Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
مبدئ من مبادئهم، ومنزل من منازلهم وليست بها سرحة أضخم منها، والمبدى: ما تباعد من الماء، وكنى بها عن امرأة، والعرب تكني بالسرحة عن المرأة، والمحلال: الذي يختار للنزول، والبهرة: أرض لينة سهلة واسعة، والشري: شجر الحنظل، ولا ينبت إلا بأطيب الارض، ويروى: "بها السرح، والدجن: إلباس الغيم السماء، ويقال: هو الغيم، ويقال: المطر، وقيل: ظلمة الليل وظلمة الغيم، وهو أحسن الأقوال، وقوله: سرحة مالك، يعني: امرأة مالك، والعضاه: كل شجر من شجر البر له شوك، وتروق: تفضل، [وإنما جعل أفنانها تفضل] أفنان العضاه، لأن العضاه لها شوك، والسرحة لا شوك لها، ولذلك سميت سرحة لسولتها، ولأن منبتها السهل، روي أن عمر بن الخطاب لما نهي الشعراء أن يشببوا بالنساء كنى عنها بالسرحة. انتهي.
وحميد بن ثور: صحابي من بني هلال بن عامر، وقال الأصفهاني في كتاب "الأغاني": حميد بن ثور عبد الله بن عامر بن ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر، وهو من شعراء الإسلام، وقرنه ابن سلام بنهشل بن حرَّي وأوس ابن مغراء، وقد أدرك الجاهلية أيضاً. وأخبرني وكيع قال: حدثني عبد الله ابن أبي سعد، وعبد الله بن شبيب قالا: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحرامي قال: حدثنا محمد بن فضالة النحوي قال: تقدم عمر بن الخطاب إلي الشعراء أن لا ينسب رجل بامرأة إلا جلده، فقال حميد بن ثور، وكانت له صحبة، فذكر شعراً فيه:
стр. 1052
أبى الله إلاّ أن سرحة مالك ... على كلِّ أفنان العضاه تروق
فقد ذهبت عرضاً وما فوق طولها ... من السَّرح إلاّ عشَّة وسحوق
العشّة: القليلة الأغصان والورق، والسحوق: الطويلة المفرطة.
فلا الظلَّ من برد الضُّحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشيِّ تذوق
فهل أنا إن عللت ... البيت، وهذه القصيدة طويلة أولها:
نأت أمُّ عمروٍ فالفؤاد مشوق ... يحنُّ إليها والهاً ويتوق
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٨) فو الله لا أنس قتيلاً رزئته ... بجانب قوسي ما مشيت على الأرض
علي أنها تعفو الكلوم وإنَّما ... يوكَّل بالأدني وإن جلَّ ما يمضي
علي أن "على" في قوله: على أنها، للاستدراك والإضراب، هذا مأخوذ من كلام ابن الحاجب؛ قال في "أماليه" علي أبيات "المفصلّ": "على" هذه تقع في شعر العرب وكلامهم كثيراً، والمعنى فيها استدراك وإضراب
стр. 1053
عن الأول، ألا ترى أنك إذا قلت: لا يدخل فلان الجنة لسوء صنيعه، على أنه لا ييأس من رحمة الله؛ كان استدراكاً لما تقدم، وإضراباً عن تحقيقه! وكذلك قوله في البيت الذي قبله:
فو الله لا أنسى قتيلاً رزئته ... البيت
ثم قال: علي أنها تعفو الكلوم .. لأن المعنى: على أن العادة نسيان المصائب إذا تطاولت، والجزع على ما كان من المصائب قريب العهد، وهذا إضراب واستدراك لما تقدم من قوله: لا أنسى. انتهي.
وقال شراح "الحمسة" منهم المرزوقي قال: قوله: على أنها تعفو الكلوم، يجري محرى الاعتذار والاستدراك على نفسه فيما أطلقه من قوله: لا أنسى قتيلاً رزنته، وتبعه التبريزي والطبرسي وغيرهما، ووقع في رواية أبي بكر القاري في "أشعار الهذليين"، وفي رواية المبرد في "الكامل" ورواية أبي علي القالي في "أماليه" ورواية ابن جني في "المحتسب": "بلى إنها تعفو الكلوم" وهذا يؤيد ما قاله ابن الحاجب، قال أبو عبيد البكري فيما كتبه علي "أمالي القالي": هذا رجوع من قوله الأول إلى ما هو أصح، وقال ابن جني فيما كتبه على سورة يس من "المحتسب": أكذب نفسه، وتدارك ما كان أفرط فيه لفظه بقوله: بلي، رجوعاً إلى الحق عنده، وانتكاثاً عما كان عقد يمينه عليه. انتهي.
стр. 1054
والبيتان من أبيات لأبي خراش الهذلي أوردها السكري في "أشعار الهذليين" والمبرد في "الكامل" وأبو تمام في أول باب المرائي من "الحماسة" والأصبهاني في "الأغاني" والقالي في "أماليه" وهي:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشَّراهون من بعض
فو الله لا أنس قتيلاً رزئته ... البيتين
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنَّه قد سلَّ من ماجدٍ محض
ولم يك مثلوج الفؤاد مبَّهجاً ... أضاع الشّباب في الرَّبيلة والخفض
ولكنَّه قد نازعته مجاوع ... على أنّه ذو مرَّةٍ صادق النَّهض
عروة: أخو أبي خراش، وخراش: ابن الشاعر، وهو أبو خراش، خويلد ابن مرة، قال صاحب "الأغاني": خرج زهير بن مرة أخو أبي خراش معتمراً، حتى ورد ذات الأقبر من نعملن، فبينا هو يقي إلاً له، إذ ورد عليه قوم من ثمالة فقتلوه، فغزاهم أبو خراش، وقتل منهم أهل دارين، أي: حلتين من ثمالة، ثم إن عروة وخراشاً خرجا مغيرين على بطنين من ثمالة، يقال لهما: بنو رزام، وبنو بلاَّل – بتشديد اللام الأولي – فظفر بها الثماليون، فأما بنو رزام فنهوا عن قتلهما، وأبت بنو بلال إلا قتلهما، حتى كاد يكون بينهما شرً، فألقي رجل منهم ثوبه علي خراش حين شغل القوم بقتل عروة، ثم قال: انج، وانحرف القوم بعد قتلهم عروة إلي الرجل، وكانوا سلموه إليه، فقالوا:
стр. 1055
أين خراش؟ فقال: أفلت مني فذهب، فسعى القوم في إثره فأعجزهم، فقال أبو خراش في ذلك يرثي أخاه عروة، ويذكر خلاص ابنه خراش.
وقوله: حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا .. قال ابن جني في "إعراب الحماسة" إذ: بدل من بعد، والمعنى: أشكر الله بعد ما اتفق من قتل عروة على تخلص خراش، وقوله: وبعض الشر .. الخ، كأنه تصور قتلهما جميعاً لو اتفق، فرأى قتل أحدهما أهون، قال ابن جني: فإن قيل: ليس في الشرهيَّن، وأفعل هذا يستعمل في مشتركين في صفة زاد أحدهما على الآخر، فكيف يجوز هذا، ولاهيّن في الشر؟ ! وجوابه إن هذا كلام محمول على معناه دون لفظه، وذلك أنه إن كان هناك حال تهوّن الشر من صبر عليه أو احتساب أو طلب ذكر أو ثواب، فإنه أيضاً مراتب وليس بجار على سنن واحد.
وأجاب التبريزي: بأن للشر مراتب، فإذا جئت إلى آحادها، وقد تصورت جملها، ورتب الآحاد فيها، وجدت كل نوع منها بمضامّته للغير، له حال في الخفة والثقل، وإذا كان كذلك، فلا يمنع أن يوصف منه شيء بأنه أهون من غيره، وقوله: رزنته بالبناء للمفعول، أي: أصبت به.
قال المرزوقي: تعلق الباء من قوله: "بجانب" بـ "قتيلا"، كأنه قال: ما أنسى قتيلاً على الأرض بجانب قوسى رزنته، و [موضع] رزنته وبجانب جميعاً: صفة للقتيل، وقد دخله بعض الاختصاص بذكرهما. انتهي. وأراد بالتعلق التعلق المعنوي، وهو كونه صفة كما صرح به في آخر كلامه، وقد غفل عنه الدماميني فقال: الظاهر أنه لا يعني قتيلاً المذكور، لأن وصفه مانع من إعماله، وإنما
стр. 1056
يعني قتيلاً محذوفاً، أي: رزنته حالة كونه قتيلاً بجانب قوسى، هذا كلامه، وقوسى: بفتح القاف والقصر، قال المبرد: هو بلد تحلُّه ثمالة بالسراة، وكذلك، ضبطه القالي في "المقصور والممدود" وقال: هو موضع ببلاد هذيل، وفيه قتل عروة، وأنشد البيت، وقال ياقوت في معجم البلدان": هو بفتح القاف وسكون الواو وسين مهملة، ثم ألف مقصورة تكتب ياء: بلد يالسراة، وقال أبو عبيد البكري في ما كتبه علي "أمالي القالي": إن قوسى رواه أبو على القالي بفتح القاف، وغيره يأبى إلا ضمهما، وقال أيضاً في "معجم ما استعجم": هو بفتح أوله وضمه معاً: موضع ببلاد هذيل، وفيه قتل عروة، وأخطأ في قوله: أخو أبي كبير، وقوله: ما مشيت: ما مصدرية ظرفيه.
وقوله: على أنها تعفو، قال شراح "الحماسة": الضمير للقصة، ولو قال: على أنه، لجاز وكان الضمير للشأن، وبه استشهد الرضي في "شرح الكافية" وتعفو: تبرأ وتذهب، من عفا المنزل يعفو عفواً وعفوّاً وعفاء بالفتح والمدّ، بمعني درس وانمحي، والكلوم: الجراح والآثار التي تشبهها، قاله المبرد، وقال التبريزي: يعني بالكلم الحزة عند ابتداء الفجيعة، وقوله: يوكل، بالبناء للمفعول، يروى بالمثناة التحتية وبالنون، من وكلته بأمر كذا توكيلاً:
стр. 1057
إذا فوضته إليه، أي: ألزمته به إلزاماً، والأدني: الأقرب، أي: الرزء الأقرب، قال القاري: يقول: إنما نحزن على الأقرب فالأقرب، ومن مضى نسيناه ولو عظم ما مضى، وقال البكري في شرح "أمالي القالي": قال الأصمعي: هذا بيت حكمة؛ وقد ألم بهذا البيت ابن دريد، [من قصيدة] أوردها القالي في "ذيل أمالية" – وهو:
بلى غير أنَّ القلب ينكؤه الأسي السملّم وإن جلَّ الجوي المتقدّم
وقوله: علي أنه قد سل "على" هنا أيضاً مثل "على أنها تعفو" ويأتي إعرابها، وروى السكري: سوى أنه، وهو استثناء منقطع.
والمعنى: لا أعرف اسمه ونسبه، لكنه ولد كريم بما ظهر من فعله، قال القاري: لما صرع خراش ألقي عليه رجل ثيابه فواراه، وشغلوا بقتل عروة، فنجا خراش، والرجل الذي ألقى عليه ثوبه من أزد شنوءة، فقال: لا أدري من ألقى عليه ثيابه، ولكنه سل عن ماجد محض، يعني: الرداء، والماجد المحض، أي: خالص النسب، هو الذي ألقى عليه ثوبه. انتهي. فالمسلول على هذا: هو الرداء، لا معطي الرداء، كما قاله التبريزي، وقال البكري فيما كتبه على "أمالي القالي": في هذا البيت ثلاثة أقوال، قال قوم: إن عروة لما قتل، ألقى عليه رداءه رجل من القوم فكفنه به، وقال آخرون: بل الذي ألقى عليه الرجل [رداءة] هو خراش، وذلك أن رجلاً: من ثمالة ألقى عليه
стр. 1058
رداءه ليخفى عليهم، وقد شغل القوم بقتل عروة، فقال: اهرب، وعطف القوم عليه فلم يروه. وقيل: يل ألقي رجل علي خراش رداءه إجارة له، وكذلك كانوا يفعلون، وهذا مثل قول بعضهم يذكر رجلاً منَّ عليه: ولمَّا رأيت أنَّه متعبِّط ... دعوت بني بدرٍ وألحفته بردي
غير أبي خراش، وقال التبريزي: قد روي فيما حكي عن الأصمعي وأبي عبيدة أنهما قالا: لا نعرف من مدح من لا يعرفه غير أبي خراش، وقد سلك من شعراء الإسلام مسلكه أبو نواس في أبيات أولها:
ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جر الزَّقاق علي الثرى ... وأضغاث ريحان جني ويابس
ولم أدر من هم غير ما شهدت لهم ... بشرقّي ساباط الديار البابس
ويأتي إن شاء الله شح هذه الأبيات في بحث الواو:
стр. 1059
وقوله: ولم يك مثاوج الفؤاد؛ يقال للرجل إذا لم يكن ذا رأي وحزم: ما أبرد فؤاده! أي: لم يكن بارد الفؤاد ضعيفة، والمبجّ، بفتح الموحدة المشددة بعدها جيم، هو المثقل الكثير اللحم، والربيلة، بفتح الراء وكسر الموحدة: النعمة والخصب، والبيت في معطي الرداء، وقيل: في عروة، لأنه كيف يمدح من لا يعرف بهذه الأوصاف! وقوله: ولكنه قد نازعته، أي: غيرته، والمجاوع: المجاوع: المخامص، وإنما أثرت فيه، لأنه إذا سافر آثر صحبه على نفسه بزاده ويجوع. وقوله: صادق النهض، يعني: النهوض للمكارم والعلى، لا يكذب فيما إذا نهض لها. وقد بسطنا شرح هذه الأبيات بأكثر من هذا في شرح الشاهد السادس بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.
وأبو خراش الهذلي: أحد فرسان العرب وفتاكهم، أسلم وهو شيخ كبير، وحسن إسلامه، وذكره ابن حجر في "الإصابة" في قسم المخضرمين الذين لم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي صلي الله عليه وسلم، وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي ما يدل على أن إسلامه كان يوم حنين، ومات في خلافه عمر بن الخطاب ﵁.
وانشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد المائتين:
(٢٢٩) بكلَّ تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أنَّ قرب الدار خير من البعد
على أنَّ قرب الدار ليس بنافعٍ ... إذا كان من تهواه ليس بذي ودَّ
стр. 1060
قال ابن الحاجب بعد كلامه في البيت السابق: قوله: علي أن قرب الدار خير من البعد؛ كالإضراب عن الأول، لأن المعني: فلم يحصل لنا شفاء أصلاً، وإذا كان قرب الدار خيراً في المعنى المراد، ففيه شفاء أو بعض شفاء، وكذلك قوله: على أن قرب الدار ليس بنافع؛ استدرك لعموم قوله: على أن قرب الدار خير من البعد. هذا معناها، وأما تعلقها علي الوجه الإعرابي فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يتعلق بالفعل المتقدم قبلها، كما تعلقت حاشا الاستثنائية بما قبلها، لكونها أوصلت معنى ما قبلها إلى ما بعدها علي وجه الإضراب والإخراج. وأظهر منه أن يقال إنها في موضع خبر محذوف المبتدأ، كأنه قيل: والتحقيق على أن الأمر كذا، فتعلقها بمحذوف كما يتعلق كل خبر جار ومجرور، لأن الجملة الأولي وقعت من غير تحقيق؛ ثم جئ بما هو التحقيق فيها، وحذف المبتدأ لوضوح المعنى. انتهي.
وقال المرزوقي في بيت أبي خراش: إن موضع "على أنها تعفو الكلوم" من الإعراب نصب على الحال، والعامل فيه لا أنسى، والمعنى: إني أذكره عافياً كلمي كسائر الكلوم. انتهي. وكذا قال التبريزي وغيره من شراح "الحماسة". وقد اقتصر عليه المصنف في شرح أبيات ابن الناظم، وقال محمد العيزري في مختصر هذا الكتاب المسمي بـ "مدني الأريب من حاصل مغني البين"ك ومنها الاستدراك بإضراب، قال:
لن لم يسلموا في كلِّ أمري ... فللوا شين ظلماً قد أطاعوا
على أنِّي سأنشد عند موتي ... أضاعوني وأيَّ فتيً أضاعوا
стр. 1061
ومنه قولهم: الحجاج عمل بعمل يستوجب النار، على أنه لا ييأس من رحمة الله. قال: فو الله لا أنسى قتيلاً رزئته ... البيتين، يريد: تنسى الرزايا البعيدة ويعفو أثرها، ولا تنسى القريبة العهد، لصدمة النكاية، وقرب العهد يمنع النسيان. وقال:
فتىً فيه ما يسرُّ صديقه ... على أنَّ فيه ما يسوء الأعاديا
وقال: بكل تداوينا ... البيتين، وهذا من باب دخول الاستدراك على الاستدراك.
نكتة: "على" في قوله: على أن قرب الدار، منعلق بقوله: "بكل تداوينا فلم يشف ما بنا" وهي كتعلق على في قوله: "على أن فيه ما يسوء الأعاديا" بقوله: فتى تم فيه .. الخ، وسموه: إكمالاً، وإلا لو اكتفى بالشطر الأول لاحتمل سروره الصديق عن حلم وكرم، واحتمل عن عجز وذلة، فلما قال: على أن فيه ما يسوء الأعاديا؛ نفى الاحتمالين اللاحقين، وكذلك لو اكتفى بالاستدراك الأول لما تم مقصوده، فلذلك أدخل الاستدراك الثاني لبيان تمام مقصود، فأورد "على" على "على" فكأنه قال: لا يمكن مداوينا أن يشفينا إلا بقرب الدار، ولا يحصل الفاء بقربها إلا مع إبداء الود والمصافة. انتهي. ومن خطة نقلت، وكتب في آخره: تم على يد مؤلفه محمد العيزري في سلخ ذي الحجة الحرام، سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وهذه مسبة إلي العيزرية، وهي قوية بالجانب الشرقي من بيت المقدس، بها قبر سيدنا عازر نبي الله ﵇.
ولم يصب في إدخال "على" التي بمعنى "مع" في "على" التي للإضراب عما قبلها، ولقد أجاد ابن وحيي هنا قال: ولا تظن أن "على" هذه هي التي
стр. 1062
تسمي "على" العلاوة، بل هي "على" التي للتعويل علي ما أشار إليه الفاضل الشريف في "شرح الكشاف" حيث قال: وأشار، يعني صاحب "الكشاف" بكلمة "على" في قوله: على أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد، إلي أن الجواب الثاني إما علاوة وإما معوّل عليه. انتهي. ومن أراد الإطلاع على الحقيقة فليطالع الشرح المذكور. ويدل على ما قلنا تقرير ابن الحاجب ههنا، وأما "على" التي علاوة؛ فهي التي بمعنى مع في الحقيقة، كما في قوله تعالي: (وإنَّ ربَّك لذو مغفرةٍ للنّاس علي ظلمهم) [الرعد/٦] ومثاله قول القائل: ابني لم يؤد حق الأبوة، ولك يكرمني، على أني وهبت له داراً، وأعطيته مالاً، فإن "على" فيه للتعويل، لأن الجملة الأولي وقعت على التحقيق، ولم ترد لإبطال ما قبلها، ونظيره قول الحريري في المقامة الرابعة والثلاثين:
ولم سمحت قرونك بامتهاني ... وأن أشرى كما يشري المتاع
على أني سأنشد عند بيعي ... أضاعوني وأيّ فتيً أضاعوا
حكاية عن لسان عبدٍ عرضه مولاه للبيع وهو يقول: لأي شيء انقادت نفسك لبيعي، مع حقوق كثيرة توجب عدم البيع، مع أني أنشد عند بيعي هذا الصراع، إلى هنا ابن وحي.
стр. 1063
والبيتان آخر أبيات لابن الدمينة أوردها أبو تمام في "الحماسة" وهي:
ألا ياصبا نجدٍ متى هجت من نجد ... لقد زادني مسراك وجداً على وجد
أأن هتفت ورقاء في رونق الضُّحى ... على فنن غضِّ النَّبات من الرنَّد
بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن ... جليداً وأبديت الذي لم تكن تبدي
وقد زعموا أنَّ المحبَّ إذا دنا ... يملُّ وأنَّ النّأي يسلي من الوجد
بكلٍّ تداوينا فلم يشف ما بنا ... البيتين
قوله: ألا ياصبا نجد؛ العشاق يخاطبون الريح والبرق إذا كانا من نحو أرض المحبوب، وقوله: أأن هتفت: بفتح الهمزة في تأويل مصدر مجرور بلام العلة لبكيت، والاستفهام للتقرير، وهتفت: صاحت، والورقاء: الحمامة البرية، والرند: شجر طيَّب من أشجار البادية، والوليد: الصبي الصغير، والجليد: الذي له جلادة وتحمل، يقول: أتبكي بكاء الصغير لأجل أن هتفت حمامة فهيَّحت أحزانك؛ ويمل، بفتحتين: مضارع مللته ومللت منه مللاً، من باب تعب: إذا سئمت منه وضجرت، ويشف: بالبناء للفاعل، ويجوز بالبناء للمفعول، وروي: "يشفي" بدل "يسلي"، قال المرزوقي: يقول: زعم الناس أن الاستكثار من زيادة المحبوب، والتداني منه، يكسب المحب ملالاً، وأن الاستقال من زيارته، والتنأئي
стр. 1064
عن محله وداره ينتج له سلواً، وقد تداوينا بكل واحد من ذلك فلم ينجع، إلا أنه على الأحوال كلها وجدت قرب الدار منه خيراً من بعدها منه، لما توسوس به النفس في الوقت من طمع فيه، ولتطلع المجاورين له، وتجدد والحديث عنه، إلى كثير مما يعدم في البعاد، ثم رجع عنه فقال: على أن تقارب الدار لا يكاد ينفع إذا كان المحبوب لا ودّ له، ولا ميل معه. انتهي. وما أحسن قول أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن إبراهيم بن الخصيب:
لا تجعلن بعد داري ... مخسَّساً لنصيبي
فربَّ شخصٍ بعيدٍ ... إلى الفؤاد قريب
وربَّ شخصٍ قريبٍ ... إليه غير حبيبي
ما القرب والبعد إلاَّ ... ما كان بين القلوب
وروى صاحب "الأغاني" بسنده إلي حماد بن إسحاق قال: كان العباس بن الأحنف إذا سمع شيئاً يستحسنه أطرفني به، وأفعل مثل ذلك، فجاءني يوماً فوقف بين الناس، وأنشد لابن الدمينة:
ألا ياصبا نجدٍ متى هجت من نجد ... الأبيات المذكور
ثم ترنج ساعة وقال: أنطح العمود برأسي من حسن هذا؟ ! فقلت: لا، ارفق بنفسك. انتهي.
ورأيت البيتين الأخيرين قبل البيت في قصيدة عدتها تسعة عشر بيتاً ليزيد بن الطَّثرية، أوردها أبو علي القالي في "ذيل أماليه" قال: وأنشدنا
стр. 1065
أحمد بن يحيي ليزيد بن الطثرية، وفي هذه القصيدة بيتان ذكر الرباشي أنهما لجميل في قصيدته التي أولها:
ألا ياصبا نجدٍ متي هجتٍ من نجد ... :
ألا هل من البين المفرِّق من بدِّ ... وهل لليال قد تسلَّفن من ردَّ
وهل مثل أيّامي بنعف سويقةٍ ... رواجع أيامٍ كما كنَّ بالسَّعد
وساق القصيدة بتمامها، وفي وسطها البيتان اللذان أشار إليهما، وهما: وقد زعموا أن المحب إذ دنا ... البيت .. بكل تداوينا فلم يشف ما بنا .. البيت.
وقوله: إنهما من قصيدة لجميل خلاف المشهور، والثابت في الروايات التي وقفنا عليها أنهما من قصيدة لابن الدمينة، وهو شاعر إسلامي له غزل رقيق، كان الناس في الصدر الأول يغنون بشعره ويستحلونه.
قال صاحب "الأغاني": الدمينة أمه: استهوبها، وهي بنت حذيفة السلولية، وابن الدمينة عبيد الله بن عبد الله، أحد بني عامر بن تيم الله، ويتصل نسبة إلي خثعم بن أنمار بن أراش، ويكنى ابن الدمينة: أبا السري، وكان بلغه أن رجلاً من أخواله من سلول يأتي امرأته، فرصده حتى أتاها فقتله ثم قتلها، ثم اغتاله سلول بعد ذلك فقتله، وقد أورد صاحب "الأغاني" هذه الحكاية مفصلة في ترجمته.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد المائتين:
غدت من عليه بعد ما تَّم ظمؤها
стр. 1066
تمامه:
تصلُّ وعن قيضٍ ببيداء مجهل
على أن "على" فيه اسم بمعنى فوق، لدخول الجر عليها، وذكر سيبوية معناها حقيقة ومجازاً، ثم قال: فقد يتسع هذا في الكلام ويجئ كالمثل، وهو اسم، ولا يكون إلا ظرفاً، ويدلك على أنه اسم قول بعض تاعرب: نهض من عليه، وقال الشاعر: غدت من عليه .. البيت، قال الأعلم: الشاهد دخول من على "على" لأنها اسم في تأويل فوق، كأنه قال: غدت من فوقه، وقال الخفاف في "شرح الجمل": وقال أبو عبيدة: المعنى: غدت من عندهـ لأنها بعد خروج الفرخ من البيضة انتقلت الفوقية إلى العندية، فصارت عنده لا عليه، قال الأستاذ ابن خروف: بل الفوقية ثابتة ما دام صفة الفرخ، وإن لم يكن، والفوقية بجناحها. انتهي. وصريح كلام سيبوية أن اسميتها بدخول من عليها مختص بالشعر، وهو ظاهر كلام غيره أيضاً، وزعم ابن عصفور في كتاب "الضرائر" أن "على" في هذا البيت وفي أبيات أخر أنشدها، استعملت اسماً للضرورة إجراء لها مجرى ما هي في معناه وهو فوق، ومذهب سيبوية يرد قولين؛ أحدهما للفراء ومن تبعه من الكوفين، وهو أن: عن وعلي إذا دخل عليهما "من" باقيان على حرفيتهما لم ينتقلا إلى الاسمية، وزعموا أن من تدخل على حروف الجر كلها سوى مذ واللام والباء وفي. وثانيهما لجماعة من البصريين، وهم ابن الطراوة وابن طاهر وابن خروف وأبو علي الرندي، والأستاذ أبو على في
стр. 1067
أحد قوليه، زعموا أن "على" اسم دائمًا، ولا تكون حرفًا، قال أبو حيان: ومن قال باسميتها دائمًا يقول: إنها معربة، ومن جوَّز أنها تنتقل إلى الاسمية اختلفوا، فقال بعض أشياخنا: هي معربة إذ ذاك، وقال أبو القاسم بن القاسم: هي مبنية، وألفها كألف هذا، فهي كعن وكاف التشبيه ومذ ومنذ إذا كنُّ أسماء. انتهى. وإلى هذا ذهب صاحب "الكشاف" وتبعه الرضي، قال: فإن قلت: فلم جاز في حاشا لله أن لا ينون بعد إجرائه مجرى براءة لله؟ قلت مراعاة لأصله الذي هو الحرفية؛ ألا ترى إلى قولهم: جلست من عن يمينه، تركوا عن غير معرب على أصله، وعلى في قوله: غدت من عليه. انتهى.
والبيت من قصيدة لمزاحم العقيلي عدتها أربعة وثمانون بيتاً مذكورة في "منتهى الطلب من أشعار العرب" وقبله:
قطعت بشوشاةٍ كأنّ قتودها ... على خاضب يعلو الأماعز مجفل
أذلك أم كدلايَّة ظلَّ فرخها ... لقى بشر ورى كاليتيم المعيَّل
غدت من عليه بعد ما تمَّ ظمؤها ... البيت.
غدوّا طوى يومين عند انطلاقها ... كميلين من سير القطا غير مؤتل
الشوشاة، بفتح الشين المعجمة: الناقة الخفيفة، والقتود بضم القاف والمثناة الفوقية: جمع قتد، بفتحتين، وهو خشب الرحل، والخاضب، بمعجمتين، هو ذكر النعام الذي الربيع فاحمرّ ساقاه، والأماعز: جمع أمعز، بالعين المهملة والزاي، وهي الأرض الكثيرة الحصباء، ومجفل: اسم فاعل من أجفل بمعنى نفر. وقوله: أذلك أم كدرية؟ الإشارة إلى الخاضب، والكدرية بالضم:
стр. 1068
القطاة الغبراء اللون، وذلك: خبر مبتدأ محذوف تقديره: أتلك الشوشاة ذلك الخاضب أم كدرية؟ شبه ناقته في الخفة والسرعة بأحدهما على طريق تجاهل العارف. وجملة: ظل فرخها لقى .. الخ: صفة لكدرية، واللقى، بفتح اللام والقاف: الملقى والمطروح، وشرورى: جبل بين مكة والكوفة، والمعيَّل، بصيغة اسم المفعول: الفقير، وقيل: المهمل، شبه فرخها في إنفراده وسوء حاله باليتيم، قال اأصمعي: إنما قال: لقى بشرورى، لأن القضاة لا تبيض إلا بالأرض في مفاحص ونقر، ولا تعشش في الشجر. وقوله: غدت من عليه ... الخ، قال أبو حاتم للأصمعي: كيف قال: غدت، والقطاة إنما تذهب إلى الماء ليلاً؟ فقال: لم يرد الغدو، وإنما هذا مثل للتعجيل، والعرب تقول: بكر إلى العشية ولا بكور هناك. وفاعل غدت ضمير الكدرية، يريد أنها أقامت مع فرخها حتى احتاجت إلى ورود الماء، وعطشت فذهبت تطلب الماء عند تمام ظمئها، والظمء بالكسر مهموز الآخر: مدة صبرها عن الماء، وأراد بذكر الفرخ سرعة طيرانها لتعود إليه مسرعة، لأنها كانت تحضنه. وقوله: تصلّ، أي: تصوت؛ جملة حالية، وإنما يصوت حشاها من يبس العطش، فنقل الفعل إليها، وقيل: تصوت في طيرانها، وهو اسمية عن، وإن كان معطوفاً على "من عليه" فعن حرف، والقيض، بفتح القاف: قشر البيضة الأعلى، وإنما أراد قشر البيضة التي خرج منها فرخها، وقوله: ببيداء، البيداء: المفازة، وروي، بزيزاء، بزاءين معجمتين بكسر الأولى وفتحها، وهو: ما غلظ من الأرض التي لا شجر فيها، ومجهل بفتح الميم والهاء: أرض لا يهتدى فيها، ومؤتل: مقصر. ومن هنا إلى آخر القصيدة خمسة وعشرون بيتاً كلها في وصف القطا، وقد شرحنا هذه الأبيات
стр. 1069
بأبسط مما هنا في الشاهد الثامن والعشرين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي.
ومزاحم العقيلي: شاعر إسلامي من بني عقيل بن كعب بن ربيعة عامر بن صعصة، قال صاحب "الأغاني": هو مزاحم بن الحارث، وقيل: مزاحم بن الحارث، وقيل: مزاحم بن عمرو بن مرة بن الحارث، وهذا القول أقرب عندي إلى الصواب، وهو شاعر بدوي فصيح إسلامي، كان في زمن جرير والفرزدق، روي أن الفرزدق دخل على عبد الملك أو بعض نبيه، فقال له: أتعرف أحداً أشعر منك؟ قال: لا، إلا أنت غلامًا من بني عقيل يركب أعجاز الإبل، وينعت الفلوات فيجيد، ثم جاءه جرير فسأله مثل ما سأل الفرزدق، فأجابه بجوابه، فلم يلبث أن جاءه ذو الرمة، فقال له: أنت أشعر الناس، قال: لا، ولكن غلام من بني عقيل يقال له مزاحم، يسكن الروضات، يقول وحشيًا من الشعر، لا يقدر على قول مثله، فقال أنشدني بعض ما تحفظ من ذلك، فأنشده:
خليليَّ عوجا بي على الدار نسأل ... متى عهدها بالظّاعن المتحمِّل
فعجت وعاجوا بين بيداء موَّرت ... بها الرِّيح جولان التراب المنخَّل
حتى أتى على آخرها، ثم قال: ما أعرف أحدًا يقول قولًا يواصل هذا. انتهى. وهذان البيتان أول القصيدة التي منها الأبيات التي شرحناها.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد المائتين:
(٢٣١) هوِّن عليك فإنَّ الأمور ... بكفِّ الإله مقاديرها
على أن مجرور "على" وفاعل متعلقها الذي هو هون، ضميرا مخاطب واحد.
стр. 1070
قال أبو حيان: استدل الأخفش على اسمية على بقول العرب: سويت علي ثيابي، ووجه الدلالة أنه قد تقرر أن فعل المضمر لا يتعدى إلى مضمره المتصل لا بنفسه ولا بواسطة، فلا تقول: زيد ضربه، تريد: ضرب نفسه، ولا: فرحت بي، تريد: فرحت بنفسي، وفي: سويت علي، قد تعدى إلى ضميره المتصل، فوجب أن يعتقد في "على: أنها اسم، لأنه يجوز: سويت فوقي ثوبي، قال بعض أصحابنا: وكذلك ينبغي أن يجعل "على" اسمًا في قول الشاعر: هون عليك .. البيت، للعلة التي ذكرها الأخفش، وكذلك في قوله: دع عنك نهبًا .. البيت، وهذا الذي ذهب إليه الأخفش وبعض أصحابنا لا يطرد، بل هو مراد غالب، لكنه قد جاء ذلك التعدي، قال تعالى: ﴿وهزِّي إليك﴾ [مريم/ ٢٥] وقال تعالى: ﴿واضمم إليك﴾ [القصص/ ٣٢] ولم يذهب أحد إلى أن "إلى" اسم/ فكذلك "على" فيما ذكر، لكن تلك التعدية قليلة. انتهى. وبعد هذا البيت:
فليس بآتيك منهيُّا ... ولا قاصرٌ عنك مأمورها
قوله: هون عليك، أي: لا تتعب نفسك في طلب شيء، وعلل ذلك بقوله: فإن الأمور .. الخ، وقوله: بكف الإله؛ قال الدماميني: أراد بكف الله: يده، والمراد بها القدرة؛ ولا أعرف أنه ورد.
وأقول: قوله: والمراد بها القدرة؛ هذا على مذهب أهل التأويل، قال البيضاوي في "طوالع الأنوار": الأولى اتباع السلف فى ترك التأويل والرد إلى الله. وقوله: ولا أعرف أنه ورد، قد ورد في "الصحيحين" وغيرهما في فضل الصدقة في حديث أبي هريرة: "وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن" وفي حديث آخر: "إنما يضعها في كف الرحمن" أخرجه مالك في "الموطأ"
стр. 1071
وذكراه بن الأثير في "النهاية" وقال: هو كناية عن محل القبول والإثابة، وإلا فلا كف لله ولا جارحة، تعالى الله عن ذلك، وقد تكرر ذكر الكف والحفنة واليد في الحديث، ولكنها تمثيل من غير تشبيه. انتهى. وقال السيوطي هنا: رأيت في كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي ما نصه: وأما قوله: في كف الرحمن؛ فمعناه عند أهل النظر: في ملكه وسلطانه، ومنه قول عمر بن الخطاب، إن صح، فيما أخبرنا أبو النضر بن قتادة، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق الضبعي، حدثنا الحسن بن زياد، حدثنا إسماعيل بن أبي أوبس، حدثني محمد بن عتبة الخرَّاز عن حماد بن عمرو الأسدي عن حماد بن فليح عن ابن مسعود قال: كان عمر بن الخطاب كثيراً ما يخطب، كان يقول على المنبر:
خفِّض عليك فإنَّ الأمور ... بكفِّ الإله مقاديرها
فليس يآتيك منهيُّها ... ولا قاصر عنك مأمورها
أي: في ملك الإله انتهى.
ويؤخذ من هذا أن الأعور الشني تابعي مسن أو مخضرم، والبيتان رأيتهما في ديوان أمير المؤمنين علي بن أبي طلب، ﵁، وشرهما حسين الميبدي في جملة ما شرحه من ديوانه، وقد أنشده سيبويه في "كتابه وكذا أنشدهما له صاحب "الحماسة البصرية" قال ابن
стр. 1072
قتيبة في كتاب "الشعراء": الأعور الشني هو بشر بن منقذ من عبد القيس، وكان شاعراً محسناً، وله ابنان شاعران يقال لهما: جهم وجهيم، وكان المنذر بن الجاورد [العيدي] ولي "اصطخر" لعلي بن أبي طالب، فاقتطع عنها مائة ألف درهم، فحبسه علي بها، فتضمنها صعصعة بن صرحان العبدي، فقال الأعور:
ألا سألت بني الجارود أيُّ فتًى ... عند الشَّفاعة والباب ابن صوحانا
هل كان إلّا كأمٍّ أرضعت ولدا ... عقَّت فلمتجز بالإحسان إحسانا
لا تأمننَّ امرءا خان أمرءًا أبدًا ... إنَّ من الناس ذا وجهيم خوَّانا
وهو القائل:
لقد علمت غميرة أنًّ جاري ... إذا ضنَّ المثمِّر من عيالي
وأنِّي لا أضنُّ على ابن ابن عمِّي ... بنصري في الخطوب ولا نوالي
ولست بقائلٍ قولًا لأحظى ... بأمرٍ لا يصدِّقه فعالي
وما التَّقصير قد علمت معدٌّ ... وأسباب الدَّنيَّة من خلالي
وأكرم ما تكون عليَّ نفسي ... إذا ما قلَّ في اللَّزبات مالي
فتحسن صورتي وأصون عرضي ... وتجمل عند أهل الذِّكر حالي
وإن نلت الغنى لم أغل فيه ... ولم أخصص بجفوتي الموالي
وقد أصبحت لا أحتاج فيما ... بلوت من الأمور إلى سؤال
وذلك أنَّني أدَّبت نفسي ... وما حلت الرِّجال ذوي المحال
إذا ما المرء قصَّر ثمَّ مرَّت ... عليه الأربعون عن الرِّجال
ولم يلحق بصالحهم فدعه ... فليس بلاحقٍ أخرى اللَّيالي
стр. 1073
هذا ما أورده ابن قتيبه. وقد استشهد سيبويه بالبيت الثاني في أوائل "كتابه" قال: وتقول: ما أبو زينب ذاهبًا، ولا مقيمةٌ أمها، ترفع، لأنك لو قلت: ما أبو زينب مقيمةٌ أمها؛ لم يجز، لأنها ليست من سببه، ومن ذلك قول العور الشني: وأنشد البيتين. قال ابن خلف قوله: ولا قاصر عنك مأمورها؛ ليس من سبب منهيها، كما أن أمها ليست من سبب أبي زينب، وفيه الشاهد: ومنهيها: مضاف إلى ضمير الأمور، ومأمورها: مضاف إلى ضمير الأمور، ومنهيها: رفع لأنه اسم ليس، وبآتيك: خبر ليس، وفي قوله: قاصر عنك مأمورها، وجوه ثلاثة:
أحدها: أن ترفع مأمورها بالابتداء، وقاصر مرفوع لأنه الخبر، والجملة معطوفة على الجملة المتقدمة، والجود رفع قاصر بالابتداء ومأمورها فاعله سد مسد الخير.
والوجه اثاني: أن تنصب قاصراً، وتعطف مأمورها علىسم ليس، وقاصراً على موضع بآتيك. فهذا عطف اسمين على اسمين، والعامل واحد، وهو: ليس، وتقديم الخبر في ليس شائع.
والوجه الثالث: جر قاصر، فبعض الناس يجيزه وبعضهم يأباه، ومن يجيزه طائفتان، إحداهما تزعم أن العطف على معمولي عاملين جائز، مثل: زيد في الدار، والقصر عمروٌ، فتعطف عمرو على زيد، والقصر على الدار، وطائفة لا تجيزه، وتجعله من نحو قولنا: ليس أمة عبد الله بذاهبة ولا قائم أخوها، تعطف قائم على ذاهبة، وتكون قد أخبرت عن أمة عبد الله بأنها ذاهبة، وبأنها قائم أخوها، فتكون قد عطفت خبرًا على خبر، وأخوها رفع بقائم، وإلى هذا الوجه ذهب سيبويه في جر "ولا قاصر"، فقيل لمن أجاز هذا الوجه: إن اسم ليس
стр. 1074
"منهيُّها" والخبر "بآتيك" فإن جر "قاصر" بالعطف على آتيك لم يجز، لأن التقدير: فليس بآتيك منهي الأمور، ولا قاصر عنك مأمور الأمور، ولا يجوز أن تقول: فليس منهي الأمور بقاصر عنك مأمورها، لأن المأمور مضاف إلى ضمير الأمور، وليس بمضاف إلى ضمير المنهي، ولا يجوز أن يخبر عن الشيء بما ليس من فعله ولا فعل سببه، فكيف يجوز أن يجعل قاصراً خبراً عن المنهي، وليس قاصر هو فعل المنهي، ولا هو فعل لسببه، إنما هو فعل المأمور الذي هو مضاف إلى ضمير الأمور؟ وذكر سيبويه قبل إنشاده مسألة فقال: وتقول: ما أبو زينب ذاهبًا، ولا مقيمةٌ أمها، برفع مقيمة، ولا يجوز أن تنصب قيمة، وتعطفه على خبرها وتجعله خيرًا عن الأب، لأن الأم مضافة إلى ضمير زينب، وليس أمها من سبب الأم، ثم أتى بالبيت، وهو في الظاهر نظير المسألة، لأن مأمورها ليس بمضاف إلى ضمير المنهي، إنما هو مضاف إلى ضمير الاسم الذي أضيف إليه المنهي، فهو بمنزلة إضافة الأم إلى زينب، منهيها ولا قاصر عنك مأموره؛ لساغ من طريق اللفظ، والمعنى يبطله، ولكن الشعر يرده، والمعنى: أن منهي الأمور هي التي قد أراد الله، ، أن لا تكون أيداً، ولا يمكن أحدًا أن ينالها، وجعلها منهية لأنها في تقدير ما قد نهى عن فعله، ومنع من إيقاعه، ومأمورها: ما قال الله تعالى له: كن؛ فكان.
يقول: هون عليك الأمور، ولا تحزن لشيء يفوتك من الدنيا، فما أراد الله أن يرزقك إياه، فما لحزنك وجه. وقاصر عنك: مقصر أن يبلغك وياتيك.
والوجه الثاني من وجهي الجر، وهو وجه أجازه سيبويه في هذا البيت على ضرب من التأويل، وجعل اللفظ كاللفظ بالأمور، وكأنه حين قال:
стр. 1075
ليس يأتيك منهيها/ قد قال: ليس بآتيتك الأمور، وحينئذ جاز أن يقول: ولا قاصر عنك مأمورها، ويكون المأمور مضافاً إلى ضمير الأمور، وعند سيبويه وغيره: أن المضاف إلى الشيء إذا كان بعضاً له، جاز أن يجعل الخبر عن بعضه على لفظ الخبر عن جميعه، فمن ذلك قولهم: قد ذهبت أصابعه، ومثل هذا فعل سيبويه في البيت، كأنه لما كان يريد المنهي، ولو قال: وليست بآتيتك الأمور وهو يريد المنهي، لجاز. إلى هنا كلام ابن خلف. والله أعلم.
وأنشد بعده وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد المائتين:
(٢٣٢) وما أصاحب من قومٍ فأذكرهم ... إلّا يزيدهم حبًّا إليًّ هو
على أن ابن مالك قال: أصله يزيدون أنفسهم، فحذف أنفس فصار: يزيدونهم حبًا إليَّ هم، فـ"هم" الأخيرة: فاعل، وهم الأولى في الأصل: مضافًا إليه، أو "أنفس" المحذوف هو المفعول المضاف، و"هم" في المواضع الثلاثة: ضمير قوم الشاعر، ولا يجوز أن يكون هم في يزيدهم مفعولًا، وهم الأخيرة فاعلًا.
قال ابن مالك في "شرح التسهيل": وظن بعضهم أن هذا جائز في غير الشعر، لأن قائله لو قال: يزيدونهم، لصح، فيجعل المتصل هو الواو فاعلًا، والمنفصل توكيدًا، وهذا وهم، لأن ذلك جمع بين ضميرين متصلين لمسمى واحد، أحدهما فاعل والآخر مفعول، وذلك لا يكون في غير فعل قلبي. انتهى.
стр. 1076
قال أبو حيان: الذي ظنه هذا الظان صحيح، وما رد به المصنف فاسد، لأنه اعتقد أن الفاعل بيزيد هو المفعول به، وليس كذلك، بل الفاعل بيزيد عائد على قوم، "وهم" المتصل بيزيد عائد على من سبق ذكره في الشعر من الذين فارقهم، فاختلف مدلولا الفاعل والمفعول. انتهى. وهذا هو الحق لا شبهة فيه، وإليه أشار ابن عصفور في كتاب "الضرائر" قال: ومنه وضع ضمير الرفع المنفصل بدل ضمير الرفع المتصل، نحو قول المرّار بن منقذ:
لم آت بعدهم حيًّا فأخبرهم ... إلّا يزيدهم حبًّا إليَّ هم
يريد: إلا يزيدونهم حبًا إلي، فوضع الضمير المنفصل، وهو: هم، موضع الضمير المتصل، وهو: الواو، للضرورة، وقول طرفة:
أصرمت حبل الحي أم صرموا ... يا صاح بل صرم الحبال هم
يريد: بل صرموا الحبال، فوضع أيضاً الضمير المنفصل موضع الضمير المتصل لما اضطر إلى ذلك. انتهى.
وقول المصنف: فغن مراده أنه ما بصاحب قوماً .. الخ، أراد به معنى البيت وإيضاح المراد منه، كصنيعه في شرح أبيات الناظم قال: معنى البيت أنه ما يصاحب من بعد قومه قوماً، فيذكر قومه، إلا يزيد أولئك القوم قومه حبًا إليه، إمًا لما يرى من تقاصرهم عن قومه، أو لما يسمع منهم من الثناء عليهم، والذكر على الأول بالقلب، وعلى الثاني باللسان، ويشهد للأول أنه يروى: "فأخبرهم".
стр. 1077
ويجوز في: فأذكرهم، و: فأخبرهم، الرفع عطفًا على أصحاب، والنصب في جواب النفي، لأن انتقاض النفي إنما هو بالنسبة إلى المعمول، ونظيره: ما تأتينا فتحدثنا إلا في الدار. انتهى. وبما ذكرنا تدفع مناقشة الدماميني بأنه قدر في البيت ما لا دليل عليه، لأنه قدر "لهم" بعد فأذكرهم، وقدر "ثناءهم" على قومه، ليكون ذلك سببًا لزيادتهم إياه حبًا في قومه، وهو في غنية عن ذلك، إذ يجوز أن يكون المراد أنه إذا صاحب قوماً فذكر قومه، أي: تذكرهم، زاد هؤلاء القوم المصاحبون قومه حبًا إليه، لما يشاهده من انحطاط مرتبة هؤلاء عن مرتبة قومه، ففيه إشارة إلى فضل قومه على كل من يصاحبه من الأقوام. انتهى.
فإن قصد
إيضاح المعنى لا بيان المقدر فيه.
قال المصنف: وزعم أبو حيان أن ابن مالك حرف صدر عذا البيت، وأن صوابه:
لم ألق بعدهم حيًّا فأخبرهم
ولا مستند له في ذلك، إلا أنه وجده في "حماسة أبي تمام" هكذا، والذي أورده ابن مالك هو رواية ابن قتيبة في "طبقات الشعراء" ورواه المبرد أيضًا كذلك. انتهى. والحي: القبيلة، وخبرت الشيء أخبره، من باب قتل؛ بمعنى علمته، والاسم: الخبر، بالضم.
والبيت من قصيدة طويلة للمرَّار بن منقذ العدوي، تقدم شرح أبيات منها مع ترجمته في الإنشاد الثاني والخمسين، وهذه أبيات من أولها إلى الشاهد:
стр. 1078
لا حبَّذا أنت يا صنعاء من بلدٍ ... ولا شعوب هوًى مني ولا نقم
ولن أحبَّ بلادًا قد رأيت بها ... عنسًا ولا بلدًا حلَّت به قدم
إذا سقى الله أرضًا صوب غاديةٍ ... فلا سقاهنَّ إلّا النّار تضطرم
وحبَّذا حين تمسي الرِّيح باردًة ... وادي أشيٍّ وفتيانٌ به هضم
الحاملون إذا ماجرَّ غيرهم ... على العشيرة والكافون ما جرموا
والمطعمون إذا هبَّت شاميًة ... وباكر الحيَّ من صرَّادها صرم
وشتوةٍ فلَّلوا أنياب لزبتها ... عنهم إذا كحلت أنيابها الأزم
حتّى انجلى حدُّها عنهم وجارهم ... بنجوةٍ من حذار الشَّرِّ معتصم
هم البحور عطاءً حين تسألهم ... وفي اللِّقاء إذا تلقى بهم بهم
وهم إذا الخيل جالوا في كواثبها ... فوارس الخيل لا ميلٌ ولا قزم
لم ألق بعدهم حيَّا فأخبرهم ... إلّا يزيدهم خبًّا إليَّ هم
كم فيهم من فتًى حلٍو شمائله ... جمِّ الرَّماد إذا ما أخمد البرم
قال التبريزي: صنعاء مدينة اليمن، وشعوب، بفتح الشين، ونقم، بضم النون والقاف: موضعان باليمن، وعنس بفتح العين، وسكون النون، وقدم، بضم القاف وفتح الدال: حيتان باليمن، وأشيّ: بضم الألف وفتح الشين المعجمة، وتشديد الياء؛ قال أبو عبيد البكري: هو
стр. 1079
واد أو جبل في بلاد [بني] العدوية من بني تميم، وقال عمر بن شبة: بلد قريب من اليمانة، وأنشد هذا البيت، وهضم، بضمتين: جمع هضوم، وهو الذي ينفق في الشتاء، أي: حبذا هم في برد الشتاء إذا اشتد الزمان، لأنهم يطعمون فيه، والحاملون: من الحمالة، بالفتح، وهو الدية التي يحملها قوم عن قوم، وجرَّ: من الجريرة، وهي الجناية، وجرم فلان: أذنب كأجرم والاسم: الجرم بالضم، قال التبريزي: وشآمية انتصب على الحال. أقول: يريد أن فاعل هبت الريح المفهومة من المقام، ويجوز رفع شآمية على الفاعل، أي: إذا هبت ريح شآمية، وهي المنسوبة إلى الشام. والصرد: جمع صارد، من صرد، كفرح: وجد البرد سريعًا، والضمير للريح. وصرم، بكسر ففتح: جمع صرمة، وهو القطع، وأصله في أقطاع الإبل، وشتوة: أي: رب شتوة، وفلّلوا: كسروا، ةاللزبة، بفتح اللام وسكون الزاي بعدها موحدة: السنة المجدبة، وجعل الأنياب مثلًا لشدائدها. والكلوح: بدوّ الأسنان عند العبوس، والأزم، بضم الألف والزاي: جمع أزوم، من أزم يأزم أزمًا؛ إذا عض بالفم كله عضًا شديدًا، وأزم العام: اشتد قحطه، والنجوة: المكان المرتفع لا يبلغه السيل، صربه مثلًا للملجأ الذي التجؤوا إليه في فنائهم حذارًا من الشر، وعطاء: تمييز أو مفعول له، واللقاء: ملاقاة الأقران في الحرب، وبهم: بضم ففتح جمع بهمة، بضم فسكون، وهو: الشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى من شدة بأسه. والكاثبة: أعلى الظهر من الدابة، وميل: جمع أميل، وهو الذي لا يثبت على ظهر الفرس، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: لاهم ميل، وفزم،
стр. 1080
بفتح القاف والزاي: الصغير الجسم، يستوي فيه الواحد وغيره، وكم: للتكثير، والبرم، بفتح الموحدة والراء المهملة: البخيل الدني، ومفعول أحمد محذوف، وهو النار، فإن البخيل يطفئ النار حتى لا يستدل عليه أحد بضوئها فيضيفه، وذلك لبخله.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد المائتين:
(٢٣٣) قد بتُّ أحرسني وحدي ويمنعني ... صوت السَّباع به يضبحن والهام
على أنه عدِّى "أحرس" المسند لضمير المتكلم المتصل إلى الضمير المتصل، وهو ياء المتكلم، مع أنه ليس من باب ظن، وفقد وعدم. أورده ابن عصفور في كتاب "الضرائر" وقال: الوجه أن يقول: أحرس نفسي، كما قال تعالى: ﴿إني ظلمت نفسي﴾ [النمل/ ٤٤] فوضع الضمير المتصل موضعه لما اضطر إلى ذلك. انتهى. أقول: هذا هو المشهور، والذي رأيناه في شعر أبي داود، وفي شعر النمر بن تولب: "قد بتّ أكلؤه ليلًا"، "قد بت أحرسه ليلًا" فلا شاهد فيه.
وهو من أبيات لأبي داود الإيادي، رواية ابن السكيت وغيره وهي:
ومنهلٍ لا يبيت القوم حضرته ... من المخافة أجنٌ ماؤه طامي
قد بتُّ أكلؤه ليلًا ويؤنستي ... صوت السِّباع بع يضبحن والعام
ما كان إلّا مقامي في مدالجه ... ثم انصرفت إلى وجناء مجذام
стр. 1081
هرقت في حوضها صفنًا لتشر به
في جافق] خلق الأعضاد أهزام
فساقت الحوض أو شمَّت بمنخرها ... ثمَّ استمرَّت سواه طرفها سامي
صدَّت كما صدَّ عّما لا يحلُّ له ... ساقي نصارى قبيل الصُّبح صوَّام
قوله: ومنهل، أي: ورب منهل، وقوله: حضرتك، أي: في حضوره، وأجن: بفتح الألف، وسكون الجيم، ومن للتعليل، قال ابن السكيت في شرحه: منهل: مشرب، وأجن: قد أنتن وتغيرت ريحه، يقال: ماء آجن وأجن، وطامي: قد ارتفع، يقال: طما الماء يطمي طميًا، ويطموا طموّاً، يقول: قد ارتفع ماؤه من قلة الورود، وقال أبو عبيدة. الآجن: المتغير اللون، وهو الأجون، والأجن، والآسن: المتغير الريح والطعم، يقال: أسن الماء يأسن أسنًا. انتهى. يعني من باب فرح.
وقوله: قد بتّ أكلؤه ... الخ، أي: أحرسه، والضمير للمنهل، أي: أحرسه، أي: أحرس نفسي يضج، وكذلك البوم. انتهى. وهو بالضاد وفتح الموحدة فيهما، ومما يتعجب منه قول أبي حيان في "تذكرته": زعم بعض النحويين أن أصبح تكون زائدة، وأنشده:
أبيت أحرسه وحدي ويمنعني ... صوت السِّباع به يصبحن والهام
انتهى. وهذا تحريف قطعًا، والهام بالجر: معطوف على السباع، وهو جمع
стр. 1082
هامة، وهو من طير الليل، يقال له: الصدى، وقوله: في مدالجه، قال شارحه: المدلج: الممشى بين الحوض والبئر، الممشى بين الحوض والبئر، يقال: دلج يدلج، من باب النصر، إذا مشى بدلو بين الحوض والبئر. والوجناء: الصلبة الغليظة، ومجذام بالجيم والذال المعجمة: الماضية في سيرها، وقوله: هرقت، أي: أرقت وصببت، والصفن: بضم الصاد وسكون الفاء، جمع صفنة، قال الأصمعي: هي السفرة يستقى بها، وقوله: في دافن: بدل من قوله: في حوضها، والدافن: الحوض المندفن بالتراب دفنته الريح، والأعضاد: نواحي الحوض، وأهزام: متصدع فيه شقوق، يقال: قد تهزمت القربة: إذا تشققت، وهي الهزوم واحدها هزم.
وقوله: فسافت الحوض، أي: كرهته وعافته، وقوله: ثم استمرت سواه، قال ابن السكيت: أي: سوى ذلك المكان، وسامي: مرتفع. ولم يكتب على البيت الأخير شيئًا.
ورأيت هذه الأبيات آخر قصيدة للنمر بن تولب، وهي:
شطَّت بجمرة دارٌ بعد إلمام ... نأىٌ وطول تعادٍ بين أقوام
قال شارح ديوانه محمد بن حبيب: تعادي: صوارف وأشغال، عداني عن هذا أمر، أي: صرفني.
حلَّت بتيماء في قومٍ إذا احتملوا ... في الصُّبح نادى مناديهم بإشام
تيماء: من نحو بلاد طي، وهي بعيدة منها، ولكنها من ذلك الحيز، يقول: إذا ارتحلوا أخذوا نحو الشام فازدادوا مني بعدًا.
وقد لهوت بها والدّار جامعةٌ ... بالخرج فالنّهي فالعوراء فالدّام
стр. 1083
الخرج: قرية من قوى اليمامة والخرج بالفتح: في بلاد تميم.
كأنَّ جمرة أو عزَّت لها شهبًا ... في العين يوم تلاقينا بأرمام
عزت: غلبت، يقول: كأن جمرة، أو غلبت جمرة في الحسن، شبه هذه الروضة، ومثله: كأن فلانًا، أو هو أفحش منه، كلب.
ميثاء جاد عليها وابلٌ هطلٌ ... فأمرعت لاحتيالٍ فرط أعوام
يقول: كأنها هذه الميثاء، أو غلبت عليها في الحسن، وأمرعت وقد أحالت أعوامًا، وفرط أعوام: بعد ذهاب أعوام، كقولك: فرط مني كلام، أي: سبق، يقول: مضى لها أعوام وهي جامّة، فهو أقوى لنبتها. انتهى. والميناء: الأرض السهلة، وأمرع المكان ومرع: أخض=صب وصار ذا كلأ.
إذا يجفُّ ثراها بلّها ديمٌ ... من واكفٍ نزل] بالماءٍ سجّام
الديم: المطر اللين يدوم اليوم واليومين، يقال: مكان نظل؛ إذا كان يسيل من أدنى مطر يصيبه.
لم يرعها أحدٌ وارتبَّها زمنًا .. فأوٌ من الأرض محفوفٌ بأعلام
الفأو: المطمئن من الأرض بين الربوتين، يقول: هي عازبة بعيدة وافرة الكلأ، وارتبها: غذاها، ومحفوف بأعلام، أي: حولها جبال تكنها من الريح، ويسيل ماؤها إليها فهو أبقى لخضرتها. قال ابنحبيب: فأوت من الأرض طيب تطيف به الجبال.
تسمع للطّير في حافاتها زجلًا ... كأنَّ أصواتها أصوات جرّام
стр. 1084
حافاتها: نواحيها، شبه أصوات الطير في هذه الروضة بأصوات الجرَّام، وهم الذين يصرمون النخل.
كأنَّ ريح خزاماها وحنوتها ... باللَّيل ربح يلنجوجٍ وأهضام
الخزامى: خيريّ البر. والألنجوج: العود، والأهضام: المحطوم المكسور، وقيل: ضرب من الطيب.
أليس جهلًا بذي شيبٍ تذكرُّه ... ملهى ليالٍ خلت منه وأعوام
ومنهلٍ لا ينام القوم حضرته ... من المخافة أجنٍ ماؤه طامي
لا ينامون من الوحشة وفرق السباع، وطامي: كثير، لا يورد ولا يشرب.
قد بتُّ أحرسه ليلًا ويسهرني ... صوت السِّباع به يضبحن والهام
أحرسه، أي: أحترس فيه، والعرب تقول: بتُّ به ثلاثاً لا آكلهَّ طعامًا، ولا أشربهنَّ شرابًا، أي: لا آكل فيهنَّ ولا أشرب.
ما كان إلّا اطّلاعي في مدالجه ... ثمَّ انصرافي إلى وجناء مجذام
المدالج: بين الحوض والركي، يقول: لم يكن لي لبث إلا بقدر ما سبقت اطلاعي نظري فيه، كما تقول: طالعت ضيعتي، أتيتها لم ألبث فيها، ومجذام: صريعة تقطع الأرض.
أفرغت في حوضها ماءً لتشر به ... في داثرٍ خلق الأعضاد أهزام
ويروي: "صفنًا لتشربه" أهل الحجاز يقولون: صفن، فيضمون الصاد
стр. 1085
ويذكرون، وأهل نجد يقولون: صفنة، يفتحون الصاد ويؤنثون، والصفنة: شيء تتخذه الأعراب كهيئة السفرة، فإذا احتاجوا إلى الماء سقوا بها، وأعضاد الحوض: نواحيه، وأهزام": منفلقة الطين، قد تهزمت؛ تشققت.
فعافت الماء أو سافت بمشرفها ... ثمَّ استمرَّت سواه طفرفها سامي
سامي: مشرف، لأنها نشطت، وعافت: كرهت، إنما شمت ثم لم ترد، ومضت لم تقم به، واستمرت: مضت.
صدَّت كما صدّ عمَّا لا يجلُّ له ... ساقي نصارى قبيل الصُّبح صوَّام
عمت لا يحل له من الأكل والشرب قبيل الصبح، لأنهم إذا ناموا لم يأكلهم ولم يشربوا، وإنما يستحب السحور خلافًا عليهم، ويروى: "قبيل الفصح". انتهى. والفصح بكسر الفاء: عيد للنصارى.
وأبو داود الإيادي: شاعر جاهلي تقدَّمت ترجمته في الإنشاد الخامس والسبعين بعد المائة، والنمر بن تولب: شاعر معمر أدرك الإسلام، وروى عن النبى ﷺ حديثًا واحدًا، وتقدمت ترجمته في الإنشاد الواحد والثمانين.
عن
وأنشد فيه، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد المائتين:
(٢٣٤) لاه ابن عمِّك لا أفضلت في حسبٍ ... عنّي ولا أنت ديَّاني فتخزوني
стр. 1086
على أن عن بمعنى على، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": هذا مذهب كوفي، وقال به القتبي وهذا المصنف، واستدلوا بقول الشاعر: لاه ابن عمك .. البيت، وقال آخر:
ولو أنت تلقي حنظلًا فوق بيضهم
تدحرج عن ذي سامه المتقارب
واستدل المصنف بقولهم: بخل عنه، وخرج ذلك على التضمين، فقال بعض أصحابنا: ضمنه معنى: ما انفردت بحسبٍ عني، لأنه إذا فضل عليه في الحسب، أي: زاد، فقد انفرد عنه بتلك الزيادة. وأما: عن ذي سامه؛ فباقية على موضعها، لأن تدحرجه عن ذي سامه انتقال عن بعضه إلى بعض، وقال بعض شيوخنا: إذا كان أفضل، وكان فوقه في الحسب فقد زال عنه، وصار في حيز، فكأنه قال: لاه ابن عمك، مازال قدرك عن قدري، ولا ارتفع شأنك عن شأني. انتهى. وأما بخل عنه، فالتقدير: بخل بماله عنه، فضمن
стр. 1087
بخل معنى رغب بماله، أو كف ماله، وكل منهما يتعدى بعن. انتهى.
وقال ابن السيد في "شرح أدب الكاتب" لابن قتيبة: ذهب يعقوب ابن السكيت، ومن كتابه نقل ابن قتيبة هذه الأبواب، إلى أن عن ههنا بمعنى على، وإنما قال ذلك لأنه جعل أفضلت من قولهم: أفضلت على الرجل؛ إذا أوليته فضلًا، وأفضلت هذه تتعدى بعلى لأنها، بمعنى الإنعام، ومعناه: أنك لم تنعم علي بأن شرفتني فتعتّد ذلك، وقد يجوز أن يكون من قولهم: أعطى وأفضل؛ إذا زاد على الواجب، وأفصل هذه أيضًا تتعدى بعلى، يقال: أفضل على كذا، أي: زاد عليه فضلة. وقد يجوز أن يكون من قولهم: أفضل الرجل؛ إذا صار ذا فضل في نفسه، فيكون معناه: ليس لك فضل تنفرد بع عني، وتحرزه دوني، فتكون عن ههنا واقعة موقعها غير مبدلة من "على". انتهى.
ثم إن الظاهر أن يقول: "عنه" بضمير الغائب، لكنه التفت من الغيبة إلى التكلم، لأنه يعني بابن العم نفسه، فردّ الإخبار بلفظ المتكلم، ولم يخرجه بلفظ الغيبة، لئلا يتوهم أنه يعني غير نفسه، ولو جاء بالكلام على لفظ الغيبة لكان أحسن، لكنه أراد تأكيد البيان ورفع الإشكال.
وروى صاحب "الأغاني":
لاه ابن عمِّك لا أفضلت في حسبٍ شيئًا ...
وعليه؛ لا يكون في البيت شاهد. قال ابن السيد: قوله: لا أفضلت، معناه: لم تفضل، والعرب تقرن "لا" بالفعل الماضي، فينوب ذلك مناب "لم" إذا قرنت بالفعل المستقبل، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فلا صدَّق ولا صلَّى﴾ [القيامة /٣١] معناه: لم يصدّق، ولم يصلّ، ومنه قول أبي خراش:
стр. 1088
إن تغفر اللَّهم تغفر جمّا وأيُّ عبدٍ لك لا ألما. انتهى. وقول المصنف: أي: لله در ابن عمل، أراد أن أصله هذا، فصار بالحذف لاه ابن عمك، أراد أن أصله هذا، فصار بالحذف لاه ابن عمك، وفيه إجحاف مستغى عنه، وإنما الأصل" لله ابن عمك، وابن: مبتدأ، ولله الخبر، فحذفت اللام الجارة ولام التعريف، فبقي لاه مجرورًا على الشذوذ، ولام الجر للتعجب، ويكون جملة لا أفضلت .. الخ. بيانًا وتفسيرًا لجملة التعجب من كمال صفاته المقتضى للتعجب منها.
قال ابن الأنباري في شرح هذا البيت من "شرح المفضليات": أراد: لله در ابن عمك، فحذف اللام الخافضة اكتفاء بالتي تليها، ثم قال: وروى أحمد: لاه ابن عمل بالخفض، قال: وهم قسم، المعنى: [و] رب ابن عمك، وقوله: لا أفضلت: جواب القسم. انتهى. فتكون اللام المضمرة للقسم، ورب بالجر والإضافة: صفة للفظ الجلالة، ورب: وصف من الربوبية. وهذا وإن كان فيه إجحاف وشذوذ، لكن رواية الجر اقتضت هذا التقرير. ونقل الشريف المرتضى في "أماليه" عن ابن دريد الجر اقتضت هذا التقدير. ونقل الشريف المرتضى في "أماليه" عن ابن دريد أنه قال: أقسم، وأراد: لله ابن عمك، فتكون اللام للقسم، وجملة لا أفضلت: جوابه، وهذا فاسد لأنه يبقى ابن عمك غير مرتبط بشيء. وعلم مما ذكرنا أن كسرة "لاه" إعراب لابناء، وهو ظاهر كلام "المفصل" قال فيه: وتضمر، أي: باء القسم، كما تضمر اللام في لاه أبوك. انتهى. فإن الحرف المضمر يبقى معناه وأثره، بخلاف المحذوف، فإنه يبقى معناه دون أثره، وزعم الرضي أن كسرته بنائيه، قال:
стр. 1089
حذف لام الجر لكثرة الاستعمال، وقدر لام التعريف، فبقي: لاه ابن عمك فبني لتضمن الحرف. هذا كلامه، وهو مخالف لكلام النحاة/ منهم الأندلسي، فإنه صرح في "شرح المفصل" كون الكسرة في "لاه" إعراب، قال عند قول "المفصل": وتضمر كما تضمر اللام: هذا هو الوجه الثالث، وهو أن تحذف الحرف لفظًا وتقدره معنى، ويبقى عمله كما تضمر ربّ، وقولهم: إن المحذوف من "لاه" هو لام الجر مع لام التعريف، هو الصحيح. وزعم المبرد أن المحذوف لام التعريف واللام الأصلية، والباقية هي لام الجر الفتح، وفي هذا المقام كلام طويل أودعناه في الشاهد الثالث والعشرين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.
وقول المصنف: ولا أنت مالكي فتسوسني .. ؛ أشار بالمالك إلى تفسير الدَّيان، وهو القيِّم بالأمر، المجازي به، وهو فعَّال من الدين وهو الجزاء، وفي "القاموس": الديان: القهار والقاضي والحاكم والمجازي الذي لا يضيع عملًا، بل يجزي بالخير والشر. وأشار بـ"تسوسني" إلى تفسير تخزوني، بالخاء والزاء المعجمتين؛ مضارع خزاه حزوًا، بالفتح: ساسه وقهره وملكه، وساسه من السياسة، وأما الخزي، بالكسر، وهو الهوان والذل، فالفعل منه كرضي، وأخزاه الله: أفضحه، قال الدماميني: يحتمل الرفع والنصب في "فتخزوني" كما يحتملها نحو: ما تأتينا فتحدثنا، أي: ولا أنت مالكي فكيف تسوسني؟ أو: ليس لك ملك فسياسة، وعلى تقدير النصب فالفتحة مقدرة، كما في قوله:
أبى الله أن أسمو بأمٍّ ولا أب
стр. 1090
وليس بضورة، وقد قرئ في الشواذ: ﴿إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكّاح﴾ [البقرة/ ٢٣٧] بإسكان الواو من "يعفو الذي". انتهى. والحسب: ما يعده الإنسان من مناقب نفسه. انتهى.
والبيت من قصيدة لذي الأصبع قالها في ابن عم له كان ينافسه ويعاديه، وفي رواية أبي علي القالي في "أماليه" ستة وثلاثون بيتًا، وأوردها السيوطي، وفي رواية ابن الأعرابي في نوادره ستة عشر بيتًا، وفي رواية المفضل في "المفضليات" ثمانية عشر بيتًا، ونحن نقتصر على هذه الرواية، وهي:
لي ابن عمٍّ على ما كان من خلقٍ ... مختلفان فأقليه ويقليني
أزرى بنا أنَّنا شالت نعامتنا ... فخالني دونه وخلته دوني
يا عمر وإن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتّى تقول الهامة أسقوني
لاه ابن عمّك ... البيت
ولا تقوت عيالي يوم مسغبةٍ ... ولا بنفسك في العزَّاء تكفيني
إنِّي لعمرك ما بي بذي غلقٍ ... عن الصَّديق ولا خيري بممنون
ولا لساني على الأدنى بمنطلقٍ ... بالفاحشات ولا فتكي بمأمون
عفتُّ يؤوسٌ إذا ما خفت من بلدٍ ... هونًا فلست بوقافٍ على الهون
عنِّي إليك فما أمّي براعية ... ترعى المخاض وما رأيس بمغبون
كل امرئ راجعٌ يومًا لشيمته ... وإن تخالق أخلاقًا إلى حين
следующие страницы →