← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150963

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطا

ابن عاشور

Полный текст (362 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

من أعتق شركًا له في عبدٍ وقع فيه قول رسول الله ﷺ : «فقد عتق منه ما عتق» فهو بفتح العين فيهما. يقال: عتق العبد إذا صار حرًّا فهو بمنزلة المطاوع لفعل (أعتق) يقال: أعتق السيد عبده، أي: أخرجه من الرق إلى الحرية، فعتق. وينبغي التنبه لمواقع حسن استعمال هذين الفعلين فإن كثيرًا من الناس لا يحسنون ذلك، مع كونهم يعرفون أنه يقال: عتق بفتح العين، ولا يقال: بضم العين على أنه مسند للمجهول، فإذا أريد الإخبار بأن السيد أخرج عبده من الرق إلى الحرية، يقال: أعتق فلانٌ عبده، وإذا أريد الإخبار بأن العبد صار حرًّا بدون إعتاق كالمكاتب إذا أدى نجوم كتابته، وكالمدبر بعد موت سيده، يقال: عتق العبد. وكذلك إذا أريد الإخبار بأن العبد صدر القضاء بأنه حر، يقال: عتق ولا يقال أعتق إذ لم يُعتقه أحد وإنما قضي له بأنه حر. وفيه يحسن أن يزاد حرف «عليه» أي: صار حرًّا غصبًا على سيده، وذلك هو الاستعمال الذي وقع في الحديث هنا. وبهذا تعلم أن (عتق) المجرد لا يبنى للمجهول إذ لا يستعمل متعديًا، وأن فعل (أعتق) المهموز يبنى للفاعل ويبنى للمجهول. وأكثر المتكلمين يخلطون في هذه الاستعمالات. ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة وقع فيه قوله: «عن عمر بن الحكم». فقالوا: إنه وهمٌ وإنما الراوي للحديث معاوية بن الحكم السلمي، كذا رواه كل من

стр. 282

رواه عن هلال بن أسامة شيخ مالك ﵀. وأقول: عمر بن الحكم السلمي أيضًا صحابي وهو أخو معاوية. ودعوى الوهم فيه خطأ؛ لأن الوهم إن كان من مالك، فلا يظن به مع شدة ضبطه وعلمه بأهل بلده، وإن كان من شيخه هلال فكذلك وهو مدني، وإن كان من عطاء بن يسار فأبعد، فلعل أحد رجال سند هذا الحديث رواه عن عمر بن الحكم وعن أخيه معاوية وحدث به في هذه الرواية عن عمر وحدث به في غيرها عن معاوية. وأي عجب في ذلك ولا يعكر عليه قوله: «إن لي جارية»؛ إذ قد تكون الجارية للأخوين، ألا ترى أن ابن شهاب حدث به كما في «الموطإ» عقب هذا عن رجل من الأنصار ولم يسمه؛ لأنه وجد الحديث مترددًا بين عمر بن الحكم وأخيه معاوية. والأمر سهل إذ المقصود أن أحد الأخوين روى ذلك عن رسول الله ﷺ . * * * ووقع فيه قول رسول الله ﷺ للجارية: «أين الله؟ فقالت: في السماء» ثم قوله: «أعتقها»، وهو مشكل من جهة لزوم الجهة. والوجه في الجواب أن رسول الله ﷺ علم أنها لا تحسن تحقيق صفات الإلهية؛ لأنها قريبة عهد بشرك فاقتنع منها بأنها لا تعتقد إلهية الأصنام التي في الأرض وأنها تعلم إن الإله واحدٌ، وأنه بعيد عن مكان خلقه، فاكتفى منها بذلك؛ لأن السماء مكان رفعة ولا يحيط بشيءٍ. ميراث السائبة السائبة وصف غلب إطلاقه على عبدٍ يعتقه مالكه بلفظ «أنت سائبة» ونحوه، وهو

стр. 283

يعني بذلك أنه لا ولاء بينهما، فالسائبة في العبيد بمنزلة الخليع في الأحرار، لم تبق صلة بينه وبين معتقه، يريد معتقه بذلك أن يتبرأ من تبعاته، ولعل ذلك كان منهم فيمن خبثت أعمالهم من عبيدهم، ولما وقع ذلك في الإسلام جريًا على ما كانوا يقصدون منه في الجاهلية، ولم يختلف علماء الإسلام أن ذلك لفظ يقتضي حرية ذلك العبد وإنما وقع الخلاف في ترتب أثر هذا القصد وعدمه، ولذلك وقع في رواية أصبغ عن ابن القاسم في «العتبية» أن مالكًا كره العتق بلفظ السائبة، قال: لأنه كهبة الولاء. ولكن الرواية المشهورة عن مالك أن ولاء السائبة للمسلمين وجعله بمنزلة أنه أعتقه عن جماعة المسلمين. وروي مثل ذلك عن عمر، وعبد الله بن عمر، وابن عباس. وقال عمر ابن عبد العزيز، وابن نافع، وابن الماجشون: ولاؤه لمعتقه، لحديث: «الولاء لمن أعتق» فالولاء لا يقبل النقل، وهو قول الشافعي. وسيأتي في كتاب العقول أن جناية السائبة في قتل الخطأ لا عقل فيها على أحد، فهذا إفصاح القول في هذا الباب. الشرط في المكاتب «قال مالكٌ في الرجل يشترط على مكاتبه، أنك لا تُسافر، ولا تنكح، ولا تخرج من أرضي إلا بإذني، فإن فعلت شيئًا من ذلك بغير إذني، فمحو كتابتك بيدي. قال مالكٌ: ليس محو كتابته بيده إن فعل المكاتب شيئًا من ذلك، وليرفع سيده ذلك إلى السلطان». إنما لم يجعل للسيد محو كتابة مكاتبه حسب شرطه؛ لأن إبطال تلك المكاتبة إبطال عقدة بين شخصين، فهي في معنى الخصومة، فلا يولى نقض تلك العقدة إلا الحاكم؛ إذ ليس لأحد المتعاقدين أن يكون خصمًا وحكمًا، وما نُصب القضاة إلا لكي لا يحكم الناس لأنفسهم بأنفسهم. ونظير هذا قول «المدونة» في كتاب النكاح الأول:

стр. 284

ولا ينبغي أن يثبت نكاح عقده غير ولي في ذات الحال والقدر، قال ابن القاسم: «وإن أراد الولي أن يفرق بينهما، فعند الإمام إلا أن يرضي الزوج بالفراق دونه» فالرفع للحاكم في مثل هذا لازم عند الاختلاف؛ لأن الشروط والحقوق والصكوك لا تنطق بالقضاء؛ ولأن كثيرًا من تلك الأنواع يحتاج إلى تحقيق كونه موافقًا لما خول الشرع القائم به من الحق. وقد زل في فهم هذا كثير من ضعفاء المتفقهين عندنا. الوصية في التدبير قوله فيه: «والوصية في العتاقة مخالفةٌ للتدبير، فرق بين ذلك ما مضى من السنة». مخالفة الوصية بالعتق للتدبير أن الوصية بالعتق لها حكم الوصية بالمال من جهة صحة رجوع الموصي فيما أوصى به كما مر في الأمر بالوصية، وأما التدبير فهو وإن كان كالوصية إلا أن السنة مضت أنه لا يمكن فيه من الرجوع. وقد بينا وجه ذلك في باب الأمر بالوصية. * * * ووقع فيه قوله: «بدئ بالأول فالأول»، وقوله: «ولم يبدأ أحدٌ منهم» فقوله: «بدئ» مبني للمجهول وهو بتخفيف الدال، وقوله: «ولم يبدأ أحد» مبني للمجهول وهو بتشديد الدال، «وأحد» نائب فاعل، وقد بسطنا الكلام عليه في أول كتاب القسامة. بيع المدبر مالكٌ: الأمر المجتمع عليه عندنا في المدبر أن صاحبه لا يبيعه ولا يحوله عن موضعه الذي وضعه فيه.

стр. 285

أراد بالموضع المكان الذي كان العبد المدبر معينًا للخدمة فيه قبل التدبير، وذلك أن كثيرًا من العبيد كانوا يُجعلون تبعًا للحدائق والمزارع للخدمة والسقي، فيباعون مع تلك الحدائق والحوائط إذا بيعت تبعًا لها، كما تباع المواشي. وليس المراد بالموضع عقدة التدبير كما يلوح أنه سبق إلى فهم بعض الشارحين. * * * ووقع فيه قوله: «فليس له أن يخدمه حياته، ثم يعتقه على ورثته، إذا مات من رأس ماله». فالضمير المرفوع في «يخدمه» للمدبر والضمير المنصوب للسيد. وأما الضمير المرفوع في «يعتقه» فهو عاد على السيد والضمير المنصوب عائد على المدبر. القضاء في المرفق مالكٌ عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار». هكذا ثبت لفظ «ضرر» برائين في جميع الروايات وسننبه على وجهه في آخر هذا الحديث. ونفت (لا) في الحديث جنس ضرر وضرار نفيًا مقصودًا به الإنشاء، أي: إبطال جنس الضر في حكم الشريعة بين المسلمين، فهذا اللفظ مجمل في كثر من

стр. 286

أنواع الضر الحاصلة بين الناس في المعاملات تبينه الأدلة الشرعية الكثيرة القاضية بإبطال أجناس من الضر وبإمضاء أجناس أخرى منه، ويبينه القياس الجلي على كلا الجنسين من الضر، أو هو ظاهر في نفي كل ضر يحصل للناس، فيكون من بيانه أو تأويله أن من جنس الضر ما هو مقطوع بإبطاله بين الناس في معاملاتهم، وأن من جنس الضر ما هو مقطوع بإمضائه وجوازه، وأن من بين هذين أنواعًا كثيرة هي مجال للاجتهاد. وتبيين ذلك أن معظم معاملات الناس، واقتضاء حقوقهم ومنافعهم لا يخلو من ضرٍّ يلحق أحد الجانبين المتعاملين أو كليهما ويلحق غير المقتضي لحقه ومنفعته فسوؤه اقتضاء غيره حقه ومنفعته، فالتبايع يشتمل على ضرٍّ يلحق المتتابعين؛ إذ أحدهما قد عدم ما كان عنده مما ينفعه استعماله أو يقضي له مآربه، فأعطاه للآخر والآخر قد عدم كذلك ما ينفعه استعماله أو يقضي له مآربه من أعيان ونقود. واستعمال صاحب الحق حق تصرفه في شؤونه لا يخلو غالبًا من مضرة تلحق غيره، فإذا اتخذ سياجًا لحائطه يمنع المارة والبهائم من المرور ورعى شجره واجتناء ثمره، فقد أضر بالذين كانوا يتطرقونه، ويرعونه، ويجتنونه، واقتضاء المقتضي حقه المخول له، ومنافعه المباحة يضر بغيره ممن يضايقه ذلك الاقتضاء كاقتضاء الدائن دينه من مدينة وبيعه عليه سلعته لخلاص دينه، وكاقتضاء ذي المنفعة منفعته مثل: الاحتطاب، واختباط ورق الشجر، واشتيار عسل من كهف جبل، والجلوس في المسجد، والسوق حين يسبق إليه؛ فيفوز به في حين يلحقه راغب لمثل رغبته، فيجد الشجرة قد احتطبت، والورق قد اختبط، والعسل قد اشتير، والبقعة قد حيزت. فلو أخذنا بظاهر إجماله، ولم نعمل النظر في أدلة الشريعة المبينة له والمؤولة لظاهره، لقضينا بتعطيل معظم أنواع المعاملات والتصرفات، وذلك باطل؛ لأن أدلة الشريعة طافحة بالإذن في معاملات كثيرة تحف بها أضرار بأناس عديدين، فتعين أن الضر المنفي في الحديث هو الضر الذي لا مسوغ له عند الشر، وأن محاولة ضبط ذلك بقاعدة بسيطة غير ممكنة لانتشار أنواع المعاملات المشتملة على بعض الأضرار. فالذي يلوح لنا في هذا المقام أن نلم بأنواع من الضر محظورة وبأضدادها؛ ليكون ذلك مثالاً يُحتذى، ولا تبقى هذه المسألة في عين الناظر كالقذى. فمن الضر المنفي قطعًا الضر المتجاوز الحد المعروف المنحصر في جانب واحد، كقطع الأعضاء، وإزهاق روح الإنسان، وغصب الأموال، وحفر حفير في طريق المارة

стр. 287

لإسقاط من يمر، ووضع شوك أو شظايا زجاج في طريقهم لإدماء أرجلهم أو إضرار دوابهم أو عجلاتهم؛ لتواتر أدلة الشريعة على إبطال هذا النوع من الضر. ومن الضر المنفي الضر الذي تعارف الناس إضراره بالجانب الداخل عليه دون الجانب المنتفع به، مثل: الضر الذي ينكد العيش، ولا مخلص منه لأحد الجانبين كإحداث شخص فرنًا قرب دار سكنى، وحفرٍ يضر بجدار، وإحداث كوة يتطلع منها محدثها على أحوال ساكن في منزلٍ. ومن الضر المنفي الضر العظيم في أحد الجانبين، إذا قابله في تركه ضر خفيف دونه في الجانب الآخر، كما يقال: ينفى الضر الأكبر للأصغر. ومنه ضر تعطيل المنافع بدون مضرة تحصل لمعطلها في نفي تعطيله ولا حق له سابقًا بتعطيلها، مثل: الضر الحاصل للمرأة المخطوبة، إذا لم ترض بالخاطب؛ إذ يقال: إن مجرد خطبتها يمنع من تزويجها بغير الخاطب. ومثل: الضر الحاصل لصاحب السلعة إذا ساومه مُساوم، فلم يرضه، إذا قال أحد: إن مجرد المساومة تمنع من بيع تلك السلعة لغير المساوم؛ لظاهر قول النبي ﷺ : «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ولا يسوم على سومه»؛ ولذلك حمله مالك ﵀ على أن المراد الخطبة والسوم المقارنان للتراكن والتقارب. ومنه أيضًا الضر الذي يمكن التفادي عنه بجعل الفعل في صورة أخرى يحصل معها غرض الفاعل، وينتفي فيها الضر مثل: المرور في المجتمعات بالنصال والرماح، فقد تصيب بعض المزدحمين مع إمكان وضع اليد على محل النصل. فهذه أصناف من الضر المنفي لا يعوزك القياس عليها ولا تتبع نظائرها. ومن الضر المقرر المأذون فيه كل ضر رضي المضرور بوقوعه لتطييب نفسه به، مثل: الضر اللاحق للمتبايعين، ومثل: الضر الذي يسقط المضرور المؤاخذة به بعوض أو بدون عوض، ومثل الضر الحاصل بقسمة المراضاة فإنه إذا خير أحد المتقاسمين بين القسمين المتماثلين لم يبق علهي ضر؛ لأن خيرته تنفي ضره. ومن الضر المقرر عند بعض العلماء الضر الحاصل من تعطيل نفع لأحد الجانبين،

стр. 288

مثل: الإرفاق، فإنه لا يقضي به على صاحب الحق عند مالك ﵀، وقضى به عمر للضحاك بن خليفة على عبد الرحمن بن عوف، وهو مجال للاجتهاد. واعلم أنه مما يجب التيقظ له هنا التفرقة بين الضر وبين تعطيل منفعةٍ غير حاصلةٍ، فإن الضر هو إلحاق ألم بالمضرور، وأما تعطيل المنفعة فهو حرمان من وصول ملائم، فقطع المنفعة ضر، وتعطيل المنفعة ليس بضر، ولذلك يقال في الفقه: لا يضر بأحد لينتفع غيره. فهذا جماع ما عرض التنبيه عليه من مشكل هذا الحديث وتأويله؛ إذ أهمله شارحوه، قد خططت لكم به مسلكًا بينًا فانتحوه. هذا وقد جاء هنا لفظ «لا ضرر» والمقصود به الإضرار، وكان الاستعمال يقتضي أن يقال: لا ضر، لأن الضرر بدون إدغام غير مستعمل إلا اسمًا للضرارة من عمًى أو زمانة كما في قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]؛ لأنه مصدر ضرر بكسر عين الكلمة فتجيء على فتح العين في المصدر فيمتنع إدغامه، وأما ما عداه فليس جائيًا من فعل المكسور العين؛ فلذلك مصدره بسكون العين فيتعين إدغامه ولم أعثر على استعماله في غير ذلك، فإن كان ما وقع هنا لفظًا نبويًا وهو الظاهر فهو شاذٌ، وقد يكون مسوغه المزاوجة بينه وبين لفظ ضرار في كون كليهما بالفك. والمزاوجة تسوغ مخالفة القياس. ومما حسنها هنا أن الجملة جرت مجرى المثل ولذلك لا تغير؛ لأن الأمثال لا تغير. وقد شاع استعمال الضرر بمعنى الضر في كلام العلماء، وفي كتب الفقه لكني لم أظفر له بشاهد من كلام الفصحاء غير هذا الذي في الحديث، وكلام «القاموس» غير بين، وكلام «اللسان» لم يأت عليه بشاهد فتأمل.

стр. 289

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ كتاب الحدود

стр. 290

ما جاء في الرجم وقع فيه قول سعيد بن المسيب: «لما صدر عمر بن الخطاب من منى -إلى قوله- ثم قدم المدينة، فخطب الناس، فقال: أيها الناس قد سنت لكن السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينًا وشمالاً، وضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: إياكم أن تهلكوا فتضلوا عن آية الرجم» إلخ. يحتمل أن يكون ضربه بإحدى يديه على الأخرى كالتنبيه للكلام الأول؛ وذلك الذي شرح عليه الزرقاني؛ إذ قال: «أسفًا وتعجبًا ممن يقع منه ضلال بعد هذا البيان البالغ» وهذا هو الأظهر؛ لأن شأن الإشارات أن تقع بعد الخطاب أو معه لا قبله وهو الذي يؤذن به قول سعيد: «ثم قال» إلخ المنبئ بأنه قال ذلك بعد مهلة أو بعد كلام آخر لم يحفظه الراوي، وعلى هذا فيكون تعجبه وتذمره ﵁ من قبيل كشفه النوراني -المعتاد منه- على ما سيحدث بعده من فتنة الثورة على عثمان ﵁ التي أثارها عليه أهل مصر بقيادة المفتون مالك الأشتر النخعي. ويحتمل أن تكون الإشارة بوضع إحدى يديه على الأخرى اهتمامًا بما سيقوله بعد، وهو: «إياكم أن تهلكوا فتضلوا عن آية الرجم»؛ وتكون: «ثم قال» لمجرد الترتيب، ولعله قد صدر من بعض الناس ما أشار إليه بقوله: «أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله».

стр. 291

هذا ومن المحتمل أن تكون هيئة هذا الضرب بضرب كف يده اليمنى على كف يده اليسرى كهيئة التصفيق، وهو الظاهر؛ لأن تلك الحركة اليسرى من الهيئة التي سيأتي احتمالها، ويحتمل أن يكون بضرب كف يده اليمنى على ظاهر يده اليسرى؛ لأنها حركة أعسر من الأولى، هذا إذا لم يكن في يده وقت الخطبة عصا أو قوس، أي: إذا لم تكن خطبة الجمعة، ويحتمل أنه ضرب بيده اليسرى على يده اليمنى إذا كان ممسكًا بيده عصا أو قوسًا، إذا كان ذلك في خطبة الجمعة على أنَّه يظهر أنَّ إمساك عصا بيد الخطيب كان لا بدَّ منه فتأمَّل.

стр. 292

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ كتاب العقول

стр. 293

العمل في الدَّية قال مالكٌ: الأمر المجتمع عليه عندنا أنَّه لا يقبل من أهل القرى في الدية الإبل، ولا من أهل العمود الذَّهب ولا الورق، ولا من أهل الذَّهب الورق، ولا من أهل الورق الذَّهب. لأن الدية توزع على العاقلة فوجبت على حسب ما هو رائج بينهم من المكاسب؛ لئلَّا يكلِّفوا طلبَ ما ليس عندهم فيُغلى عليهم عوضه فالمنظور إليه هم عاقلة القاتل؛ لأنَّهم الذين يؤدونها، فإذا شاءوا أن يؤدُّوا من غير ما هو غالب أموالهم انتقل حقُّ الرضا بذلك إلى أولياء القتيل؛ لأنَّهم أملك لاختيار ما هم فيه أرغب أن يكون عوضًا عن مصابهم بمولاهم، هذا وجه الفقه وهو وجيه، فمعنى قول مالك: «لا يقبل من أهل القرى» إلخ أنَّ للمدفوع إليه أن لا يقبل وليس يعني بذلك أنَّه حقٌّ لله تعالى؛ إذ لا يتعلَّق بذلك مقصد للشارع ولكنه حقُّ وليُّ الدم. دية الخطأ في القتل وقع فيه قوله: «فنري منها فمات» نزي بضم النون بصيغة المبني للمجهول ومرفوعة ضمير الرجل، يقال: نُزي فلان من جرحه، أي: نزف دمه، أي: سال فأفرط حتى كأنَّه منزوف، أي: مستفرغ، وفعل نزي من الأفعال الملازمة البناء للمجهول كغالب أفعال الأمراض مثل: حُم، وسُل. وظاهر كلام أهل اللغة أنَّه وصف المجروح، فلا يقال: نزِي الدم ولا نُزي الجرح ولكن نزِي فلان من جرحه كما استعمل هنا، وفي قوله في باب ما يجب في العهد: «فيُنزى في ضربه»، وأما نزف فإذا أسند إلى المجروح كان مبنيًّا للمجهول لا غير. يقال: نزف فلان دمه كما

стр. 294

في «شرح غريب الموطإ»، وإذا أسند إلى الدم كان مبنيًّا للفاعل، ففي كتاب «تهذيب الألفاظ» نُزف نزوفًا ونزفه الدم .. اهـ. ويقال أيضًا: نُزف دمه فهو منزوف ونزيف كما في «المخصَّص». وإنما أطلتُ البيان؛ لأن لف نزي قد أجمل في كتب اللغة أو فُرق أو أغفل، فقد أهمله شارح «الغريب» وصاحب كتاب «ما بُني للمجهول»، وصاحب «المخصص» وصاحب كتاب «تهذيب الألفاظ». عقل الجراح في الخطإ وقع فيه قوله: «حتَّى يبرأ المجروح»، فهو بفتح الراء وضمها، يقال: برأ يبرأ بفتح الراء فيهما مثل: ذرأ، ويقال: بضمِّ الراء فيهما مثل: كرم، ويقال: بفتح الراء في الماضي وضمها في المضارع مثل: نصر. ما فيه الدِّية كاملةٍّ قال مالكٌ: الأمر عندنا أنَّ الرَّجل إذا أصيب من أطرافه أكثر من ديته؛ فذلك له إذا أصيبت يداه ورجلاه وعيناه؛ فله ثلاث ديات. لأنَّ لكلِّ ما أصيب حظَّه في الدية للسنة. وحكمة ذلك أنَّه تعددت عليه الرزايا أو الآلام اللاحقة من كلِّ ما أصيب به فكانت أشدَّ عليه من الموت، وكان يبطل من انتفاعه بنفسه بمقدار ما فقد من أطرافه وجوارحه؛ فكان حقيقًا بأخذ كلِّ ما جعله الشرع عوضًا عن المتالف جبرًا لمنافعه وتعزيه لنفسه، فأمَّا دية القتل فجبر لرزية الوارث والموالي فكانت ديةٌ الأطراف أعلق بصاحبها من دية القتل الخطإ.

стр. 295

ما جاء في عقل الشِّجاج وقع في قوله: «خمس عشرة فريضةً»؛ فانتصب «فريضة» على التمييز للعدد وليس هو على الحال كما توهم، ومثله قوله في آخر عقل الأصابع: «وهي من الإبل ثلاث فراض وثلث فريضة»، والفريضة هنا اسم للبعير الذي له من السن ما يجعله يحق أن يؤخذ في فريضة الزكاة وهو أن يكون البعير قد دخل في السنة الثانية، أي: بنت مخاض أو ابن لبون. وفي «اللسان» عن أبي الهيثم: «فرائض الإبل التي تحت الثني والرُّبع» اهـ. يريد أعلى من الثني والرُّبع، وقال غيره: «سمِّيت فريضة؛ لأنَّها فرضت أي: أوجبت في عدد معلوم من الإبل فهي مفروضة وفريضة، فأدخلت فيها الهاء؛ لأنَّها جعلت اسمًا لا نعتًا» اهـ. أي: ولولا ذلك لقيل فريض؛ لأنَّ فعيلاً إذا كان بمعنى مفعول لا يطابق موصوفه في التأنيث إذا كان وصفًا، فإذا صار اسمًا لحقته هاء التأنيث. عقل المرأة مالكٌ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب أنَّه كان يقول: تعاقل المرأة الرَّجل إلى ثلث الدية. إصبعها كإصبعه، وسنُّها كسنه، وموضحتها كموضحته، ومنقلتها كمنقلته. قوله: «تعاقل المرأة الرجل» يعني أنَّها تماثله في العقل؛ فصيغ للمماثلة في العقل وزن مفاعلة كأنَّهما يتباريان في ذلك، وجعل ثلث الدية كالغاية التي يبلغ التباري إليها، فإذا بلغ عقل الجناية مقدار ثلث الدية انتهى التعاقل وصارت إلى النصف من قدر ما يُعطى للرجل؛ بذلك ثبتت السنة كما ورد عن سعيد بن المسيَّب في عقل الأصابع وكفى بالسنة مرجعًا، وحكمة ذلك والله أعلم أنَّ العقول والديات تعطى لإحدى

стр. 296

فائدتين: التعزية عن المصيبة مثل القطع، وألمها مثل الجرح الذي يبرأ، أو عن تشويه بأثر الجناية مثل اسوداد السن وأثر الشَّجة في الوجه وإزالة الحاجبين. والجبر للمنفعة الفائتة يفقد ما فقد أو أثر ما أصيب، فما تساوى فيه المرأة الرجل من العقل منظور فيه إلى مساواتهما فيما حصل من الجناية من ألم أو تشويه أثر، وما زاد على ذلك منظور فيه إلى جبر المنفعة الفائتة، ولا جرم أنَّها من الرجل أقوى وأجدى؛ لأنَّ معظم المنافع يكتسبه الرجل بقوَّته وسعيه. ووجدت في طرة نسخة من «الموطإ» قوبلت وقرئت على نسخة ابن بشكوال «أن أصل هذه السنة في الديات قول الله تعالى في الفرائض: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]؛ إذ جعل سهم الأمِّ الثلث مثل نصف الأب، وسوى بينهما فيما دون الثلث، فأجريت الدماء على هذا الأصل ولم تكن سنَّة رسول الله لتخلو من أصل من كتاب الله». عقل العين إذا ذهب بصرها أي: إذا كانت غير مبصرة ووقع الاعتداء عليها بجرح أو فقء؛ لأنَّه سيقول بعد ذلك: «في العين القامة العوراء إذا أطفئت»، وفي كتاب «المخصَّص»: العين القائمة: التي ذهب بصرها وحدقتها سالمة. * * * ووقع فيه قول زيد بن ثابت: «في العين القائمة إذا أطفئت مائة دينارٍ» ففي معظم نسخ «الموطإ» قوله: «أطفئت» بهمزة في أوله مبنيًّا للمجهول وهي الأولى. ووقع في بعض النسخ «طفئت» بدون همزة في أوله؛ فيتعين أن يكون مبنيًّا للفاعل وهو

стр. 297

بكسر الفاء، لأنَّ أصله من باب سمع، وعلى الروايتين فهو من المجاز بتشبيه العين الباقية على صورتها بالقبس فإذا جرحت فزالت نضرتها وانطمس لمعانها شبهت بالجمرة، إذا طفئت فرواية «أطفئت» ورواية «طفئت» بمعنى واحد؛ لأنَّ مراد رواية أطفئت أنَّها طفئت بفعل فاعل بقرينة السياق، ولم أقف على ذكر استعمال هذا اللفظ في كتب اللغة ولا الفقه غير ما وقع في «الموطإ» هنا من قول زيد بن ثابت؛ فعربيته صحيحة. ويجب استدراكه على كتب اللغة في صفة العين وهو من المجاز لا محالة. عقل الأصابع مالكٌ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنَّه قال: سألت سعيد بن المسيِّب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: عشرٌ من الإبل، فقلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل، فقلت: كم في ثلاثٍ؟ فقال: ثلاثون من الإبل، فقلت: كم في أربع؟ قال: عشرون من الإبل؟ فقلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها، فقال سعيد: أعراقيٌّ أنت؟ فقلت: بل عالمٌ متثبِّتٌ أو جاهلٌ متعلِّمٌ، فقال سعيدٌ: هي السُّنَّة يا ابن أخي. ربيعة من علماء المدينة، وسعيد بن المسيب شيخه، وسؤاله مقصود منه آخره، وهو أن يصل على طلب إبداء الوجه في مصير عقل أصابع المرأة إذا كانت أربعًا أقل من عقلها إذا كانت ثلاثًا؛ ولذلك استدرج في سؤاله من الأصبع الواحدة، ليظهر الإشكال بيِّنًا؛ فسؤاله لم يكن عن جهل بمقدار العقل في أصابع المرأة، ولكنَّه أراد معرفة وجه الحكم. وقول سعيد له: «أعراقي أنت؟ » استفهام توبيخ؛ لأنَّه يعرف أنَّه لم يكن بعراقي البلد ولا بعراقي العلم؛ فإنَّه من فقهاء المدينة وقد كان أهل المدينة يصمون فقهاء العراق بقلَّة معرفة السنة لقلَّة من سكن العراق من الصحابة، وقلة اشتغال من سكنه منهم ببثِّ العلم والفقه لغلبة الفتن في العراق في صدر عصر طلب العلم؛ فلذلك كانوا في الأكثر يعتمدون على القياس على أحكام القرآن وما بلغهم من الآثار على تفاوتها، وإنَّما خاطبه سعيد بذلك؛ لأنَّه يعلم أنَّه لا يجهل الحكم وظنَّه يسأل سؤال المنكر لذلك الحكم لعدم جريه على القياس في الظاهر، وقول ربيعة: «بل عالم متثبت»، هو الجواب الحقيقي.

стр. 298

وأما قوله: «أو جاهل متعلم»؛ فهو ترديد مقصود منه التواضع. وقول سعيد حينئذٍ: «هي السنة» جواب إفادة؛ إذ قد علم من كلامه أنَّه لا يريد الطعن في العمل، وإنما يريد السؤال عن مستند ذلك العمل؛ فلذلك أقنعه بقوله: «هي السنة» وهو المقدار الذي كان ربيعة لا يتحققه؛ ولذلك عُدَّ هذا الحديث من مراسيل سعيد بن المسيَّب؛ لأنَّ قوله: «هي السنة» بمنزلة قوله: فعله رسول الله ﷺ . وقد بينت توجيه هذا الحم في «باب عقل المرأة» آنفًا. جامع عقل الأسنان وقع فيه لفظ «الضِّرس» فهو بكسر الضاد المعجمة لا غير، وأما الضَّرس بفتح الضاد فهو العضُّ. * * * قال سعيد بن المسيَّب: فالدِّية تنقص في قضاء عمر بن الخطَّاب، وزيد في قضاء معاوية، فلو كنت أنا لجعلت في الأضراس بعيرين فتلك الدِّية سواءٌ. يريد سعيدٌ بقوله «تنقص في قضاء عمر وتزيد في قضاء معاوية»، أنَّ جملة ما يحصل من دية الأسنان والأضراس كلِّها إذا أسقط جميعها يكون أقلَّ من دية كاملة في قضاء عمر وأكثر من دية في قضاء معاوية، وقد رأى سعيد أرجح من ذينك القضاءين أن يجعل لكلِّ ضرس بعيرين، فإذا جمع ذلك مع ما ثبت في دية الأسنان كانت جملة ما يحصل من سقوط الفم كلِّه ديةً كاملة؛ لئلَّا تكون دية الفم كلِّه أكثر من دية عضو من الأعضاء المفردة التي فيها الدية كاملة مثل الأنف؛ إذ ليس الفم إلَّا عضوًا مفردًا. ومدرك قضاء عمر أنَّه رأى سقوط جميع أسنان الفم دون تلف عضو؛ لأنَّ ذلك دون اللسان ودون الأنف، ومدرك قضاء معاوية ينظر إلى ما قدَّمناه من تكرُّر الآلام وحسرة الرزية. وقول سعيد بن المسيَّب: «فلو كنت أنا»، أي: لو كنت قاضيًا في ذلك؛ لأنَّ

стр. 299

سعيدًا لم يل القضاء؛ فكلامه مجرد فتوى وهو إحداث قول ثالث في مسألة ليس فيها إلَّا قولان؛ فعلم منه أنَّه يرى جواز إحداث قول ثالث، وأنَّ ذلك ليس خرقًا للإجماع وهو الصواب، وقد يكون الإجماع لم ينعقد على ذلك. ما يوجب العقل في خاصَّة ماله وقع فيه قوله: «إنَّه ضامنٌ على الصَّبيِّ» إلخ، فقوله: «ضامن» بمعنى مضمون بقرينة قوله: «على الصبي»، وقد مرَّ ذلك مستوفى في باب القضاء في كراء الدابة. ميراث العقل والتَّغليظ فيه وقع فيه: «أنَّ عمر بن الخطَّاب نشد النَّاس» والمعنى: استحلفهم بالله، أي قال: أنشدكم بالله. * * * ووقع فيه قوله: «الضِّبابي» فهو بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الموحدة بوزن جمع ضب نسبة على بني الضِّباب بطن من هوازن واسمه معاوية بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن من قيس عيلان. * * * ووقع فيه: «الضَّحَّاك بن سفيان الكلابي» فهو الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة من هوازن أبو سعيد صحب رسول الله ﷺ واستعمله رسول الله ﷺ على قومه هبني كلاب وغيرهم. قاله ابن حزم في «جمهرة

стр. 300

الأنساب»، وبنو كلاب بنو عم لبني الضباب، فكان عاملًا عليهم، كما يدلُّ عليه هذا الحديث. * * * مالكٌ أنَّه بلغه أنَّ سعيد بن المسيَّب، وسليمان بن يسار سئلا: أتغلَّظ الدّية في الشَّهر الحرام؟ فقالا: لا ولكن يزاد فيها للحرمة. فقوله: «ولكن يزاد فيها للحرمة»، ليس مرادًا به ظاهره أن الدية يزاد فيها إذا وقع القتل في الشهر الحرام زيادة لا تبلغ مبلغ التغليظ؛ بل هو استدراك لدفع توهُّم ضعيف، وهو أن يكون المسؤول لا يرى تغليظ الدية أصلًا، فقال: يزاد فيها للحرمة، أي: لأجل حرمة القتل عند سقوط القود إذا كان القاتل أبًا لا لأجل حرمة الشهر. ولعلَّ وجه الحاجة إلى هذا الاستدراك، أنَّهم قد كان شاع بينهم في مذاكرات الفقه أن يقولوا في مسألة الأب يرمى ابنه بحديدة فيقتله تغلَّظ الدية للحرمة، أي: لحرمة النفس، فتوهَّم منه بعض من سمعه أنَّ الدية تغلظ لأجل حرمة الشهر الحرام، ولعلَّ ذلك منشأ السؤال الوارد على سعيد، وسليمان؛ ولذلك قال مالك في تفسير كلامهما: «أراهما أرادا مثل الذي صنع عمر بن الخطاب في عقل المدلجي». أي: أرادا من الحرمة مثل ذلك، وقد التبس هذا الكلام على الشارح الزرقاني، فشرحه بما هو خطأ بيِّن، وانفلت على بعضهم فأهملوه أو أجملوها وها أنتم أولاء قد أفهمتموه. * * * مالكٌ، عن يحيى بن سعيد، عن عروة بن الزبير أنَّ رجلًا من الأنصار يقال له: أحيجة ابن الجلاح كان له عمٌّ صغيرٌ هو أصغر من أحيحة، وكان عند أخواله، فأخذه أحيحة، فقتله، فقال أخواله: كنَّا أهل ثمِّه ورمِّه، حتَّى إذا استوى على عممِّه غلبنا حقُّ امرئ في عمِّه. قال عروة: فلذلك لا يرث قاتلٌ من قتل.

стр. 301

أي: هذا أمر وقع في أيَّام الجاهلية فأقره الإسلام؛ لأنَّه حقٌّ، فإنَّ أحيحة بن الجلاح من أهل يثرب في الجاهلية من سادة بني سالم من الخزرج، وعدَّه ابن حزم في بني عوف ابن الأوس، وكان له الأطم المسمى واقمًا، وكان متزوِّجًا سلمى بنت عمرو النَّجَّارية وكان طلَّقها فتزوَّجها بعده هاشم بن عبد مناف، وهي أمُّ عبد المطلب. وكان له ذكر في أيَّام الأوس والخزرج قبل البعثة بنحو ثمانين سنة التي منها يوم بُعاث الشهير. وكان قد أخذ عمَّه هذا بنيَّة أن يقتله؛ ليرث حظه من ميراث جدِّه الحريش. وقول عروة: «فلذلك» الإشارة إلى ما تضمَّنه الخبر، وهو قوله: «فأخذه أحيحة فقتله»، أي: لأجل ذلك حرموه ميراثه، ويحتمل أنَّ الإشارة إلى قول أخواله، فيكونوا قالوا ذلك على سبيل الإنكار لعادة قديمة عندهم في استبداد الولي بدم وليه، إذا قتله ليرثه، فكان قولهم وإنكارهم موقظًا أهل الرأي من الأوس إلى أن يسنُّوا سنَّة حرمان القاتل من إرث قتيله، وهذا أظهر. وقول عروة: «أنَّ رجلًا من الأنصار» يريد من أهل يثرب الذين صار لهم اسم الأنصار فسمَّاهم عروة باسمهم المعروف يوم حدَّث عنهم عروة. فمن هنا توهَّم ابن أبي حاتم أنَّ أحيحة هذا صحابي وأنَّ عروة روى عنه. * * * ووقع فيه قوله: «كنَّا أهل ثمِّه ورمِّه حتَّى إذا استوى على عممه غلبنا حقُّ امرئٍ في عمِّه»، ضبط «ثمه ورمه» في نسخة ابن بشكوال بضم أولهما وبفتحه، وضبط «عممه» بضمتين وبفتحتين على العين. وثبت بميمين في سائر نسخ «الموطإ». ويتعين أن تكون الميم الثانية منهما مشددة لازدواج الأسجاج، وكذلك رواه أبو عبيد، وهو ممن شرح غريب «الموطإ»، واقتصر على تشديد الميم الثانية في «اللسان». ولك في الميم الأولى الفتح على

стр. 302

أصل الوصف، يقال: العمم للشيء التام، ويجوز الضمُّ إتباعًا لحركة العين. واعلم أنَّ هذه الأسجاع يتعين أن تُقرأ بسكون الهاء في ثلاثتها؛ لأنَّ الأسجاع مبنيَّة على سكون الأعجاز، ومعناه كنا المتولين تعب إصلاح شؤونه كما يُثمُّ البيت ويُرَمُّ، فلما اشتدَّ وقوي وجاء إبان الانتفاع به أخذ منا. جامع العقل وقع فيه قوله: «كانوا أهل ديوانٍ أو مقطعين» فالدِّيوان بكسر الدال على الأفصح، ويجوز فتحها. واتفق أهل اللغة على أنَّ هذه اللفظة معربة عن الفارسية، وأصلها في الفارسية ديوانه أو دوان، وهو اسم لما يجمع صحفًا مكتوبة. وأوَّل ما سمي به في العربية السجل الذي كتب فيه عمر بن الخطَّاب أسماء أهل العطاء من مال بيت المال. وأما فعل (دوَّن) فهو من الأفعال المشتقة من الأسماء الجامدة مثل: درَّع الجارية، فأوَّل من وضع الديوان عمر بن الخطَّاب سنة خمس عشرة وقيل سنة عشرين. وسمَّاه بهذا الاسم؛ لأنَّ وضعه كان تقليدًا لنظام أهل فارس. ثمَّ أطلق اسم الديوان على ما كان من صحف مكتوب فيها أشياء يجمعها صنف واحد في اعتبار من يجمعها مثل: ديوان شعر شاعر معيَّن أو شعراء جانب معيَّن. وذكر أنَّ عمر لما وضعه أمر كتَّابه بأن يرتبوه ترتيبين يبدأ بقرابة رسول الله ﷺ الأقرب فالأقرب، فبدأ ببني هاشم، وهكذا ذهب في ترتيب بطون قريش بطنًا بعد بطن، ثمَّ أعقبهم بالأنصار، ثمَّ قبائل العرب، وجعل التقديم في أفراد كلِّ قبيلة على حسب السابقة في الإسلام؛ فإن استوت القبائل في السبق في الإسلام، أو لم يعرف ذلك رتِّبوا على قراءتهم للقرآن، وعلى بلائهم في الجهاد، وقد فضل بينهم في العطاء بهذا الاعتبار، فصار الديوان أيضًا مرجعًا للناس في معرفة الأنساب لما كثر الادِّعاء فيها لمقاصد مختلفة، ولم يكن ذلك هو المقصود منه في أصل وضعه. فهذا هو الذي يشير إليه قول مالك: «كانوا أهل ديوان أو منقطعين»، وذلك أنَّ الديوان لم يخصَّ جميع القبيلة؛ إذ قد

стр. 303

يكون منهم من انقطع عن قومه ولم يكن له عطاء، فلا يوجد اسمه في الديوان، وهو الذي أراد مالك بقوله: «أو منقطعين»، أي عن قومهم، فالعاقلة هم أهل النسب، وأهل الديوان هم أهل العطاء. على أنَّ الديوان قد انقطع لما كثر الداخلون في الإسلام من غير العرب. ولم يكن في زمن مالك ﵀ ديوان، فقد وقع في المسألة الثالثة والثلاثين من سماع ابن القاسم من كتاب الديات من «العتبية» قول مالك: «ولقد انقطع الديوان». وظاهر قول مالك هنا وفي «المدونة» أنه لو كان من أهل الديوان من رسم مع القبيلة، ولس من ذوي نسبها لكونه حليفًا أو مولى أنه لا عقل عليه. ووقع في «العتبية» في المسألة الثالثة والثلاثين من سماع ابن القاسم: «وسألته عن الرجل يكون مع غير قومه في الديوان أيعقل معهم؟ قال: نعم أرى إذا كان الرجل في الديوان مع غير قومه أن يعقل عنهم وأن يعقلوا عنه إن كان رجلاً من الأنصار في قريش عقل عنهم وعقلوا عنه». وأحسب أن وجه ذلك أن دخوله في القبيلة يكون على وجه الحلف، أو اللصوق، أو الولاء، وذلك التزام منه بأن يلزمه ما لزم القبيلة، فقد كانوا يقولون عند الحلف: «دمه دمهم وهدمه هدمهم». ويحتمل أيضًا أنَّ مالكًا رأى ذلك لاحتمال أن يكون وضعه في الديوان لأجل شك في كونه من أهل القبيلة التي وضع معها، فقديمًا وقع الشك في بعض البطون وبعض الأشخاص؛ إذ قد يغترب الرجل في غير قومه، ويتزوج منهم، فيدعى بنوه في قبيل أخوالهم، فيكون قول مالك في «العتبية» تفسيرًا لما هنا. وقد ضبط «مقطعين» بوجوه: أحدها: ضم الميم، وسكون القاف، وفتح الطاء مخففة، وهو في أصل ابن بشكوال، والطلمنكي. الثاني: ضم الميم، وفتح القاف، والطاء مشددة لابن عتاب.

стр. 304

الثالث: «منقطعين» بميم بعدها نون ساكنة ثمَّ قاف، ثمَّ طاء مكسورة لأبي عمر ابن عبد البر. قال ابن أبي الخصال عن أبي بحر: المقطع الذي فرض لنظرائه ولم يفرض له، كذا في طرة نسخة ابن بشكوال. * * * قال مالكٌ في الرَّجل يكون عليه القتل، فيصيب حدًّا من الحدود: إنَّه لا يؤخذ به وذلك القتل يأتي على ذلك كلِّه إلَّا الفرية، فإنَّها تثبت على من قيلت له، يقال له: ما لك لم يجلد من افترى عليك. قوله: «فإنَّها تثبت» تعليل للاستثناء الذي في قوله: «إلَّا الفرية»، أي: إذا ترك حد المفتري يظهر للناس أنَّ القذف ثبت على المقذوف فلم يكن القاذف مفتريًا، فلدفع ذلك الضرِّ استثني حدَّ الفرية. فالمعنى أنَّه يقول ذلك من يظنُّ أن ترك جلد من وجب عليه القتل، لم يكن لأجل أنَّ القتل يأتي على الحدود التي دونه فيحسب أنَّه إنَّما لم يجلد؛ لأنَّ المقذوف لم يقم بطلب الجلد خشية افتضاح نفسه بظهور صدق ما قذف به. أما ما دون ذلك من الحدود، فإنَّ الحقَّ فيه لله تعالى، فإذا ترك لأجل القتل لم تلحق أحدًا من تركه معرة. على أنَّه قد يكون من أهل العلم من لا يرى سقوط الحدود التي دون القتل إذا وجب القتل، فيكون ظنُّ الناس بالمقذوف أنَّه مصدق للقاذف حينئذٍ أقوى؛ لأنَّهم لا يعلمون أنَّ سقوط الحدِّ لأجل أنَّ القاضي الذي وقع الرفع إليه لا يرى استيفاء حدِّ القذف قبل القتل. والحاصل أنَّ حكم استيفاء حدِّ القذف قبل قتل القاذف الذي توجه علهي قتلٌ منظور فيه إلى دفع المضرة عن المقذوف، ووقع في بعض النسخ «لم تجلد» بالمثناة الفوقية المفتوحة وبكسر اللام، فالإسناد في «تجلد» مجاز عقلي، أي: ما لك لم تتسبب في أن يجلد الحاكم من افترى عليك.

стр. 305

ما جاء في الغيلة والسحر مالكٌ، عن محمد بن عبد الرَّحمن بن سعد بن زرارة أنَّه بلغه؛ أنَّ حفصة زوج النِّبيِّ ﷺ قتلت جاريةً لها سحرتها، وقد كانت دبَّرتها. هذا الموضع في غاية الإشكال من المذهب ومن الفقه كلِّه، فقد روى مالك هنا أنَّ حفصة قتل جارية لها سحرتها. وظاهره أنَّ الجارية كانت مسلمة. وقال مالك عقبه: «رأ أن يقتل الساحر إذا عمل ذلك هو نفسه» اهـ. والسحر يقع على وجوه كثيرة، منه تمائم ورقىً شيطانية لا أثر لها، ومنه تعالج بسقي أشياء أو دسِّها في الطعام أو نحو ذلك، وقد يكون منها المضرُّ عن قصد، وعن غير قصد، ومنه ما هو توافه يعتقد تأثيرها لتقارن بعضها ببعض أو بمقارنتها لأزمانها. ومنه قذارات وأشباهها تدسُّ في الطعام أو توضع على الجسد بعلَّة خدمة الجنِّ والشياطين أو تسخير نفس المسحور. ومنه استصراخ بالأصنام وعبادة للجنِّ جهرًا أو خفيةً. ومن أحوال السحر ما يستتبع الإقدام على اغتيال الأنفس قرابين للجنِّ والشياطين؛ لأنَّها تسر بإهراق الدم البشري فتخدم الساحر وتذلِّل الصعب لقاصده وتكشف عن كنوز مدفونة ونحو ذلك من الأكاذيب. وبهذا الاعتبار قرنه مالك في «الموطإ» مع الغيلة، وقد كان هذا من شعار السحرة في الأمم القديمة مثل: الكنعانيين، وكان مثله شائعًا في تونس في القرن الماضي ينسبونه إلى سحرة المغاربة الوافدين على تونس ويسمونه بالمطلب، أي: استخراج الكنوز المطلوبة، ويزعمون أنَّه لا يصلح له إلَّا من كانت في عينه علامة معروفة لهم؛ وأكثر ما يختارون له السود ذكرانًا وإناثًا، وليس شيء من هذه بموجب هدر دم المسلم غير ما يدلُّ على أنه قد نقض به إسلامه وارتدَّ به عن الإسلام إلى عبادة الأوثان. فما كان منه جهرًا فهو ردَّة حقُّها أن يستتاب صاحبها ثلاثًا فإن لم يتب قتل، وما كان منه سرًّا، فهو زندقة تجرى على حكم الزندقة في عدم الاستتابة منها عند مالك ﵀، أو اعتبارها ردَّة عند كثير من أهل العلم، ونسبه أبو بكر الرازي إلى أبي حنيفة. والذي في «أحكام ابن

стр. 306

الفرس» أنَّ أبا حنيفة قال: ليس السحر بشيءٍ إلَّا أن يكون فيه كفر فيقتل للكفر. قال: وقيل هو ليس بكفر وإنما سبيله سبيل القتل، وإدخال المرض على الغير بالإقرار والشهادة، وهو قول الشافعي. وما سوى ذلك إن أفضى إلى قتل النفس فهو في الظاهر قتل خطأ؛ لأنَّ الساحر لا يقصد القتل وإنَّما يقصد التسخير والتحبيب ونحو ذلك؛ وإن لم يفض إلى قتل النفس كان جناية، كإفساد العقل، وإبطال الرجلة الذي يسمونه العقد، وكخطف البصر والسمع ونحو ذلك، فيجري على حكم جنايته من عمدٍ أو خطأ، وإن لم يفض إلى شيء كالمعاذات، والتمائم، والسلوان فهو تضليل وإدخال رعب على الناس، واستلاب لأموالهم، ففيه التعزير والغرم، فالقول بقتل الساحر على العموم ظاهره غير مستقيم، ولم يثبت في السنة قتل الساحر لأجل فعله السحر، وما أراد مالك إلَّا الساحر الذي دلَّ سحره على الردة؛ لأنَّه قال في روايات عنه في «المدوَّنة»: «يقتل الساحر كفرًا لا حدًّا»، وأشار إلى ذلك هنا في «الموطإ» بقوله: هو مثل الذي قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] على أنَّه إن كان كفرًا فحقُّه الاستتابة، اللهم إلَّا أن يكون عدم التفصيل؛ لأن شأن هذا الساحر إخفاء كفره. وأما ما فعلته حفصة? فلعلها اطَّلعت على كفر الجارية خفية، أو كان ذلك اجتهادًا منها في حكم السحر، والله أعلم. ما يجب في العمد وقع فيه قوله: «فينزى في ضربه فيموت» فعل ينزي ملازم للبناء للمجهول. وقد مرَّ القول فيه في باب دية الخطأ في القتل. والضمير المستتر المرفوع ضمير الرجل. و (في) من قوله: «في ضربه» للسببية. أي: من ضربه وبسببه. والضمير المجرور بالإضافة عائد إلى الرجل المنصوب، فهو من

стр. 307

إضافة المصدر إلى مفعوله، ويجوز عوده إلى الرجل المرفوع، فيكون من إضافة المصدر إلى فاعله. القصاص في القتل قال مالكٌ: أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية قول الله ﵎: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] فهؤلاء الذكور: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، أنَّ القصاص يكون بين الإناث كما يكون بين الذكور، والمرأة الحرَّة تقتل بالمرأة الحرَّة كما يقتل الحرُّ بالحرِّ، والأمة تقتل بالأمة كما يقتل العبد بالعبد، والقصاص يكون بين النِّساء كما يكون بين الرِّجال. لعلَّ مالكًا ﵀ إنما سمَّى هذا تأويلًا لكونه مخالفًا لظاهر الآية؛ لأنَّ ظاهر ما فيها من المقابلة في قصاص المثل بمثله في الصفة يفيد أنَّه لا قصاص بين المختلف في الصنف أو في الصفة. ومبنى هذا التأويل أنَّ الآية جاءت على ضرب من الإيجاز بديع يُعلم منه المقصود وهو التنبيه على شمول حكم القصاص في القتل سائر أصناف الناس، بحيث لا يظنُّ أحد أن بعض الأصناف معفوٌّ عن عمده؛ لضعفه كالمرأة، أو لدناءته كالعبد حتَّى يكونا كالعجماوات، وأن قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ تقسيم واحد، أي: يقتصُّ من الذكر القاتل؛ ولذلك قال مالك بعده: «فهؤلاء الذكور». وقوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، أي: يقتصُّ من الأنثى إذا قتلت. وكان شيخنا العلَّامة الوزير ﵀ قال لي عند ذكر هذا التأويل: «فقول الشاعر، وهو الأخطل: كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جرُّ الذُّيول حكمٌ جاهليٌ جرى على لسان الشاعر». والآية دلَّت على أنَّ الحرَّ لا يُقتل بالعبد لقوله: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾. وأمّا قتل العبد بالحرِّ فمدلول بدلالة الفحوى. وكذلك قتل المرأة بالرَّجل والرَّجل بالمرأة، فمدلولان بدلالة لحن الخطاب، ولذلك لم ير مالك لزومًا لذكر ذلك، وقد زادته السنة بيانًا.

стр. 308

ما جاء في دية السائبة وقع فيه قول العائذي: «وإن يقتل ينقم» فضبط في نسخة قوبلت على نسخة ابن بشكوال بفتح القاف، وفيه لغتان فهو من باب ضرب، وباب علم، والقرآن جاء باللغة الأولى، ولعلَّ اللغة الثانية هي لغة العائذي أو اختيرت هنا؛ لأن السجع بها أتم.

стр. 309

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ كتاب القسامة

стр. 310

تبدئة أهل الدَّم بالقسامة وقع في أوَّل الترجمة لفظ «تبدئة» ووقع في أثنائها قوله: «أن يبدَّأ بالأيمان المدَّعون»، وقوله: «وقد بدَّأ رسول الله ﷺ الحارثيين»، وقوله: «إنَّما جُعلت القسامة إلى ولاة المقتول يبدءون فيها»، فهذا فعل بدَّأ بالهمز مضاعف بدأ هو بمعنى جعله بادئًا فيؤول إلى معنى بدأ به، ومصدره التبدئة وهو مصدر مطَّرد غالب في المضعف إذا كانت لامه همزة أو حرف علَّة مثل: جزَّأ تجزئة، ونبَّأ تنبئة، وزكَّى تزكية، ومفعول بدأ المشدد هو البادئ، وفاعله هو الذي جعله بادئًا، فإذا بنى الفعل للمجهول رفع مفعوله على النيابة. وقد مرَّ في باب الوصية في التدبير قوله: «بدئ بالأول فالأول»، فذلك بتخفيف الدال، والمجرور نائب فاعل. * * * ثمَّ وقع فيه قوله: «ولن يبدَّأ أحدٌ منهم قبل صاحبه»، فذلك بتشديد الدال مضاعف بدأ، أي: لم يجعل هو البادئ بالحرية، فقوله: «أحد» هو نائب الفاعل وهو الذي كان يتعدَّى له الفعل بالحرف قبل التضعيف، فلمَّا ضعف الفعل عدَّاه التضعيف إلى المجرور فصار ناصبًا له بنفسه.

стр. 311

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ كتاب الجامع

стр. 312

ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها وقع فيه رواية: «مالكٌ عن قطن بن وهب بن عمير» كذا رواه يحيى والأكثر. وكذلك رواه عبيد الله عن أبيه يحيى بن يحيى، وأصلحه ابن وضَّاح، فقال: عن قطن ابن وهب عن عويمر، وكذلك وقع في رواية ابن القاسم عن مالك. وقال ابن مسرة: الصواب رواية عبيد الله، كذا في طرة نسخة قوبلت على نسخة ابن بشكوال من رواية شيوخه وقرئت عليه. * * * مالكٌ عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أنَّ أعرابيًّا بايع رسول الله ﷺ على الإسلام، فأصاب الأعرابَّي وعكٌ بالمدينة، فأتى رسول الله، فقال: يا رسول الله أقلني بيعتي فأبى رسول الله ﷺ ، ثمَّ جاءه، فقال: أقلني بيعتي فأبى، ثمَّ جاءه، فقال: أقلني بيعتي فأبى، فخرج الأعرابيُّ فقال رسول الله: «إنَّما المدينة كالكير تنفي خبثها، وينصع طيبها». واعلم أنَّ قول جابر: «فقال الأعرابي: يا رسول الله أقلني بيعتي» يحتمل أنَّه أراد أنَّ الأعرابي طلب الإقالة من البيعة المذكورة وهي البيعة على الإسلام، أي أنَّه أراد الارتداد إلى الكفر وهو الظاهر، فيكون طلبه الإقالة جريًا على عادة العرب من احترام العهد، والوفاء به بحيث لا ينقضه أحد إلَّا بعد أن يُقيله من عاهده هو، قال الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. وعلى هذا لا إشكال في امتناع الرسول عليه الصلاة والسلام

стр. 313

من إقالته، لأنَّه لا يساعد أحدًا على الرجوع إلى الكفر. وأمَّا ما قاله الشارحون من التساؤل عن وجه ترك إقامة حد الردَّة عليه فغير متَّجه؛ لأنَّ الإسلام يومئذٍ كان في أوَّل أمره؛ إذ قد كانت هذه القصة في أوَّل الهجرة، كما ينبئ عليه قوله: «فأصاب الأعرابي وعكٌ بالمدينة» أي: علم الأعرابي أو الراوي أنَّ الوعك كان من سكنى المدينة، وذلك حين كانت المدينة موبوءة بالحمى قبل أن يدعو رسول الله ﷺ الله تعالى بأن ينقل حمَّاها إلى الجحفة، كما يأتي في حديث عائشة في الباب بعد هذا. ويحتمل أنَّه أراد أنَّ الأعرابي طلب الإقالة من سكنى المدينة وأراد الارتحال إلى ديار قومه في البادية وهم أهل كفر وقد كانت الهجرة واجبة على من يسلم من المشركين، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فنُسخ ذلك بعد فتح مكة. فامتناع رسول الله من إقالة الأعرابي امتناع من موافقته على حرام، وظنَّ به أنَّه إذا خرج إلى قومه لا يبقى على الإسلام. وقوله: «فخرج الأعرابي»، أي: من دون أن يقيله رسول الله ﷺ ؛ لأنَّه لما استقال ثلاث مرات، كان ذلك نبذًا للعهد في عرفهم ولا يتوقف على رضى المعاهد؛ لأنَّ المقصود من النبذ نفي الغدر، فإنَّه يزول بالتنبيه. * * * ووقع فيه حديث أبي هريرة: «فقالوا: يا رسول الله، فلمن تكون الثِّمار ذلك الزَّمان قال: للعوافي الطَّير والسِّباع». وجدت في طرة نسخة مقابلة على نسخة ابن بشكوال ومقروءة عليه ما نصُّه: قال ابن وضَّاح: انتهى كلام النبي ﵇ إلى «العوافي»، وما بعده من كلام أبي هريرة تفسير، ولم يُذكر مستند ابن وضَّاح فيما قاله.

стр. 314

ما جاء في وباء المدينة الوباء بالمد، ويقال: وبأٌ بدون مد مهموزًا هو المرض المتماثل الذي يتفشى في أهل مكان في وقتٍ واحدٍ. والمراد به هنا الحمى المستوبئة. * * * قول رسول الله ﷺ : «وانقل حمَّاها فاجعلها بالجحفة». إضافة الحمَّى إلى ضمير المدينة أفادت حمَّى معروفة بالمدينة، وهي الحمَّى الملازمة لها التي يكثر أن تصيب سكَّانها والواردين عليها، كما تقدَّم في قصَّة الأعرابي الذي أصابه وعكٌ بالمدينة، وكما في حديث هذا الباب في إصابة أبي بكر، وبلال، وعامر بن فُهيرة، فدعاء رسول الله بنقل الحمَّى عن المدينة مقصود منه تلك الحمَّى المعروفة، فلا يقتضي ذلك أن لا تصب سكَّان المدينة حُمَّى أخرى من الحمَّيات التي لا تخلو عنها بعض الأمراض وتكون علامة على تعفن المزاج. ودعاء رسول الله ﵊ بنقل الحمَّى إلى الجحفة، يحتمل أنَّه لأجل كون الجحفة يومئذٍ دار شرك فيكون من الدعاء على المشركين، ويحتمل أنه لما كان ما جبل الله عليه تلك النواحي هو من أسباب الحمَّى المستوبئة فيما وضع الله من الأسباب والمسببات العالمية لا يعدُّ من الأدب الدعاء برفعه -اقتصر على الدعاء ببعد الحمَّى عنها. وفي الحديث دلالة على أن الحمَّى تنشأ من كائنات دقيقة غير مرئية قابلة للنقل من مكانٍ إلى مكانٍ بتكوين الله تعالى. ما جاء في إجلاء اليهود كذا في معظم النسخ، ومنها أصل النسخة المقابلة على نسخة ابن بشكوال، وفي نسخ من الموطإ زيادة «من المدينة»، وكتبت هذه الزيادة في طرَّة نسخة ابن

стр. 315

بشكوال بدون علامة، وكتب في الطرة أيضًا عن الاستذكار لأبي عُمر أنه قال: ترجمة هذا الباب عند يحيى «باب في اليهود» وعند ابن بكر «في إجلاء اليهود من المدينة» وعند القعنبي «في إجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب» اهـ. ولم يذكر رواية توافق الترجمتين اللتين في أكثر النسخ. * * * وقع فيه قوله: «حتَّى أتاه الثَّلج». وهو بفتح المثلثة وبفتح اللام، ويجوز إسكانها، مصدر ثلج من باب فرح ونصر، وهو من إطلاق اسم الشيء على سببه. ما جاء في الطَّاعون قوله: فقال أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله؟ قال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبلٌ فهبطت واديًا له عدوتان، إحداهما مخصبة، والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله» إلخ. الاستفهام في قول أبي عبيدة: «أفرارًا من قدر الله» إنكار على عمر في رجوعه عن قصد بلد الشام بقرينة قول عمر: «لو غيرك قالها» إذ لو كان الاستفهام استفسارًا محضًا لم يصدر عمر جوابه بقوله: «لو غيرك قالها» المشعر بأنَّ مثل هذا القول لا يناسب علم أبي عبيدة وسابقته في الإسلام، وقول عمر في جوابه: «نعم» تقرير لما يتضمنه الإنكار من أنَّ عمر فرَّ من قدر الله بالتزام مثار الإنكار، فهو من القول بالموجب. والمراد من القدر في كلام أبي عبيدة التقدير والعلم، يعني الموت بالطاعون إن

стр. 316

حصل بأنَّ حصوله بقدر الله وعلمه أنه سيصيب من سيصيبه. وقد بيَّن عمر لأبي عبيدة سرَّ مسألة القدر وأطال لما رأى في كلامه من الشبهة التي راجت عليه وهي على غيره من السماعين أروج؛ فابتدأ بقوله: «نعم نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله»، يعني أنَّ ما قدره الله محجوبٌ عنا، فلا ندري أهو الموت أم السلامة فلو أقدمنا على الطاعون الذي هو سبب الموت فقد أقدمنا على أمر هر أنه قدر الله لنا؛ وإذا لم نقدم عليه فحصلت السلامة من ضره ظهر بعد أن الله قدَّر لنا السلامة، فمن أين ندري ما قدَّره الله لنا، وما علينا إلا طلب المسببات من أسبابها التي وضعها الله تعالى فإذا طلبناها وتيسرت ظهر أن الله قدر لنا أحد الأمرين، ثمَّ إن عمر بسط الدليل، فبيَّن أنَّ النَّاس إنَّما يتذكرون عقيدة القدر عند حصول الحوادث النادرة وعند الحيرة في صنعهم، ولا يتذكرون ذلك في سائر أحوالهم الحاصلة لهم كثيرًا في كل يوم، فإن أخذهم بأسباب المنافع وتوقيهم أسباب الأضرار مستمر؛ فلماذا لا يتركونها قائلين: لماذا نفر من قدر الله؟ فالسعي والاتقاء كله ترد عليه شبهة الفرار من قدر الله، ولهذا مثَّل له عمر بمن يرعى إبلًا، فيطلب لها مواقع الخصب مع أنَّ قدر الله لها من حياةٍ أو موتٍ ومن سمنٍ أو هزال مقرَّر في علم الله تعالى، يعني أنَّ طلب السلامة للناس أولى من طلب السلامة للإبل ونحوها. وقول عمر: «لو غيرك قالها»: كلمة تقال في مقام من يأتي أمرًا لا يليق بأمثاله، فـ (لو) فيها للتمنِّي لا محالة، وليس ثمَّة جواب محذوف يدلُّ على قصد التعزير لغير أبي عبيدة، لو قال ذلك؛ إذ ليس المقام إلَّا مقام نظرٍ واستدلال. * * * ووقع فيه قوله: «من مهاجرة الفتح» فالهجرة فيه مراد منها مطلق المعنى اللغوي دون المعنى الشرعي الذي له الفضيلة الجليلة. وكانت مهاجرة الفتح بقيَّة أشراف قريش الذين تأخر إسلامهم إلى الفتح، وكانوا أهل رأي وتدبير لشؤون الناس؛ إذ كانوا من قبل يدبَّرون أمر قريش وفيهم مناصبهم في الجاهلية. وإنَّما لم يختلفوا على عمر في الرأي؛ لأنَّهم سمعوا من اختلاف المهاجرين، واختلاف الأنصار ما نوَّر بصائرهم؛ فاعتمدوا على أوضح الرأيين، وبرأيهم حصل الترجيح عند عمر ﵀. * * * ووقع فيه قوله: «من مشيخة قريشٍ» ضبطه ابن أبي الخصال بفتح الميم، وسكون

стр. 317

الشين، وفتح التحتية والخاء، قاله في طرة النسخة المقابلة على نسخة ابن بشكوال قال: وكذلك رده علينا أبو القاسم ابن بشكوال، وذكر أن ابن العربي، وابن عتاب ردَّاه عليه، كذلك وأبو بحر. وضبط في أصل النسخة بوجهين الوجه المذكور، وبكسر الشين. النَّهي عن القول بالقدر «القدر» بفتح الدال لغة هو تعيين مقدار الأشياء، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] أي: بإتقان وضبط. وأطلق في الشرع على علم الله تعالى بما تكون عليه الأشياء مع إرادته أن تكون كذلك قبل تعلق القدرة بإبرازها، فهو مجموع تعلق العلم والإرادة بالممكنات وأحوالها قبل وقوعها، فهو التعلُّق الصلوحي بالنسبة للإرادة. وبهذا المعنى جاء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٠] وجاء أيضًا في حديث تحاج آدم وموسى. وحديث: «كلُّ شيء بقضاء وقدر» المذكورين في هذا الباب. وجاء في حديث الإيمان في «صحيح مسلم»: «وتؤمن بالقدر خيره وشره». وقد نجمت في القرن الأول للإسلام طائفة بحثوا عن كنه علم الله بما سيكون من عباده، وكيف قدرها لهم وأشكلت عليهم الآثار الواردة في إثبات القدر، فنفوها وقالوا: لا قدر، والأمر أنفٌ ظنًّا منهم أنهم ينزهون الله تعالى عن العجز وعن إرادة الضلال، ويقال: إن أول من تكلَّم في ذلك معبد الجهني ظهر في زمن بقية من الصحابة، وتوفي في حدود سنة تسعين، ثمَّ تبعه صاحبه غيلان الدمشقي في مدَّة عمر بن عبد العزيز، وتوفي سنة عشرين ومائة (١٢٠)، فوسمهم أهل السنة بالقدرية نسبة إلى لفظ القدر الذي خاضوا فيه وإن كانوا هم في الحقيقة لا يثبتون القدر. فما وقع في الترجمة هنا من قوله: «النهي عن القول بالقدر»، يحتمل أن معناه النهي

стр. 318

عن اعتقاد رأي القدرية، فيكون القول فيها بمعنى الاعتقاد والظنِّ على ما شاع من استعمال القول بمعنى الظنِّ من غير سبق أداة استفهام، وهي لغة بني سُليم. ويرجِّح هذا الاحتمال دخول الباء على القدر، فإنَّ دخولها شائع على القول المراد به الاعتقاد لتضمينه معنى اعتقد، ويحتمل أنَّ معنى النَّهي عن التكلم في القدر؛ لأنَّه يجرُّ إلى شبهة في العقيدة لا يسهل اقتلاعها من نفوس عموم الناس، فكان النهي سدًّا لذريعة اختلال العقيدة. وقد رُوي أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الخوض في سرِّ القدر بقوله: «إذا ذكر القدر فأمسكوا» وهو حديث حسنه الرواة. وعلى هذا الاحتمال تكون الباء بمعنى في. وأيَّاما كان فالآثار المخرجة تحت الترجمة، وكلام عمر بن عبد العزيز في ذلك، دالة على النهي، فعلى الاحتمال الأول دلت على وجوب الإيمان، فدلت ضمنًا على النهي عن ضدِّه، لأنَّ الأمر بالشيء نهي عن ضدِّه؛ وعلى الاحتمال الثاني دلَّت على الإيمان به كما جاء في الكتاب والسنة وكلام الأئمة من غير خوض في ذلك؛ لأنَّه أسلم إلَّا لعالمٍ أو متعلِّم. * * * ووقع فيه قول رسول الله ﷺ : «فقال له موسى: أنت آدم الَّذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنَّة، فقال له آدم: أنت موسى الَّذي أعطاه الله علم كلِّ شيء» إلخ. يحتمل قوله: «أنت آدم»، وقوله: «أنت موسى» أن يكون آدم وموسى منادى محذوفًا منه حرف النداء، فقد وقع هذا الحديث في «صحيح البخاري» من رواية سفيان عن أبي هريرة، فقال موسى: «يا آدم أنت أبونا ... » إلخ، قال له آدم: «يا موسى ... » إلخ، قال له آدم: «يا موسى ... » إلخ. ويحتمل أن الاستفهام فيهما مسلط على الاسمين العلمين وعلى الموصولين وصلتيهما. ووقع الاسم العلم في حيز الاستفهام يقصد به التعجُّب إذا كان المسمى معروفًا عند المستفهم، كما وقع في حديث عبد الله بن مسعود يوم بدر حين وجد

стр. 319

أبا جهل جريحًا في القتلى: «أنت أبو جهل؟ ». والكلام استفهام لا محالة بقرينة قوله: «قال: نعم»، وقد ضبط في نسخة ابن بشكوال بهمزة قبل الألف ومدة بمداد المصحح لا في أصل الناسخ. جامع ما جاء في أهل القدر وقع فيه قول رسول الله ﵊: «لتستفرغ صفحتها» السين والتاء في «لتستفرغ» للطلب، أي: تطلب فراغ صحفتها فتأخذ هي ما فيها، وهو تمثيل لحال المرأة التي تسعى في طلاق ضرَّتها المسلمة، لتتزوج زوجها فتحلَّ محلَّها في النفقة بحال التي تتحيل على استفراغ صفحتها لتأكل ما فيها، فإنَّهم كانوا يضعون الطعام الجيد في الصحاف. وقد ورد في الأثر: أنَّ عمر اتخذ صحافًا فكان لا تأتيه طرفة بالطعام إلَّا جعل منه في تلك الصحاف، وبعث بها إلى أمَّهات المؤمنين. * * * وقوله: «ولتنكح» ضبطه الرواة بسكون اللام وبالجزم على الأمر، أي: ولتنكح رجلًا آخر، أو تنكح زوج تلك المرأة من دون أن تسأل طلاق ضرَّتها إن كانت الرغبة من الزوج في نكاحها، فلا تجعل رغبته باعثًا على اقتراحها عليه أن يطلِّق ضرتها. وضبطه في نسخة ابن بشكوال بكسر لام «ولتنكح» وفتح الحاء فيكون عطفًا على «لتستفرغ» فيكون المعنى: ولتنكح زوج أختها المسلمة. قال الطيبي: هو علَّة أخرى للنهي اهـ. قلت: صواب العبارة أن يقول: علَّة أخرى لسؤال الطلاق، وهذا وجه ضعيف؛ لأنه يؤول إلى عطف التفسير؛ لأنه عين معنى قوله: «لتستفرغ صحفتها» وذلك لا يلاقي طريقة التمثيل وبلاغته، والظاهر أنَّ كسر اللام ونصب

стр. 320

«لتنكح» خطأٌ من الراوي. * * * ووقع فيه قوله: «الذي لا يعجل شيءٌ أناه وقدَّره» ثبت في جميع روايات «الموطإ» لفظ «شيء» مرفوعًا، فيجوز في «يعجل» أن يكون بفتح الياء وفتح الجيم مضارع عجل وهو لازم غير متعد. و «أناه» بفتح الهمزة على أنَّه بمعنى وقته، و «قدره» بتشديد الدال أي: جعل له قدرًا. والمعنى: لا يتعجل شيء وقَّت له وقتًا وقدر له تقديرًا، فيأتي قبل وقته وعلى غير قدره. ويجوز أن يكون «يعجل» بضم الياء وكسر الجيم مضارع أعجل المتعدِّي بالهمزة، و «إناء» بكسر الهمزة و «قدره» بتخفيف الدال، أي: لا يستطيع شي من الأشياء أن يُسرع وقتًا وقَّته الله وقدرًا قدَّره الله فيقدمه على وقته، ويجوز أن يكون «يُعجَّل» بضم الياء مع تشديد الجيم، والمعنى مثل الذي قبله. هذه أظهر الوجوه في ضبطه. وتجوز وجوه أخر فيها ضعف، وقد أنهاها ابن العربي في «القبس» إلى عشرة وبعضها لا يوافق الرواية. قال عياض في «المشارق»: اختلف الشيوخ في ضبط هذه الجملة فرواية عبيد الله عن أبيه «يعجل»، بفتح الياء والجيم و «أناه وقدره» مفعول به و «شيء» مرفوع هو بالفاعل. ورواه القنازعي بضم «يعجل». ورواه ابن وضَّاح «شيئًا» مفعولاً و «أناه» الفاعل. وكلهم يقولون: أناه: قدَّره. وقال الجياني: رواه بعضهم «يعجل» بتشديد الجيم «شيئًا آناه» أي: أخره بفتح الهمزة ومدها وقصر آخره (أي: قصر همزته) و «قدره» بتشديد الدال فعلان. قلت: رواه القعنبي عن مالك: «لم يُعجل» بضم الياء و «شيئًا» بالنصب «أناه قدره» دون واو العطف. قال ابن بشكوال: وهو الصواب إن شاء الله. وقد
следующие страницы →