← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

والرؤية بصرية، ومفعولها الهاء الراجعة إلى طود، ومجللًا: حال من الهاء، وهو اسم مفعول من جلله بمعنى غطاه وألبسه، وبالسحاب متعلق به. وقوله: على ظهر صفوان ... الخ قال ابن السكيت: يقول نبتت على حجر يزلق الرجل المتنزل لملاسته، وعللن: سقين مرة بعد مرة، وقوله: يطيف بها راع ... الخ، قال ابن السكيت: يطيف بهذه القوس المبضوعة راع، أي: حافظ، ليجعل طرفه كالئًا يحفظ منها منظرًا، والكالئ: الحافظ، وقوله: فلاقى امرًا من ميدعان، قال ابن السكيت: فعجل به اليأس، أي: لم يتحبس به اليأس، هذا الذي رآها لاقى امرًا من ميدعان، وهي حي من اليمن من أزد السراة، وقد استشعر اليأس منها، فاستشار الآخر، فقال: هل تذكر رجلًا يصيب الغنم، ويقصر العمل، أي: يجيء بعمل قصير، أراد أنهما تشاورا، فدله على الذي رأي فعجلا، يقول: كأنه نسي أنه يئس منها، فلما دله عليها عجل إلى ما قال، وأسمحت قرونته وقرينته جميعًا، وهي النفس، باليأس، أي: تابعته نفسه على اليأس ولم تنازعه، وهذا مثل قولك: لقي فلان فلانا ونسي ما أتى إليه، أي: وقد نسي، انتهى كلامه. وقوله: فقال له، هل ... الخ، أي: هل تذكرن رجلًا يدل على غنيمة ويقصر معملًا، أي: ويقل العمل والعناء، وقوله: على خير ما أبصرتها ... الخ، قال ابن السكيت: أي: فقال: هل تدل على خير ما أبصرتها؟ أي خير ما أبصرت من بضائع الناس، والتبكل: التغنم، يقال: تبكل، أي: تغنم، إن أراد بيعًا أو غنمًا، وقال: المتبكل الذي يباكل بها الناس، يقول لهذا: سوف أبيعك، ولهذا: سوف أعيرك، انتهى. وقال أبو حنيفة في "كتاب النبات": ميدعان حي من أزد السراة، وهم أهل جبال شجيرة، يقول: إما لأن يبريها، وإما لأن يتخذها معاشًا لصيد أو

стр. 982

غزو، والتبكل: التكسب من هنا وههنا، وأصل البكل: الخلط، والقواسون يطلبون هذه العيدان العتق من مظانها، أي: من منابتها حيث كانت من السهول والوعور، ويستدلون عليها الرعاء وقناص الوعول، ويجعلون فيها الجعائل، وربما أبصروا الشجرة منها بحيث لا يستطيعه راق ولا نازل، فيتدلون عليها بالحبال في المهاوي والمهالك، كما يتدلى من يشتار العسل على الرقاب، وأخبرني بعض الأعراب قال: يطلب القواسون هذه العيدان العتق، فإن وجدوها مستحكمة اقتطوها، وإن لم تكن مستحكمة حوضوا حولها، وحملوا إليها الماء، فربما ربوها كذلك سنين حتى تستحكم، قال: وإذا وجد الرعاء منها شجرة دلوا عليها القواس، وأخذوا على ذلك ثوابًا، فقلت له: وكم يبلغ القوس عندكم؟ فقال: تبلغ إذا كانت جيدة خمسمائة درهم، وقد ذكر أوس بن حجر كل ذلك في وصفه القوس، فقال في منعة منبت عودها: ومبضوعة من الرأس فرع، إلى آخر أبيات ثلاثة، ثم ذكر استرشادها من عسى أن يدله، فقال: فلاقي امرًا من ميدعان، إلى آخر أبيات ثلاثة، ثم وصف امتناع منبتها، وتدليه عليها بالحبال: فويق جبيل شاهق الرأس، إلى آخر الأبيات. وقوله: فويق: مصغر فوق، وهو ظرف متعلق بأبصرتها من قوله: على خير ما أبصرتها، في البيت المتقدم، والبلوغ: الوصول، وكل يكل، من باب ضرب، كلالة، أي: تعب وأعيا، ويتعدى بالألف، وتعمل: أي تجتهد في العمل، فهو مضمن معنى الاجتهاد، ولهذا لم يتعد، وأصله التعدي، يقال: عملته أعمله عملًا، من باب فرح، أي: صنعته، والاجتهاد مقدم في المعنى على الكلال، ولا مانع من تأخره لفظًا، لأن الواو لمطلق الجمع لا تفيد ترتيبًا، وروي: "وتعملا" بضم التاء وكسر الميم، والمعنى: وتجهد نفسك أو غيرك، فالمفعول محذوف، وأصل أعمل تعديه إلى مفعولين، تقول: أعملته كذا، أي: جعلته

стр. 983

عاملًا له، والنيل، الإصابة والوصول إلى الشيء، وقنة الجبل، بضم القاف وتشديد النون: أعلاه، كقلّته باللام. وقوله: فأبصر ألهابًا .. إلخ؛ جمع لهب بكسر اللام وسكون الهاء، قال الجوهري: هو الفرجة، والهواء يكون بين الجبلين، وأنشد هذا البيت، والطود: الجبل، ودونها أي: دون المبضوعة، ودون هنا بمعنى أمام، وفاعل أبصر ضمير الرجل من ميدعان، والنيق بكسر النون: المشرف من الجبل، والمهبل بفتح الميم وكسر الموحدة: الهوى والمهلك. قال أبو حنيفة: ثم ذكر تدليه عليها بالحبال، ومخاطرته بنفسه فقال: فأشرط فيها نفسه .. إلى آخر أبيات ثلاثة، وقال ابن السكيت: أشرط نفسه: جعلها علمًا للموت، ومنه أشراط الساعة، ويقال: أشرط نفسه في ذلك الأمر، أي: خاطر بها، والمعصم والمعتصم واحد، وهو: المتعلق، أي: متعلقًا بالحبل فذلك الذي ألقى من أسباب حباله، والسبب: الحبل ويصلح أن يكون سبًا بالكسر، وقال أبو ذؤيب: تدلَّى عليها بين سبٍّ وخيطة فالسب: الحبل، والخيطة: الوتد. انتهى. وتوكل: اعتمد الله. وقوله: وقد أكلت أظفاره .. إلخ، قال ابن السكيت: يتوصل من مكان، ثم ينزل بعده، وروي: "طول مرقى توصلًا" أي: توصل من مكان، إلى مكان، كقولك: اجعل هذه وصلة، وقوله: فما زال حتى نالها، قال ابن السكيت: معصم: مشفق، والموطن: الموضع الذي صار إليه، انتهى.

стр. 984

وتفصل: تقطع، وقوله: فأقبل لا يرجو .. إلخ، قال ابن السكيت: يقول: عسى أن أفلت وأنجو. وقوله: فلما نجا من ذلك الكرب؛ هو الشدة، ويمظعها بالظاء المعجمة والعين المهملة، واللحاء بكسر اللام: قشعر العود، قال ابن السكيت: يمظّعها: يشربها، يقال: مظع الأديم الودك، أي: شربه، يقول: لم يزل يسقيها ماء لحائها ليكون أجود لها، ولو قشر اللحاء عنها لأفسدها. وقوله: فلما قضى مما يريد .. إلخ، صلبها: يبسها، يقال: تمرة مصلبة، أي: يابسة، وأطول: أطال. وقوله: أمرّ عليها .. ، قال ابن السكيت: الرفيق: الحاذق، والمداوس: المصاقل، واحدها مدوس، وهو الذي يصقل به. وقوله: فجردها صفراء، قال ابن السكيت: يقول: لو كانت قصيرة لتعطلت وكانت أصغر من أن يرمى عنها، ولم تعب من طول، فتعطل: تترك لا تتخذ قوسًا. وقوله: فذاك عتادي .. إلخ، الإشارة للرمح والسيف والقوس، والعتاد: العدة، والتظت: التهبت. ويعجبني قوله بعد هذا بأربعة أبيات: وإنِّي وجدت النَّاس إلا أقَّلهم ... خفاف العهود يسرعون التَّنقُّلا بني أمّ ذي المال الكثير يرونه ... وإن كان عبدًا سيِّد الأمر جحفلا وهم لمقلِّ المال أولاد علَّة ... وإن كان محضًا في العشيرة مخولا وليس أخوك الدائم العهد بالّذي ... يذمُّك إن ولّى ويرضيك مقبلا

стр. 985

ولكن أخوك الناء ما كنت آمنًا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا وهذا آخر القصيدة. وأراد التنقل عن المودة، وجحفل: كثير الأتباع، وجيش جحفل: إذا كان كثير الأصوات، وقوله: وهم لمقل المال .. إلخ، أي: يبغضون من لا مال له وإن كان شريفًا، والمحض: الخالص النسب، ومخول: اسم مفعول، من أخول الرجل: إذا صار كثير الأخوال، والناء: البعيد، وحذفت الياء للضرورة، وأعضل الأمر: اشتد وقد تقدمت ترجمة أوس ابن حجر في الإنشاد الثاني والأربعين. وأنشد بعده: وكلُّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرُّ منها الأنامل وقد تقدم شرحه في الإنشاد الواحد والستين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد المائتين: (٢١٠) فمثلك حُبلى قد طرقت ومرضع تمامه: فأليتها عن ذي تمائم محول على أن مثلك مجرور بعد الفاء بإضمار رب، وكذا استشهد به سيبويه، لكنه روى البيت، على غير هذا الوجه، قال في باب كم: وزعم الخليل أن قولهم: لاه أبوك، و: لقيته أمس، إنما هو على: لله أبوك، و: لقيته بالأمس، ولكنهم حذفوا الجار والمجرور والألف واللام تخفيفًا، وليس كل جابر يضمر،

стр. 986

لأن المجرور داخل في الجار، فصار عندهم بمنزلة حرف واحد، فمن ثم قبح، ولكنهم قد يضموونه ويحذفونه فيا كثر من كلامهم، لأنهم إلي تخفيف ما أكثروا استعماله أحوج، قال امرؤ القيس: ومثلك بكراً قد طرقت وثيّياً ... فألهيتها عن ذي تمائم مغيل أي: ورب مثلك، ومن العرب من ينصبه علي الفعل، وقال: ومثلك رهبي قد تركت رذيَّةً ... تلقِّب عينيها إذا سرِّ طائر سمعنا ذلك ممن يرويه عند العرب، انتهي كلامه. قال الأعلم في البيت الأول: الشاهد فيه خفض مثلك علي إضمار رب، ونصبه علي الفعل بعده، ويروي: "ومثلك حبلي قد طرقت ومرضعاً" يقول: أنا محب إلي النساء والمراضع علي زهدهن في الرجال، فكيف الأبكار الراغبات! والتمائم: معاذ يعلق علي الصبيان، واحدتها: تميمة، والمغيل: المرضع وأمه حبلي، ويقال: هو الذي يره أمه توطأ، وقال: البيت الثاني، الشاهد فيه نصب مثلك بالفعل الذي بعده، ويجوز جره علي إضمار رب، يخاطب ناقته، والرهبي: الخائفة، والرذيلة: العيبة الساقطة، أي: أعملها في السفر حتى أودعتها الطريق، فكلما مر عليها طائر قلبت عينها رهبة منه وخوفاً أن يقع عليها ليأكل منها. انتهي. والبيت من معلقة امرئ القيس، وبعده: إذا ما بكي من خلفها انصرفت له ... بشقٍّ وتحتي شقُّها لم تحوَّل وقبله: فقلت لها سيري وأرخي زمانه ... ولا تبعديني من جناك الممِّل

стр. 987

وتقدم شرح في الإنشاد الرابع قال الخطيب التبريزي تبعاً لأبى جعفر النحاس: ولو روي: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعاً؛ لكان جيداً على أن تنصب مثلاً بطرقت، وتعطف عليه إلا أنا لا نعلم أحداً رواه نصباً. انتهى. أقول: قد رواه سيويه والأعلم: ومثلك صفه لموصوف محذوف، أي: فربّ أنثى مثلك، والطروق: الإتيان ليلاً، والمرضع: التي لها ولد رضيع، جاء علي النسب كحائض، وإذا بانيت علي الفعل أنثت كمرضعة وحائضة ونحوهما، وألهيتها: أشغلتها، وقوله: عن ذي تمائم، أي: عن صبي ذي تمائم، ومحول أتى عليه حول، والعرب تقول لكل صغير محول، وإن لم يأت عليه حول، وكان القياس أن يقال: محيل، لأنه مثل مقيم، إلا أنه جاء علي الأصل، كما قيل: استحوذ ومستحوذ والقياس: استحاذ ومستحيذ. وروي: "عن ذي تمائم مغيل" بفتح الياء، اسم مفعول من أغيل الرجل ولده: إذا جامع أمه وهي ترضعه، ويقال أيضاً: أغاله إغاله، بالإعلال، والأسم: الغيلة بالكسر، واغالت المرأة ولدها وأغيلته: أرضعته وهي حامل، فهي مغيل علي القياس، ومغيل بكسر الياء علي خلاف القياس، والولد مغال علي القياس، ومغيل بفتح الياء علي غير القياس. قال الغمام الباقلاني: قوله: فقلت لها سيري وأرخي زمامه .. البيت قريب المنسج، ليس له معني بديع، ولا لفظ شريف، كأنه من عبارات المنحطين في الصفة. وقوله: فمثلك حبلى .. البيت، عابه عليه أهل العربية، ومعناه عندهم حتى يستقيم الكلام: فرب مثلك قد طرقت، وتقديره أنه وزير نساء، وأنه يفسدهن ويلهيهن عن جبلهن ورضاعهن، لأن الحبلى والمرضعة أبعد من الغزل وطلب الرجال، وهذا البيت في الاعتذار ةالاشتهار والتيهام غير منتظم.

стр. 988

مع المعني الذي قدمه، لأن تقديره: لا تبعدني عن نفسك، فأني أغلي النساء وأخدعهن عن رأيهن، وأفسدهن بالتغازل, وكونه مفسدة لهن لا يوجب له وصلهن وترك إبعادهن إياه، بل يوجب هجره والاستخفاف به لسخفه ودخوله كل مدخل فاحش, وركوبه كل مركب فاسد، وفيه من الفحش والتفحش ما يستنكف الكريم من مثله، ويأنف من ذكره. انتهي. ومثله للمرزباني في "الموشح" قال: عيب علي امرئ القيس فجوره وعهره في شعره، كقوله: مثلك حبلى .. إلى آخر البيتين، وقالوا: هذا معنى فاحش، قالوا: كيف قصد للحبلى دون البكر، وهو ملك وابن ملوك، ما فل هذا إلا لنقص همته. انتهي. وقوله: إذا ما بكي من خلفها .. البيت، قال التبريزي: ويروى: "انحرفت له" قال ابن الأنباري: يقل: كانت تحته، فإذا بكي الصبي انصرفت له بشق ترضعه وهي تحته بعد، وإنما تفعل هذا لأن هواها معه. وقال أبو جعفر النحاس: معني البيت أنه لما قبِّلها أقبلت تنظر إليه وإلى ولدها، وإنما يريد بقوله: انصرفت له بشق، يعني أنها أمالت طرفها إليه، وليس يريد أن هذا من الفاحشة، لأنها لا تقدر أن تميل بشقها إلي ولدها في وقت يكون منه إليها ما يكون، وإنما يريد: يقبلها وخدّها تحته. انتهي ما قاله. وقال الإمام الباقلاني: هذا غاية في الفحش، ونهاية في السخف، وأي فائدة لذكره لعشيقته كيف كان يركب هذه القبائح، ويذهب هذه المذاهب، ويرد هذه الموارد؟ ! فإن هذا ليبغِّضه إلي كل من سمع كلامه، ويوجب له المقت، وهو لو صدق لكان قبيحاً، فكيف ويجوز أن يكون كاذباً! ثم ليس في البين لفظ بديع

стр. 989

ولا معنى حسن، وهذا البيت متصل بالبيت الذي فيه ذكر الموضع. انتهي. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع مع شرح أبيات قبل هذا البيت وبعده. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد المائتين: (٢١١) بل بلدٍ ذي صعدٍ وإكام على أن بلداً مجرور برب المضموة بعد بل، والبلد: الأرض، وصعد بضمتين: جمع صعود، بفتح أوله، ويقال: صعوداء أيضاً بالمد، وهي العقبة الشاقة، كما تجمع عجوزاً علي عجزاً، بضمتين، ويجمع علي صعائد أيضاً، كعجائز، والآكام: جمع أُكمُ بضمتين كأعناق جمع عُنق، وأُكمُ: جمع إكام بالكسر، ككتب جمع كتاب: وإكام جمع أكم بفتحتين، كجبال جمع جبل، والاكم: واحدة اكمه، وهو التل، وقيل: الموضع الذي يكون أشد اأرتفاعاً مما حوله، وهو غليط لا يبلغ أن يكون حجراً، والمشهور في البيت عند النحويين: بل بلدٍ ذي صعد وأصباب وكذا أوده الرضي، وهو جمع صبب، بفتح الصاد والموحدة الأولي، كسبب وأسباب, والصبب: ما انحدر من الأرض.

стр. 990

والبيت من أرجوزة لرؤبة بن العجاج، وبعده: تخشي مراديه وهجرٍ ذوّاب ثم وصف البلد بأبيات، إلي أن قال: قطعت أخشاه بعسف جوّاب ... بكلِّ وجناء وناجٍ هر جاب والمرادي: المهالك، جمع مرادة وهي المهواة، والهجر بفتح الهاء: الهاجرة، وهو منتصف النهار، وأخشاه: أهو له، وهو أفعل تفضيل، والعسف: مصدر عسف عن الطريق إذا مال وعدل، أو خبط فيه علي فير هداية، والجوّاب: مبالغة ايم الفاعل، من جاب الأرض يجوبها جوباً إذا قطعها وسلكها، والوجناء: الناقة الشديدة، والناجي: البعير السريع، قال صاحب "القاموس": وناقة ناجية ونجَّية: سريعة، لا يوصف به البعير، أو يقال: ناج. انتهي. وهذا البيت يرد القول الأول، والهرجاب بالكسر: الطويل، قال صاحب "القاموس": هو الطويل من الناس وغيرهم، وترجمة رؤبة تقدمت في الإنشاد الخامس. وأنشد بعده: رسم دارٍ وقفت في طلله وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والثمانين بعد المائة. وأنشد، بعده وهو الإنشاد الثاني عشر بعد المائتين: (٢١٢) وسنٍ كسنَّيقٍ سناءً وسنَّما ... ذعرت بمدلاح الهجير نهوض

стр. 991

في "شرح التسهيل" لأبي حيان: قال ابن عصفور: ومن العطف علي الموضع قول الشاعر: وسن كسنيق .. البيت، عطف سنماً علي موضع سن، لأنه في موضع نصب علي المفعول، وقال الأعلم: السناء: الارتفاع، وذلك السنم، فعلي هذا يكون سنماً معطوفاً علي سناء، وقال أبو بكر عاصم بن أيوب البطليوسي: من جعل سنماً أسماً للبقرة عطفه علي موضع سن، لأنه في موضع المفعول لذعرتـ أراد: ذعرت بهذا الفرس ثوراً وبقرة، وبعيد عند بعض النحويين أن يجعل لرب موضع من الإعراب. انتهي. ويدل علي أنها زائد في الإعراب قولهم: ربِّ رجل عالم يقول ذلك، فلولا أن ربَّ زائدة في الإعراب ما جاز ذلك، لما يلزم من تعدي فعل المضمر المتصل إلي ظاهره، فجعل ربَّ في موضع رفع بالابتداء هو الذي سوغ ذلك، لا يقال: كيف يقال في ربَّ إنها زائدة في الإعراب وهي تدل علي معنى، لأن الزائدة علي سمين: قسم إذا أزيل لم يتغير المعنى، لأنه إنما جيء به للتأكيد، وقسم إذا أزيل تغير المعنى، ويسمى زائداً في الاصطلاح باعتبار أنه يخطى العامل إليه، مثال الأول: زيد ليس بقائم، ومثال الثاني: حيث بلا زاد، فيقول النحويون: إن "لا" زائدة، وهي لو أزيلت لتغير المعنى من النفي إلي الإثبات، إلي هنا كلام أبي حيان. وقد نقل ناظر الجيش في شرحه كلام ابن عصفور برمته، وهو أصل كلام المصنف، وفيه فوائد فينبغي نقله، وهذا نصه: وقال ابن عصفور في "شرح الجمل": وينبغي أن تعلم أن الاسم المخفوض بربَّ هو معها بمنزلة اسم واحد يحكم علي موضعها بالإعراب، فإن كان العامل

стр. 992

الذي بعدها رافعاً كانت في موضع رفع بالابتداء، نحو: ربَّ رجل عالم قام، فلفظ: رجل، محفوظ بربَّ، وموضعه مع ربَّ رفع علي الابتداء، وإن كان العامل الذي بعدها متعدياً ولم يأخذ معموله، كان الاسم الذب يعد ربَّ في موضع نصب، ويكون لفظه مخفوضاً، نحو: ربَّ رجل عالم لقيت، وإن أخذ المتعدي معموله، جاز الحكم علي موضع الاسم بعد ربَّ بالرفع والنصب، ويكون لفظه مخفوضاً، نحو: ربَّ رجل عالم لقيته، لأن ربَّ كأنها زائدة في الاسم، فكأنك قلت: رجل عالم لقيته، فكما يجوز في رجل هذه المسألة أن يرفع وينصب، كذلك يجوز في الاسم الواقع بعد ربَّ أن يحكم عليه بذلك، والدليل علي أن ربَّ بمنزله حرف زائد أنها لو لم يكن كذلك لما جاز: ربَّ رجل عالم ضربته، لأنك لو جعلت: ربَّ رجل، متعلقاً بضربت، لكنت قد عديت الفعل إلي الاسم وإلي ضميره، وذلك لا يجوز، ألا تري أنه لا يجوز: زيداً ضربته، علي أن يكون زيداً منصوباً بضربت هذه الملفوظ بها، ولو جعلته متعلقاً بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر، وتكون المسألة من باب الاشتغال؛ لم يجز، لأنه لا يجوز في الاشتغال إضمار الفعل وإبقاء الاسم مجروراً، لا يجوز أن تقول: بزيد مررت به، بل تقول: زيداً مررت به، فدل ذلك علي أن ربِّ كأنها زائدة، وكأنك قلت: رجل عالم لقيته، أو: رجلاً عالماً لقيته، علي حسب ما تنوي، وكذلك يجوز أن تقول: ربَّ رجل عالم، وغلام ضربته، بالنصب علي الموضع، والخفض علي اللفظ، لأنك لو أسقطت رب، كان الكلام منصوباً، وقال امرؤ القيس: وسن كسنيق .. البيت، بنصب "سن" عطفاً علي موضع سن المخفوض بواو ربَّ، لأن الواو لو

стр. 993

لو لم تدخل عليه لكان الاسم منصوباً بذعوت، ويجوز الخفض في سنّم علي اللفظ. انتهي. بقي عليه أن مجرور ربَّ قد يكون محله النصب علي الظرفيه مع الفعل اللازم الرافع، نحو: ربَّ ليلة شاتية سافرت، قال الشنفري: وليلة نحسٍ يصطلي القوس وبَّها ... وأقطعه اللاتي بها يتنَّبل دعست علي غطش وبغشٍ وصحبتي ... سعار وإرزيز ووجر وأفكل فـ "ليلة" منصوبة به المحل علي الظرفيه، ودعست بمعني دفعت، فهذه المسألة خارجة عن كلامه وكلام المصنف، وأما إذا كان الفعل الرافع شرطاً، فمجرور ربَّ يكون مرفوع المحل علي الابتداء أيضاً، فلا يكون خارجاً من كلامه، كحديث مسلم عن أبي هريرة: "ربَّ أشعت أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم علي الله لأبره" فمجرور ربَّ مرفوع المحل بالابتداء، وجملة الشرط خبره، والرابط الضمير.

стр. 994

والبيت من قصيدة لامرئ القيس، وقبل لأبي داود الإيادي، كذا في "مختار الأشعار الستة" وهي مثبتة في ديوان امرئ القيس، وقد فتشت ديوان أبي داود في نسختين من روايتين، فلم أجدها فيه. والسن، بكسر السين المهملة وتشديد النون، قال الأزهري: قال الفراء والأصمعي: السن: الثور الوحش، وسنيق، بضم السين المهملة وتشديد النون المفتوحة وسكون المثناة التحتية، قال الأزهري: سنيق اسم أكمة معروفة، ذكره امرؤ القيس في قوله: وسن كسنيق .. البيت، وقال شمر: سنَّيق جمعه سنيَّقات وسنانيق، وقال ابن الأعرابي: ما أدري ما سنيَّق، قلت: جعل شمر سنيقاً اسماً لكل أكمة، وجعله نكرة مصروفة، وإذا كان سنيَّق اسم أكمة بعينها، فهي غير مصروفة. لأنها معرفة، وقد صرفها امرؤ القيس وجعلها كالنكرة، علي أن الشاعر إذا اضطر صرف مالا ينصرف. انتهي. ونقله الصاغاني في "العباب" وقال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": سنيَّق: أكمة معروفة، وقال كراع: جبل بعينه، وسئل الأصمعي عن البيت المنسوب إلي امرئ القيس: وسن كسنَّيق .. البيت، فقال: السن: الثور الوحشي، قال: ولا أعرف سنَّماً، وقال غيره، هي البقرة، وقال أبو عمرو في هذا البيت: هذا بيت مسجدي، يريد أنه من عمل أهل المسجد، كذا نقل الخفاجي. انتهي كلامه. وقال صاحب "القاموس": السنيق: أكمة معروفة، خطأ،

стр. 995

والصواب: الأكمة بالتعريف، وهذا قول شمر، أو يقول: سنيَّق: أكمة معروفة، وهذا علي قول الجمهور، والسناء بالفتح والمد: الرفعة، والسُّنّم – بضم السين المهملة وفتح النون المشددة – قال صاحب "القاموس": هي البقرة، ولم يقيدها بالوحشية، والظاهر أنه لا بد منه، وجعل الميم أصلية، والقياس يقتضي أن تكون زائدة، كزيادتها في ستهم وابنم، مع السَّنة – بالتحريك – وهو الاست، والابن، وفي "الجمهرة" لأبن دريد: وسئل الأصمعي عن بين امرئ القيس إن كان قال: وسن كسنيَّق .. البيت، فقال: السن: الثور الوحشيـ قال أبو حاتم: وسنيق أكمة، قال: وقال الأصمعي: لا أعرف سنّماً. انتهي كلامه, ولم يفسره بشئ، ولم يورد الأزهري هذه الكلمة في "التهذيب" ولا الجوهري في "صحاحه" ولا الصاغاني في "الذيل والصلة" علي "الصحاح" وقول الأعلم: السّنمَّ هو السناء، لم أره في شيء من كتب اللغة، والله أعلم، وقوله: كسنيق، الجار والمجرور في موضع الصفة لسن، أي: ثوراً جسيماً مثل التلـ وقول المصنف: ذعرت بهذا الفرس ثوراً وبقرة عظيمة خلاف الظاهر، وكأنه أشار إلي أن الظرف كان في الأصل صفة لسنَّم، فلما تقدم عليه صار حالاً منه، ولا يخفي أنه لا داعي إلي هذا الاعتبار، وقوله: ذعرت، أي: أخفها فصنها، والمد لاح لم أره في "جمهرة ابن دريد"، ولا في "تهذي الأزهري"، ول افي "صحاح الجوهري"، ولا في "العباب" للصاغاني ولا في "لذيل والصلة" له ولا في "القاموس" بالجيم ولا بالحاء المهملة، وإنما رأيت قي "التهذيب": الدلح، بضم الدال واللازم وآخره حاء مهملة بخط ياقوت الحموي

стр. 996

صاحب "معجم البلدان" وغيره، وقد كتب نسخة من خط الأزهري قال: يقال: فرس دلح: يختال بفارسه ولا يتعبه. انتهي. وهو صفة مشبهة كجنب، فيكون المد لاح مثله صفة مشبهة أو صيغة مبالغة. والهجير: من زوال الشمس إلي العصر، وشدة الحر، كذا في "القاموس" وإذا كان الفرس في ذلك الوقت يلعب بفارسه من نشاطه، فما ظنُّك به في غير ذلك الوقت! وقال السيوطي: مد لاح، أي: فرس كثير السير، ولم يذكر أهو بالجيم أم بالحاء، ولا أدري من أين أخذه، لكنه ثقة، وقال الدماميني: كأن المراد بالمدلاح، بالحاء المهملة، الكثير العرق، ولم أقف علي هذا المعني لهذه الصيغة، وإنما رأيت في "القاموس" أن الدلح علي وزن صرد: الفرس الكثير العرق. انتهي. وصاحب "القاموس" قد تبع صاحب "العباب" في الضبط والتفسير، قال ابن الملا: وربَّما صحِّف بمدلاح، بالجيم، مفعال من الدلج، وهو السير في أول الليل، ولا يناسب الإضافة إلي الهجير إلا علي التجريد الذي هو خلاف الأصل، ونهوض بفتح النون: صيغة مبالغة بمعني كثير النهوض، بضم النون وهو الحركة. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع. وأنشد بعده: ربمَّا أوفيت في علمٍ ... ترفعن ثوبي شمالات وتقدم شرحه قريباً.

стр. 997

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد المائتين: (٢١٣) ربَّما ضربةٍ بسيف صقيلٍ ... بين بصرى وطعنةٍ نجلاء علي أنَّ "رب" عاملة في "ضربة" الجر، مع زيادة "ما" بعدها. والبيت أول أبيات أوردها الأعلم والشريف في "حماستيها" لعدي ابن الرعلاء الغساني، وبعده: غموسٍ تضلُّ فيها يد الآ ... سي ويعيا طبيبها بالدَّواءِ رفعوا راية الذِّراب وأعلوا ... لا يذودون سامر الملحاءِ فصبرنا النفوس للطِّعن حتَّى ... جرت الخيل بيننا في الدِّماءِ ليس من مات مات فاستراح بميتٍ ... إنِّما الميت ميِّت الأحياءِ إنَّما الميت من يعيش كئيباً ... كاسفاً باله قليل الرخاء وقوله: ربَّما ضربه .. الخ، ربَّما هنا للتكثير، وبسيف: متعلق بضربة، وبين بصرى، أي: بين أماكنها، وبصرى، بضم الموحدة والقصر: بلد قرب الشام، وهي كرسي حوران، كان يقوم فيها سوق للجاهلية، وروى الشريف: "دون بصرى" ودون بمعني قبل أو خلف أو عند، وطعنه: معطوفه علي سيف، ونجلاء: صفة طعنه، وجرها بالكسرة للضرورة، والنجلاء: الواسعة، مدح رجال بصرى بالشجاعة، ونساءها بالحسن والملاحة. وقوله: وغموس: معطوف علي نجلاء، يقال: طعنه غموس: نافذة، وجملة تضل .. الخ: صفة كاشفة لغموس، أشار به إلي سعة الطعنة وبعد غورها،

стр. 998

والآسي: بوزن القاضي: المعالج والجرّاح، وقوله: ويعيا: من عيي بالأمر، من باب تعب، أي: عجز عنه ولم يهتد لوجهه، وفيه إشارة إلي إصابة المقتل واليأس من علاجها. والراية: علم الجيش، والضراب: مصدر ضاربه بالسيف وغيره، وعطف أعمّلوا علي رافعوا، ورفعها وإعلاؤها تأكيد للضراب، والذود: الطرد والمنع، والسامر: اسم جمع للسمار، وهم الذين يتحدثون بالليل في ضوء القمر، والملحاء، بفتح الميم والحاء المهملة: موضع يدفع فيه وادي ذي الحليفة، كذا في "معجم ما استعجم" للبكري. وهذا الصراع هو معني قوله: رفعوا راية الشراب وأعلوا. والصبر: حبس النفس علي المكروه، وقوله: ليس من مات .. الخ، يأتي شرحه إن شاء الله مع الذي بعده في الباب الرابع. وعدي ابن الرعلاء: شاعر جاهلي، والرعلاء: اسم أمه اشتهر بها، وهي بفتح الراء وسكون العين المهملين بعدها لام فألف ممدودة، كذا ضبطه العسكري في كتاب "التصحيف". وقد أوردنا أكثر مما هما في الشاهد التاسع والتسعين بعد السبعمائة في شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد المائتين: (٢١٤) ربَّما الجامل المؤبّل فيهم وتمامه: وعناجيج بينهنَّ المهار

стр. 999

علي أن ربّ هنا مكفوفة عن عملها بما الكافة المهيئة لدخول ربَّ علي الجملة الاسمية، فإن الجامل مبتدأ، وفيهم الخبر، وهذا مذهب المبرد، وتبعه ابن مالك، قال في "التسهيل": وإن ولي ربَّما اسم مرفوع فهو مبتدأ بعده خبره، لا خبر مبتدأ محذوف، وما نكره موصوفة، خلافاً لأبي علي. قال ناظر الجيش: اعلم أن المغاربة كالمطبقين علي أن ربَّما لا يليها الجمل الاسمية عند الجمهور، وهو مذهب سيوبه، قال ابن هشام: وهي عند سيبويه حرف يدخل علي الفعل ويختص به، ولا يدخل علي الجملة الابتدائية، ولهذا لما ذكر الحروف التي لا يليها إلا الفعل، وذكر "قد وسوف" قال: ومن تلك الحروف: "ربَّما، وقلماً" جعلوا ربَّ مع "ما" بمنزلة كلمة واحدة، وهيَّؤوها ليذكروا بعدها الفعل، لأنهم لم يكم لهم سبيل إلي "ربَّ" بقول ولا إلي "قل" بقول، فألحقوها "ما" وأخلصوها للفعل. والذي ذكره المصنف عن الفارسي في قوله: ربَّما الجامل المؤبل فيهم، هو الذي ذكره المغاربة فيه، قال ابن عصفور بعد إنشاده هذا البيت علي رواية من رواه بخفض الجامل المؤبل: والرواية الصحيحة: الجامل، بالرفع، علي أن تكون "ما" في موضع اسم نكرة مخفوض بربّ، والجامل: خبر مبتدأ مضمر، والجملة في موضع الصفة، كأنه قال: ربّ شيئ هو الجامل المؤبل، ومن ثم قال الشيخ – يعني أبا حيان -: هذا الذي قاله عن الفارسي هو مذهب الجمهور، وابن عصفور خرج البيت تخريج أبي علي، وهو الصحيح، إذ لو كان الصحيح ما اختاره المصنف لسمع من كلامهم: ربما زيد قائم، بتصريح المبتدأ والخبر، ولم يسمع ذلك فيما أعلم، فوجب تخريج البيت علي ما خرجه الفارسي، وابن عصفور قال: ومثل قوله: ربما الجامل، قول الآخر: طالعات ببطن نفرة بدن ... ربَّما طاعن بها ومقيم

стр. 1000

وقال الآخر: أمَّ الصَّبييَّن ما يدريك أن ربما ... عنظاء قتلَّتها شمّاء قرواح قال: ويتأول هذان البيتان تأويل ربما الجامل. والعنظاء: الهضبة، وشماء مرتفعة، وقراوح: جرداء. انتهي. وقال ابو حيّان بعدما نقله عن ناظر الجيش: ومذهب سيبوية أنها إذا مقّت بـ " " فلا يليها إلا الفعل، وظاهر كلامه جواز دخولها علي المستقبل، وقاله كثير من النحويين، وزعم جماعة: أن ربما لا تكون إلا للماضي كقوله: ربما أوفيت في علم .. البيت، ثم قال أبو حيان: وتلخص من كلام شيوخنا أن ربَّ إذا كفَّت بما، فلا يليها الجملة الاسمية، بل الفعلية المصدرة بماض أو مضارع في معني الماضي. انتهي. وأما جر الجامل في البيت، فقد قال ابن عصفور: ولا تدخل ربَّ علي معرفة محضة أصلاً, قال: وزعم بعضهم أنها تجر الاسم المعروف باللام، فتقول: ربَّ الرجل لقيت، وأنشدوا قول الشاعر: ربما الجامل المؤبل فيهم .. ، قال: والرواية الصحيحة: الجامل بالرفع، وزاد الخفاف: فإن صحت الرواية بخفض الجامل، كان الجامل مخفوضاً بربّ علي تقدير زيادة الألف واللام، كأنه قال: ربَّما جامل، فيكون مثل قولهم: إني لأمرَّ بالرجل مثلك فأكرمه. انتهي.

стр. 1001

والبيت من قصيدة لأبي داود الإيادي، ذكر فيها منازلهم التي كانوا ينزلون بها من العراق، وهذا مطلعها: أوحشت من سروب قومي تعار ... فأروم فشابة فالسِّتار بعد ما كان سرب قومي حيناً ... لهم النَّخل كلُّها والبحار فإلي الدُّور فالمرورات منهم ... فحفير فناعم فالدِّيار فقد أمست ديارهم بطن فلجٍ ... ومصير لصيفهم تعشار ربَّما الجامل المؤبَّل فيهم ... وعناجيح بينهنَّ المهار ورجال من الأقارب بانوا ... من حذاقٍ هم الرُّؤوس الخيار لا مهاذير في النَّديَّ ولا ينفك ... فيهم من المخافة جار وجواد جمُّ النَّدي وضروب ... برقاق الظبُّاة فيها صعار ذاك دهر مضى فهل لدهور ... كنَّ في سالف الزَّمان انكرار قوله: أوحشت من سروب .. الخ، ـوحشت: أقفرت، وسروب جمع سرب بفتح فسكون: الماشية، وهو المال السارح من إبل وخيل وغنم وغيرها، وتعار بكسر المثناة الفوقية، وكذا تعشار، وأروم بفتح الهمزة، وشابة بالشين المعجمة والموحدة، والستار بكسر السين المهملة: كلها مواضع. وقوله: بعد ما كان سري قومي، قال ابن السكيت في شرحه: السرب بالكسر: جماعة القوم، وبالفتح: المال الذي يرعي، قال: والبحار: الريف، قال الأصمعي: وكذلك البحور.

стр. 1002

وقوله: فإلي الدور: معطوف علي الستار، وإلي الدور موضع، قال شارحه: الدور: جوب تنجاب في الرمل، والمرورات بفتح الميم والراء: موضع، وكذا حقير بفتح المعملة وكسر الفاء، أو هو حفير زياد في أقصي حدود البصرة، وكذا ناعم الديار موضعان، ولج بفتح الفاء وسكون اللام وآخره جيم، وقوله: ومصير لصيفهم تعشار، قال شارحه: أي يحضرون في الصيف تعشار. وقوله: ربما الجامل .. الخ، ربّ هنا للتكثيرـ وجوابها محذوف تقديره: رأيت، قال شارحه: الجامل: الجماعة من الإبل لا واحد لها من لفظها، ويقال: إبل مؤبل إذا كانت للقنية، العناجيج: الخيل الطوال الأعناق، واحدها عنجوج. انتهي. فالجامل: اسم جمع الجمل، كالباقر اسم جمع البقرة، قال الجوهري: الجامل: القطيع من الإبل مع رعاته وأربابه، وهذا هو المناسب هنا، وزاد في "القاموس": والحي العظيم، وهذا مناسب أيضاً، والمؤبل: اسم مفعول من آبل الرجل تأبيلاً، أي: اتخذ الإبل واقتناها، وفي "القاموس": وتأبل إبلاً: اتخذها، وأبل كضرب: كثرت إبله كأبّل، وقال ابم السكيت: يقال: إبل مؤبلة: إذا كانت للقنية، والمهار بكسر الميم: جمع مهر بضمها، وهو ولد الفرس، والأنثي مهرة. وقوله: ورجال من الأقارب بانوا، بالنون، أي: ابعدوا بالموت بدليل قوله في قصيدة أخري: لا أعدُّ الإقتار عدماً ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام من رجالٍ من الأقارب بادوا ... من حذاقٍ هم الرؤوس العظام فيهم للملاينين أناة ... وعرام إذا يراد عرام

стр. 1003

فعلي إثرهم تساقط نفسي ... حسرات وذكرهم لي سقام وحذاق: مرخم حذاقة للضرورة في غير النداء، وهو بضم الحاء المهملة والذال المعجمة والقاف: بطن من إياد، وأبو داود منهم، والجواد: الكريم، وجمَّ النَّدى: كثير المعروف، والندى: السخاء، يقال: فلام أندى من فلان كفا، وضروب: مبالغة ضارب، ورقاق: جمع رقيق، والظبي: جمع ظبة، وهي طرف السيف، والصعار بالصاد والعين المهملتين: العظمة والخيبلء. وترجمة أبي داود تقدمت في الإنشاد الخامس والسبعين بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد المائتين: (٢١٥) فإن أهلك فربَّ فتي سيبكى ... عليَّ مهذَّبٍ رخص البنان علي أن فيه دليلاً على جواز استقبال ما بعد ربّ، وليس بواجب دخولها على الماضي، فإن قوله: سيبكي، مضارع مستقبل، ولا يخفى أن الخلاف في جواز استقبال ما بعد رب إنما هو في جوابها العامل في موضع مجرورها، وأما وقوعالمستقبل صفة لمجرورها فلا يمنعه أحد، قال ابن مالك في "شرح التسهيل" عند قوله في المتن: ولا يلزم وصف مجرورها، خلافاً للمبرد ومن وافقه، ولا مضي ما تتعلق به، ما نصه: وأما كونه - يعني المضي - لازماً لا يوجد غيره، فليس بصحيح بل قد يكون مستقبلاً كقول حجدر اللص: فإن أهلك فربَّ فتي سيبكي ... البيت وكقول هند أم معاوية: يا ربَّ قائلةٍ غداً ... البيت

стр. 1004

وكقول سليم القشيري: ومعتصمٍ بالحيّ من خشية الردى ... سيردى وغازٍ مشفقٍ سيؤوب وقال الراجز: ياربَّ يومٍ لي لا أظلِّله ... أرمض من تحت وأضحي من عله وقال آخر: ياربَّ غابطنا لو كان يطلبكم ... لا قي مباعدة منكم وحرمانا قال: وقد يكون ما وقعت عليه ربَّ حالاً كقولك لمن قال: "ما في وقتنا امرؤ مستريح": ربَّ امرئ في وقتنا مستريح. ومنه قوله ابن أبي ربيعة: فقمت ولم تعلم علي خشياته ... ألا ربَّ باغي الربح ليس برابح ومثله: ألا ربَّ من تغتشُّه لك ناصحٍ ... ومؤتمنٍ بالغيب غير أمين

стр. 1005

وقد تأول بيت حجدر من ذهب إلي التزام مضيه بأنه يكون علي حكاية المستقبل بالنظر إلي المضي، قال: وكأنه قال: فإن أهلك فربَّ فتي بكى علي فيما كضى وإن كنت لم أهلك، فكيف يكون بكاؤه علي إذا هلكت! فأوقع سيبكي موقع بكى لأجل الحكاية، وحذف ما يتم به الكلام لفهم المعنى، والدليل علي أن المستقبل قد يحكى بالنظر إلي ما مضى أنك تقول: لم تركت زيداً وقد كان سيعطيك؟ ومن ذاك قوة امرأة من العرب ترثي زوجها: يا موت لو تقبل افتداء ... كنت بنفسي سأفتديه وهذا التأويل إنما يحتاج إليه إن قدر سيبكي جواباً لاصفة للمخفوض بها، وأما إن قدرته في موضع الصفة للمخفوض بربّ، وجعلت لها جواباً محذوفاً يراد به المضي، فلا يحتاج إليه، ويكون التقدير إذ ذاك: فربّ فتي سيبكى عليَّ مخضب رخص البنان؛ لم أقض حقه، فحذف ذلك لدلالة ما بعده، وهو قوله بعد: ولم أك قد قضيت حقوق قومي ... ولا حقَّ المهنَّد والسِّنان انتهي. وقال أبو حيان بعد ما نقل كلامه هذا: وأما استدلال المصنف بقول أم معاوية؛ فقولها: يا رب قائلة غداً .. هو من الوصف بالمستقبل، لا من باب تعلق ربّ بها، وأمَّا: ومعتصم، فإن سيردى يحتمل وأن يكون صفة لا متعلقاً به ربّ، وأمَّا: لا أظلله، فهو صفة أيضاً: وكذلك يا ربَّ غابطنا، فجميع ما استدل به علي استقبال ما يتعلق به ربّ لا دليل فيه، وأما قوله: فقمت .. البيت؛ وقوله: ألا ربَّ .. البيت، فما وصف فيها المجرور بالحال، لامما تعلقت به ربَّ. وفي قول المصنف: ولا مضي ما تتعلق به، نص علي أنها تتعلق كحروف الجر غير الزوائد، وهذه مسألة اختلف فيها، فذهب الرماني وابن طاهر إلي أنها لا تتعلق بشيء، وقد حقق أبو حيان القول في عدم تعلقها. ونقل ما يتعلق فيها

стр. 1006

من الخلاف وقد نصّ ابن السراج في "الأصول" علي جواز استقبال صفتها لا جوابها، وأن صفة مجرورها لابدَّ منه، وأن جوابها لابد من مضيه، ومذهبه تعلق ربَّ بجوابها، وننقل لك كلامه من "الأصول" حتى تراه، قال: واعلم أن الفعل العامل فيها أكثر ما تستعمله العرب محذوفاً، لأنه جواب، وقد علم فحذف، وربما جيء توكيداً وزيادة في البيان، تقول: ربً رجل عالم قد أتيت، فتجعل هذا هو الفعل الذي تعلقت به ربّ حتى يكون في تقدير: برجل عالم مررت، وكذلك إذا قال: ربّ رجل جاءني فأكرمته، هنا فعل أيضاً محذوف كأنه قال له قائل: ما جاءك رجل فأكترمته؟ فتقول: ربّ رجل جاءني فأكرمته، أي قد كنت فعلت ذاك، فيكون جاءني وما بعده صفة رجل، والصّفة والموصوف بمنزلة اسم واحد، والكلام بعد ما تمَّ، فإن لم تضمر: قد فعلت، وما أشبهه؛ لم يجز. واعلم أنه لابد للنكرة التي تعمل فيها ربّ من صفة، إما اسم وإما فعل، لا يجوز أن تقول: ربّ رجل، وتسكت، حتى تقول: صالح ونحوه, ... إلي أن قال: واعلم أن ربهً تستعمل علي ثلاث جهات؛ فالوجه الأول: هو الذي قد ذكرت من دخولها علي الاسم الظاهر النكرة، وعملها فيه وفي صفته الجر. والوجه الثاني: دخولها علي المضمر على شريطة التفسير، وشرحه مفصلاً. والوجه الثالث: أن تصلها بما، فتستأنف ما بعدها، وتكفها "ما" عن العمل ويقع بعدها الفعل، فتقول: ربمّا قام زبد، وربّما زيد قام، وربّما فعلت كذا. ولما كانت ربّ إنما تأتي لما مضى، فكذلك ربّما وقع بعدها الفعل كان حقه أن يكون ماضياً، فإذا رأيت الفعل المضارع بعدما؛ فثم إضمار كان .. إلي أن قال: ولا يجوز: ربَّ رجل سيقول، وليقو منّ غداً، إلا أن تريد: ربّ رجل يوصف بهذا، تقول: ربَّ رجل مسيء اليوم محسن غداً، أي: يوصف بهذا، ويجوز: ربَّما رجل عندك، فتجعل "ما" صلة ملغاة.

стр. 1007

ثم ذكر مسائل من هذا الباب، قال: تقول ربّ رجل قائم وضارب، وربّ رجل يقوم ويضرب، وربّ رجل قائم نفسه وعمور، وربّ رجل قائم ظريفاً، فتنصب علي الحال من قائم، وتقول: ربّ رجل قد رأيت، وربّ امرأة، فالاختيار أن تعيد الصفة، لأنك قد أعدت ربَّ، وقد جاء عن العرب إدخال ربّ من على من إذا كانت نكرة غير موصولة، إلا أن من إذا لم توصل لم يكن بدُّ من أن توصف، لأنها مبهمة، حكي عنهم: مورت بمن صالح، و: ربّ من يقوم ظريف، وقال الشاعر: ألا ربّ من تغتشُّه لك ناصح ... ، وتقول: ربَّ رجل يختصم وامرأة وزيد، ولا يجوز الخفض، لأنه لا يتم إلا باثنين، فإن قلت: ربّ رجلين مختصمين وامرأتين؛ جاز لك الخفض والرفع، فتقول: وامرأتان وامرأتين، أما الخفض فبالعطف على رجلين، وأما لرفع فبالعطف على ما في مختصمين، ولو قلت: ربّ رجلين مختصمين هما وامرأتان، وأكدت ثم عطفت؛ لكان أوجه، وتقول: ربّ ضاربك قد رأيت، لأن التنوين نيتك، تريد: ضارب لك، فإن قلت: ضاربك أمس؛ لم يجز عندنا، لأنه معرفة، والأحمر النحوي يعترض بالأيمان فيقول: ربّ – والله – رجل قد رأيت، وربّ – أقسم – رجل قد رأيت، وهذا لا يجوز لأن حرف الجر لا يفصل بينه وبين ما عمل فيه، وسائر النحويين يخالفونه. هذا آخر ما اخترته، وفيه مسائل جيدة تركتها خوف الإطناب. ورأيت في "نوادر أبي زيد" الفصل بين ربّ ومجرورها بالظرف، أنشد لزيد الخيل: ويقذف شمَّاخ بن عمروٍ ورهطه ... ويا ربّ منهم دارعٍ وهو أشوس وقال: إنما لم يقبح الفصل بين ربّ ودارع لأنه بظرف، والظرف لا يعتد به فضلاً. انتهي.

стр. 1008

والبيت الشاهد من قصيدة لجحدر بن مالك، قالها لما سجنه الحجاج الثقفي، وأرسل يطلب أسداً ليقتله به، فقالها جحدر يتشوق إلي أهله وبلاده، وأوردها السكري في جملة أشعار جحدر من "كتاب اللصوص" وهي: تأوَّبني فبتُّ لها كبيعاً ... هموم لا تفارقني حوان كبيع وكابع بمعني، أي: مشدود، قلت: وحوانٍ: جمع حانية، من الحنوّ. هي العوَّاد لأعوّاد قومي ... أطلن عياني في ذا المكان إذا ما قلت قد أجلين عنّي ... ثنى ريعانهن عليَّ ثاني ريعانهن: أوائلهنً، وهي مفعول. وكان مقرُّ منزلهنَّ، قلت: وأنفهنه، بالنون والفاء والهاء بمعني: أعيينه، والضمير للقلب، يقال: أنه ماقته: إذا أكلها وأعياها. أليس الله يعلم أنَّ قلبي ... يحبك أيُّها البرق اليماني وأهوى أن أعيد إليك طرفي ... علي عدواء من شغل وشان نظرت وناقتاي علي تعادٍ ... مطاوعتا الأزمَّة ترحلان

стр. 1009

إلي ناريها وهما قريب ... تشوقان المحب وتوقدان وهيَّجني بلحن أعجميَّ ... علي غصنين من غرب وبان فكان البان أن بانت سليمي ... وفي الغرب اغتراب غير دان أليس اللَّيل يجمع أمَّ عمروٍ ... وإيّانا قذاك بنا تداني بلي وترى الهلال كما أراه ... ويعلوها النَّهار كما علاني فما بين التَّفرُّق غير سبعٍ ... بقين من الحرَّم أو ثمان فيا أخويَّ من جشم بن سعدٍ ... أقلاَّ اللَّوم إن لن تنفعاني إذا جاوزتما سعفات جحرٍ ... وأودية اليمامة فانعياني إلي قومٍ إذا سمعوا بنعيي ... بكي شبَّانهم وبكى العواني وقولا جحدر أمسى رهيناً ... يجاذر وقع مصقولٍ يمان يخاذر صولة الحجّاج ظلماً ... وما الحجّاج ظلاّماً لجان ألم ترتي غذيت أخا خروبٍ ... إذا لم أجن كنت مجنَّ جان

стр. 1010

تركت أبا نميلة وهو يدعو ... فلم أر ذاك في الدُّنيا صراني فلو خدني نميلة كان حيّاً ... إذا لعني نميلة ما عناني وإبراهيم أرجي النّاس عندي ... فكيف فلا أراه ولا يراني وكان هو العدوَّ بغير لوم ... بعزمٍ ما عداه وما عداني فإن أهلك فربَّ فتى سيبكي ... عليَّ مخضَّبٍ رخص البنان ولم أك ما قضيت ديون نفسي ... ولا حقَّ المهَّند والسَّنان وهذا آخر القصيدة. وقد أورد الجاحظ قصة مسك جحدر في محاسن الشجاعة من كتاب "المحاسن والمساوئ" قال: كان باليمامة رجل من بني حنيفة يقال له: جحدر بم مالك، وكان لسَّاناً فاتكا شجاهاً، وكان قد أبرّ – أي: غلب – علي أهل هجر وناحيتها، ويأمره بالتجرد في طلبه حتى يظفر به، فبعث العامل إلي فتية من بني يربوع بن حنظلة، فجعل لهم جعلاً عظيماً إن هم قتلوا جحدراً أو أتوه به أسيراً، ووعدهم أن يوفدهم إلي الحجّاج ويسني فرائضهم، فخرج الفتية، حتى إذا كانوا قريباً منه بعثوا إليه رجلاً منهم أنهم يريدون الانقطاع إليه والتحرم به، فوثق بهم واطمأن إليهم، فبينما هم علي ذلك إذ شدُّوه وثاقاً، وقدموا به إلي العامل، فبعث به معهم إلي الحجّاج، وكتب يثني علي الفتية، فلما قدموا علي الحجَّاج قال له: أنت جحدر؟ قال: نعم، قال: ما حملك علي ما بلغني عنك؟ قال: جراءة الجنان، وجفوة السلطان، وكلب الزمان! قال وما الذي بلغ من أمرك فيجترئ جنانك، ويصلك سلطانك، ولا يكلب زمانك؟ !

стр. 1011

قال: لو بلاني الأمير لوجدني من صالح الأعوان، وبهم الفرسان، وممن أوفي علي أهل الزمان، قال الحجّاج: إنا قاذفوك في قبة فيها أسد، فإن قتلك كفانا مؤونتك، وإن قتله خليناك ووصلناك، قال: قد أعطيت - أصلحك الله - المنية، وأعظمت المنية، وقرَّبت المحنة. فأمر به فاستوثق بالحديد، وألقي في السجن، وكتب إلي عامله بكسكر يأمره أن يصيد له أسداً ضارباً، فلم يلبث العامل أن بعث له بأسد ضاريات، قد أبرَّت علي أهل تلك الناحية، ومنعت عامة مراعيهم ومسارح دوابهم، فجعل منها واحداً في تابوت يجر علي عجلة، فلما قدموا به أمر، فألقي في حير، وأجيع ثلاثاً، ثم بعث إلي جحدر، فأخرج وأعطي سيقاً ودلي عليه، فمثي إلي الأسد، وجعل يقول: ليث وليث في مجالٍ ضنك ... كلاهما ذو أنفٍ ومحك وصولهٍ في بطشةٍ وفتك ... إن يكشف الله قناع الشَّكِّ وظفراً بجوجؤٍ وبرك ... فهو أحقُ منزلٍ بترك الذِّئب يعوي والغراب يبكي حتي إذا كان منه علي قدر رمح، تمطَّى الأسد وزأر، وحمل عليه فتلقّاه جحدر بالسّيف، فضرب هامته ففلقها، وسقط الأسد كأنه خيمة قوضتها الريح، ولم يلبث جحدر لشدة حملة الأسد عليه مع كونه مكبّلاً أن وقع علي ظهره متلخطاً بالدَّم، وعلت أصوات الجماعة بالتكبير، فقال له الحجَّاج، لما رأى منه ما هاله: يا جحدر إن أحببت أن ألحقك ببلادك وأحسن جائزتك فعلت ذاك بك، وإن

стр. 1012

أحببت أن تقيم عندنا أقمت فأسنينا فريضتكـ فقال: أختار صحبة الأمير، ففرض له ولجماعة أهل بيته. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس عشر بعد المائتين: (٢١٦) يا ربَّ قائلةٍ غداً ... يا لهف أمِّ معاوية لما تقدَّم قبله، فإن "قائلة" مستقبل لعمله في الظرف المستقبل، وفيه أن الخلاف في جواز الاستقبال إنما هو جواب ربَّ، وأمَّا "قائلة" فهو وصف لمجرور ربَّ المقدر، تقديره: يا ربّ امرأة قائلة غداً، وهذا جائز كما تقدم عن ابن السراج وابن مالك وأبي حيان، وكأن ناظر الجيش لم يفرق بين جوابها ووصف مجرورها، فإنه قال: وأما مضي ما يتعلق به فهو المشهور، وهو مذهب المبرد والفارسي، واختاره ابن عصفور، ولهذا تأول النجاة (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) [الحجر/ ٢] بأن المعني: ربَّما ودَّ، وأنه عبَّر عن المستقبل بالماضي، لكونه متحقق الوقوع، ولكن قد عرفت أن المصنف لم يلتزم ذلك، وأنه أجاز كون العامل مستقبلاً، وذكر الأدلة علي ذلك، علي أن الشيخ، يعني: أبا حيان، قال في "الأدلة": إنها تحتمل كذا، قاصداً إبطال ما ذهب إليه المصنف، ولكنها احتمالات ضعيفة، والذي يظهر أن الحق ما اختاره المصنف، هذا كلامه. والبيت آخر أبيات لهند بنت عتبة بن ربيعة، رثت بها أباها وعمَّها شيبة، وأخاها الوليد، وقتلوا يوم بدر، أوردها لها ابن هشام في "السيرة" عن ابن إسحاق وقال: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لهند ابنة عتبة وهي:

стр. 1013

لله عينا من رأى ... هلكاً كهلك رجاليه يا ربَّ باكٍ لي غدا ... في النَّائبات وباكيه كم غادروا يوم القليـ ... ـب غداة تلك الواعية من كل غيثٍ في السنين ... إذا الكواكب خاوية قد كنت أحذر ما أرى ... فاليوم حق حذاريه قد كنت أحذر ما أرى ... فأنا الغداة مواميه يا ربَّ قائلةٍ غداً ... يا ويح أمِّ معاوية قولها لله عينا: هو مثني حذفت نون التثنية للإضافة، وهذه كلمة تقولها العرب إذا عظموا الشيء نسبوا ملكة إلي الله؛ استعظمت هلك رجالها، وهلكاً: مفعول رأى، وهو بضم الهاء وسكون اللام، والقليب هنا: قليب بدر، الواعية في "القاموس" هي الصراخ والصوت، لا الصارخة، ووهم الجوهري، والغيث: المطر، وأطلقته علي رجالها كأنهم يقومون للناس مقام الغيث، والسنة: القحط والجدب، وخوت النجوم: أمحلت، وذلك، إذا سقطت في المغرب ولم تمطر في يومها، وقولها: فأنا الغداة موامية، قال السهيلي في "الروض الأنف": موامية، أي: ذليلة، وهو مؤامية بهمزة ولكنها سهلت فصارت واواً، وهي من لفظ الأمة، تقول: تأميَّت أمةّ، أي: اتخذتها، ويجوز أن يكون نقلوباً من المؤامّة، وهي الموافقة، فيكون الأصل موائمة، ثم قلب فصار موامية، علي وزن مفالعة، وتريد أنها قد ذلت فلا تتأبي، بل توافق العدو علي كره. انتهي. وقولها: يا ربّ قائلة، يجوز أن تكون "يا" هنا للنداء،

стр. 1014

والمنادى محذوف، ويجوز أن تكون للتنبيه، وربّ هنا للتكثير، والعامل في موضع مجرورها محذوف، تقديره: تصدق في قولها، أو تصيب في قولها، وجملة: يا ويح أمّ معاوية: مقولة بقائلة وويح: كلمة ترحم لمن وقع في شدة، وقالت هذا الشعر في يوم بدر قبل إسلامها، وقد أسلمت يوم فتح مكة زادها الله شرفاً، وهي زوج أبي سفيان وأمُّ معاوية، وكانت من أحسن نساء قريش وأعقلهن، وهي القائلة للنبي صلي الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح، ما يعطيني ما يكفيني وولدي، قال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، ثم إن أبا سفيان طلقها في آخر المر، فاستقرضت من عمر من بيت المال أربعة آلاف درهم، فخرجت غلي بلاد كلب، فاشترت وباعت وأنت ولدها معاوية وهو أمير علي الشام لعمر، فقال: أب بنيّ، إنه عمر وإنما نعمل لله! حرف ال سي ن سوف أنشد فيه: وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصنٍ أم نساء وتقدَّم شرحه في الإنشاد الخمسين. سيَّ أنشد فيه: والشَّرُّ بالشَّر عند الله مثلان وصدره: من يفعل الحسنات الله يشكرها وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثمانين.

стр. 1015

وأنشد بعده وهو الإنشاد السابع عشر بعد المائتين: (٢١٧) فيا ربِّ إن لم تقسم الحبَّ بيننا ... سواءين فاجعلني على حبِّها جلدا علي أن سواءين شاذ لأنهم استغنوا عنه بقولهم سيان، وقال المصنف في "شرح شواهد ابن الناظم" عند شرح قوله: وأعلم أنَّ تسليماً وتركا ... للا متشابهان ولا سواءَّ إقراد سواء واجب، وإن كان خبراً عن معدد، لأنه في الأصل مصدر بمعني الاستواء، فحذف زائده، ونقل إلي معنى الوصف، وربما ثني كقول قيس ابن معاذ. فيا ربَّ إن لم تقسم الحبَّ بيننا ... البيت وفي "القاموس": وهما سواءان، وسيان: مثلان. انتهي. فسوى بينهما، وكلاهما من مادة واحدة، و "سيّ" بمعني مستوٍ، وأصله سوي، فقلبت الواو ياء، وأدغمت، فقول ابن المَّلا: إن لم يكن سواء بمعني سيّ فغفلة عن اشتقاقها. والجلد، بفتح الجيم وسكون اللام: الشديد القوي. وهذا البيت أنشده ابن بري في "أماليه" على "صحاح الجوهري" لقيس بن معاذ في مادة "سواء" وأنشد مثله لآخر، وهو: تعالي نسمِّط حبَّ دعدٍ ونغتدي ... سواءين والمرعي بأمِّ درين قال: يقال للأرض المجدبة: أم درين. وقيس بن معاذ هو المشهور بمجنون ليلي وقيل: الأصح أنه قيس بن الملوح العامري، وصاحبته ليلي بنت مهدي أم مالك العامرية، قال ابن قتيبة: كان

стр. 1016

المجنون وليلي يرعيان البهم وهما صبيان، فعلقها [علاقة الصبا] وقال: تعلَّقت ليلي وهي غر صغيرة ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم صغير ين نرعى البهم ياليت أنَّنا ... صغيران لم نكبر ولم تكبر البهم ثم نشأ، وكان يجلس معها ويتحدَّث في ناس من قومه، وكان ظريفاً جميلاً رواية للشعر حلو الحديث، فكانت تعرض عنه وتقبل بالحديث علي غيره، حتى شقَّ ذلك عليه وعرفته، فقالت: كلانا مظهر للنّاس بغضاً ... وكل عند صاحبه مكين تبلِّغنا العيون بما رأينا ... وفي القلبين ثمَّ هوًى دفين ثم تمادي به الأمر حتى ذهب عقله، وهام مع الوحش، وصار لابليس ثوباً إلا خرقه، ولا يعقل [شيئاً] إلا أن تذكر له ليلي، فإذا ذكرت عقل وأجاب عن كل ما يسأل عنه، وتقدمت ترجمته في الإنشاد السابع عشر. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن عشر بعد المائتين: (٢١٨) ولا سيناَّ يوم بدارة جلجل

стр. 1017

وصدره: ألا ربَّ يوم صالحٍ لك منهما وهو من معبقة امرئ القيس، وقد لخص المصنف كلام أبي حيان في "شرح التسهيل" وجميع ما ذكره في "ولاسيما" منه، قال ناظر الجيش: وأما بيت امرئ القيس فتخرج رواياته علي ما تقدم من التقرير، والرفع فيه قوي أيضاً، لأن "ما" لم تقع فيه على العاقل، ولم تقصر الصلة، بل طالت بذكر "دارة جلجل" وجوز المصنف فيه – يعني: ابن مالك – نصيب "يوماً" علي الظرف، وجعله صلة لما، قال: وبدارة جلجل صفة لـ "يوماً"، أو متعلق به، لما فيه من معنى الاستقرار، قال: فإن "ما" المذكورة قد توصل بظرف، كقولك: يعجبني الاعتكاف، لاسيما عند الكعبة، والتهجد لاسيما إذا قرب الصبح، ومنه قول الشاعر: يسرُّ الكريم الحمد لاسيما لدى ... شهادة من في خيره يتقلَّب وأما الوصل بجملة فعليه، فكقولك: يعجبني كلامك لاسيما تعظ به، ومنه قول الآخر: فق النّاس ف الخير لاسيمَّا ... بنيلك من ذي الجلال الرِّضى انتهى. وضمير "منهما" في البيت راجع إلي امرأتين في بيت قبله، وقد شرحنا تسعة أبيات مع البيت الشاهد، وبسطنا الكلام عليها في الشاهد الرابع والأربعين بعد المائتين من شواهد الرضي، ولكن ينبغي أن نذكر هنا خبر يوم دارة جلجل، وهو بضم الجيمين، قال أبو عبيدة البكري في "معجم ما استعجم":

стр. 1018

قال أبو عبيدة: دارة جلجل: موضع بديار كندة، وقال أبو الفرج: قال الكلبي: هو عين عند كندة. انتهي. والمشهور أنه اسم غدير، قال ابن الأنباري في شرح معلقة امرئ القيس كان من حديثه على ما حدث به ابن وألان عن أبي شقفل رواية الفرزدق أنه قال: لم أر أروى من الفرزدق لأخبار امرئ القيس وأشعاره، وخرجنا يوماً إلي المربد بعقب طش قد وقع، واتصل به خبر نسوة أشراف قد خرجن إلي منتزه لهنً، فقال: سر بنا، حتى قرب من مجتمعهن. فخلفني وصار إليهنَّ، فلما رأينه قلن: قد عملنا أنا لن نفوتك، فلم يزل يومه الأطول يحدثهنَّ ويفاكههنَّ وينشدهن إلي أن وَّلى النهار، ثم انصرف إليَّ، فقال: سر بنا فلم أر يوماً قط أشبه بيوم دارة جلجل من يومنا هذا، ثم أنشأ يحدث حديث يوم دارة جلجل، فقال: حدثني الثقة أن حيَّ امرئ القيس تحمَّلوا، وهو يومئذ شابً حديث السن، يهوى ابنة عّمٍ له يقال لها: فاطمة، ويكني عنها بعنيزة، وتخلف النساء وفيهن فاطمة، وارتحل امرؤ القيس ليرى الحيُّ مسيرة إلي أن نأى عن الحيِّ، فأخفى المسير وارتحل النساء بعدهم فمررن علي الغدير ولا يدربن أن وراءهن أحداً فنزلن، وعند الغدير شجرة، فأنخن إبلهنً إلي تلك الشجرة، ونزعن ثيابهنً فدخلن الغدير، وجاء امرؤ القيس فأخذ ثيابهنً، وقال: لا تأخذ امرأة منكن ثيابها حتى تخرج كما هي، فناشدته الله وطلبن إليه، حتى طال يومهن وخشين أن يفوتهن المنزل، فجعلن يخرجن واحدة واحدة حتى بلغ إلي فاطمة، فرآها واستمتع بالنظر إليها، ثم قلن له: قد اتعبتنا فاجلس، فجلس ينشدهنَّ ويحدثهنَّ ويشرب من شراب كان معه، فقالت إحداهنَّ: أطعمنا لحماً، فقام إلي مطيته فنحرها وأطعمهن من لحمها، وشرب حتى انتشى، حتى إذا أرادوا الرواح قالت امرأة منهنً: أتدعن امرأ القيس يهلك؟ فقالت فاطمة: فكّكن رحله واحملنه معكنَّ، وأنا أحمله معي في هودجي، ففعلن، فجعل يميل رأسه إليها فيقبلها، وجعل هودجها

стр. 1019

يميل بها وهي تنادي به وتقول: قد عقرت بعيري فانزل، حتى إذا بلغ قريباً من الحيَّ كمن في غمض من الأرض وسار النساء حتى بحقن برحالهن. انتهي. وقد روى ابن عبد ربه في "العقد الفريد" خبر هذا اليوم بأبسط من هذا، وقد نقلناه هناك. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد المائتين: (٢١٩) فه بالعقود وبالأيمان لاسيما ... عقد وفا به من أعظم القرب علي أن قولهم: "ولاسيَّما" تخفف ويحذف واو العطف، واختلف في المحذوف هل هو العين أو اللام، قال أبو حيان: المحذوف اللام، ويجوز أن يكون العين وهي من باب طويت. انتهي. وقال ابن إياز في "شرح الفصول": الذي يقتضيه القياس أن يكون المحذوف اللام، لأن الحذف، إعلال والإعلال في اللام شائع كثير بخلاف العين، وزعم بعضهم أنهم حذفوا الياء الأولي، والثانية متحركة، والمتحرك أقوى من الساكن، فكانت الأولى أولى بالحذف لضعفها. وقوله: فه؛ أمر بالوفاء، من وفى يفي والهاء للسكت. لا ينطبق به في الوصل، وإنما رسم لاعتبار النطق به في الوقف، كما هو قاعدة الخط. والعقود: جمع عقد، وهو العهد الموثق، وأصله الجمع بين شيئين بحيث يعسر الانفصال، والوفاء بالعقد: هو القيام بمقتضي العهد، والأيمان: جمع يمين وهو القسم، والقرب: جمع قربه، وهو ما يتقرب به، ووفاء: بدل اشتمال من عقد، ويجوز في عقد الوجوه الثلاثة، كما في بيت امرئ القيس. والبيت أنشده ابن مالك في "شرح التسهيل" ولم يعزه إلي قائله.

стр. 1020

سواء أنشد فيه، وهو الإنشاد العشرون بعد المائتين: (٢٢٠) فلأصرفنَّ سوى حذيفة مدحتي ... لفتي العشِّي وفارس الأحزاب علي أن سوى فيه بمعني القصد، قول المصنف ذكره في آخر المجلس الواحد والثلاثين "من أماليه" في فصل عقده لسوى قال: استعملوا المقصورة بمعني القصد، فقالوا: قصدت سوى فلان، أي: قصدت قصده، وهذا أغرب ما جاء فيها، قال: فلأصرفن سوى حذيفة .. البيت، أراد: قصد حذيفة، واستعملوا الممدود بمعني الوسط، ومصدراً في معني اسم [الفاعل] المشتقمن الاستواء. انتهي. فقصر ما ذكره المصنف علي المقصورة، وكذا قال صاحب "الصحاح": وقصدت سوي فلان، أي: قصدت قصده، وأنشد البيت، وكذا في "القاموس": والقصد: بمعني النحو والجهة، قال في "الصحاح": وقصدت قصده: نحوت نحوه، وقد ذكر ابن الانباري المقصورة والممدودة بمعني القصد، قال في كتاب "المقصور والممدود": قال الفراء: السوا: القصد، يمد ويقصر، أنشد في قصره: فلاصرفن سوى حذيفة .. البيت، وكذا في كتاب "المقصور والممدود" لأبي علي القالي: قال الفرا: السواء القصد، بالمد وفتح السين، وبالقصر وكسر السين. انتهي. وأورد أبو العباس أحمد بن محمد بن وَّلاد هذه الكلمة في كتابه "المقصود والممدود" ولكن بغير هذا المعني، قال سوى بمعنى غير، مكسور الأول مقصور، يكتب بالياء، وقد
следующие страницы →