Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
المجنون وليلي يرعيان البهم وهما صبيان، فعلقها [علاقة الصبا] وقال:
تعلَّقت ليلي وهي غر صغيرة ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغير ين نرعى البهم ياليت أنَّنا ... صغيران لم نكبر ولم تكبر البهم
ثم نشأ، وكان يجلس معها ويتحدَّث في ناس من قومه، وكان ظريفاً جميلاً رواية للشعر حلو الحديث، فكانت تعرض عنه وتقبل بالحديث علي غيره، حتى شقَّ ذلك عليه وعرفته، فقالت:
كلانا مظهر للنّاس بغضاً ... وكل عند صاحبه مكين
تبلِّغنا العيون بما رأينا ... وفي القلبين ثمَّ هوًى دفين
ثم تمادي به الأمر حتى ذهب عقله، وهام مع الوحش، وصار لابليس ثوباً إلا خرقه، ولا يعقل [شيئاً] إلا أن تذكر له ليلي، فإذا ذكرت عقل وأجاب عن كل ما يسأل عنه، وتقدمت ترجمته في الإنشاد السابع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن عشر بعد المائتين:
(٢١٨) ولا سيناَّ يوم بدارة جلجل
стр. 1017
وصدره:
ألا ربَّ يوم صالحٍ لك منهما
وهو من معبقة امرئ القيس، وقد لخص المصنف كلام أبي حيان في "شرح التسهيل" وجميع ما ذكره في "ولاسيما" منه، قال ناظر الجيش: وأما بيت امرئ القيس فتخرج رواياته علي ما تقدم من التقرير، والرفع فيه قوي أيضاً، لأن "ما" لم تقع فيه على العاقل، ولم تقصر الصلة، بل طالت بذكر "دارة جلجل" وجوز المصنف فيه – يعني: ابن مالك – نصيب "يوماً" علي الظرف، وجعله صلة لما، قال: وبدارة جلجل صفة لـ "يوماً"، أو متعلق به، لما فيه من معنى الاستقرار، قال: فإن "ما" المذكورة قد توصل بظرف، كقولك: يعجبني الاعتكاف، لاسيما عند الكعبة، والتهجد لاسيما إذا قرب الصبح، ومنه قول الشاعر:
يسرُّ الكريم الحمد لاسيما لدى ... شهادة من في خيره يتقلَّب
وأما الوصل بجملة فعليه، فكقولك: يعجبني كلامك لاسيما تعظ به، ومنه قول الآخر:
فق النّاس ف الخير لاسيمَّا ... بنيلك من ذي الجلال الرِّضى
انتهى. وضمير "منهما" في البيت راجع إلي امرأتين في بيت قبله، وقد شرحنا تسعة أبيات مع البيت الشاهد، وبسطنا الكلام عليها في الشاهد الرابع والأربعين بعد المائتين من شواهد الرضي، ولكن ينبغي أن نذكر هنا خبر يوم دارة جلجل، وهو بضم الجيمين، قال أبو عبيدة البكري في "معجم ما استعجم":
стр. 1018
قال أبو عبيدة: دارة جلجل: موضع بديار كندة، وقال أبو الفرج: قال الكلبي: هو عين عند كندة. انتهي. والمشهور أنه اسم غدير، قال ابن الأنباري في شرح معلقة امرئ القيس كان من حديثه على ما حدث به ابن وألان عن أبي شقفل رواية الفرزدق أنه قال: لم أر أروى من الفرزدق لأخبار امرئ القيس وأشعاره، وخرجنا يوماً إلي المربد بعقب طش قد وقع، واتصل به خبر نسوة أشراف قد خرجن إلي منتزه لهنً، فقال: سر بنا، حتى قرب من مجتمعهن. فخلفني وصار إليهنَّ، فلما رأينه قلن: قد عملنا أنا لن نفوتك، فلم يزل يومه الأطول يحدثهنَّ ويفاكههنَّ وينشدهن إلي أن وَّلى النهار، ثم انصرف إليَّ، فقال: سر بنا فلم أر يوماً قط أشبه بيوم دارة جلجل من يومنا هذا، ثم أنشأ يحدث حديث يوم دارة جلجل، فقال: حدثني الثقة أن حيَّ امرئ القيس تحمَّلوا، وهو يومئذ شابً حديث السن، يهوى ابنة عّمٍ له يقال لها: فاطمة، ويكني عنها بعنيزة، وتخلف النساء وفيهن فاطمة، وارتحل امرؤ القيس ليرى الحيُّ مسيرة إلي أن نأى عن الحيِّ، فأخفى المسير وارتحل النساء بعدهم فمررن علي الغدير ولا يدربن أن وراءهن أحداً فنزلن، وعند الغدير شجرة، فأنخن إبلهنً إلي تلك الشجرة، ونزعن ثيابهنً فدخلن الغدير، وجاء امرؤ القيس فأخذ ثيابهنً، وقال: لا تأخذ امرأة منكن ثيابها حتى تخرج كما هي، فناشدته الله وطلبن إليه، حتى طال يومهن وخشين أن يفوتهن المنزل، فجعلن يخرجن واحدة واحدة حتى بلغ إلي فاطمة، فرآها واستمتع بالنظر إليها، ثم قلن له: قد اتعبتنا فاجلس، فجلس ينشدهنَّ ويحدثهنَّ ويشرب من شراب كان معه، فقالت إحداهنَّ: أطعمنا لحماً، فقام إلي مطيته فنحرها وأطعمهن من لحمها، وشرب حتى انتشى، حتى إذا أرادوا الرواح قالت امرأة منهنً: أتدعن امرأ القيس يهلك؟ فقالت فاطمة: فكّكن رحله واحملنه معكنَّ، وأنا أحمله معي في هودجي، ففعلن، فجعل يميل رأسه إليها فيقبلها، وجعل هودجها
стр. 1019
يميل بها وهي تنادي به وتقول: قد عقرت بعيري فانزل، حتى إذا بلغ قريباً من الحيَّ كمن في غمض من الأرض وسار النساء حتى بحقن برحالهن. انتهي. وقد روى ابن عبد ربه في "العقد الفريد" خبر هذا اليوم بأبسط من هذا، وقد نقلناه هناك.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد المائتين:
(٢١٩) فه بالعقود وبالأيمان لاسيما ... عقد وفا به من أعظم القرب
علي أن قولهم: "ولاسيَّما" تخفف ويحذف واو العطف، واختلف في المحذوف هل هو العين أو اللام، قال أبو حيان: المحذوف اللام، ويجوز أن يكون العين وهي من باب طويت. انتهي. وقال ابن إياز في "شرح الفصول": الذي يقتضيه القياس أن يكون المحذوف اللام، لأن الحذف، إعلال والإعلال في اللام شائع كثير بخلاف العين، وزعم بعضهم أنهم حذفوا الياء الأولي، والثانية متحركة، والمتحرك أقوى من الساكن، فكانت الأولى أولى بالحذف لضعفها.
وقوله: فه؛ أمر بالوفاء، من وفى يفي والهاء للسكت. لا ينطبق به في الوصل، وإنما رسم لاعتبار النطق به في الوقف، كما هو قاعدة الخط. والعقود: جمع عقد، وهو العهد الموثق، وأصله الجمع بين شيئين بحيث يعسر الانفصال، والوفاء بالعقد: هو القيام بمقتضي العهد، والأيمان: جمع يمين وهو القسم، والقرب: جمع قربه، وهو ما يتقرب به، ووفاء: بدل اشتمال من عقد، ويجوز في عقد الوجوه الثلاثة، كما في بيت امرئ القيس. والبيت أنشده ابن مالك في "شرح التسهيل" ولم يعزه إلي قائله.
стр. 1020
سواء
أنشد فيه، وهو الإنشاد العشرون بعد المائتين:
(٢٢٠) فلأصرفنَّ سوى حذيفة مدحتي ... لفتي العشِّي وفارس الأحزاب
علي أن سوى فيه بمعني القصد، قول المصنف ذكره في آخر المجلس الواحد والثلاثين "من أماليه" في فصل عقده لسوى قال: استعملوا المقصورة بمعني القصد، فقالوا: قصدت سوى فلان، أي: قصدت قصده، وهذا أغرب ما جاء فيها، قال: فلأصرفن سوى حذيفة .. البيت، أراد: قصد حذيفة، واستعملوا الممدود بمعني الوسط، ومصدراً في معني اسم [الفاعل] المشتقمن الاستواء. انتهي. فقصر ما ذكره المصنف علي المقصورة، وكذا قال صاحب "الصحاح": وقصدت سوي فلان، أي: قصدت قصده، وأنشد البيت، وكذا في "القاموس": والقصد: بمعني النحو والجهة، قال في "الصحاح": وقصدت قصده: نحوت نحوه، وقد ذكر ابن الانباري المقصورة والممدودة بمعني القصد، قال في كتاب "المقصور والممدود": قال الفراء: السوا: القصد، يمد ويقصر، أنشد في قصره: فلاصرفن سوى حذيفة .. البيت، وكذا في كتاب "المقصور والممدود" لأبي علي القالي: قال الفرا: السواء القصد، بالمد وفتح السين، وبالقصر وكسر السين. انتهي. وأورد أبو العباس أحمد بن محمد بن وَّلاد هذه الكلمة في كتابه "المقصود والممدود" ولكن بغير هذا المعني، قال سوى بمعنى غير، مكسور الأول مقصور، يكتب بالياء، وقد
стр. 1021
يفتح أوله فيمد، ومعناه كمعنى المكسور. انتهي. ولم يتعرض لمعنى القصد أصلاً، وقال أبو علي الفارسي في "الحجة" عند قوله تعالي: (سواء أأنذرتهم): من أول سورة البقرة [الآية/٦]؛ قال أبو الحسن في قوله: (مكاناً سوى) فيها أربع لغات؛ منهم من يفتح أول ويمده، ومنهم من يكسر أوله ويقصره، قال: وهاتان لغتان معروفتان، قال: ومنهم من يكسر أوله ويمده، ومنهم من يضم أوله ويقصره، وهاتان اللغتان أقل من تينك، والمضمومة الأول أعرفها، وقال: (مكاناً سوى) [طه/٥٨] أي: عدل، وأنشد:
وإنَّ أبانا كان حلَّ ببلدةٍ سوىً بين قيس عيلان والفزر يقول: عدل، وقال في قول الشاعر:
لو تمنَّيت حليلتي ما عدتني ... أو تمنَّيت ما عدوت سواها
يقول: ما عدوت قصدها، قال: والقصد والعدل مشتبهان، وأنشد:
ولأصرفنَّ سوى حذيفة مدحتي ... لفتى الشعبي وفارس الأجراف
قال: يريد: لأصرفن قصده، أي: عن قصده، أو: لأصرفن إلي غيره، لأن سواء غيره، كما قال حسان:
أتانافلم نعدل سواه بغيره ... نبي أتى من عند ذي العرش هاديا
стр. 1022
قال: يقول: لم نعدل سوى النبي صلي الله عليه وسلم بغير سواه، وغير سواه هو هو فأما قوله:
وما قصدت من أهلها لسوائكا
فإنه عدّى قصدت باللام، وإن كان يعدّى بإلى، كما عدَّوا أوحيت وعديت بهما في نحو: (وأوحى ربك إلي النحل) [النحل/٦٨] وفي أخري: (بأن ربَّك أوحى لها) [الزلزلة/٥] وقال: (ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً) [النساء/١٧٥] و: (الحمد لله الذي هدانا لهذا) [الأعراف/٤٣] انتهي كلام أبي علي.
ومع نقل هؤلاء الأئمة لا يلتفت إلي إنكار أبي عبيد البكري، قال في "شرح نوادر القالي": أنشد اللغويون في سوي بمعني القصد:
فلأصرفن سوى حذيفة .. البيت
وأنا أشهد أن قائل هذا البيت إنما قال: فلأصرفن إلي حذيفة مدحتي، وسوى موضوع، وأنشدوا أيضاً:
لو تمنَّيت حليلتي ما عدتني ... البيت
وأنا أقول: إن سواها بمعني غيرها لا غير. انتهي. وكأنه لم يتأمل معني البيت، فإنه بتقدير أن يكون مدحاً لحذيفة، وليس كذلك، فإن
стр. 1023
المدح مصروف عنه إلي فتي العشي، كما قرره أبو علي، وإذا كان كذلك لا يصح ما ادعاه، ويتعين ما قاله أئمة اللغة، وليس المعنى علي ما قاله في البيت الثاني أيضاً، فإن قولنا: ما عدوت غيرها، مفهومه: بل وعدوتها، وهذا خلاف المقصود، وإنما المراد: ما عدوت عن قصدها وجهتها، بل كانت هي التمنى, ووقعت القافية في نسخ "المعني": الأحزاب، وهذا تحريف من الكتَّاب وإنما القافية فائية، والرواية هي: الأجراف، قال جامع "ديوان قيس بن الخطيم": هو موضع، وكذلك قال ياقوت في "معجم البلدان" وهو في الأصل جمع جرف، بضم الجيم وسكون الراء، وهو الموضع الذي تجرفته السيول وأكلته من الأرض، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": الأجراف كأنه جمع جرف، وهي منازل بني مرة بن عباد بن قيس بن ثعلبة، وتسمى القاعة أيضاً، بالقاف والعين المهملة.
وليس في أول البيت فاء ولا واو، وإنما الرواية بدونهما علي الخرم. وهو أول بيت من أبيات ثماينة لقيس بن الخطيم، قال صاحب "مقاتل الفرسان": قال الأثرم: أنشد أبو عبيدة هذه القصيدة لقيس بن الخطيم، وقال: كان رجل من عبد القيس قتل أباه الخطيم، فرآه قيس بسوق عكاظ، فأتى حذيفة ابن بدر فقال: أجرني حتى أقتل هذا العبدي، فإنه قاتل أبي، فأبى ذاك عليه، فأتى خداش بن زهير العامري، فاستجاره فأجاره، فشدَّ على العبدي فقلته. انتهى.
стр. 1024
ومن هذا يعلم أن المدح مصروف عن حذيفة بن بدر إلي خداش بن زهير العامريـ فيكون تقدير الكلام: ولأصرفن عن قصد حذيفة، كما قال أبو علي، والفتى هنا: هو ما نقله الأزهري عن الفتي قال: ليس الفتي بمعنى الشاب والحدث، إنما هو الكامل الجزل من الرجال، يدلك علي ذلك قول الشاعر:
إنَّ الفتي حّمال كلِّ ملمةٍ ... ليس الفتي بمنعمَ الشَّبان
وقال ابن هرمة:
قد يدرك الشَّرف الفتى ورداوه ... خلقً وجيب قميصه مرقوع
وقال الأزهري أيضاً: العشي يقع ما بين زوال الشمس إلي وقت غروبها، كل ذلك عشي، فإذا غابت الشمس فهو العشاء. انتهي. وأضاف الفتى إلى العشي مبالغة في مدحه، فإنه إذا كان جلداً في شدة الهواجر، ففي غيرها يكون من باب أولى، وروري: "لفتي الشتاء" فيكون الفتي بمعنى السخي، والشتاء عند العرب: زمن القحط والمحل، لانكشاف وجه الأرض مما يأكله الناس ويرعاه الحيوان، ويناسب هذه الرواية الذي بعده، وهو:
من لا يزال يكبُّ كلَّ ثقيلةٍ ... وجناء غير محادرٍ منزاف
الضارب البيض المتقَّن صنعه ... يوم الهياج بكلِّ أبيض صافي
إن تلق خيل العامريِّ مغيرةً ... لا تلقهم متعفقي الأعراف
وإذا تكون عظيمة في عامرٍ ... فهو المدافع عنهم والكافي
الواترون المدركون بتبلهم ... والحاشدون علي قرى الأضياف
стр. 1025
تعدو بهم في الررَّوع كلُّ طوالةٍ ... تنضو الجياد ومنهبٍ عراَّف
زبدٍ قوائمه شديدٍ أسره ... صلت المعذَّر ذي سبيبٍ ضاف
يكبّ: يصرع، والثقيلة: الناقة المثقلة بالحمل، ونحرها للضيف عند العرب مما يفتخرون به، والوجناء: الناقة الشديدة السالمة من كل داء، ونحر مثل هذه غاية في الكرم، وناقة حرود ومحارد: بينّه الحراد، والحرد، بمهملات وبالتحريك: داء في قوائم الإبل وفي اليدين، وقيل: يبس عصب إحداهما من العقال، فيخبط بيديه إذا مشى، والمنزاف بالنون والزاي: المنقطعة اللبن، والبيض، بالفتح: جمع بيضة، وهي الحوذة، والمتقن، بفتح القاف المشدد: المحكم، والهياج: الحرب، والأبيض: السيف.
وقوله: إن تلق خيل العامري .. الخ، وصفهم بالفروسية والثبات علي ظهور الخيل، فهم لا يتعفّقون بأعرافها، أي: لا يتعقل بها ولا يمسكونها من خوف السقوط، والعرف، بالضم: شعر أعناق الخيل.
وقوله: الواترون، أي: الظالمون في الوتر، وهو الحقد، وهذا مدح عندهم والتّي
بل: العداوة. وطوالة، بالضم: الطويلة الظهر والعنق والقوائم، وتنضو، بالنون والضاد المعجمة، تسبق، والمنهب، بالكسر: الفرس الفائق في العدو كأنه ينهب الأرض، وغرّاف، بالغين المعجمة: مبالغة غارف، وهو الفرس السريع كأنه يغرف الجري.
وزبد، بفتح الراء وكسر الموحدة وأخر ذال معجمة: الخفيف القوائم في مشيه، والأسر: الخلقة والبنية، والصلت: الواضح، والمعذر: الحدّ، والسبيب كم الفرس: شعر الذنب والعرف والناصية، والضافي: الكثير الوافي.
стр. 1026
وقيس بن الخطيم، وعامر بن الطفيل ماتا علي دين الجاهلية، ورأيت في "الأغاني" أنها أول قصيدة لرجل من بني الحارث بن الخروج من الأنصار رثى بها ربيعة بن مكدّم الجاهلي أحد فرسان مضر المعدودين وشجعانهم المشهورين، وبعده:
مأوى الضَّريك إذا الرِّياح تناوحت ... ضخم الدسيعة مخلفٍ متلاف
من لا يزال يكبُّ كلَّ ثقيلةٍ ... كوماء غير محارد منزاف
رحب المباءة والجناب موطا ... مأزى لكل معتَّقِ مسواف
فسقي الغوادي قبرك ابن مكدَّمٍ ... من صوب كل مجلجلٍ وكّاف
وبعد هذا أبيات أخر، والضريك، بالضاد المعجمة: الفقير السيئ الحال، وقوله: إذا الرياح تناوحت، أي: تقابلت، وأراد زمن الشتاء، والسيعة: العطية، والكوماء: العظيمة السنام، والمباءة: المنزل، والموطأ: السهل الجانب، والمعتق: المعضض، والمسواف: الذي وقع في ماله السواف، كسحاب, وهو موت الإبل، والغوادي: جمع غادية، وهي سحابة النهار. وابن مكدَّم: منادي، والصوب: المطر، وسحاب مجلجل، بجمين: له صوت الرعد، والو كَّاف: الماطر، من وكف إذا قطر.
وقيس بن الخطيم، بفتح الخاء المعجمة وكسر الطاء المهملة: شاعر فارس أنصاري، ذكر أهل المغازي أنه قدم. سكة، فدعاه النبي، صلي الله عليه إلي الإسلام، وتلا عليه القرآن، فقال: إني لأسمع كلاماً عجيباً، فدعني أنظر في أمري هذه السنة، ثم أعود إليكـ فمات قبل الحول، وهو من الأوس، وله في وقعة بعاث التي كانت بين الأوس والخزرج قبل الهجرة أشعار، كثيرة وقد بسطا ترجمته في الشاهد الخامس بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.
стр. 1027
حرف العين المهملة
على
أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد المائتين:
(٢٢١) تحنّ فتبدي ما بها من صبابةٍ ... وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
علي أن أصله: لقضي علي. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": واستدل الأخفش علي اسمية (علي" بقول العرب: "سويت علي ثيابي" ووجه الدلالة أنه قد تقرر، أن فعل المضمر لا يتعدى إلي مضمره المتصل لا بنفسه ولا بواسطة، فلا تقول: زيد ضربه، تريد: ضرب نفسه، ولا: فرحت بي، تريد: فرجت بنفسي. وفي: سويت عليّ، قد تعدى إلي ضميره المتصل، فوجب أن يعتقد في "على" أنها اسم، لأنه يجوز: سويت فرقي ثوبي، قال بعض أصحابنا: وكذلك ينبغي أن تجعل "على" اسماً في قوله:
هوِّن عليك فإنَّ الأمور ... بكفِّ الإله مقاديرها
للعلة التي ذكرها الأخفش، وكذلك في قوله:
دع عنك نهباً ... البيت
стр. 1028
وهذا الذي ذهب إليه الأخفش وبعض أصحابنا لا يطّرد، بل هو مراد غالب، لكنه قد جاء ذلك التعدي قال تعالي: (وهزّي إليك) [مريم/٢٥] وقال تعالي: (واضم إليك جناحك) [القصص/٣٢] ومن كلامهم: فئ إليك، ولم يذهب أحد إلي أن "إلى" اسم، فكذلك تقول في: سويت عليَّ، وفي: هوّن عليم، وفي: دع عنك: إنها حروف كـ "إلى"، لكن تلك التعدية قليلة، فلا تكون تلك التعدية دلالة اسمية "عن وعلى" وما ذكره المصنف من أن علي إنما تكون اسماً إذا دخل عليها "من"، هو مشهور قول البصريين.
وذهب ابن الطراوة وابن طاهر وابن خروف وأبو علي الرُّندي وأبو الحجاج ابن معزوز، والأستاذ أبو علي في أحد قوليه، إلي أنها لا تكون حرفاً، وزعموا أن ذلك مذهب سيبوية، لقوله في باب "عدة ما يكون عليه الكلم" فهو اسم، ولا يكون إلا ظرفاً. وقد صنف ابن معزوز جزءاً في عشرين ورقة استدل فيه علي أن "على" لا تكون حرفاً باسماً، وأما من أثبت ذلك فاستدل علي حذفها في ضرورة الشعر، أي، لقضى على أنه مفعول به نحو قوله: نحنُّ فتبدي ما بها .. البيت، أي: لقضي علي، وقد أجاز أبو الحسن الأخفش حذفها في الكلام، ونصب ما بعدها مفعولاً به، وجعل من ذلك قوله تعالي: (ولكن لا تواعد وهنّ سرّاً) [البقرة/٢٣٥] أي: علي سّرٍ، وقوله تعالي:
стр. 1029
(لأقعدن لهم صراطك) [الأعراف/١٦] أي: علي صراطن، وهذا الاستدلال يمكن أن تتأول فيه الأفعال علي تضمين مالا يتعدي بـ "على"، فلا يتم الاستدلال.
واستدل أيضاً من أثبت الحرفية بحذفها مع الضمير في الصلة، نحو: ركبت على الذي ركبت، نحو قوله:
فأصبح من أسماء قيس كقابضٍ ... علي الماء لا يدري بما هو قابض
أي: عليه. ولو كانت اسماً لم يجز ذلك، لو قلت: قعدت وراء الذي قعدت، تريد: وراءه؛ لم يجز. إلي هنا كلام أبي حيان، والتضمين الذي ذكره يكون بتضمين قضى بمعنى أهلك أو قتل.
وهذا البيت أورده المبرد في أول "الكامل" مع بيت قبله، قال: ومما يستحسن ويستغرب معناه، ويحمد اختصاره قول أعرابي من بني كلاب:
فمن يك لم يغرض فإَّني وناقتي ... بجحرٍ إلي أهل الحمى غرضان
نحن فتبدي .. البيت، يريد: لقضي علي، فأخرجه لفصاحته وعلمه بجوهر الكلام أحسن مخرج، قال الله تعالي: (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) [المطففين/٣] والمعني: إذا كالوا لهم، أو وزنوا لهم، أو وزنوا لهم، ألا تري أن أول الآية: (الذين إذا اكتالوا علي الناس يستوفون) فهؤلاء أخذوا منهم [ثم] أعطوهم انتهي وكتب هنا علي الكامل تلميذه أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش قوله: لم يغرض، أي: لم يشتق، يقال: غرضت إلي لقائك، وحننت إلي لقائك وعطشت إلي لقائك، وجعت إلي لقائك، أي: اشتقت. أخبرنا بذلك أحمد ابن يحيي عن ابن الأعرابي، وأنشدنا عنه:
стр. 1030
من ذا رسول ناصح فمبلِّغ ... عنّي عليَّة غير قول الكاذب
أنَّي غرضت إلى تناصف وجهها ... غرض المحب إلي الحبيب الغائب
والتناصف: الحسن. وأما قوله: لقضائي، فإنما يريد: لقضى عليَّ الموت، كما قال الله، : (فلما قضينا عليه الموت) [سبأ/١٤] فالموت في النية، وهو معلوم بمنزلة ما نطقت به، وكذلك قوله: (الوهم) [ف] الشيء المكيل معلوم، فهو بمنزلة ما ذكر في اللفظ. انتهي. وغرض: بإعجام الطرفين، من باب علم، وحجر، بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم؛ قال صاحب "القاموس": هي قصبة باليمامة، وموضع بديار بني عقيل، وواد بين بلاد عذرة وغطفان، وقرية لبني سليم، وجبل ببلاد غطفان، وموضع باليمن، وموضع به وقعة بين دوس وكنانة. انتهي. والمشهور هو الأول. والصبابة: رقة الشوق، والأسى، بضم الهمزة جمع، أسوة، كالعرى جمع عروة، والأسوة: التأميي والاقتداء بالغير وما يتأسى به الحزين ويتعزى، أي: يتصبر. ورواه أبو علي في "المسائل العسكرية": "نحن وتبدي" بالواو، قال: وسمعت كثيراً ينشدون: الأسى بفتح الهمزة، وهو خطأ، لأنه بمعنى الحزن، ويفسد به المعنى. انتهي.
واعلم أن لعروة بن حزام العذري قصيدة غرامية علي هذا الوزن والروري، ومطلعها:
خليليَّ من عليا هلال بن عامرٍ ... بصنعاء عوجا اليوم وانتظر اني
стр. 1031
وهي قصيدة جيدة في بابها، قد أوردناها في الشاهد الثلاثين بعد المائتين من شواهد الرضي، وقد زعم العيني أن البيت الشاهد من هذه القصيدة، وتبعه السيوطي وغيره، وعندي ثلاث نسخ من "ديوان عروة" المذكور، وقد واجعت الثلاث فلم أجده في واحدة منهن، والله أعلم.
وأنشد بعده:
وبات علي النّار النّدي والملحلَّق
وصدره:
تشبُّ لمقرورين يصطليانها
وتقدَّم شرحه في الإنشاد التاسع والثلاثين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٢) إذا رضيت عليَّ بنو قشيرٍ ... لعمر الله أعجبني رضاها
علي أن علي بمعنى عن، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وقوله للمجاوزة: هذا مذهب كوفي، وتبعهم القتبي والمصنف، واستدلوا بقوله: إذا رضيت
стр. 1032
علي ... البيت مع أبيات أخر، وتأول البصريون ذلك بتضمين "رضيت" معنى "عطفت" لأنه إذا رضي عنه فقد عطف عليه، أو أجرى "رضي" مجرى ضده وهو "سخط" فعداه تعديته، فكما يقال: سخط عليه، قيل: رضي عليه. انتهي. وذكر ابن جني في "الخصائص" أن هذا توجيه الكسائي، قال: وكانأبو علي يستحسن قول الكسائي في هذا، لأنه لما كان رضيت ضد سخطت، عدى رضيت بـ "على"، حملاً للشيء علي نقيضه، كما يحمل على نظيره، وقد سلك سيبوية هذه الطريق في المصادر كثيراً فقال: قالوا كذا، كما قالوا كذا، وأحدهما ضد الآخر. انتهي.
وقد عدَّ ابن عصفور هذا من الضرائر فقال: ومنه إنابة حرف مكان حرف، وأورد هذا البيت وغيره، ولم أره لغيره، كيف وقد ورد في القرآن والحديث وغيرهما! وغاية ما قيل فيه أنه لا يطرد في كل موضع، وقد أفرد له ابن جني باباً في "الخصائص" وقد سقناه ملخصاً مع كلام ابن السيَّد في "شرح أدب الكاتب" لابن قتيبة في الشاهد الخامس والعشرين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي.
قال الجواليقي في "شرح أدب الكاتب": والبيت من قصيدة للقحيف العقيلي مدح بها حكيم بن المسيب القشيري، وقشير بن كعب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة، وقشير وعقيل والحريش وجعدة إخوة فكلهم بنو كعب بن ربيعة.
يقول: إذا رضيت عني بنو قشير سرني رضاها. انتهي. وقد تقدم بعض أبيات منها في الإنشاد الواحد والستين بعد المائه مع ترجمة القحيف، وبعده هذا البيت
стр. 1033
ولا تنبو سيوف بَّني قشيرٍ ... ولا تمضي الأسنّة في صفاها
واقتصر عليها أبو زيد في "نوادره" وكذا ابن السيد في "شرح أدب الكاتب" يريد أن سيوفهم قاطعة لا تنبو عن شيء، وأسنة غيرهم لا تؤثر فيهم، فإنهم كالصخرة الملساء، وهي الصفا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٣) في ليلةٍ لا ثرى بها أحداً ... يحكي علينا إّلا كواكبها
لما تقدَّم قبله، واستشهد به سيبويه علي أن "كواكبها" بالرفع بدل من الضمير في يحكي الراجع إلي أحد، وسيأتي، إن شاء الله، الكلام عليه في باب الاستثناء من الباب الخامس، وقد نسب خدمة الكتاب هذا البيت إلي عدي بن زيد، وقد تصفحت ديوانه مرتين فلم أجده فيه، وإنما هو لأحيحة بن الجلاح الأنصاري من أبيات أثبتها الأصفهاني له في كتاب "الأغاني" وهي:
يشتاق قلبي إلي مليكة لو ... أمسى قريباً لمن يطالبها
ما أحسن الجيد من مليكة ... والسلبَّات إذ زانها ترائبها
ياليتني ليلةً إذا هجع ... الناس ونام الكلاب صاحبها
في ليلةٍ لا تري بها أحداً ... يحكي علينا إلاّ كواكبها
لتبكني قينة ومزهرها ... ولتبكني قهوة وشاربها
ولتلكني ناقة إذا رحلت ... وغاب في سربخٍ مناكبها
стр. 1034
ولتبكني عصبة إذا اجتمعت ... لم يعلم النّاس ما عواقبها
واسم أمسي: ضمير القلب، ولو: للتمني، ومن: موصولة بمعنى التي، وملكية: بوزن المصغر، "وما" تعجبيّة، واللبة، بفتح اللام: موضع القلادة من الصدر، والترائب: جمع تربية، وهي عظام الصدر ما بين الترقوتين إلي الثدي، وصاحبها: خبر ليت، وليلة: ظرف لصاحبها، وإذا: بدل اشتمال منها، والضمير مقدر، أي هجع الناس فيها، وفي ليلة: بدل من إذا هجع .. الخ، وجملة لا نري .. الخ: صفة ليلة، ونرى بالنون ويروى بالتاء، وجملة "يحكي علينا": صفة لأحد، وروي بدله: يسعى علينا، من سعى به إلي الوالي: إذا وشى به ونمَّ عليه، وقوله: لتبكني: أمر غائب، وفاعله قينة، بفتح القافـ، وهي الأمة، مغنّية كانت أم لا، والمزهر، بالكسر: عود اللهو، والقهوة، والخمر، والسَّربخ، بفتح السين وسكون الراء المهملتين، وفتح الموحدة بعدها خاء معجمة: الأرض الواسعة. وقوله: ما عواقبها، ما، استفهامية مبتدأ، وعواقبها الخبر، أو بالعكس، والجملة في موضع مفعولي يعلم المعلق عن العمل بالاستفهام.
قال صاحب"الأغاني" إن تبعاً الأخير، وهو أبو كرب، أقبل من اليمن يريد الشرق، فمر بالمدينة، فخلف بها ابنه ومضي حتي نزل بالمشقر، فقتل ابنه غيلة، فكرً راجعاً إلي المدينة وهو مجمع علي إخراجها، واستئصال أهلها وسبي الذرية وقطع نخلها، فنزل بسفح أحد، ثم أرسل إلي أشراف أهل المدينة ليأتوه، فكان ممن أرسل إليه زيد بن ضبيعة، وابن عمه زيد بن أميّة: وابن عمه زيد بن عبيد، وكانوا يسمون الأزياد، وأحيحة بن الجلاح، فخرجوا إليه، وخرج أحيحة ومعه قنية وخباء وخمر، فضرب الخباء وجعل فيه القنية
стр. 1035
والخمر، ثم استأذن علي تبع فأذن له وأجله معه علي زربية تحته، وتحدث معه وسأله عن أمواله بالمدينة فجعل يخبره عنها، فخرج من عنده فدخل خباءة فشرب الخمر، وقرض أبياتاً وأمر القينة أن تغنيه بها، وجعل تلَّع علمية حرساً، وكانت قينته تدعي ملكية، فقال: يشتاق قلبي إلي مليكة .. إلي آخر الأبيات المتقدمة، فلم تزل القينة تغنيه بذلك يومه وعامة ليلته، فلما نام الحرس قال لها: إني ذاهب إلي أهلي، فشدّي عليك الخباء، فإذا جاء رسول الله فقولي: هو نائم، فإذا أبوا إلا أن يرقظوني فقولي: قد رجع غلي أهله، وأرسلني إلي الملك برسالة، فإن ذهبوا بك إليه فقولي له: يقول لك أحيحة: اغدر بقينة أودع، ثم انطلق فتحصن في أطمه الضحيان، فأرسل تبع من جوف الليل إلي الأزياد فقتلهم، وأرسل إلي أحيحة ليقتله فقالت القينة: هو راقد، وترددوا إليها مراراً، ثم قالوا: لتوقظنَّه أو لندخلنَّ عليك، قالت: إنه قد رجع إلي أهله، وأرسلني إلي الملك برسالة، فذهبوا بها إليه، وأبلغته الرسالةـ فجرّد له كتيبة فحاصروه ثلاثاً، فكان يقاتلهم بالنهار، ويرميهم بالنبل والحجارة، ويرمي إليهم في الليل بالتمر فقالوا للملك: بعثنا إلي رجل يقاتلنا بالنهار، ويضيفنا بالليل! فتركه، وأمرهم أن يحرقوا نخلهـ وشبت الحرب بين أهل المدينة وبين تبَّع، فبينا يريد تبَّع إخراب المدينة أتاه حبران من اليهود، فقالا: أيها الملك انصرف من هذه البلدة فإنها محفوظة، وإنها مهاجر نبي من بني إسماعيل اسمه أحمد يخرج من هذا الحرم، فكفَّ عن أهلها. إلي هنا كلام "الأغاني" باختصار.
والأكم بضمتين: جمع أطمة، بفتحات، وهي حصون لأهل المدينة، والضحيان، بفتح الضاد المعجمة وسكون الحاء المهملة بعدها مثناة تحتية: اسم حصن لأحيحة، وله حصن آخر اسمه المستظل.
стр. 1036
وأحيحة بن الجلاح: بضم الهمزة وبالحاءين المهملتين، والجلاح: بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره حاء مهملة، وكان أحيحة سيد الأوس في الجاهلية، وكانت أم عبد المطلب بن هاشم تحته، والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة صحابي شهد بدراً، وقتل يوم بئر نعونة، وقد بسطنا الكلام علي هذه الأبيات، وعلي الأطم، وعلي ترجمة أحيحة بن الجلاح في الشاهد السابع والعشرين بعد المائتين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد المائتي:
(٢٢٤) على م تقول الرُّمح يثقل عاتقي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرَّت
علي أن على فيه للتعليل، كذا في "شرح التسهيل" لابن مالك، قال أبو حيان: هذا مذهب الكوفيين والقتبي، واستدلوا بقول الراعي:
رعته أشهراً وخلا عليها ... فطار النَّيُّفيها واستغاراً
أي: خلا لها، وتأوله البصريون علي تضمين "خلا" معني وقف، لأنه إذا خلا لها فقد وقف عليها، يصف إبلا سمنت بسرعة، والنَّنيُّ: الشحم. انتهي.
والبيت من أبيات لعمرو بن معدي كرب، أوردها أبو تمام في "الحماسة" وهي:
стр. 1037
ولما رأيت الخيل زوراً كأنَّها ... جداول زرعٍ أرسلت فاسبطرَّت
فجاشت إليَّ النَّفس أوَّل مرَّةٍ ... فردَّت علي مكروهها فاستقرَّت
علام تقول الرُّمح يثقل عاتقي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرَّت
لحى اله جرماً كلّما ذرَّ شارق ... وجوه كلاب هارشت فاز بأرَّت
فلم تغن جرم نهدها إذ تلاقيا ... ولكنَّ جرماً في اللَّقاء ابذعرَّت
ظللت كأنَّي للرِّماح دريَّة ... أقاتل عن أبناء جرمٍ وفرَّت
فلو أنَّ قومي انطقتني رماحهم ... نطقت ولكنَّ الرَّماح أجرَّت
هذا ما في "الحماسة" وفي ديوانه أكثر من هذا، قال الطبرسي في "شرح الحماسة" إن جرماً ونهداً، وهما قبيلتان من قضاعة، كانتا من بني الحارث بن كعب، فقتلت جرم رجلاً من أشراف بني الحارث، فارتحلت عنهم، وتحولت في بني زبيد، فخرج بنو الحارث يطلبون بدم أخيهم، فالتقوا فعبأ عمرو جرماً لنهد، وتعبأ هو وقومه لبني الحارث، ففرت جرم واعتلت بأنها كرهت دماء نهد، فهزمت يومئذ بنو زبيد، فقال عمرو هذه الأبيات يلومها، ثم غزاهم بعد فانتصف منهم.
وقواه: زوراً: جمع أزور، وهو المعوجّ الزّور – بالفتح – أي: الصدر، يقول: رأيت الفرسان منحرفين للطعن، وقد خلَّوا أعنة دوابّهم، وأرسلوها علينا كأنها أنهار زرع أرسلت مياهها فاسبطرت، أي: امتدتـ والتشبيه وقع علي جري الماء في الأنهار لا علي الأنهار، فكأنه شبه امتداد الخيل في انحرافها عند الطعن بامتداد الماء في الأنهار، وهو يطرد ملتوياً ومضطرباً، وهذا تشبيه بديع. وقوله: فجاشت، أي: ارتفعت من فزع، وهذا ليس لكونه جباناً، بل هذا بيان حال النفس، ونفس الجبان والشجاع سواء فيما يدهمها عند الوسية
стр. 1038
الأولي، ثم يختلفان، فالجبان يركب نفرته، والشجاع يدفعها قيثبت.
قال أبو عبيدة: قال عبد الملك بن مراوان: وجدت فرسان العرب سنة نفر ثلاثة منهم جزعوا من الموت عند اللقاء ثم صبروا، وثلاثة لم يجزعوا، قاله عمرو: فجاشت إليّ النفس أول مرة .. البيت، وقال ابن الإطنابة:
وقولي كلَّها جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
وقال عنترة:
إذ يتَّقون بي الأسنَّة لم أخم ... عنها ولكنّي تضايق مقدمي
فأخبر هؤلاء الثلاثة أنهم هابوا ثم أقدموا. وقال عامر بن الطفيل:
أقول لنفسٍ ما أريد بقاءها ... أقلّي المراح إَّنني غير مدبر
وقال قيس بن الخطيم: وزإني في الحرب الضَّروس موكَّل ... بإقدام نفس ما أريد بقاءها
وقال العباس بن مرادس:
أشدُّ علي الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها
стр. 1039
فأخبر هؤلاء أنهم لم يجزعوا.
والفاء زائدة، وجاشت: جواب لما، أو هي عاطفة، والجواب محذوف، أي: طاعنت فجاشت، كذا قالوا، وهذا تعسف نشأ من أبي تمام، فإنه حذف بين الجواب اختصاراً كعادته، ولكن كان اللازم لشراحه مراجعة الأصل، والجواب هو قوله:
هتفت فجاءت من زبيد عصابه ... إذا طردت فاءت قريباً فكرَّت
وقوله: علام تقول، على: متعلقة بتقول، وما: استفهامية، ولهذا حذف ألفها، والعاتق: ما بين المنكب والعنق، وهو موضع الرداء، وقد أورده المصنف في شرحه شاهداً علي إعمال "تقول" عمل "تظن".
قال ابن جني في "إعراب الحماسة": يروى برفع الرمح وبنصبه، فأما الرفع فعلى ظاهر الأمر، وأمّا النصب فعلى استعمال القول بمعنى الظن، وذلك مع استفهام المخاطب، وأمّا إذا وإذا في البيت؛ فكل واحدة منهما محتاجة إلي ناصب هو جوابها، وشرحه: أن إذا الأولى جوابها محذوف، كأنه قال: إذا أنا لم أطعن وجب طرحي الرمح عن عاتقي، فدله قوله: علام تقول الرمح .. الخ، على ما أراده، وإذا الأولى وما ناب عن جوابها في موضع جواب إذا الثانية، كأنه قال: إذا الخيل كرت وجب إلقائي الرمح مع تركي الطعن به، وقال التبريزي: إذا الأولي: ظرف ليثقل، والثانية: ظرف لأطعن، وهذا أسهل وأقرب من قول ابن جني، قال الجواليفي في شرح خطبه "أدب الكاتب"قال قوم: يقال: طعن بالرمح يطعن، بضم العين، طعناً وطعن عليه في علم أو نسب أو ما أشبهه يطعن – بفتح العين – طعناناً، وينشدون قول الشاعر:
وأبي ظاهر الشَّناءة إلاّ ... طعناناً وقول مالا يقال
стр. 1040
وقال آخرون: يطعن ويطعن طعناً وطعناناً فيها [جميعاً] قال الكسائي: لم أسمع أحداً من العرب يقول: يطعن بالرمح ولا في الحسب، إنما سمعت يطعن، وقال الفراء: سمعت أنا: يطعن بالفتح. انتهي.
وقوله: لحى الله: أصل اللحي نزع قشر العود، دعا عليهم بالهلاك، وذرَّت الشمس: طلعت، وشارق: الشمس، ووجوه منصوب عليالشتم، والهراش: المهارشة بالكلاب: وهو تجريش بعضها علي بعض وازبأرّت: انتفشت حتى ظهر أصول شعرها وتجمعت للوثب، وهذه الحالة أشنع أحوال الكلاب، وهذا تحقيق للمشبه وتصوير لقباحة منظره، شبه وجوههم بوجوه الكلاب في هذه الحالة.
وقوله: فلم تغن جرم .. الخ، أي: لم تقوم جرم نهداً بل فرت منها، انهزمت، وصطلت نهد بنار الحرب، ومسَّت حاجتها إلي من ينصرها، وأضاف "نهدها" إلي ضمير جرم، لأن اعتمادهم كان عليها، واعتقادهم الاكتفاء بها. هذا كلامه، وهو ناشئ عن عدم الالتفات إلي منشأ الشعر، وإضافة نهد إلى ضمير جرم للملابسة، فإن جرماً أعدت لمقاتلة نهد، كما أم زبيداً أعدت لمقاتلة بني الحارث.
وقوله: ظللت كأني .. الخ, أي: بقيت نهاري منتصباً في وجوه الأعداء، والطعن يأتي من جوانبي أذب عن جرم، والدرّية: هي الحلقة التي يتعلم عليها الطعن، وأما الدريئة، بالهمز، فهي الدابة التي يستتر بها من الصيد، يقال: درأتها
стр. 1041
نحو الصيد: إذا سقتها، من الدرء، وهو الدفع، وقوله: فلو أن قومي ... الخ، يقول: لو صبر قومي وطعنوا برماحهم أعداءهم لأمكنني مدحهم، ولكن فرارهم صيرني كالمشقوق اللسان، لأنني إن مدحتهم بما يفعلوا كذبت، وردّ عليَّ، يقال: أجررت لسان الفصيل: إذا شققت لسانه لئلا يرضع أمه. وترجمة عمرو ابن معدي كرب تقدّمت في الإنشاد الخامس بعد المائة.
وانشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٥) إنَّ الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوماً علي من يتَّكل
علي أن ابن جني قال: الأصل: إن لم يجد من يتكل عليه، فحذف عليه، وزاد علي قبل الموصول عوضاً، قال أبو حيان في "شرح السهيل" بعدما نقله: ولا يتعين هذا التأويل لاحتمال أن يكون الكلام تم عند قوله: إن لم يجد ما يستعين به عمل بنفسه، ثم قال: علي من يتكل، ومن استفهامية، كأنه قال: علي أي شخص يتكل؟ أي: لا أحد يتكل عليه، فيحتاج أن يعتمل بنفسه لإصلاح حاله، فعلي متعلقة بـ "يتكل" انتهي. وهذا مذهب يونس، وكان المبرد ذهب إليه قديماً، وذكره في كتاب "الردَّ علي سبيوية" ثم رجع عنه، وقال ناظر الجيش: ولا يخفي أن المعنى ليس على ما قاله، إنما المعنى على الأول، والمتأمل لا يخفى عليه ذلك، ثم يقال: هب أن هذا التأويل يتم له
стр. 1042
في البيتين، فيما يفعل في قول الآخر:
فهلاَّ التي عن بين جنبيك تدفع ... ؟
انتهي. وقال أبو علي في "المسائل العسكرية": مذهب الخليل وسيبوية وأبي عثمان في قول الراجز:
إن لم يجد يوماً على من يتَّكل
تقدير "عليه" في آخره، والمعنى عندهم: إن لم يجد يوماً على من يتكل عليه، وكان حذف هذا أحسن لجري ذكر حرف الجر، ألا ترى أنه يستجاز: بمن تمرر أمرر، فتحذف الجار من الفعل الثاني، ولو قلت: من تكرم أنزل، تريد: عليه، لم يسغ كما ساغ في الأول من حيث لم يجر ذكر الحرف كما جرىفي الأول، فأما "على" في قوله: إن لم يجد يوماً على، فزائدة في قولهم، والمعنى: إن لم يجد من يتكل عليه، تعدى الفعل بالحرف، كما تقول: ضربت لزيد، وفي التنزيل: (ردف لكم) [النمل/٧٢] و (إن كنتم للرؤيا تعبرون) [يوسف/٣] وقال تعالي: (ألم يعلم بأن الله يري) [العلق/١٤] و (يعلمون أنَّ الله هو الحقَّ المبين) [النور/٢٥] فوصل الفعل مرة بالحرف ومرة بلا حرف، فكذلك: هذا وجدته، ووجدت عليه بمعنى، فأما المحذوف من الصلة فيكون علي أنه حذف الجار والمجرور، وإن شئت قلت: حذف الجار واتصل الضمير، ثم حذف، وقول البغداديين في البيت: إن لم يجد يوماً، بمنزلة يعلم، كأنه قال: إن لم يعلم على من يتكل؟ فالكلام في تأويلهم استفهام، وموضع الجملة نصب، والجار في قولهم متصل بـ "يتكل"، وهو والمجرور في موضع نصب بـ "يجد"، وقول الرياشي في هذا كقول البغداديين، إلي هنا كلام أبي علي.
стр. 1043
وقوله/ يعتمل: الجملة إنّ، وقوله: وأبيك: جملة قسمية حذفه جوابها، معترضة بين اسم إن وخبرها، يتكلف العمل، وهذا الرجز لم يعرف قائله، وهو من أبيات سيبوية الخمسين التي لم يعرف ناظمها، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٦) يا أيُّها المتحلّي غير شيمته ... إنَّ التخلُّق يأتي دونه الخلق
ولا يواتيك فيما ناب من حدثٍ ... إلاّ أخو ثقةٍ فانظر بمن تثق
علي أن ابن جني يقول: الأصل: فانظر من تثق به: فصنع به كما تقدم، وقال غيره: لا يتعين هذا التخريج لاحتمال أن يكون الكلام تم عند قوله: فانظر، أي: فانظر لنفسك، ولما تقدم أنه لا يواتيه إلا أخو ثقة، استدرك علي نفسه فاستفهم علي سبيل الإنكار علي نفسه، حيث قرر وجود أخي ثقة فقال: بمن تثق؟ فالباء متعلقة بـ "تثق"، قال أبو حيان بعد ذكرهما، قال المصنف في الشرح: ويجوز عندي أن تعامل هذه المعاملة من واللام، وإلى وفي، قياساً على عن وعلى والباء، فيقال: عرفت ممن عجبت، ولمن قلت، وإلى من أويت، وفيمن رغبت، والأصل: عرفت من عجبت منه، ومن قلت له، ومن أويت إليه، ومن رعيت فيه، فحذف ما بعد "من"، وزيد ما قبلها عوضاً. انتهي. وهذا الذي أجازه المصنف قياساً لم يثبت الأصل الذي يقاس عليه، ألا ترى إلى ما ذكرناه من التأويل فيما استدل به، ولو كانت لا تحتمل التأويل لكانت من الشذوذ والندود والبعد من الأصول بحيث لا يقاس عليها، ولا يلتفت إليها، وما ذهب إليه المصنف من أن "عن وعلى" يكونان زائدتين ليس بصحيح، وقد نصَّ سيبوية على أن عن وعلى لا يزادان لا عوضاً ولا غير عوض، فأما قول الشاعر:
стр. 1044
فأصبحن لا يسألنه عن بما به
فالذي ينبغي أن يحمل عليه البيت أن الباء زائدة للتوكيد، لأن الباء قد عهد زيادتها ولم يعهد عن، وقد نص ابن جني علي زيادة الباء فيه، كما زادوا اللام للتأكيد في قول الشاعر:
فلا والله لا يلفي لما بي ... ولا للما بهم أبداً دواءً
إلى هنا كلام أبي حيان، والبيت الشاهد نسبة الآمدي في "المؤتلف والمختلف" إلى سالم بن كعب بن نهد بن سعد بن الحارث بن دودان بن أسد، شاعر فارس، وهو القائل في قصيدة:
ولا يواسيك فيما ناب من حدثٍ ... إلاّ أخو ثقةٍ فانظر بمن تثق
انتهي. وكذا نسبة أبو زيد في "نوادره" إليه مع بين قبله وبين بعده، وهي:
يا أيُّها المتخلّي غير شيمته ... إنَّ التَّخلُّق يأتي دونه الخلق
ولا يواسيك فيما ناب من حدثٍ ... إلاّ أخو ثقةٍ فانظر بمن تثق
لا منكر الحقِّ مظلوماً ولا كل ... في النائبات ولا هيَّابة فرق
أبو حاتم: "ولا يواتيك" قال: التخلق: مثل من يتسخي وليس السخاء
стр. 1045
من شيمته، أو يتخلق بخلق من أخلاق لا تعرف به. انتهي. وأورد المبرد في أول "الكامل" البيتين الأولين عن أبي زيد برواية: "ولا يؤاتيك فيما ناب من حدث ... " قال: وأنشدونا عن أبي زيد، ثم قال: وأنشدتني أمّ الهيثم:
ومن يتَّخذ خيماً سوى خيم نفسه ... يدعه ويغلبه علي النَّفي خيمها
وقال ذو الأصبع العدواني:
كلّ امرئٍ راجع يوماً لشيمته ... وإن تخلَّق أخلاقاً إلى حين
انتهي. وأورد ثعلب في الجزء السادس من "أماليه" أبياتاً منها غير معزوّة إلي أحد، وهي:
يا أيُّها المتحلّي غير شيمته ... ومن خليقته الإفراط والملق
عليك بالقصد فيما أنت قائه ... إنَّ التَّخلُّق يأتي دونه الخلق
ولا يواتيك فيما ناب من حدثٍ ... إلاّ أخو ثقةٍ فانظر بمن تثق
ياجمل إن يبل سرباك الشَّباب فما ... يبقى جديد على الدُّنيا ولا خلق
وإنَّما النَّاس والدُّنيا على سفرٍ ... فناظر أجلاً منهم ومنطلق
стр. 1046
انتهي. فالبيت الأول من رواية أبي زيد مركب من بيتين كما رأيت، وكذا رواه الجاحظ في كتاب "البيان" له، قال: قال ابن وابصة في مقام قام فيه مع ناس من الخطباء:
يا أيُّها المتحلّي غير شيمته ... ومن سجيتَّه الإكثار والملق
أعمد على القصد فيما أنت راكبه ... إنَّ التَّخلُّق يأتي دونه الخلق
صدَّت هنيدة لمّا جئت زائها ... عنّي بمطروفةٍ إنشانها غرق
وراعها الشَّيب في رأسي فقلت لها ... كذاك يصفرُّ بعد الخضرة الورق
بل موقف مثل حدِّ السَّيف قمت به ... أحمي الذَّمار وترميني به الحدق
فما زللت ولا ألفيت ذا خطارٍ ... إذا الرِّجال علي أمثالها زلقوا
انتهي. وقد اقتصر أبو تمام في "الحماسة" علي ثلاثة أبيات منها قال: سالم بن وابصة:
عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إنَّ التَّخلُّق ... البيت
وموقفٍ مثل حدِّ السَّيف ... البيت
فما زلقت ولا أبديت فاحشةً ... إذا الرَّجال على أمثالها زلقوا
وتبعه الأعلم في "حماستة" بهذا المقدار، وأورد أبو تمام في كتاب "مختار
стр. 1047
أشعار قبائل العرب، البيت الأول من رواية أبي زيد مع بيت آخر، ونسبها إلي الحريش العنبري، وهما:
يا أيُّها المتخلّي غير شيمته ... إنَّ التَّخلُّق يأتي دونه الخلق
إنَّ ابتداعك ما لم تأته صلف ... ومن خليقتك الإخلاف والملق
ونسب ابن قتيبة في كتاب "الشعراء" البيت الأول مركباً مع بيتين مسبوقين ببيت إلى العرجي، وهو عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان، وكان ينزل بموضع قبل الطائف يقال له: العرج، فنسب إليه وهو أشعر بني أمية، وهي:
سمَّيتني خلقاً لخلَّةٍ قدمت ... ولا جديد إذا لم يلبس الخلق
يا أيُّها المتحلّي غير شيمته ... ومن خلائقه الإقصار والملق
ارجع إلى خلقك المعرف ديدنه .. إنَّ التَّخلُّق يأتي دونه الخلق
انتهي، والله أعلم بحقيقة الحال.
وسالم بن وابصة من الطبقة الأولى من التابعين، كان شاباً في خلافة عمر، وكأن والي الرقة ثلاثين سنة, ومات في آخر أيام هشام بن عبد الملك.
وأنشد بعده وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٧) أبي الله إلاّ أنَّ سرحه مالكٍ ... علي كلَّ أفنان العضاه تروق
стр. 1048
على أن ابن مالك قال في "شرح التسهيل": علي فيه زائد، لأن راق متعدية مثل أعجب، تقول: راقني حسن الجارية، وأعجبني عقلها، وفي الحديث: "من حلف علي يمي" والأصل: حلف يميناً، قال النابغة:
حلفت يميناً غير ذي مثنويّةٍ
انتهي. وزيّفة المصنف بأن راقه الشيء بمعنى أعجبه، لا معنى له هنا، لأن علي إذا كانت زائدة يكون مجرورها مفعول تروق، فيكون حاصل البيت: إن شجرة مالك العظيمة تعجب أغصان شجرة العضاه، وهذا لا معنى له، وإنما المراد تعلو علي سائر غصون الغطاه، قال الدماميني: قلت: وفي "الصحاح" أن حميداً كنى بالسرحة عن امرأة، وإذا كان كذلك أمكن أن تكون أفنان الغضاه كناية عن نسوة أخر, فيصح إسناد الإعجاب إليهن، فيبقي تروق على معناه من غير تضمين، وعلى الجملة فالبيت محتمل ولا سبيل إلي الجزم بكونه دليلاً علي زيادة على فيه. انتهي.
وتزييف المصنف مأخوذ من كلام أبي حيان، قال في "شرح التسهيل": ولا دليل لابن مالك فيما استدل به، لأنه يحتمل التضمين، فضمن تروق معنى
стр. 1049
تفضل وتشرف، وأيضاً فنسبة إعجابها كل أفنان العضاه لا يصح إلاّ بمجاز بعيد، لأن الأفنان لا تعجب، فلو قلت: أعجبت شجرتك هذا الشجر، لم يصح إلا بتكلف جعل الشجر منزلاً منزلة العاقل حتى يصير يعجب، وأما من "حلف علي يمين" فإن صحَّ أنه لفظ الرسول ﵊، فهو مضمن معني جسر بالحلف علي يمين. انتهي.
والجيد أن يؤول الحلف بالمحلوف عليه، وقال ناظر الجيش: ما ذكره الشيخ من التضمين لا يدفع ما قاله المصنف من الزيادة، غاية الأمر أن الذي ذكره توجيه آخر، وأما نص سيبوية على أن على لا تزاد، فيحمل على أن مراده أنها لا تزاد في الأشهر والأغلب، ولا يمنع ذلك من أنها قد يندر زيادتها، هذا كلامه، وتعسفه ظاهر، وابن مالك تابع لابن عصفور، فإنه حكم في كتاب "الضرائر" بزيادة على في هذا البيت ضرورة، أو تابع لابن السيد في توجيه كلام ابن قتيبة في "أدب الكاتب" فإنه حكم بزيادتها في البيت، قال في شرحه: ومعنى تروق: تعجب، وإنما جعل على في هذا البيت زائدة، لأن راق يروق لا تحتاج في تعدِّية إلي حرف جر، إنما يقال: راقني الشيء يروقني، فالمعنى: تروق كل أفنان، وقد يجوز أن يقدر في البيت محذوف، كأنه قال: أبي الله إلا أن أفنان سرحة مالك، وقد يكون قوله: علي كل أفنان العضاه، في موضع خبر أن، كما تقول: أبى الله إلا أن فضل زيد علي كل فضل، أي: ظاهر علي كل فضل، ويكون "تروق" خبراً ثانياً لـ "أنَّ" أو في موضع نصب على الحال، فالأفنان على هذا القول جمع فنن، وهو الغصن، وعلى القول
стр. 1050
الذي حكاه ابن قتيبة، وهو قول يعقوب، ينبغي أن يكون جمع فنّ، وهو النوع، كأنه قال: تروق كل أنواع العضاه، وقد يمكن أن يقدر في صدر البيت من الحذف ما ذكرناه، فتكون الأفنان الأغصان، كما أنه لا يجوز في القول الثاني أن تكون الأفنان الأنواع، ولا تقدر محذوفاً.
والبيت لحميد بن ثور الهلالي، والسرحة: شجرة من العضاه تطول في السماء، وجمعها سرح، وظلها بارد في الحرّ يستظل بها من الحر، ولذلك قال الشاعر:
فيا سرحة الركبان ظلَّك بارد ... وماؤك عذب لو يباح لشارب
والسرحة في هذا البيت وبيت حميد كناية عن امرأة وكان عمر بن الخطاب ﵁ عهد إلى الشعراء أن لا يشبب رجل منهم بامرأة، وتوعدهم على ذلك، فكان الشعراء يكنون عن النساء بالشجر وغيرها، ولذلك قال حميد قبل هذا البيت:
سقى السَّرحة المحلال والأبرق الذي ... به الشَّري غيث دائم وبروق
وهل أنا إن علَّلت نفسي بسرحةٍ ... من السَّرح موجود عليَّ طريق
إلي هنا كلام ابن السيد. وروى الجواليقي في "شرح أدب الكاتب" البيت الأول: "سقى السرحة المحلال بالبهو التي" .. وقال: السرحة: شجرة من شجر العضاه، قال بعضهم: السرحة هنا بأرض بني هلال، وهي:
стр. 1051
مبدئ من مبادئهم، ومنزل من منازلهم وليست بها سرحة أضخم منها، والمبدى: ما تباعد من الماء، وكنى بها عن امرأة، والعرب تكني بالسرحة عن المرأة، والمحلال: الذي يختار للنزول، والبهرة: أرض لينة سهلة واسعة، والشري: شجر الحنظل، ولا ينبت إلا بأطيب الارض، ويروى: "بها السرح، والدجن: إلباس الغيم السماء، ويقال: هو الغيم، ويقال: المطر، وقيل: ظلمة الليل وظلمة الغيم، وهو أحسن الأقوال، وقوله: سرحة مالك، يعني: امرأة مالك، والعضاه: كل شجر من شجر البر له شوك، وتروق: تفضل، [وإنما جعل أفنانها تفضل] أفنان العضاه، لأن العضاه لها شوك، والسرحة لا شوك لها، ولذلك سميت سرحة لسولتها، ولأن منبتها السهل، روي أن عمر بن الخطاب لما نهي الشعراء أن يشببوا بالنساء كنى عنها بالسرحة. انتهي.
وحميد بن ثور: صحابي من بني هلال بن عامر، وقال الأصفهاني في كتاب "الأغاني": حميد بن ثور عبد الله بن عامر بن ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر، وهو من شعراء الإسلام، وقرنه ابن سلام بنهشل بن حرَّي وأوس ابن مغراء، وقد أدرك الجاهلية أيضاً. وأخبرني وكيع قال: حدثني عبد الله ابن أبي سعد، وعبد الله بن شبيب قالا: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحرامي قال: حدثنا محمد بن فضالة النحوي قال: تقدم عمر بن الخطاب إلي الشعراء أن لا ينسب رجل بامرأة إلا جلده، فقال حميد بن ثور، وكانت له صحبة، فذكر شعراً فيه:
стр. 1052
أبى الله إلاّ أن سرحة مالك ... على كلِّ أفنان العضاه تروق
فقد ذهبت عرضاً وما فوق طولها ... من السَّرح إلاّ عشَّة وسحوق
العشّة: القليلة الأغصان والورق، والسحوق: الطويلة المفرطة.
فلا الظلَّ من برد الضُّحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشيِّ تذوق
فهل أنا إن عللت ... البيت، وهذه القصيدة طويلة أولها:
نأت أمُّ عمروٍ فالفؤاد مشوق ... يحنُّ إليها والهاً ويتوق
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٨) فو الله لا أنس قتيلاً رزئته ... بجانب قوسي ما مشيت على الأرض
علي أنها تعفو الكلوم وإنَّما ... يوكَّل بالأدني وإن جلَّ ما يمضي
علي أن "على" في قوله: على أنها، للاستدراك والإضراب، هذا مأخوذ من كلام ابن الحاجب؛ قال في "أماليه" علي أبيات "المفصلّ": "على" هذه تقع في شعر العرب وكلامهم كثيراً، والمعنى فيها استدراك وإضراب
стр. 1053
عن الأول، ألا ترى أنك إذا قلت: لا يدخل فلان الجنة لسوء صنيعه، على أنه لا ييأس من رحمة الله؛ كان استدراكاً لما تقدم، وإضراباً عن تحقيقه! وكذلك قوله في البيت الذي قبله:
فو الله لا أنسى قتيلاً رزئته ... البيت
ثم قال: علي أنها تعفو الكلوم .. لأن المعنى: على أن العادة نسيان المصائب إذا تطاولت، والجزع على ما كان من المصائب قريب العهد، وهذا إضراب واستدراك لما تقدم من قوله: لا أنسى. انتهي.
وقال شراح "الحمسة" منهم المرزوقي قال: قوله: على أنها تعفو الكلوم، يجري محرى الاعتذار والاستدراك على نفسه فيما أطلقه من قوله: لا أنسى قتيلاً رزنته، وتبعه التبريزي والطبرسي وغيرهما، ووقع في رواية أبي بكر القاري في "أشعار الهذليين"، وفي رواية المبرد في "الكامل" ورواية أبي علي القالي في "أماليه" ورواية ابن جني في "المحتسب": "بلى إنها تعفو الكلوم" وهذا يؤيد ما قاله ابن الحاجب، قال أبو عبيد البكري فيما كتبه علي "أمالي القالي": هذا رجوع من قوله الأول إلى ما هو أصح، وقال ابن جني فيما كتبه على سورة يس من "المحتسب": أكذب نفسه، وتدارك ما كان أفرط فيه لفظه بقوله: بلي، رجوعاً إلى الحق عنده، وانتكاثاً عما كان عقد يمينه عليه. انتهي.
стр. 1054
والبيتان من أبيات لأبي خراش الهذلي أوردها السكري في "أشعار الهذليين" والمبرد في "الكامل" وأبو تمام في أول باب المرائي من "الحماسة" والأصبهاني في "الأغاني" والقالي في "أماليه" وهي:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشَّراهون من بعض
فو الله لا أنس قتيلاً رزئته ... البيتين
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنَّه قد سلَّ من ماجدٍ محض
ولم يك مثلوج الفؤاد مبَّهجاً ... أضاع الشّباب في الرَّبيلة والخفض
ولكنَّه قد نازعته مجاوع ... على أنّه ذو مرَّةٍ صادق النَّهض
عروة: أخو أبي خراش، وخراش: ابن الشاعر، وهو أبو خراش، خويلد ابن مرة، قال صاحب "الأغاني": خرج زهير بن مرة أخو أبي خراش معتمراً، حتى ورد ذات الأقبر من نعملن، فبينا هو يقي إلاً له، إذ ورد عليه قوم من ثمالة فقتلوه، فغزاهم أبو خراش، وقتل منهم أهل دارين، أي: حلتين من ثمالة، ثم إن عروة وخراشاً خرجا مغيرين على بطنين من ثمالة، يقال لهما: بنو رزام، وبنو بلاَّل – بتشديد اللام الأولي – فظفر بها الثماليون، فأما بنو رزام فنهوا عن قتلهما، وأبت بنو بلال إلا قتلهما، حتى كاد يكون بينهما شرً، فألقي رجل منهم ثوبه علي خراش حين شغل القوم بقتل عروة، ثم قال: انج، وانحرف القوم بعد قتلهم عروة إلي الرجل، وكانوا سلموه إليه، فقالوا:
стр. 1055
أين خراش؟ فقال: أفلت مني فذهب، فسعى القوم في إثره فأعجزهم، فقال أبو خراش في ذلك يرثي أخاه عروة، ويذكر خلاص ابنه خراش.
وقوله: حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا .. قال ابن جني في "إعراب الحماسة" إذ: بدل من بعد، والمعنى: أشكر الله بعد ما اتفق من قتل عروة على تخلص خراش، وقوله: وبعض الشر .. الخ، كأنه تصور قتلهما جميعاً لو اتفق، فرأى قتل أحدهما أهون، قال ابن جني: فإن قيل: ليس في الشرهيَّن، وأفعل هذا يستعمل في مشتركين في صفة زاد أحدهما على الآخر، فكيف يجوز هذا، ولاهيّن في الشر؟ ! وجوابه إن هذا كلام محمول على معناه دون لفظه، وذلك أنه إن كان هناك حال تهوّن الشر من صبر عليه أو احتساب أو طلب ذكر أو ثواب، فإنه أيضاً مراتب وليس بجار على سنن واحد.
وأجاب التبريزي: بأن للشر مراتب، فإذا جئت إلى آحادها، وقد تصورت جملها، ورتب الآحاد فيها، وجدت كل نوع منها بمضامّته للغير، له حال في الخفة والثقل، وإذا كان كذلك، فلا يمنع أن يوصف منه شيء بأنه أهون من غيره، وقوله: رزنته بالبناء للمفعول، أي: أصبت به.
قال المرزوقي: تعلق الباء من قوله: "بجانب" بـ "قتيلا"، كأنه قال: ما أنسى قتيلاً على الأرض بجانب قوسى رزنته، و [موضع] رزنته وبجانب جميعاً: صفة للقتيل، وقد دخله بعض الاختصاص بذكرهما. انتهي. وأراد بالتعلق التعلق المعنوي، وهو كونه صفة كما صرح به في آخر كلامه، وقد غفل عنه الدماميني فقال: الظاهر أنه لا يعني قتيلاً المذكور، لأن وصفه مانع من إعماله، وإنما
следующие страницы →