← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وليس إطلاقه عليه لأنه من لوازم اليقين كما قال الشمني, فكم من يقين لا خوف معه, قال المصنف: الخوف في هذا البيت يقين, إنما حمل الخوف هنا على اليقين, لأن الظاهر الذي لا ريب فيه, أنه لا يذوقها بعد الموت, ولهذه الحسرة أمر وصيه أن يدفنه إلى جنب كرمة, كما في المثل المشهور «من حسرة العنب يتوسد جدار الحديقة» وقال الدماميني: قد يقال: لا يلزم من تعقل العقلاء أنه لا يذوقها بعد الموت, حمل الخوف على اليقين عند هذا الشاعر, لأن استهتاره بشربها ومغالاته في محبتها أمر مشهور, فلعل ذلك حمله على أنه خاف ولم يقطع يما تيقنه غيره, ولذلك أمر بدفنه إلى جنب الكرمة رجاء أن ينال منها بعد الموت, ومن ثم قيل: إن هذا أحمق بيت قالته العرب. انتهى كلامه. قال الحلبي: هذا مبني كما قال شيخنا على أنه كان إذ داك مترددًا بين ذوقها بعد الموت, بتقدير دفنه إلى جنب الكرمة, أو: لا, بتقدير دفنه في الفلاة, فلا علم ولا ظن, قال: وهذا احتمال, لأن التعليل بقوله: «فإنني أخاف أن .. » كان لمجموع الأمر والنهي, على معنى: فإنني أخاف الآن أن لا أذوقها غدًا, فلا علم ولا ظن, فهي الناصبة أهملت, ففي «شرح الكافية» للحديثي أن الخفيفة بعد فعل الخوف والرجاء ناصبة, لأنه يحتمل أن يقع وأن لا يقع, وبعد الظن يحتملها والمخففة, نظرًا إلى الرجحان وعدمه, أو على معنى: فإنني أخاف الآن – بتقدير: أن لا تدفنني إلى جنبها, بل في الفلاة – أن لا أذوقها إذا ما مت, أو: فإنني أخاف إذا ما مت بهذا التقدير أن لا أذوقها, فالخوف هنا علم ويقين فهي المخففة, وكذا إن جعل تعليلًا للنهي وحده, لأن الذي قارنه في هذا البيت على معنى: فإنني أخاف الآن أو إذا ما مت, بتقدير أن تدفنني في الفلاة لا إلى جنبها أن لا أذوقها. انتهى.

стр. 142

وههنا بحث, وهو أن الشاعر وإن كان من المغرمين المنهمكين بها, لكنه من ذوي العقول الكاملة, فكيف يظن به أنه غير قاطع بما يتيقنه غيره من عدم الذوق بعد الموت! بل هو أمر مركوز في الأذهان, غني عن البيان, وإنما جرى في كلامه هذا على مذهب الشعراء في تخيلاتهم, ورام سلوك جادة تمويهاتهم, فإنهم سحرة الكلام, ومخترعوا صور الإبهام, فأمر أولًا بدفنه بعد الموت بجانب كرمة, وأبدى عذره في ذلك بوصفها بقوله: تروي عظامي بعد موتي عروقها, ليستفاد من ذلك علة الأمر بالدفن المذكور, إشارة إلى أن ما لا يدرك كله لا يترك كله, وإذا تعذرت التروية الحقيقية, فلا أقل من حصول التروية المجازية, ثم نهى ثانيًا تأكيدًا للأمر الأول عن دفنه لا بجانب كرمة, وعلل ذلك بأنه يتيقن أنه لا يذوقها إذا مات, فلا يتروى بها حقيقة, فدفنه لا إلى جانبها أيضًا مفوت للتروية المجازية, ولمزيد شغفه بها آثر التعبير عن هذا اليقين بالخوف إبهامًا, لأنه مع ذلك لا يقطع بعدم الذوق, وجعل رفع الفعل بعد أن معه دليلًا على ما قصده معنى, وإنما قلنا: إن تروية العظام مجازية, لأن الري حقيقة لذوات الأكباد عن عطش, وليست العظام منها, على أنه لا عطش بعد الموت, أو لما له قوة نامية, ومنه قولهم: روي النبات من الماء, والعظام جماد, انتهى كلامه, ومن خطه نقلت. وروى البيت ابن السكيت كذا: ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... يقينًا إذا ما مت لست أذوقها والبيتان مطلعا قصيدة لأبي محجن الثقفي رواها ابن الأعرابي وابن السكيت في ديوانه, وبعدهما: أبا كرها عند الشروق وتارةً ... يعاجلني عند المساء غبوقها

стр. 143

وللكأس والصهباء حق معظم ... فمن حقها أن لا تضاع حقوقها وعندي على شرب المدام حفيظة ... إذا ما نساء الحي ضاقت حلوقها وأعجلن عن شد المآزر ولها ... مفجعة الأصوات قد جف ريقها وأمنع جار البيت مما ينوبه ... وأكرم أضيافًا قراها طروقها قال ابن السكيت: قوله: إذا مت فادفني, هذا خطاب مع ابنه يأمره بذلك, وفيه مبالغة على حبه للخمر وتعطشه إليه, إذ أظهر الرغبة إليها وهو ميت, وقوله: ولا تدفنني في الفلاة .. الخ, قال ابن السكيت: الفلاة: الأرض المهلكة التي لا علم بها ولا ماء, والمعنى: أن الفلاة لا يعرش فيها كرم, فلا تدفنني إلا بمكان ينبت فيه العنب, حتى أكون قريبًا منه فألتذ بذلك. وقوله: أبا كرها عند الشروق, قال ابن السكيت, أي: إنني أصبحها عند شروق الشمس, ومرة أشربها عشاء, إلا أنني أقدم شربها على العشي فيعاجلني الغبوق, والصبوح: شرب الغدو, والغبوق: شرب آخر النهار, وأبا كرها: أبادر إليها في بكرة النهار. وقوله: وللكأس والصهباء, قال ابن السكيت: حقها, كونها تسر القلب, وتذهب الهم, وتسخي البخيل, وتشجع الجبان, إلى غير ذلك من فعلها, وهذا حق لها, وإذا كان هذا دأبها, فمن حقها أن تعظم ولا تضيع حقوقها. انتهى. وقال ابن الملا الحلبي: فإن قلت: حق الكلام أن يقول: ومن حقهما أن لا تضاع حقوقهما, لا دعائه أن الحق المعظم للكأس والصهباء, قلت: نعم, إلا أنه ذهب إلى أنهما وإن كانا شيئين فهما بمثابة الشيء الواحد, واستملح ذلك من قول القائل: رق الزجاج وراقت الخمر ... وتشاكلا فتشابه الأمر

стр. 144

فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر انتهى. وفيه: أن هذين البيتين لأبي إسحق إبراهيم الصابي, وهو متأخر عن أبي محجن بأكثر من ثلاثمائة سنة, وكان ينبغي أن يعكس. وقوله: وعندي على شرب .. الخ, قال ابن السكيت: الحفيظة: كل شيء يغضب لأجله, يعني: وإن كنت سكران, لا أهمل الحفاظ إذا استغاثت بي نساء الحي, وصحن لنازلة نزلت بهن. وقوله: وأعجلن عن شد .. الخ, قال ابن السكيت: أي دهمن من البلاء من أعجلهن عن شد المآزر في أوساطهن وولها: مفعول من أجله, أي: للوله الذي نزل بهن, والواله: الذاهب العقل, والمفجعة: التي نزل بها ما أخافها وأفزعها, وجف ريقها, أي: يبس. انتهى. والصواب أن ولهًا حال, لا مفعول من أجله. وقوله: أمنع جار البيت .. الخ, قال ابن السكيت: قراها: أطعمها, يقول: إذا طرقتنا الضيفان ليلًا أعجلنا لها القرى, فكأن طروقها هو الذي قراها. انتهى. وأبو محجن: شاعر صحابي أسلم حين أسلمت ثقيف, قال الذهبي في «التجريد»: أبو محجن الثقفي: عمر بن حبيب, وقيل: مالك بن حبيب, وقيل: عبد الله, كان فارسًا شاعرًا من الأبطال, لكن جلده عمر رضي الله تعالى عنه في الخمر مرات, ونفاه إلى جزيرة في البحر, فهرب ولحق بسعد وهو يحارب الفرس, فحبسه, وله أخبار وروى عنه أبو سعد البقال. انتهى. ورواية أبي سعد

стр. 145

البقال عن أبي محجن بتدليس, لأنه لم يدرك عصره, وقد ذكروه في الضعفاء, وقيل: إن اسمه أبو محجن, وهي كنيته أيضًا, وهو بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وتفح الجيم, والسيوطي هنا أثبت له رواية فقط ولم يذكر أن له سماعًا, ونفاها أيضًا الذهبي في «تاريخ الإسلام» وأثبتها له ابن عبد البر في «الاستيعاب» ثم إن الله تعالى وفقه لأن تاب عنها توبة نصوحًا, فلم يعد إليها رضي الله تعالى عنه, وقد استوعينا ترجمته في الشاهد الأربعين بعد الستمائة. وأنشد بعده, وهو الانشاد السادس والثلاثون: (٣٦) زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامةٍ يا مربع على أن «أن» فيه مخففة من الثقيلة, قال ابن الشجري في «أماليه» في الفرق بين «أن» فيه مخففة من الثقيلة, قال ابن الشجري في «أماليه» في الفرق بين «أن» الخفيفة و «أن» المخففة: إن كل واحدة منهما مختصة بنوع من الفعل, ولهما اشتراك في نوع منه, فالمخففة من الثقيلة تقع بعد الأفعال الثابتة المستقرة في النفوس, نحو: أيقنت وعلمت, ورأيت في معنى علمت, فحكمها في ذلك حكم الثقيلة, وقد عرفت أن الثقيلة موضوعة للتوكيد, فهي ملائمة في المعنى لما ثبت واستقر من الأفعال, لأن التوكيد لا يقع بما لا يثبت في النفوس. والناصبة للفعل ليست من التوكيد في شيء, وهي مع ذلك تصرف الفعل إلى الاستقبال الذي لا ينحصر وقته, فهي بهذا ملائمة للفعل الذي ليس بثابت, نحو الطمع والرجاء [والخوف] والتمني والإشفاق والاشتهاء.

стр. 146

وأما ما اشتركا فيه من الفعل, فالظن والحسبان والزعم والخيلان, فهذا النحو لا يمتنع وقوع كل واحدة منهما بعده, وإنما حسن هذا لأنه شيء استقر في ظنك كما استقر في علمك, وعلى والوجهين قرأ القراء: ﴿وحسبوا أن لا تكون فتنة﴾ [المائدة /٧١] فرفع تكون أبو عمرو وحمزة والكسائي, وفتحها ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر. ومثل ذلك قولك فيما استقر في زعمك: زعمت أن ستنطلق, قال: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعًا ... البيت وتقول فيما ليس بثابت عندك: أزعم أن تخرج يا فتى. انتهى كلامه. والبيت من قصيدة لجرير عدتها واحد ومائة وعشرون بيتًا, هجا بها الفرزدق, مذكورة في «النقائض» وفي «منتهى الطلب من أشعار العرب». قال الدماميني في «المزج» استعمل الزعم هنا في القول الباطل, أي: دعواه أنه سيقتل مربعًا دعوى كاذبة لا يمكنه الوفاء بتحقيقها, انتهى. ومربع – بكسر الميم – رواية شعر جرير, كان توعده الفرزدق ونذر دمه, وفي «مختصر جمهرة الأنساب»: وهو مربع بن وعوعة بن سعية بن قرط بن عبيد ابن كلاب, قال صاحب كتاب «النقائض»: كان سبب قوله: زعم الفرزدق .. البيت, أن غضوب أخت بني ربيعة كانت ناكحًا في بني عوف ابن سبيع, فتزوج عليها زوجها منهم, فأولعت بهم تهجوهم, فقالت:

стр. 147

بنو سبيع زمع الكلاب ... ليسوا إلى سعدٍ ولا الرباب ولا إلى القبائل الرغاب ... كم فيهم من طفلة كعاب وكعاء ذات ركب قبقاب ... تتبع كل عزب وثاب فأوعدها رجال منهم مربع, فقالت: يا مربعًا يا مربع الضلال ... يا مربعا هل خاب من إقبال فضربها مربع, وضربها الآخرون الذين هجتهم, فقال مربع في ذلك شعرًا, وقال جرير: بني العبد لو كنتم صريحًا لما لك ... لورعتم دون الضغائن مربعا فأظن أن الفرزدق ذكر أنه يقتل مربعًا, فقال جرير ينقض عليه بهذا البيت من القصيدة, انتهى كلامه. وفي البيت معنى بديع, وهو أنه جعل وعيده بشارة بطول سلامته من توعده, على نهج قوله تعالى: ﴿فبشرناهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران /٢١]. وأخذه شيخنا الشهاب الخفاجي فقال: أبرق في وعيده وأرعدا ... فدم لصارم الوعيد جردا

стр. 148

كأنما وعيده بقتل من ... عاداه تبشير بعمر خلدا بشره بطول عمر سره ... ورغد العيش إذا ما هددا وضرب الموعود في أعدائه ... ضرب الحساب زاد فيهم عددا ومن هذه القصيدة بيت استشهد به سيبويه وغيره: لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع وقد شرحناه في الشاهد السابع والثمانين بعد المائتين من شواهد الرضي. وأنشد بعده, وهو الانشاد السابع والثلاثون: فلو أنك في يوم الرخاء سألتني ... طلاقك لم أبخل وأنت صديق على أن ثبوت اسم «أن» المخففة قليل شاذ, وفيه شذوذ آخر, وهو كون الضمير غير ضمير الشأن. قال سيبويه لما أنشد قول الأعشى: في فتيةٍ كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل

стр. 149

يريد معنى الهاء, ولا تخفف أن إلا عليه. انتهى. يريد بالهاء ضمير الشأن, وعد مثل هذا ابن عصفور في آخر كتاب «الضرائر» من الضرورة, وقول المصنف: إن الكوفيين زعموا أنها لا تعمل شيئا قد قال الفراء بخلافه, وهو أدرى بمذهب أصحابه, قال في «تفسيره» من سورة الحجر: وقد خففت العرب النون من أن الناصبة, ثم أنقذوا لها عملها, قال الشاعر: فلو أنك في يوم الرخاء سألتني ... طلاقك لم أبخل وأنت صدق فما رد تزويج عليه شهادة ... ولا رد من بعد الحرار عتيق وقال الآخر: وقد علم الضيف والمرملون ... إذا اغبر أفق وهبت شمالا بأنك الربيع وغيث مريع ... وقدما هناك تكون الثمالا انتهى, وظاهره أنها تعمل مطلقا كالمثقلة. ونقل ابن المستوفي عنه في «شرح أبيات المفصل» أنه لم يسمع من العرب تخفيف أن وإعمالها إلا مع المكني, لأنه لا يتبين فيه الإعراب, فأما مع الظاهر فلا, ولكن إذا خففوها رفعوا, انتهى. وعلى هذا فلا فرق في الإعمال والشرط عند البصريين والكوفيين. والبيت خطاب لزوجته في طلبها الطلاق, ويريد بيوم الرخاء: قبل إحكام عقد النكاح, بدليل البيت الثاني, و «في» متعلقة بـ «سألتني» وسأل يتعدى إلى مفعولين, والياء هنا المفعول الأول, وطلاقك المفعول الثاني, «ولم أبخل»: جواب لو, وجملة «سألتني طلاقك»: خبر أن المخففة, وجملة: «وأنت صديق»: حال من ضير أبخل, فإن قلت: كان الواجب أن يقول: وأنت

стр. 150

صديقة, قلت: الرضي في «شرح الشافية»: قد جاء شيء من فعيل بمعنى فاعل مستويًا فيه المذكر والمؤنث, حملًا على فعيل بمعنى مفعول, والحرار بفتح الحاء والراءين المهملات: مصدر حر يحر, من باب تعب, أي: صار حرًا, ولم أطلع على قائل البيتين, والله تعالى أعلم به. ولما لم يقف الدماميني على البيت الثاني قال: إن الشاعر خاطب امرأته واصفًا نفسه بالجود, وقوله: في يوم الرخاء من التتميم, وكذا قوله: وأنت صديق, لوقوع كل منهما في كلام لا يوهم خلاف المقصود, مفيدًا لنكتة وهي المبالغة في الاتصاف بالجود, ويحتمل أن يكون مراده وصف نفسه بمحبة هذه المرأة, وأنه قد يؤثر ما تختاره هي على ما يختاره هو, حرصًا على رضاها وحصول مرادها, هذا كلامه. وأخذه العيني وسائر شراح هذا الكتاب. وأنشد بعده, وهو الانشاد الثامن والثلاثون: (٣٨) بأنك ربيع وغيث مريع ... وأنك هناك تكون الثمالا على أنه قد جاء خبر اسم المخففة المذكور اسمها تارة مفردًا, وهو: ربيع, وتارة جملة وهو: تكون الثمالا, ومجيء اسم أن المخففة في هذا البيت والذي قبله غير ضمير شأن ضرورة, وجوزه جماعة منهم ابن مالك, قال: إذا أمكن جعل الضمير المحذوف ضمير حاضر, أو ضمير غائب غير الشأن فهو أولى. ومنهم أبو حيان لا يلزم أن يكون ضمير الشأن كما زعم بعض أصحابنا, بل إذا أمكن تقديره بغيره قدر, قال سيبويه في: ﴿وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت﴾

стр. 151

[الصافات /١٠٤] بأنك قد صدقت, وفي قولهم: أرسل إليه أن ما أنت وذا, أي: بأنك ما أنت وذا. انتهى. وقد روى البيت أبو حنيفة الدينوري في «كتاب النبات» وإبراهيم الحصري في «زهر الآداب»: والشريف الحسيني في «حماسته» هكذا: بأنك كنت الربيع المغيث ... لمن يعتريك وكنت الثمالا وعلى هذا لا شاهد فيه. وهو من قصيدة عدتها عشرون بيتًا لعمرة بنت عجلان الكاهلية ترثي بها أخاها عمرًا ابن العجلان الملقب بذي الكلب, قاله السكري نقلًا عن أبي عمرو بن العلاء, وقال غيره: هي لأخته جنوب, وقد شرحناها شرحًا مفصلًا في الشاهد التاسع والستين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي, وتقتصر هنا منها على بيتين, هذا وما قبله وهو: وقد علم الضيف والمرملون ... إذا اغبر أفق وهبت شمالا الضيف في الأصل: مصدر, ولهذا يطلق على الواحد والجمع, والمرمل: من أرمل القوم إذا نفد زادهم, وروى بدله السكري: «والمجتدون» وقال: هم الطالبون الجدا بفتح الجيم والقصر, وهي العطية, وفاعل «هبت» ضمير الريح, وإن لم يجر لها ذكر, لفهمها من قولها: إذا اغبر أفق, فإن اغبراره إنما يكون

стр. 152

في الشتاء لكثرة الأمطار واختلاف الرياح, والشمال بالفتح, وتكسر: ريح تهب من ناحية القطب, وهو حال, وإنما خصت هذا الوقت بالذكر لأنه وقت تقل فيه الأرزاق, وتنقطع السبل ويثقل فيه الضيف, فالجود فيه غاية لا تدرك. وزاد أبو حنيفة الدينوري بعده بيتًا وهو: وخلت عن أولادها المرضعات ... ولم تر عين لمزن بلالا وقال: إنما خلت أولادها من الإعواز لم يجدن قوتًا, واغبرار الأفق من الجدب, وأراد: هبت الريح شمالًا, وهي تضمر, وإن لم تذكر لكثرة ما تذكر, انتهى. والمزن: السحاب, والبلال بالكسر: البلل. وقولها: بأنك ربيع .. الخ, الربيع هنا: ربيع الزمان, قال ابن قتيبة في باب: ما يضعه الناس [في] غير موضعه, من «أدب الكاتب»: ومن ذلك الربيع, يذهب الناس إلى أنه الفصل الذي يتبع الشتاء, ويأتي فيه الورد والنور, ولا يعرفون الربيع غيره, والعرب تختلف في ذلك, فمنهم من يجعل الربيع الفصل الذي تدرك فيه الثمار, وهو الخريف, وفصل الشتاء بعده, ثم فصل الصيف بعد الشتاء, وهو الوقت الذي تدعوه العامة الربيع, ثم فصل القيظ بعده, وهو [الوقت] الذي تدعوه العامة الصيف, ومن العرب من يسمى الفصل الذي تدرك فيه الثمار وهو الخريف الربيع الأول, ويسمى الفصل الذي يتلوه الشتاء ويأتي فيه الكمأة والنور: الربيع الثاني, وكلهم مجمعون على

стр. 153

أن الخريف هو الربيع, انتهى. قال شارحه ابن السيد: مذهب العامة في الربيع هو مذهب المتقدمين, لأنهم كانوا يجعلون حلول الشمس برأس الحمل أول الزمان وشبابه, وأما العرب فإنهم جعلوا حلول الشمس برأس الميزان أول فصول السنة الأربعة, وسموه الربيع, وأما حلول الشمس برأس الحمل, فكان منهم من يجعله ربيعًا ثانيًا, فيكون في السنة على مذهبهم ربيعان, وكان منهم من لا يجعله ريبعًا ثانيًا, فيكون في السنة على مذهبهم ربيع واحد, وأما الربيعان من الشهور فلا خلاف بينهم [في] أنهما اثنان: ربيع الأول, وربيع الآخر, انتهى. والغيث: المطر والكلأ ينبت بماء السماء, والمراد به هذا لوصفه بالمربع, وهو: الخصيب, بفتح الميم وضمها, في «القاموس»: مرع الوادي – مثلثة الرداء – مراعة: أكلأ كأمرع, والثمال بكسر المثلثة, قال الدينوري: هو الذخر, وقال غيره: هو الغياث. وعمرة صاحب الشعر, بفتح العين مؤنث عمرو, وجنوب: بفتح الجيم وضم النون, وأخوها عمرو جاهلي كأخيته, وهو ابن العجلان بن عامر بن برد بن منبه أحد بني كاهل بن لحيان بن هذيل, وسمي ذا الكلب, لأنه لا يفارقه كلب, قاله ابن الأعرابي, وقال أبو عبيدة: لم يكن له كلب لا يفارقه, وإنما خرج غازيًا ومعه كلب يصطاد به, فقال له أصحابه: يا ذا الكلب, فثبتت عليه, ومن الناس من يقول له: عمرو الكب بغير ذو, والله تعالى أعلم. وقيل: إن جنوب هي عمرة لا أنهما ثنتان, وله أخت أخرى اسمها ريطة, وهي شاعرة أيضًا, وقد رثته بقصيدة ذكرناها هناك.

стр. 154

وأنشد بعده, وهو الانشاد التاسع والثلاثون: (٣٩) فأقسم أن لو التقينا وأنتم ... لكان لكم يوم من الشر مظلم على أن «أن» الواقعة بين «لو» وفعل القسم زائدة عن سيبويه, وهو خلاف ما قاله سيبويه, وهذا نصه: وسألته - يعني الخليل - عن قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ [آل عمران / ٨١] فقال: «ما» هنا بمنزلة الذي ودخلتها اللام كما دخلت على «إن» حين قلت: والله لئن فعلت لأفعلن, فاللام [التي] في ما كهذه التي في إن, واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل [هنا] ومثل هذه اللام الأولى «أن» إذا قلت: والله أن لو فعلت لفعلت, وقال: فأقسم أن لو التقينا .. .. البيت فإن في لو بمنزلة اللام في ما, فأوقعت هنا لامين, لام للأول, ولام للجواب, ولام الجواب [هي] التي يعتمد عليها القسم, فكذلك اللامان في قول الله تعالى: ﴿لما آتيتكم .. الآية﴾ لام للأول, وأخرى للجواب, انتهى كلامه. وقد تتبع ابن عصفور سيبويه في «شرح الإيضاح» فقال: وإذا توسطت «لو»

стр. 155

وترك أن في مثله أكثر من ذكرها, ونقضه الدماميني في «المزج» باللام الداخلة على جواب المنفي, كقوله: ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي قال: فإنها حرف رابط, والأكثر تركها نحو: ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾ [الأنعام/١١٢] انتهى. وأقول: إن دخول اللام على حرف النفي في الجواب شاذ, وهي إنما تدخل على الجواب المثبت, وبالشاذ لا يرد النقض, وذهب ابن مالك إلى عكس مذهب سيبويه, فجعل الجواب للو, سواء اقترنت بأن أم لا, وجعل جواب القسم محذوفًا مدلولًا بجواب لوم, والصحيح مذهب سيبويه عملًا بقاعدة اجتماع القسم والشرط, وروي: وأقسم لو أنا التقينا وأنتم فلا شاهد فيه. وهمزة «التقينا» بالوصل نقل كسرتها إلى واو «لو» فيبقى الجزء مفاعلن. وفيه من ضرائر الشعر العطف على ضمير الرفع المتصل من غير تأكيده بضمير رفع منفصل, قال ابن عصفور في كتاب «الضرائر»: كان الوجه أن يقال: التقينا نحن وأنتم, إلا أن ضرورة الوزن أوجبت حذف الضمير المؤكد. انتهى. وقوله: لكان لكم .. الخ: جواب القسم, وهو دليل جواب لو المحذوف, وعند ابن مالك بالعكس, وعند ابن عصفور على ما قاله في «شرح الجمل»: هو جواب للو, ولو مع جوابها جواب القسم ولا حذف. ومعنى البيت: لو التقينا متحاربين لأظلم نهاركم فصرتم منه في مثل الليل. وكان: تامة, أو ناقصة, ولكن خبرها. والبيت من أبيات للمسيب بن علس يخاطب بها بني عامر بن ذهل بن ثعلبة, وعامر هو أخو شيبان بن ذهل, في شيء صنعوه بحلفائهم, وقبله:

стр. 156

أو «لولا» بين القسم والفعل الواقع جوابًا له, لزم أن يكون الفعل الواقع جوابًا ماضيًا, لأنه مغن عن جواب لو ولولا المحذوف ودال عليه, وجواب لو ولولا لا يكون إلا ماضيًا, فوجب أن يكون الدال عليه كذلك, وقد يدخلون «أن» على «لو» توطئة لجعل الفعل الواقع بعدها جوابًا للقسم, كما يدخلون اللام على إن الشرطية, انتهى. وكذلك تبعه المحقق الرضي في «شرح الكافية». وكذا يكون الجواب للقسم عند فقدها نحو: والله لو قمت لأكرمتك, وعليه خرج المحقق الرضي قول امرئ القيس, وهو: فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجدلك مدفعًا وقال: الجواب المحذوف هو جواب القسم: وتقديره: لدفعناه. وذهب ابن عصفور في «شرح الجمل» إلى خلاف مذهب سيبويه, فإنه لما أنهى كلامه على روابط الجملة الواقعة جواب قسم قال: إلا أن يكون جواب القسم لو وجوابها, فإن الحرف الذي يربط المقسم به بالمقسم عليه إذ ذاك إنما هو «أن» نحو: والله [أن] لو قام زيد لقام عمرو, ولا يجوز الإتيان باللام كراهة الجمع بين لامين, فلا يجوز: والله لو قام زيد قام عمرو. انتهى. وأورد عليه ناظر الجيش في «شرح التسهيل» وتبعه المصنف هنا أن «أن» لو كانت للربط لوجب ذكرها, ولا شبهة في جواز قولنا: والله لو قام زيد لقام عمرو,

стр. 157

لعمري لئن جدت عداوة بيننا ... لينتحين مني على الوخم ميسم وبعده: رأوا نعمًا سودًا فهموا بأخذه ... إذا التف من دون الجميع المزنم ومن دونه طعن كأن رشاشه ... عزا لى مزادٍ والأسنة ترذذم ألا تتقون الله يا آل عامر ... وهل يتقي الله الأبل المصمم وقوله: لينتحين, أي: ليملين عليه ويتعمده, من انتحى عليه – بالمهملة – إذا تعمده, وميسم: فاعله, يعني أنه يهجوه هجوًا يسمه به لا يفارقه عاره, وأراد بالوخم: عامر بن ذهل, والنعم: الإبل الراعية, قال الفراء: هو مذكر لا يؤنث, يقال: هذا نعم وارد, والمزنم من الناس: المستحلق بقوم ليس منهم, ومن الإبل: الذي يقطع شيء من أذنه ويترك معلقًا, وإنما يفعل ذلك بالكرائم منها: والعزالى: جمع عزلاء, كصحارى: جمع صحراء, والعزلاء بالعين المهملة والزاء المعجمة: فم المزادة الأسفل, والمزادة: دلو البئر الكبير يجر بالثور, وترذم بالذال المعجمة: تسيل وتقطر. والأبل بالموحدة وتشديد اللام. قال صاحب «العباب»: هو الخلاف الظلوم, وذكر أبو عبيدة أنه الفاجر, وأنشد البيت, وقال الكسائي: هو الذي لا يدرك ما عنده من اللؤم, والمصمم: من أصمه الله تعالى فصم, ويقال: أصمته: وجدته أصم. والمسيب بن علس: خال الأعشى ميمون, وهو أحد الشعراء الثلاثة المقلين الذين فضلوا في الجاهلية, قال المرزباني في «الموشح»: قال أحمد بن أبي طاهر:

стр. 158

كان الأعشى راوية المسيب بن علس والمسيب خاله, وكان يطرد شعره ويأخذ منه. والمسيب: اسم فاعل لقب به لأنه كان يرعى إبل أبيه فسيبها, فقال له أبوه: أحق أسمائك المسيب, فغلب عليه. وقال ابن دريد: في كتاب «الاشتقاق» إن اسمه زهير, وإنه لقب بالمسيب لقوله: فإن سركم أن لا تؤوب لقاحكم ... غزارا فقولوا للمسيب يلحق وهو جاهلي لم يدرك الإسلام. وعلس بفتح العين واللام: منقول من اسم القراد. وأنشد بعده, وهو الانشاد الأربعون: (٤٠) أما والله أن لو كنت حرًا ... وما بالحر أنت ولا العتيق ومحل الشاهد فيه واضح, وكذا أنشده الفراء في «تفسيره» من سورة الجن, وروي أيضًا: لو أنك يا حسين خلقت حرًا وعلى هذا لا شاهد فيه. واستشهد به الرضي على جواز تقديم الخبر المنصوب إذ الباء لا تدخل إلا على الخبر المنصوب, وعلى هذا بنى أبو علي والزمخشري امتناع دخولها على «ما» التميمية, وأجازه الأخفش, قال أبو علي في «إيضاح الشعر»: أما ما أنشده بعض البغداديين:

стр. 159

أما والله عالم كل غيبٍ ... ورب الحجر والبيت العتيق لو أنك يا حسين خلقت حرًا ... وما بالحر أنت ولا الخليق فإنه يكون شاهدًا على ما حكاه أبو عمرو في نصب خبر «ما» مقدمًا, ومن دفع ذلك أمكن ان يقول: إن الباء دخلت على المبتدأ, وحمل ما على أنها ما التميمية, ويقوي أن «ما» حجازية أن «أنت» أخص من الحر, فهو أولى بأن يكون الاسم, ويكون الحر الخبر. انتهى. وأقول: من يدفع ذلك يقول: إن الباء زيدت في خبر ما التميمية, ولا يذهب أن مدخولها مبتدأ, والصحيح أنها تزاد في خبر ما على اللغتين, وهو ظاهر كلام سيبويه في باب الاستثناء في مسألة: ما زيد بشيء إلا شيء لا يعبأ به. وجواب القسم محذوف, أي: لقاومتك, أو هو في بيت بعده. وقوله في رواية أبي علي: «لو انك» بنقل فتحة الألف إلى واو لو, والحر من الرجال: الكريم الأصل والفعل, والخليق: الجدير واللائق, أي: ولا أنت جدير بأن تكون حرًا. والعتيق: الكريم الأصيل والذي خلص من الرق عتيق أيضًا, ولذكره بجنب الحر حسن موقع. والبيتان لم أعرف قائلهما, والله أعلم. وأنشد بعده, وهو الانشاد الواحد والأربعون: (٤١) ويومًا توافينا بوجه مقسم ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم على أن «أن» زائدة بين الكاف ومجرورها, وهو ظبية, وهو نادر, وعد ابن عصفور هذا من الضرورات الشعرية.

стр. 160

وروي برفع ظبية ونصبها أيضًا, أما الرفع فعلى خبر كأن المخففة, وجملة تعطو صفتها, واسمها محذوف وهو ضمير المرأة, وهو ظاهر كلام سيبويه, قال الأعلم: الشاهد فيه رفع ظبية على الخبر, وحذف الاسم, والتقدير: كأنها ظبية, وكذا قال ابن الشجري وابن يعيش وغيرهم. قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: وفيه شذوذ لكون الخبر مفردًا مع حذف الاسم, وقيل: يحتمل أن تكون ظبية مبتدأ, وجملة تعطو خبره, والجملة خبر كأن, واسمها ضمير شأن محذوف. وأما نصبها فعلى أنها اسم كأن المخففة, وجملة تعطو صفتها, ولا يجوز أن تكون خبرها كما جوزه العيني, واقتصر عليه السيوطي هنا, وإن جاز الإخبار عن النكرة في باب أن, لأنه ليس مراد الشاعر الإخبار عن الظبية بأنها تعطو, وإنما مراده تشبيه المرأة بالظبية, فالخبر محذوف قدره ابن الناظم ظرفًا, قال: والتقدير: كأن مكانها ظبية. وقدره الأعلم وابن الشجري وابن السيد في «أبيات المعاني» وابن يعيش وغيرهم ضميرها أو اسم إشارتها, والتقدير: كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم هي, أو هذه المرأة, قال المصنف: وهذا إنما يصح على جعل المشبه مشبهًا به, وبالعكس لقصد المبالغة. ولا يخفى أن إعمال كأن المخففة هذا الإعمال خاص بضرورة الشعر, نص عليه سيبويه في قول الراجز: كأن وريدية رشاءا خلب وهذا البيت اختلف في قائله فعند سيبويه: هو لابن صريم اليشكري, وكذا

стр. 161

قال النحاس والأعلم. وقال القالي في «أماليه»: هو لأرقم اليشكري, وقال أبو عبيد البكري فيما كتبه على «أماليه»: هو لراشد بن شهاب اليشكري, ولم يرو المفضل هذا البيت في قصيدته. أقول: رأيت القصيدة التي أشار إليها لراشد, وليس فيها هذا البيت ولا الأبيات الآتية. وقال ابن المستوفي في «شرح أبيات المفصل»: هو لابن أصرم اليشكري, ووجدته لعلباء بن أرقم اليشكري, وقال ابن بري في حاشية «صحاح الجوهري»: هو لباغت بن صريم اليشكري, ويقال: لعلباء بن أرقم اليشكري قاله في امرأته وهو الصحيح, وبعده: ويومًا تريد ما لنا مع ما لها ... فإن لم ننلها لم تنمنا ولم تنم نظل كأنا في خصوم عرامةً ... تسمع جيراني المآلي والقسم فقلت لها إلا تناهي فإنني أخو الشر حتى تقرعي السن من ندم انتهى ما أورده ابن بري. وضبط المصنف «باغتًا» في شرح أبيات ابن الناظم, فقال: هو منقول من بغته بالأمر إذا فاجأه به, ونقله العيني عنه ولم يزد عليه, ونسب ابن الملا الحلبي إليه شيئًا لم يقله, قال: وقال العيني: هو بالثاء المثلثة.

стр. 162

وقوله ويومًا توافينا .. الخ, يومًا: ظرف متعلق بتوافينا, ولا يجوز أن يجر يجعل الواو واو رب, لأنه لم يرد إنشاء التكثير أو التقليل, وإنما أخبر عن أحوالها في الأيام. ولم يتنبه العيني, وله العذر, لأنه لم يقف على ما بعده, فقال: وأنشده بعض شراح «المفصل» بالجر, وقال: الواو فيه واو رب, وتوافينا: تأتينا, يقال: وافيته موافاة إذا أتيته, وقال ابن الملا: توافينا: إما بلفظ الغيبة, أو بلفظ الخطاب للمرأة على ما صرح به العيني, فيكون التقدير في حذف الاسم على الاحتمالين: كأنها, أو: كأنك, هذا كلامه. وما نقله عن العيني غير موجود, وإنما قال: توافينا: فعل مضارع, وفاعله مستتر فيه, وهو الضمير الراجع إلى المرأة التي يمدحها. انتهى. وقوله: أو بلفظ الخطاب للمرأة, هذا إنما يصح لو قال: توافيننا, بنونين. وقال العيني, وتبعه السيوطي: الموافاة: هي المقابلة بالإحسان والخير والمجازاة الحسنة, وفاعل توافينا ضمير المرأة التي يمدحها, والباء في قوله: بوجه, بمعنى مع. انتهى. والمقسم: المحسن, قال الأعلم: وأصله من القسيمات, وهي مجاري الدموع وأعالي الوجه, ويقال لها أيضًا: التناصف, لأنها في منتصف الوجه إذا قسم, وهي أحسن ما في الوجه وأنوره, فينسب إليها الحسن فيقال: له: القسام, الظهوره هناك وتبينه. انتهى. وقال المبرد في «الكامل»: زعم أبو عبيدة أن القسمات مجاري الدموع, واحدتها: قسمة, بكسر السين فيهما, وقال الأصمعي: القسمات: أعالي الوجوه, ولم يبينه بأكثر من هذا, وقول أبي عبيدة مشروح, ويقال من هذا: رجل قسيم, ورجل مقدم, ووجه قسيم ومقسم, وأنشد البيت.

стр. 163

وقال القالي في «أماليه»: يقولون: قسيم وسيم, فالقسيم: الحسن الجميل, والقسام: الحسن والجمال, وأنشد يعقوب بن السكيت: يسن على مراغمها القسام وقال العجاج: ورب هذا البلد المقسم أي: المحسن, وقال أرقم اليشكري: ... وأنشد البيت مع البيت الذي بعده فقط, ثم قال: والوسيم: الحسن الجميل أيضًا, والميسم: الحسن والجمال. انتهى. وفرق بينهما الثعالبي في «فقه اللغة» فقال: إن المرأة إذا كان حسنها فائقًا كأنه قد وسم, فهي وسيمة, فإذا قسم لها حظ وافر [من الحسن] فهي قسيمة. انتهى. وتعطو: فسره المبرد قال: تعطو: تناول, يقال عطا يعطو إذا تناول, وأعطيته: ناولته. انتهى. وعليه لابد من تضمنه معنى تميل, لتعديه بإلى, وفي «القاموس»: العطو: التناول ورفع الرأس واليدين, وظبي عطو - مثلثلة - وكعدو: يتطاول إلى الشجر ليتناول منه. انتهى. وعليه فلا تضمين. ووارق: لغة في مورق, فإنه يقال: ورق الشجر يرق, وأورق يورق, وورق توريقًا إذا خرج ورقه. وروي بدله: «إلى ناضر السلم» من النظارة,

стр. 164

وهي الحسن, وأراد به خصرته. والسلم بفتحتين: من شجر البادية يعظم وله شوك واحدته سلمة, وقال المبرد: السلم: شجر بعينه كثير الشوك فإذا أرادوا أن يحطبوه, شدوه ثم قطعوه, ومن ذلك قول الحجاج: والله لأحزمنكم حزم السلمة. وقوله: ويومًا تريد مالنا .. الخ, ما: موصولة في الموضعين واللام مفتوحة فيهما, أي: تطلب ما في أيدينا من المال مع ما في يدها من المال, فإن لم نعطها مطلوبها آذتنا وكلمتنا بكلام يمنعنا النوم, ولم تنم هي لتحزننا. قال ابن السيرافي: يريد أنه يستمتع مجسنها يومًا, وتشغله يومًا بطلب ماله, فإن منعها آذته وكلمته بكلام يمنعه من النوم. والخضوم: جمع خصم, وهو مصدر, أي: في مخاصمات, وهو منون, وعرامة بالنصب: مصدر عرم يعرم, من بايي نصر وضرب, عرامة بالفتح, وهي الشراسة وسوء الخلق. والمآلي: جمع مثلاة قال صاحب «الصحاح»: والمئلاة بالهمزة على وزن المعلاة: الخرقة التي تمسكها المرأة عند النوح وتشير بها, والجمع المآلي. ورأيت في كتاب «النساء الناشزات» تأليف أبي الحسن المدائني قال: كانت امرأة علباء بن أرقم اليشكري قد فر كنته, فقال: ألا تلكم عرسي تصد بوجهها ... وتزعم في جاراتها أن من ظلم أيونا ولم أظلم بشيء علمته ... سوى ما ترون في القذال من القدم نظل كأنا في خضوم غرامةً ... تسمع جيراني التألي والقسم فيومًا تريد ما لنا مع ما لها ... إلى آخر الأبيات. وكذا رأيت فيما كتبه ابن السيد البطليوسي على «كامل المبرد». والغرامة

стр. 165

على هذه الرواية بالغين المعجمة, والتألي: تفعل من الالية, وهي اليمين. وجميع من نسب إليهم هذا الشعر كلهم شعراء جاهليون. وأنشد بعده, وهو الانشاد الثاني والأربعون: (٤٢) فأمهله حتى إذا أن كأنه ... معاطي يدٍ في لجةِ الماء غامر هو من قصيدة من شعر أوس بن حجر, لكنه من قصيدة فائية وفيه تحريف, وصحيحه: معاطي يد من جمة الماء غارف والضمائر للصيد, وفاعل أمهله ضمير الصياد, ولابد من شرح أبيات حتى يتضح المعنى, ومطلع القصيدة هذا: تنكر بعدي من أميمة صائف ... فبرك فأعلى تولبٍ فالمخالف فقوقرهبى فالسليل فعاذب ... مطافيل عوذ الوحش فيها عواص يقول: تنكر علي بعد أهله فما كدت أعرفه, وهذه أماكن في بلاد تميم. وبرك: بكسر الموحدة وسكون الراء المهملة, وتولب كجعفر, ويأتي أيضًا بمعنى الحمار, والمخالف: بفتح الميم بعدها خاء معجمة, وقوقرهي بفتح القاف وتشديد الواو, وقرهي: بفتح القاف والراء وسكون الهاء بعدها باء موحدة فألف مقصورة, والليل بفتح السين: واد, وعاذب: بالعين المهملة والذال المعجمة, والمطافيل: التي معها أولادها, جمع مطفل اسم فاعل من أطفلت, والعوذ, بضم العين المهملة والذال المعجمة: الحديثات العهد بالنتاج, جمع عائذ, والعواطف: جمع عاطف, أي: هي ثانية عنقها على ولدها نائمة, يريد أنهن آمنات.

стр. 166

كأن جيد الأرض يبليك عنهم ... تقي اليمين بعد عهدك حالف بها العين والآرام تزجي سخالها ... فطيم ودان للفطام وناصف جديد الأرض: ما ليس به أثر ولم يدمن, أي: لم يجعل دمنة من بعر الآرام وبولها. ويبليك: يحلف لك ما كان ههنا أحد من شدة ما درس الأثر وانمحى, من الإبلاء وهو الحلف, يقال: أبلني يمينًا, أي: احلف. وقال: تقي اليمين, لأنهم يقولون: يمين فاجرة, يريد: هذه يمين لا إثم فيها. والعين: بقر الوحش جمع عيناء, وهي الواسعة العين. والآرام: الظباء الخاصة البياض جمع ريم للذكر والأنثى, وتزجي سخالها: تسوق أولادها. والناصف: الذي قد سعى, أي: بعضها فظيم, وبعضها دان وبعضها ناصف. وقد سألت عني الوشاة فخبرت ... وقد نشرت منها لدي الصحائف فاعل سألت ضمير أميمة, والواشي: الذي يزين الكذب ويحسنه, أخذ من وشي الثوب. وقوله: فخبرت بالبناء للمجهول, أي: أخبرها الوشاة خبري, وقوله: وقد نشرت بالمجهول أيضًا, أي: ونشر الوشاة صحائفها عندي فأخبرني بخبرها. ثم بعد أن تغزل بثلاثة أبيات أخر, قال: وأدماء مثل الفحل يومًا عرضتها ... لرحلي فيها جرأة وتقاذف وروي: «فيها هزة وتقاذف» والهزة: الحركة السريعة, ومعنى فيها تقاذف: أنها تعدو براكبها, وقوله: عرضتها, أي: جعلتها عرضة لرحلي, يقال: فلاتة عرضة للزوج, أي: قد بلغت وقويت عليه, والرحل: مركب للبعير يتخذ من جلود لا خشب فيه يتخذ للركض الشديد, ورحل البعير كمنع للبعير يتخذ من جلود لا خشب فيه يتخذ للركض الشديد, ورحل البعير كمنع, وارتحله: وضع عليه الرحل. ثم بعد أن نعتها بالسرعة والنجابة وكمال الخلقة في ستة عشر بيتًا قال:

стр. 167

كأني كسوت الرحل أحقب قاربًا ... له بجنوب الشيطين مساوف يقول: كأني جعلت رحلي على أحقب, وهو حمار الوحش, سمي أحقب لبياض في موضع الحقيبة منه, وقيل: الذي في موضع البطن منه بياض. والقارب: الذي قرب من الماء. وجنوب بالضم: جمع جنب, والشيطان فيعلان, بكسر العين: اسم مكان. ومساوف: جمع مسوف وهو مكان السوف, أي: الشم. يقول: قد بالت الحمر فيه فهو يشمها. وقال غير الأصمعي: أراد بالمساوف هنا مراعي, قال: وأصل السوف الشم, شبه ناقته بالحمار الوحشي, وهو في الجلادة والسرعة والقوة والصبر مثل, ووصف الأحقب بالقارب لأنه أشد لسرعته وعدوه, لأن الحيوان إذا قرب من الماء وهو عطشان اشتد حرصه للشرب, فيكون سعيه إليه حثيثًا وشده شديدًا, ووصفه بالمصراع الثاني, لأنه إذا كان قريبًا من المرعى وهو جائع يجهد نفسه إليه, فالشاعر شبه ناقته بحمار الوحش الذي هذه صفته, وإذا كان بهذه الصفة فلا شيء أسرع منه. يقلب قيدودًا كأن سراتها ... صفا مدهن قد زلقته الزحالف يصرف حقباء العجيزة سمحجاً ... لها ندب من زره ومناسف يقلب, أي: يصرف هذا الحمار, والقيدود بالقاف: الأتان الطويله, والسراة بالفتح: الظهر, والصفا: الحجارة المساء, والمدهن بضم الميم والهاء: نقرة تكون في الجبل يستنقه فيها الماء, والجمع مداهن, والزحالف: جمع زحاوفة, وهي آثار أراجيح الصبيان على الميدان. والحقباء: مؤنث الأحقب, وهي الأتان التي في موضع الحقيبة منها بياض, والسمحسج بتقديم المهملة على الجيم كجعفر: الطويلة على وجه الأرض, والندب

стр. 168

بفتحتين: كل أثر نا ت, والزر بفتح الزاء المعجمة وتشديد الراء: العص, يقال: زره بمقدم فيه, أي: عضه, ومناسف جمع منسف, وهو موضع النسف وهو العض. وأخلفه من كل وقطٍ ومدهنٍ ... نطاف فمشروب يباب وناشف يعني: أن الحمار لم يجده كما ظن, والوقط بالواو المفتوحة والقاف الساكنة بعدها طاء مهملة: المكان الصلب يحبس الماء فيه, والمدهن تقدم, واليباب: القفر, والناشف: اليابس, والنطاف: جمع نطفة, وهي القليل من الماء. ثم بعد أن وصفه بسبعة أبيات قال: إذا استقبلته الشمس صد بوجهه ... كما صد عن نار المهول حالف تذكر عينا من غمازة ماؤها ... له حدب تستن فيه الزخارف صد بوجهه: أعرض عنها لشدة عطشه, ونار المهول, أي: الرجل يهول على الرجل اليمين يحلفه عند نار إذا اتهم بدم أو غيره, يصد عنها مخافة العقوبة. تذكر, أي: الحمار, وغمازة بضم الغين المعجمة والزاء معجمة أيضًا: اسم عين دون هجر, والحدب بفتح الحاء والدال المهملتين: جمع حدبة, وهو الارتفاع, وتستن: تجري, والزخارف: جمع زخرف, وهو شيء يشبه الوشي يكون فوق الماء إذا طردته الريح. فأوردها التقريب والشد منهلًا ... قطاه معيد كرة الورد عاطف أي: أورد الحمار أتانه العين تقريبًا وشدًا, أي: سيرًا شديدًا, والمنهل:

стр. 169

المشرب, وقطاه: مبتدأ مضاف إلى ضمير المنهل, ومعيد بالتنوين: ضمير بالمبتدأ, وكرة الورد: مفعوله, وعاطف: خبر ثان, يقول: فأورد أتانه منهلًا لا يخلو من الماء يعود قطاه إليه, والقطا تشرب, ولا تجوز بالشربة الأولى لبعد المكان حتى تعود فتشرب مرة ثانية. فلاقى عليه من صباح مدمرا ... لناموسه من الصفيح سقائف صد غاثر العينين خبب لحمه ... سهامة قيظ فهو أسود شاسف يعني أن الحمار لما ورد إلى الماء مع أتانه لقي عليه صيادًا من بني صباح بضم الصاد وخفة الباء, وهو بطن من ضبة, وبطن من عبد القيس, وبطن من عنزة. ومدمرًا: مهلكًا, وناموس الصياد: موضعه الذي يستتر فيه من الوحش, وقوله: من الصفيح سقائف, يعني أن الصياد الذي كان فيه: ابن صياد, ورث الناموس من أبيه, لأن سقف الناموس إذا كان من خبث لم يلبث, وكل حجر رقيق مصلح فهو صفيح. ثم وصف الصياد فقال: صد, أي: هو عطشان لبعده عن أهله وعن المنهل, لقعوده في طريق الوحش ينتظرها. وخبب لحمه – بالخاء المعجمة – أي: سقفه وقطعه, وجعل فيه طرائق, وسهامة القيظ, أي: شدة حر الصيف, يقال: وجه ساهم, أي متغير أترث فيه الشمس, والشاسف: الضامر اليابس. أخو قتراتٍ قد تيقن أنه ... إذا لم يجد لحما من الصيد خاسف معاود قتل الهاديات شواؤه ... من اللحم قصرى رخصة وطفاطف القترات: جمع قترة, وهو موضع الصياد, والخاسف: الخميص البطن الذي قد اضطربت خاصرتاه وانخسف بطنه وهزل, والهاديات: أوائل الوحش, ويروى: «معاود تأكال القنيص» يعني أنه معتاد لأكل الصيد, وشواؤه مبتدأ, وقصرى خبره, والقصرى بوزن جلى: الضلع القصيرة, ورخصة صفتها, بمعنى

стр. 170

هشة, والطفطفة: بكسر الطائين وسكون الفاء الأولى: الجلدة التي تلي الخاصرة مما يلي الجنب, يعني أنه قانع بالقليل. قصي مبيت الليل للصيد مطعم ... لأسهمه بار وغار وراصف يقول: لا ينام عند أهله, هو أبدًا يريد صيد الوحش, وقوله: لأسهمه بار, هو يبري سهامه ويغروها بالغراء, وبشد الرصفة على صدر السهم, والرصفة بالتحريك: العقب الذي يلي فوق الرغظ – بالضم – وهو مدخل رأس النصل من السهم. فأمهله حتى إذا أن كأنه ... معاطي يدٍ من جمة الماء غارف فاعل أمهل ضمير الصياد, والهاء: ضمير الأحقب الذي هو حمار الوحش, وحتى: ابتدائية غاية لما قبلها, وإذا ظرفية, وفعلها محذوف يفهم من المقام تقديره: حتى إذا صار من الماء في القرب مثل الرجل الذي يتناول بيده غرفًا, وجمة الماء بفتح الجيم: مجتمعه, ومن متعلق بغارف, ومعاطي يد, أي: معاطي في يد, والمعاطي: المتناول, فالإضافة ظرفية, وأن بعد إذا زائدة. فيسر سهما راشه بمناكب ... ظهار لؤام فهو أعجف شارف فيسر معطوف على أمهل, وفاعله ضمير الصياد, ويسر بمعنى هيأ. وراشه: جعل له ريشًا, وقوله: بمناكب, أي: بريش كان على أطراف مناكب الطير, وريش المناكب: أربع ريشات تكون على طرف المنكب, قال ابن السكيت: إذا كان القدح ثقيلًا شوحطًا ريش به, واللؤام بضم اللام بعدها همزة: أن يلتئم الريش, فيكون بطن قذة إلى ظهر الريشة, وقوله: فهو أعجف, أي: براه حتى أعجفه, والشارف: القديم, أراد أنه قد قتل به صيدًا كثيرًا. فأرسله مستيقن الظن أنه ... مخالط ما تحت الشراسيف جائف

стр. 171

فاعل أرسله ضمير الصياد, ومستيقن الظن: حال منه: وأصله: مستيقنًا ظنه, أي: عادا ظنه يقينًا في أنه, أي: في أن السهم يشك قلبه, وهو معنى قوله: مخالط ما تحت الشراسيف, جمع شرسوف, وهو مقط الضلع, وهو الطرف المشرع على البطن, وجائف: واصل إلى جوفه, قال ابن السكيت: قوله: مستيقن الظن, أي: غير شاك, واستشهد البيضاوي بهذا البيت عند قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ من سورة البقرة ﴿آية ٤٦] , قال: أي: يتوقعون لقاء الله تعالى, أو يتيقنون, وكأن الظن لما شابه العلم في الرجحان أطلق عليه كتضمين معنى التوقع, قال أوس بن حجر: فأرسله مستيقن الظن ... اليت. فمر النضي بالذراع ونحره ... وللحين أحيانًا عن النفس صارف النضي: القدح بلا ريش ولا نصل, وأراد السهم, وسمي نضيًا لأن صانعه نضاه نضوًا, أي: براه بريًا حتى صار رفيعًا, يقول: أخطأ السهم ولم يصب المقتل, وإنما مر بذراعه ونحره, والحين: الهلاك, واللام وعن متعلقتان بصارف, وصارف: خبر مبتدأ محذوف معلوم من المقام تقديره: والله صارف للحين عن النفس في بعض الأحيان. فعض بإبهام اليمين ندامةً ... ولهف سرًا أمه وهو لاهف يقول: عض الصياد إبهام يمينه ندامة على خطأ سهمه, قال ابن السكيت: قوله: ولهف سرًا أمه وهو لاهف: وذلك إذا قال: يا لهفاه, يا لهف أماه. ولاهف: ملهوف مكروب, ولهف سرًا لئلا يسمع الوحش. وجال ولم يعكم وشيع إلفه ... بمنقطع الغضراء شد موالف يعني: جال الحمار ولم يعكم, أي: لم يرجع ولم ينصرف إلى الماء, وإلفه:

стр. 172

أتانه التي معه, وشيعها: قواها وأعانها, والغضراء بمعجمتين: طينة حرة, والشد الموالف: المتتابع, فاعل شيع, والشد: الجري والعدو, ومنقطع: مكان الانقطاع. فما زال يبري الشد حتى كأنما ... قوائمه في جانبيه رعانف قال ابن السكين: يبري يسرع في مره, يقول: كأنه يطير بأجنحة, وكأن قوائمه فضول زعانف, والزعانف: أكارع الأديم وأطرافه. تواهق رجلاها يديه ورأسه ... له نشز فوق الحقيبة رادف هذا آخر القصيدة, قال ابن السكيت: المواهقة: المسايرة, وهي المباراة, وقوله: له نشز, أي: له ارتفاع, وكل ناشز مرتفع, قال الله : ﴿وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾ [المجادلة/١١] وقوله: فوق الحقيبة, الحقيبة: كناية عن الكفل, وقوله: رادف, أي: كما يردف الرجل حقيبته. انتهى. وهذا البيت من شواهد سيبويه وأنشده: «نواهق رجلاها يداها» برفعهما على أن اليدين مضافة إلى ضمير مؤنث, وهو ضمير الأتان. والشاهد فيه أنه رفع يداها بإضمار فعل, ولم يجعلهما مفعولين, فكأنه قال بعد قوله: تواهق رجلاها: تواهقهما يداها, محمول على المعنى, لأنه إذا واهقت الرجلان اليدين, فقد واهقت اليدان الرجلين, قال ابن خلف في «شرح شواهده»: احتج سيبويه بما سمع من إنشاد بعض العرب بالرفع فيهما, وإذا أنشد العربي الذي يحتج بشعره وكلامه بيتًا على ضرب ولفظ غير الضرب المشهور, فقول العربي الراوي حجة, كما أن قول الشاعر الذي قال الشعر في الأصل حجة, وفي شعره اليدان

стр. 173

منصوبة بتواهق, وإنشاده: «تواهق رجلاها يديه» والمعنى يوجب أن تكون اليدان مضافة إلى ضمير مذكر, وهو ضمير الحمار, وذلك أن المواهقة هي المسايرة, وهي المواعدة, والحمار يقدم أتانه بين يديه ثم يسير خلفها, يعني أن يديه تعملان كعمل رجلي الأتان, ورأسه فوق عجز الأتان كالقتب الذي يكون على ظهر البعير, والحقيبة: كناية عن الكفل فيما زعموا, والحقيبة: ما يحمله الإنسان خلفه إذا كان راكبًا على عجز المركوب, والرادف: الذي يكون في الموضع الذي يكون فيه الردف. انتهى كلام ابن خلف. وأوس بن حجر: بفتح الحاء المهملة والجيم, من شعراء تميم في الجاهلية, قال ابن قتيبة في كتاب «الشعراء»: كان أوس فحل مضر, حتى نشأ النابغة وزهير فأحملاه, وقيل لعمرو بن معاذ وكان بصيرًا بالشعر: من أشعر الناس؟ فقال: أوس, قيل ثم من؟ قال: أبو ذؤيب, وكان أوس عاقلًا في شعره كثير الوصف لمكارم الأخلاق, وهو من أوصفهم للحمير والسلاح, ولا سيما للقوس, وسبق إلى دقيق المعاني وإلى أمثال كثيرة. انتهى. وكان أبو دليحة فضالة بن كلدة محسنًا إليه مدحه بقصائد, ولما مات رثاه بقصائد أيضًا, ومما رثاه به قوله من قصيدة: أيتها النفس أجملي جزعًا ... فإن ما تحذرين قد وقعا إن الذي يجمع السماحة والنـ ... نجدة والبر والتقى جمعا ألالمعي الذي يظن لك الظـ ... ـظن كأن قد رأى وقد سمعها إلى أن قال, وهو خبر اسم إن:

стр. 174

أودى فلا تنفع الإشاحة من ... أمرٍ لمن قد يحاول البدعا أودى: هلك, والإشاحة: الحذر, يقول: من حاذر حوادث الدهر وحاول ذلك فهو بدعة. ومن شعره آخر قصيدة: وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا ولكن أخوك النأي ما كنت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا النأي: البعد, أطلق المصدر على الصفة, وأعضل الأمر: اشتد. وأنشد بعده, وهو الانشاد الثالث والأربعون: (٤٣) أبا خراشة أما أنت ذا نفرٍ ... فإن قومي لم يأكلهم الضبع على أن قول الكوفيين: إن المفتوحة شرطية, راجح لأمور, منها مجيء الفاء بعدها كثيرًا كهذا البيت, وكذا استدل المحقق الرضي في «شرح الكافية» وهذا من توارد الخاطر, كما يقال: «قد يقع الحافر موضع الحافر» وقال أبو علي في «البغداديات»: قال سيبويه: سألته - يعني: الخليل - عن قوله: أما أنت منطلقًا أنطلق معك, فرفع, وهو قول أبي عمرو حدثنا به يونس, يريد أنه رفع: أنطلق, ولم يجزمه على أنه جزاء. وحكى أبو عمر الجرمي عن الأصمعي - فيما أظن - المجازاة بأما المفتوحة الهمزة, وزعم أنه لم يحكه غيره, وهذا الذي حكاه أبو عمر يقويه قوله: أبا خراشة أما أنت ذا نفر .. البيت, لأنه

стр. 175

ليس فيه ما يحمل عليه أن فيتعلق به, كما أنها في قولهم: أما أنت منطلقًا أنطلق معك, متعلق بأنطلق معك, فإن قلت: يكون متعلقًا بعفل مضمر يفسره ما بعده, فإن جواب ما يكون تفسيرًا لا يعطف به على المفسر, ألا ترى أنك تقول: إن زيدًا ضربته, ولا يجوز: إن زيدًا فضربته, فإذا لم يجز, كانت الفاء في: فإن قومي, جواب شرط, وأنت مرتفع بفعل مضمر. فإن قلت: قد تزاد الفاء كما حكى أبو الحسن: «أخوك فوجد» فأحملها في البيت على هذا ليصح إضمار الفعل المفسر, وفي حمل البيت عليه تقوية لما ذهب إليه سيبويه من أن «أما» في البيت إنما هو أن الناصبة, ضمت إليها ما, فالجواب أن القول بزيادتها ليس من مذهبه. انتهى كلامه. فيكون أبو علي قد سبق المحقق الرضي والمصنف. وقال ابن خلف في «شرح شواهد سيبويه»: قال علي بن عبد الرحمن: عندي فيه وجه, وهو أن تجعل الفاء جوابًا لما دل عليه حرف النداء المقدر من التنبيه والإيقاظ, كأنه قال: تنبه وتيقظ فإن قومي لم تأكلهم الضبع. والبيت من أبيات للعباس بن مرداس السلمي, ومنها: السلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع قوله: أبا خراشة, بضم الخاء المعجمة: منادى بحرف النداء المقدر. وأبو خراشة: اسمه خفاف بن ندبة, بضم الخاء المعجمة, وخفة الفاء, وندبة بفتح النون وسكون الدال, بعدها موحدة, وهي اسم أمه اشتهر بها. وأبو خراشة: صحابي شهد فتح مكة مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم, ومعه لواء بني سليم, وشهد حنين والطائف أيضًا, وهو ممن ثبت على إسلامه في الردة, وهو أحد فرسان قيس وشعرائها, وكان أسود حالكًا, وهو ابن عم الخنساء الصحابية,

стр. 176

وكان بينه وبين العباس بن مرداس مهاجاة في الجاهلية. وأما: أصله: «أن ما» فأدغم, فأن المفتوحة على ما اختاره أبو علي والرضي والمصنف: شرطية فعلها فقط محذوف عوض عنه ما, وهو كان, وأنت: اسمها, وأصله: أن كنت, فلما حذفت كان, وعوض عنها ما, انفصل الضمير, وذا نفر خبرها, وجملة: فإن قومي .. الخ: جواب الشرط, وعند ابن جني هما معمولان لما الواقعة عوضًا عن كان, ومصلحة للفظ, ليزول مباشرة «أن» الاسم, قال في «الخصائص»: فإن قلت: بم ارتفع وانتصب: أنت منطلقًا؟ قيل: بما, لأنها عاقبت الفعل الرافع الناصب, فعملت عمله من الرفع والنصب, وهذه طريقة أبي علي, وجملة أصحابنا من قبل أن الشيء إذا عاقب الشيء, ولي من الأمر ما كان المحذوف يليه, من ذلك الظرف إذا تعلق بالمحذوف, فإنه يتضمن الضمير الذي كان فيه, ويعمل ما كان يعمله من نصبه الحال والظرف, وعلى ذلك صار قوله: فاه إلى في, من قوله: «كلمته فاه إلى في» ضمانًا [للضمير] الذي كان في «جاعلًا» لما عاقبه. انتهى. وعلى هذا يلغز ويقال: هل تعرف في كلام العرب «ما» رافعة للاسم وناصبة للخبر وليست بالنافية التي يعملها أهل الحجاز, بل هي موجبة لا نافية. وروى أبو حنيفة الدينوري في كتاب «النبات» وابن دريد في «الجمهرة»:

стр. 177

أبا خراشة أما كنت ذا نفر .. فلا شاهد فيه, وما تكون زائدة. قال الفراء: نفر الرجل: رهطه, ويقال لعدة من الرجال من ثلاثة إلى عشرة, وهذا هو المشهور, والضبع: قال حمزة الأصبهاني في «أمثاله» التي على وزن أفعل عند قوله: «أفسد من الضبع»: إنها إذا وقعت في الغنم عاثت ولم تكتف بما يكتفي به الذئب, ومن إفسادها وإسرافها فيه استعارب العرب اسمها للسنة المجدبة, فقالوا: أكلتنا الضبع, وقال ابن الأعرابي: ليس يريدون بالضبع السنة, وإنما هو أن الناس إذا أجدبوا ضعفوا عن الانتصار, وسقطت قواهم, فعائت فيهم الضباع والذئاب, وإذا اجتمع الذئب والضبع في الغنم سلمت, ومنه قولهم: «اللهم ذئبًا وضبعًا» , أي: اجمعهما في الغنم, لأن كلاً منهما يمنع صاحبه. انتهى. فيكون قوله: فإن قومي .. الخ كناية عن قوتهم, قال الدماميني: الضبع السنة المجدبة, فيه توربة, لأنه أوهم أنه يريد الحيوان المعروف, ورشح له بقوله تأكلهم وهو مجاز عن الشدة التي تحصل من جدب السنة, شبهها بالآكل, فهو استعارة تبعية. انتهى. والتورية: إيراد لفظ له معنيان أحدهما قريب, ودلالة اللفظ عليه ظاهرة, والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية, ويراد البعيد, فيورى عنه بالقريب, فإن جامعت شيئًا مما يلائم المعنى القريب المورى به عن البعيد المراد, سميت مرشحة, وإلا فمجردة, وعلى هذا فلا استعارة في الضبع بخلاف ما تقدم, فتكون السنة المجدبة مستعارة من اسم الحيوان الضبع, لأنها نهاية في الفساد, كما أن الأكل المراد به الإهلاك استعارة أيضًا, كقوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله﴾ [البقرة/٢٧] حيث استعير فيه العهد للحبل, والنقض للإبطال, إلا أن الأكل لا يلائم السنة المجدبة, بخلاف النقض, فإنه ملائم للحبل, إلا أن يكون الأكل مستعارًا للمحق والإتلاف, وقال بعضهم: وقد جعل الأكل ترشيحًا للاستعارة

стр. 178

لا استعارة تبعية, كما في حديث: «أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا». وقوله: السلم تأخذ منها .. البيت, استشهد به البيضاوي عند قوله تعالى: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾ [البقرة /٢٠٨] على أن السلم تؤنث كالحرب. قال صحاب «الصحاح»: السلم: الصلح, تفتح وتكسر وتذكر وتؤنث, وكذلك استشهد به ابن السكيت في «إصلاح المنطق» قال التبريزي في «إيضاح الإصلاح»: الجرع: جمع جرعة, وهي ملء الفم. يخبره أن السلم هو فيها وداع ينال من مطالبه, يريد فإذا جاءت الحرب قطعته عن لذاته وشغلته بنفسه, انتهى. وفيه تعرض بأنه لا يقدر على تحمل مشاق الحرب. وأبيات العباس جواب لشعر أتاه من خفاف بن ندبة أبي خراشة, وهو قوله: قومي خفاف بن عوفٍ إن سألت بهم لا يفشلون ولا يزري بهم طبع شم مساعير في الهيجا لحربهم ... إذا تخلف عنها الأعزل الورع تسعى لشعب حبيب كي تندده ... وسوف إن همرتك الحرب تنقمع أقصر إليك ابن مرداس بداهية ... تلقى الدواهي منها ثم تختشع لالفينك وبرا حين تبصرنا ... أسد الغياطل أرماح لنا شرع والحرب كاشرة أنيابها عصلا ... فينا وما لك في إشعالها طمع جلمود بصر إذا المناقر صاب به ... فل المشرجع منه كل ما يقع

стр. 179

احذر صواعق مني كلما صقعت ... تشقى بها منكم الأكتاف والضلع وأي أكل إذا ما شئت آكله ... أنت الذليل وأنت الخائف القنع قوله: قومي خفاف بن عوف .. الخ, بنو خفاف: بطن من بني سليم, وهو خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم, وخفاف بن ندبة أحدهم, وقوله: لألفينك وبرًا, بفتح الواو وسكون الموحدة: دابة على قدر السنور غبراء حسنة العين شديدة الحياء, يطلق على الإنسان تحقيرًا له. والغياطل: جمع غيطل وهو السنور, والشرع بضمتين: جمع شارع, يقال: رمح شارع: منصوب نحو العدو للطعن, والعصل بضمتين: جمع أعصل, وهو الناب الأعوج, والضمة الثانية للإتباع, قال جامع ديوانه: أي: كل ما يقع فيه. بصر: حجارة صم, أي: بكسر الموحدة وسكون الصاد المهملة, والمشرجع: المعول, سماه بذلك لأنه, مطول. انتهى. والمنقار: حديدة كالفأس ينقر بها, وصاب به: نزل به في «القاموس»: الصوب: المجيء من عل, وفل: ثلم, والقنع بفتح القاف والنون: البائس. وقائل البيتين صحابي, وهو العباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد بن عباس بن رفاعة بن الحارث بن بهثة بن سليم, وأسلم قبل فتح مكة بيسير, وأمه الخنساء الصحابية, قاله صاحب «الأغاني» تبعًا لأبي عبيدة, وقال الكلبي: الخنساء أم ولد مرداس جميعًا إلا العباس فإنها ليست أمه, والعباس ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية. وأنشد بعده, وهو الانشاد الرابع والأربعون:

стр. 180

(٤٤) إما أقمت وأما أنت مرتحلًا ... فالله يكلأ ما تأتي وما تذر على أن الرواية بكسر الأولى وفتح الثانية, فلو كان المفتوحة مصدرية لزم عطف المفرد على الجملة, وهذا إن لم يكن تأويل أحدهما إلى الآخر يجعلهما جملتين أو مفردين امتنع العطف, وإذا امتنع العطف ظهر أن المفتوحة شرطية كالمكسورة, ونقل أبو منصور الأزهري في آخر «تهذيب اللغة» عن المبرد أنه قال: إذا أتيت بأما وإما فافتحها مع الأسماء واكسرها مع الأفعال, وأنشد: إما أقمت وأما أن ذا سفرٍ ... فالله يحفظ ما تأتي وما تذر كسرت إما قمت مع الفعل, وفتحت أما أنت لأنها وليت الاسم, وقال: أبا خراشة أما أنت ذا نفرٍ المعنى: إذ أنت ذا نفر, قاله ابن كيسان. وقال البصريون: أما هي: «أن» المفتوحة, ضمت إليها «ما» عوضًا من الفعل, وهي بمنزلة إذ, وينشدون: أبا خراشة أما أنت ذا نفرٍ قالوا: فإن ولي هذه الفعل كسرت, وأنشدوا: إما أقمت وأما أنت مرتحلا فكسر الأولى وفتح الثانية. انتهى كلام «التهذيب» وهذا لا يحصل لهو وما نقله المصنف عن ابن الحاجب قاله في «الإيضاح» شرح «المفصل» وهذه عبارته: وقد روي قوله:
следующие страницы →