Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
انتهى: ولقد تحامل على أبي نواس في ادعاء الكلفة على أن مأخذ بيته ليس قول الأعشى، وإنما أخذ عجزه، وأما صدره فمن قول غلام نصراني، كما حكاه عنه أبو هفان فيما رواه جامع ديوانه على بن حمزة بن الحسن الأصبهاني قال: وروى أبو هفان عن أبي نواس قال: دخلت يومًا إلى بعض الخرابات، فرأيت قربة مملوءة ماء مسندة إلى حائط، فلما توسطت الخربة، أبصرت نصرانيًا قد علاه سقاء، فلما وقع بصره عليّ، انفصل عن النصراني، وأخذ قربته وعدا، فقام النصراني غير محتشم يشد سراويله في وجهي، وأقبل علي فقال:
أفزعت ذا نبعةٍ في رأسها كرةٌ ... كانت شفائي وفقداني لها داء
فمرَّ يسعى بها مثل الحمار وهل ... عارٌ بمثلي أن يعلوه سقَّاء
قال أبو نواس: فعجبت من بديهته، وقربت إليه، وقبضت على ركابه، فيما استوى في سرجه، نقر كتفي وقال: لا تلومن أحدًا على هواه، فإن لومك إياه إغراء، فانصرفت عنه سارقًا لفظته، فقتل من ساعتي:
دع عنك لومي فإنَّ اللَّوم إغراء ... . . . . . البيت
قال ابن قتيبة في ديباجة "كتاب الشعراء": كان الناس يستجيدون قول الأعشى:
وكأسٍ شربت على لذَّةٍ ... وأخرى تداويت منها بها
إلى أن قال أبو نواس: دع عنك لومي .. البيت، فزاد فيه معنى اجتمع له به الحسن في صدره وعجزه، فللأعشى فضل السبق، ولأبي نواس فضل الزيادة عليه. وقال الرشيد للمفضل الضبي: اذكر لي بيتًا يحتاج إلى مقارعة
стр. 1122
الأذهان في إخراج خبيئه، ثم دعنى وإياه، فقال: أتعرف بيتًا أوله أعرابي في شملته، هابً من نومته، كأنما ورد على ركب جرى في أجفانهم الوسن، فظل يستفزهم بعنجهيّة البدو، وتعجرف الشدو، وآخره مدني رقيق، غذي بماء العقيق؟ قال: لا أعرفه، قال: هو بيت جميل:
ألا أيُّها الرَّكب النيام ألا هبُّوا
ثم أدركته رقة الشوق فقال:
أسائلكم هل يقتل الرَّجل الحبُّ
قال له: أفتعرف أنت بيتًا أوله أكثم بن صيفي في أصالة الرأي ونبل العظة، وآخره إبقراط لمعرفته بالداء والدواء؟ قال: قد هوّلت علي، فليت شعري بأي مهر تفترع عروس هذا الخدر؟ ! قال: بإنصاتك وإنصافك، وهو بيت الحسن بن هانئ: دع عنك لومي .. البيت. وقد أورد هذه الحكاية ابن عبد ربه في "العقد الغوَّاص" حكاية ظريفة تتعلق ببيتي الأعشى وأبي نواس أحببت إيرادها هنا، قال: حكي أن حامد بن العباس سأل علي بن عيسى في ديوان الوزارة عن دواء الخمار وقد علق به، فأعرض عن كلامه، وقال: ما أنا وهذه المسألة! فخجل حامد منه، ثم التفت إلى قاضي القضاة أبي عمر، فسأله عن ذلك، فتنحنح القاضي لإصلاح صوته، ثم قال: قال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر /٧] وقال النبي ﷺ :
стр. 1123
"استعينوا في الصناعات بأهلها" والأعشى هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية، وقد قال:
وكأسٍ شربت على لذَّةٍ ... . . . . . البيت
ثم تلاه أبو نواس في الإسلام وقال: دع عنك لومي .. البيت، فأسفر حينئذ وجه حامد، وقال لعلي بن عيسى: ما ضرك يا بارد أن تجيب ببعض ما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في جواب المسألة بقول الله، ، أولًا، ثم بقول الرسول، ﷺ ثانيًا، وبينّ الفتيا، وأدى المعنى، وتفصّى من العهدة؟ ! فكان حجل علي بن عيسى من حامد بهذا الكلام أكثر من خجل حامد منه لما ابتدأه بالمسألة. هذا آخر كلام الحريري.
وأبو نواس: هو أبو علي، الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح الحكمي - بفتح الحاء والكاف - نسبة إلى الحكم بن سعد العشيرة، وهي قبيلة كبيرة باليمن، منها الجراح بن عبد الله الحكمي أمير خراسان، وكان جد أبي نواس من مواليه، وإنما قيل له: أبو نواس؛ لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقه، والذؤابة، بهمزة بعد الذال المضمومة: الضفيرة من الشعر إذا كانت مرسلة، فإن كانت ملوية فهي عقيصة، وناس ينوس: إذا تدلى وتحرك، وقيل غير ذلك. ومولده بالبصرة سنة خمس وأربعين ومائة، ومات ببغداد سنة خمس وتسعين ومائة، ونشأ بالبصرة، ثم خرج إلى الكوفة، وقيل غير ذلك. وأمه أهوازية واسمها جلبان، وأبوه من أهل دمشق من جند مروان الحمار، وقدم بغداد مع والبة بن
стр. 1124
الحباب الشاعر، وبه تخرج وعرض القرآن على يعقوب الحضرمي، وأخذ اللغة عن أبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة. ومدح الخلفاء والوزراء، وكان في الشعر من الطبقة الأولى من المولدين، قال أبو عبيدة: هو للمحدثين مثل امرئ القيس للمتقدمين، وشعره عشرة أنواع، وهو مجيد في الكل، ومازال العلماء والأشراف يروون شعره ويتفكهون به، لأنه محكم القول لا يخطئ، ويفضلونه على أشعار القدماء. وقال أبو عمرو الشيباني: لولا أن أبا نواس أفسد شعره بهذه الأقذار لاحتجنا به.
وقد اعتنى بجمع شعره جماعة منهم أبو بكر الصولي، ومنهم علي بن حمزة الأصبهاني ومنهم إبراهيم بن أحمد الطبري، وجمع أبو هفان ما قاله على وجه الخلاعة والاستهتار، ونوادره المعجبة، وأخباره المطربة في مجلد لطيف.
"عوض"
وأنشد فيه، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد المائتين:
(٢٤٣) رضيعي لبان ثدي أمِّ تقاسما ... بأسحم داجٍ عوض لا نتفرَّق
على أنه ظرف لنتفرق، يرد عليه أن "لا" النافية لها الصدر فتمنع عمل ما بعدها فيها قبلها؛ وأجاب عنه المصنف في آخر النوع الثاني عشر من الجهة السادسة من الباب الخامس، بأنه مغتفر، لتوسعهم في الظروف. وكذا هو عند الرضي وابن يعيش وشارح "اللباب" والجميع تابعون لابن جني في "إعراب الحماسة" قال: روي قول الأعشي: "عوض لا نتفرق" بالفتح والضم، أي: لا نتفرق أبدًا، وذهب الكوفيون إلى أن "عوض" هنا قسم، وأن "لا نتفرق" إنما
стр. 1125
هو جوابه، وليس الأمر عندنا كذلك، وإنما قوله: "لا نتفرق" جواب تقاسما،
كقوله تعالى: ﴿تقاسَموا باللهٍ لنُبيّننّهُ﴾ [النمل/٤٩] أي: تحالفا على ذلك، انتهى. وممن قال: إن عوض في لبيت ظرف مستقبل لنتفرق، أبو زيد، قال: قوله: عوض لا نفترق، أي: لا نتفرق أبدًا.
ونقل الأزهري عنه بأنه يستعمل في ظرف الماضي أيضًا، قال: وقال أبو زيد: يقال: لا أفعله عوض، أي: أبدًا، ويقال: ما رأيت مثله عوض، لم أر مثله قط. وأنشد:
فلم أر عامًا عوض أكثر هالكًا ... ووجه غلامٍ يشترى وغلامه انتهى.
وكذا، نقل العسكري في كتاب"التصحيف" عن ابن دريد قال: قرأت عن أبي بكر ابن دريد:
فلم أر عامًا عوض. . البيت."عوض": اسم معرفة، وهو اسم للدهر، يضم ويفتح، والبصريون يقولونه بالضم، ومثله قول الأعشى: "عوض لا نتفرق" أي: لا نتفرق الدهر. انتهى.
وقوله: وهو اسم معرفة، قصد به الرد على الليث فيما نقله الأزهري والصاغاني عنه، قالا: قال:
وبعض الناس يقول: هو الدهر والزمان، يقول الرجل لصاحبه: عوض لا يكون ذلك أبدًا، فلو كان عوض اسمًا للزمان لجرى بالتنوين، ولكنه حرف يراد به القسم، كما أن أجل ونعم، ونحوهما مما لم يتمكن في التصريف حمل على غير الإعراب. انتهى. ووجه كونه معرفة بناؤه على الضم لتضمنه معنى لام
стр. 1126
التعريف. قال المرزوقي: عوض اسم الدهر معرفة مبني، وكما ينبني على الفتح ينبني على الضم.
وبناؤه على الضم حكاه الكوفيون، وإنما بني لتضمنه معنى الألف واللام. انتهى.
والقول بأنه حرف لا اسم واه جدًا. وقول المصنف: وقال ابن الكلبي: قسم؛ وهو اسم صنم،
هذا قول الكوفيين، جعلوه مقسمًا به، قال ابن السيد في شرح أبيات"الجمل" وفي شرح أبيات
"أدب الكاتب" وتبعه اللخمي: من جعل"عوض" اسم صنم جاز في إعرابه ثلاثة أوجه؛
أحدهما: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قال: عوض قسمنا الذي نقسم به، وجاز أن يكون في موضع نصب، على أن تقدر فيه حرف الجر وتحذفه، كقولك: يمين الله لأفعلن، ويجوز أن يكون في موضع خفض على إضمار حرف القسم، وهو أضعف الوجوه. ومن اعتقد هذا لزمه أن يجعل الباء في قوله"بأسحم" بمعنى"في" انتهى. وقد ردَّ المصنف هذا القول بأنه لو كان كما زعم لم يتجه بناؤه في البيت، يريد: أنه فيه مبني بناء الظروف المقطوعة عن الإضافة. ولو كان اسم الصنم لأعرب كما أعرب في قوله: حلفت بمائراتٍ حول عوضٍ
وكان الواجب حينئذ إما جره بحرف القسم، أو نصبه بحذفها، بالتنوين فيها، لأنه عند هذا القائل مقسم به، وجملة"لا نتفرق" جوابه، فإنتفاء إعرابه ينتفي كونه اسم صنم، لتقدم المقسم به قبله، ولبنائه. وأيضًا لا يجوز حذف حرف القسم عند ذكر الفعل. انتهى.
стр. 1127
ومراد المصنف أن عوض الواقع في بيت الأعشي اسم صنم عند ابن الكلبي، وهو مقسم به، كما بينه ابن السيد وغيره، فلا يتأتى ما تكلفه الدمامينى بقوله: يمكن أن يصحح كلام ابن الكلبي بأن يكون معنى قوله: إن عوض قسم، أنه ساد مد القسم، فأطلق عليه أنه قسم بهذا الاعتبار، وبناؤه حينئذ متجه، لأنه ظرف مقطوع عن الإضافة، وتقديمه على عامله لغرض جعله قائمًا مقام الجملة القسمية،
فإن قلت: قوله: وهو اسم صنم يأبى ذلك. قلت: هو عائد على عوض، لا باعتبار كونه ظرفًا سد مد القسم بل باعتبار لفظه فقط، فيكون من باب الاستخدام. هذا كلامه.
والبيت من قصيدة للأعشى، مدح بها المحلق العامري، وقبله:
لعمري لقد لاحت عيونٌ كثيرةٌ ... إلي ضوء نارٍ في يفاعٍ تحرَّق
تشبُّ لمقرورين يصطليانها ... وبات على النّار النَّدى والمحلَّق
رضيعي لبان ثدي أمٍّ تقاسما ... البيت
وقد تقدم شرح البيتين مفصلاً في الإنشاد التاسع والثلاثين بعد المائة. وقوله: رضيعي لبان،
منصوب على المدح، وجوز ابن السيد واللخمي أن يكون حالً من الندى والمحلق، ويكون قوله: على النار، خبر بات والعكس، وأن يكونا خبرين. أقول: أما الأول، ففيه مع ضعف مجيء الحال
من المبتدأ المنسوخ، فساد المعنى، لأنه يقتضي أن يكونا غير رضيعين في غير بيانهما على النار،
وجودة المعنى تقتضى أنهما رضيعان مذ ولد. وأما الأخيران ففيهما قبح التضمين الذي هو من عيوب الشعر، وهذا يرد أيضًا على الحالية وعلى جعله بدلاً
стр. 1128
من مقرورين، وعلى جعله صفة له، ورضيع هنا بمعنى مراضع. قال الرضي: وأما الفعيل بمعنى الفاعل
كالجليس، فليس للمبالغة، فلا يعمل اتفاقًا، فإضافة رضيعي إلي لبان ليس من الإضافة إلي المفعول به المسرح، بل إلي المقيد على التوسع بحذف حرف الجر، لأنه يقال: رضيعه بلبان أمه، فحذف الباء،
فانتصب لبان، وأضيف إليه الوصف. وثدي بالجر: بدل من لبان، وعلى رواية النصب بدل أيضًا،
لكن بتقدير مضاف مجرور فيهما، أي: لبان ثدي، فلما حذف المضاف انتصب، أو هو منصوب بنزع الخافض، أي: من ثدي أمّ، ولا يجوز الإبدال على محل لبان، لأن شرطه كالعطف على المحل،
إمكان ظهور ذلك المحل في الفصيح، والأجود أن يكون رضيع بمعنى راضع، وتكون المشاركة
من التثنية، فيكون رضيعي مضافًا إلي مفعوله، لأنه ماض، واسم الفاعل الماضي تجب إضافته
إلي ما يجيء بعده، مما يكون في المعنى مفعولاً، فيكون ثدي أمٍّ بدلاً من لبان، بتقدير مضاف مجرور، أي: رضيعي لبان، لبان ثدي أمّ، أو يكون بدلاً من لبان على المحل، على قول من لا يشترط المحرز الطالب لذلك المحل. وقال الأندلسي: رضيع هنا للمبالغة، وعليه يكون عاملاً عما فعله.
واللبان بالكسر: لبن المرأة خاصة، واللبن عام يشمل لبنها ولبن غيرها. وقد أخذ هذا المعنى الكميت، وأوضحه في مدح مخلد بن يزيد فقال:
ترى النَّدى ومخلدا حليفين ... كانا معًا في مهده رضيعين
تنازعا فيه لبان الثَّديين ... . . . . . . . . . . . . .
وفيه لطف مبالغة، لجعلهما أخوين من جنس واحد. وتقاسما: تفاعلا، القسم، أي: أقسم كل منهما لا يفارق أحدهما الآخر. وروي: "تحالفا" وهو بمعناه. والباء في قوله: بأسحم، داخله على المقسم به، واختلف في معناه،
стр. 1129
قال ابن السيد: فيه سبعة أقوال، أحدهما: هو الرماد، وكانوا يحلفون به،
قال الشاعر:
حلفت بالملح والرَّماد وبالنّار [وبالله] نسلم الحلقه
ثانيها: هو الليل، ثالثها: هو الرحم، رابعها: هو الدم، لأنهم كانوا يغمسون أيديهم فيه إذا تحالفوا.
حكي هذه الأقوال الأربعة يعقوب. خامسها: هو حلمة الثدي، سادسها: هو زق الخمر،
سابعها: هو دماء الذبائح إلي تذبح للأصنام، وجعله أسحم لأن الدم إذا يبس اسود. وأبعد هذه الأقوال قول من قال: إنه الرماد، لأنه لا يوصف بأسحم ولا داج، وإنما يوصف بأنه أورق. انتهى. وقال الأزهري في"التهذيب": قال أبو زيد: أراد بأسحم داج: الليل، وقال الليث: أراد سواد حلمة الثدي، وقيل زق لخمر. انتهى. وقال الحريري في"درة الغواص": عني بالأسحم الداجي: ظلمة
الرحم المشار إليها في قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ في بطوُنِ أمّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾
[الزمر/٦] وقيل: بل عني به الليل، وعلى كلا هذين التفسيرين فمعنى تقاسما فيهما، أى: تحالفا،
وقد قيل: إن المراد بلفظة"تقاسما": اقتسما، وأن المراد بالأسحم الداجي: الدم، وقيل: اللبن،
لاعتراض السمرة فيه، وبالداجي: الدائم انتهى. ولا وجه لتفسير تقاسما باقتسما على تفسير الأسحم
بأحد المعنيين الأخيرين، وكيف يصح تفسير الداجي بالدائم، مع أنه من الدجية، وهو الظلام!
وجملة"لا نتفرق": جواب القسم،
стр. 1130
وجاء به على حكاية لفظ المتحالفين الذي نطقا به عند التحالف، ولو جاء به على لفظ الإخبار عنهما لقال: يفترقان. وقد بسطنا الكلام على هذا البيت بأكثر من هذا في"شرح شواهد الرضي" في
الواحد والعشرين بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد المائتين:
(٢٤٤) حلفت بمائراتٍ حول عوضٍ ... وأنصابٍ تركن لدى السُّعير
على أن ابن الكلبي استدل"عوض" في البيت المتقدم في أنه اسم صنم بهذا البيت، ووجهه: أن الشاعر
حلف بالدماء المائرات على وجه الأرض حول عوض، ومن عادة المشركين أنهم كانوا يذبحون ذبائح لأصنامهم، فلولا أن عوضُا صنم لما ذبح له شيء، ولما حلف بالدماء التي حوله تعظيمًا على كونه صنمًا ذكره مع السعير.
وكلام المصنف من"الصحاح" قال فيه: وقال ابن الكلبي عوض في بيت الأعشى اسم صنم كان لبكر بن وائل، وأنشد: حلفت بمائرات. . البيت، وقد رجعت إلي كتاب"الأصنام" لابن كلبي، وهو أبو المنذر هشام بن محمد ابن السائب الكلبي، فلم أرى فيه"عوضًا" ولا بيت الأعشى، ولا هذا البيت،
ولا ذكر صنمًا لبكر بن وائل، مع أنه ذكر أصنام القبائل وسبب عبادتها،
وكيف أزالها النبي ﷺ ، وهو كتاب جيد في بابه، جمع فيه فأوعى، وكذا لم أرى
ذكرًا في كتاب"أيمان العرب" تأليف أبي إسحق إبراهيم بن عبد الله النُّجيرمي، جمع فيه ألفاظ أيمانهم
بأصنامهم وغيرها، وهو أيضًا كتاب جامع
стр. 1131
لعباراتهم، جيد في بابه. ولا هو مذكور في "تهذيب الأزهري" ولا "الجمهرة" لابن دريد، وقد ذكره الصاغاني في "العباب" تبعاً للجوهري، لكنه لم يسنده إلي ابن الكلبي، قال: وعوض: صنم كان لبكر بن وائل، وكذا قال ابن السيد في "شرح أبيات أدب الكاتب" وفي "شرح أبيات الجمل" وتبعه اللخمي، ولم ينسباه إلي أحد. وأما السعير، بزنة المصغر، فقد ذكره ابن الكلبي في كتاب "الأصنام" قال: وكان لعنزة صنم يقال له، سعير، فخرج ابن أبي حلاس الكلبي علي ناقته، فمرت به، وقد عترت عنده عنزة، فنفرت ناقته منه، فأنشأ يقول:
نفرت قلوصي من عتائر صرِّعت ... حول السُّعير يزوره ابنا يقدم
وجموع يذكر مهطعين جنابه ... ما إن يحير إليهم بتكلُّم
قال أبو المنذر: يقدم ويذكر: ابنا عنزة، فرأي بني هؤلاء يطوفون حول السعير. انتهي.
وقال الصاغاني في "العباب": والسُّعير، مصغراً: اسم صنم، ونقل كلام ابن الكلبي برمته كما نقلناه، وقال بعده: وقال رشيد بن رميض العنزي:
حلفت بمائراتٍ حول عوضٍ ... وأنصابٍ تركن لدي السُّعير
أجوب الأرض دهر إثر عمروٍ ... ولا يلفي بساحته بعيري
стр. 1132
ومن قال فيه: السعير، بفتح السين، فقد صحف. انتهي كلامه. وهذا إشارة إلي ما في "صحاح الجوهري" من كونه بفتح السين. وضبطه صاحب "القاموس" أيضاً بالتصغير.
وقوله: حلفت بمائرات أي، : بدماء مائرات. قال صاحب "العباب": ومار الدم يمور موراً: إذا جري علي وجه الأرض، ثم قال: والمائرات في قول رشيد بن رميض العنزي "حلفت بمائرات": الدماء، وكذا قال صاحب "الصحاح"قال ابن الكلبي بعد ذكر السعير: وكانت للعرب حجارة غبرٌ منصوبة يطوفون بها، ويعترون عندها، يسمونها الأنصاب، ويسمون الطواف بها الدوار، وفي ذلك يقول عامر ابن الطفيل، وأتي غني بن أعصر يوماً وهم يطوفون بنصب لهم، فرأي في فتياتهم جمالاً وهن يطفن [به] فقال:
ألا يا ليت أخوا لي غنياَّ ... عليهم كلَّما أمسوا دوار
وفي ذلك يقول عمرو بن جابر الحارثي ثم الكعبي:
حلفت غطيفٌ لا تنهنه سر بها ... وحلفت بالأنصاب أن لا يرعدوا
ثم أنشد أبياتًا أخر.
وقال أيضًا قبل هذا: ومن العرب من لم يقدر على صنم، ولا على بناء بيت، نصب حجرًا أمام
الحرم وأمام غيره مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت، وسموها الأنصاب، فإذا كانت تماثيل دعوها الأصنام والأوثان، وسموا طوافهم الدَّوار، فكان الرجل إذا سافر فنزل منزلاً أخذ أربعة أحجار فنظر إلي
стр. 1133
أحسنها، فاتخذه ربًّا، وجعل ثلاث أثافيٌ [لـ] قدره، وإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلاً آخر فعل مثل ذلك، فكانوا ينحرون ويذبحون عند كلها، ويتقربون إليها، وهم على ذلك عارفون بفضل الكعبة عليها، يحجونها ويعتمرون إليها، وكان الَّذين يفعلون [من] ذلك في أسفارهم إنما هو للاقتداء منهم بما يفعلون عندها، ولصبابتهم بها. وكانوا يسمون ذبائح الغنم التي يذبحون عند أصنامهم
[وأنصابهم تلك]:
العتائر، والعتيرة في كلام العرب: الذبيحه، والمذبح الذي يذبحون فيه لها: العتر، وفي ذلك يقول
زهير ابن أبي سلمى:
فزال عنها وأوفى رأس مرقبةٍ ... كناصب العتر دِّمى رأسه النُّسك
انتهى كلامه. وقوله: تركن: بالبناء للمجهول، وقوله: أجوب الأرض: هذا جواب القسم، وحذفت منه "لا" النافية، أي: لا أجوب الأرض، كقوله تعالي: (تالله تفتا تذكر يوسف) [يوسف/٨٥] أي: لا تفتأز وأجوب الأرض: أقطعها بالمسافة، ولا يلفي، أي: ولا يوجد، وقد أنشد صاحب "العباب" هذين البيتين في مادة "عوض" أيضاً، ورشيد، بالتصغير، وكذا رميض،
стр. 1134
وآخره ضاد معجمة: منسوب إلي عنزة - بالتحريك - وهو أبو حي من ربيعة، وهو عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
ورشيد: شاعر مخضرم، قال ابن حجر في "الإصابة": ذكره المرزباني وقال: هو مخضرم، وهو القائل في محرز بن المكعبر الضبي:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبرٍ ... كما كلِّ ضبِّيِّ من اللّوم أزرق
قال: وله أشعار في يوم الشيّطين، وهو يوم كان لبكر بن وائل علي بني تميم في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم
عسي
أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد المائتين:
(٢٤٥) يا أبتا علَّك أو عساكا
علي أن "عسي" فعل اتصل به ضمير نصب، قال سيبويه في "باب ما يكون مضمراً فيه الاسم متحولاً عن حاله إذا ظهر بعده الاسم": وذلك لولاك ولولاي، إذا أضمر فيه الاسم جر، وإذا أظهر رفع، ولو جاءت علامة الإضمار علي القياس لقلت: لولا أنت، ولكنهم جعلوه مضمراً مجروراً. وأما قولهم: "عساك" فالكاف منصوبة، قال الراجز، وهو رؤبة:
يا أبتا علَّك أو عساكا
стр. 1135
والدليل علي أنها منصوبة: أنك إذا عنيت نفسك، كانت علامتك: "ني" قال عمران بن حطان:
ولي نفسٌ أقول لها إذا ما ... تنازعني لعلّي أو عساني
فلو كانت الكاف مجرورة لقال: عساي، وكنهم جعلوها بمنزلة لعل في هذا الموضع، فهذان الحرفان لهما في الإضمار هذا الحال، كما كان ل"لدن" حالٌ مع "غدوة" ليست مع غيرها، وكما أن "لات" إذا لم تعملها في الأحيان، لم تعملها فيما سواها، فهي معها بمنزلة ليس، فإذا جاوزتها ليس لها عمل. إلي هنا كلام سيبويه. قال شارحه السيرافي: وأما عساك وعساني: ففيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: قول سيبويه، وهو أن "عسي" حرف بمنزلة لعل، ينصب بعدها الاسم، والخبر مرفوع بالتقدير، وإن كان محذوفاً، كما أن علك في قولك: "علك أو عساكا" خبره محذوف مرفوع، والكاف اسمها وهي منصوبة، واستدل علي نصب الكاف في عساك بقول عمران بن حطان، والنون والياء فيما آخره ألف لا يكون إلا للنصب.
والقول الثاني: قول الأخفش: أن الكاف والنون والياء في موضع رفع، وحجته أن لفظ النصب استعير للرفع في هذا الموضع، كما استعير له لفظ الجر في لولاي ولولاك.
والقول الثالث: قول أبي العباس المبرد: أن الكاف والنون والياء في عساك وعساني في موضع نصب ب"عسي" وأن اسمها مضمر فيها مرفوع، وجعله كقولهم:
стр. 1136
"عسى الغوير أبؤسًا" وحكى عنه أيضًا أنه قدم فيها الخبر لأنه فعل، وحذف الفاعل لعلم المخاطب، كما قالوا: ليس إلا، و"ليس" فعل صحيح لا يدخله الاختلاف. انتهى كلامه.
ولم يتكلم أبو علي فيما كتبه على كتاب سيبويه هنا، وقد بسط الكلام عليه في"إيضاح الشعر" وقد نقلنا كلامه في الشاهد الثامن والتسعين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي وفي البيت شاهدان آخران أيضًا، أحدهما ما ذكره سيبويه من أن فيه تنوين الترنم، قال: وأما ناس كثير من بني تميم فإنهم يبدلون مكان المدة النون
فيما ينوّن وفيما لا ينوّن، لمّا لم يريدوا الترّنم أبدلوا مكان المدة نونًا، ولفظوا بتمام البناء، وما هو منه،
كما فعل أهل الحجاز ذلك بحروف المد، سمعناهم يقولون للعجاج:
يا أبتا علَّك أو عساكن
انتهى. ثانيهما ما ذكره"شارح اللباب" من أن في"يا أبتا" الجمع بين عوضين، قال: التاء عوض من ياء المتكلم، وإنما جاز الألف دون ياء المتكلم، لأن التاء عوض عن ياء المتكلم، فيمتنع الجمع بين العوض والمعوّض، بخلاف الألف، فإن غايته أن يذكر عوضان، وهو غير ممتنع. انتهى. وزعم بعضهم أن فيه الجمع
بين العوض والمعوض مع قوله: إن الألف والتاء في أبتا عوضان من ياء المتكلم.
وقد خطأ أبو محمد الأعرابي رواية يا أبتا، وقال: إنما الرواية: "تأَّنيًا" وهو ضد عجلة. قال بن السيرافي في "شرح شواهد سيبويه": قال رؤية:
стр. 1137
تقول بنتي قد أنى إنا كا ... فاستعزم الله ودع عسا كا
يا أبتا علَّك أو عسا كا
انتهى. وتبعه من جاء بعده من شراح الشواهد، وقالوا تبعًا له: أنى: فعل ماض بمعنى قرب، والإنى، بكسر الهمزة والقصر: الوقت، أى: حان حين ارتحالك إلي سفر تطلب رزقًا، فسافر لعلك تجد رزقًا. أو: حان رحيلك إلي من تلتمس منه شيئًا تنفقه علينا. وعلك: بمعنى لعلك، والخبر محذوف. وزعم العيني وتبعه السيوطي أن"إناك" بفتح الهمزة والمدّ على وزن فعال، اسم من الفعل المذكور، لكنه قصر. وقد خطأ أبو محمد الأسود الأعرابي بن السيرافي في" فرحة الأديب" وهو انتقادات فيما زلّ به بن السيرافي في
"شرح شواهد سيبويه" قال: خلط بن السيرافي ههنا من حيث أن النوى أشباه، وصحف في كلمة من
البيت أيضًا، وهو قوله: "يا أبتا" وإنما هو: "تأنيًا" وسيأتيك بيانه في موضعه، وذلك أن قوله:
فاستعزم الله ودع عساكا
من أرجوزة، وقوله:
تأنّيًا علّك أو عساكا
من أرجوزة أخرى، فالتي فيها "فاستعزم ان" هى قوله يمد الحارث بن سليم الهجيمي:
تقول بنتي أنى إناكا ... فاستعزم الله ودع عساكا
ويدرك الحاجة مختطّاكا ... قد كان يطوى الأرض مرتقاكا
تخشى وترجى ويرى سناكا ... فقلت إِّني عائكٌ معاك
стр. 1138
غيثًا ولا أنتجع الأراه ... فابلغ بني أميَّة الأملاكا
بالشام والخليفة الملاَّكا ... وبخرسان فأين ذاكا
منّي ولا قدرة لي بذاكا ... أو سر بكرمان تجد أخاك
إنّ بها الحارث إن لاقاكا ... أجدي بسيبٍ لم يكن ركاكا
وهي أبيات ذكر منها القدر المحتاج إليه ههنا، والأرجوزة الأخرى مدح بها ابراهيم بن عربي، وهي:
لمّا وضعت الكور والوراكا ... عن صلبٍ ملاحكٍ لحاكا
أسرّ من إمسيِّها نسعاكا ... أصفر من هجم الهجير صاكا
تصفير أيدي العرس المداكا ... تأنيِّيًا علَّك أو عساكا
يسأل إبراهيم ما ألهاكا ... من سنتين أتتا دراكا
تلتحيان الطَّلح والأراكا ... لم تدعا نعلاً ولا شراكا
انتهى ما أورده أبو محمد الأعرابي، وقد رجعت إلي ديوانه فلم أجد شيئًا منهما في رجزه، وإنما هي من رجز والده العجاج، وقد تقدمت ترجمتاهما، والله أعلم وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد المائتين:
[٢٤٦] عسى الكرب الَّذى أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
стр. 1139
على أنه قد يأتي المضارع المجرّد من أن بعد مرفوعها، وهو قليل، قال سيبويه: واعلم أن من العرب من يقول: عسى يفعل، يشبهها يكاد يفعل، فيفعل حينئذ في موضع الاسم المنصوب في قوله ا:
"عسى الغوير أبؤسًا"، فذا مثل من أمثال العرب، أجروا فيه عسى مجرى كان، قال هدية: عسى الكرب الّذي أمسيت فيه. . البيت، وقال:
عسى الله يغني عن بلاد بن قادرٍ ... بمنهمرٍ جون الرَّباب سكوب
وقال:
فأمَّا كيِّسٌ فنجا ولكن ... عسى يغترُّ بي حمقٌ لئيم
انتهى. قال الأعلم: الشاهد في هذه الأبيات: إسقاط"أن" ضرورة، ورفع الفعل والمستعمل في الكلام أن يكون كما قال تعالى: ﴿عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ ربُّكَ﴾ [الإسراء/٧٩] و ﴿فعَسَى اللهُ أنْ يأتيَ بالفَتْحِ﴾ [المائدة/٥٢].
والمنهمر: السائل، والجون، بفتح الجيم: الأسود، والرباب، بالفتح: السحاب، والحمق، بكسر الميم: الأحمق. وكذا قال بن عصفور في كتاب"الضرائر" وبعد أن ساق هذه الأبيات وغيرها قال: وما ذكرته من استعمال الفعل الواقع في موضع خبر"عسى" بغير"أن" ضرورة هو مذهب الفارسي، وجمهور البصريين، وظاهر كلام سيبويه يعطى أنه جائز في الكلام، لأنه قال: واعلم أن من العرب من يقول: عسى يفعل، تشبيهًا بكاد، فأطلق القول، ولم يقيد ذلك في الشعر، إلا أنه ينبغي أن لا يحمل كلامه على عمومه،
لما ذكره أبو علي من أمها لا تكاد تجئ بغير"أن" إلا في ضرورة، وأيضًا فإن القياس يقتضي أن لا يجوز ذلك إلا
стр. 1140
في الشعر، لأن استعمالها بغير"أن" إنما هو بالحمل على كاد، لشبهها بها من حيث جمعتهما المقاربة.
وكاد محمولة في استعمالها بغير"أن" على الأفعال التي هي للأخذ في الشروع من جهة أنها لمقاربة ذات الفعل، فقربت لذلك من الأفعال التي هي للأخذ في الفعل، وليست عسى كذلك، لأن فيها تراخيًا،
ألا ترى أنك تقول: عسى زيد أن يحج العام? وإنما عدّت في أفعال المقاربة، مع ما فيها من التراخي، من جهة أنها تدخل على الفعل المرجو، والفعل المرجو قريب بالنظر إلي ما ليس بمرجو، فلما كانت محمولة في استعمالها بغير"أن" عللا ما هو محمول على غيره؛ ضعف الحمل، فلم يجئ إلا في الضرورة. انتهى.
والبيت من قصيدة لهدبة بن خشرم قالها في الحبس، وهي:
طربت وأنت أحيانًا طروب ... وكيف وقد تعلاّك المشيب
يجدُّ النَّأي ذكرك في فؤادي ... إذا ذهلت على النَّأي القلوب
يؤِّرقني اكتئاب أبي نميرٍ ... فقلبي من كآبته كئيب
فقلت له هداك الله مهلاً ... وخير القول ذو اللُّبِّ المصيب
عسى الكرب الَّذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرجٌ قريب
فيأمن خائفٌ ويفكَّ عانٍ ... ويأتي أهله الرجل الغريب
ألا ليت الرياح مسخَّراتٌ ... بحاجتنا تباكر أو تؤوب
فتخبرنا الشَّمال إذا أتتنا ... وتخبر أهلنا عنا الجنوب
فإنا قد حللنا دار بلوى ... فتخطئنا المنايا أو تصيب
فإن يك صدر هذا اليوم ولّى ... فإنَّ غدًا لناظره قريب
стр. 1141
وبعد هذا أبيات كثيرة. وقد ذكرنا سبب حبسه مجملاً في الإنشاد الواحد والثلاثين بعد المائة، مع ترجمته من أنه كان قتل ابن عمه، وما خرج من الحبس إلا عند القود قصاصًا. وقد ذكرنا قصته مبسوطة في الشاهد الخمسين بعد السبعمائة مع شرح القصيدة من"شوهد الرضي".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد المائتين:
(٢٤٧) أكثرت في اللَّوم ملحًّ دائما ... لا تكثرن إنِّي عسيت صائما
على أن مجيء خبرها اسمًا مفردًا أقل مما تقدم. قال المصنف في"شرح أبيات بن الناظم": طعن في هذا البيت عبد الواحد الطراح في كتابه"بغية الآمل ومنية السائل" فقال: هو بيت مجهول، لم ينسبه الشراح إلي أحد، فسقط الاحتجاج به، ولو صحَّ ما قاله لسقط الاحتجاج بخمسين بيتًا من كتاب سيبويه، فغن فيه ألف بيت قد عرف قائلوها، وخمسين بيتًا مجهولة القائلين، انتهى. أقول: الشاهد الذي جهل قائله إن أنشده ثقة كسيبويه وابن السراج والمبرد ونحوهم، فهو مقبول يعتمد عليه، ولا يضر جهل قائله، فإن الثقة لو لم يعلم أنه من شعر من يصح الاستدلال به ما أنشده. ومراد عبد الواحد
أنه لم ينسبه
стр. 1142
الشراح إلي أحد ممن أنشده من الثقات، أو إلي قائل معين يحتج بكلامه.
ثم قال المصنف: وقد حرف ابن الشجري هذا الرجز فأنشده:
قم قائمًا قم قائما ... إنِّي عسيت صائما
وإنما"قم قائمًا" صدر رجز آخر يأتي في باب الحال يأتي في باب الحال، ولا يتركب قوله:
"إنيّ عسيت صائمًا" عليه، بل أصله:
أكثرت في العذل ملحًّا دائما ... لا تكثرن إنِّي عسيت صائما
فإن معناه: أيها العاذل الملحُّ في عذله، إنه لا يمكن مقابلة كلامك بما يقابله من السب، فإنني صائم. وهو مقتبس من الحديث: "فليقل إني صائم" ويروي: "لا تلحني" مكان "لا تكثرون" وهو بفتح التاء، يقال:
لحيته ألحاه لحيًا: إذا لمته، والشاهد في قوله: "صائمًا" فإنه اسم مفرد جيء به خبرًا ل"عسى" كذا قالوا،
والحق خلافه، وإن"عسى" هنا فعل تام خبري، لا فعل ناقص إنشائي، يدلك على أنه خبري وقوعه خبرًا
ل"إن" ولا يجوز بالاتفاق: إن زيدًا هل قائم? وأن هذا الكلام يقبل التصديق والتكذيب! وعلى هذا فالمعنى: إني رجوت أن أكون صائمًا، فصائمًا خبرًا ل"كان" وأن والفعل مفعول ل"عسى"، وسيبويه يجيز حذف أن والفعل إذا قويت الدلالة على المحذوف، ألا ترى انه قدر في قوله: "من لد سولاً": من لد
أن كانت سولاً، ومن وقوع عسى فعلا
стр. 1143
خبريًا قوله تعالى: ﴿هلْ عَسَيْتُم إنْ كُتِبَ عَلْيكُم القتالُ أنْ لا تُقاتِلوا﴾ [البقرة/٢٤٦] ألا ترى أن الاستفهام طلب، فلا يدخل على الجملة الإنشائية، وأن المعنى: فقد طمعتم أن لا تقاتلوا إن كتب عليكم القتال. وما يحتاج إلي النظر قول القائل: "عسى زيد أن يقوم" فإنك إن قدرت عسى فيه فعلاً إنشائيًا،
كما قال النحويون، أشكل، إذ لا يسند فعل الإنشاء إلا إلي منشئه، وهو المتكلم، كبعت واشتريت وأقسمت وقبلت وحررتك، وأيضًا فمن المعلوم أن زيدًا لم يترج وأن المترجي المتكلم، وإن قدرته خبرًا
كما في البيت والآية، فليس المعنى على الإخبار، ولهذا لا يصح تصديق قائله ولا تكذيبه، فإن قلت: نخلص من هذا الإشكال أنهم نصوا على أن"كان" وما أشبهها أفعال جارية مجرى الأدوات، فلا يلزم فيها حكم سائر الأفعال؛ قلت: قد اعترفوا مع ذلك بأنها مسندة، إذ لا ينفك الفعل المركب عن الإسناد إلا إن كان زائدًا أو مؤكدًا، على خلاف في هذين أيضًا. وقالوا: إن"كان" مسندة إلي مضمون الجملة، وقد بينا أن الفعل الإنشائي لا يمكن إسناده لغير المتكلم، وإنما الّذي يخلص من الإشكال أن يدعّى أنها هنا حرف بمنزلة لعل، كما قال سيبويه والسيرافي بحرفيتها في نحو: عساي وعساك وعساه. وقد ذهب أبو بكر وجماعة إلي أنها حرف دائمًا، وإذا حملناها على الحرفية زال الإشكال؛ إذ الجملة الإنشائية حينئذ
اسمية لا فعلية، كما تقول: لعل زيدًا يقوم فاعرف الحق ودع التقليد، واستفت نفسك وإن أفتاك الناس.
هذا آخر كلام المصنف، وهو غاية في التحقيق الّذي لا يبقي في النفس شبهة، والله أعلم.
وقال أبو حيان في" تذكرته": جمد عسى لأن الترجي في الحقيقة راجع إلي نفس المتكلم لا إلي المخبر عنه، وعسى قريب المعنى من لعل، وهو حرف لأن كلاً منهما يدل على تجويز الفعل وتوقع حدوث منه، من أجل ذلك أدخلوا عسى على"لعل" في نحو:
стр. 1144
يا أبتا علَّك أو عساكا
كما أدخلوا لعل على عسى في نحو:
تبغَّ خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلَّك يومًا أن تجاب وترزقا
والفرق بينهما أن" عسى" موضوع على الترجي والإشفاق، ولعل قد تخلو من ذلك، بحيث لا تدل إلا على محض تجويز، كما في قول الهذلي:
لعلَّك إمَّا أمُّ عمرٍ وتبدَّلت ... سواك خليلاً شاتمي تستخيرها
وكما قال عمرو ابن أبي ربيعة:
ودنا فقال لعلَّها معذورةٌ ... في بعض رقبتها فقلت لعلَّها
انتهي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد المائتين:
(٢٤٨) عسي طيّيٌ من طيِّئٌ بعد هذه ... ستطفئ غلاّت الكلي والجوانح
стр. 1145
علي أن اقتران الفعل الواقع خبراً لها بالسين نادر، وسهل اقترانها به كونها قائمة مقام "أن" لكونهما للاستقبال. قال الزمحشري في "المفصل" ولما انحرف الشاعر في هذا البيت عما عليه الاستعمال جاء بالسين التي هي نظيرة "إن"
يعني: لما يأت الشاعر بما حقه أن يجئ به مع عسي في لخبر، وهو "أن" في خبر لعل حملاً علي عسي، دخل السين في خبر عسي حملاً علي لعل.
وقال المرزوقي: عسي: لفظة وضعت للترجي والتأميل، إلا أنها تؤذن بأن الفعل مستقبل مطموع في، فيجب أن يستأني له، وإن كانت من أفعال المقاربة، وبهذا تبين عن لفظة كاد، لأن كاد لمشارفة الفعل؛ فهو يلي الفعل بنفسه، تقول: كاد زايد يفعل كذا، و "عسي" يحول بينه وبين لفعل "أن" يدل علي هذا أنه قال: " ستطفئ غلات الكلي والجوانح " لما كان من شرط عسي أن يجئ بعده "أن" إيذانا بالاستقبال جعل السين بدل "أن" لأنه اشتهر في الدَّلالة علي الاستقبال، وإنما قال: "عسي طيئ من طيئ" لأن القتال كان بين بطينين منهما، وقوله: "بعد هذه" إشارة إلي الحالة الحاضرة. والجوانح: جمع جانحة، وهي الضاوع القصار، والمعني: المطموح فيه من أولياء الدَّم أن يطلبوا الثأر في المستقبل، وإن كانوا أخروه إلي هذه الغاية، فتسكن نفوس وتبرد قلوب. انتهي.
والبيت آخر أبيات أربعة أوردها أبو تمام في باب المرائي من "الحماسة" وعزاها لقسام بن راوحة السنبسي، وقبله:
стр. 1146
لبئس نصيب القوم من أخويهم ... طراد الحواشي واستراق النَّواضح
وما زال من قتلى رزاحٍ بعالجٍ ... دمٌ ناقعٌ أو جاسدٌ غير ما صح
دعا الطَّير حتَّى أقبلت من ضرَّيةٍ ... دواعي دمٍ مهراقه غير بارح
عسى طيِّئٌ من طيِّئٍ ... . . . . . البيت
ويريد بأخويهم: صاحبيهم، يقال: يا أخا بكر، يراد: يا واحدًا منهم.
والحاشية: صغار الإبل ورذالها، والنواضح: جمع ناضحة، وهي الإبل التي يستقى عليها الماء، جعلت كأنها تنضح الزرع والنخل، "وطراد" وما عطف عليه: بدل من نصيب، يقول: إنهم لا يقدمون على القوم، ويغزون على حواشيها دون جلتها، لأن الصبيان يرعونها، يعني: بلغ من جبنهم أن لا يتعرضوا للرعاة، إلا سرقة يسرقون النواضح، ويطردون الحواشي، فيرضون بذلك من طلب الثأر، فبئس العوض ذلك من دم أخويكم! يهزأ بهم. وهذا تعريض بمن وجب عليه طلب الدَّم، فاقتصر على الغارة وسرقة الإبل، وفيه بعث على طلب الدَّم، وأكد ذلك بقوله: وما زال من قتلى رزاح .. الخ هو براء مفتوحة، وزاي فحاء مهملة: قبيلة من خولان، وقتلى: جمع قتيل، وعالج بالجيم: موضع بالبادية فيه رمل، والدَّم الناقع بالنون والقاف، قيل: الثابت، وقيل: الطريّ. والدَّم الجاسد بالجيم، قيل: القديم، وقيل: اليابس والماصح بالصاد المهمله؛ من مصح- كمنع- مصوحًا: ذهب وانقطع، يقول:
لا يزال من مقتولي هذه القبيلة بهذا المكان دم طريّ ويابس غير زائل، يعني: أن دماءهم باقية بحالها
ما لم يثأروا بها، لأن غسل تلك الدماء إنما يكون بما يصب من دماء أعدائهم، ولم يكتف بهذا الإغراء
حتى قال: دعا الطير .. الخ، يقول: دعا دواعي دماءهم طيور الأماكن البعيدة، والجبال المطلة، حتى أتت
стр. 1147
سباعها وطيورها، فوقعت عليها تأكل منها. ومهراقه: الهاء ضمير الدم، يعني: أنه مصبوب في موضعه
لم يزل ولم يحل، وضربة: اسم بلاد سميت بضربة بنت ربيعة بن نزار، وطيّئ: مهموز الآخر على وزن
السيِّد، وفد تحذف الهمزة فيبقى على وزن حي، والكلى: جمع كلية أو كلوة، قال بعضهم: الغلة حرارة العطش، وهي إنما تكون في القلب، ولكنه أراد المبالغة، أي:
تجاوز [القلب] والكبد إلي الكلية، وقال الخوارزمي: إن سئل: أى غلة للكلى حتى أضيفت إليها? أجيب بأن المزاج عند ورود الهموم والأحزان عليه مما ينفعل ويسخن، فإذا سخن المزاج حمى البول واحتد، والبول ممره على الكلى، فكأنه قال: ستطفئ الغلل التي يظهر أثرها في البول، هذا كلامه.
وقائل هذه الأبيات شاعر جاهلي، وهو في بعض نسخ"الحماسة" قسام بن رواحة، وفي بعض آخر منها: قسامة بن رواحة، بزيادة الهاء، وقسام بفتح القاف وخفة السين. وقيل: هو سنبسي، وقيل: عنبسي،
وقد أورده الآمدي في"المؤتلف والمختلف" في من يقال له: ابن رواحة، قال: ومنهم قسام بن رواحة الهنبسي، ليس له عندي في شعراء طي ذكر، وأنشد له الطائي في"الحماسة": لبئس نصيب القوم. .
الأبيات الأربعة، ولم يرفع نسبه، وقد رفعنا نسبه في الشاهد الواحد والخمسين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد المائتين:
(٢٤٩) يا ابن الزُّبير طالما عصيكا
стр. 1148
على أن الكاف بدل تصريفي من التاء، والأصل عصيت بالخطاب، قال بن جني في"سر الصناعة": أبدل الكاف من التاء لأنها أختها في الهمس، وكان سحيم إذا أنشد شعرًا قال: أحسنك والله، يريد، أحسنت انتهى.
وقال أبو علي في"المسائل العسكرية" قال أبو الحسن الأخفش: إن شئت قلت: أبدل من التاء الكاف لاجتماعهما في الهمس، وإن شئت قلت: أوقع الكاف [موقعها]، وإن كان في أكثر اللغات للمفعول لا للفاعل، لإقامة القافية، ألا تراهم يقولون: رأيتك أنت، ومررت به هو، فيجعل علامات الضمير المختص
بها بعض الأنواع في أكثر الأمر موقع الآخر، ومن ثم جاء"لولاك" وإنما ذلك لأن الاسم لا يصاغ معربًا،
وإنما يستحق الإعراب بالعامل، انتهى.
والإبدال التصريفي هو أن يؤتي حرف عوضًا عن حرف آخر، احترز به عن إبدال ضمير مكان ضمير بالإنابة، كقولهم: ما أنا كأنت، قال أبو حيان في"شرح التسهيل": وقوله المصنف في "عصيكا" إنه من وضع ضمير النصب موضع ضمير الرفع غير صحيح، لأن الفارسي وغيره ذكروا أن هذا من إبدال التاء
الضمير كافًا، وهو من شاذ البدل، : ويدل على أنه من باب البدل تسكين آخر الفعل في قولهم: عصيك، ولو كان ضمير نصب لم يسكن، كما لم يسكن في عساك ورماك، انتهى. قال ناظر الجيش:
ولاشك أن القول بالبدل محتمل، والقول بنيابة ضمير عن ضمير محتمل أيضًا، فلا يرفع أحد الاحتمالين بالآخر، وأما التسكين فلا شك أنه يقوي دعوى الأخفش، لأن الضمير وإن كان ضمير نصب قد وضع
موضع ضمير الرفع وأسند الفعل إليه، فوجب إعطاء الفعل الحكم الذي يستحقه حين إسناده إلي الضمير
الموضوع للرفع، انتهى.
أقول: قد رجع ابن مالك في أول باب الإبدال من"شرح الكافية" إلي القول بالإبدال التصريفي قال عند ذكره إبدال الياء جيمًا في قوله:
стр. 1149
ياربِّ إن كنت قبلت حجَّتج
ما نصه: هذا النوع من الإبدال جدير بأن يذكر في كتب اللغة لا في كتب التصريف، وإلا لزم أن تذكر العين، لأن إبدالها من الهمزة المتحركة مطرد في لغة تميم: ويسمى ذلك عنعنة تميم، وكان أيضًا
يلزم أن تذكر الكاف لإبدالها من تاء الضمير، كقول الراجز:
يا ابن الزُّبير طالما عصيكا
أراد: عصيت، وأمثال هذا من الحروف المبدلة من غيرها كثيرة، وإنما ينبغي أن يعتد في الإبدال التصريفي بما لو يبدل، وقع في الخطأ، أو مخالفة الأكثر، فالموقع في الخطأ كقولك في مال: مول، والموقع في مخالفة الأكثر كقولك في سقاءة: سقاية، انتهى كلامه.
والبيت أول أبيات ثلاثة أوردها أبو زيد في"نوادره" ونسبها لراجز من حمير، وبعده:
وطالما عنَّيتنا إليكا ... لنضربن بسيفنا قفيكا
وتبعه صاحب"الصحاح" في مادة السين المهملة وقد استشهد بالبيت الثالث المحقق على أنه قد جاء في ضرورة الشعر، كما في"قفيكا" قلب الألف ياء مع الإضافة إلي كاف الضمير، والأصل قفاكا، فأبلت الألف ياء، وإنما كان سبيل هذا الشعر لأنه ليس مع ياء المتكلم، فإنها تقلب معه ياء نثرًا ونظمًا عند هذيل؛ وإنما قيد بكاف الضمير لأن السماع جاء معه، وظاهر كلام أبي علي في"المسائل العسكرية"
لا يختص هذا بالشعر، فإنه وأما إبدال الياء من الألف في
стр. 1150
"قفا" في الإضافة فإنما كما أبدلت الألف منها فيمن قال: رأيت هذان، أي للتقارض، وقالوا أيضًا: عليك وإليك، وقد اطرد هذا في بعض اللغات نحو: هويّ ونويّ وقفيّ، فأبدلت الياء من ألف هواي ونواي وقفاي، كما أبدلت الألف منها في حاحيت وعاعيت، حيث أريد إزالة التضعيف فيه، كما أريد من نظيره من الواو وهو ضوضيت وقوقيت، هذا كلامه.
وقد روى الزجاجي في آخر"أماليه الكبرى" هذا الرجز كذا:
يا ابن الزُّبير طالما عصيكا ... وطالما عنَّيكا إليكا
لنضربن بسيفنا قفيكا ... ..... .....
أورده في باب التاء والكاف في المكني، يقال: ما فعلت وما فعلك، وقال: يريد: عصيت وعنيت، انتهى.
ومعنى عنيتنا: أتعبتنا بالمسير إليك، والنون في لنضربن: نون التوكيد الخفيفة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد المائتين:
(٢٥٠) فقلت عساها نار كأسٍ وعلَّها ... تشكّي فآتي نحوها فأعودها
على أن خبر عسى قد ظهر مرفوعًا. في"شرح التسهيل": بعض العرب صرح بعد"عسى" المتصل بها ضمير النصب بالاسم مرفوعًا مكان"أن يفعل" فقال: فقلت عساها نار كأس. . البيت، وقالوا: هذا قاطع ببطلان مذهب أبي الحسن الأخفش، إذ قال: "نار" بالرفع، ولو كان في موضع نصب لقال: "نارًا"
стр. 1151
بالنصب، ومن ثم قال صاحب"البسيط": ولو ظهر الخير بغير أن يفعل لافتضح الأخفش، انتهى.
قال الدماميني: والبيت يحتمل وجهين آخرين، أحدهما: أن يكون"نار كأس" اسم عسى، والضمير المنصوب نائبًا عن ضمير الرفع وهو مثل: عسى زيد قائم، على ما حكاه ثعلب، وعلى كلا الوجهين لا يتم الرد. انتهى. أقول: لا يصح الأول لأن المراد الإخبار عن النار التي رآها بأنها نار كأس، لا العكس، وكذا لا يصح الثاني لأن أبا حيان قال: هذا شيء، لا يعرفه البصريون، ولو كان كما زعم لكان ثابتًا في نظمهم أو نثرهم، ولا نحفظه جاء من كلامهم، انتهى.
وعلى تقدير ثبوته فهو نادر جدًا، وتخريج المصنف إياه على إضمار ضمير الشأن في عسى، قال الرضي: هذا الإضمار ليس بمشهور من أفعال المقاربة إلا في كاد، ومن [الأفعال] الناقصة إلا في كان وليس، انتهى.
والبيت من قصيدة لصخر بن الجعد الخضري ومطلعها:
تذكَّرت كأسًا إذ سمعت حمامةً ... بكت في ذرا نخلٍ طوالٍ جريدها
دعت ساق حرِّ فاستجيب لصوتها ... موَّلهة لم يبق إلاّ شريدها
فيا نفس صبرًا كلُّ أسباب واصلٍ ... سيملى لها أسباب صرمٍ يبيدها
وليلٍ بدت للعين نارٌ كأنَّها ... سنا كوكبٍ لا يستبين خمودها
فقلت عساها نار كأسٍ وعلَّها ... تشكِّي فأمضى نحوها فأعودها
فتسمع قولي قبل حتفٍ يصيبني ... تسرُّ به أو قبل حتفٍ يصيدها
كأن لم نكن يا كأس إلفي مودَّةٍ ... إذ النّاس والأيّام ترعى عهودها
стр. 1152
وأنشد هذه الأبيات أبو حيان في"تذكرته". كأس: اسم امرأة، وذرى: جمع ذروة-بالكسر- وهي أعلى الشيء، وطوال بضم الطاء: بمعنى الطويل، وساق حر: ذكر القمري، وقوله: فاستجيب بالبناء للمفعول، ومولهة: حال من ضمير دعت، وهي الشديدة الحزن والجزع، وأراد بشريدها روحها الشارده. وقوله: سيملى، بالبناء للمفعول، وصرم بالفتح مصدر، وبالضم: الاسم من صرمه صرمًا-من باب ضرب- إذا قطعه، ويبيدها: مضارع أباده، أي: أتلفه، وقوله: وليل بدت، الواو: واو رب، وبدت: ظهرت، والسنا، بالقصر: الضوء، واستبان: ظهر، وخمدت النار: سكن لهبها وبقي جمرها، يريد أنها توقد طول الليل، وذلك مدح عند العرب يدل على كرم صاحبها، وعلّها: لغة في لعلها، وتشكى: أصله تتشكى بتاءين من الشكوى، وهو الوجع والمرض، والحتف: الموت والهلاك.
قال صاحب"الأغاني": صخر بن الجعد الخضري: أحد بني جحاش بن سلمة ابن ثعلبة بن مالك بن طريف بن مالك بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، وكان مالك بن طريف شديد الأدمة، وخرج ولده ليلة فقيل لهم: الخضر، والعرب تسمى الأسود الأخضر، وهو شاعر فصيح من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، وقد كان تعرض لابن ميادة لمّا انقضى ما بينه وبين الحكم الخضري من المهاجاة، ورام أن يهاجيه فترفع بم ميادة عنه، وكان صخر مغرمًا بكأس بنت بجير بن سعد بن كعب بن جندب ينسب بها، فلقيه أخوها وقّاص وكان شجاعًا، فقال له: يا صخر إنك نسبت بابنة بجير، ولعمري ما بها عنك مذهب، ولإ لنا عنك مرغب، فإن كانت لك بابنة عمك حاجة فهلمّ أزوجكها، وإن لم يكن لك فيها حاجة فلا أعلم ما عرضت لها ولا أسمعه منك، فو الله إنفعلت ذلك
стр. 1153
ليخالطنَّك السيف، فقال له صخر: بلي، والله إن بي لأسد الحاجة إليها، فوعده موعداً، فخرج صخر لموعده حتي نزل بالقوم، فنزل منزل الضيف، فقام وقاص فذبح وجمع أصحابه، وأبطأ صخر عل يهم، فلما رأي ذلك بعث إليه أن هلمّ لحاجتك، فأبطأ، فأبطأ ورجع الرسول، فقال: ما رأيته إلا بطيئاً، واستأناه وقاص فأبطأ، فلما رأي فعله غضب وقَّاص، وعمد إلي رجل من الحي ليس يعدل بصخر يقال له حصن، فحمد لله وأثني عليه، وزوجه وافترق القوم، فمروا بصخر فأعلموه تزويج كأس حصناً، فرحل عنهم تحت الليل، واندفه يهجوها بالأبيات التي منها:
وانكحها حصنا ليطمس حملها ... وقد حبلت من قبل حصنٍ وجرَّت
[أي: زادت علي تسعة أشهر، قال: ] وترافع القوم إلي والي المدينة طارق، مولي عثمان، فأقاموا عليه البينة بقذف كأس، فضربه وعاد إلي قومه، وأسف علي ما فاته من تزويج كأس، وطفق يقول فيها الشعر، فمما قاله:
تذكَّرت كأساً إذ سمعت حمامةً. . البيت
وكان صخر خدناً لعوام بن عقبة، وكان عوام يهوي امرأة من قومه يقال لها سوراء، فماتت فرئاها، فلما سمع صخر المرئية قال: وددت أن أعيش حتي تموت كأس فأرثيها، فماتت كأس فرئاهان فقال:
علي أمِّ داود السَّلام ورحمةٌ ... من الله تجري كلَّ يومٍ تعودها
عل
أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد المائتين:
(٢٥١) يا ربَّ يومٍ لي لا أظلَّله ... أرمض من تحت وأضحي من عله
стр. 1154
على أن الهاء في"عله" لسكت، قال أبو حيان في"تذكرته": أنشد الكوفيون من قبول أبي ثروان:
يارب يوم لي. . الخ، قال أبو علي: هذا البيت مشكل، لا يكون هاء الضمير لأنه يقول من عله،
ولا تكون هاء السكت، لأنها إنما تلحق المبني الذي حركته لازمة، فلا تلحق ما أشبه المعرب، ولا
كان ما هي فيه متمكنًا في موضعٍ ما، فلا يقال: فبله ولا زيده ولا رجله، ولا خمسة عشره ولا ضربه، و"عل" من باب"قبل"، قال: وعندي فيه وجه لطيف وهو أن تكون هاء الضمير، وأصله: من عله، فكن آخر"عل" للضرورة، فعادت الهاء إلي ضمها فصار في التقدير: من عله، ثم نقلت حركة الهاء إلي اللام، كما قالوا: منه وعنه في: منه وعنه، فصار من عله، فضمة اللام هي ضمة هاء الضمير،
انتهى.
وأجاب ابن الخشاب، على ما نقله العيني، أن الهاء بدل من الواو، والأصل: عاو، فأبدلوا الواو هاء، كما أبدلوا في يا هناه، والأصل: يا هناو، لأنه فعال من هنوك، ومنه قولهم: عاملته مساناة ومسانهة،
فالهاء في مسانهة لامة واو، لقولهم: سنوات، انتهى.
وقول بن الملا فيه: إن الهاء إنما تبدل من حرف أصلي، والواو في"عاو" إنما حدثت من إشباع الضمة
سهو منه أو قصور، فإن الكلمة في الأصل ثلاثية معتلة اللام بالواو، وفيها لغات كثيرة.
قال ابن يعيش: اعلم أنهم يقولون: جئته من عل، ومعناه: من فوق، وفيه لغات: من علٍ؛ منقوص كشجٍ، ومن عالٍ كقاضٍ، ومن معالٍ، ومن علا بالقصر، ومن عل؛ بضم اللام، ومن عاو؛ مثلث الواو، فهذه
стр. 1155
اللغات وإن اختلفت ألفاظها فالمراد بها معنى واحد وهو فوق، وفوق لا ينفك عن الإضافة، لأنه إنما
يكون فوقًا بالنسبة إلي ما يضاف إليه كقبل وبعد، فوجب أن يكون"عل" وسائر لغاتها مضافة،
فإذا أضيف إلي معرفة، أو قطع عن الإضافة، وكان المضاف إليه مرادًا منويًا؛ كان معرفة، وبني لتنزيله
منزلة بعض الاسم، وإن قطع النظر عن المضاف إليه كان معربًا منكورًا، وكذلك لو أضفته إلي نكرة
وقطعته عنه كان معربًا أيضًا لأنه منكور، فمعناه مع قطع الإضافة كمعناه مضافًا، فإذا قلت:
جئت من عل، بالخفض، جعلته منكورًا، كأنك قلت: من فوق، ويحتمل أن تكون الكسرة إعرابًا
وهو محذوف اللام، ويحتمل أن تكون الكسرة فيه بناء، وكسرة الإعراب محذوفة لثقلها على الياء
التي هي لام مبدلة من واو، والياء حذفت لكون التنوين على حد قاض، فإذا قلت: من عل بالضم،
فهو معرفة محذوفة اللام، والضم فيه كقبل وبعد، وإذا قلت: عاو؛ مثلث الواو،
فقد تممت الاسم ولم تحذف منه شيئًا، فمن قال: عاو، بالكسر أو الفتح، فكأنه توهم فيه الحركة
لالتقاء الساكنين، فالكسر على الأصل، والفتح للخفة.
وكذلك من قال: علا، وجعله مقصورًا، فهو أيضًا تام، وألفه منقلبة عن الواو، فإن نوى فيه المضاف إليه وجعله معرفة كانت الألف في تقدير ضمة، ومن جعله نكرة كانت اللف في تقدير كسرة، كما يكون"عصا" كذلك، وكذلك عالٍ ومعالٍ، فهو تام وإذا كان نكرة كان مجرورًا ونون، وإذا كان معرفة حذف منه التنوين، وكان بالياء، وكانت الضمة منوية، وهذا آخر كلام ابن يعيش، ولم يتعرض لاستعماله غير مضاف حتمًا، كما زعمه المصنف ونسب إلي الوهم من جوز استعماله مضافًا.
وقوله: يارب يوم. . الخ، قال ابن مالك في"شواهد التوضيح": يظن أكثر الناس أن"يا" التي تليها
"ليت" حرف نداء والمنادى محذوف، وهذا
стр. 1156
ضعيف، لأن قائل"ياليتني" قد يكون وحده، فلا يكون معه منادى، وإنما"يا" للتنبيه، إلي أن قال: ومثل
"يا" الواقعة قبل ليت في تجردها للتنبيه"يا" الواقعة قبل حبذا، وقب"رب" في قوله:
ياربَّ سارٍ بات ما توسَّدا
انتهى. وزعم العيني أن"يا" للنداء، والمنادى محذوف. وقوله: لا أظلله، بالبناء للمفعول: هو من باب الحذف والإيصال، والأصل: لا أظلل فيه، فحذف" في" توسعًا، وانتصب الضمير بالفعل، وبه استشهد ابن الناظم.
وقوله: أرمض من تحت، بالبناء للفاعل: من رمضت قدمه، من باب تعب: إذا احترقت من الرمضاء، وهي الأرض الحامية من حرّ الشمس، وتحت: بالبناء على الضم، والأصل من تحتي، وكذا أضحى بالبناء للفاعل، قال الأزهري: قال الليث: ضحي الرجل يضحي ضحيّ إذا أصابه حرُّ الشمس، انتهى.
وهذا أيضًا من باب تعب، وقال العيني: إنهما بالبناء للمفعول، وتبعه السيوطي، وهو خطأ لأن كلا منهما فعل لازم مسند إلي ضمير المتكلم.
وأبو ثروان: من جملة الأعراب الذين كانوا ملازمين بباب الخلفاء، تؤخذ عنهم اللغة والأشعار والنوادر، وكان أبو ثروان ممن يلازم الكسائي، قال محمد ابن الحسين اليمني في"طبقات النحويين":
ومن الأعراب الذين سمع منهم الغريب: أبو الوليد الرباحي وله شعر، وأبو مهدية وأبو الجراح العقيلي وأبو طفيلة وأبو خيرة وأبو الرقيش، ومن أعراب الكسائي: أبو فقعس وأبو ثروان وأبو الحصين وغيرهم، انتهى. وتفسيرالفراء مشحون بالنقل من هؤلاء، قال ياقوت في"معجم
стр. 1157
الأدباء" كان أبو ثروان أعرابيًا ببدويًا تعلم في البداية, كذا ذكره يعقوب بن السكبت, ووجد يخطه: وكان فصيحًا. قال محمد بن إسحق: وله من الكتب كتاب"خلق الفرس" كتاب "معاني الشعر" وهو عكلي, وعكل, بضم العين وسكون الكاف: اسم امرأةحضنت ولد عوف بن وائل بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر, وهي أمة لهم, وبنو عوف [ابن وائل] هم: الحارث وجشم وسعد وعلي [وقيس] وغلب نسبهم إليها, وكل من ولده واحد من هؤلاء كان علكيًا, انتهى. ورأيت في "أمالي ثعلب": أنشد, يعني ابن الأعرابي:
ظلَّت وظلَّ يومها حوب حلي ... وظلًّ يوم لأَّبي الهجنجل
قال: يقال: حوب حلي, بالرفع والنصب والخفض, وأبو الهجنجل: كنيته, ضاحي المقيل دائم التَّبذل ... ما أنا يوم الورد بالمظلَّل
عنيّ ولا بالذائد المنقَّل ... بين العمودين عليَّ مبذلي
أرمض من تحت وأضحى من على انتهى وعلى هذا لا إسكال فيه, والياء إن كانت ضمير المتكلم فهو معرفة كالظرف قبله, وإن كانت مبدله من الواو فهو معرفة أيضًا, لأنه مبني على ضمة مقدرة كما مضى في كلام ابن يعيش, وكما يأتي بيانه في البيت الآني عن ابن جني. وقال الصاغاني في "العباب": وأبو الهجنجل رجل؛ أنشد ابن جني:
ظلَّت وظلَّ يومها جوب حلى ... وظلَّ يوم لأبي الهجنجل
стр. 1158
فدخول لام التعريف فيه مع العلمية يدل على أنه نالأصل صفة كالحارث والعباسي, انتهى وحوب , يفتح الحاء النهملة, في" العباب" وحوب مثلث الباء بالحركة, وحوب مثلث الباء بالتنوين, إذا نكر: زجرللإبل, وفي الحديث أن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر قال: "آيبون لربا حامدون, حوبًا حوبًا" معاه: سيراً سيراً, كان فرغ من دعائه ثم زجر جمله, وفيه أيضًا: وحلحلت بالناقة إذا قلت لها: "حل" بالتسكين وهو زجر للناقة, انتهى وهو يفتح الحاء المهملة, والضاحي: البارز, والتبذل: الخدمة, والمبذل بالكسر: ثوب الخدمة, وهما بالذال المعجمة.
وأنشد بعده, وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد المآدتين:
على أنه مثل البيت السابق: "وأضعى من عله"في كونه معرفة مبني على الضم, وأشار بهذا إلى أن المبني على الضم نوعان: لفظي: وهو ما تقدم في السابق , وتقديري وهو في هذا البيت, فإنه في اللفظ مجرور, والضمة مقدرة على آخره, فإن القصيدة رويها مكسور كما تراه, وقد بين تقدير الضم في نحو هذا ابن جني في "إعراب الحملة" قال عند قول ربيعة بن مقروم:
стр. 1159
وكويته فوق النواظر من عل
قوله: من عل, يجب أن يكتب بالياء وليست الكسرة في اللام كسرة إعراب, ألا ترى أنه معرفة وليس بنكرة, ألا ترى أن معناه: وكوبته فوق نواظره أو النواظر منه, فهو إدن معرفة لأنه يريد به شيئاً مخصوصًا, فهو إذن كقول أوس:
فملَّك باللَّيط الَّذي تحت قشره ... كغرقى بيضٍ كنَّه القيض من عل
أي: من أعلاه. وقال الشنقرى:
إذا وردت أصدرتها ثمَّ إنَّها ... تثوب فتتأتي من تحيت ومن عل
وإنما تعرب" عل" إذا كانت نكرة كقولهم في النكرة: من فوق ومن عل إذا لم ترد أمراً معلومًا. فقوله: " فوق النواظر من عل"
стр. 1160
"عل" منه كشجٍ وعمٍ, ووزنه فعل, والياء فيه لام الفعل, والكسرة في اللام قبلها ككسر الضاد من قاض, فاعرف ذلك. وفيه عشر لغات: أتيته من علٍ ومن عل ومن علي ومن علا ومن علوُ ومن علوَ ومن علوِ ومن علوٍ ومن عالٍ ومن معالٍ, ومثله سواء قول العجلي:
أقنيَّ من تحت عريض من عل
أراد: من أعلاه, ألا تراه قرنه بالمعرفة المبينة وهى تحت, ف "علٍ" إذن معرفة, فهو كشج, وكسرة لامه ككسرة زاء غاز, والكلمة مبينة على الضم, وفي الياء تقدير ضمة البناء, فبيت ربيعة وبيت العجليّ هذان جميعًا سواء, ولكن بيت امرئ القيس الذي هو قوله:
كجامود صخرٍ حطَّه السيل من عل
عل فيه نكرة, ألا ترى أنه لا يريد من أعلى شئ مخصوص, فالكسرة إذن في لا عل كسرة إعراب ككسرة دال يد ودم, انتهى كلام ابن جني بالاختصار. وقوله: فالكسرة إذن في لام "عل" كسرة إعراب. . الخ, غير جيد, والجيد كلام ابن يعيش السابق, وهو قوله: ويحتمل أن تكون الكسرة فيه إعرابًا, وهو محذوف اللام ويحتمل أن تكون الكسرة فيه بناء. . إلى آخره, وقد استشهد بهذا البيت في باب الظروف المهمة غير المتمكنة, قال فيه: وسألته ـ يعني الخليل, ﵀ عن قوله: من دونٍ ومن فوقٍ ومن تحتٍ ومن فبلٍ ومن بعدٍ ومن دبرٍ ومن خلفٍ, فقال: أجروا هذا مجرى الأسماء المتمكنة, لأنها تضاف وتستعمل غير ظرف, ومن العرب من يقول: من فوق ومن تحت, يشبهه بقبل ولعد, وقال أبو النجم:
следующие страницы →