الراء مشددة، وروي بفتح الراء مشددة أيضًا وهي رواية الجمهور. والمغربة مشتقة من الغرب وهو البعد، والمراد البعد المعنوي وهو الغرابة أي: العجيبة، ثم قد روي «مغربة خبر» بإضافة (مغربة) إلى (خبر). وكذلك أصل ابن أبي الخصال وابن بشكوال. قال الأخفش: هو كما تقول: هل من غريب خبر. والمعنى: هل من أحد يخبرنا بغريب خبر، أو هل من جماعة رحال مغربين أي: مغتربين. وفي طرة كتاب ابن أبي الخصال أنه روي لأبي عمر من طريق عبيد الله بتنوين مغربة ورفع خبر .. اهـ، أي: فيكون خبرٌ عن جملةٍ هي استئناف بياني لمغربة. القضاء بإلحاق الولد بأبيه مالك عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أن عمر بن الخطاب كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام، فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأةٍ، فدعا عمر قائفًا فنظر إليهما، فقال القائف: لقد اشتركا فيه؛ فضربه عمر بالدرة، ثم دعا المرأة فقال: أخبريني خبرك، فقالت: كان هذا لأحد الرجلين يأتيني، وهي في إبلٍ لأهلها؛ فلا يفارقها حتى يظن وتظن أنه قد استمر بها حبلٌ، ثم انصرف عنها، فأهريقت عليه دماءٌ، ثم خلف عليها هذا، تعني الآخر، فلا أدري من أيهما هو؟ ، قال: فكبر القائف، فقال

стр. 273

عمر للغلام: وال أيهما شئت. إضافة (أولاد) إلى (الجاهلية) في قوله: (أولاد الجاهلية) للتخصيص، أي: الأولاد الذين تكونوا عن أحوال أهل الجاهلية المخالفة لأحوال الإسلام، وتلك هي البغاء، والاستبضاع، والسفاح. وقد حرمها الإسلام وأقر النكاح الذي هو على وصف النكاح في الإسلام، كما جاء في «صحيح البخاري» عن عائشة ﵂، فالبغاء كان من الإماء، كن يزنين بأجر فإذا حملت إحداهن ووضعت جمعت الأمة من كان يدخل عليها ودعوا القافة فألحقت القافة ولدها بالذي يرون؛ فيلتاط به ويدعى إليه ولا يمتنع من ذلك، والسفاح معروف. فالمراد من أولاد الجاهلية هنا أولاد البغاء أو أولاد السفاح وهم الأولاد الذين دخل قومهم في الإسلام بحدثان عهد خلافة عمر أو قبلها بقليل مثل: الأبناء من بني بكر بن وائل، ومن لخم، ونحوهم من عرب العراق، أو الأبناء الذين تغافل آباؤهم وأولياؤهم عن ادعاهم إلى أن كانت خلافة عمر؛ وبذلك يُؤذن وصف الولد المتنازع فيه في هذه القضية بأنه غلام، وإنما كان يليطهم بمن ادعاهم إذا لم يولدوا لفراش سيد الأمة فإن رسول الله ﷺ قضى في ولد وليدة زمعة بأنه لزمعة ولم يقض به لعتبة بن أبي وقاص، وعلى نحو قضاء عمر هذا قضى معاوية بإلحاق زياد بأبي سفيان من الأمة سمية؛ إذ لم يدعه غير أبي سفيان، ولم يعبأ بإنكار أبي بكرة. ولما ادعى الولد في القضية المذكورة في «الموطإ» رجلان جلب له القائف، فلما لم يلحقه القائف بمعين وجاء بكلام يدل على اضطراب وتردد ضربه عمر تأديبًا له وألغى حكمه وسأل المرأة لعلها تُليطه بأحدهما، فقد كانوا في الجاهلية يأخذون بقول المرأة في السفاح إذا عينت الولد لأحد الرجال الذين يغشونها، فلما لم يجد من كلامها ما يعين نسبة الولد لأحد المتداعيين فيها ألغى قولها، وقد تجردت دعويا الرجلين كلتيهما عن مرجح يرجح إحداهما؛ فلذلك جعل عمر الخيار للولد أن يوالي من شاء منهما، وليس قضاؤه ذلك استنادًا لكلام القائف، إذ هو قد ضربه، ولا استنادًا لكلام المرأة؛ إذ كلامها اختباط مبنيًّ على جهلها بأسباب تكوين الأجنة في بطون أمهاتها.

стр. 274

وإذا كان القائف قد استند لشبه الولد بكلا الرجلين؛ فلعل سبب ذلك أن شبهه بأبيه هو الأصل وشبهه بالآخر كان من كثرة نظر الأم إليه وقت الوحم، فلا تحسبن قضاء عمر مستندًا لقول القائف ورجوعًا إلى كلامه بعد أن أعرض عنه ولا أنه اعتداد بأن صفة المرأة صدقته لظهور أن ما وصفته المرأة لا يقبله عمر ﵁؛ لمخالفته لكلام الصادق المصدوق في سبب شبه الطفل بأبيه تارة وبأمه تارة؛ فإنه يقتضي أن الشبه يتقرر وقت التخلق الأول، فلا صحة لما تعلق به القائف من كلام المرأة، وكلام الأطباء يؤيد ما في الحديث. ولو كان عمر قد استند لقول القائف كما يتراءى بادئ النظر؛ لقضى عمر بأن ولاء الولد لكلا الرجلين ولم يخيره في أن يوالي أحدهما، كما هو ظاهر لمن أجاد التأمل؛ فلم يبق فيه مشكل. القضاء في ميراث الولد المستحلق قال مالك: الأمر عندنا في الرجل يهلك وله بنون؛ فيقول أحدهم: قد أقر أبي أن فلانًا ابنه، أن ذلك النسب لا يثبت بشهادة واحدٍ ولا يجوز إقرار الذي أقر إلا على نفسه في حصته من مال أبيه يُعطى الذي شهد له قدر ما يصيبه من المال الذي بيده. قوله: «من المال الذي بيده» متعلق بقوله: «يصيبه» لا بقوله: «يعطى» والضمير المنصوب بفعل «يصيبه» عائد على «الذي شهد له»، والضمير المجرور بالإضافة في قوله: «بيده» عائد على «الذي أقر» أي: يعطي المشهود له مقدار ما ينقصه منابه من مناب الشاهد المقر لو كان ذلك المشهود له وارثًا، أي: يأخذ من مناب المقر جزء مناب وارث مجزءًا على عدد الورثة. وكلام الإمام هنا يقتضي أنه لا يثبت نسبه بالشاهد واليمين. والمسألة فيها اضطراب في حكاية أهل المذهب كما في المختصرات. القضاء في المياه وقع فيه قول رسول الله ﷺ : «يمسك حتى الكعبين، ثم يرسل الأعلى» إلخ؛

стр. 275

فهو بكسر السين في «يمسك ويرسل» و «الأعلى» فاعل يتنازعه كل من «يمسك ويرسل» ومن جعله بفتح السين مبنيًّا للمجهول فقد وهم. القضاء في الضواري والحريسة وقع فيه قوله: «وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامنٌ على أهلها». فـ «ضامن» بمعنى مضمون، وقد تقدم نظره في باب القضاء في كراء الدابة. القضاء في الحمالة والحول «الحول» بكسر الحاء المهملة وفتح الواو اسم مصدر تحول، قال الله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨] أي: تحولا. والمراد به هنا الحوالة، أي: تحول الدائن من طلب مدينه إلى طلب مدين مدينه. القضاء فيمن ابتاع ثوبًا به عيب وقع فيه قوله: «وبه عيبٌ من حرقٍ»؛ فضبط في نسخة مقابلة على ابن بشكوال بحاء مهملة مفتوحة وبفتحة على الرا، وفي «القاموس»: والحرق بالتحريك أثر احتراق من دق القصار ونحوه في الثوب. قال «شارحه»: وقال ابن الأعرابي: «الحرق النقب في الثوب من دق القصار جعله مثل الحرق الذي هو لهب النار .. اهـ. قال الجوهري: وقد يسكن.

стр. 276

القضاء في العمري مالكٌ عن ابن شهابٍ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل أعمر عمري له ولعقبه، فإنها للذي يُعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها أبدًا»؛ لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث. قوله: «له ولعقبه» أي: جعلها المعطي للمعطى ولعقبه، أي: جعلها موروثة فإن جعله إياها للعقب دليل على قصد المعطي تمليك المعطى لما أعمره إياه؛ فيكون ذلك صرفًا للفظ العمري عن أصل معناه المشهور وهو العطية المؤقتة بالعمر وألحق بها كل عطية مؤقتة؛ وذلك إذا قال: هذه عمري، أو ما يدل على معنى التوقيت، فأما إذا جعلها للمعطى ولعقبه فقد أراد التمليك وصار لفظ العمري مستعملاً في مطلق الهبة. وهذا الحديث أصل في أن صيغ التبرعات يستعمل بعضها في بعض بدلالة القرائن. وهو فرع ذكره ابن راشد القفصي في «الفائق». وقوله: «لأنه أعطى عطاء قد وقعت فيه المواريث» هو من كلام أبي سلمة بن عبد الرحمن كما صرح به في رواية ابن أبي ذئب: هذا الحديث عن ابن شهاب. ومعناه أنها تكون ملكًا موروثًا. واعلم أنه إذا قال المعمر هي عمري لفلان وعقبه وعقب عقبه وذكر بطونًا فإنها تجري مجرى الأحباس يتصرف الموجودون في الغلة ولا يبيعون الأصل فإذا انقرض العقب رجعت العمري إلى المعمر ملكًا له إن كان حيًّا ولورثته يوم موته ملكًا لهم كذلك. وقوله: «أبدًا» وجدت في طرة نسخة ابن بشكوال: لم يرو في هذا الحديث أحد «أبدًا» إلا يحيى. قال الطلمنكي من كتاب ابن أبي الخصال.

стр. 277

الأمر بالوصية وقع فيه قول رسول الله ﷺ : «إلا ووصيته عنده مكتوبةٌ». وجدت في نسخة مقابلة على نسخة ابن بشكوال بخط مقابلها: قال ابن وضاح ليس «مكتوبة» من قول النبي ولم يعرف هذا لأحد. وحديث مالك ثابت في «الصحيحين» بلفظ «مكتوبة». وقد أعاده مالك في هذا الباب بذلك اللفظ، وكذلك هو في «التقصي» لابن عبد البر. على أن ابن وضاح لم يبين من هو الذي أدرج لفظ «مكتوبة»؛ فلا اعتداد بما قاله ابن وضاح. * * * قوله فيه: «قال مالكٌ: الأمر المجتمع عليه عندنا أن الموصي إذا أوصى في صحته أو في مرضه بوصيةٍ فيها عتاقة رقيقٍ من رقيقه أو غير ذلك، فإنه يغير من ذلك ما بدا له ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت، وإن أحب أن يطرح تلك الوصية ويبدلها فعل إلا أن يدبر مملوكًا فإن دبر، فلا سبيل إلى تغيير ما دبر». أي: أن حقيقة الوصية شرعًا أنها عطية مشروطة بالموت، فلا تنجز للمعطى إلا عند حصول موت الموصي، فما دام الموصي حيًّا كان له الزيادة في وصيته والنقصان وله أن يرجع فيها أصلاً، إلا التدبير وهو أن يقول الرجل لعبده أو أمته: «أنت مدبر أو أنت حر عن دبر مني» يعني الموت كما سيأتي، فإن التدبير في الحقيقة وصية بعتقه بعد موته إلا أنه لما كان المدبر (بكسر الباء) يشافه عبده المدبر (بفتح الباء) بذلك ولا يوصي به في وصاياه، كذلك شأن التدبير، وكان يقع ذلك من السيد غالبًا جزاء لعبده على عمل حسن في نظر السيد وسر به؛ فكان بذلك بعيد الشبه بالوصية وقريب الشبه بالعطية المحوزة، وصار التعليق على الموت كالتوقيت للحيازة فقد جعلته السنة لا يقبل الرجوع فيه، فأخذ شائبة من العطية في أنه لا يرجع فيه، وشائبة من الوصية في أنه لا ينجز

стр. 278

إلا بعد الموت، ولا يمضي إلا في الثلث؛ ولأن شأن الوصية أن لا يعلم بها الموصى له، والتدبير يعلمه المدبر ويشافه به، وسيأتي هذا في باب الوصية بالعتق. ما جاء في المؤنث من الرجال ومن أحق بالولد الجمع بين هاتين المسألتين في الترجمة مجرد مصادفة عرضت في التبويب، أحسب أنها من عمل يحيى بن يحيى؛ ولعله سمع الحديث والأثر في مجلس واحد، وكان قد فاته ذكر هذا الأثر في مظنته من أبواب الحضانة؛ فأخرجه هنا ولا مناسبة بين المسألتين. والمراد بـ «من أحق بالولد» أي: بحضانته. * * * ووقع فيه قول رسول الله ﷺ «لا يدخلن هؤلاء عليكم» خطابًا لأم سلمة ﵂، هكذا وقع في رواية يحيى هنا بضمير جمع المذكر، وكان الظاهر أن يقول (عليك) إن كانت أم سلمة مخصوصة بالخطاب، أو يقول (عليكن) إن كان المراد به جميع أزواج رسول الله ﷺ كما وقع في رواية، فأما هذه الرواية فتحمل على أن الخطاب لأم سلمة وأنه جرى على حكم التعظيم؛ فلذلك لم يؤت بضمير جماعة النساء وأتي بضمير جماعة الرجال؛ لأن ضمير جمع المذكر هو الشائع في الخطاب بالجمع المراد به التعظيم؛ لأن معظم وقوعه في مخاطبة الرجال؛ فإذا خوطبت به المرأة جرى الكلام على الغالب؛ هكذا ظفرت به من تتبع استعمالهم ولم أر من أئمة اللغة من صرح به، قال جعفر بن علية الحارثي: فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم ... لشيء ولا أني من الموت أفرق وبنيت ذلك في شرحي على باب الحماسة من «ديوان الحماسة».

стр. 279

وعلى هذا يكون حكم بقية أزواج رسول الله ملحقًا بحكم أم سلمة بطريق القياس لوقوع الإيماء إلى العلة في قوله: «هؤلاء»، وعلى رواية «عليكن» يكون الأمر ظاهرًا. العيب في السلعة وضمانها كما وقعت الترجمة في جميع الروايات، وقال ابن أبي الخصال عن أبي عمر: صواب هذه الترجمة «باب الحكم في البيع الفاسد». وفي حاشية كتاب القاضي: هذه الترجمة لا يقتضيها ما في الباب، وإنما يجب أن تترجم «الحكم في البيع الفاسد في السلعة وضمانها» اهـ. من حاشية النسخة المقابلة على نسخة ابن بشكوال.

стр. 280

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ كتاب العتق

стр. 281

من أعتق شركًا له في عبدٍ وقع فيه قول رسول الله ﷺ : «فقد عتق منه ما عتق» فهو بفتح العين فيهما. يقال: عتق العبد إذا صار حرًّا فهو بمنزلة المطاوع لفعل (أعتق) يقال: أعتق السيد عبده، أي: أخرجه من الرق إلى الحرية، فعتق. وينبغي التنبه لمواقع حسن استعمال هذين الفعلين فإن كثيرًا من الناس لا يحسنون ذلك، مع كونهم يعرفون أنه يقال: عتق بفتح العين، ولا يقال: بضم العين على أنه مسند للمجهول، فإذا أريد الإخبار بأن السيد أخرج عبده من الرق إلى الحرية، يقال: أعتق فلانٌ عبده، وإذا أريد الإخبار بأن العبد صار حرًّا بدون إعتاق كالمكاتب إذا أدى نجوم كتابته، وكالمدبر بعد موت سيده، يقال: عتق العبد. وكذلك إذا أريد الإخبار بأن العبد صدر القضاء بأنه حر، يقال: عتق ولا يقال أعتق إذ لم يُعتقه أحد وإنما قضي له بأنه حر. وفيه يحسن أن يزاد حرف «عليه» أي: صار حرًّا غصبًا على سيده، وذلك هو الاستعمال الذي وقع في الحديث هنا. وبهذا تعلم أن (عتق) المجرد لا يبنى للمجهول إذ لا يستعمل متعديًا، وأن فعل (أعتق) المهموز يبنى للفاعل ويبنى للمجهول. وأكثر المتكلمين يخلطون في هذه الاستعمالات. ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة وقع فيه قوله: «عن عمر بن الحكم». فقالوا: إنه وهمٌ وإنما الراوي للحديث معاوية بن الحكم السلمي، كذا رواه كل من

стр. 282

رواه عن هلال بن أسامة شيخ مالك ﵀. وأقول: عمر بن الحكم السلمي أيضًا صحابي وهو أخو معاوية. ودعوى الوهم فيه خطأ؛ لأن الوهم إن كان من مالك، فلا يظن به مع شدة ضبطه وعلمه بأهل بلده، وإن كان من شيخه هلال فكذلك وهو مدني، وإن كان من عطاء بن يسار فأبعد، فلعل أحد رجال سند هذا الحديث رواه عن عمر بن الحكم وعن أخيه معاوية وحدث به في هذه الرواية عن عمر وحدث به في غيرها عن معاوية. وأي عجب في ذلك ولا يعكر عليه قوله: «إن لي جارية»؛ إذ قد تكون الجارية للأخوين، ألا ترى أن ابن شهاب حدث به كما في «الموطإ» عقب هذا عن رجل من الأنصار ولم يسمه؛ لأنه وجد الحديث مترددًا بين عمر بن الحكم وأخيه معاوية. والأمر سهل إذ المقصود أن أحد الأخوين روى ذلك عن رسول الله ﷺ . * * * ووقع فيه قول رسول الله ﷺ للجارية: «أين الله؟ فقالت: في السماء» ثم قوله: «أعتقها»، وهو مشكل من جهة لزوم الجهة. والوجه في الجواب أن رسول الله ﷺ علم أنها لا تحسن تحقيق صفات الإلهية؛ لأنها قريبة عهد بشرك فاقتنع منها بأنها لا تعتقد إلهية الأصنام التي في الأرض وأنها تعلم إن الإله واحدٌ، وأنه بعيد عن مكان خلقه، فاكتفى منها بذلك؛ لأن السماء مكان رفعة ولا يحيط بشيءٍ. ميراث السائبة السائبة وصف غلب إطلاقه على عبدٍ يعتقه مالكه بلفظ «أنت سائبة» ونحوه، وهو

стр. 283

يعني بذلك أنه لا ولاء بينهما، فالسائبة في العبيد بمنزلة الخليع في الأحرار، لم تبق صلة بينه وبين معتقه، يريد معتقه بذلك أن يتبرأ من تبعاته، ولعل ذلك كان منهم فيمن خبثت أعمالهم من عبيدهم، ولما وقع ذلك في الإسلام جريًا على ما كانوا يقصدون منه في الجاهلية، ولم يختلف علماء الإسلام أن ذلك لفظ يقتضي حرية ذلك العبد وإنما وقع الخلاف في ترتب أثر هذا القصد وعدمه، ولذلك وقع في رواية أصبغ عن ابن القاسم في «العتبية» أن مالكًا كره العتق بلفظ السائبة، قال: لأنه كهبة الولاء. ولكن الرواية المشهورة عن مالك أن ولاء السائبة للمسلمين وجعله بمنزلة أنه أعتقه عن جماعة المسلمين. وروي مثل ذلك عن عمر، وعبد الله بن عمر، وابن عباس. وقال عمر ابن عبد العزيز، وابن نافع، وابن الماجشون: ولاؤه لمعتقه، لحديث: «الولاء لمن أعتق» فالولاء لا يقبل النقل، وهو قول الشافعي. وسيأتي في كتاب العقول أن جناية السائبة في قتل الخطأ لا عقل فيها على أحد، فهذا إفصاح القول في هذا الباب. الشرط في المكاتب «قال مالكٌ في الرجل يشترط على مكاتبه، أنك لا تُسافر، ولا تنكح، ولا تخرج من أرضي إلا بإذني، فإن فعلت شيئًا من ذلك بغير إذني، فمحو كتابتك بيدي. قال مالكٌ: ليس محو كتابته بيده إن فعل المكاتب شيئًا من ذلك، وليرفع سيده ذلك إلى السلطان». إنما لم يجعل للسيد محو كتابة مكاتبه حسب شرطه؛ لأن إبطال تلك المكاتبة إبطال عقدة بين شخصين، فهي في معنى الخصومة، فلا يولى نقض تلك العقدة إلا الحاكم؛ إذ ليس لأحد المتعاقدين أن يكون خصمًا وحكمًا، وما نُصب القضاة إلا لكي لا يحكم الناس لأنفسهم بأنفسهم. ونظير هذا قول «المدونة» في كتاب النكاح الأول:

стр. 284

ولا ينبغي أن يثبت نكاح عقده غير ولي في ذات الحال والقدر، قال ابن القاسم: «وإن أراد الولي أن يفرق بينهما، فعند الإمام إلا أن يرضي الزوج بالفراق دونه» فالرفع للحاكم في مثل هذا لازم عند الاختلاف؛ لأن الشروط والحقوق والصكوك لا تنطق بالقضاء؛ ولأن كثيرًا من تلك الأنواع يحتاج إلى تحقيق كونه موافقًا لما خول الشرع القائم به من الحق. وقد زل في فهم هذا كثير من ضعفاء المتفقهين عندنا. الوصية في التدبير قوله فيه: «والوصية في العتاقة مخالفةٌ للتدبير، فرق بين ذلك ما مضى من السنة». مخالفة الوصية بالعتق للتدبير أن الوصية بالعتق لها حكم الوصية بالمال من جهة صحة رجوع الموصي فيما أوصى به كما مر في الأمر بالوصية، وأما التدبير فهو وإن كان كالوصية إلا أن السنة مضت أنه لا يمكن فيه من الرجوع. وقد بينا وجه ذلك في باب الأمر بالوصية. * * * ووقع فيه قوله: «بدئ بالأول فالأول»، وقوله: «ولم يبدأ أحدٌ منهم» فقوله: «بدئ» مبني للمجهول وهو بتخفيف الدال، وقوله: «ولم يبدأ أحد» مبني للمجهول وهو بتشديد الدال، «وأحد» نائب فاعل، وقد بسطنا الكلام عليه في أول كتاب القسامة. بيع المدبر مالكٌ: الأمر المجتمع عليه عندنا في المدبر أن صاحبه لا يبيعه ولا يحوله عن موضعه الذي وضعه فيه.

стр. 285

أراد بالموضع المكان الذي كان العبد المدبر معينًا للخدمة فيه قبل التدبير، وذلك أن كثيرًا من العبيد كانوا يُجعلون تبعًا للحدائق والمزارع للخدمة والسقي، فيباعون مع تلك الحدائق والحوائط إذا بيعت تبعًا لها، كما تباع المواشي. وليس المراد بالموضع عقدة التدبير كما يلوح أنه سبق إلى فهم بعض الشارحين. * * * ووقع فيه قوله: «فليس له أن يخدمه حياته، ثم يعتقه على ورثته، إذا مات من رأس ماله». فالضمير المرفوع في «يخدمه» للمدبر والضمير المنصوب للسيد. وأما الضمير المرفوع في «يعتقه» فهو عاد على السيد والضمير المنصوب عائد على المدبر. القضاء في المرفق مالكٌ عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار». هكذا ثبت لفظ «ضرر» برائين في جميع الروايات وسننبه على وجهه في آخر هذا الحديث. ونفت (لا) في الحديث جنس ضرر وضرار نفيًا مقصودًا به الإنشاء، أي: إبطال جنس الضر في حكم الشريعة بين المسلمين، فهذا اللفظ مجمل في كثر من
следующие страницы →