Полный текст (2 797 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فقط. وقال القالي في أواخر «أماليه»: حدثني أبو يعقوب وراق أبي بكر ابن دريد, وكان من أهل العلم قال: أخبرني مسيح بن حاتم قال: أخبرنا سليمان بن أبي شيخ, قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي قال: تزوج رجل من أهل تهامة امرأة من أهل نجد, فأخرجها إلى تهامة, فلما أصلبها حرها قالت: ما فعلت ريح كانت تأتينا ونحن بنجد يقال لها: الصبا؟ فقال لها: يحجبها عنك هذان الجبلان فقالت:
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها
أجد بردها أو تشف مني حرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها
فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس مهموم تجلت همومها
انتهى. والظاهر عندي أنها تمثلت بهذا الشعر وليس لها.
ونعمان بفتح النون: فعلان, من نعمة العيش وهو غضارته وحسنه, وهو نعمان الأراك, وهو واد ينتبه ويصب إلى ودان, بلد غزاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم, وهي بين مكة والطائف, وقيل: واد لهذيل على ليلتين من عرفات, وقال الأصمعي: نعمان: واد يسكنه بنو عمرو بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل, بين أدناه ومكة نصف ليلة, به جبل يقال له المدراء, وبنعمان [من] بلاد هذيل وأجبالها الأصدار, وهي صدور الوادي يجيء منها العسل إلى مكة, وقول بعض الأعراب فيه دليل على أنه واد:
ألا أيها الركب اليمانون عرجوا ... علينا فقد أضحى هوانا يمانيا
стр. 72
نسائلكم هل سال نعمان بعدكم ... وحب إلينا بطن نعمان واديًا
عهدنا به صيدًا كثيرًا ومشربًا ... به ينقع القلب الذي كان صاديا
هذا ما قاله ياقوت الحموي في «معجم البلدان» وقال أبو عبيد البكري في «معجم ما استعجم»: نعمان وادي عرفة دونها إلى منى, وهو كثير الأراك, انتهى. قال الدماميني: إن قلت: على ماذا يعود الضمير في قوله: نسيمها؟ قلت: يحتمل أن يعود على النسيم الأول, وهو المضاف إلى الصبا, ويختلف حينئذ المراد بها, فيراد بالنسيم الأول ريح الصبا والإضافة للبيان, ويراد بالنسيم الثاني نفس الريح الضعيف, قال في «المحكم»: والنسيم نفس الريح إذا كان ضعيفا, ويحتمل أن يعود الضمير على محبوبته, سواء جرى ذكرها [قبل] أو لم يجر, أما إن جرى فواضح, وأما أن لم يجر لها ذكر, فلتنزيلها منزلة المذكور المعلوم, لأنها حاضرة عنده لا تغيب عنه ولا يفتر عن ذكرها بحسب الادعاء. انتهى.
أقول: إن لم يجر ذكرها في هذا الشعر فقد جرى ذكرها في منشئه.
وقال السيوطي: ويحتمل أن يكون النسيم الثاني عين الأول, من إقامة الظاهر مقام الضمير, والضمير للصبا, انتهى.
فيكون نكتته التلذذ بذكر لفظ النسيم كما يتلذذ بهبوبها, ويجوز أن يكون
стр. 73
الثاني مصدرا, وهو أوفق بقوله: فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت. قال صاحب «القاموس»: النسيم: الريح إذا كان ضعيفًا, والنسيم أيضًا: مصدر نسمت الريح تنسم نسمًا ونسيمًا ونسمانًا, وبه فسر قول امرئ القيس:
نسيم الصبا جاءت بريًا القرنفل
وروى العيني في «شواهده» تبعًا لغيره: «طريق الصبا» وهو واضح لا إشكال فيه, والصبا كما قال الجوهري: ريح ومهبها المستوي: أن تهب من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار, وقام الإمام الواحدي في «تفسير الوسيط» عند قوله تعالى: ﴿إني لأحد ريح يوسف﴾ [سورة يوسف/ ٩٤] إن ريح الصبا استأذنت ربها أن تأتي يعقوب بريح يوسف ﵉ قبل أن يأتيه البشير بالقميص, فأذن لها فأتته بذلك, فلهذا يستروح كل محزون بريح الصبا, وهي من المشرق, إذا هبت على الأبدان نعمتها, وهيجت الأسواق إلى الأوطان والأحباب, وأنشد البيتين من شعر المجنون المتقدم.
قال الصفدي في «تاريخه» بعد نقل هذا: الظاهر أن نسيم الصبا يختلف مزاجه وتأثيره باختلاف الأرض والبقاع التي تمر عليها, والفصول أيضًا, فهي في الربيع تكون ألطف منها في غيره, لأنا نشاهد بالحس أن الريح التي تهب بدمشق وغيرها مما يقاربها ريح يابسة المزاج تجفف الرطوبات وتقحل الأجسام وتحرق الثمار والزروع, وهي في الديار المصرية أشد منها في الشام, وهي التي يسمونها المريسي, على أن أشعار العرب ملأى من الاسترواح بها, ووصفها باللطف
стр. 74
وتنفيس الكرب, ولعلها في بلاد الحجاز وما أشبهها تكون بهذه الصفة, انتهى كلامه.
أقول: إن الريح التي تسمى بمصر: المريسي, بفتح الميم, نسبة إلى مربس, وهو جنس من السودان من بلاد النوبة يسمونها المريس, لإتيانها من تلك الجهة, قاله ابن خلكان في «تاريخه» وهي تهب في الشتاء باردة وفي الصيف حارة, لكنها تبرد الماء, والنوبة في جهة الجنوب, فكيف تكون ريح الصبا! فتأمل.
وقوله: يخلص, أي: يصل, من الخلوص, وهو الوصول على وجه الكمال, جزم في جواب الأمر. وقوله: أجد بردها, بدل من يخلص, وعطف تشف بأو على منع الخلو لا الجمع. وصميم الشيء: خالصه. وقوله: فإن الصبا, الفاء: تعليلية, وجمع الأدواء جمع داء, وهو المرض, باعتبار الأنواع, وقوله: وأقتل: أي, أسدها قتلًا.
وقائل الشعر: مجنون بني عامر, واسمه قيس بن الملوح بن مزاحم العامري, وصاحبته ليلى بنت مهدي العامرية وشعره كثير في الطبقة العليا في الحسن والرقة, وله حكايات وأحوال أوردها الأصبهاني في «الأغاني» وترجمة ترجمة طويلة وهام بحبها في الفلوات وأنس الوحوش, فكان لا يأكل إلا مما تنبت الأرض من البقول, ولا يشرب إلا مع الظباء, وطال شعره وألفته الوحوش, وكان يهيم حتى يبلغ حدود الشام, فإذا ثاب عقله سأل عن نجد فيقال: وأين نجد, أنت في موضع كذا! فيدلونه على الطريق فيتوجه نحوه, وكان أهله يأتونه بالطعام والشراب, فربما أكل منه, ففي بعض الأيام أتوه بالطعام فلم يجدوه, فانطلق أهله يفتشون البراري, فرأوه ملقى بين الأحجار ميتًا, فاحتملوه إلى الحي, فغلوه وكفنوه ودفنوه, وكثر بكاء النساء والثياب عليه. وكان معاصرًا
стр. 75
لقيس بن ذريح صاحب لبتى, وكأنا في إمرة الزبير. كذا في «تاريخ الإسلام» للذهبي, أورد ترجمته في سنة سبعين للهجرة.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الثامن عشر:
(١٨) فأصاخ يرجو أن يكون حيًا ... ويقول من فرح هيا ربا
قال القالي في «أماليه»: قرأت في «نوادر ابن الأعرابي» على أبي عمر المطرز الأعرابي:
وحديثها كالقطر يسمعه ... راعي السنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حيًا ... ويقول من طمع هيا ربا
وكذا أنشدها الجاحظ في كتاب «البيان» لبعضهم, والقطر: قطر المطر, وجملة يسمعه: صفة لقطر, لأن اللام فيه للجنس, والهاء ضميره, وفيه مضاف محذوف, أي: يسمع صوت نزوله, وراعي: فاعل يسمع, وهو مضاف للسنين بتقدير في, وكان الظاهر أن يقول: سمعه, لكنه أتى بالمضارع لحكاية الحال, قال السيوطي: وأورده ثعلب في «أماليه» بلفظ: «وحديثها كالقطر مر
стр. 76
به». وجملة: تتابعت, صفة للسنين, واللام فيها للجنس أيضا: بدليل أن غير القالي رواه «سنين» بلالام, وزعم ابن وحيي في شرحه أن قوله راع بالتنوين, وسنين ظرفه, وتتابعت: بالموحدة قبل العين, وقال أبو عبيد البكري فيما كتبه على «أمالي القالي» وسماه «اللآلي في شرح الأمالي»: ورواه غيره «تتابعت» بالياء المثناة التحتية, وهي رواية جيدة, لأن التتابع أخص بالشر, انتهى. قال في «القاموس»: والتتابع ركوب الأمر والتهافت, ولإسراع في الشر واللجاجة, والسنين: الأعوام, وجدبًا: تمييز محول عن الفاعل, والأصل: تتابع جدب السنين عليه, والجدب بفتح الجيم وسكون الدال المهملة: المحل وزنًا ومعنى, وهو انقطاع المطر ويبس الأرض, وقوله: فأصاخ, الفاء: لمحض السببية, وأضاخ بالصاد المهملة والخاء المعجمة: أمال أذنه للاستماع, وجملة يرجو حال من ضمير أصاخ, واسم يكون ضمير القطر, وخبرها حيًا, والحيا: بفتح الحاء المهملة والقصر, قال صاحب «القاموس»: الحيا: الخصب والمطر, ويمد, انتهى. والخصب بالكسر:
خلاف الجدب, وعلى كلا المعنيين لابد من تقدير مضاف, أي: سبب خصب أو مقدمة مطر, وإن قدرت تكون بمعنى تصير فلا حذف, وكذا إن قرت تكون تامة, وحيًا فاعلها, أي: يحصل الخصب والمطر, وقال المطرزي في فضل معنى المقامة من مقدمة «شرحه للمقامات الحريرية»: الحيا: اسم للمطر, لأنه يحيي البلاد والعباد, ثم سموا النبات حيًا, لأنه يكون بالمطر, ثم اتسعوا فسموا الثحم والسمن حيًا, لأنهما يكونان من النبات, وهو الذي أراده الراعي في قوله:
стр. 77
فقلت لرب الناب خذها ثنية ... وناب علينا مثل نابك في الحيا
وجملة يقول: معطوف على جملة يرجو, وقوله: من طمع, رواية الكثيرين «من فرح» ومن تعليلية, ويجوز أن تكون ابتدائية, وهيا ربا: مقول القول, وربا: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفًا, والمقصود بالنداء محذوف لظهوره.
شبه محبوبته في شدة رغبة مجيئها إليه بقطر قد اشتدت حاجة راعي الماشية إليه, لتوالي أعوام المحل عليه, فلما سمع صوت قطرات المطر أمال أذنه ليسمعه, ويتحقق نزوله راجيًا أن يكون خصبًا مربعًا, أو غنيًا سريعًا, وقائلاً من شدة فرحه:
يا رب حقق رجائي:
ولقد أجاد الدماميني في قوله: والمعنى رجا أن يكون ما سمعه من وقع ذلك القطر اليسير مقدمة مطر عظيم. وابن الملا الحلبي أطال وما أجاد, وهذا كلامه: الحيا بالقصر المطر, وبالمد الاستحياء, وجملة: يسمعه مستأنفة لبيان وجه التشبيه, وضميره عائد على الحديث أو على القطر, والجملة صفة له, لأن تعريفه جنسي, وعطف أصاخ على يسمعه, لأنه في معنى يصيخ, والعدول إلى الماضي للدلالة على التحقق, واسم يكون ضمير عائد إلى حديثها المسموع إن كانت ناقصة, أو الحيا مرفوعها إن كانت تامة, والواو من: ويقول, استئنافية, والفعل بعدها مرفوع, لا عاطفة, وهو منصوب, لأو رجاء القول غير مراد, والمعنى: أن حديث هذه المحبوبة كالقطر إذ به حياة النفوس, كما أن بذاك حياة البقاع, فهو إذا سمعه راعي الماشية, في سنين توالي جدبها, ظنه غيثًا, فألقى إليه سمعه راجيًا أن يكون غيثًا على التحقيق, وأخذ يقول: يا رب حقق ذلك, أو أن حديثها كالقطر المسموع للراعي المذكور, وعليه فرجاء كونه حيًا, أو وجدانه مع أنه مسموع له, لأنه مقدمته, والتشبيه على الأول تشبيه مفرد بمفرد, وعلى الثاني تشبيه مفرد بمركب, ويمكن أن يدعي أن هذا الراعي لما توالت عليه سنو
стр. 78
الجدب نسي المطر, فلما سمع القطر لم يتحقق كونه من المطر, لما عنده من اليأس منه, فرجاه وأكد رجاءه بالدعاء, انتهى. ومن خطه نقلت.
قال القالي في «أماليه»: أنشدنا بعض أصحابنا في حسن الحديث:
فبتنا على رغم الحسود وبيننا ... حديث كمثل المسك شيبت به الخمر
حديث لو أن الميت نودي ببعضه ... لأصبح حيًا بعدما ضمه القبر
وأحسن في هذا المعنى علي بن العباس الرومي, أنشدنا الناجم قال: أنشدنا ابن الرومي لنفسه:
وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ود المحدث أنها لم توجز
شرك النفوس ونزهة ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المستوفز
أقول: هذا نهاية ما قيل في هذا المعنى, وقد أخذ قوله: «ود المحدث أنها لم توجز» من مجنون ليلى, وهو قيس بن الملوح العامري, وهو قوله:
من الحفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
ومن جيده قول بشار بن برد:
стр. 79
وكأن رفض حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا
وكأن تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا
وأنشد في «إذن» وهو الانشاد التاسع عشر:
(١٩) لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها ... وأمكنني منها إذن لا أقيلها
على أن «إذن» وقعت في جملة جواب الشرط لـ «إن» الملفوظة, واعترضه الدماميني بأنه مخالف للقاعدة المشهورة, وهي أن القسم والشرط متى اجتمعا فالجواب للسابق منهما, واللام مصاحبة لقسم مذكور في بيت قبلها, وهو:
حلفت برب الراقصات إلى منى ... يغول الفيافي نصها وذميلها
فالجواب للقسم السابق لا للشرط اللاحق, ولهذا لم يجزم الفعل, وإلا فلو كان للشرط لجزم, انتهى.
أقول: إنما لم يجزم لكون الشرط ماضيًا, قالوا: إن كان الجواب مضارعًا والشرط ماضيًا فالجزم مختار, والرفع كثير حسن, وقال ابن وحيي في شرحه يرد عليه: إن عدم الجزم للضرورة على طريقة:
ألم يأتيك والأنباء تنمي
وهذا غير جيد منه, فإن التخريج على الضرورة إنما يضطر إليه إذا لم يمكن
стр. 80
التخريج على جه راجح. وأجاب الشمني بجوابين:
أولهما: إنا لا نسلم أن المصنف مثل بهذا البيت بناء على المشهور, وإنما مثل به تبعًا لبدو الدين ابن مالك, على ما ذهب إليه الفراء وابن مالك من جواز جعل الجواب للشرط المتأخر. أقول: قاله في شرح «الألفية» قال: وأما إذن فحرف جواب يختص بجملة واقعة جوابًا لشرط مقدر, وقد يكون مذكورًا كقوله: لئن عاد لي عبد العزيز .. البيت. ويرد عليه ما ورد على المصنف, ويجاب عنه أيضًا بما أجبنا, وأما والده فقد قال في «التسهيل»: وإن توالى قسم وحرف شرط استغني بجواب سابقهما, وربما استغني بجواب الشرط, قال أبو حيان في شرحه: مثال الاستغناء نحو: والله إن يقم زيد يقم بكر, وهذا الذي ذهب إليه مذهب بعض الكوفيين, منم الفراء, وأما البصريون فلا يجوز عندهم, بل الحكم للسابق, انتهى.
وأما ثاني جوابي الشمني فهو قوله: سلمنا أنه مثل به على المشهور, لكن لما كان الجواب المحذوف للشرط كالجواب المذكور للقسم, صح التمثيل بالبيت, لوقوع إذن في جواب إن الملفوظة. غاية ما في الباب أن ذلك الجواب محذوف هذا كلامه, وتعسفه ظاهر, وإنما أهملت «إذن» في البيت, ولم تنصب لتوسطها وعدم صدارتها, فإنها وقعت بين ذي جواب وجواب, وأغرب من جميع ما تقدم قول العيني: لا أقيلها: في موضع جزم على جواب الشرط, وعملت في الموضع دون اللفظ.
стр. 81
تتمة: قال أبو علي في «البغداديات»: ذكر سيبويه: لئن أتيتني لأفعلن, ونحوه: ﴿ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا﴾ [الروم/٥٨] فزعم أن الذي يعتمد عليه اليمين اللام الثانية, فاعتل أبو إسحق لذلك في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾ [البقرة/١٠٢] بأن قال: اللام الثانية هي لام القسم في الحقيقة, لأنك إنما حلفت على فعلك لا على فعل غيرك في قولك: والله لئن جئتني لأكرمنك, وهذا الذي اعتل به فاسد جدًا ضعيف, وذلك أنه لو قال: والله لئن جئتني ليقومن عمرو, فإن الحالف إنما حلف على فعل غيره, فهذا بين الفساد, ولكن مما يدل [على أن الاعتماد على اللام الثانية, أو ما يقوم مقامها مما يتلقى به القسم] قول كثير:
لئن عاد لي عبد العزيز ... البيت
فلو كان الاعتماد على اللام في لئن دون لا أقيلها, لوجب أن ينجزم الفعل بعد «لا» بالجزاء, فلما ارتفع الفعل علمت أن معتمد اليمين إنما هو على اللام الثانية, انتهى.
ولا يخفى أنه يرد عليه أيضًا أنه إنما لم ينجزم الفعل لكون الشرط ماضيًا كما ذكرناه في جواب الدماميني.
والبيتان من أبيات لكثيرة عزة ألحقيا بقصيدة مدح بها عبد العزيز بن مروان أخا عبد الملك بن مروان, وقبلهما:
عجبت لتركي خطة الرشد بعدما ... بدا لي من عبد العزيز قبولهما
وبعدهما:
فهل أنت إن راجعتك القول مرة ... بأحسن منها عائد فمقيلها
وكان عبد العزيز أعجبه قوله في القصيدة التي مدحه فيها هذا البيت:
стр. 82
إذا ابتدر الناس المكارم بزهم ... عراضة أخلاق ابن ليلى وطولها
فقال له: حكمك يا أبا صخر, قال: اجعلني مكان ابن رمانة, وهو كاتبه وصاحب أمره, فقال عبد العزيز: ما أردت ويلك! ولا علم لك بخراج ولا كتابة! اخرج عني, فخرج كثير نامًا, ثم لم يزل يتلطف حتى دخل عليه, فأنشده الأبيات المتقدمة, فلما قال:
فهل أنت إن راجعتك القول مرة ... البيت ..
قال له عبد العزيز: أما الآن فلا, ولكن قد أمرنا لك بعشرين ألف درهم. وعبد العزيز هو أبو عمر بن عبد العزيز أمير مصر, وولي العهد بعد أخيه من أبيهما مروان بن الحكم, وقول الدماميني: هو أحد الخلفاء الأمويين, زلة قلم, ولما ملك مروان الشام سار إلى مصر وغلب عليها, واستخلف عليها ولده عبد العزيز, فبقي أميرها إلى أن مات في سنة خمس وثمانين عند الأكثر.
وقوله: عجبت لتركي خطة الرشد, الخطة بالضم: الأمر والقصة, وأراد بخطة الرشد: تحكيم عبد العزيز إياه فيما يطلب, وقوله: لئن عاد لي .. الخ يمثلها, أي: بمقالة مثلها, وهو قوله: حكمك يا أبا صخر.
وقوله: لا أقيلها, أي: أطلب منه ما لا اعتراض علي فيه ولا قدح, هكذا فسره العلماء, والإقالة: الرد, ومنه الإقالة الشرعية, فإن من أقالك, فقد رد عليك ما لم تطب نفسك بمسامحته. وروى جماعة من شرح «المفصل»: «لا أفيلها» بالفاء, أي: لا أفيل رأيه فيها, يقال: قال يفيل فلولة, إذا ترك الرأي الجيد, وفعل ما لا ينبغي للعاقل أن يفعله, فالفيلولة: ضعف الرأي, وهي رواية مناسبة.
وما قال ابن سيده أن عبد العزيز كان أعطاه جارية, فأبى كثير قبولها, ثم ندم بعد ذلك, غلط وقياس منه, ولم يذكر الجاحظ في كتاب «البيان»
стр. 83
إلا الأول, قال فيه: ومن الحمقى كثير عزة, ومن حمقه أنه دخل على عبد العزيز فمدحه بمديح استجاده, فقال له: سلني حائجك, قال: تجعلني في مكان ابن رمانة, قال: ويلك, ذاك رجل كاتب وأنت شاعر, فلما خرج ولم ينل شيئًا, قال في ذلك: عجبت لرتبي خطة الرشد ... الأبيات المتقدمة.
وقوله: حلفت برب الراقصات, الرقص: ضرب من الخبب في العدو.
وتقول البلاد: تقطعها, وأصل الغول الإهلاك, والنص والذميل: ضربان من العدو, وقد بسطنا الكلام بأكثر من هذا في شرح الشاهد الواحد والخمسين بعد الستمائة من أبيات «شرح الكافية» للعلامة المحقق نجم الأئمة الرضي.
وكثير: بصيغة مصغر كثير, وهو كثير بن عبد الرحمن الخزاعي, وهو شاعر حجازي من شعراء الدولة الأموية, ويكنى أبا صخر, واشتهر بكثير عزة بالإضافة إلى عزة, وغالب شعره نسيب بها.
وعزة: بفتح العين المهملة وتشديد الزاء المعجمة, وهي في اللغة بنت الظبية, وهي عزة بنت حميل - بضم المهملة - من بني صاحب بن غفار الضمري. ومات كثير في مدة يزيد بن عبد الملك بالمدينة المنورة, على مشرفها أفضل الصلاة وأزكى السلامز
قال جويرية ابن أسماء: مات كثير وعكرمة مولى ابن عباس في يوم واحد, فقال الناس: اليوم مات أفقه الناس وأشعر الناس, ولم يتخلف رجل ولا امرأة عن جنازتيهما, وذلك في سنة خمس أو سبع ومائة, وقد أطنب صاحب «الأغاني» بترجمته, ولخصنا بعضه في الشاهد الثالث والسبعين بعد الثلاثمائة من ذلك الكتاب.
стр. 84
وانشد بعده, وهو الانشاد العشرون:
(٢٠) لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
إذن لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثةٍ لانا
على أن قوله: «إذن لقام» بدل من لم تستبح, وبدل الجواب جواب, وهذا كلام ابن جني, قال في إعراب «الحماسة» قوله: إذن لقام .. إلخ, هو جواب قوله: لو كنت من مازن, فإن قلت: فقد أجاب لو هذه بقوله: لم تستبح إبلي, قيل: قوله إذن لقام .. إلخ, بدل من قوله: لم تستبح إبلي, وهذا كقولك: لو زرتني لأكرمتك إذن لم يضع عندي حق زيارتك, انتهى.
وتبعه جماعة منهم ابن يعيش في «شرح المفصل» قال: فإذن جواب لقوله: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي على سبيل البدل من قوله: لم تستبح إبلي, وجزاء على فعل المستبيح, انتهى.
وقال الإمام المرزوقي: اللام في لقام جواب يمين مضمر, والتقدير: إذن والله لقام بنصري, [فإن قيل: فأين جواب لو كنت؟ قلت: هو لم تستبح إبلي] , وفائدة إذًا: هو أن هذا البيت الثاني أخرج مخرج جواب قائل قال له: ولو استباحوا ماذا كان يفعل بنو مازن؟ فقال: إذًا لقام بنصري, [قال سيبويه: إذن جواب وجزاء] وإذا كان كذلك فهذا البيت جواب لهذا السائل, وجزاء على فعل المستبيح. ويجوز أيضًا أن يكون إذًا لقام
стр. 85
جواب لو, كأنه أجيب بجوابين, وهذا كما تقول: لو كنت حرًا لاستقبحت ما يفعله العبيد, إذن لاستحسنت ما يفعله الأحرار, انتهى.
والمحقق الرضي لم يرتض هذا المسلك, واختار وجهًا غير ما ذكرنا قال: إن «إذن» متضمنة لمعنى الشرط, وحققه ثم قال: وإذا كانت بمعنى الشرط الماضي جاز إجراؤها مجرى «لو» في إدخال اللام في جوابها كما في البيت, فجملة لقام .. إلخ: جواب إذن, كأنه قيل: ولو استباحوا إبلي مع كوني من بني مازن لقام بنصري .. إلخ.
واستشهد بالبيت الأول على أن «بنين» لتغير مفرده في الجمع, أشبه جمع المكسر, فجاز تأنيث الفعل المسند إليه كما يجوز في الأبناء الذي هو جمع مكسر, كما أسند في البيت لم تستبح بناء التأنيث في أوله إلى «بنو» وهو ظاهر.
واستشهد بالبيت الثاني أيضًا على أن إذن تدخل على الماضي.
والبيتان أول أبيات ثمانية هي أول كاب «الحماسة» لأبي تمام الطائي لقريط ابن أنيف العنبري, وقد شرحناها جميعًا في الشاهد السادس والخمسين بعد الخمسمائة, وفي الشاهد السادس والأربعين بعد الستمائة من أبيات «شرح الكافية» للمحقق الرضي.
قال أبو عبيدة: أغار ناس من بني شيبان على رجل من بني العنبر يقال له: قريط بن أنيف, فأخذوا له ثلاثين بعيرًا, فاستنجد قومه فلم ينجدوه, فأتى مازن تميم, فركب معه نفر فأطردوا لبني شيبان مائة بعير فدفعوها إليه, فقال هذه الأبيات. ومازن هنا هو ابن مالك بن عمرو بن تميم بن أخي العنبر بن عمرو بن تميم, وإذا كان كذلك فمدح هذا الشاعر لهم يجري مجرى الافتخار بهم.
стр. 86
قال المرزوقي: قصد الشاعر في هذه الأبيات إلى بعث قومه على الانتقام له من أعدائه لا إلى ذمهم, وكيف يذمهم ووبال الذم راجع إليه, لكنه سلك طريقة كبشة أخت عمرو بن معدي كرب في قولها:
ودع عنك عمروا إن عمروا مسالم ... وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم
فإنها لا تهجو أخاها, وعمرو هو الذي كان يعد بألف فارس, ولكن مرادها تهيبجه.
والاستباحة: الإباحة, وقيل: الإباحة: التخلية بين الشيء وطالبه, والاستباحة: اتخاذ الشيء مباحًا, ولا مناسبة للقيطة هنا لأنها فزارية لا اتصال لها بذهل بن شيبان, والصواب بنو الشقيقة, وأول من شرح على اللقيطة أبو عبد الله النمري أول شارح «للحماسة» واتبعه من جاء ببعده من شراحها, قال النمري: اللقيطة: نبز نبزهم الشاعر به وليس بنسب لهم, جعل أمهم ملقوطة وأخرجها مخرج النطيحة والرمية, هذا كلامه, ورد عليه الأسود أبو محمد الأعرابي الغندجاني فيما كتبه على ذلك الشرح قال: هذا موضع المثل «أول الدن دردي» هذا أول بيت من «الحماسة» جهل جهة الصواب في صحة منته, واستواء نظامه فاشتغل بوزن اللقيطة وذكر النطيحة, والصواب إن شاء الله تعالى ما أنشدناه أبو الندى, وذكر أنه لقريط بن أنيف العنبري:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو الشقيقة من ذهل بن شيبانا
قال: الشقيقة: هي بنت عباد بن زيد بن عوف بن ذهل بن شيبان, وهي أم سيار وسمير وعبد الله وعمر, وأولاد سعد بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان,
стр. 87
وهم سيارة مردة ليس يأتون على شيء إلا أفدوه, قال: وأما اللقيطة وليس هذا موضعها, فهي أم حصن بن حذيفة وإخوته, وهم خمسة واسمها: نضيرة بنت عصيم بن مروان بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة, وإنما ألحق بها هذا الاسم, أن أباها لم يكن له ولد غيرها, والعرب ذاك الدهر تئد الجواري, فلما رآها انتشرت نفسه عليها, ورق لها, وقال لأمها: استرضعيها وأخفيها من الناس, فكان أول من فطن لها حمل بن بدر, فقال لأخيه حذيفة - وتحته العذرية, ليس له ولد إلا منها, وهو مسهر, وبه كان يكنى -:
ما لك لا تتزوج ونجمع النساء, نرزق منك عضدًا؟ قال: ومن لي بالنساء التي تشبهني وتلائمني؟ قد علمت ما لقيت في العذرية! قال: قد التقطت لك امرأة ترضاها وتشبهك, قال: من هي؟ قال: بنت لعصيم بن مروان بن وهب, قال: وإن له لبنتًا؟ قال: نعم, قال: فما لي لم أسمع بها؟ ! قال: كانت مخفاة, وقد خبرت خبرها, قال: فأنت رسولي إلى عصيم فيها, قال: فأتاه فزوجه إياها, وبهذا سميت اللقيطة, وهي أم حصن ومالك ومعاوية وورد وشريك بن حذيفة, وإياهم عنى زبان بن سيار بقوله:
أعددتها لبني اللقيطة فوقها ... رمح وسيف صارم وسليل
هذا آخر كلام الأسود, وقال السكري في شرح «ديوان حسان بن ثابت»: اللقيطة أم حصن بن حذيفة كانت سقطت منها في نجعة وهي صغيرة, فأخذت وسميت اللقيطة, وكذا قال ياقوت الحموي في «أنساب العرب» قال: وحصن بن حذيفة هو ابن اللقيطة, لأن قومها انتجعوا فسقطت وهي طفل, فالتقطها قوم فردوها عليهم, انتهى, والله تعالى أعلم.
стр. 88
وقوله: لقام بنصري, من قام بالأمر, إذا تكفل به, والمعشر: اسم لجماعة أمرهم واحد, وخشن بضمتين: جمع خشن, بفتح فكسر, وقيل: جمع أخشن, وضمة الشين للإتباع, والحفيظة: الغضب في الشيء الذي يجب عليك حفظه, واللوثة بضم اللام: الضعف, وهي الرواية الصحيحة, وبالفتح: القوة والشدة, والأول أسد, لأن مراده التعريض بقومه ليغضبوا ويهتاجوا لنصرته. قال ابن جني: إن قلت أين جواب قوله: إن ذو لوثة لانا؟ قيل: محذوف دل عليه قوله: خشن, أي: إن لان ذو لوثة خشنوا.
وقريط بن أنيف العنبري كلاهما بصيغة المصغر, قال الخطيب التبريزي في «شرح الحماسة»: هو شاعر إسلامي, وقد تتبعت كتب الشعراء وتراجمهم فلم أظفر له بترجمة.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الواحد والعشرون:
(٢١) لا تتركني فيهم شطيرا ... إني إذن أهلك أو أطيرا
على أنه مؤول على حذف خبر إن, أي: إني لا أقدر على ذلك, ثم استأنف ما بعده.
وهذا أحد تخاريج السيرافي قاله في شرح «الكتاب»: هذا البيت شاذ لا يحتج به, لأن قائله مجهول لا يحتج بقوله, فإن صح فإما أن يقال: إنه لغة حمل فيها إذن على لن, وهي لا تلغى بحال, أو تقول: خبر إن مقدر, أي: إني لا أقدر على ذلك, وجملة: إذن أهلك, مستأنفة, وإذن فيها مصدرة, انتهى. فهذه تخاريج ثلاثة, وسلك نحوه ابن يعيش في «شرح المفصل» وخرجه
стр. 89
المحقق الرضي بوجه غير هذا, قال: إن الخبر هو مجموع إذن أهلك, لا أهلك وحده, فتكون إذن مصدرة, ورده الدماميني بأن مقتضاه: جواز قولك: زيد إذن بقوم, بالنصب على جعل الخبر هو المجموع إذ الاعتماد المانع منتف إذ هو ثابت للمجموع وصريح كلامهم يأباه. وأجيب عنه بأن تخريجه إنما هو لبيان وجه ارتكاب الشذوذ في هذا المسموع, فلا يكون مقتضاه جواز النصب في كل ما سواه مما لم يتحقق فيه شذوذ.
ونقل ابن الحاجب في «شرح المفصل» تخريجًا خامسًا قال: وقد أول: إني إذن أهلك, على معنى إني أقول, والقول يحذف كثيرًا, واعترضه الحديثي في «شرح الكافية» ببقاء الإشكال, فإن أهلك معتمد على أقول, لكونه جزء معموله الذي هو إذن أهلك, ويرد عليه أيضًا ما ورد على تخريج الرضي. هذا وقد نقل الفراء عن العرب في تفسيره أن النصب في مثل البيت لغة, قال عند قوله تعالى: ﴿أم لهم نصيب من الملك فإذًا لا يؤتون الناس نقيرًا﴾ [النساء/٥٣] إذا وقعت إذًا على يفعل وقبله اسم, بطلت فلم تنصب, فقلت: أنا إذًا أضربك, وإذا كانت في أول الكلام «إن» نصبت «يفعل» ورفعت, فقلت: إني إذًا أوذيك, والرفع جائز, أنشدني بعض العرب:
لا تتركني فيهم شطيرا ... إني إذن أهلك أو أطيرا
وقال أيضا عند قوله تعالى: ﴿وإذًا لا تمنعون﴾ من سورة الأحزاب [الآية ١٦]: وقد تنصب العرب «إذن» وهي بين الاسم وخبره في «إن» وحدها, فيقولون: إني إذن أضربك, قال الشاعر:
لا تتركني فيهم شطيرا ... البيت
стр. 90
والرفع جائز, وإنما جاز في إن ولم يجز في المبتدأ بغير إن, لأن الفعل لا يكون مقدمًا في إن, وقد يكون مقدمًا لو سقطت, انتهى كلامه.
وأنت ترى أنه إمام ثقة, وقد نقل عن أهل اللسان, فينبغي جواز النصب في الفعل الواقع خبرًا لاسم إن فقط حسبما نقل, وأفاد أن البيت حجة يصح الاستدلال به لقوله: أنشدني بعض العرب, فيكون جواز النصب والرفع فيه مع «إن» مثل ما إذا اقترن الفعل بعاطف في جوز الوجهين.
وقوله: لا تتركني .. الخ, الترك يستعمل بمعنى التخلية, ويتعدى لمفعول واحد, وبمعنى التصيير, فيتعدى لاثنين أصلهما المبتدأ والخبر, وكلاهما هنا جائز, فشطيرًا على الأول حال من «الياء» وعلى الثاني هو المفعول الثاني, و «فيهم» عليهما متعلق بالترك, أو هو المفعول الثاني, وشطيرًا: حال من ضمير الظرف, ويجوز أن يكون مفعول آخر مكررًا كما قيل في قوله تعالى: ﴿وتركتهم في ظلمات لا يبصرون﴾ [البقرة /١٧] , أن «في ظلمات» مفعول ثان, وجملة لا يبصرون: مفعول آخر مكرر, وأهلك بكسر اللام, وماضيه هلك بفتحها, والشطير: البعيد والغريب, ونقل السيوطي أن السخاوي ذكر في «شرح المفصل» أن سيبويه أنشد بلفظ:
لا تتركني فيهم أسيرا
وأقول: إن هذا الشعر غير مذكور في «كتاب سيبويه» البتة, ولم أقف على قائله, والله تعالى أعلم.
وأنشد في «إن» المكسورة الخفيفة, وهو الانشاد الثاني والعشرون:
(٢٢) شلت يمينك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة المتعمد
стр. 91
هو من أبيات لعاتكة ابنة زيد ترثي بها زوجها الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما, وهي:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرد
يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشًا رعض الجنان ولا اليد
شلت يمينك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة المتعمد
إن الزبير لذو بلاء صادق ... سمح سجيته كريم المشهد
كم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عنها طرادك يا ابن فقع القردد
فاذهب فما ظفرت يداك بمثله ... فيما مضى أو من يروح ويغتدي
قال عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب «المغازي»: لما رجع الزبير من وقعة الجمل مر ببني تميم, فأجاره النعر بن زمام المجاشعي, وسار معه, حتى إذا كان بوادي السباع, لحقه عمرو بن جرموز أخو بني ربيعة بن كعب, فقال له: أجيرك؟ قال: لا, فسار معه, ثم وضع ابن جرموز درعه على منسج فرسه, وقال للزبير: لو وضعت درعك فإنها تثقلك, ولم يزل به حتى نزعها ووضعها على منسج فرسه, وجعل يتخلف, فيناديه الزبير: ألا تلحقني! ثم تغشت الزبير نعسة, وألقى ابن جرموز رمحه وتخلف كأنه يأخذه, حتى إذا مضى وهو يخفق, حمل عليه فوضع الرمح بين كتفيه حتى خرج من بين ثدييه, ثم رجع برأسه إلى علي
стр. 92
فقال: من ذا؟ فقال: قاتل الزبير, قال: قاتل الزبير في النار, فقالت عاتكة بنت زيد ترثيه بهذه الأبيات, انتهى.
وقوله: يخفق, أي: يميل برأسه من غلبة النعاس. وأخرج السيوطي هذه القصة عن ابن سعد في «طبقاته» بأبسط مما تقدم.
والبهمة, بضم الموحدة وسكون الهاء, قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: هنا بمعنى الجيش, ويكون في غير ذلك: الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتى من شدة بأسه, انتهى. واللقاء: الحرب لأنه تتلاقى فيها الأبطال, واسم كان ضمير الفارس, والمعرد: اسم فاعل من عرد تعريدًا بمهملات, إذا فر وهرب, وطاش يطيش: إذا خف عقله من دهشة وخوف, ورعش بكسر العين: وصف من رعش - كفرح ومنع - رعشًا ورعشانًا: أخذته الرعدة, والجنان بفتح الجيم: القلب, وروي بدله «اللسان» و «البنان» وشلت يمينك: دعاء عليه. في «فصيح ثعلب» في باب: فعلت بكسر العين, ومضارعه مفتوحها, وقد شلت يده تشل, وينشد:
فلا تشلل يد فتكت بعمرو
وقال شارحه أبو سهل الهروي: شلت: يبست, وقيل: استرخت, ويروى بدله: «هبلتك أمك» في «القاموس»: هبلته أمه من باب فرح: ثكلته.
وروى بدله صدر الأفاضل: «بالله ربك» بالموحدة, وإن: مخففة من الثقيلة مهملة, ومسلمًا: مفعول قتلت, واللام هي اللام الفارقة فرقتها عن إن النافية, فإن اللام لا تصحبها, وعند الكوفيين: هي إن النافية, واللام بمعنى إلا, وهذه الجملة في موضع التعليل للدعاء عليه, وحلت عليك: دعاء عليه أيضًا بمعنى: نزلت, من الحلول.
стр. 93
وأغرب العيني يجعل هذه الجملة جواب شرط محذوف, قال: التقدير: إنك إن قتلت مسلمًا وجبت عليك عقوبة المتعمد, هذا كلامه.
قال الكرماني في «شرح أبيات التوشيح» وهو شرح «الكافية» الحاجبية أشارت بقولها: عقوبة المتعمد, إلى قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا﴾ [النساء/٩٣] وقال بعض فضلاء العجم في شرح أبيات «المفصل»: وعقوبة المتعمد: أن يقتل قصاصاً, كأن المخاطب قتل إنسانًا عمدًا, فوجب عليه القصاص, وهذا وإن كان بيانًا للواقع تسهيل للقصاص على المخاطب, انتهى. وعذره أنه لم يقف على الأبيات ولا منشئها ولا قائلها.
وقولها: لذو بلاء, والبلاء: اسم من أبلى فلان في الحرب إبلاء, إذا بالغ في المقاتلة, وصادق بالجر: صفته, والصدق بمعنى التحقق يوصف به الفعل والقول.
وسمح: خبر آخر بمعنى سهل, وسجيته: فاعل سمح, صفة جرت على غير من هي له, والسجية: الطبيعة والغريزة, والمشهد: الحضور, وكم هنا لإنشاء التكثير, والغمرة بالفتح: الشدة, وخاضها: مشى فيها, ولم يثنه: لم يصرفه, مضارع ثناه عن أمره إذا صرفه عنه, وطرادك: مطاردتك, وفقع القردد: مثل للذليل, والفقع بفتح الفاء وكسرها وسكون القاف: نوع أبيض من رديء الكمأة, والقردد كجعفر: الأرض المستوية المرتفعة, ويقال أيضًا: هو فقع قرقرة, وهي الأرض الملساء, أي أنه بمنزلة الكمء النابت في السهل تدوسه الأرجل وتشدخه, وروي «القدفد» وهي الأرض المستوية بدل «القردد».
وعاتكة صاحبة الشعر من الصاحبيات المبايعات المهاجرات, وأبوها الذي
стр. 94
تحنف في الجاهلية ومات قبل بعثة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بخمس سنين, وأخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه في الجنة, وأنه يأتي يوم القيامة أمة وحده, وأخوها سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرة.
قال الزبير بن بكار في «أنساب قريش»: حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه, وأحمد بن عبيد الله عن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير, يزيد أحدهما على صاحبه, قال: تزوج عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل, وكانت حسناء جميلة ذات خلق بارع, فشغلته عن مغازيه, فأمره أبوه بطلاقها, وقال: قد شغلتك عن مغازيك, فقال:
يقولون طلقها وخيم مكانها ... مقيمًا عليك الهم أحلام نائم
وإن فراقي أهل بيت جمعتهم ... على كثرة مني لإحدى العظائم
ثم طلقها, فمر به أبوه وهو يقول:
فلم أرد مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير جرم تطلق
لها خلق جزل ورأي ومنصب ... وخلق سوي في الحياة ومصدق
فرق له أبوه, وأمره فراجعها, ثم شهد مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غزوة الطائف, فأصابه سهم, فمات منه بعد بالمدينة, فقالت عاتكة تبكيه:
رزيت بخير الناس بعد نبيهم ... وبعد أبي بكر وما كان قصرا
стр. 95
فآليت لا تنفك عيني حزينةً ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فلله عينا من رأى مثله فتى ... أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنة خاضها ... إلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا
ثم تزوجها عمر بن الخطاب, فأولم عليها, فكان فيمن دعا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما, فقال له علي: دعني أكلم عاتكة, فقال: كلمها يا أبا حسن, فأخذ علي بجانب الخدر, ثم قال يا عدية نفسها:
فآليت لا تنفك عيني حزينةً ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فبكت, فقال عمر: ما دعاك إلى هذا يا أبا حسن؟ ! كل النساء يفعل هذا.
ثم قتل عنها عمر رضي الله تعالى عنه, فقالت تبكيه:
عين جودي بعبرةٍ ونحيب ... لا تملي على الجواد النجيب
فجعتني المنون بالفارس المعـ ... ـلم يوم الهياج والتثويب
قل لأهل الضراء والبأس موتوا ... قد سقته المنون كأس شعوب
ثم تزوجها الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه, فكانت تخرج إلى المسجد ليلا, وكان يكره خروجها ويحرج من منعها, فخرجت ليلة إلى المسجد, وخرج الزبير فسبقها إلى مكان مظلم من طريقها, فلما موت وضع يده على بعض جسدها, فرجعت تبكي, ثم لم تخرج بعدها, فقال لها الزبير: مالك لا تخرجين إلى المسجد كما كنت تفعلين؟ قفالت: قد فسد الناس, فقال: أنا فعلت ذلك, فقالت: أليس يقدر غيرك أن يفعل مثله؟ فلم تخرج حتى قتل عنها الزبير, فقالت ترثيه:
стр. 96
غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... الأبيات المتقدمة
وحدثني محمد بن الضحاك قال: لما قتل الزبير بن العوام خطبها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه, فأرسلت إليه تقول: إني لأضن بابن عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن القتلو رضي الله تعالى عنها, انتهى.
وأخرج السيوطي عن ابن سعد في «طبقاته» في قصة قتل الزبير أن أهل المدينة كانوا يقولون: من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة بنت زيد, وكانت تحت عبد الله بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما, فقتل عنها, ثم كانت عند زيد بن الخطاب فقتل عنها باليمامة, ثم كانت تحت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقتل عنها, ثم كانت عند الزبير رضي الله تعالى عنه فقتل عنها.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الثالث والعشرون:
(٢٣) ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذن فلا رفعت سوطي إلى يدي
هو من قصيدة للنابغة الذبياني, وقبله:
فلا لعمر الذي قد زرته حججًا ... وما هريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذن فلا رفعت سوطي إلى يدي
стр. 97
إذن فعاقبني ربي معاقبةً ... قرت بها عين من يأتيك بالحسد
هذا لأبرأ من قولٍ قذفت به ... طارت نوافده حرًا على كبدي
وهذا من قصيدة مدح بها النعمان بن المنذر ملك الحيرة, وتتصل بها عما قذفوه به حتى خافه, وهرب منه إلى بني جفنة ملوك الشام, وهي من القصائد الاعتذاريات, ولحسنها ألحقها أبو جعفر النحاس والخطيب التبريزي وغيرهما بالمعلقات البيع ..
وكان النابغة من خواص النعمان بن المنذر وندمائه وأهل أنه, فرأى المتجردة زوجة النعمان يومًا, وغشيها أمر, سقط نصيفها, وهو ما تغطي به رأسها, فاستترت بيدها وذراعها, فذكرها في قصيدة ووصفها, وذكر فيها أمورًا عجيبة منها في صفة فرجها, ثم أنشدها النابغة مرة بن سعيد القريعي, فأنشدها مرة النعمان, فامتلأ غضبًا وأوعد النابغة وتهدده, فهرب منه إلى ملوك غسان بالشام, وهم بنو جفنة. وقيل: إن الذي من أجله هرب النابغة أنه كان هو والمنخل اليشكري نديمين للنعمان, وكان النعمان دميمًا قبيح المنظر, وكان المنخل من أجمل العرب, وكان يرمى بالمتجردة, وتكلمت العرب أن ابني النعمان منها كانا منه, فقال النعمان للنابغة: يا أبا أمامة: صف المتجردة في شعرك, فقال تلك القصيدة, وصف فيها بطنها وفرجها وأردافها, فلحقت المنخل من ذلك غيرة, فقال للنعمان: ما يستطيع أن يقول هذا الشعر إلا من جرب! فوقر ذلك في نفس النعمان, فبلغ النابغة فخافه, فهرب إلى ملوك غسان, ونزل بعمرو ابن الحارث الأصفر, فمدحه ومدح أخاه, ولم يزل مقيمًا عنده حتى مات, وملك أخوه النعمان بن الحارث فصار معه إلى أن استعطف النعمان بن المنذر فعاد إليه.
стр. 98
والنابغة: اسمه زياد بن معاوية, وينتهي نسبه إلى سعد بن ذبيان, وكنيته أبو أمامة, وهو أحد شعراء الجاهلية وأحد فحولهم, وسمي النابغة لقوه:
فقد نبغت لنا منهم شؤون
وقيل: لأنه لم يقل الشعر حتى صار رجلًا, قال ابن قتيبة في «تراجم الشعراء»: ونبغ بالشعر بعدما احتنك, وهلك قبل أن يهتر. وهو أحد الأشراف الذين غض الشهر منهم, وهو أحسنهم ديباجة شعر, وأكثرهم رونق كلام, وأجزلهم بيتًا, كأن شعره كلام ليس فيه تكلف, ومات في الجاهلية في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قبل أن يبعث.
ومما قاله في ملوك غسان ما أنشده ابن قتيبة عن الشعبي أنه قال: دخلت على عبد الملك وعنده رجل لا أعرفه, فالتقت إليه عبد الملك فقال: من أشعر الناس؟ قال: أنا, فأظلم ما بيني وبينه, فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فتعجب عبد الملك من عجلتي, فقال: هذا الأخطل, فقلت: أشعر منه الذي يقول:
هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التمام
للحارث الأكبر والحارث الـ ... أصغر والأعرج خير الأنام
стр. 99
ثم لهند ولهند وقد ... ينجع في الروضات ماء الغمام
ستة آباء هم ما هم ... هم خير من يشرب صفو المدام
فقال الأخطل: صدق يا أمير المؤمنين, النابغة أشعر مني, فقال لي عبد الملك: ما تقول في النابغة؟ قلت: قد فضله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على الشعراء غير مرة, خرج وببابه وفد غطفان فقال: أي شعرائكم الذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً ... وليس وراء الله للمرء مطلب
قالوا: النابغة, قال: فأي شعرائكم الذي يقول:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
قالوا: النابغة, قال: هذا أشعر شعرائكم.
وله القصائد الاعتذاريات المشهورة إلى النعمان بن المنذر, لم يقل أحد مثلها, منها قوله:
نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد
وتمثل به الحجاج بن يوسف حين سخط عليه عبد الملك, ومما يتمثل من شعره:
فلو كفى اليمين بغتك خونًا ... لأفردت اليمين من الشمال
أخذه المثقب العبدي فقال:
стр. 100
فلو أني تخالفني شمالي ... خلافك ما وصلت بها يميني
وقوله:
فحملتني ذنب امرئ وتركته
كذي العر يكوى غيره وهو راتع
أخذه الكميت فقال:
ولا أكوي الصحاح براتعاتٍ ... بهن العر قبلي ما كوينا
قال الآمدي في «المؤتلف والمختلف»: من يقال له النابغة ثمانية, أولهم هذا, والثاني: النابغة الجعدي الصحابي, والثالث: نابغة بني الديان الحارثي, والرابع: النابغة الشيباني, والخامس: النابغة الغنوي, والسادس: النابغة العدواني, والسابع: النابغة الذبياني أيضًا, وهو نابغة بني قتال بن يربوع, والثامن: النابغة التغلبي واسمه الحارث, انتهىز
قوله: فلا لعمر الذي .. إلخ, لا الداخلة على جملة القسم نافية, ومنفيها محذوف, أي: ليس الأمر كما زعموا, أولا لما زعموا صحة. وقيل زائدة زيدت توطئة لنفي جواب القسم, وعمر: مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا تقديره قسمي, والعمر بالفتح:
стр. 101
البقاء, والحجج: جمع حجة بكسر المهملة وهي السنة, والذي: صفة موصوفها محذوف, أي: لعمر البيت الذي, أقسم ببقاء البيت الذي زاره سنين متعددة, وهو البيت الحرام, وروي أيضًا:
فلا لغمر الذي مسحت كعبته
فيكون القسم ببقاء الله تعالى. وقوله: وما هريق على الأنصاب من جسد, هربق: هو أريق, والهاء بدل من الهمزة, والأنصاب: حجارة كانت العرب في الجاهلية تنصبها وتذبح عندها, والجسد بفتح الجيم والسين المهملة: هو الدم, وهو بيان لـ «ما» المعطوفة على الذي.
وقوله: والمؤمن العائذات الطير .. الخ, أقسم ببقاء الله تعالى أيضًا, فهو معطوف على الذي أيضًا, وزعم من لم يلاحظ البيت الذي قبله أن هذه الواو للقسم, قال ثعلب: أراد بالعائذات الحمام, جمع عائد, من عذت بالشيء, أي: لجأت إليه, والطير بالجر: بدل منه, وبالنصب إن كان العائذات منصوبًا بالكسرة على أنه مفعول به للمؤمن, والمؤمن هو الله سبحانه, وهو اسم فاعل من آمنه كما قال تعالى: ﴿الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾.
وقد جمعنا ما للعلماء في هذا البيت من الكلام في الشاهد السابع والأربعين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي.
والطير: جمع طائر, وقد يقع على الواحد, والركبان: جمع راكب, وجملة «يمسحها ركبان مكة»: حال من الطير, والسند بفتحتين: ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح. وروى أبو عبيدة: «الغيل» بكسر الغين المعجمة, وقال: هي والسند أجمتان كانتا بين مكة والمدينة, وأنكرها الأصمعي وقال: إنما الغيل بالفتح وهو ماء, وإنما يعني النابغة ماء كان يخرج من أبي قبيس, كذا
стр. 102
في «شرح ديوان النابغة» , ولم يذكر هذا أبو عبيد في «معجم ما استعجم».
وقوله: ما إن أتيت بشيء .. الخ, هذه الجملة جواب القسم الذي هو قوله: «لعمر الذي قد زرته حججًا» وما: نافية, وإن: زائدة للتأكيد, وروي بدله:
ما قلت من سيء مما أتيت به
وقوله: إذن فلا رفعت, استشهد به مع البيت الذي بعده المحقق الرضي على أن «إذن» إذا كانت للشرط في المستقبل, جاز دخول الفاء في جوابها, كأنه قال: إن أتيت بشيء تكرهه فلا رفعت, فجملة: فلا رفعت دعائية وقعت جزاءً, واقترنت بما يقترن به جزاء الشرط لما في إذن من معنى الشرط, وكذا الحال في البيت الذي يليه, ومعناه: شلت يدي حتى لا تقدر على أخذ شيء خف كالسوط, وهذا دعاء على نفسه على تقدير ثبوت ما نفاه.
وقد تداول الشعراء هذا المعنى حتى جعلوه مثلًا, أخذه برمته أنس بن زنيم الصحابي, وكان قبل إسلامه يحرض المشركين على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه, فأهدر دمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عام الفتح, فأتاه وأسلم, ومدح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقصيدة منها:
ونبي رسول الله أني هجوته ... فلا رفعت سوطي إلى إذن يدي
وقال حسان بن ثابت:
стр. 103
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم ... فلا رفعت سوطي إلى أناملي
وقال توبة بن مضرس:
فإن لم أفرق منهم بين إخوة ... فلا رفعت سوطي إلى بناني
وقوله: إذن فعاقبني ربي .. الخ, هذا دعاء آخر على نفسه, وجملة: قرت: صفة معاقبة, من قرت العين قرورًا وقرة, أي: بردت سرورًا, والمعاقبة: العذاب.
وقوله: هذا لأبرأ, أي: هذا القسم لأجل أن أتبرأ مما اتهمت به, والنوافد: تمثيل من قولهم: جرح نافذ, أي: قالوا قولًا صار حره على كبدي, وشقيت به. وقصائد النابغة الاعتذاريات ثلاثة, وقد شرحناها في مواضع متفرقة نم شرح شواهد الرضي.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الرابع والعشرون:
(٢٤) وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا
وهو من أبيات لفروة بن مسك المرادي الصحابي, رواها له أهل السير كابن هشام والكلاعي وغيرهما, وهي:
стр. 104
فإن نغلب فغلابون قدمًا ... وإن نغلب فغير مغلبينا
وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا
كذاك الدهر دولته سجال ... تكر صروفه حينًا فحينا
فبينا ما نسر به ونرضى ... ولو لبست غضارته سنينا
إذا انقلبت به كرات دهرٍ ... فألفيت الألى غبطوا طحينا
فمن يغبط بريب الدهر منهم ... يجد ريب الزمان له خؤونا
فلو خلد الملوك إذن خلدنا ... ولو بقي الكرام إذن بقينا
فأفنى ذلكم سروات قومي ... كما أفنى القرون الأولينا
وفروة بن مسيك أسلم عام الفتح, وفد على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حين افتتح مكة, قدم إلى المدينة وكان ممن له شرف, فأنزله سعد بن عبادة عليه, ثم غدا على رسول الله صلى تعالى عليه وسلم وهو جالس في المجلس, فسلم عليه ثم قال: يا رسول الله أنا لمن ورائي من قومي, قال: أين نزلت يا فروة؟ قال: على سعد بن عبادة, قال: بارك الله على سعد, وكان يحضر مجلس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم, ويتعلم القرآن وفرائض الإسلام, وكان بين مراد وهمدان قبيل الإسلام وقعة أصابت فيها همدان من مراد, وكان يقال لذلك اليوم: يوم الردم, فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم؟ » قال: يا رسول الله من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي لا يسوؤه؟ فقال ﷺ : «أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام
стр. 105
إلا خيرًا» وفي ذلك اليوم قال فروة هذه الأبيات. واستعمله رسول الله تعالى عليه وسلم على مراد وزبيد ومذحج, وبعث معه خالد بن العاصي على الصدقة, وكتب فيها كتابًا لا يعدوه إلى غيره, وكان خالد معه في بلاده حتى توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم, كذا في «سيرة ابن هشام» والكلاعي, وذكر الواقدي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه استعمله أيضًا على صدقات مذحج, وذكر غيره أنه انتقل إلى الكوفة فسكنها.
وأخرج ابن سعد أن رسول الله, صلى الله تعالى عليه وسلم, أجاز فروة بن مسيك باثنتي عشرة أوقية, وحمله على بعير نجيب وأعطاه حلة من نسج عمان. وفروة: بفتح الفاء وسكون الراء بعدها واو, ومسيك: بضم الميم وفتح السين وسكون الياء, ومراد: قبيلة باليمن.
قوله: فإن نغلب البناء للفاعل, وقدمًا بالكسر, أي: قديمًا, والمغلب: المغلوب مرارًا, وقوله: وما إن طبنا جبن .. قال الأعلم في شرح أبيات سيبويه: «إن» كافة لما عن العمل, كما كفت «ما» إن عن العمل, والطب: بالكسر هنا, بمعنى العلة والسبب, أي: لم يكن سبب قتلنا الجبن, وإنما كان ما جرى به القدر من حضور المنية وانتقال الحال عنا والدولة, وقال في «الصحاح»: وتقول: ما دلك بطبي, أي: دهري وعادتي, وأنشد هذا البيت للكميت, وهذه النسبة غير صحيحة, والجبن: ضد الشجاعة, والمنايا: جمع منية وهي الموت, مأخوذة من المنا, بوزن العصا, وهو القدر, يقال: مني له, أي: قدر بالبناء للمفعول فهما, والدولة, بالفتح: الغلبة في الحرب, وبالضم يكون في المال, وقيل: هما بمعنى, لقولك: تداول القوم الشيء, وهو حصوله في يد هذا تارة, وفي يد ذاك أخرى.
стр. 106
وهذا البيت مع كونه من شواهد ابن الناظم, وشرحه المصنف في جملة شرح أبياته, لم يورده العيني في «شرح الشواهد» سهوًا.
والسجال بالكسر: مصدر ساجل يساجل بمعنى ناوب يناوب, قال الميداني: المساجلة أن تصنع مثل صنيع صاحبك من جري أو سقي, وأصله من السجل, وهو: الدلو فيها ماء قل أو كثر, وحقيقة السجال المغالبة بالسقي بالسجل, ومنه معنى المباراة والمفاخرة والمعارضة.
وتكر: ترجع, والصروف: الحوادث, والغضارة بالفتح: الخير والخصب, وألفيت: وجدت, وغبطوا بالبناء للمفعول: من الغبطة, من غبطته – من باب ضرب – إذا تمنيت مثل ما ناله من غير أن تريد زواله, وريب الدهر: ما يحدث منه, والخؤون: مبالغة الخائن. وقوله: فأفتى ذلكم: الإشارة لكرات الدهر وحوادثه, والسروات: جمع سراة بفتح السين, وهو مفرد بمعنى الرئيس والشريف.
وشرح يوم الردم قد ذكرناه في شرح الشاهد السبعين بعد المائتين من شواهد الرضي, ونقل السيوطي من الحماسة أن ما قبل البيت الشاهد هذا:
إذا ما الدهر جر على أناسٍ ... كلاكله أناخ بآخر ينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
стр. 107
كذلك الدهر دولته سجال ... تكر صروفه حينًا فحينا
وما إن طبنا جبن .. البيت
ومن يغرر بريب الدهر يومًا ... يجد ريب الزمان له خؤونا
والكلاكل: جمع كلكل كجعفر, وهو الصدر, ولا أدري من أي الحماسات نقل, فإني راجعت «حماسة» أبي تمام, وأعدت النظر فيها, فلم أجد فيها شيئًا من هذا.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الخامس والعشرون:
(٢٥) بني غدانة ما إن أنتم ذهب ... ولا صريف ولكن أنتم حزف
ويروى: «ذهبًا ولا ولا صريفًا» قال المصنف في «شرح الشواهد»:
النصب رواية يعقوب بن السكيت, والرفع رواية الجمهور على أن «إن» كافة
стр. 108
لما عن العمل, قال: وزعم الكوفيون على رواية النصب أن «إن» نافية مؤكدة لا كافة, وغدانة بضم الغين المعجمة: حي من يربوع من بني تميم, والصريف قال ابن السكيت: هو الفضة, وأنشد البيت, والخزف بفتحتين, قال ثعلب في «أماليه»: هو ما عمل من طين وشبوي بالنار حتى يكون فخارًا, وأنشد أيضًا البيت.
ولم أر من نسب هذا البيت إلى قائله مع كثرة الاستشهاد به في كتب النحو واللغة, والله تعالى أعلم.
وأنشد بعده, وهو الانشاد السادس والعشرون:
(٢٦) يرجى المرء ما إن لا يراه ... ويعرض دون أدناه الخطوب
هو أحد أبيات ثلاثة, أوردها أبو زيد الأنصاري في «نوادره» وقال: هي لجابر بن رألان الطائي الجاهلي وهي:
فإن أمسك فإن العيش حلو ... إلي كأنه عسل مشوب
يرجي العبد ما إن لا يراه ... وتعرض دون أبعده خطوب
وما يدري الحريص على م يلقي ... شراشره أيخطئ أم يصيب
قوله: إلي, في معنى عندي, والشراشر: الثقل, ثقل النفس, انتهى ما في
стр. 109
«النوادر» , والتي نقلت منها نسخة صحيحة مضبوطة ضبط إتقان حسنة الخط واضحة الشكل, كتبها علي بن محمد بن عبد الرحيم بن دينار الكاتب, وعليها خطوط جلة من العلماء, منها زيد بن الحسن بن زيد الكندي, وهي رواية أبي على الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي عن أبي بكر محمد بن السري ابن السراج النحوي عن الرياشي. وأبي حاتم السجستاني وأبي عمر الجرمي, وأبي عثمان المازني عن أبي زيد بن سعيد بن أوس الأنصاري رحمهم الله تعالى, وهي نسخة قديمة جدًا يزيد تاريخ كتابتها على سبعمائة سنة, وعندي نسختان أخريان منها, إحداهما بخط محمد بن مكرم صاحب «لسان العرب» وخطه جيد مضبوط, والأخرى صحيحة أيضًا بخط قديم, وكلاهما من رواية أبي الحسن الأخفش تلميذ المبرد, وقد حشاها بفوائد, ووقع فيهما «يلاقي» بدل «يراه» قال هنا: وروى أبو حاتم: «ما لا إن يلاقي» قال أبو الحسن: قوله: «يرجي العبد ما إن لا يلاقي» غلط, والصواب: «ما أن لا يلاقي» وأن زائدة, وهي تزاد في الإيجاب مفتوحة, وفي النفي مكسورة, تقول: لما أن جاءني زيد أعطيته, قال الله تعالى: ﴿فلما أن جاء البشير﴾ [يوسف /٩٦] , وتقول في النفي: ما زيد منطلقًا, فإذا زدت «إن» قلت: ما إن زيد منطلق, «فإن» كافة لما عن العمل, ونظير هذا قولك: إن زيدًا منطلق, ثم تقول: إنما زيد منطلق, فكفت ما الزائدة إن كما كفت إن ما النافية. وهذا تمثيل الخليل, فلما قال: «ما إن لا يلاقي» فنظر إلى «ما» الذي روى هذه الرواية, ظنها النافية, وهو بمعنى الذي, فلا تكون «أن» بعدها إلا مفتوحة, ورواية أبي حاتم: «مالا إن يلاقي» صحيحة, لأن «لا» في النفي بمنزلة ما, وإن كانت إن ليست تكاد تزاد بعد لا, انتهى كلامه.
стр. 110
اعلم أن رواية إن بالكسر هنا ثابتة صحيحة, وهي تزاد بعد ما الموصولة وغيرها, كما تزاد بعد ما النافية, وهو في تغليظه غالط, فقد قال صاحب «الكشاف» والبيضاوي عند قوله تعالى: ﴿ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه﴾ [الأحقاف /٢٦] , إن «إن» صلة, ونظروا الآية الشريفة بهذا البيت, وقال ابن عصفور في كتاب «الضرائر»: ومن زيادة إن المكسورة الهمزة في الضرورة قول الشاعر, وأنشده سيبويه:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته .. البيت
فزاد إن بعد ما المصدرية, وليست بنافية تشبيها لها بما النافية, ألا ترى أن المعنى: ورج الفتى للخير مدة رؤيتك إياه لا يزال يزيد خيرًا على السن, لكن لما كان لفظها كلفظ ما النافية, زادها بعدها كما تزاد في ما النافية في نحو قولك: ما إن قام زيد, وقول الآخر, أنشده أبو زيد:
يرجى المرء ما إن لا يلاقي .. البيت
فزاد إن بعد ما لشبهها باللفظ بما النافية, وقول النابغة في إحدى الروايتين:
إلا الأواري لا إن ما أبينها .. البيت
فزاد إن بعد لا لشبهها بما من حيث كانتا المنفي, وزعم الفراء أن لا وإن وما حروف نفي, وأن النابغة جمع بينها على طريق التأكيد, انتهى كلامه.
وتقييده زيادة إن في هذه المواضع بالضرورة يرده الآية الشريفة, وهو مذهب لم يذهب إليه غيره.
следующие страницы →