← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وهذا البيت مع كونه من شواهد ابن الناظم, وشرحه المصنف في جملة شرح أبياته, لم يورده العيني في «شرح الشواهد» سهوًا. والسجال بالكسر: مصدر ساجل يساجل بمعنى ناوب يناوب, قال الميداني: المساجلة أن تصنع مثل صنيع صاحبك من جري أو سقي, وأصله من السجل, وهو: الدلو فيها ماء قل أو كثر, وحقيقة السجال المغالبة بالسقي بالسجل, ومنه معنى المباراة والمفاخرة والمعارضة. وتكر: ترجع, والصروف: الحوادث, والغضارة بالفتح: الخير والخصب, وألفيت: وجدت, وغبطوا بالبناء للمفعول: من الغبطة, من غبطته – من باب ضرب – إذا تمنيت مثل ما ناله من غير أن تريد زواله, وريب الدهر: ما يحدث منه, والخؤون: مبالغة الخائن. وقوله: فأفتى ذلكم: الإشارة لكرات الدهر وحوادثه, والسروات: جمع سراة بفتح السين, وهو مفرد بمعنى الرئيس والشريف. وشرح يوم الردم قد ذكرناه في شرح الشاهد السبعين بعد المائتين من شواهد الرضي, ونقل السيوطي من الحماسة أن ما قبل البيت الشاهد هذا: إذا ما الدهر جر على أناسٍ ... كلاكله أناخ بآخر ينا فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا

стр. 107

كذلك الدهر دولته سجال ... تكر صروفه حينًا فحينا وما إن طبنا جبن .. البيت ومن يغرر بريب الدهر يومًا ... يجد ريب الزمان له خؤونا والكلاكل: جمع كلكل كجعفر, وهو الصدر, ولا أدري من أي الحماسات نقل, فإني راجعت «حماسة» أبي تمام, وأعدت النظر فيها, فلم أجد فيها شيئًا من هذا. وأنشد بعده, وهو الانشاد الخامس والعشرون: (٢٥) بني غدانة ما إن أنتم ذهب ... ولا صريف ولكن أنتم حزف ويروى: «ذهبًا ولا ولا صريفًا» قال المصنف في «شرح الشواهد»: النصب رواية يعقوب بن السكيت, والرفع رواية الجمهور على أن «إن» كافة

стр. 108

لما عن العمل, قال: وزعم الكوفيون على رواية النصب أن «إن» نافية مؤكدة لا كافة, وغدانة بضم الغين المعجمة: حي من يربوع من بني تميم, والصريف قال ابن السكيت: هو الفضة, وأنشد البيت, والخزف بفتحتين, قال ثعلب في «أماليه»: هو ما عمل من طين وشبوي بالنار حتى يكون فخارًا, وأنشد أيضًا البيت. ولم أر من نسب هذا البيت إلى قائله مع كثرة الاستشهاد به في كتب النحو واللغة, والله تعالى أعلم. وأنشد بعده, وهو الانشاد السادس والعشرون: (٢٦) يرجى المرء ما إن لا يراه ... ويعرض دون أدناه الخطوب هو أحد أبيات ثلاثة, أوردها أبو زيد الأنصاري في «نوادره» وقال: هي لجابر بن رألان الطائي الجاهلي وهي: فإن أمسك فإن العيش حلو ... إلي كأنه عسل مشوب يرجي العبد ما إن لا يراه ... وتعرض دون أبعده خطوب وما يدري الحريص على م يلقي ... شراشره أيخطئ أم يصيب قوله: إلي, في معنى عندي, والشراشر: الثقل, ثقل النفس, انتهى ما في

стр. 109

«النوادر» , والتي نقلت منها نسخة صحيحة مضبوطة ضبط إتقان حسنة الخط واضحة الشكل, كتبها علي بن محمد بن عبد الرحيم بن دينار الكاتب, وعليها خطوط جلة من العلماء, منها زيد بن الحسن بن زيد الكندي, وهي رواية أبي على الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي عن أبي بكر محمد بن السري ابن السراج النحوي عن الرياشي. وأبي حاتم السجستاني وأبي عمر الجرمي, وأبي عثمان المازني عن أبي زيد بن سعيد بن أوس الأنصاري رحمهم الله تعالى, وهي نسخة قديمة جدًا يزيد تاريخ كتابتها على سبعمائة سنة, وعندي نسختان أخريان منها, إحداهما بخط محمد بن مكرم صاحب «لسان العرب» وخطه جيد مضبوط, والأخرى صحيحة أيضًا بخط قديم, وكلاهما من رواية أبي الحسن الأخفش تلميذ المبرد, وقد حشاها بفوائد, ووقع فيهما «يلاقي» بدل «يراه» قال هنا: وروى أبو حاتم: «ما لا إن يلاقي» قال أبو الحسن: قوله: «يرجي العبد ما إن لا يلاقي» غلط, والصواب: «ما أن لا يلاقي» وأن زائدة, وهي تزاد في الإيجاب مفتوحة, وفي النفي مكسورة, تقول: لما أن جاءني زيد أعطيته, قال الله تعالى: ﴿فلما أن جاء البشير﴾ [يوسف /٩٦] , وتقول في النفي: ما زيد منطلقًا, فإذا زدت «إن» قلت: ما إن زيد منطلق, «فإن» كافة لما عن العمل, ونظير هذا قولك: إن زيدًا منطلق, ثم تقول: إنما زيد منطلق, فكفت ما الزائدة إن كما كفت إن ما النافية. وهذا تمثيل الخليل, فلما قال: «ما إن لا يلاقي» فنظر إلى «ما» الذي روى هذه الرواية, ظنها النافية, وهو بمعنى الذي, فلا تكون «أن» بعدها إلا مفتوحة, ورواية أبي حاتم: «مالا إن يلاقي» صحيحة, لأن «لا» في النفي بمنزلة ما, وإن كانت إن ليست تكاد تزاد بعد لا, انتهى كلامه.

стр. 110

اعلم أن رواية إن بالكسر هنا ثابتة صحيحة, وهي تزاد بعد ما الموصولة وغيرها, كما تزاد بعد ما النافية, وهو في تغليظه غالط, فقد قال صاحب «الكشاف» والبيضاوي عند قوله تعالى: ﴿ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه﴾ [الأحقاف /٢٦] , إن «إن» صلة, ونظروا الآية الشريفة بهذا البيت, وقال ابن عصفور في كتاب «الضرائر»: ومن زيادة إن المكسورة الهمزة في الضرورة قول الشاعر, وأنشده سيبويه: ورج الفتى للخير ما إن رأيته .. البيت فزاد إن بعد ما المصدرية, وليست بنافية تشبيها لها بما النافية, ألا ترى أن المعنى: ورج الفتى للخير مدة رؤيتك إياه لا يزال يزيد خيرًا على السن, لكن لما كان لفظها كلفظ ما النافية, زادها بعدها كما تزاد في ما النافية في نحو قولك: ما إن قام زيد, وقول الآخر, أنشده أبو زيد: يرجى المرء ما إن لا يلاقي .. البيت فزاد إن بعد ما لشبهها باللفظ بما النافية, وقول النابغة في إحدى الروايتين: إلا الأواري لا إن ما أبينها .. البيت فزاد إن بعد لا لشبهها بما من حيث كانتا المنفي, وزعم الفراء أن لا وإن وما حروف نفي, وأن النابغة جمع بينها على طريق التأكيد, انتهى كلامه. وتقييده زيادة إن في هذه المواضع بالضرورة يرده الآية الشريفة, وهو مذهب لم يذهب إليه غيره.

стр. 111

والرواية التي نسبها الأخفش إلى أبي حاتم نسبها المحقق الرضي إلى الخليل, نقل أن الخليل قال: أصل «لن»: لا أن, كما جاءت على أصلها في قوله: يرجي المرء مالا إن يلاقي .. البيت وقوله: فإن أمسك, يريد: عن الحرب ونحوها, فإنه يقال: أمسكت عن الأمر, إذا كففت عنه, يقول: إن امتنعت عن إلقاء نفسي في المهالك والمتاعب فلا عجب, فإن المعيشة لذيذة عندي كالعسل المشوب بالماء, وإنما قيد العسل بالمشوب, لأن العسل لشدة حلاوته له سورة وحدة تؤذي, فإذا مزج بالماء اعتدلت حلاوته ولذ شربه, ويقال: شابه, أي: خلطه, مثل شوب اللبن بالماء, وقوله: يرجي المرء, في النسخ الثلاث: «يرجي العبد» وهو عبد الخلقة. وهذا البيت تعليل لإمساكه عن المشتاق, فإن الإنسان وإن اجتهد بكل حيلة لم ينل جميع ما يرومه «ما كل ما يتمنى المرء يدركه» ويرجي: مبالغة يرجو, أي: يأمل, وقد حذف العائد إلى ما الموصولة من قوله: لا يلاقي, على رواية الأخفش, والأصل: لا يلاقيه, وما واقعة على الأمور التي تطلبها النفس, وتعرض, أي: تحول, من عرضت له بسوء أي تعرضت, من باب ضرب, وباب تعب لغة, تقول: سرت فعرض لي في الطريق من جبل ونحوه, أي: حائل ومانع يمنع من المضي, ويجوز أن يكون من عرض له أمر, أي: ظهر, من باب ضرب أيضًا, ويجوز أن يكون: تعرض بضم الراء, من عرض الشيء بالضم عرضًا – كعنب – وعراضة بالفتح: اتسع عرضه وتباعد حاشيتاه, ودون هنا: بمعنى أمام, وأدناه: أقربه, من الدنو وهو القرب, والخطوب:

стр. 112

جمع خطب, وهو الأمر والشأن عظم أو صغر والمراد هنا الأمر العظيم الشديد. يعني: إذا كان أقرب ما يتمناه الإنسان تحول الأمور الشاقة عن الوصول إليه, فما ظنك بأبعدها! وفي النسخ الثلاث: «وتعرض دون أبعده الخطوب» ومعناه هو الذي ذكرناه, فإن دون بمعنى قبل, وقبل الأبعد هو الأقرب. وقوله: وما يدري الحريص .. الخ, ما: نافية, وعلى متعلقة بيلقى, وما الاستفهامية لما جرت بعلى حذف ألفها, والإلقاء: الرمي, وفي «تهذيب الأزهري» عن الأصمعي: الشراشر: النفس والمحبة جميعًا, يقال: ألقى عليه شراشره, أي: ألقى نفسه عليه محبة له. ثعلب عن ابن الأعرابي: الشراشر: النفس, ويقال: المحبة, وأنشدك وما يدري الحريص على م يلقي ... شراشره أيخطئ أم يصيب انتهى. وقائل الأبيات: جابر بن رألان الطائي, بالراء المهملة بعدها همزة ساكنة, وهو جاهلي كما تقدم. ونقل السيوطي هذه الأبيات من «نوادر ابن الأعرابي» وقال: قال: هي لجابر بن رألان الطائي ويقال: لإياس بن الأرث, وإياس بكسر الهمزة بعدها مثناة تحتية, الأرث: بالمثناة, قال صاحب «الصحاح»: الرتة بالضم: العجمة في الكلام, ورجل أرت: بين الرتت. وأنشد بعده, وهو الانشاد السابع والعشرون: (٢٧) ورج الفتى للخير ما إن رأيته ... على السن خيرًا لا يزال يزيد

стр. 113

رج: فعل أمر من الترجية, والفتى مفعوله, والسن: مقدار العمر, أي: على زيادة السن, ويزيد يكون لازمًا كقولك: زاد المال, ويكون متعديًا لمفعولين, فإن اعتبر هنا لازمًا, كان خيرًا تمييزًا مقدمًا للضرورة, وإن اعتبر متعديًا, كان مفعوله الأول محذوفًا, وخيرًا مفعوله الثاني, والتقدير: لا يزال يزيد خيره خيرًا. وقد وقع في خط بعض الفضلاء: زاد متعديًا لمفعولين, فكتب بعض حساده: زاد فعل لازم, كقولك: زاد المال, وتعديته إلى مفعولين لا يوجد في اللغة, فلما اطلع عليه كتب تحته: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا﴾ [البقرة / ١٠]. وإن بعد ما زائدة, قال سيبويه: وقد تلغى «إن» مع ما, إذا كانت اسمًا وكانت حينًا, وقال الشاعر: ورج الفتى للخير ما إن رأيته ... البيت قال أبو علي في تعليقته على كتاب سيبويه: قوله: ما إن رأيته, إن: لغو: وما مع الفعل بمنزلة المصدر, فهو في تقدير: وجه رؤيتك إياه, أي: وقت رؤيتك إياه, فحذف المضاف, وأقام المضاف إليه مقامه, فهذا عندي مثل: مقدم الحاجو وخفوق النجم, وغيرها من المصادر المقامة مقام الظروف الزمانية. فأما زيادة إن معها, وهي بمعنى المصدر, فقليل جدًا, إنما تزاد مع ما إذا كانت للنفي, نحو ما إن زيد منطلق, فكأن هذا الشاعر شبه التي مع الفعل بمعنى المصدر بالنافية لاتفاقهما في اللفظ, انتهى. ومثله للسيرافي, قال: وقد تدخل إن المكسورة على ما إذا استعملت اسمًا في معنى الحين, وذلك أنك تقول: انتظرني ما جلس القاضي, تريد: زمان

стр. 114

جلوسه, كأنه قال: انتظرنا جلوس القاضي, أي: حين جلوسه, ويجوز أن تدخل على هذا إن فتقول: انتظرني ما إن جلس القاضي, قال الشاعر المعلوط ابن بدل القريعي: ورج الفتى للخير ما إن رأيته ... عن السن خيرًا لا يزال يزيد يريد: على السن والكبر, كما تقول: فلان يزداد خيرًا على السن, واستعمل عن في معنى على, انتهى. وقال شارح شواهده الأعلم: الشاهد فيه زيادة إن بعد ما للتوكيد, وما هاهنا مؤدية عن معنى الزمان, فموضعها نصب على الظرف, وأكثر ما تزاد إن بعد ما النافية لتأكيد النفي, ونصب خيرًا على التمييز, والعامل فيه يزيد, وقدمه ضرورة, والتقدير فيه: لا يزال يزيد خيره, فأضمر الفاعل ونصب خيرًا كما تقول: طبت نفسًا, أي طابت نفسي, ويجوز أن يكون مفعولًا بمعنى يزيد خيرًا إلى خيره, فلا يكون فيه ضرورة, والمعنى وجه للخير ما رأيته يزيد خيره بزيادة سنه ويكف عن صباه وجهله, انتهى كلامه. وقال الدماميني في «الهندية»: لا يتعين في هذا البيت زيادة إن, بل يحتمل أن تكون شرطية, وما زائدة داخلة على الجملة الفعلية, كما الثانية في قول الأعشى: إما ترينا حفاةً لا نعال لنا ... إنا كذلك ما نحفى وننتعل هذا كلامه.

стр. 115

وأقول: ليس الخلاف في جواز زيادة ما حتى يحتاج إلى شاهد, وإنما الكلام بتعيين الزيادة عند اجتماع ما وإن, فيجب أن يكون الزائد المتأخر, لأنه هستغنى عنه دون المتقدم, لأنه جاء في مركزه من الصدارة, ولأن الزائد مؤكد, ورتبه المؤكد مؤخر عن رتبة المؤكد, فإن تأخرت «إن» عن «ما» حكم زيادتها وتأكيده لما, كما في البيت الشاهد, وإن تأخرت ما عند إن حكم بزيادتها وتأكيدها لإن, كبيت الأعشى, فإن «إما» أصله: إن ما, فأدغمت, وكذا الحكم في كل كلمتين بمعنى واحد من نوع واحد, بخلاف قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى /١١] فإن الكاف صلة لا مثل, لأن زيادة الحرف معهودة بخلاف الاسم, قال المصنف في بحث الكاف: والقول بزيادة الحرف أولى من القول بزيادة الاسم, بل زيادة الاسم لم تثبت, انتهى. وصاحب البيت: المعلوط بن بدل القريعي, بالعين والطاء المهملتين على وزن مضروب, وبدل بفتحتين, والقريعي نسبة إلى قريع بالتصغير, وهو قريع ابن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم, نسبه إليه ابن بري في «أماليه» على «صحاح الجوهري» في مادة أن المشددة النون. وأنشد بعده, وهو الانشاد الثامن والعشرون: ٢٨) ألا إن سرى ليلي فبت كئيبًا ... أحاذر أن تنأى النوى بغضوبا على أن «إن» بعد «ألا» زائدة وهذا نادر كندرة زيادتها بعد لا الدعائية

стр. 116

قال أبوة حيان في «تذكرته»: أنشد شيث في زيادة إن بعد لا التي للدعاء قول الشاعر: يا طائر البين لا إن زلت ذا وجلٍ ... من المقنص والقناص محجوبا وفي «شرح التسهيل» لناظر الجيش عند الكلام على إن المخففة, قال سيبويه: وأما قولهم: أما إن جزاك الله خيرًا, فإنهم إنما أجازوه لأنه دعاء, ولا يصلون هنا إلى قد والسين, ولو قلت: أما إن يغفر الله لك, جاز, لأنه دعاء, ويجوز عندي أن تكون أما في الموضعين بمعنى ألا, وتكون إن المكسورة زائدة, كما زادها الشاعر في قوله: ألا إن سرى ليلي فبت كئيبًا .. البيت. ويجوز أن تكون في هذا البيت المخففة, ويكون الأصل: ألا إنه سرى ليلي, انتهى. قال أبو حيان: شيث: هو أبو الحسن شيث بن إبراهيم بن محمد القوصي القاضي, له كتاب في النحو سماه: «المعتصر من المختصر» قال فيه: طرق الباب رجل على المبرد, فقال للخادم: من دق؟ فسألته فقال: حمدان, فأخبرت مولاها, ففكر وقال: قولي له: حمدان لا ينصرف في المعرفة, وأنت نكرة فانصرف. وفيه أيضًا: تكون «لا» بمعنى غير فتكون اسمًا نحو: جئت بلا زاد, وغضب من لا شيء, انتهى.

стр. 117

قال الدماميني: سرى بمعنى سار, وإسناده إلى الليل مجاز. وقال ابن وحيي: أي ذهب ليلي بالألم والمحنة, ولا حاجة إلى إخراج سرى من حقيقته, وهو الذهاب بالليل, لأن الليل لا يذهب بالنهار, وهو ظاهر. انتهى. والكثيب: المنكسر من الحزن, وتنأى: تبعد, والنوى: الوجه الذي ينوبه المسافر من قرب أو بعد, وهي مؤنثة لا غير, كذا في «الصحاح» وغضوب كصبور: اسم امرأة, ولذا لم يصرفه. والباء للتعدية, أي: لمخافة أن تجعلها النوى نائية عني. وقال أبو بكر محمد بن القاسم بن باشر الشهير بابن الأنباري في كتاب «الأضداد» قال الفراء: «إن» في هذا البيت بمعنى قد, وقال: لا تكون إن بمعنى قد حتى تدخل معها اللام, أو ألا, فإذا قالت العرب: إن قام لعبد الله, و: ألا إن قام لعبد الله, فمعناه: قد قام عبد الله, قال الشاعر: ألا إن سرى ليلي فبت كئيبا ... البيت معناه: قد سرى همي. وقال الآخرك ألا إن بليلٍ بان مني حبائبي ... وفيهن ملهى لو أردن للاعب معناه: قد بان مني حبائبي بليل, وقال في إدخال اللام: هبلتك أمك إن قتلت لمسلما ... وجبت عليك عقوبة المتعمد معناه: قد قتلت لمسلمًا, انتهى كلامه.

стр. 118

وأنشد بعده, وهو الانشاد التاسع والعشرون: (٢٩) أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا ... جهارًا ولم تغضب لقتل ابن خازم على أنه محمول على إقامة السبب مقام المسبب, والأصل: أتغضب إن افتخر مفتخر بسبب حزه أذني قتيبة, إذ الافتخار بذلك مسبب عن الحز, أو على معنى التبين, أي: أتغضب إن تبين في المستقبل أنا أذني قتيبة حزتا فيما مضى, الأول هو تأويل السيرافي, وتبعه ابن السيد, قال فيما كتبه على «كامل المبرد»: ومن روى إن بكسر الهمزة, وهو رأي سيبويه, فوجهه أنه وضع السبب في موضع المسبب, كأنه قال: أتغضب إن افتخر مفتخر بجز أذني قتيبة, كما قال الآخرك إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... البيت المعنى: إن افتخروا بقتلك الذي هو سبب ذلك, انتهى. والتأويل الثاني مشهور مذكور في «الكشاف» وغيره كما يأتي في البيت الذي بعد هذا. وقال ابن الحاجب في «شرح المفصل»: التقدير: إن ثبت حز أذنيه, ليكون الشرط مستقبلا, قال المحقق الرضي: وليس بشيء, لأن الفرض أن ذلك ثابت, فلم يفرض ثبوت الثابت, وإنما جاء هذا على قلة, فإنه قد يستعمل الماضي في الشرط متحقق الوقوع, وإن كان بغير لفظ كان, لكنه قليل. انتهى. وفي «المسائل القصرية» لأبي علي: اعترض أبو العباس المبرد على إنشاد هذا البيت بالكسر, فقال: قتل قتيبة قد مضى, وإن للجزاء, والجزاء يكون لما يأتي, فلا يستقيم أن تقول: إن قمت قمت, وقد مضى قيامه. قال أبو علي: إنما يريد: أفتغضب كلما وقع هذا الفعل, أي: مثل هذا الفعل, وإذا كان

стр. 119

التأويل على هذا صح الكسر, انتهى. وأراد بتقدير المثل, ليكون الفعل مستقبلًا, ولا يخفى أن غضبهم إنما هو منه لا من وقوع مثله, فالإشكال باق. وقول المصنف: وقال الخليل إنما هو منه لا من وقوع مثله, فالإشكال باق. وقول المصنف: وقال الخليل والمبرد: الصواب: أن أذنا, بفتح الهمزة,! أي: لأن أذنا. ما نسبه إلى المبرد صحيح كما تقدم عن الفارسي, فهو يوجب فتح إن في البيت, وبه يرد على ابن السيد في قوله: وأجاز أبو العباس فتح ان في هذا البيت, وجعلها أن المخففة وأضمر اسمها, كأنه قال: أنه أذنا قتيبة حزتا, انتهى. فإنه يوجب الفتح ولا يجيز الكسر. وما نسبه إلى الخليل غير صحيح فإنه يوجب كسر إن, وما رد به على الخليل هو تعليل الخليل, لعدم جواز فتحها, كما يظهر لك من نقل سيبويه لكلامه, قال في باب من أبواب «أن» التي تكون والفعل بمنزلة مصدره ما نصه: وسألته رحمه الله تعالى عن معنى: أريد لأن تفعل؟ فقال: إنما تريد أن تقول: إرادتي لهذا, قال جل ثناؤه: ? وأمرت لأن أكون أول المسلمين? [الزمر/١٢] إنما هو: أمرت لهذا. وسألت الخليل, رحمه الله تعالى, عن قول الفرزدق: أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا ... البيت فقال: إنه قبيح أن تفصل بين أن والفعل, كما قبح أن تفصل بين كي والفغل, فلما قبح ذلك ولم يجز, حملوه على إن, لأنه قد يقدم فيها الأسماء قبل الأفعال, انتهى كلام سيبويه, وأوضحه السيرافي فقال: وأما قوله: «أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا» فإن الخليل يختار: إن أذنا قتيبة, بكسر إن, ولم يخالفه سيبويه, لأن العرب لم تفصل بين أن المفتوحة الناصبة للفعل وبين الفعل, ولم يأت ذلك في كلام ولا شعر, فعدل عن المفتوحة إلى المكسورة.

стр. 120

وقد أتى الفصل في المكسورة, قال تعالى: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره﴾ [التوبة/٦] وقد رده أبو العباس المبرد. وتوهم أبو بكر مبرمان أنه إذا كسر فلا يجوز أن يكون أذنا قتيبة محزوزتين, لأن «إن» توجب الاستقبال, وقد أحاط العلم أن الفرزدق قال هذا الشعر بعد قتل قتيبة وحز أذنيه. وليس الأمر على ما ظناه, وذلك أن العرب قد نعادل ** وتفاضل بين الفعلين الماضيين في الموافقة, فتستقبل الكلام بهما كقول الله تعالى: ﴿وإن تعجب فعجب قولهم﴾ [الرعد /٥] وقول الشاعر: إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... البيت وقال الآخر: إن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب والمخاطبان مقتولان, والقتل واقع بهما, وقد كسر إن, وقد قال الله : ﴿فلم تقتلون أنبياء الله﴾ [البقرة /٩١] وقد علم أن قتلهم قد مضى قبل هذا الخطاب, وهذا ونحوه يحمل على فعل غير الظاهر, كأنهم افتخروا بقتله, فقال: إن يفخروا بقتلك فإن الأمر كذا وكذا, وقوله : ﴿فلم تقتلون أنبياء الله﴾ وافقهم على جهة التوبيخ لهم, كما يقول القائل لمن يعنقه بما سلف من فعله فيقول: ويحك لم تكذب؟ لم تبغض نفسك إلى الناس؟ وبخهم بقتلهم الأنبياء والفعل لغيرهم, لأنهم تولوهم على ذلك ورضوا به, فنسب إليهم.

стр. 121

وذهب أبو العباس إلى أن «أن أذنا قتيبة» بمعنى إن المشددة, ومعنى أتغضب, يعني: أتغضب قيس من قتل قتيبة بن مسلم, ولم تغضب لقتل عبد الله بن خازم السلمي! وهما جميعًا من قيس, وقاتلاهما من بني تميم, وإنما يريد الفرزدق بهذا علو بني تميم على قيس, والوضع من قيس في العجز على الانتصار وطلب الثأر, انتهى كلام السيرافي. وقال أبو علي في «المسائل المنثورة»: يجوز أن يكون أراد: أتغضب إن حزتا, فتكون إن للشرط, ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة, كأنه أراد: أتغضب إنه أذنا قتيبة, ولا يجوز أن تكون أن التي تنصب الفعل, لأنك قد حلت بينها وبين ما عملت فيه, انتهى. وكونها مخففة من الثقيلة فيه نظر, فإن «إن» المكسورة المخففة مهملة لا يقدر لها ضمير شأن, ولو كانت مخففة اقتضى فتحها, لوقوعها بعد غضب. وقول المصنف: وزعم الكوفيون أنها تكون بمعنى «إذ» قال إمامهم الفراء في تفسيره من سورة الزخرف عند قوله تعالى: ﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحًا أن كنتم﴾ [الزخرف/٥]: قرأ الأعمش بالكسر وقرأ عاصم والحسن بفتح إن, كأنهم أرادوا شيئا ماضيًا, وأنت تقول في الكلام: أأسبك أن حرمتني! تريد: إذ حرمتني, وتكسر إذا أردت: أأسبك إن تحرمني. ومثله: ﴿لا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم﴾ [المائدة/٢] تكسر إن وتفتح, والعرب تنشد قول الفرزدق: أتجزع إن أذنا قتيبة حزتا وأنشدوني: أتجزع إن بان الخليط المودع ... وحبل الصفا من عزة المتقطع

стр. 122

وفي كل واحد من البيتين الكسر والفتح, انتهى كلامه. وقال أبو علي في «الحجة»: إن قلت: كيف صح الجزاء منا والصد ماض؟ لأنه إنما هو ما كان من المشركين ومن صدهم المسلمين عن البيت في الحديبية, والجزاء إنما يكون بما لم يأت, فأما ما كان ماضيًا فلا يكون فيه الجزاء, فالقول فيه: إن الماضي قد يقع في الجزاء ليس على أن المراد بالماضي الجزاء, ولكن المراد ما كان مثل هذا الفعل, فيكون اللفظ على ما مضى, والمعنى على مثله, كأنه يقول: إن وقع مثل هذا الفعل يقع منكم كذا , وعلى هذا حمل الخليل وسيبويه قول الفرزدق: أتغضب إن أذنا قتيبة .. البيت, وعلى ذلك قول الشاعر: إذا ما انتسبنا لم تلدني ... البيت فانتفاء الولادة أمر ماض, وقد جعله جزاء, والجزاء إنما يكون بالمستقبل, فكأن المعنى: إن ننتسب لا تجدني مولود لئيم, وجواب «إن» قد أغنى عنه ما تقدم من قوله: ﴿لا يجرمنكم﴾ المعنى: إن صدوكم عن المسجد الحرام فلا تكتسبوا عدوانًا. وأما قول من فتح فبين, وهو أنه مفعول له, التقدير: ولا يجرمنكم شنآن قوم لأن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا, فأن الثانية في موضع نصب بأنه المفعول الثاني, والأول منصوب لأنه مفعول له, هذا آخر كلامه. والبيت من قصيدة طويلة للفرزدق مدح بها سليمان بن عبد الملك وهجا جريرا وقبله:

стр. 123

فإن تك قيس في قتيبة أغضبت ... فلا عطست إلا بأجدع راغم وهل كان إلا باهليًا مجدعا ... طغى فسقيناه بكاس ابن خازم لقد شهدت قيس فما كان نصرها ... قتيبة إلا عضها بالأباهم فإن تقعدوا تقعد لئام أذلة ... وإن عدتم عدنا بأبيض صارم أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا ... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم فما منهم إلا بعثنا برأسه ... إلى الشام فوق الشاحجات الرواسم وما أنت من قيس فتنبح دونها ... ولا من تميم في الرؤوس الأعاظم قيس: أبو قبيلة, وهو قيس بن عيلان بن مضر, وباهلة: فخذ من قيس, ولجرير خؤولة في قيس, وقتيبة: هو ابن مسلم الباهلي, وأغضبت بالبناء للمفعول. وقوله: فلا عطست .. الخ, جملة دعائية وقعت جزاء للشرط, فلذا قرنت بالفاء, وأجدع, أي: أنف أجدع, أي مقطوع, والراغم: الذليل, وهو على النسبة, أي: ذي الرغام, وهو التراب, يقال: أرغم الله أنفه, أي: ألصقه بالتراب, وهو كناية عن الإذلال, وقوله: وهل كان إلا باهليًا, اسم كان ضمير قتيبة, ومجدعًا: يدعى عليه بالجدع, وهو قطع الأنف, وباهلة: قبيلة منحطة بين العرب, ولذا قيل: وما ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النفس من باهله والأباهم: جمع إبهام, والأصل أباهيم حذفت ياؤه للضرورة, والعاجز عن الانتقام بعض إبهامه من غيظه. وقوله: أتغضب إن أذنا .. الخ, فاعل تغضب ضمير قيس, وأنث الفعل لأنه أراد به القبيلة, والاستفهام للتعجب والتوبيخ, ويجوز أن يكون فاعله

стр. 124

أنث المستتر فيه, وهو خطاب مع جرير بدليل ما بعده, والحز: بالحاء المهملة والزاي المشددة: القطع, وحز الأذنين كناية عن القتل, لأن القتيل قد تقطع أذنه للتشويه, وجهارًا, أي: حزًا جهارًا, أو غضبًا جهارًا, وابن خازم: بالخاء والزاي المعجمتين, يريد أن قيسًا غضبت من أمر يسير ولم تغضب لأمر عظيم, وقد أنكر منها هذا على سبيل الاستهزاء, والشاحجات بتقديم المهملة على الجيم: البغال, والشحيج صوتها, يريد بغال البريد, والرسيم: نوع من السير. وقتل قتيبة في خراسان سنة ست وتسعين من الهجرة, وسبب قتله أنه كان واليًا على خرسان من قبل عبد الملك وابنه الوليد بن المهلب, فخلع سليمان ودعا الناس إلى خلعه, فلم يجبه أحد, فغضب وسبهم طائفة طائفة وقبيلة قبيلة, فغضب الناس واجتمعوا على خلع قتيبة, وكان أول من تكلم في ذلك الأزد, فأتوا حصين بن المنذر فقالوا: إن هذا قد خلع الخليفة, وفيه فساد الدين والدنيا, وقد شتمنا فما ترى؟ فأشار أن يأتوا وكيع بن حسان الغداني ثم التميمي, وكان وكيع مقدمًا لرباسته على تميمو وكان قتيبة قد عزله فحقد عليه وكيع, فلما أتوه وسألوه أن يلي أمرهم فعل, فبلغ أمره قتيبة فأرسل إليه يدعوه, فلبس وكيع سلاحه ونادى في الناس, فأتوه فركب وخرج, واجتمع إلى قتيبة أهل بيته وخواص أصحابه, فكبروا وهاجوا, فقتل عبد الرحمن أخو قتيبة, وجاء الناس حتى بلغوا فسطاط قتيبة فقطعوا أطنابه, وجرح قتيبة جراحات كثيرة, ثم نزل سعد وشق القسطاط, واحتز رأس قتيبة. وقتل معه من أهله وإخوته أحد عشر رجلًا, فأرسل وكيع رؤوسهم إلى سليمان. وأما ابن خازم, فهو عبد الله بن خازم السلمي, كان أمير خراسان من قبل ابن الزبير, ولما قتل مصعب بن الزبير كان ابن خازم يقاتل يجير بن ورقاء التميمي بنيسابور, فكتب عبد الملك بن مروان إلى ابن خازم يدعوه إلى البيعة, ويطعمه خراسان سبع سنين,

стр. 125

فامتنع وأطعم كتابه لرسوله, وكتب عبد الملك إلى بكير بن وساج, وكان خليفة ابن خازم على مرو, وتعهده على خراسان ووعده ومناه, فخلع بكير ابن خازم ودعا إلى عبد الملك, فأجابه أهل مرو, وبلغ ابن خازم فخاف أن يأتيه بكير فيجتمع عليه أهل مرو وأهل نيسابور, فترك بجيرًا وأقبل إلى مرو, فاتبعه بجير فلحقه على قرية على ثمانية فرساخ من مرو, فقاتله ابن خازم, وكان الذي قتله وكيع بن عمرو القربعي, وأقبل بكير في أهل مرو, فوافاهم حين قتل ابن خازم, فبعث برأسه إلى عبد الملك, وكان ذلك في سنة اثنتين وسبعين من الهجرة. وترجمة الفرزدق تقدمت في الشاهد الثاني. وأنشد بعده, وهو الانشاد الثلاثون: (٣٠) إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... ولم تجدي من أن تقري به بدًا أورده صاحب «الكشاف» عند قوله تعالى: ﴿كلا سنكتب ما يقول﴾ من سورة مريم ﴿آية /٧٩] , قال: فإن قلت: كيف قيل: سنكتب بين التسويف, وهو كما قاله: كتب, من غير تأخير, قال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق/١٨] قلت: فيه وجهان, أحدهما: سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله, على طريقة قوله: «إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة» أي: تبين وعلم بالانتساب أني لست بابن لئيمة. انتهى. وكذا قال القاضي, وسبقهما الفراء, قال في تفسيره من سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ [الآية / ٩٠] يقول القائل: إنما تقتلون

стр. 126

للمستقبل, فكيف قال: من قبل؟ ونحن لا نجيز في الكلام: أنا أضربك أمس, وذلك جائز إذا أردت بتفعلون الماضي, ألا ترى أنك تعنف الرجل بما سلف من فعله, فتقول: ويحك لم تكذب؟ لم تبغض نفسك إلى الناس؟ ! ومثله قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشيطان على ملك سليمان﴾ [البقرة/١٠٢] ولم يقل: ما نلت [الشياطين] وذلك عربي كثير في الكلام, أنشدني بعض العرب: إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... ولم تجدي من أن تقري بها بدا فالجزاء للمستقبل, والولادة [كلها] قد مضت, وذلك أن المعنى معروف ومثله في الكلام: إذا نظرت في سيرة عمر لم يسئ, المعنى: لم تجده أساء, فلما كان أمر عمر لا يشك في مضيه, لم يقع في الوهم أنه مستقبل, فلذلك صلحت (من قبل) مع قوله: (فلم تقتلون) وليس الذين خوطبوا بالقتل هم القتلة, إنما قتل الأنبياء أسلافهم الذين مضوا, فتولوهم على ذلك ورضوا به, فنسب القتل إليهم. انتهى كلامه, ونقلنا كلامه برمته تبركًا به. والبيت ثاني بيتين لزائد بن صعصعة الفقعسي, وكانت له امرأة طمحت عليه وأمها سرية, وأولهما: رمتني عن قوس العدو وباعدت ... عبيدة زاد الله ما بيننا بعدا قوله: رمتني عن قوس العدو, يريد: قذفتني بما يحبه أعدائي, وهو كناية عن قول السوء, وعبيدة بالتصغير: زوجته وكانت تبغضه, والطامخ من النساء: التي تبغض زوجها وتنظر إلى غيره, وما: مفعول أول لزاد, عبارة عن البعد الحاصل من مباعدتها, وبعدًا: المفعول الثاني.

стр. 127

وقوله: إذا ما انتسبنا, الانتساب: رفع النسب, واللؤم: دناءة الأصل, يقول: إذا انتسبنا معًا تبين لك أني كريم من نسل كريم, أطلق الفعل, وأريد به ظهوره والعلم به اللازم له, إما مجازًا أو كناية, فإن لم تلدني: جواب إذا, وهو مستقبل, وعدم الولادة ماض لوقوعه قبل انتسابه, أي: إذا انتسبنا علمت يا فلانة وتبينت أني لست بابن لئيمة, وإنما خص الأم لأنه إذا كان كريم الأم فمن باب أولى أن يكون كريم الأب, لأن العرب لا يزوجون من دونهم, وقد يتزوجون من دونهم, أو خصها لمكان التعريض بلوم المخاطبة, والبد: الفراق والخلاص, ومن متعلقة به, والضمير في به راجع إلى القول المتقدم, أي: لم تجدي خلاصًا من إقرارك بما قلته من أني لم تلدني بئيمة, وفي قوله: إذا ما انتسبنا, التفات من الغيبة إلى التكلم, وفي قوله: ولم نجدي, التفات من التكلم إلى الخطاب. وأنشد بعده, وهو الانشاد الواحد والثلاثون: (٣١) إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عارًا عليك ورب قتل عار هو من قصيدة لثابت قطنة, رثى بها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة, أورد منها أربعة أبيات الشريف الحسيني في «حماسته» وبعده: شهدتك من يمن عصائب ضيعت ... ونأى الذين بهم يصاب الثار ولقد بسطت لهم يمينك بالندى ... مثل الفرات تمده الأنهار حتى إذا شرق القنا وجعلتهم ... تحت الأسنة أسلموك وطاروا

стр. 128

شرق القنا, أي: أحمرت الرماح بالدم, وأسلموك: خذلوك, وذلك أن يزيد بن المهلب خلع يزيد بن عبد الملك, ورام الخلافة لنفسه في البصرة, فتجهز يزيد بن عبد الملك لقتاله أخاه مسلمة بن عبد الملك, وخرج يزيد بن المهلب واستخلف على البصرة ولده معاوية بن زيد وسار حتى نزل العقر, وهي عقر بابل عند الكوفة بالقرب من كربلاء, ثم أقبل مسلمة حتى نزل على يزيد بن المهلب, فاصطفوا فشد أهل البصرة على أهل الشام فكشفوهم, ثم إن أهل الشام كثروا عليهم وكشفوهم, وما زال الحرب بينهم ثمانية أيام حتى كان يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة مضت من صفر الخير, سنة اثنتين ومائة, وشرع أصحاب ابن المهلب يتسللون من حوله, وبقيت معه جماعة, فقاتل حتى قتل هو وأخوه محمد بن المهلب وجماعة من أهل بيته. وثابت فطنة: هو ثابت بن كعب, وقيل: ابن عبد الرحمن بن كعب أخو بني أسد بن الحارث بن العتيك, وقيل: بل هو مولى لهم, ولقب قطنة, لأنها سهمًا أصاب إحدى عينيه, فذهب بها في بعض حروب الترك, فكان يحشوها قطنة. وهو شاعر فارس شجاع, من شعراء الدولة الأموية, وكان من أصحاب يزيد من المهلب, وكان يوليه أعمالًا من أعمال الثغور, فيحمد فيها مكانه, لكفايته وشجاعته, وقد بسطنا الكلام على هذا المحل في الشاهد الثامن والتسعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي. وقال السيوطي: ثم رأيت في «شرح التسهيل» لأبي حيان ما نصه: أنشد المبرد لأبي حدرة الخارجي يرثي زيد بن علي:

стр. 129

يا با حسين لو رأيت عصابةً ... شهدوا كأن ورودهم إصدار إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عارًا عليك ورب قتلٍ عار يا با حسين والحياة لذيذة ... أولاد درزة أسلموك وطاروا قال الرباشي: أولاد درزة: خياطون كانوا مع زيد رحمه الله تعالى, هذا آخر ما نقله السيوطي. والأبيات كما ترى مختلة, وقد رجعت في بحث رب من «شرح التسهيل» لأبي حيان فلم أجد ما نقله, ولعله مذكور في موضع آخر منه, والله تعالى أعلم. وأنشد في «أن» المفتوحة الساكنة النون: لا يقرأن بالسور هو قطعة من بيت يأتي في الباء الموحدة وهو: تلك الحرائر لاربات أحمرةٍ ... سود المحاجر لا يقرأن بالسور وأنشد بعده, وهو الانشاد الثاني والثلاثون: (٣٢) إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب هو لامرئ القيس, وقبله: خرجنا نريغ الوحش بين ثعالة ... وبين رحيات إلى فج أخرب أنشدهما ياقوت الحموي في مادة «أخرب» من «معجم البلدان» وقال: أخرب بفتح الراء, ويروى بضمها فيكون أيضًا جمعًا للخرب, وهو موضع في أرض بني عامر بن صعصعة, وفيه كانت وقعة بني نهد ببني عامر, وأنشد البيتين, ثم قال: ثعالة بضم المثلثة على وزن اسم الثعلب: موضع في شعر امرئ

стр. 130

القيس, وأنشد البيت ثم قال: رحيات بضم الراء وفتح الحاء المهملتين وتشديد المثناة التحتية: هو موضع في قول امرئ القيس: خرجنا نريغ الوحش .. البيت. ونريغ بالغين المعجمة: مضارع أرغت الوحش إراغة, أي: طلبته وأردته, والفج: الطريق الواضح, وغدونا: ذهبنا غدوة, وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس, والولدان بالكسر: جمع وليد, وهو الصبي, ونحطب: جزم في جواب الأمر, وهو: تعالوا, وكسر للقافية. والشاهد: جزم يأتنا بأن المفتوحة, وأصله يأتينا, فسقطت الياء للجزم. وقال أبو علي الفارسي في «المسائل البصرية»: أنشد الفراء هذا البيت: إذا ما خرجنا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب وأنشده أبو بكر عن الأصمعي أحسب: إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب وإنشاد الفراء خطأ فاحش, لأنه جزم بأن, انتهى. وكذا نقل عن الفارسي ابن السيد في «شرح أبيات المعاني» وقال السيوطي: هذا البيت من قصيدة لامرئ القيس, وأولها: خليلي مرا بي على أم جندب ... لنقضي حاجات الفؤاد المعذب ثم ذكر منها أبياتًا, ولم يضم إلى البيت الشاهد ما قبله أو ما بعده, بل لم يورده في الأبيات التي أوردها, ثم شرح الأبيات التي أوردها, وقد رجعت إلى هذه القصيدة في عدة كتب, منها «مختار شعر الشعراء الفحول الست» فلم أره فيها, والله أعلم. وقد تبعه من الشراح ابن الملا الحلبي وابن وحيي الرومي.

стр. 131

ومعنى البيت أنهم وثقوا بصيد هذا الفرس, فهم يهيئون لمجيء صيده الحطب, قال ابن رشيق في باب السرقات من «العمدة» نقله ابن مقبل إلى القدح, أي: السهم, فقال: إذا امتنحته من معدٍ عصابة ... غدا ربه قبل الإفاضة يقدح ونقله ابن المعتز إلى البازي, فقال: قد وثق القوم له بما طلب ... فهو إذا عري لصيد واضطرب عروا سكاكينهم من القرب ونقلته أنا إلى قوس البندق فقلت: طير أبابيل جاءتنا فما برحت ... إلا وأقواسنا الطير الأبابيل يرمينها بحصى طين مسومةٍ ... كأن معدنها للرمي سجيل نغدو على ثقةٍ منا بأطيبها ... والنار تقدح والطنجير مغسول وقول المصنف: عن بعض بني صباح من ضبة, صباح: بضم الصاد, وخفة الموحدة, هذا هو الموجود في كتب اللغة وأنساب العرب, وأما صباح, بفتح الصاد وتشديد الموحدة, فليس بموجود في أسماء البطون والقبائل, ولم يصب الدماميني في تشديد الموحدة, وقد تبعه سائر الشراح. وصباح: بطن من ضبة, وفيهم شرف وعدد, وهوصباح بن ظريف بن زيد بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن كعب بن ربيعة بن ثعلبة بن سعد بن ضبة, وضبة: هو أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن معد بن عدنان, كذا في «جمهرة الأنساب» لابن الكلبي, قال ابن السكيت في «شرح ديوان أوس بن حجر» عند قوله:

стр. 132

فلاقى عليه من صباح مدمرًا ... لناموسه من الصفيح سقائف صباح: بطن من ضبة, وصباح بن عبد القيس, وصباح من عنزة, ومدمرًا: مهلكًا. وناموسه: موضعه الذي يكون فيه, والصفيح: كل حجر رقيق مصفح فهو صفيح, والسقائف: جمع سقيفة. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الشاهد الرابع. وأنشد بعده, وهو الانشاد الثالث والثلاثون: (٣٣) أحاذر أن تعلم بها فتردها ... فتتركها ثقلًا على كماهيا قال أبو حيان في «شرح التسهيل» عند قول المصنف: ولا يجزم بها, أي: بأن, خلافًا لبعض الكوفيين ما نصه: قال الرؤاسي: فصحاء العرب ينصبون بأن وأخواتها الفعل, ودونهم قوم يرفعون بها, ودونهم قوم يجزمون بها, قال ابن المصنف: ومستند الرؤاسي في ذلك ما جاء في الشعر من قوله: أحاذر أن تعلم بها فتردها ... فتتركها ثقلًا علي كماهيا قال: ولا حجة فيه, لجواز كونه سكون وقف للضرورة, لا سكون إعراب. انتهى. وما ذكره من أنه لا حجة في الاستدلال بهذا البيت صحيح, للاحتمال الذي ذكره, لكنه يبعد أن يكون مستند الرؤاسي في ذلك هذا البيت, لأنه قال: ودونهم قوم يجزمون بها, فهذه حكاية لغة قوم, لا استنباط من بيت شعر. وقد حكى الجزم بها أيضًا اللحيانى, وذكر أن الجزم بها لغة بني صباح, وحكى الجزم بها أيضًا أبو عبيدة, وقد أنشدوا شاهدًا على الجزم قول الشاعر:

стр. 133

إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا ... البيت وقال آخر: وإن بنات الدارعين وأن ترع ... حذارا لتلك العين أهنا وأجمل وإذا كان قد حكى الجزم بها الكوفيون, ومن البصريين اللحياني وأبو عبيدة, كان الأصح جواز ذلك, لكنه قليل, انتهى كلام أبي حيان. قال ابن النديم في كتاب «الفهرست»: اسم الرؤاسي: محمد بن أبي سارة, ويكنى أبا جعفر, وسمي الرؤاسي لكبر رأسه, وكان ينزل النيل فسمي النيلي, وهو أول من وضع من الكوفيين كتابًا في النحو, وهو أستاذ الكسائي والفراء, وقال الرؤاسي: بعث إلي الخليل يطلب كتابي, فبعثته إليه فقرأه ووضع كتابه, وحيث قال سيبويه: قال الكوفي: يعني به الرؤاسي, وله من الكتب كتاب «الفيصل, كتاب التصغير, كتاب معاني القرآن, كتاب الوقف والابتداء الصغير والكبير» انتهى. واللحياني بالكسر: نسبة إلى لحيان من بني هذيل, أخذ عن الكسائي, وأخذ عنه القاسم بن سلام, وله «النوادر» المشهورة, واسمه علي بن المبارك, كذا قال السيوطي. والبيت من قصيدة لجميل العذري, هي في أوائل ديوانه, لكنه برواية لا شاهد فيه, قال جامع ديوانه محمد بن السائب الكلبي عن اليزيدي: لما زوجت بثنية تنبيهًا أسف جميل, وجزع جزعًا شديدًا, فقطع زيارة بثينة وطالت المدة, ثم قال لابني عمه وكانا له صفيين: قد طال هجري لبثينة وتجلدي, وإن ذلك لقاض علي ودافعي منها على ما أرى إلى ما يسخن عيني فيها, فقالا: فأبق على

стр. 134

نفسك إن كنت لا تطيق الساو عنها, واصبر على بعض ما تكره, وألمم بها إلمامة, فلعلك تستريح إليها, فأجمع على ذلك ومضى معهما فلقي جارية لها حبشية, فلم يكلمها, ولا أعلمها أنه قصد بثينة, ولكنه جلس مع ابني عمه مستظلًا بشجرة, ومطاياهم معقولة كأنهم يريدون أن يريجوا, فبادرت الأمة إلى بثينة فأخبرتها, فجاءت وأم الحسين وليلى وأم منظور, فلما رأينه سلمن عليه وعلى صاحبيه, وجلسن إليه, فقالت له أم منظور: أين كنت بعدنا, وأين كانت غيبتك؟ فقد طال شوقنا إليك! فقال: اغتربت عنكن في أهلي, وافترقنا, فرأيت التباعد مع ما حدث أجمل! فبكت بثينة وقالت: ما تباعدنا عنك, وما زادتنا الليالي إلا شوقًا إليك وتجديدًا لمودتك, وتحدثا بقية يومهما وليلتهما وتشاكيا, فقال جميل في ذلك: ألا طال كتماني بثينة حاجةً ... من الحاج ما تدري بثينة ماهيا أخاف إذا أنبأتها أن تضيعها ... فتتركها ثقلًا علي كما هيا أغرك أني لا بخيل عليكم ... ولا مفحش فيما لديك التقاضيا أعد الليالي ليلة بعد ليلةٍ ... وقعد عشت دهرًا لا أعد اللياليا ذكرتك بالديرين يومًا فأشرقت ... بنات الهوى حتى بلغن التراقيا إذا اكتحلت عيني بعينك لم أزل ... بخير وجلت غمرةً عن فؤاديا فأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي ... وإن شئت بعد الله أنعمت باليا إذا خدرت رجلي وقيل شفاؤها ... دواء حبيبٍ كنت أنت المداويا

стр. 135

وأنت التي ما من صديق ولا أخ ... يرى نضو ما أبقيت إلا رثى ليا وإني لتثنيني الحفيظة كلما ... لقيتك يومًا أن أبثك ما بيا وإني لأستحييك أن أذكر الصبا ... إليك فأنسى القلب ما ليس ناسيا وبقي منها بيان. وجميل: هو ابن عبد الله بن معمر, وقيل: معمر بن عبد الله العذري الحجازي الشاعر, صاحب بثينة العذرية, ذكره الجمحي في الطبقة السادسة من الإسلاميين, وحدث عن أنس بن مالك, قال الخطابي: وليس له إلا حديث واحد, وهو: «إن من الشعر حكمة» ومات بمصر في سنة اثنين وثمانين, ودخل عليه العباس بن سهل الساعدي وهو يجود بنفسه, فقال له جميل: ما تقول في رجل لم يقتل نفسًا ولم يزن قط, ولم يشرب خمرًا قط, أترجو له الجنة؟ قال العباس: إي والله! فمن هو؟ قال جميل: إني أرجو أن أكون ذلك الرجل, قال العباس: فقلت: سبحان الله, وأنت تتبع بثينة منذ ثلاثين سنة؟ فقال: يا عباس إني لفي آخر يوم من أيام الدنيا, وأول يوم من أيام الآخرة, لا نالتني شفاعة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط, فما بوحنا حتى مات. وبثينة صاحبته بنت الأسود, وقيل: بنت مالك, ولما بلغها وفاته جزعت وصاحت وأغمي عليها ساعة, ثم أفاقت وقالت ترثيه: وإن سلوي عن جميل لساعة ... من الدهر لا حانت ولا حان حينها سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها ولم ير أكثر باكيًا وباكية من يومئذ.

стр. 136

قال المبرد: دخلت بثينة على عبد الملك بن مروان, فأحد النظر إليها ثم قال: يا بثينة! ما رأى فيك جميل حتى قال فيك ما قال! ؟ قالت: وما رأى الناس منك حتى ولوك الخلافة؟ فضحك, وقضى حاجتها. وأنشد بعده, وهو الانشاد الرابع والثلاثون: (٣٤) أن تقرآن على أسماء ويحكما ... مني السلام وأن لا تشعرا أحدا على أن «أن» فيه, أن الناصبة للمضارع, أهملت حملًا على أختها «ما» عند البصريين, خلافًا للكوفيين في زعمهم أنها المخففة من الثقيلة. أقول: هكذا اشتهروا, والصواب العكس, فإن القول بأنها هي المخففة قول البصريين, والقول بأنها الناصبة الخفيفة وقد أهملت, قول الكوفيين, قال ابن جني في «الخصائص»: سألت أبا علي, رحمه الله تعالى, عنه فقال: هي مخففة من الثقيلة, كأنه قال: أنكما تقرآن, إلا أنه خفف من غير تعويض. وحدثنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى, قال: شبه أن بما فلم يعملها كما لا يعمل ما. انتهى. وأحمد بن يحيى هو ثعلب أحد أئمة الكوفيين, والمحدث هو ابن السراج شيخ أبي علي الفارسي, وزاد في «سر الصناعة»: وهذا مذهب البغداديين, وفي هذا بعد, وذلك أن أن لا تقع إذا وصلت حالًا أبدًا, إنما هي للمضي أو للاستقبال, نحو: سرني أن قام, ويسرني أن تقوم غدًا, ولا تقول: يسرني أن يقوم, وهو في حال القيام, وما إذا وصلت بالفعل وكانت مصدرًا فهي للحال أبدًا, نحو قولك: ما تقوم حسن, أي: قيامك الذي أنت عليه حسن, فيبعد تشبيه

стр. 137

واحدة منهما بالأخرى, وكل واحدة منهما لا تقع موقع صاحبتها, قال أبو علي: وأولي, أن المخففة من الثقيلة, الفعل بلا عوض ضرورة, وهذا على كل حال, وإن كان فيه بعض الضعف, أسهل مما ارتكبه الكوفيون. انتهى. وكذلك قال في «شرح تصريف المازني» قال: سألت أبا علي عن ثبات النون في تقرآن بعد «أن» فقال: «أن» مخففة من الثقيلة, وأولاها الفعل بلا فصل للضرورة, فهذا أيضًا من الشاذ عن القياس والاستعمال جميعًا, إلا أن الاستعمال إذا ورد بشيء أخذ به وترك القياس, لأن السماع يبطل القياس. قال أبو علي: لأن الغرض فيما ندونه من هذه الدواوين, ونقننه من هذه القوانين إنما هو ليلحق من ليس من أهل اللغة بأهلها, ويستوي من ليس بفصيح ومن هو فصيح, فإذا ورد السماع بشيء لم يبق غرض مطلوب, وعدل عن القياس إلى السماع. انتهى. وقال ابن عصفور في كتاب «الضرائر»: ومنه مباشرة الفعل المضارع لأن المخففة من الثقيلة, وحذف الفصل نحو قول الشاعر, أنشده الفراء عن القاسم ابن معن قاضي الكوفة: إني زعيم يا نويـ ... ـقة إن سلمت من الرزاح أن تهبطين بلاد قو ... م يرتعون من الطلاح

стр. 138

وقول الآخر: أن تقرآن على أسماء ويحكما ... البيت وقول الآخر: إذا كان أمر الناس عند عجوزهم ... فلابد أن يلقون كل يباب وقول ابن الدمينة: ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبدا ليست بذات قروح أبى الناس ويح الناس أن يشترونها ... ومن يشتري ذا علةٍ بصحيح وقول الآخر: وإني لأختار القرى طاوي الحشى ... محاذوة من أن يقال لئيم قال أبو بكر ابن الأنباري: رواه الكسائي والفراء عن بعض العرب برفع يقال, ولا يحسن شيء من ذلك في سعة الكلام حتى يفصل بين أن والفعل بالسين أو بسوف, أو قد في الإيجاب وبلا في النفي, فإن جاء شيء منه في الكلام حفظ ولم يقس عليه, نحو قراءة ابن مجاهد: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة/٢٣٣]. برفع يتم. ومن النحويين من زعم أن أن في جميع ذلك هي الناصبة للفعل, إلا أنها أهملت حملًا على ما المصدرية, فلم تعمل لمشابهتها لها في أنهار تقدر مع ما بعدها بالمصدر, وما ذكرته قبل من أنها مخففة أولى, وهو مذهب الفارسي وابن جني, لأنها هي التي استقر في كلامهم ارتفاع الفعل المضارع بعدها. انتهى. وقال ابن يعيش في «شرح المفصل» عند قوله: وبعض العرب يرفع الفعل

стр. 139

بعد أن, ما نصه: هذا رأي البغداديين, ولا يراه البصريون, وصحة محمل البيت عندهم على أنها المخففة من الثقيلة, أي: أنكما تقرآن [وأن وما بعدها: في موضع البدل من قوله حاجه, لأن حاجته قراءة السلام عليها] , وقد استبعدوا تشبيه أن بما, لأن ما مصدر معناه الحال, وأن وما بعدها مصدر إما ماض وإما مستقبل على حسب الفعل الواقع بعدها, فلذلك لا يصح إحداهما بمعنى الأخرى, انتهى. وقبل البيت بيتان وهما: يا صاحبي فدت نفسي نفوسكما ... وحيثما كنتما لاقيتما رشدا أن تحملا حاجة لي خف محملها ... وتصنعا نعمة عندي بها ويدا وقوله: أن تحملا: مفعول, فعله محذوف تقديره: أسألكما أن تحملا, وأن تقرأن: في موضع البدل من حاجة, وقد بسطنا الكلام هنا بأكثر مما ذكرنا في شرح الشاهد الثاني والأربعين بعد الستمائة من شواهد الرضي. وهذه الأبيات مع شهرتها لم يعرف قائلها, والله تعالى أعلم. وأنشد بعده, وهو الانشاد الخامس والثلاثون: (٣٥) ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها على أن أن مخففة, لوقوعها بعد الخوف بمعنى العلم, واسمها ضمير الشأن المحذوف, وجملة لا أذوقها في محل خبرها, وقوله: ليس من ذلك كما زعم بعضهم ..

стр. 140

الخ, أي: ليس من أن الناصبة للمضارع, وأشار بهذا للرد على المبرد, فإنه قال في «المقتضب»: وزعم سيبوية أنه يجوز: خفت أن لا تقوم يا فتى, إذا خاف شيئًا كالمستقر, وهذا بعيد, قال ابن الشجري في «أماليه»: أقول: إن استبعاد أبي العباس لما أجازه سيبويه من إيقاع المخففة بعد الخوف على المعنى الذي عناه سيبويه استبعاد غير واقع موقعه, لأن الشعر القديم قد ورد بما أنكره أبو العباس, وذلك قول أبي محجن الثقفي: أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها وقد جاءت الثقيلة بعد الخوف في الشعر وفي القرآن, ومجيء الثقيلة أشد, فالشعر قوله: وما خفت يا سلام أنك قاطعي والقرآن قوله تعالى: ﴿ولا تخافون أنكم أشركتم بالله﴾ [الأنعام/٨١] انتهى كلامه, وقبله: إذا مت فادفني إلى جنب كرمةٍ ... تروي عظامي بعد موتي عروقها وأصل الخوف الفزع وانقياض النفس عن احتمال ضرر, وإذا اشتد الخوف التحق باليقين كما قاله الرضي, وقال ابن خطيب الدهشة في «التقريب في علم الغريب»: يقال: خاف الشيء: علمه وتيقنه: انتهى. وذلك أن الإنسان لا يخاف شيئًا حتى يعلم أنه مما يخاف منه, فهو من التعبير بالمسبب عن السبب,

стр. 141

وليس إطلاقه عليه لأنه من لوازم اليقين كما قال الشمني, فكم من يقين لا خوف معه, قال المصنف: الخوف في هذا البيت يقين, إنما حمل الخوف هنا على اليقين, لأن الظاهر الذي لا ريب فيه, أنه لا يذوقها بعد الموت, ولهذه الحسرة أمر وصيه أن يدفنه إلى جنب كرمة, كما في المثل المشهور «من حسرة العنب يتوسد جدار الحديقة» وقال الدماميني: قد يقال: لا يلزم من تعقل العقلاء أنه لا يذوقها بعد الموت, حمل الخوف على اليقين عند هذا الشاعر, لأن استهتاره بشربها ومغالاته في محبتها أمر مشهور, فلعل ذلك حمله على أنه خاف ولم يقطع يما تيقنه غيره, ولذلك أمر بدفنه إلى جنب الكرمة رجاء أن ينال منها بعد الموت, ومن ثم قيل: إن هذا أحمق بيت قالته العرب. انتهى كلامه. قال الحلبي: هذا مبني كما قال شيخنا على أنه كان إذ داك مترددًا بين ذوقها بعد الموت, بتقدير دفنه إلى جنب الكرمة, أو: لا, بتقدير دفنه في الفلاة, فلا علم ولا ظن, قال: وهذا احتمال, لأن التعليل بقوله: «فإنني أخاف أن .. » كان لمجموع الأمر والنهي, على معنى: فإنني أخاف الآن أن لا أذوقها غدًا, فلا علم ولا ظن, فهي الناصبة أهملت, ففي «شرح الكافية» للحديثي أن الخفيفة بعد فعل الخوف والرجاء ناصبة, لأنه يحتمل أن يقع وأن لا يقع, وبعد الظن يحتملها والمخففة, نظرًا إلى الرجحان وعدمه, أو على معنى: فإنني أخاف الآن – بتقدير: أن لا تدفنني إلى جنبها, بل في الفلاة – أن لا أذوقها إذا ما مت, أو: فإنني أخاف إذا ما مت بهذا التقدير أن لا أذوقها, فالخوف هنا علم ويقين فهي المخففة, وكذا إن جعل تعليلًا للنهي وحده, لأن الذي قارنه في هذا البيت على معنى: فإنني أخاف الآن أو إذا ما مت, بتقدير أن تدفنني في الفلاة لا إلى جنبها أن لا أذوقها. انتهى.

стр. 142

وههنا بحث, وهو أن الشاعر وإن كان من المغرمين المنهمكين بها, لكنه من ذوي العقول الكاملة, فكيف يظن به أنه غير قاطع بما يتيقنه غيره من عدم الذوق بعد الموت! بل هو أمر مركوز في الأذهان, غني عن البيان, وإنما جرى في كلامه هذا على مذهب الشعراء في تخيلاتهم, ورام سلوك جادة تمويهاتهم, فإنهم سحرة الكلام, ومخترعوا صور الإبهام, فأمر أولًا بدفنه بعد الموت بجانب كرمة, وأبدى عذره في ذلك بوصفها بقوله: تروي عظامي بعد موتي عروقها, ليستفاد من ذلك علة الأمر بالدفن المذكور, إشارة إلى أن ما لا يدرك كله لا يترك كله, وإذا تعذرت التروية الحقيقية, فلا أقل من حصول التروية المجازية, ثم نهى ثانيًا تأكيدًا للأمر الأول عن دفنه لا بجانب كرمة, وعلل ذلك بأنه يتيقن أنه لا يذوقها إذا مات, فلا يتروى بها حقيقة, فدفنه لا إلى جانبها أيضًا مفوت للتروية المجازية, ولمزيد شغفه بها آثر التعبير عن هذا اليقين بالخوف إبهامًا, لأنه مع ذلك لا يقطع بعدم الذوق, وجعل رفع الفعل بعد أن معه دليلًا على ما قصده معنى, وإنما قلنا: إن تروية العظام مجازية, لأن الري حقيقة لذوات الأكباد عن عطش, وليست العظام منها, على أنه لا عطش بعد الموت, أو لما له قوة نامية, ومنه قولهم: روي النبات من الماء, والعظام جماد, انتهى كلامه, ومن خطه نقلت. وروى البيت ابن السكيت كذا: ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... يقينًا إذا ما مت لست أذوقها والبيتان مطلعا قصيدة لأبي محجن الثقفي رواها ابن الأعرابي وابن السكيت في ديوانه, وبعدهما: أبا كرها عند الشروق وتارةً ... يعاجلني عند المساء غبوقها

стр. 143

وللكأس والصهباء حق معظم ... فمن حقها أن لا تضاع حقوقها وعندي على شرب المدام حفيظة ... إذا ما نساء الحي ضاقت حلوقها وأعجلن عن شد المآزر ولها ... مفجعة الأصوات قد جف ريقها وأمنع جار البيت مما ينوبه ... وأكرم أضيافًا قراها طروقها قال ابن السكيت: قوله: إذا مت فادفني, هذا خطاب مع ابنه يأمره بذلك, وفيه مبالغة على حبه للخمر وتعطشه إليه, إذ أظهر الرغبة إليها وهو ميت, وقوله: ولا تدفنني في الفلاة .. الخ, قال ابن السكيت: الفلاة: الأرض المهلكة التي لا علم بها ولا ماء, والمعنى: أن الفلاة لا يعرش فيها كرم, فلا تدفنني إلا بمكان ينبت فيه العنب, حتى أكون قريبًا منه فألتذ بذلك. وقوله: أبا كرها عند الشروق, قال ابن السكيت, أي: إنني أصبحها عند شروق الشمس, ومرة أشربها عشاء, إلا أنني أقدم شربها على العشي فيعاجلني الغبوق, والصبوح: شرب الغدو, والغبوق: شرب آخر النهار, وأبا كرها: أبادر إليها في بكرة النهار. وقوله: وللكأس والصهباء, قال ابن السكيت: حقها, كونها تسر القلب, وتذهب الهم, وتسخي البخيل, وتشجع الجبان, إلى غير ذلك من فعلها, وهذا حق لها, وإذا كان هذا دأبها, فمن حقها أن تعظم ولا تضيع حقوقها. انتهى. وقال ابن الملا الحلبي: فإن قلت: حق الكلام أن يقول: ومن حقهما أن لا تضاع حقوقهما, لا دعائه أن الحق المعظم للكأس والصهباء, قلت: نعم, إلا أنه ذهب إلى أنهما وإن كانا شيئين فهما بمثابة الشيء الواحد, واستملح ذلك من قول القائل: رق الزجاج وراقت الخمر ... وتشاكلا فتشابه الأمر

стр. 144

فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر انتهى. وفيه: أن هذين البيتين لأبي إسحق إبراهيم الصابي, وهو متأخر عن أبي محجن بأكثر من ثلاثمائة سنة, وكان ينبغي أن يعكس. وقوله: وعندي على شرب .. الخ, قال ابن السكيت: الحفيظة: كل شيء يغضب لأجله, يعني: وإن كنت سكران, لا أهمل الحفاظ إذا استغاثت بي نساء الحي, وصحن لنازلة نزلت بهن. وقوله: وأعجلن عن شد .. الخ, قال ابن السكيت: أي دهمن من البلاء من أعجلهن عن شد المآزر في أوساطهن وولها: مفعول من أجله, أي: للوله الذي نزل بهن, والواله: الذاهب العقل, والمفجعة: التي نزل بها ما أخافها وأفزعها, وجف ريقها, أي: يبس. انتهى. والصواب أن ولهًا حال, لا مفعول من أجله. وقوله: أمنع جار البيت .. الخ, قال ابن السكيت: قراها: أطعمها, يقول: إذا طرقتنا الضيفان ليلًا أعجلنا لها القرى, فكأن طروقها هو الذي قراها. انتهى. وأبو محجن: شاعر صحابي أسلم حين أسلمت ثقيف, قال الذهبي في «التجريد»: أبو محجن الثقفي: عمر بن حبيب, وقيل: مالك بن حبيب, وقيل: عبد الله, كان فارسًا شاعرًا من الأبطال, لكن جلده عمر رضي الله تعالى عنه في الخمر مرات, ونفاه إلى جزيرة في البحر, فهرب ولحق بسعد وهو يحارب الفرس, فحبسه, وله أخبار وروى عنه أبو سعد البقال. انتهى. ورواية أبي سعد

стр. 145

البقال عن أبي محجن بتدليس, لأنه لم يدرك عصره, وقد ذكروه في الضعفاء, وقيل: إن اسمه أبو محجن, وهي كنيته أيضًا, وهو بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وتفح الجيم, والسيوطي هنا أثبت له رواية فقط ولم يذكر أن له سماعًا, ونفاها أيضًا الذهبي في «تاريخ الإسلام» وأثبتها له ابن عبد البر في «الاستيعاب» ثم إن الله تعالى وفقه لأن تاب عنها توبة نصوحًا, فلم يعد إليها رضي الله تعالى عنه, وقد استوعينا ترجمته في الشاهد الأربعين بعد الستمائة. وأنشد بعده, وهو الانشاد السادس والثلاثون: (٣٦) زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامةٍ يا مربع على أن «أن» فيه مخففة من الثقيلة, قال ابن الشجري في «أماليه» في الفرق بين «أن» فيه مخففة من الثقيلة, قال ابن الشجري في «أماليه» في الفرق بين «أن» الخفيفة و «أن» المخففة: إن كل واحدة منهما مختصة بنوع من الفعل, ولهما اشتراك في نوع منه, فالمخففة من الثقيلة تقع بعد الأفعال الثابتة المستقرة في النفوس, نحو: أيقنت وعلمت, ورأيت في معنى علمت, فحكمها في ذلك حكم الثقيلة, وقد عرفت أن الثقيلة موضوعة للتوكيد, فهي ملائمة في المعنى لما ثبت واستقر من الأفعال, لأن التوكيد لا يقع بما لا يثبت في النفوس. والناصبة للفعل ليست من التوكيد في شيء, وهي مع ذلك تصرف الفعل إلى الاستقبال الذي لا ينحصر وقته, فهي بهذا ملائمة للفعل الذي ليس بثابت, نحو الطمع والرجاء [والخوف] والتمني والإشفاق والاشتهاء.
следующие страницы →