← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

على أن عن بمعنى على، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": هذا مذهب كوفي، وقال به القتبي وهذا المصنف، واستدلوا بقول الشاعر: لاه ابن عمك .. البيت، وقال آخر: ولو أنت تلقي حنظلًا فوق بيضهم تدحرج عن ذي سامه المتقارب واستدل المصنف بقولهم: بخل عنه، وخرج ذلك على التضمين، فقال بعض أصحابنا: ضمنه معنى: ما انفردت بحسبٍ عني، لأنه إذا فضل عليه في الحسب، أي: زاد، فقد انفرد عنه بتلك الزيادة. وأما: عن ذي سامه؛ فباقية على موضعها، لأن تدحرجه عن ذي سامه انتقال عن بعضه إلى بعض، وقال بعض شيوخنا: إذا كان أفضل، وكان فوقه في الحسب فقد زال عنه، وصار في حيز، فكأنه قال: لاه ابن عمك، مازال قدرك عن قدري، ولا ارتفع شأنك عن شأني. انتهى. وأما بخل عنه، فالتقدير: بخل بماله عنه، فضمن

стр. 1087

بخل معنى رغب بماله، أو كف ماله، وكل منهما يتعدى بعن. انتهى. وقال ابن السيد في "شرح أدب الكاتب" لابن قتيبة: ذهب يعقوب ابن السكيت، ومن كتابه نقل ابن قتيبة هذه الأبواب، إلى أن عن ههنا بمعنى على، وإنما قال ذلك لأنه جعل أفضلت من قولهم: أفضلت على الرجل؛ إذا أوليته فضلًا، وأفضلت هذه تتعدى بعلى لأنها، بمعنى الإنعام، ومعناه: أنك لم تنعم علي بأن شرفتني فتعتّد ذلك، وقد يجوز أن يكون من قولهم: أعطى وأفضل؛ إذا زاد على الواجب، وأفصل هذه أيضًا تتعدى بعلى، يقال: أفضل على كذا، أي: زاد عليه فضلة. وقد يجوز أن يكون من قولهم: أفضل الرجل؛ إذا صار ذا فضل في نفسه، فيكون معناه: ليس لك فضل تنفرد بع عني، وتحرزه دوني، فتكون عن ههنا واقعة موقعها غير مبدلة من "على". انتهى. ثم إن الظاهر أن يقول: "عنه" بضمير الغائب، لكنه التفت من الغيبة إلى التكلم، لأنه يعني بابن العم نفسه، فردّ الإخبار بلفظ المتكلم، ولم يخرجه بلفظ الغيبة، لئلا يتوهم أنه يعني غير نفسه، ولو جاء بالكلام على لفظ الغيبة لكان أحسن، لكنه أراد تأكيد البيان ورفع الإشكال. وروى صاحب "الأغاني": لاه ابن عمِّك لا أفضلت في حسبٍ شيئًا ... وعليه؛ لا يكون في البيت شاهد. قال ابن السيد: قوله: لا أفضلت، معناه: لم تفضل، والعرب تقرن "لا" بالفعل الماضي، فينوب ذلك مناب "لم" إذا قرنت بالفعل المستقبل، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فلا صدَّق ولا صلَّى﴾ [القيامة /٣١] معناه: لم يصدّق، ولم يصلّ، ومنه قول أبي خراش:

стр. 1088

إن تغفر اللَّهم تغفر جمّا وأيُّ عبدٍ لك لا ألما. انتهى. وقول المصنف: أي: لله در ابن عمل، أراد أن أصله هذا، فصار بالحذف لاه ابن عمك، أراد أن أصله هذا، فصار بالحذف لاه ابن عمك، وفيه إجحاف مستغى عنه، وإنما الأصل" لله ابن عمك، وابن: مبتدأ، ولله الخبر، فحذفت اللام الجارة ولام التعريف، فبقي لاه مجرورًا على الشذوذ، ولام الجر للتعجب، ويكون جملة لا أفضلت .. الخ. بيانًا وتفسيرًا لجملة التعجب من كمال صفاته المقتضى للتعجب منها. قال ابن الأنباري في شرح هذا البيت من "شرح المفضليات": أراد: لله در ابن عمك، فحذف اللام الخافضة اكتفاء بالتي تليها، ثم قال: وروى أحمد: لاه ابن عمل بالخفض، قال: وهم قسم، المعنى: [و] رب ابن عمك، وقوله: لا أفضلت: جواب القسم. انتهى. فتكون اللام المضمرة للقسم، ورب بالجر والإضافة: صفة للفظ الجلالة، ورب: وصف من الربوبية. وهذا وإن كان فيه إجحاف وشذوذ، لكن رواية الجر اقتضت هذا التقرير. ونقل الشريف المرتضى في "أماليه" عن ابن دريد الجر اقتضت هذا التقدير. ونقل الشريف المرتضى في "أماليه" عن ابن دريد أنه قال: أقسم، وأراد: لله ابن عمك، فتكون اللام للقسم، وجملة لا أفضلت: جوابه، وهذا فاسد لأنه يبقى ابن عمك غير مرتبط بشيء. وعلم مما ذكرنا أن كسرة "لاه" إعراب لابناء، وهو ظاهر كلام "المفصل" قال فيه: وتضمر، أي: باء القسم، كما تضمر اللام في لاه أبوك. انتهى. فإن الحرف المضمر يبقى معناه وأثره، بخلاف المحذوف، فإنه يبقى معناه دون أثره، وزعم الرضي أن كسرته بنائيه، قال:

стр. 1089

حذف لام الجر لكثرة الاستعمال، وقدر لام التعريف، فبقي: لاه ابن عمك فبني لتضمن الحرف. هذا كلامه، وهو مخالف لكلام النحاة/ منهم الأندلسي، فإنه صرح في "شرح المفصل" كون الكسرة في "لاه" إعراب، قال عند قول "المفصل": وتضمر كما تضمر اللام: هذا هو الوجه الثالث، وهو أن تحذف الحرف لفظًا وتقدره معنى، ويبقى عمله كما تضمر ربّ، وقولهم: إن المحذوف من "لاه" هو لام الجر مع لام التعريف، هو الصحيح. وزعم المبرد أن المحذوف لام التعريف واللام الأصلية، والباقية هي لام الجر الفتح، وفي هذا المقام كلام طويل أودعناه في الشاهد الثالث والعشرين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي. وقول المصنف: ولا أنت مالكي فتسوسني .. ؛ أشار بالمالك إلى تفسير الدَّيان، وهو القيِّم بالأمر، المجازي به، وهو فعَّال من الدين وهو الجزاء، وفي "القاموس": الديان: القهار والقاضي والحاكم والمجازي الذي لا يضيع عملًا، بل يجزي بالخير والشر. وأشار بـ"تسوسني" إلى تفسير تخزوني، بالخاء والزاء المعجمتين؛ مضارع خزاه حزوًا، بالفتح: ساسه وقهره وملكه، وساسه من السياسة، وأما الخزي، بالكسر، وهو الهوان والذل، فالفعل منه كرضي، وأخزاه الله: أفضحه، قال الدماميني: يحتمل الرفع والنصب في "فتخزوني" كما يحتملها نحو: ما تأتينا فتحدثنا، أي: ولا أنت مالكي فكيف تسوسني؟ أو: ليس لك ملك فسياسة، وعلى تقدير النصب فالفتحة مقدرة، كما في قوله: أبى الله أن أسمو بأمٍّ ولا أب

стр. 1090

وليس بضورة، وقد قرئ في الشواذ: ﴿إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكّاح﴾ [البقرة/ ٢٣٧] بإسكان الواو من "يعفو الذي". انتهى. والحسب: ما يعده الإنسان من مناقب نفسه. انتهى. والبيت من قصيدة لذي الأصبع قالها في ابن عم له كان ينافسه ويعاديه، وفي رواية أبي علي القالي في "أماليه" ستة وثلاثون بيتًا، وأوردها السيوطي، وفي رواية ابن الأعرابي في نوادره ستة عشر بيتًا، وفي رواية المفضل في "المفضليات" ثمانية عشر بيتًا، ونحن نقتصر على هذه الرواية، وهي: لي ابن عمٍّ على ما كان من خلقٍ ... مختلفان فأقليه ويقليني أزرى بنا أنَّنا شالت نعامتنا ... فخالني دونه وخلته دوني يا عمر وإن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتّى تقول الهامة أسقوني لاه ابن عمّك ... البيت ولا تقوت عيالي يوم مسغبةٍ ... ولا بنفسك في العزَّاء تكفيني إنِّي لعمرك ما بي بذي غلقٍ ... عن الصَّديق ولا خيري بممنون ولا لساني على الأدنى بمنطلقٍ ... بالفاحشات ولا فتكي بمأمون عفتُّ يؤوسٌ إذا ما خفت من بلدٍ ... هونًا فلست بوقافٍ على الهون عنِّي إليك فما أمّي براعية ... ترعى المخاض وما رأيس بمغبون كل امرئ راجعٌ يومًا لشيمته ... وإن تخالق أخلاقًا إلى حين

стр. 1091

إنِّي أبيٌّ ذو محافظةٍ ... وابن أبيٍّ أبيٍّ من أبيِّن وأنتم معشرٌ زيدٌ على مائةٍ ... فأجمعوا أمركم كلًّا فكيدوني فإن عرفتم سبيل الرُّشد فانطلقوا ... وإن جهلتم سبيل الرُّشد فأتوني ماذا علىَّ وإن كنتم ذوي كرمٍ ... أن لا أحبَّكم إذ لم تحبُّوني لو تشربون دمي لم يرو شاربكم ... ولا دماؤكم جمعًا تروِّيني الله يعلمني والله يعلمكم ... والله يجزيكم عنّي ويجزيني قد كنت أوتيكم نصحي وأمنحكم ... ودِّي على مثبتٍ في الَّدر مكنون لا يخرج الكره منَّي غير مأبيةٍ .. ولا ألين لمن لا يبتغي ليني هذا آخر ما رواه المفضل. قوله": لي ابن عّمٍ .. الخ، قال ابن الأنباري في شرحه: أراد أخلاقهما مختلفة، ولما قال: لي ابن عّمٍ؛ علم بأنهما اثنان مختلفان هو وابن عمه، وقوله: على ما كان من خلق، أي: من تخالق، أي: أخالفه ويخالفني، ونحن في تخالفنا مختلفان، وأنشد عن الكسائي: ما كنت والقرّيّ جاري جنابًة بنجدٍ ولا في الحفر مشتركان وقوله: أزرى بنا ... الخ، يقال: أزرى به إذا قصر، وشالت نعامتنا: تفرق أمرنا واختلف، يقال عند اختلاف القوم: شالت نعامتهم، وزف رألهم، والرأل: فرخ النعام، وقيل معناه: جلوا عن الموضع، والمعني: تنافرنا فصرت لا يطمئن إليه ولا يطمئن إليَّ، ويقال: ألقوا عصاهم؛ إذا سكنوا فاطمأنوا،

стр. 1092

وقوله: يا عمرو إن لا تدع .. قد شرحناه مفصلًا في حاشيتنا في شرح البيت الثامن من "شرح بانت سعاد" للمصنف، وقال ابن الأنباري قال الأصمعي: العرب تقول: العطش في الرأس، وأنشد قول الراجز: قد علمت أنِّي مروِّي هامها ... ومذهب الغليل من أوامها إذا جعلت الدّلو في خطامها والمعنى: إلا تدع شتمي أضربك على هامتك حيث تعطش، ويقال: إن الرجل إذا قتل فلم يدرك بثأره، خرجت هامة من قبره، فلا زال على ذلك حتى يُقتل قاتله. وقوله: ولا تقوت عيالي .. الخ، تقوت: من القوت بالقاف، والمسغبة: المجاعة، والعزاء: الضيق والشدة، وقوله: إني لعمرك .. الخ، أي لا أذخر صاحبي شيئًا ولا أمنّ عليه، وقيل: الممنون: المقطوع: وقوله: عفُّ يؤوس .. الخ، أي: أعف عما ليس لي، ولست بذي طمع، أيأس عما في يد غيري، والهون بالضم: الذل، وقوله: فما أمي براعية، أي: لست بابن أمة، عرَّض به وكان ابن أمة، وإنما خص رعية المخاض لأنها أشدُّ من رعية غيرها، ولا يمتهن فيها إلا من حقر ولم يُبال به. وقوله: وأنتم معشر زيد .. الخ، أي: زيادة على مائة، وزيد، بكسر الزاي، وأجمع أمره: عزم عليه. وقوله: لا يخرج الكره .. الخ؛ فعل وفاعل، وغير: مفعول، وهو مضارع أخرج، يقول: إذا أكرهت على الشيء لم يمكن عندي إلا الإباء له، أي: لا أعطي على القسر شيئًا، والمأبية: كالإباء.

стр. 1093

وبعد هذا أورد ابن الأنباري القصيدة أتم ما رواعا القالي. وذو الإصبع العدواني اختلف في اسمه واسم أبيه، فقيل: حرثان بن محرِّث، هذا هو الكثير المشهور، وقيل العكس، وقيل غير ذلك، وحرثان، بضم أوله، وإسكان ثانية، ومحرث: اسم فاعل من التحريث، ونسبته إلى عدوان، بسكون الدال، واسمه: الحارث بن عمرو بن قيس عيلان بن مضر، وإنما سمي. عدوان لأنه عدا على أخيه، فهمَّ بقتله، وقيل: فقأ عينه، وذو الإصبع: شاعر معمّر من شعراء الجاهلية، قال أبو حاتم في كتاب "المعمرَّين": عاش. ذو الإصبع، وهو حرثان بن المحرث العدواني، ثلاثمائة سنة، وقيل غير هذا، وهو أحد حكام العرب في الجاهلية، وسمي ذو الأصبع لأنه كانت له في رجله أصبع زائدة، وقيل: لأن حية نهشت أصبعه فقطعها، وقيل: لأن حية نهشته على أصبعه فشلت، أي: يبست واسترخت، وقد استقصينا ترجمته في الإنشاد الخامس والثمانين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد المائتين: (٢٣٥) ومنهلٍ وردته عن منهل على أن "عن" فيه بمعنى "بعد" قال أبو حيان: هذا مذهب كوفي، وتبعهم القتبي، وهذا المصنف، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لتركبن طبقًا عن طبق﴾ [الانشقاق /١٩] وبأبيات منها: ﴿ومنهلٍ وردته عن منهل﴾. ثم قال: وينبغي على قول الكوفيين ومن تبعهم أن تكون "عن" ظرفًا، لأنها بمعنى بعد، ولا أعلم أحدًا قال فيها إنها اسم، إلا إذا دخل عليها حرف الجر. وقال بعض أصحابنا: وقعت في هذه المواضع "عن" موقع "بعد"

стр. 1094

لتقارب معنييهما، لأن "عن" يكون لما عدا الشيء وتجاوزه، و"بعد" لما تبعه وعاقبه، فإذا جاء الشيء فقد عدا وقته وتجاوزه. انتهى. وهذا التأويل سائغ في: قرّبا مربط النَّعامة منّي ... لقحت حرب وائلٍ عن حيال وفي: لئن منيت بنا عن غبِّ معركةٍ ... لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل أي: ننتفي. وقال بعض شيوخنا في قوله: ويضحى فتيت المسك فوق فراشها نوؤم الضُّخى لم تنتطق عن تفضُّل الذي يظهر أن الانتطاق لما كان بعد التفضل، صار شبيهًا بما يكون مسببًا عنه، وكذا الكلام في قوله: ومنهلٍ وردته عن منهل انتهى. والبيت من شواهد "أدب الكاتب" ومنه أخذ المصنف، قال شارحه الحواليقي: هو للعجاج، وبعده: قفرين هذا ثمَّ ذا لم يؤهل يريد: رب! مورد وردته بعد آخر نزلته، قفرين لم يردهما أحد خاليين،

стр. 1095

يعني: المنهلين. لم يؤهل: لم يحلَّ به قوم فيكونوا أهله. انتهى. وكذا قال ابن السيد في شرحه، وزاد بعده: كأنَّ نسج العنكبوت المرمل ... على ذرى قلَّامه المهدِّل سبوب كتّانٍ بأيدي الغزَّل ثم قال: وأنشده ابن الأعرابي في "نوادره" في رجز لعبد الله بن رواحة الأنصاري، وأنشد بعده: قفرٍ به الأعطان لم تسهَّل ... عليه نسج العنكبوت المرمل طال ولم يقطع ولم يوصَّل انتهى. أقول: الذي أورده ابن الأعرابي في "نوادره" أرجوزة، قال: أنشدني بكير بن عبيد الربعي: يا زيد زيد اليعملات الذُّبَّل إلى أن قال بعد أحد عشر بيتًا: ومنهلٍ وردته عن منهل ... قفرٍ به الأعطان لم تُسهَّل عليه نسج العنكبوت المرمل ... طال فلم يقطع ولم يوصَّل قردانه هزلى كحبِّ الحنظل ... يا زيد هل عندك من معوَّل وبقي بعد هذا أبيات أربعة لا حاجة لنا بها. قوله: يا زيد زيد اليعملات

стр. 1096

الذبل: هذا من شواهد سيبويه، قال الأعلم: الشاهد فيه إقحام زيد الثاني بين الأول وما أضيف إليه، والتقدير: يا زيد اليعملات زيدها، فحذف الضمير اختصارًا، وقدم فاتصل باليعملات، فوجب له النصب، وقد كان زيد الأول مضافًا إليها، فبقي على نصبه، وجاز هذا لأن النداء كثير الاستعمال، فحتمل التغيير، ورفع زيد الأول أكثر وأقيس، لأنه منادى مفرد بيِّن باسم مضاف على طريق البدل، وعطف البيان الذي يقوم مقام الصفة. واليعملات، بفتح التحتيّة والميم: الإبل القوية على العمل، والذبل: الضامرة لطول السفر، وأضاف زيدًا إليها لحسن قيامه عليها ومعرفته بحدائها. وقد وقع هذا البيت أول بيتين لعبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁، قالها في غزوة مؤتة خاطب بهما يتيمًا كان في حجره، خرج به إلى غزوة مؤنة، وهو زيد بن أرقم، وثانيهما: تطاول اللَّيل عليك فانزل والله أعلم بحقيقة الحال. وقوله: ومنهل، أي: ربَّ منهل، قال الصاغاني في "العباب": المنهل: المورد، وهو عين ماء تردها الإبل في المراعي، وتسمى المنازل التي في المفاوز على طريق السفار: مناهل، لأن فيها ماء، وما كان على غير الطريق لا يسمى منهلًا، ولكن يقال: ماء بني فلان. انتهى. وقفر، بالجر: صفة لمنهل، والأعطان: جمع عطن –بفتحتين – وهو مبرك الإبل حول الحوض، وقوله: لم تسهل، يريد: ترعرت وصارت فيها الحجارة، فإن السهل ضد الحزن، وقوله: عليه نسج العنكبوت المرمل؛ والمرمل: اسم مفعول من أرملت الخوص ورملته ترميلًا: إذا رفقت نسجه وسفيفه، يقول: نسج عليه العنكبوت نسجًا رقيقًا لخلوه من الواردين، وطول العهد بالمارة عليه،

стр. 1097

وكان حق المرمل أن يكون مرفوعًا، لأنه صفة نسج، لكنه جره لمجاورة العنكبوت، ومثله ما استشهد به سيبويه من قول العجاج: كأنَّ نسج العنكبوت المرمل ... على ذرا قلَّمه المهدَّل سبوب كتّانٍ بأيدي الغسُّل القلام كزَّار: ضرب من النبت الذي يعرف بالقاقّلى، زالذرا: الأعالي، جمع ذروة، والمهدّل: المتدلي الأغصان، يعني: أن العنكبوت قد نسجت على القَّلام الذي حول هذا الماء، والسبوب: جمع سب، بالكسر، وهو ثوب رقيق من كتان أبيض، شبه ما نسجت العنكبوت على هذا الماء بثوب رقيق من الكتان، والغسَّل: جمع غاسل وغاسلة، وجاء بالمرمل مجرورًا بمجاورته للعنكبوت المجرور وحقه النصب، لأنه نعت لنسج وقوله: قردانه: جمع قراد، وهزلي: جمع هزيل بمعنى مهزول، كقتلى جمع فتيل، وهزاله من جوعه، لأن هذا المنهل لا يأتيه حيوان حتى يمصَّ دمه، فهو قفر، والعرب تفتخر بقطع القفار التي لا يهتدي فيها أحد، وقال ابن السيد: المرمل: المنسوج، يقال: رملت الحصير وأرملته، وهو مخفوض على الجوار، ويجوز أن يكون صفة للعنكبوت على أنه يريد: المرمل نسجه، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه النسج مقامه، فاستتر في المرمل، لأن الضمير المرفوع إذا كان مفردًا استتر في الفعل وما ينوب مناب الفعل، وإنما يظهر في التثنية والجمع، وعلى هذا الوجه يحمل قول العرب: "هذا حجر ضبّ خربٍ" فيكون خرب صفة لا مخفوضًا. وهذا الشعر فسرناه على ما رواه النحويون، لأنهم رووه بفتح الميم من المرمل، فاحتيج فيه إلى هذا التكلف، ولو روي بكسر الميم لم يحتج إلى هذا، وكان صفة للعنكبوت على ما بحث.

стр. 1098

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد المائتين: (٢٣٦) وآس سراة الحيِّ حيث لقيتّهم ... ولا تك عن حمل الرِّباعة وانيا على أ، "عن" فيه بمعنى في. قال المصنف في الشرح: واستعمال "عن" موافقة لـ "في" كقول الشاعر: وآس سراة الحي .. البيت؛ أي: في حمل الرباعة وانيًا، وجعلت هنا الأصل "في" كقوله تعالى: ﴿ولا تنيا في ذكري﴾ [طه /٤٢] انتهى. وتعديه "ونى: بـ "عن" مستعملة في لسان العرب، وفرق بين: نى عن كذا، وونى في كذا، فإذا قلت: ونى عن ذكر الله، فالمعنى المجاوزة، وأنه لم يذكره، وإذا قلت: ونى في ذكر الله، فقد التبس بالذكر ولحقه فيه فتور. انتهى. أقول: وفي "التهذيب" للأزهري: قال الليث: الونى: الفترة في الأعمال والأمور والثواني، تقول: فلان لا يني في أمرهن أي: لا يفتر ولا يعجز، وكذا قال الجوهري في "الصحاح". وفي "الجمرة" لابن دريد [الونى: الإعياء] وقال الزمخشري في "أساس البلاغة": وقد ونى في الأمر: ضعف وفتر، ثم قال: ومن المجاز قول ابن مقبل: مرته الصَّبا بالغور غور تهامةٍ ... فلّما ونت عنه بشفعين أمطرا

стр. 1099

انتهى. وشعفان: مثنى شعف: قرنان من نجد، قال البكري: ويجوز إسكان العين من شعفين، وأنشد هذا البيت. وهذا ليل لما قاله أبو حيان. وموت الصبا السحاب: استدرّته، فلما ضعفت عنه بالتجاوز عنه أمطر بشعفين، والفتور في الصبا مجاز. وقد حرف العيزري في "مدني الأريب من مغني اللبيب" موضعين من المصراع من البيت الشاهد قال: ومنها الظرفية قال: وآس سراة الحيّ حيث لقيتهم ... ولا تك عن حمل الرِّياضة واهنا أي: في حمل، بدليل: ﴿ولا تهنوا في ابتغاء القوم﴾ [النساء /١٠٤] ومنه: وهن في الأمر بمعنى: أبطأ في أمضائه، ومثله: ونى فيه، بمعناه ﴿ولا تنيا في ذكري﴾ [طه /٤٢] قال: وظاهر "ونى عن كذا": جاوز عنه فلم يدخل فيه، وونى فيه: دخل على فتور، وضعف عن إمضائه. إلى هنا كلامه. وباليته أبقى المتن على حاله، ولم يفسده بهذيانه، ومن كان مبلغه من العلم هذا، كيف يجوز له أن يختصر مثل هذا الكتاب، ويدعي تحريره في تهذيبه، وجهالته تفضحه وتهذي به! والبيتمن قصيدة للأعشى ميمون البكري، تشتمل على نصائح وأمر بمكارم الأخلاق، وأولها: ذريني لك الويلات آتي الغوانيا ... متى كنت زرّاعًا أسواق السَّوانيا ترِّّجي ثراءً من سياس ومثلها ... ومن قلبها ما كنت للمرء راجيًا سأوصي بصيرًا إن دنوت من البلى ... وكلُّ امريءٍ يومًا سيصبح فانيا بأن لا تأَنَّ الودَّ من متباعدٍ ... ولا تنأ إن أمسى بقربك راضيا

стр. 1100

وذا الشَّرِّ فاشنأه وذا الودِّ فاجزه ... على ودّه أو زد عليه الغلانيا وآس سراة الحيِّ حيث لقيتهم ... ولاتك عن حمل الرِّباعة وانيا وإن بشرا يومًا أحال بوجهه ... عليك فحل عنه وإن كنت دانيا وإنَّ تقى الرَّحمن لا شيء مثله ... فصبر إذا تلقى السَّحاق الغوانيا وربَّك لا تشرك به إنَّ شركه ... يحط من الخيرات تلك البواقيا بل الله فاعبد لا شريك لوجهه ... يكن لك فيما تكدح اليوم راعيا وإيّاك والميتات لا تقر بنَّها ... كفى بكلام الله عن ذاك ناهيا ولا تعدنَّ النّاس ما لست منجزًا ... ولا تشمتن جاراً لطيفًا مصافيا ولا تزهدن في وصل أهل قرابةٍ ... ولا تك سبعًا في العشيرة عاديا وإنَّ امرأً أسدى إليك أمانًة ... فأوف بها إن متَّ سُمِّيت وافيا ولا تحسد المولى وإن كان ذا غنّى ... ولا تجفه إن كان في المال عافيا ولا تخذلنَّ القوم إن ناب مغرمٌ ... فإنَّك لا تعدم إلى المجد داعيا وكن من وراء الجار حصنًا ممنَّعًا ... وأوقد شهابًا يسفع النّاس خاميا وجارة جنب البيت لا تبع سرَّها ... فإنَّك لا تخفى من الله خافيا قال ابن خالوية في كتاب "ليس": ليس أحد يقول في مصدر: غلوت

стр. 1101

الغلو إلا غاوًا، إلا الأعشى فإنه قال: غلا غلانيًا، وهذا غريب. وسواس: قرية جاء بها سياس، أنشد له ثعلب: ترجِّي ثراءً من سياس ومثلها ... إلى آخر الأبيات المتقدمة وقال في آخرها: الرباعة: ما ناب من نائبه، والسحاق: البعيدات من حاجتك الواحدة سحوق. انتهى. ونقل عن ابن دريد أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم" والصاغاني في "العباب" أن سواس، بسينين مهملتين كسحاب: جبل أو موضع، ولم أر من ذكر سياس. وقوله: ذريني لك الويلات ... الخ، الغواني: جمع غانية، وهي التي استغنت بحسنها عن الزينة، والسواني: جمع سانية، وهو البعير الذي يسنى عليه، أي: يستقى من البئر، وقوله: سأوصي بصيرًا ... الخ، السين للتأكيد، وبصيرًا: ابنه، فإنه يكنى به، فيقال له: أبو بصير، والبصير: من له بصيرة، وهو نور القلب، وقوله: بأن لا تأنَّ، الباء متعلقة بأوصي، ولا: ناهية، وتأنَّ: مجزوم بحذف الألف، يقال: تأنى في الأمر، أي: تنظرّ وترفّق، واستأنى به: انتظر به، ولا تنأ: لا تبعد، من النأي وهو البعد. وقوله: وذا الشر فاشنأه: أمر من شنأه كمنعه وسمعه، أي: أبغضع، وقوله: أو زد عليه الغلانيا: هذا الذي استغربه ابن خالويه، قال الأزهري في "التهذيب": وقال بعضهم: غلوت في الأمر غلانية: إذا جاوزت فيه الحد، زادوا فيه النون. انتهى. وقال السيوطي: الغلانية بالمعجمية:

стр. 1102

الإسراف في الأمر والإفراط [فيه]. انتهى. ولم يذكر الجوهري هذا المصدر، وإنما قال: وغلا في الأمر يغلوا غلوًا: إذا جاوز فيه الحد، ولم يصب صاحب "القاموس" في جعله من ذوات الياء، قال: والغلانية: التغالي بالشيء، والنون زائدة. انتهى. وهذه الياء إنما هي منقلبة من الواو لانكسار ما قبلها. وقوله: وآس سراة الحي .. الخ، آس: أمر من آسيته بمالي مواساة، أي: جعلته أسوتي فيه، وسراة الحي، بفتح السين: أشراف القبيلة، وهو اسم جمع، كما قال المحقق الرضي، لا جمع سري كما قال الجوهري، لأن السراة وزنه فعلة، بفتحتين، وإنما يجمع على سروات، كقطاة يجمع على قطوات، ولو كان جمعًا ما كان يجمع على سروات، لأن فعلة لا يجمع هذا الجمع وليس بمفرد، مثل كاهل القوم وسنامهم، خلافًا للسهيلي، بدليل روع ضمير الجمع إليه في هذا البيتـ والرباعة: بكسر الراء، فسرها شارح ديوانه ونقله السيوطي: أن رباعة الرجل فخذه التي هو منها، وهذا هو المناسب هنا، وحكى صاحب "القاموس" هذا المعنى قال: الرباعة، بالفتح والكسر، قيل: القبيلة، وقيل: الفخذ، ثم قال تبعًا لصاحب "الصحاح": الرباعة بالكسر: نحو الحمالة. والحمالة بالفتح: الدية يحملها قوم من قوم، فالرباعة تشمل الحمالة وغيرها من المغارم، ولهذا فسرها ابن خالوية بما ناب من نائبه، وأما قول المصنف: الرباعة: نحوم الحمالة؛ فلم أر من فسرها بهذا، وقد فتشت "الجمرة، والتهذيب،

стр. 1103

والصحاح، والعباب، والقاموس، ونهاية ابن الأثير" وغيرها فلم أجده، ونجم الحمالة والكتابة: هو القدر المعين الذي يؤدى في وقت معين، وأصله أن العرب كانوا يبنون أمورهم في المعاملة على طلوع النجم والمنازل، وأصله أن العرب كانوا يبنون أمورهم في المعاملة على طلوع النجم والمنازل، لكونهم لا يعرفون الحساب، فيقول أحدهم: إذا طلع النجم الفلاني أديت حقك، فسميت الأوقات نجومًا فاحمل معهم، وقوله: أحال بوجهه، أي: ولاه وصرفه. وعليك: بمعنى عنك. وقوله: إذا تلقى السحاق، أي: إذا لقيتهنَّ فاصبر عنهنّ، والسحاق، بالكسر، فسره ابن خالويه وقال: إنه جمع سحوق، ولم أر هذا الجمع، والمفرد في الكتب التي ذكرتها، والبواقي: جمع باقية، مصدر بمعنى انتظار الثوا، لوجهه: لذاته، وفيما، أي، في عمل، وتكدح: تسعى، وراعيًا: حافظًا. وقوله: وإن امرءًا أسدى، أي: أوصل وألقى، والمولى: ابن العم، ولا تجفه، أي: لا تعامله بالجفوة والغلظة، وعافيًا، بالفاء، أي: طالبًا، والشهاب: النار، وتسفع: تحرق، وحاميًا: شديد الحر، والسر: الجماع والفاحشة. وترجمة الأعشى ميمون تقدَّمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد المائتين: (٢٣٧) أتجزع إن نفسٌ أتاها حمامها ... فهلا الَّتي عن بين نبيك دافع

стр. 1104

على أن "عن" زائدة التعويض عن أخرى محذوفة، قال ابن مالك في "شرح التسهيل": قال ابن جني: أراد: فهَّلا عن التي بين جنبيك تدفع، فحذف عن، وزادها بعد التي عوضًا، وقال أبو حيان بعد ما نقله: قد نصَّ سيبويه على أن "عن وعلى" لا يزادان عوضًا ولا غير عوض. انتهى. أقول: يحمل قول سيبويه على التقديم والتأخير، وإليه ذهب ابن عصفور، قال في كتاب "الضرائر": ومنه تقديم المجرور على حرف الجر، وهو من القلة بحيث لا يلتفت إليه نحو قوله: أتجزع إن نفس أتاها .. البيت، يريد: فهّلا عن التي بين جنبيك تدفع، وابن جني ذكر زيادة "على وعن" للتعويض في "المحتسب" عند توجيه قراءة ابن جماز: ﴿والله يريد الآخرة﴾ [الآية /٦٧] من سورة الأنفال، بحملها على عرض الآخرة، قال: وجه جواز ذلك، على عزته وقلة نظيره، أنه لما قال: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾، فجرى ذكر العرض؛ صار كأنه أعاده ثانيًا، فقال: عرض الآخرة، ولا ينكر نحو ذلك، ألا ترى إلى بيت "الكتاب": أكلًّ امرئٍ تحسبين امرًا ... ونارٍ توقَّد باللَّيل نارا وأن تقديره وكل نارٍ، فناب ذكره "كلَّا"، أول الكلام عن إعادتها في الآخرة وعليه بيته أيضًا: إنَّ الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يومًا على من يتَّكل أراد: من يتكل عليه، فحذف "عليه" من آخر الكلام استغناء عنها بزيادتها في قوله: على من يتكل، وإنما يريد: إن لم يجد من يتكل عليه، وعليه أيضًا قول الآخر: أتدفع عن نفس أتاها ... البيت، أراد: فهّلا عن التي بين

стр. 1105

جنبيك تدفع، فزاد "عن" في قوله: عن بين جنبيك، وجعلها عروضًا من "عن" التي حذفها وهو يريدها [في قوله: فهلا التي، ومعناها: فهلا عن التي] وله نظائر. انتهى. وروي: "فهل أنت عما بين جنبيك دافع" فلا شاهد فيه. قال أبو على القالي في "ذيل الأمالي": قال لنا الرياشي: قال العتبي: قال رجل من محارب يعزّي ابن عّمٍ له على ولده: وإنَّ أخاك الكاره الورد وأردٌ ... وإنَّك مرأىً من أخيك ومسمع وإنَّك لا تدري بأيَّة بلدةٍ ... صداك ولا عن أي جنبيك تصرع أتجزع إن نفسٌ أتاها حمامها ... فهلّا الَّتي عن بين جمبيك تدفع انتهى. وزاد عليه الآمدي في "المؤتلف والمختلف" فيمن يقال له ابن الملوح قال: ومنهم ابن الملوح الحارثي، وهو زيد بن رزين بن الملوح، أخو بني مّ ابن بكر بن علي بن جسر بن محارب، شاعر فارس، وهو القائل: إنَّ أخاك الكاره الورد واردٌ ... . . . . . البيت وإنَّك لا تدري بأيَّة بلدةٍ ... صداك ولا عنت أيِّ شقَّيك تصرع وإنَّك لا تدري أبا لمكث تبتغي ... نجاح الَّذي حاولت أم تتسرَّع وإنَّك لا تدري أشيءٌ تحبُّه .. أم أخر مما تكره النَّفس أنفع أتجزع إن نفسًا أتاها حمامها ... فهل أنت عمّا بين جنبيك تدفع

стр. 1106

انتهى. وقوله: إن أخاك الكاره، يقل: أخوك الذي يكره ورود حوض المنية، لابدَّ له من وروده على رغم أنفك، وإن كان بحضرتك بحيث يرى وجهك، ويسمع كلامك، وأنت لا تقدر على إنقاذه منه، وإذا كان الأمر على ذلك فسلم لقضاء الله، ولا تظهر الجزع، بل أنت لا تقدر على حفظ نفسك، ولا تصرف لك فيها، فلا تدري أين تموت أفي بلدك أم في غيرها؟ فإذا كان الإنسان لا يقدر أن يجلب النفع لنفسه، أو يدفع الضرَّ عنها، فعدم قدرته لغيره من باب أولى، والصدى: جسد الإنسان بعد الموت، والشق، فعدم قدرته لغيره من باب أولى، والصدى: جسد الإنسان بعد الموت، والشق، بالكسر: الجانب وقوله: "أتجزع إن نغسًا" الهمزة للاستفهام التوبيخي، وبخَّ ابن عمه على شدة جزعه على موت ولده- وابن وحيي قال مع وقوفه على الأبيات: خاطب به نفسه على وجه التجريد- وإن: شرطية، نفسًا: منصوب بفعل يفسره ما بعده، وروي: إن نفس، بالرفع؛ فتكون فاعلًا بفعل محذوف أيضاً، أي: إن هلكت نفس، وهو لازم. قوله: أتاها حمامها؛ والحمام بالكسر: الموت، ورأيته مضبوطًا بخط بعض المتقنين من المتقدمين: أن نفس، بفتحة على "أن" فتكون مصدرية واللام مقدرة قبلها، وكذلك يقدر الفعل الرافع لنفس، ورأيت في نسخة "المحتسب" وهي صحيحة مقروءة: "أتدفع عن نفس" فتكون "عن متعلقة بتدفع. ومفعول تدفع في جميع الوجوه محذوف، وهو الموت، وكذلك يقدر في الثاني، أي: فهلا تدفع الموت عن نفسك التي بين جنبيك. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد المائتين: (٢٣٨) أعن ترسَّمت من خرقاء منزلة ... الصّبابة من عينيك مجسوم

стр. 1107

على أ، "عن" هي "أن" المصدرية عند بنى تميم، في "المفصل": وتميم وأسد يحولون همزتها عينًا، قال ابن يعيش في "شرح المفصل": وذلك في "أنْ" "وأنّ" خاصة، ولا يجوز مثل ذلك في المكسورة. انتهى. وهي لغة مرجوحة، قال ثعلب في" أماليه": ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم، وكشكشة ربيعة، وكسكسة هوازن، وتضجّع قيس، وعجرفية ضبة [وتلتلة بهراء]. فأما عنعنة تميم؛ فإن تميمًا تقول في موضع أن: عن، تقول: عنِّ عبد الله قائن، قال: وسعت ذا الرمة ينشد عبد الملك: أعن ترسَّمت من خرقاء منزلةً ... قال: وسمعت ابن هرمة ينشد هارون، وكان ابن هرمة ربي في ديار تميم: أعن تغنَّت على ساقٍ مطوَّقةٌ ... ورقاء تدعو هديلًا فوق أعواد وأما تلتلة بهراء؛ فإنهم يقولون: تعلمون وتفعلون وتصنعون، بكسر أوائل الحروف. انتهى. وقال ابن جني في "سر الصناعة" بعد نقله ما تقدم: فأما كشكشة ربيعة؛ فإنما يريد بها قولها مع كاف ضمير المؤنث: إنكش، ورأتكش، وأعطيتكش، تفعل هذا في الوقف، فإذا وصلت أسقطت الشين.

стр. 1108

وأما كسكسة هوازن. فقولهم أيضًا: أعطيتكس، ومنكس، وعنكس، وهذا أيضًا في الوقف دون الوصل. انتهى. والهمزة للاستفهام التقريري، جرد من نفسه نفسًا فخاطبها، وأن ترسمت: في تأويل مصدر مجرور بلام محذوفة متعلقة بمسجوم، والتقدير: الأجل ترسمك ونظرك دارها التي نزلت فيها بكت عينك وأسالت دموعها؟ قال شارح "ديوان ذى الرمة" أبو العباس الأحول: الترسّم: التفرس والتثبت في أثر الرسم، وروي: "أأن توهمت" أي: تخيلت، والعرب تقول: منزل ومنزلة، ومكان ومكانة، ودار ودارة، وباب وبابة. ومسجوم: مصبوب، سجمت عينه تسجم سجومًا وسجمًا، وهي عين سجوم، وكذلك سحابة. انتهى. وقال الأصمعي في كتاب "خلق الإنسان": شخص كل شيء: طلله، فإذا كان أسر ليس له شخص مرتفع فهو رسم، وأنشد البيت: أأن ترسمت، ثم قال: وبعضهم يقول: أعن ترسمت، بقلب الهمزة عينًا. انتهى. والصبابة: رقة الشوق، وخرقاء، قيل: هي ميَّة صاحبة ذي الرمة، وقيل: هي غير ميَّة. قال ابن قتيبة في ترجمته من كتاب "الشعراء": وكان ذو الرمة أحد عشاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته ميَّة بنت فلان بن طلبة بن قيس بن عاصم [بن سنان]، ومكثت ميَّة زمانًا لا تراه وتسمع بشعره، فجعلت الله عليها أن تنحر بدنة إن رأته، فلما نظرت إليه رأت رجلًا أسود دميمًا [وكانت من أجمل النساء]، فقالت: واسوأتاه! كأنها لم ترضه، فقال: على وجه ميٍ مسحةٌ من ملاحةٍ ... وتحت الثّياب الشَّين لو كان باديا ألم تر أنَّ الماء يخبث طعمه ... وإن كان لون الماء أبيض صافيًا

стр. 1109

وكان يشيب [أيضًا] بخرقاء، وهي من بني البكاء بن عامر [بن صعصة] وكان سبب تشبيه بها أنه مرَّ في بعض أسفاره ببعض البوادي، وإذا خرقاء خارجة من خباء لها، فنظر إليها فوقعت في قلبه، فخرق إدواته ودنا منها، وقال: إني رجل علىظهر سفر، وقد تخرقت إدواتي فأصلحها [لي]، يستطعم بذلك كلامها، فقالت: والله إني ما أحسن العمل، وإني لخرقاء، والخرقاء: التي لا تعمل شيئًا بيدها لكرامتها على أهلها، فشبب بها وسماها خرقاء. [و] قال المفضل الصبي: كنت أنزل على بعض الأعراب إذا حجت، فقال لي يومًا: هل لك في خرقاء صاحبة ذي الرمة"؟ قلت: بلى، فتوجهنا نريدها، فعدل بي عن الطريق بقدر ميل، فإذا أبيات [شعر]، فقرع بابًا منها فخرجت إلينا امرأة حسَّانة بها قوة، فتحدثنا طويلًا فقالت: أحججت قبل هذه؟ قلت: بلى قالت: فما منعك من زيارتي؟ أما علمت أني منسك من مناسك الحج! قلت: وكيف ذلك؟ قالت: أما سمعت قول ذي الرمة: تمام الحجّ أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللَّثام انتهى كلام ابن قتيبة، وهو صريح في أنّ خرقاء غير ميَّة. وقال ثعلب: خرقاء هي ميّة، وذلك أن ميّة لقبته بذي الرمة، واسمه غيلان، وذلك أنه مرّ بخبائها قبل أن ينسب بها، فرآها فأعجبته، فأحب الكلام معها، فخرق دلوه وأقبل إليها، وقال: يا فتاة! اخرزي لي هذا الدلو، فقالت: إنني خرقاء –والخرقاء: التي لا تحسن عملًا- فخجل ووضع دلوه على عنقه، وهي مشدودة بقطعة حبل بال، وولّى راجعًا، فعلمت ميّة ما أراد، فقالت: يا ذا الرمة انصرف، فانصرف، فقالت له: إن كنت أنا خرقاء فإن

стр. 1110

متي صناع، فاجلس جتى تخرز دلوك، ثم دعت أمتها وقالت: اخرزي له هذه الدلو، وكان ذو الرمة يسمي مية خرقاء لقولها: إنني خرقاء، وغلب عليه ذو الرمة لقولها: يا ذر الرمة. انتهى كلامه. والبييت مطلع قصيدة طويلة لذي الرمة، وتقدمت ترجمته في الإنشاد الرابع والخمسين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد المائتين: (٢٣٩) ولقد أراني للرِّماح دريَّةً ... من عن يميني مرَّةً وأمامي على أن فيه اسم بمعنى جانب، ومن زائدة عند ابن مالك، ولابتداء الغاية عند أبي حيان، والتوجيه الذي ذكره المصنف هو توجيه أبي حيان، والبيت من أربعة أبيات أوردها أبو تمام في "الحماسة" لقطري بن الفجاءة وهي: لا يركبن أحدٌ إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوِّفًا لحمام فلقد أراني .. البيت حتّى خضبت لما تحدّر من دمي ... أكناف سرجي أو عنان لجامي ثمَّ انصرفت وقد أصبت ولم أصب جذع البصيرة قارح الإقدام قوله: لا يركنن أحدٌ .. الخ، لا: ناهية، وركن إلى الشيء: مال

стр. 1111

إليه، والإحجام بتقديم المهلة: التأخر والنكوص، والمتخوف: الخائف شيئًا بعد شيء، والحمام بالكسر: الموت. وهذا البيت أورده شراح "الألفية" شاهدًا لنجيء الحال من النكرة لوقوعها بعد النهي. والوغا: الحرب، وقوله: ولقد أراني .. الخ، أي: أعلمني، ودرَّية: مفعوله الثاني، أو حال، وأرى بصرية، والمضاف إلى الياء محذوف، أي: أبصر نفسي، قال ثعلب، الدرية، بالهمز: الحلقة التي يرمي فيها المتعلم ويطعن، والدرية، بلا همز: الناقة ترسل مع الوحش لتستأنس بها، ثم يستتر بها ويرمى الوحش، قال شراح "الحماسة": ويمكن حمل البيت عليهما، فالمراد على الأول: أن الطعن، كما يكون ذلك البعير سترة على الصائد، وإنما اقتصر على اليمين والأمام لأنه يعلم أن اليسار في ذلك كاليمين، وأما الظهر فإن الفارس لا يمكن منه أحدًا، و"من" متعلقة بمحذوف، أي: أطعن بها من هذه الجهات. وقوله: حتى خضبت .. الخ، حتى: ابتدئية، وهي غاية لما قبلها، وأكناف السرج: جوانبه، وعنان اللجام: سيره الذي تمسك به الدابة، وأو للتقسيم، والمعنى: انتصبت للرماح حتى خضبت بما سال من دمي جوانب السرج، وعنان فرسي بحسب وقوع الطعن، فالعنان لما سال من أعاليه، وجوانب السرج لما سال من أسافله. وقيل: إنما أراد دم من قتله، فأضاف إلى نفسه لأنه أراقه. وقوله: حتى خضبت .. الخ: ابتدائية، وهي غاية لما قبلها، وأكناف السرج: جوانبه، وعنان اللجام: سيره الذي تمسك به الدابة، وأو للتقسيم، والمعنى: انتصبت للرماح حتى خضبت بما سال من دمي جوانب السرج، وعنان فرسي بحسب وقوع الطعن، فالعنان لما سال من أعاليه، وجوانب السرج، لما سال من أسافله. وقيل: إنما أراد دم من قتله، فأضاف إلى نفسه لأنه أراقه. وقوله: وقد أصبت ولم أصب، الأول بالبناء للفاعل، والثاني بالبناء للمفعول، وجذع وقارح: حالان، والجذع، بفتح الجيم والذال المعجمة: الشاب، والقارح: المنتهي في السن، وأصلها في الخيل وذي الحافر، وذلك أن المهر يركب

стр. 1112

بعد حول سياسة ورياضة، فإذا بلغ حولين فهو جزع، فحينئذ يستغني عن الرياضة، يقول: أنا جذع البصيرة لا أحتاج إلى تهذيب، وإقدامي قارح، أي: قد بلغ النهاية. وقد استوفينا الكلام عليه في الشاهد التاسع والعشرين بعد الثمانية من شواهد الرضي. وقطري هو رأس الخوارج كأن أحد الأبطال، خرج في مدة ابن الزبير، وبقي يقاتل ويستظهر بضعة عشر سنة، وسلم عليه بإمرة المؤمنين، وجهز عليه الحجاج جيشًا بعد جيش وهو يكسرهم، وتغلب على نواحي فارس وغيرها، وقد ذكر المبرد في "الكامل" كثيرًا من أخباره وأشعاره، وكان مع شجاعته من البلغاء، وله شعر جيد، وكان آخر أمره أن الحجاج ندب له سفيان ابن الأبرد في جيش كثيف، فأدركوه في شعب من شعاب طبرستان فقاتلوه، فتفرق عنه أصحابه، وسقط عن فرسه فتدهده إلى أسفل الشعب، وأتاه علج من أهل البلد، فحدر عليه جرًا من فوقه فأوهن وركه، وصاح بالناس فأقبلوا نحوه، وجاء نفر من أهل الكوفة فقتلوه، وأرسلوا رأسه إلى الحجاج، فسيره إلى عبد الملك، وذلك في سنة سبع وسبعين، بتقديم السين على الموحدة فيهما، كذا في "تاريخ النويري". وقطري بفتحتين: منسوب إلى قطر، وهو موضع بين البحر وعمان من بلاد البحرين، وهو قطري بن الفجاءة المازني، نسبة إلى مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وفجاءة، بضم الفاء بعدها جيم فألف ممدودة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الأربعون بعد المائتين: (٢٤٠) على عن يميني مرَّت الطّير سنّحًا

стр. 1113

تمامه: وكيف سنوحٌ واليمين قطيع على أن "عن" اسم لدخول "على" عليها، ولم ير جرٌّ "عن" بـ "على" إلا في هذا البيت، وقد أنشده أبو حيان في "شرح التسهيل" وفي "الارتشاف" كذا، وتبعه العيني والسيوطي وغيرهما، وعلى متعلقة بـ "مرت". وفي "تهذيب الأزهري" قال الليث: الطير معروف، وهو اسم جامع مؤنث والواحد طائر، وقلما يقولون طائرة للأنثى، وقال أحمد بن يحيى: الناس كلهم يقولون للواحد كائر، وأبو عبيد معهم، ثم انفرد فأجاز أن يقال طير للواحد، وجمعه على طيور. انتهى. والمراد هنا الجمع بدليل سنحًا، وهو حال منه، جمع سانح، وهو ما أتاك عن يمينك من طائر أو ظبي أو غير ذلك بتيمَّن به، تقول: سنح لنا سنوحًا كذا في "تهذيب أزهري" وقال المبرد: السانح: ما أراك مياسره فأمكن الصائد، والبارح: ما أراك ميامنه فلم يمكن الصائد إلا أن يتحرف له، وقال ابن دريد: السانح يتيمن به أهل نجد، ويتشاءمون بالبارح، ويخالفهم أهل العالية بالعكس، والجابه والناطح: اللذان يستقبلانك، والقعيد: الذي يأتي من ورائك. والكادس: الذي ينزل عليك من فوق الجبل، وكذا في "العمدة" لابن رشيق عن الليث. وقوله: وكيف سنوح؛ كيف: اسم استفهام للإنكار متعلقة بمحذوف على أنه خبر مقدم، وسنوح: مبتدأ مؤخر، وصح الابتداء بالنكرة لتقدم الخبر وتقدم الاستلهام، ولكون السنوح عبارة عن مرور

стр. 1114

الطير من جهة اليمين، وجملة "واليمين قطيع": حال من ضمير الظرف، وهو كيف، يقول: أي يمن وأي فائدة في مرور الطير في حالة كون اليمين مقطوعة، ولو كانت اليمين سالمة لأمكن صيدها بسهم أو مقلاع أو غيرهما! أو المعنى: أي يمن في مرورها بعد قطع اليمين؟ ولو مرت قبل قطع يميني لتمنت بها. ولم أقف على بقية الأبيات، ولا على قائله حتى أتحقق مقصود الشاعر من السياق. واليمين: اليد اليمنى مؤنثة، وقطيع: بمعنى مقطوع. والمصنف إنما أنشد المصراع الأول اكتفاء لشهرته بشروح "التسهيل والارتشاف" ولكون الدماميني لم يستحضر المصراع الثاني، قال: هذا نصف بيت من بحر الطويل لا بيت، ولا أعرف تمامه، ولم أر من أنشده تامًا. انتهى. قال ابن الملا: وكأنه لم يقف عليه في "شرح الشواهد" بعد ذهاب الدماميني إلى الهند، وعلى فرض أنه شرحها قبل ذهابه لم يشتهر، مع أن المعاصر حاله معلومة، ورتبة العيني فى النحو وغيره بالنسبة إلى الدماميني ظاهرة واضحة، هذا وقد كمل العيزري في "مدني الأريب من حاصل مغني اللبيب" البيت بمصراع آخر قال: على عن يميني مرَّت الطَّير سبحَّاً ... رجومًا بأقطار الفضا وشمالي أي: على جانب يميني، واستشهد بالبيت للغة "أكلوني البراغيث" ورووه لذلك: "على عن يميني مرّها الطير سبحًا .. " و"على" هذه من "علا يعلو" وفيه ضمير المرَّ، والهاء في مرها: ضمير الطير، لأنها مؤنثة، كما قال تعالى: ﴿والطير محشورةً﴾ [ص/ ١٩] وقدمه على ظاهره على مقتضى اللغة المذكورة، هذا كلامه، ومن خطه نقلت، وضبط في الموضعين "سبحًا" بموحدة بدل النون، وهو تحريف قطعًا والمصراع الثاني لا أشك أنه مصنوع، والله أعلم.

стр. 1115

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد المائتين: (٢٤١) دع عنك نهبًا صيح في حجراته تمامه: ولكن حديثًا ما حديث الرّواحل على أن "عن" فيه اسم لما ذكره، وتقدم الجواب عنه من كلام أبي حيان في شرح: هون عليك ... البيت، وهو أول أبيات تسعة لامرئ القيس، وهو ما ذكره المصنف هنا، قالا لجاحظ في كتاب "البيان": إن امرأ القيس بعد أن قتل أبوه طلبه المنذر بن ماء السناء، فأعجزه وخرج هاربًا حتى استجار بهانئ بن مسعود الشيباني، فلم يجره، فلحق بسعد بن الضباب الإيادي فأجاره، فخافه امرؤ القيس، فخرج عنه حتى نزل برجل من طيء، يقال له: طريف بن مل، وكان في قلة، فخاف أن لا يمنعه، فظعن من عنده وأنشأ فيقول: لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... طريف بن ملً ليلة الجوع والخصر فنزل على المعلى بن تيم بن ثعلبة الطائي، وذكر له خيل سلمى وعدد أهلها، فظعن إليها وهو يقول:

стр. 1116

كأنِّي إذ نزلت على المعلَّى ... نزلت على البواذخ من شمام قما ملك العراق علىلمعلَّى ... بمقتدرٍ ولا ملك الشام أقرَّ حشا امرئ القيس بن حجرٍ بنو تيمٍ مصابيح الظَّلام فانتهى إليهم، فاستجار بسيدهم خالد بن سدوس بن أصبغ النبهاني فأجاره، فأغار باعث بن خويص على إبل امرئ القيس فاستاقها، فقال امرؤ القيس: يا خالد، خفارتك! قال: لا والله ما عندي من ظهر أطلب الرجل عله، قال: فعليك نجائبي هذه فاطلبه عليها، فركبها في عصابة من قومه فأدركوا باعثًا، فقال: أي باعث، أعلىّ جاري وثبت، وعلى حرمتي انتهت! ؟ فقال باعث: والذي بيته بالسماء، إن السمة التي بنجائبي هذه لبهذه الرواحل، قالوا: كذلك، فأنزلوه وأصحابه وذهبوا بها، فأقبل إلى امرئ القيس فأخبره، فقال امرؤ القيس يهجوه: دع عنك نهبًا صيح في حجراته ... ولكن حديثًا ما حديث الرّواحل كأنَّ دثارًا حلَّقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل تلعَّب باعثٌ بجيران خالدٍ ... وأودى دثارٌ في الخطوب الأوائل وأعجبني مشي الحزَّقة خالدٍ ... كمشي الأتان حلَّئت بالمناهل ثم ظعن ارء القيس، ارتحل عنه حتى نزل على عامر بن جوين الطائي، فلما رأى عامر أعجبه، وحدث نفسه بالغدر به، فقال عامر:

стр. 1117

لم أر مثلها خباسة واحدٍ ... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله هنالك لا أعطي مليكًا قياده ... ولا سوقًة حتًّى يؤوب ابن مندله فلما سمع ذلك امرؤ القيس ارتحل عنه جتى نزل على أبي حنبل، وهو حارثة ابن مر التغلبي، ومن هنا ظعن امرؤ القيس إلى قيصر ملك الروم، وذكر حكايته إلى أن هلك بأنقرة. وقوله: "دع عنك نهبًا صيح في حجراته": هذا المصراع أورده الميداني في كتابه "مجمع الأمثال" وقال: النهب: المال المنهوب وكذلك النهبى، والحجرات: النواحي، يضرب لمن ذهب من ماله شيء، ثم ذهب بعده ما هو أل منه، ثم أورد حكاية الرواحل كما أوردها الجاحظ وقال: يقول: دع النهب الذي انتهبه باعث، / ولكن حدثني حديثًا عن الرواحل التي ذهبت أنت بها ما فعلت؟ ثم قال في هجائه: وأعجبني مشي الحزقَّة خالدٍ ... .. البيت وكذاك أورد المصراع الأول إسماعيل بن هبة الله الموصلي الشافي في أولياته المسماة: "غاية الوسائل إلى معرفة الأوائل" وحكي الحكاية نحو ما تقدمت، وقال: فقال له خالد: أعطني رواحلك حتى أطلب عليها مالك، ففعل امرؤ الفيس فانطوى عليها، ويقال: بل لحق بباعث وأصحابه فقال لهم: أغرتم على جاري يا بني جديلة! قالوا: والله ما هو لك بجارٍ، قال: بلى والله ما هذه الإبل التي معكم إلا كالرواحل التي تحتي، فقالوا: هو كذلك، فأنزلوه وذهبوا بها. يضرب لمن ذهب من ماله شيء، ثم ذهب بعده ما هو أجل منه. انتهى. وقيل:

стр. 1118

نهب مضاف محذوف، ي: دع عنك ذكر نهب، وصيح: مجهول صاح به، وفي حجراته: نائب الفاعل، وهو بفتح الحاء والجيم؛ جمع حجرة، بسكون الجيم، وهي الناحية، والجملة صفة نهب، والمراد: صيح عليه في حجراته، وحديثًا: عامله محذوف، أي: ولكن حدثني حديثًا. وما: استفهامية مبتدأ وحديث: خبره، أو بالعكس، وقد أخطأ ابن الملا هنا في المعنى والإعراب، فإنه قال: اترك نهب المال، واشتغل بأمر النساء ذوات الرواحل، وما: زائدة، وحديث الرواحل: بدل من "حديثًا" بدل معرفة من نكرة. انتهى. وقوله: كأن دثارًا .. الخ، هو راعي إبل امرئ القيس، وحلقت: من التحليق، وهو ارتفاع الطير في الجو، واللبون من الإبل والشاء: ذات اللبن، وننوفى بالقصر: جبل عالٍ، والقواعل: جبال صغار، ويأتي إن شاء الله تعالى شرح هذا البيت مفصلًا في بحث "لا" العاطفة. وقوله: وأعجبني مشي الحزقة خالد: الحزقة بضم الحاء، المهملة والزاء المعجمة وتشديد القاف: هو القصير العظيم البطن، وخالد بالجر بدل منه، وقال العيني: الحزقة: لقب، ويقال: ضرب من المشي، فمن جعله ضربًا من المشي نصبه، ومن جعله لقبًا رفعه. انتهى. وهو كلام لا يعقل لأنه وقع هنا مضافًا إليه، وكيف يتصور نصبه أو رفعه على أني لم أر الحزقة بمعنى المشي، وحلئت بالبناء للمفعول: من حلأت الإبل عن الماء تحلئة، بالهمز، إذا طردتها عنه ومنعتها أن ترد، والأتان: أثنى الحمار، شبهه بها تحقيرًا له، والمنهل: المورد، وهو عين ماء ترده الإبل وغيرها. وبعد هذا أبيات خمسة شرحناها في الشاهد الثاني عشر بعد التسعمائة من شواهد الرضي، وترجمة امرئ القيس تقدّمت في الإنشاد الرابع

стр. 1119

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد المائتين: (٢٤٢) دع عنك لومي فإنَّ اللَّوم إغراء ... ودواني بالتي كانت هي الدَّاء لما تقدم قبله، والبيت مطلع قصيدة لأبي نواس عدتها اثنا عشر بيتًا، وبعده: صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسَّها حجرٌ مسَّته سرَّاء من كفِّ ذات حرٍ في زيِّ ذي ذكرٍ ... لها محبّان لوطيٌّ وزنَّاء قامت بإبريقها واللَّيل معتكرٌ ... فلاح في وجهها في البيت لالاء فأرسلت من فم الإبريق صافيةً ... كأنَّما أخذها بالعقل إغفاء رَّقت عن الماء حتّى ما يلائمها ... لطافةً وجفا عن شكلها الماء فلو مزجت بها نورًا لمازجها ... حتّى تولَّد أنوارٌ وأضواء دارت على فتيةٍ ذلَّ الزَّمان لهم ... فما يصيبهم إلَّا بما شاؤوا لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلةٍ ... كانت تحلُّ بها هندٌ وأسماء حاشى لدرّة أن تبنى الخيام بها ... وأن تروح عليها الإبل والشّاء فقل لمن يدَّعي في العلم فلسفةً ... حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء لا تحظر العفو إن كنت امرأ حرجًا ... فإن حظركه بالدِّين إزراء وهذان البيتان الأخيران تعويض بإبراهيم بن النظَّام، وكان مرَّ به يومًا وهو بناظر في الوعيد ويقول: إن من مات مرتكبًا لكبيرة غير تائب منها لم يعف

стр. 1120

الله عنه، وخلده في النار، فأشار إليه بقوله: فقل لمن يدعي في العلم .. البيت. قال أبو حاتم السجستاني: إن أبا نواس كان صحب النظام صغيرًا، فأخذ الكلام منه، ثم فارقه وهجاه بقوله: فقل لمن يدعي في العلم فلسفة ... البيت. ومن العجيب هنا ما في "الحواشي الحسنية على المطول" عند ذكر قوله: صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها .. البيت، فإنه قال: هو في صفاء الذهب، وقيل: هي الخمر، قال المرزباني في كتاب "الموشح": أخبرني محمد بن يحيى قال: قال المجنون: تداويت من ليلى بليلى وحبَّها ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر فكان هذا من أحسن المعاني بأحسن الألفاظ، وإن كان الأصل فيه قول الأعشى: وكأسٍ شربت على لذَّةٍ ... وأخرى تداويت منها بها فأخذه أبو نواس، فوالله ما بلغه وظهر في لفظه تكلف، فقال: دع عنك لومي .. البيت، والكلفة في قوله: "بالتي هي الداء". وقال البحتري سارقًا للفظ، ومقصرًا عن الطبع والمعنى: تداويت من ليلى بليلى فما اشتفى ... بماء الرُّبى من بات بالماء يشرق

стр. 1121

انتهى: ولقد تحامل على أبي نواس في ادعاء الكلفة على أن مأخذ بيته ليس قول الأعشى، وإنما أخذ عجزه، وأما صدره فمن قول غلام نصراني، كما حكاه عنه أبو هفان فيما رواه جامع ديوانه على بن حمزة بن الحسن الأصبهاني قال: وروى أبو هفان عن أبي نواس قال: دخلت يومًا إلى بعض الخرابات، فرأيت قربة مملوءة ماء مسندة إلى حائط، فلما توسطت الخربة، أبصرت نصرانيًا قد علاه سقاء، فلما وقع بصره عليّ، انفصل عن النصراني، وأخذ قربته وعدا، فقام النصراني غير محتشم يشد سراويله في وجهي، وأقبل علي فقال: أفزعت ذا نبعةٍ في رأسها كرةٌ ... كانت شفائي وفقداني لها داء فمرَّ يسعى بها مثل الحمار وهل ... عارٌ بمثلي أن يعلوه سقَّاء قال أبو نواس: فعجبت من بديهته، وقربت إليه، وقبضت على ركابه، فيما استوى في سرجه، نقر كتفي وقال: لا تلومن أحدًا على هواه، فإن لومك إياه إغراء، فانصرفت عنه سارقًا لفظته، فقتل من ساعتي: دع عنك لومي فإنَّ اللَّوم إغراء ... . . . . . البيت قال ابن قتيبة في ديباجة "كتاب الشعراء": كان الناس يستجيدون قول الأعشى: وكأسٍ شربت على لذَّةٍ ... وأخرى تداويت منها بها إلى أن قال أبو نواس: دع عنك لومي .. البيت، فزاد فيه معنى اجتمع له به الحسن في صدره وعجزه، فللأعشى فضل السبق، ولأبي نواس فضل الزيادة عليه. وقال الرشيد للمفضل الضبي: اذكر لي بيتًا يحتاج إلى مقارعة

стр. 1122

الأذهان في إخراج خبيئه، ثم دعنى وإياه، فقال: أتعرف بيتًا أوله أعرابي في شملته، هابً من نومته، كأنما ورد على ركب جرى في أجفانهم الوسن، فظل يستفزهم بعنجهيّة البدو، وتعجرف الشدو، وآخره مدني رقيق، غذي بماء العقيق؟ قال: لا أعرفه، قال: هو بيت جميل: ألا أيُّها الرَّكب النيام ألا هبُّوا ثم أدركته رقة الشوق فقال: أسائلكم هل يقتل الرَّجل الحبُّ قال له: أفتعرف أنت بيتًا أوله أكثم بن صيفي في أصالة الرأي ونبل العظة، وآخره إبقراط لمعرفته بالداء والدواء؟ قال: قد هوّلت علي، فليت شعري بأي مهر تفترع عروس هذا الخدر؟ ! قال: بإنصاتك وإنصافك، وهو بيت الحسن بن هانئ: دع عنك لومي .. البيت. وقد أورد هذه الحكاية ابن عبد ربه في "العقد الغوَّاص" حكاية ظريفة تتعلق ببيتي الأعشى وأبي نواس أحببت إيرادها هنا، قال: حكي أن حامد بن العباس سأل علي بن عيسى في ديوان الوزارة عن دواء الخمار وقد علق به، فأعرض عن كلامه، وقال: ما أنا وهذه المسألة! فخجل حامد منه، ثم التفت إلى قاضي القضاة أبي عمر، فسأله عن ذلك، فتنحنح القاضي لإصلاح صوته، ثم قال: قال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر /٧] وقال النبي ﷺ :

стр. 1123

"استعينوا في الصناعات بأهلها" والأعشى هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية، وقد قال: وكأسٍ شربت على لذَّةٍ ... . . . . . البيت ثم تلاه أبو نواس في الإسلام وقال: دع عنك لومي .. البيت، فأسفر حينئذ وجه حامد، وقال لعلي بن عيسى: ما ضرك يا بارد أن تجيب ببعض ما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في جواب المسألة بقول الله، ، أولًا، ثم بقول الرسول، ﷺ ثانيًا، وبينّ الفتيا، وأدى المعنى، وتفصّى من العهدة؟ ! فكان حجل علي بن عيسى من حامد بهذا الكلام أكثر من خجل حامد منه لما ابتدأه بالمسألة. هذا آخر كلام الحريري. وأبو نواس: هو أبو علي، الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح الحكمي - بفتح الحاء والكاف - نسبة إلى الحكم بن سعد العشيرة، وهي قبيلة كبيرة باليمن، منها الجراح بن عبد الله الحكمي أمير خراسان، وكان جد أبي نواس من مواليه، وإنما قيل له: أبو نواس؛ لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقه، والذؤابة، بهمزة بعد الذال المضمومة: الضفيرة من الشعر إذا كانت مرسلة، فإن كانت ملوية فهي عقيصة، وناس ينوس: إذا تدلى وتحرك، وقيل غير ذلك. ومولده بالبصرة سنة خمس وأربعين ومائة، ومات ببغداد سنة خمس وتسعين ومائة، ونشأ بالبصرة، ثم خرج إلى الكوفة، وقيل غير ذلك. وأمه أهوازية واسمها جلبان، وأبوه من أهل دمشق من جند مروان الحمار، وقدم بغداد مع والبة بن

стр. 1124

الحباب الشاعر، وبه تخرج وعرض القرآن على يعقوب الحضرمي، وأخذ اللغة عن أبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة. ومدح الخلفاء والوزراء، وكان في الشعر من الطبقة الأولى من المولدين، قال أبو عبيدة: هو للمحدثين مثل امرئ القيس للمتقدمين، وشعره عشرة أنواع، وهو مجيد في الكل، ومازال العلماء والأشراف يروون شعره ويتفكهون به، لأنه محكم القول لا يخطئ، ويفضلونه على أشعار القدماء. وقال أبو عمرو الشيباني: لولا أن أبا نواس أفسد شعره بهذه الأقذار لاحتجنا به. وقد اعتنى بجمع شعره جماعة منهم أبو بكر الصولي، ومنهم علي بن حمزة الأصبهاني ومنهم إبراهيم بن أحمد الطبري، وجمع أبو هفان ما قاله على وجه الخلاعة والاستهتار، ونوادره المعجبة، وأخباره المطربة في مجلد لطيف. "عوض" وأنشد فيه، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد المائتين: (٢٤٣) رضيعي لبان ثدي أمِّ تقاسما ... بأسحم داجٍ عوض لا نتفرَّق على أنه ظرف لنتفرق، يرد عليه أن "لا" النافية لها الصدر فتمنع عمل ما بعدها فيها قبلها؛ وأجاب عنه المصنف في آخر النوع الثاني عشر من الجهة السادسة من الباب الخامس، بأنه مغتفر، لتوسعهم في الظروف. وكذا هو عند الرضي وابن يعيش وشارح "اللباب" والجميع تابعون لابن جني في "إعراب الحماسة" قال: روي قول الأعشي: "عوض لا نتفرق" بالفتح والضم، أي: لا نتفرق أبدًا، وذهب الكوفيون إلى أن "عوض" هنا قسم، وأن "لا نتفرق" إنما

стр. 1125

هو جوابه، وليس الأمر عندنا كذلك، وإنما قوله: "لا نتفرق" جواب تقاسما، كقوله تعالى: ﴿تقاسَموا باللهٍ لنُبيّننّهُ﴾ [النمل/٤٩] أي: تحالفا على ذلك، انتهى. وممن قال: إن عوض في لبيت ظرف مستقبل لنتفرق، أبو زيد، قال: قوله: عوض لا نفترق، أي: لا نتفرق أبدًا. ونقل الأزهري عنه بأنه يستعمل في ظرف الماضي أيضًا، قال: وقال أبو زيد: يقال: لا أفعله عوض، أي: أبدًا، ويقال: ما رأيت مثله عوض، لم أر مثله قط. وأنشد: فلم أر عامًا عوض أكثر هالكًا ... ووجه غلامٍ يشترى وغلامه انتهى. وكذا، نقل العسكري في كتاب"التصحيف" عن ابن دريد قال: قرأت عن أبي بكر ابن دريد: فلم أر عامًا عوض. . البيت."عوض": اسم معرفة، وهو اسم للدهر، يضم ويفتح، والبصريون يقولونه بالضم، ومثله قول الأعشى: "عوض لا نتفرق" أي: لا نتفرق الدهر. انتهى. وقوله: وهو اسم معرفة، قصد به الرد على الليث فيما نقله الأزهري والصاغاني عنه، قالا: قال: وبعض الناس يقول: هو الدهر والزمان، يقول الرجل لصاحبه: عوض لا يكون ذلك أبدًا، فلو كان عوض اسمًا للزمان لجرى بالتنوين، ولكنه حرف يراد به القسم، كما أن أجل ونعم، ونحوهما مما لم يتمكن في التصريف حمل على غير الإعراب. انتهى. ووجه كونه معرفة بناؤه على الضم لتضمنه معنى لام
следующие страницы →