← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ضعيف، لأن قائل"ياليتني" قد يكون وحده، فلا يكون معه منادى، وإنما"يا" للتنبيه، إلي أن قال: ومثل "يا" الواقعة قبل ليت في تجردها للتنبيه"يا" الواقعة قبل حبذا، وقب"رب" في قوله: ياربَّ سارٍ بات ما توسَّدا انتهى. وزعم العيني أن"يا" للنداء، والمنادى محذوف. وقوله: لا أظلله، بالبناء للمفعول: هو من باب الحذف والإيصال، والأصل: لا أظلل فيه، فحذف" في" توسعًا، وانتصب الضمير بالفعل، وبه استشهد ابن الناظم. وقوله: أرمض من تحت، بالبناء للفاعل: من رمضت قدمه، من باب تعب: إذا احترقت من الرمضاء، وهي الأرض الحامية من حرّ الشمس، وتحت: بالبناء على الضم، والأصل من تحتي، وكذا أضحى بالبناء للفاعل، قال الأزهري: قال الليث: ضحي الرجل يضحي ضحيّ إذا أصابه حرُّ الشمس، انتهى. وهذا أيضًا من باب تعب، وقال العيني: إنهما بالبناء للمفعول، وتبعه السيوطي، وهو خطأ لأن كلا منهما فعل لازم مسند إلي ضمير المتكلم. وأبو ثروان: من جملة الأعراب الذين كانوا ملازمين بباب الخلفاء، تؤخذ عنهم اللغة والأشعار والنوادر، وكان أبو ثروان ممن يلازم الكسائي، قال محمد ابن الحسين اليمني في"طبقات النحويين": ومن الأعراب الذين سمع منهم الغريب: أبو الوليد الرباحي وله شعر، وأبو مهدية وأبو الجراح العقيلي وأبو طفيلة وأبو خيرة وأبو الرقيش، ومن أعراب الكسائي: أبو فقعس وأبو ثروان وأبو الحصين وغيرهم، انتهى. وتفسيرالفراء مشحون بالنقل من هؤلاء، قال ياقوت في"معجم

стр. 1157

الأدباء" كان أبو ثروان أعرابيًا ببدويًا تعلم في البداية, كذا ذكره يعقوب بن السكبت, ووجد يخطه: وكان فصيحًا. قال محمد بن إسحق: وله من الكتب كتاب"خلق الفرس" كتاب "معاني الشعر" وهو عكلي, وعكل, بضم العين وسكون الكاف: اسم امرأةحضنت ولد عوف بن وائل بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر, وهي أمة لهم, وبنو عوف [ابن وائل] هم: الحارث وجشم وسعد وعلي [وقيس] وغلب نسبهم إليها, وكل من ولده واحد من هؤلاء كان علكيًا, انتهى. ورأيت في "أمالي ثعلب": أنشد, يعني ابن الأعرابي: ظلَّت وظلَّ يومها حوب حلي ... وظلًّ يوم لأَّبي الهجنجل قال: يقال: حوب حلي, بالرفع والنصب والخفض, وأبو الهجنجل: كنيته, ضاحي المقيل دائم التَّبذل ... ما أنا يوم الورد بالمظلَّل عنيّ ولا بالذائد المنقَّل ... بين العمودين عليَّ مبذلي أرمض من تحت وأضحى من على انتهى وعلى هذا لا إسكال فيه, والياء إن كانت ضمير المتكلم فهو معرفة كالظرف قبله, وإن كانت مبدله من الواو فهو معرفة أيضًا, لأنه مبني على ضمة مقدرة كما مضى في كلام ابن يعيش, وكما يأتي بيانه في البيت الآني عن ابن جني. وقال الصاغاني في "العباب": وأبو الهجنجل رجل؛ أنشد ابن جني: ظلَّت وظلَّ يومها جوب حلى ... وظلَّ يوم لأبي الهجنجل

стр. 1158

فدخول لام التعريف فيه مع العلمية يدل على أنه نالأصل صفة كالحارث والعباسي, انتهى وحوب , يفتح الحاء النهملة, في" العباب" وحوب مثلث الباء بالحركة, وحوب مثلث الباء بالتنوين, إذا نكر: زجرللإبل, وفي الحديث أن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر قال: "آيبون لربا حامدون, حوبًا حوبًا" معاه: سيراً سيراً, كان فرغ من دعائه ثم زجر جمله, وفيه أيضًا: وحلحلت بالناقة إذا قلت لها: "حل" بالتسكين وهو زجر للناقة, انتهى وهو يفتح الحاء المهملة, والضاحي: البارز, والتبذل: الخدمة, والمبذل بالكسر: ثوب الخدمة, وهما بالذال المعجمة. وأنشد بعده, وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد المآدتين: على أنه مثل البيت السابق: "وأضعى من عله"في كونه معرفة مبني على الضم, وأشار بهذا إلى أن المبني على الضم نوعان: لفظي: وهو ما تقدم في السابق , وتقديري وهو في هذا البيت, فإنه في اللفظ مجرور, والضمة مقدرة على آخره, فإن القصيدة رويها مكسور كما تراه, وقد بين تقدير الضم في نحو هذا ابن جني في "إعراب الحملة" قال عند قول ربيعة بن مقروم:

стр. 1159

وكويته فوق النواظر من عل قوله: من عل, يجب أن يكتب بالياء وليست الكسرة في اللام كسرة إعراب, ألا ترى أنه معرفة وليس بنكرة, ألا ترى أن معناه: وكوبته فوق نواظره أو النواظر منه, فهو إدن معرفة لأنه يريد به شيئاً مخصوصًا, فهو إذن كقول أوس: فملَّك باللَّيط الَّذي تحت قشره ... كغرقى بيضٍ كنَّه القيض من عل أي: من أعلاه. وقال الشنقرى: إذا وردت أصدرتها ثمَّ إنَّها ... تثوب فتتأتي من تحيت ومن عل وإنما تعرب" عل" إذا كانت نكرة كقولهم في النكرة: من فوق ومن عل إذا لم ترد أمراً معلومًا. فقوله: " فوق النواظر من عل"

стр. 1160

"عل" منه كشجٍ وعمٍ, ووزنه فعل, والياء فيه لام الفعل, والكسرة في اللام قبلها ككسر الضاد من قاض, فاعرف ذلك. وفيه عشر لغات: أتيته من علٍ ومن عل ومن علي ومن علا ومن علوُ ومن علوَ ومن علوِ ومن علوٍ ومن عالٍ ومن معالٍ, ومثله سواء قول العجلي: أقنيَّ من تحت عريض من عل أراد: من أعلاه, ألا تراه قرنه بالمعرفة المبينة وهى تحت, ف "علٍ" إذن معرفة, فهو كشج, وكسرة لامه ككسرة زاء غاز, والكلمة مبينة على الضم, وفي الياء تقدير ضمة البناء, فبيت ربيعة وبيت العجليّ هذان جميعًا سواء, ولكن بيت امرئ القيس الذي هو قوله: كجامود صخرٍ حطَّه السيل من عل عل فيه نكرة, ألا ترى أنه لا يريد من أعلى شئ مخصوص, فالكسرة إذن في لا عل كسرة إعراب ككسرة دال يد ودم, انتهى كلام ابن جني بالاختصار. وقوله: فالكسرة إذن في لام "عل" كسرة إعراب. . الخ, غير جيد, والجيد كلام ابن يعيش السابق, وهو قوله: ويحتمل أن تكون الكسرة فيه إعرابًا, وهو محذوف اللام ويحتمل أن تكون الكسرة فيه بناء. . إلى آخره, وقد استشهد بهذا البيت في باب الظروف المهمة غير المتمكنة, قال فيه: وسألته ـ يعني الخليل, ﵀ عن قوله: من دونٍ ومن فوقٍ ومن تحتٍ ومن فبلٍ ومن بعدٍ ومن دبرٍ ومن خلفٍ, فقال: أجروا هذا مجرى الأسماء المتمكنة, لأنها تضاف وتستعمل غير ظرف, ومن العرب من يقول: من فوق ومن تحت, يشبهه بقبل ولعد, وقال أبو النجم:

стр. 1161

أقبً من تحت عريضٍ من عل وكذلك من أمامٍ ومن قدَّامٍ ومن وراءٍ ومن قبل ومن دبر, وزعم, ﵀, أنهن نكراتٌ كقول أبي النجم: يأتي لها من أيمن وأشمل وزعم أنهن نكرات إذا لم يضفن إلى معرفة, كما تكون أيمن وأشمل نكرة, وسألنا العرب فوجدناهم يوافقونه, انتهى. ولم يكتب السيرافي هنا شيئاً, وكتب أبو عليهنا في تعليقه على الكتاب ماهو مأخذ كلام ابن جني السابق, قال: فأما قول الشاعر: فهى تنوش الحوض نوشًا من علا فإن كان علا معرفة فالنية بلامها أن تكون مضمومة كما ضمت من"عل" لما كانتمعرفة للغاية, وإن كانت نكرة ولم تجعله من أعلى شئ معلوم معهود كان اللام في موضع جر, كما أن من"عل" مجرور فاللفظ فيه "علا" واجد والتقدر مختلف,

стр. 1162

والأشبه في" علا" في البيت أن تكون معرفة, لأنه إشارة إلى أعلى الحوض, وإن قدرت "من علا" غاية معرفة لم تنو في الدرج, كما لا تنون قبل فيه, وإن قدوته نكرة نونته فقلت: جئت من علاّ؛ فاعلم. انتهى. تتمة: على المضمومة المذكورة في اللغات العشر في كلام ابن جني وابن يعيش لامها محذوف اعتباطًا, كما حذفت اللام من يدٍ, ودمٍ, بخلاف حذف لام بقية أخوتها فإنهما حذفت لعلة تصريفية, كحذف لام قاضٍ وغازٍ ولهذا عدت لغة مستقلة من بين أخواتها. قال أبو علي في "التعليقة": "عل" لامه واو, فحذفت كما حذف لام غدٍ لا كما يحذف من عمٍ وشجٍ لا لتقاء الساكنين, والدليل على ذا قولهم: من علُ, فبنوه على الضم كما بني قبل, ولو كانت مثل قولك عمٍ لوجب أن تكون علا, فثبت لام الفعل لأنه ليس فيه شئ يجب أن يسقط له شئ من ساكن اجتمع معه. انتهى. وقال الأعلم الشنتمري في" شرح شواهد سيبو يه": الشاهد فيهبناء تحت على الضم لما قصرها عن الإضافة وجعلها غاية كقبل وبعد. وصف فرسًا بطيِّ الكشح, وانتفاخ ما بين الجنبين وعرضه, والأب: الضامر , ورواية أبي الحسن "من علي" وهو خطأ هذا كلامه برمته وقدأخطأ فيه من وجهين, احدهما: أن رواية أبي الحسن هي الصواب كما تقدم, والثاني: أن البيت في وصف بعير السانية لافي وصف فرس, وقد تبعه في هذا الغلط المصنف والعيني في شرح الشواهد وغيرهما. والبيت من أرجوزة طويلة لأبي النجم العجلي, قال الأصفهاني في"الأغاني": ورد أبو النجم على هشام بن عبد الملك في الشعراء, فقال لهم هشام: صفوا لي

стр. 1163

إبلاً فقطروها وأوردوها وأصدروها حتى كأني أنظر إليها, فأنشدوه, وأنشده أبو النجم هذه الأرجوزة بديهة, قال الأصمعي: أخبرني عمي قال: أخبرني ابن بنت أبي النجم قال: قال جدي أبو النجم: نظمت هذه الأرجوزة في قدر ما يمشي الإنسان من مسجد الأشباح إلى مسجد حاتم الجزار, ومقدا ر ما بينهما غلوة سهم, انته. وهذه أبيات من أولها: الحمد لله العليِّ الأجلل ... الواسع الفضل الوهوب المجزل أعطى فلم يبخل ولم يبخِّل ... كوم الذُّ رى من خول المخوَّل تبقَّلت من أوَّل التَّبقُّل ... بين رماحى مالكٍ ونهشل يدفع عنها العزُّ جهل الجهَّل إلى أن قال: وقد جعلنا في وضين الأَّحبل ... جوز خفافٍ قلبه مثقَّل أحزم لا قوقٍ ولا جزنبل ... موثَّق الأعلى أمين الأسفل أقبَّ من تحت عريضٍ من عل ... معاودٍ كرَّة أد بر أقبل إلى ان قال: وصدرت بعد أصيل الموصل ... تمشي من الرِّدَّة مشي الحفَّل مشي الروايا بالمزاد الأثقل إلى أن قال: تثير أيديها عجاج القسطل ... إذ عصبت بالطعن المغربل

стр. 1164

تدافع الشيب ولم تقتل ... في لجةٍ أمسك فلانًا عن فل ومنها في صفة الراعى: تفلى له الرِّيح ولما يفتل ... لمِّة قفرٍ كشعاع السُّنبل يأتي لها من أيمن وأشمل ... وبدِّلت والدَّهر ذو تبدُّل هيفًا دبوراً بالصَّبا والشَّمأل وهي طويلة جداً, قال ابن قتيبة في كتاب"الشعراء": أنشد أبو النجمز هذه الأرجوزة هشام بن عبد الملك, وهي أجود أرحوزة للعرب, وهشام يصفق بيديه استحساناً لها حتى إذا بلغ قوله في صفة الشمس: حتّى إذا الشَّمس جلاها المجتلي ... بين سماط شفقٍ مر عبل صفواء قد كادت ولما تفعل ... فهى على الأفق كعين الأحول أمر بوجء رقبته وإخراجه, وكان هشام أحول, انتهى. وقوله: "الحمد لله العلي الأجلل" أورده علماء المعاني على أن "الأجلل" بفك الإدغام مما يخل بالفصاحة, والفصيح: الأجل , وهو القياس, وأورده المصنف أيضًا في آخر "أوضح المسالك" على أن فك الإدغام للضرورة, ورواه سيبويه: "الحمد لله الوهوب المجزل" أنشده على أن حذف الياء المتصلة بحرف الروي جائز على ضعف تشبيهاً لها في الحذف بياء الوصل الزائدة للترنم, كما في قوله: المجزل ونحوه, وكأن هذه الرواية مركبة من بيتين أو هو من شعر راجز آخر, لكن ابن هشام اللخمي أورده كذلك أول هذه الأرجوزة, والله أعلم.

стр. 1165

والمجزل: من أجزل له في العطاء إذا أوسعه, والبخل: منع السائل مما يفضل عنده, وفعله من باب تعب, ونجّله _ بالتشديد _ أي: نسبه إلى البخل, وأما أنجله فمعناه: وجده نجيلاً, وكوم الذرى: مفعول أعطى؛ جمع كوماء بالفتح والمد , وهى الناقة العظيمة السنام, والذرى: جمع ذروة بالكسر والضم, أعلى السنام, والخول: بفتحتين العطية, والمخول: اسم فاعل المعطي, وقوله تبقلت, أي: رعت البقل, وهو ما نبت في بذوره لا في أرومة ثابتة, ومالك ونهشل: قبيلتان, والأول هو بن ضبيعة بن قيس من هوازن. ونهشل هو أبو دارم قبيلة من ربيعة, قال الأصبهاني في "الأغاني" وكان ذكر هاتين القبيلتين أعني بني مالك ونهشل: إن دماء كانت بين بني دارم وبين بني نشل وحروبًا في بلادهم, فتجافى جميعهم الرعي فيما بين فلج والصمان مخافة الشر جتى كثر كلؤه وطال, فذكر أن بني عجل جاءت لعزها إلى ذلك الوضع فرعته, ولم تخف رماح هذين الحيين, ففخر به أبو النجم, انتهى. وهذا خطأ منه, ظن أن مالكًا هو مالك بن حنظلة, ونشهل بن دارم بن مالك بن حنظلة, وليس كذلك, ويؤيده ما رواه ابن الأعرابي في"نوادره" قال: كان رجل من عزة دعا رؤبة بن العجاج فأطعمه وسقاه, فأنشده فخره على ربيعة, فساء ذلك العنزي, فقال لغلامه سراً: اركب فرسي وجئني بأبي النجم, فجاء به وعلية جبة خز وبت في غير سراويل, فدخل فأكل وشرب, ثم قال العنزي: أنشدنا ياأبا النجم ورؤبة لا يعرفه, فانتحى في قوله: الحمد لله الوهوب المجزل

стр. 1166

ينشدها حتى بلغ: تبقَّلت من أوَّل التَّبقل بين رماحي مالك وتهشل فقال له رؤبة: إن نهشلاً من مالك يرحمك الله فقال يا ابن أخى, الكمر أشباه إنه ليس من مالك بن حنظلة, إنه مالك بن ضبيعة! فخزي رؤبة, وحي من غلبة أبي النجم إياه, ثم أنشد أبو النجم فخره على تميم فاغتم رؤبة, وقال لصاحب الدار: لابحبك قلبي أبداً, انتهى. وصوابه ما نقله أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم" عن أبي عبيدة أنه قال: لما قتل عمران بن خنيس السعدي رجلين من بني نهشل بن دارم اتهاماً بأخيه المقتول في بغاء إبله, نشأت بين بني سعد بن مالك وبين بني نهشل حرب تحامى الناس من أجلها ما بين فلج والصمان .. إلى آخر ما ذكره صاحب "الأغاني" والصمان, بفتح الصاد المهملة وتشديد الميم: جبل يخرج من البصرة على طريق البصرة إلى مكة, وفيه منازل للحاج, كذا في معجم البكري. واستشهد صاحب"الكشاف" يقوله: "بين رماحي مالك ونهشل" عند تفسير قوله تعالى: (اثنتي عشرة أسباطاً) [الأعراف/١٦٠] على جمع الأسباط, مع أن مميز ما عدا العشرة لا يكون إلا مفرداً, لأن المراد بالأسباط القبيلة, ولو قيل: سبطاً لأوهم أن المجموع قبيلة واحدة, فوضع أسباطاً موضع قبيلة, كما وضع أبو النجم وماحاً وهو جمع موضع جماعتين من الرماح, وثنى على تأويل رماح هذه القبيلة ورماح هذه القبيلة, فالمراد لكل فرد من أفراد هذه التثنية جماعة, كما أن لكل فرد من أفراد هذا الجمع وهو أسباط قبيلة.

стр. 1167

وزعم خضر الموصلي في شواهد التفسيرين أن هذا البيت في وصف رمكة مرتاضة, اعتادت ممارسة الحروب حتى تحسب أرض الحرب روضة تتبقل فيها, هذا كلامه, مع أنه أورد أبياتاً من هذه الأرجوزة ولم يتفهم المعنى! . وقوله: يدفع عنها العز: هو فاعل يدفع, وجهل الجهل: مفعوله, أي: سفاهة السفهاء, وضمير"عنها" وفاعل "تبقلت" ضمير كوم الذرى, والعز: القوة والمنعة. وقوله: وقد جعلنا في وضين. .الخ؛ هذا في وصف بعير السانية, أي: الدولاب, والوضين: سير عريض كالحزام يعمل من أدم, قال صاحب "القاموس": الوضين بطان عريض منسوج من سيور أو شعر ولا يكون إلا من جلد, انتهى. والأجل: جمع حبل, والجوز, بفتح الجيم وسكون الواو وآخره زاء معجمة: مفعول جعلنا, وجوز كل شيء وسطه, والخفاف, بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفائين, وهو منون, وقلبه: فاعله, وهو صفة لموصوف محذوف, أي: بعير خفاف, والمثقل: الثقيل, صفة ثانية, يريد: شددنا الوضين في وسط بعير خفيف القلب ذكيه مع ثقل بدنه وضخامته. والأحزم: خلاف الأهضم, وهو أن يكون موضع حزامه عظيماً, وهو صفة ثالثة. والقوق, بضم القاف الأولى: الفاحش الطول؛ وهو صفة رابهة, والحزنبل, بفتح الحاء المهملة والزاء المعجمة وسكون النون وفتح الموحدة: القصير, وقوله: موثق الأعلى .. الخ, بالجر: صفة خامسة, وأراد بالأعلى ظهره, وبالأسفل قوائمه, وأمين بمعنى مأمون صفة سادسة. وقوله أقب .. الخ, مجرور بالفتحة: صفة سابعة, وعريض: صفة ثامنة, والقبب بفتحتين: الضمر, يعني أن خضره ضامر, والخصر تحت المتن وأن تحته

стр. 1168

عريض وتحت مبنى علي الضم، وقوله: معاود كرة. الخ، معاود: أسم مفعول، وهو بالجر صفة تاسعة، أي: يعاد عليه مرمرًا قول: أقبل على البئر إذا تفرغت الدلو، أدبر عنها إذا امتلأت. وكرة، بالرفع نائب فاعل معاود، وهو مضاف لما بعده. وقوله: فصدرت، أي: رجعت، والأصيل: الوقت الذي بعد العصر إلى المغرب، والموصل: الراعي يوصل بعضها ببعض إذا تفرقت، وقوله: تمشي من الردة، قال صاحب (العباب): الردة: امتلاء الضرع من اللبن قبل النتاج، عن الأصمعي: وأنشد لأبي النجم يصف إبلًا: تمشي من الردة .. إلخ، وقال الأصعمي: الردة: أن تشرب الإبل الماء وتبرك وقد رويت بعد عطش، فترم ضروعها وأحييتها من غير لبن ولا حفل، ولكنه من الارتواء، انتهى وقال السيرافي في (شرح أبيات إصلاح المنطق): وصف إبلًا قد أكثرت من شرب الماء فأثقلها الري، والردة ترد في أجوافها، يقال: أردت فهي مرد: إذا انتفخت من الماء وانتفخ ضرعها من غير لبن، يقول: تمشي من كثرة شرب الماء كمشي التي أثقلها كثرة ما في ضرعها، والحافل: التي اجتمع في ضرعها اللبن، انتهى. وقوله: مشي الروايا، أي مشيًا كمشيها، وهي جمع رواية: البعير الذي يستقى عليه، والمزاد: والوعاء الذي يستقى به الماء ويقال له رواية أيضًا، قال أبو عبيد: لا تكون المزادة إلا من جلدين تفأم بثالث بينهما لتتسع، وتفأم، بوزن تفعل، مهموز العين، بمعنى توسع، تقول: أفأمته أي، : وسعته،

стр. 1169

وقوله تثير أيديها .. إلخ، الضمير للإبل، والقسطل: الغبار وما ارتفع من العجاج، قال الجوهري: وعصبت الإبل بالماء إذا دارت، وقال الفراء/ عصبت الإبل وعصبت، بالكسر، أيضًا: إذا اجتمعت، والعطن بفتحتين: مبرك الإبل عند الماء لتشرب الشرب الثاني، فإذا استوفت ردت إلى المرعي، والمغربل: المنخول، أي: أن تراب العطن كأنه منخول لكثرة ما انسحق منه بشدة الحركة. وقوله: تدافع الشيب؛ مصدر تشبيهي وعاملة محذوف، وهو معطوف على عصبت، أي: اجتمعت وتدافعت تدافعًا كتدافع الشيوخ، والشيب: جمع أشيب، وهو الشيخ. ولم تقتل، أصله: تقتتل، فأسكن التاء الأولى للإدغام، وحرك القاف لالتقاء الساكنين بالكسر فصار: تقتل، ثم أتبع أول الحرف ثانية فصار: تقتل، بثلاث كسرات، واللجة، بفتح اللام وتشديد الجيم: اختلاط الأصوات في الحرب، وفي (الصحاح): وسمعت لجة الناس، بالفتح، أي: أصواتهم وضجتهم، وأنشد هذا البيت و (في) متعلقة بتدافع، وقوله: أمسك فلانًا عن فل، هو على إضمار القول، أي: في لجة يقال فيها: أمسك فلانًا، قال ابن السيد، وتبعه اللخمي، كلاهما في شرح أبيات الجمل: شبه تزاحمها ومدافعة بعضها بعضًا بقوم شيوخ في لجة وشر، يدفع بعضهم بعضًا فيقال: أمسك فلانًا عن فلان، أي: احجز بينهم، وخص الشيوخ لأن الشباب فيهم التسرع إلى القتال، أي: هي في تزاحم ولا تقال كالشيوخ، وكأن الأعلم لم يقف على ما قبله من الأبيات، قال في (شرح شواهد سيبويه): الشاهد فيه

стр. 1170

استعمال (فل) مكان فلان في غير النداء ضرورة، ومعنى أمسك فلانًا عن فل: خذ هذا بدم هذا، وائسر هذا بهذا، انتهى. وفل: يستعمل في النداء خاصة، واستعمله هنا في غير النداء للضرورة، وقالوا في تأنيثه: فلة، أنثوه على نقصه، وليس فل مرخمًا من فلان، لأن المرخم لا يلحقه تأنيث، وإنما هو بمنزلة دم ودمة، قاله أبو حيان في (تذكرته). وقوله: تفلي له الربح. الخ، الفلي: مصدر فليت رأسه- من باب رمي- إذا نقيىه من القمل، وافتلى هو إذا نقاه، ويفتل: مجزوم بلما، يريد أن الريح تهب على رأسه، فتفرق شعره كأنها تفليه، وهو لم يفل شعره لشعثه وقلة تعهده نفسه، واللمة، بكسر اللام: الشعر الذي يلم بالمنكب، أي: يقرب منه، وهو مفعول تفلي على التنازع. والقفز: بفتح القاف وسكون الفاء، وأصله قفر، بكسر الفاء، وصف من قفر زيد، من باب فرح: إذا قل لحمه. وشعاع السنبل، بفتح الشين المعجمة: سفاه، وقد أشع الزرع: أخرج شعاعه، وأسفى الزرع إذا خثن أطراف سنبله، والسنبل: سنبل الحنطة والشعير ونحوهما، شبه شعره المنتفش بشوك السنبل. وقوله: يأتي لها، فاعله ضمير الراعي، قال صاحب (الصحاح) أي: يعرض لها من ناحية اليمين وناحية الشمال، وذهب إلى معنى أيمن الإبل وأشملها فجمع لذلك، انتهى. وأوردة سيبويه على أن الشاعر لما جر أيمنًا وأشملًا بمن أخرجهما عن الظرفية، وزعم الأعلم في "شرح شواهده" أن هذا البت في وصف ظليم

стр. 1171

ونعامة، قال: يعني كلما أسرعت إلى أدحيتها وهو بيضتها عرض لها يمينًا وشمالًا مزعجًا لها، وهذا كما ترى لا أصل له. وقوله: وبدلت والدهر ذو تبدل .. إلخ، يأتي إن شاء الله شرحه في الباب الثاني. وقوله: بين سماطي شفق .. إلخ، السماط، بالكسر: الصف والجانب، والسمطان من الناس والنخل: الجانبان. يقال: مشى بين السماطين، وأنشد القصيدة بين السماطين، والمرعبل: المقطع، وصغواء بالغين المعجمة: من صغت النجوم إذا مالت للغروب، وقوله: قد كادت، أي: قاربت الشمس أن تغيب ولم تغب بالفعل، روى صاحب (الأغاني) أن أبا النجم لما بلغ ذكر الشمس فقال: وهي على الأفق كعين ... وأراد أن يقول: "الأحوال" فذكر حول هشام فلم يتم البيت، وأرتج عليه، فقال هشام: أجز [البيت]، فقال كعين الأحوال، فأمر هشام بإخراجه من الرصافة- ويقال لها: رصافة الشام، وهي مدينة في غربي الرقة بينهما أربعة فراسخ على طرف البرية، بناها هشام لما وقع الطاعون بالشام، وكان يسكنها في الصيف، وكانت قبل من بناء الملوك الغسانيين- ثم قال لصاحب الشرطة: [ياربيع] إياك وأن أرى هذا! فكلم وجوه الناس صاحب الشرطة أن يقره ففعل، فكان يصيب من فضول أطعمة الناس ويأوي بالليل في المساجد. قال أبو النجم: ولم يكن بالرصافة أحد يضيف إلا سليم بن كيسان الكلبي وعمرو بن بسطام التغابي، فكنت أتغذى عنه سليم، وأتعشى عند عمرو، وآتي المسجد فأبيت فيه. فاغتم هشام ليلة وأراد محدثًا يحدثه، فقال لخادم له: ابغني محدثًا أعرابيًا أهوج شاعرًا يروي الشعر، فخرج الحاجب إلى المسجد، فإذا هو بأبي النجم، فضبه برجله وقال له: قم أجب أمير المؤمنين،

стр. 1172

فقال: أنا أعرابي غريب، قال: إياك أبغي، قال: تروي الشعر؟ قال: نعم وأقوله، فأقبل به حتى أدخله القصر وأغلق الباب فأيقن بالشر، ثم مضى به فأدخله على هشام في بيت صغير، بينه وبين أهله ستر رقيق والشمع بين يديه، قال: فلما دخلت قال لي: أبو النجم؟ قلت: يا أمير المؤمنين طريدك! قال: أجلس، فسألني وقال: أين كنت تأوي؟ فأخبرته الخبر، قال: ومالك من الولد والمال؟ قلت: أما المال فلا مال لي، وأما الولد في ثلاث بنات وبني يقال له شيان، قال: هل زوجت من بناتك [أحدًا]؟ قلت: نعم زوجت اثنتين، وبقيت واحدة تجمز في أبياتنا كأنها نعامة، قال: وما وصيت به الأولى وكانت تسمى برة- قال: أوصيت من برَّة قلبًا حرّاً ... بالكلب خيرًا والحماة شرَّا لا تسأمي ضربًا لها وجرّا ... حتىَّ ترى حلو الحياة مرّا وإن كستك دهبًا ودرّا ... والحيَّ عمِّيهم بشرٍّ طراّ فضحك هشام وقال: فما قلت للأخرى؟ قال: قلت: سبّي الحماة وابهتي عليها ... وإن دنت فازدلفي إليها وأوجعي بالفهر ركبتيها ... ومرفقيها واضربي جنبيها وقعدّي كفيك في صدغيها ... لا تخبري الدَّهر بذاك ابنيها فضحك هشام حتى بدت نواجذه، وسقط على قفاه. وقال: ويحك، ما هذه وصية يعقوب ولده! قال: ولا أنا كيعقوب يا أمير المؤمنين، قال: فما قلت في الثالثة؟ قال: قلت:

стр. 1173

أوصيك يا بنتي فإّني ذاهب ... أوصيك أن يحمك الأقارب والجار والضَّيف الكريم السّاغب ... لا يرجع المسكين وهو خائب ولا تني أظفارك السَّلاهب ... لهنَّ في وجه الحماة كاتب والزَّوج إنَّ الزَّوج بئس الصَّاحب قال: فأي شيء قلت في تأخير تزويجها؟ قال: قلت: كأنَّ ظلّامة أخت شيّان ... يتيمة ووالداها حيَّان الجيد منها عطلٌ والأذنان ... وليس للرِّجلين إلاّ خيطان وفضَّةٌ قد شيَّطتها النّيران ... تلك الَّتي يضحك منها الشَّيطان فضحك هشام، وضحكت الناس لضحكه، وقال للخصي: كما بقى من نفقتك؟ قال: ثلاثمائة دينا، قال: أعطه إياها يجعلها في رجل ظلامة مكان الخيطان. وتقدمت ترجمة أبي النجم في الإنشاد السابع والستين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد المائتين: (٢٥٣) كحملود صخر ... حطَّه السَّبل من عل

стр. 1174

على أن "على" هنا نكرة، قال ابن حني: "عل" فيه نكرة، ألا ترى أنه لا يريد من أعلى شيء مخصوص، فالكسرة إذن في لام "عل" هذه كسرة إعراب، ككسرة دال يد، وميم دم، ومن كان من العرب لغته تنوين أواخر الأبيات، نحو قوله: أقلّى اللّوم عاذل والعتابن وقوله: يا صاح ما هاج الدُّموع الذُّرَّفن وقوله: من طلل كالأتحميّ أنهجن فإنه إذا نون بيت أوس فقال: كغرقئ بيضٍ كنَّه القيض من علن فالتنوين عنده ليس تنوين الصرف، كالذي في قوله: رأيت زيدًا، ومررت بجعفر، ألا ترى أن هذا التنوين إنما يلحق في الصحيح حركات الإعراب، وضمة اللام من قوله: (كنه القيض من عل) إنما هي ضمة بناء، فالتنوين فيه إذن هو التنوين اللاحق للفعل في (أنهجن) ومع لام المعرفة في: (الذرفن) ومع الضمير في قوله: يا أبتا علك أو عساكن وأما التنوين من قوله: كجلمود صخر حطَّه السَّيل من عل

стр. 1175

فينبغي أن يكون تنوين الصرف، لأن الحركة قبل حركة إعراب، ولا أنكر أيضًا أن يعتقد فيه أنه تنوين الإنشاد اللاحق للفعل، ومع لام المعرفة والمضمر على ما قدمناه، والوجه هو الأول. انتهى. والمصراع من معلقة امرئ القيس، وقبله: وقد أغتدي والطَّير في وكناتها ... بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل مكرِّ مفرِّ مقبلٍ مدبرٍ معًا كجلمود صخرٍ حطَّة السَّيل من عل قوله: وقد اغتدي، أي: أخرج غدوة للصيد، والوكنات، بضم الواو والكاف: جمع وكنة، بسكون الكاف، قال ابن جني في (المحتسب): قرأ عبد الكريم الجزري (فتكن في صخرة) [لقمان /١٦] بكسر الكاف، ومن قولهم: وكن الطائر يكن وكونًا: إذا استقر في وكنته، وهي مقره ليلًا، وهي أيضًا عشه الذي يبيض فيه، وكأنه من مقلوب الكون، لأن الكون الاستقرار، انتهى. وقد استعمل امرؤ القيس هذا المصراع في عدة قصائد منها في اللامية، وتمامه: لغيث من الوسميِّ رائده خالي ومنها في الضادية، وتمامه: بمنجردٍ عبل اليدين قبيض

стр. 1176

ومنها في البائية، وتمامه: وماء النَّدى يجري على كلِّ مذنب وجملة: "والطير في وكناتها" حال من ضمير أغدو، والمنجرد قيل: الماضي في السير، وقيل: القليل الشعر، والباء متعلقة بأغتدي، والأوابد: الوحوش جمع آبدة، يريد أن هذا الفرس من شدة سرعته يلحق الوحوش فيصير لها بمنزلة القيد، قال أبو علي في "التذكرة": قيد الأوابد: صفة، وهو مصدر كأنه قال: تقييد الأوابد، ثم استعمل المصدر بحذف الزيادة فوصف به، وقال التبريزي: تقديره ذي تقييد الأوابد، قال الباقلاني في (إعجاز القرآن": قوله: "قيد الأوابد" عندهم من البديع، وهو من الاستعارة، ويرونه من الألفاظ الشريفة، وعني وبذلك أنه إذا أرسل هذا الفرس على الصيد صار قيداً لها، وكانت بحالة المقيد من جهة سرعة عدوه، وقد افتدى به الناس، واتبعه الشعراء فقيل: قيد النواظر، وقيد الألحاظ، وقيد الكلام، وقيد الحديث، وقيد الرهان، قال الأسود أبن يعفر: بمقلِّص عتدٍ جهيزٍ شدُّه ... قيد الأوابد والرِّهان جواد وقال أبو تمام: لها منظرٌ قيد الاوابد لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحبُّ وقال آخر: ألحاظه قيد عيون الورى ... فليس طرفٌ يتعدَّاه

стр. 1177

وقال آخر: قيَّد الحسن عليه الحدقا والهيكل قال ابن دريد: هو الفرس العظيم الجرم. وهاذ البيت موجود في شعر علقمة الفحل وهو عصريه ومشاعره، والله أعلم، وقوله: مكر مفر، بكسر ميمهما وجرهما، أي: جواد صالح للكر والفر، والكر: العطف، يقال: كر فرسه على عدوه، أي: عطفه عليه ومفعل، بكسر الميم، يتضمن مبالغة، كقولهم: فلان مسعر حرب، وفلان مقول ومصقع، وإنما جعلوه متضمنًا مبالغة لأن مفعلًا يكون من أسماء الآلة، فكأنه أداة للكر والفر، وآلة لتسعر الحرب أي: تلهبها، وآلة الكلام، ومقبل ومدبر: اسمًا فاعل من الإقبال والإدبار، والجلمود، بالضم: الصخر العظيم الصلب، والحط: إلقاء الشيء من علو إلى أسفل، ومن عل، أي: من مكان عال، وهذا البيت عدوه من باب الأتساع، قال ابن رشيق في (العمدة): الاتساع: أن يقول الشاعر بيتًا يتسع فيه التأويل، فيأتي كل واحد بمعنى، وإنما يقع ذلك لاحتمال اللفظ وقوته واتساع المعنى، من ذلك قول امرئ القيس: مكر مفر مقبل .. البيت، فإنه أراد أنه يصلح للكر والفر ويحسن مقبلًا ومدبرًا، ثم قال: معًا، أي: جمع ذلك فيه، وشبه في سرعته وشدة جريه وحضره بجلمود حطه السيل من أعلى الجبل، وإذا انحط من عل كان شديد السرعة، فكيف إذا أعانته قوة السيل من ورائه! وذهب قوم منهم عبد الكريم إلى أن معنى قوله: كجلمود صخر ... إلخ، إنما

стр. 1178

هو الصلابة، لأن الصخرة عندهم كلما كان أظهر للشمس والريح كان أصلب وقال بعض من فسره من المحدثين: إنما أراد الإفراط، فزعم أنه يرى مقبلًا ومدبرًا في حال واحدة عند الكر والفر لشدة سرعته، واعترض على نفسه فاحتج بما يوجد عيانًا، فمثله بالجلمود المنحدر من قنة الجبل، فإنك ترى ظهره في النصبة على الحال التي ترى فيها بطنه وهو مقبل إليك، ولعل هذا ما مر قط ببال امرئ القيس، ولا خطر في وهمه، ولا وقع في خلده ولا روعه، انتهى. والمصراع الشاهد قد أنشده سيبويه في أواخر "كتابه" قال: وعل معناها الإتيان من فوق، قال امرؤ القيس: (كجلود صخر حطه السيل من عل) وقال جرير: حتى اختطفتك يا فرزدق من عل انتهى. قال الأعلم في شرحه: يريد أن معنى "عل" معنى "فوق" وأن الجر دخله لأن قدره نكرة غير مضاف إلى شيء في النية، وبناؤه على الضم أكثر لتضمه معنى الإضافة كقبل وبعد، انتهى. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب.

стр. 1179

علّ (بلام مشددة) أنشد فيه، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد المائتين: (٢٥٤) لا تهين الفقير علَّك أن ... تركع يومًا والدَّهر قد رفعه على أن (عل) لغة في (لعل) وهما بمنزلة عسى في المعنى، وفيه شواهد أخر: أحدهما: حذف نون التوكيد الخفيفة، حذفت الالتقاء الساكنين والأصل: لا تهينن الفقير، فحذفت النون وبقيت الفتحة دليلًا عليها لكونها مع المفرد المذكر فإن لم تلاق النون ساكنًا فلا تحذف إلا للضرورة نحو ما أنشده أبو زيد في (نوادره): أضرب عنك الهموم طارفها ... ضربك بالسَّوط قونس الفرس ورواه الجاحظ في (البيان): (لا تحقرن الفقير). وروى ثعلب: (ولا تعاد الفقير) فلا شاهد فيه. ثانياً: اقتران الفعل الواقع خبراً لـ (علَّ) [بأن] كالحديث: (لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض) ثالثها: وقوع الخرم بالراء المهملة في غير الوتد المجموع، وذلك أن البيت من المنسرح، وأول أجزائه مستفعلن، وقوله: (لا نهي) وزنه: فاعلن، حذف سين مستفعلن بالخبن، فبقى متفعلن، ثم حذف ميمه بالخرم فصار تفعلن، فنقل إلى فاعلن، ومثله شاذ، كقوله:

стр. 1180

قاتلوا القوم يا خزاع ولا ... يدخلكم في قتالهم فشل وروي: "ولا تهين" بالواو، فلا خرم. والبيت من أبيات للأضبط بن قريع السعدي، أوردها القالي في (أماليه) عن ابن دريد عن ابن الأنباري عن ثعلب، قال ثعلب: بلغني أنها قيلت قبل الإسلام بدهر طويل وهي: لكلِّ همِّ من الهموم سعه ... والمسي والصبُّح لا فلاح معه ما بال من سرَّه مصابك لو ... يملك شيئًا من أمره وزعه أذود عن حوضه ويدفعني ... يا قوم من عاذري من الخدعه حتّى إذا ما انجلت عمايته ... أقبل يلحى وغيُّه فجعه قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه فاقبل من الدَّهر ما أتاك به ... من قرَّ عينًا بعيشه نفعه وصل حبال البعيد إن وصل الـ ـحبل وأقص القريب إن قطعه ولا تعاد الفقير علَّك أن ... تركع يومًا والدَّهر قد نفعه انتهى. ورواها أيضًا ابن الأعرابي في (نوادره) والجاحظ في (البيان) والشريف الحسيني في (حماسته) وصاحب (الحماسة البصرية) وابن قتيبة في كتاب (الشعراء) والأصبهاني في (الأغاني) وغيرهم بتقديم بعضها على بعض، وطرح بعض أبيات منها.

стр. 1181

والمسي، بضم الميم وكسرها وسكون السين: أسم من الإمساء، والصبح اسم من الإصباح، قاله الجوهري وأنشد البيت، والفلاح: البقاء، وروي به أيضًا، وقوله: ما بال من سره ... إلخ، المصاب، بالضم: المصيبة، وروي أيضًا: (ما بال من تتألم لفقره وخيبته، فإذا وجد شيئًا كفه عنك! وقوله: إذود عن حوضه، هذا مثل للحماية ودفع المكروه عنه، والخدعة، بضم الخاء المعجمة وفتح الدال: بطن من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، وهم قومه، قاله صاحب (الأغاني) وغيره، والعماية، بفتح العين المهملة: الشدة التي تلتبس منها الأمور، يقال: عمي عليه الأمر: إذا التبس، وأقبل: شرع، ويلحى: يلوم، وغيه: الضلالة، وفجعه: أصابه بمكروه، والمراد بوصل الحبل: وصل حبل المودة والقيام بحقوقها، أي: دم على مواصلة الصديق البعيد في النسب القريب في الإخاء ما دام مواصلك في المودة، والحبل استعارة، لأنه من شأنه التمسك به، وأقص: أمرٌ من الإقصاء وهو الإبعاد، أي أبعد قريبك إذا قطع المودة، وقوله: ولا تعاد: نهي، من عاداه معاداة، والمشهور: لا تهين الفقير، والإهانة الإيقاع في الهون، بالضم، والهوان بالفتح، وهما بمعنى الذل والحقارة، ومثله في المعنى قول الآخر: عسى سائلٌ ذو حاجةٍ إن منعته ... من اليوم سؤلًا أن يكون له غد واستشهد بهذا البيت في التفسير عند قوله تعالى (واركعوا مع الراكعين) [البقرة/٤٣] على أن الركوع هو الخضوع والانقياد كما في البيت، وجملة: (والدهر قد رفعه): حال من ضمير تركع.

стр. 1182

وكان سبب هذا الشعر على ما في (الأغاني) عن أبي محلم أن أم الأضبط كانت عجيبة بنت دارم بن مالك بن حنظلة وخالته الطموح بنت دارم، فحاب بنو الطموح قومًا من بين سعد، فجعل الأضبط يدس إليهم الخيل والسلاح، ولا يصرح بنصرهم خوفًا من أن يتحزب قومه حزبين معه وعليه، وكان لما يشير عليهم بالرأي نقضوه وخالفوا عليه، وأروه مع ذلك أنهم على رأيه، فقال في ذلك هذه الأبيات. وروى المبرد في (الكامل): (ولا تهين الكريم) بدل الفقير، قال عند قول الشاعر: وأكرم كريمًا إن أتاك لحاجة ... لعاقبة إنَّ العضاه يروَّح يقول: الشجر يصيبه الندى في آخر الصيف، فينشأ له ورق، فيقول: لعلك تحتاج إلى هذا الكريم وقد قدر. ومثله: ولا تهين الكريم علَّلك أن ... تركع يومًا والدَّهر قد رفعه إذا خلَّةٌ نابت صديقك فاعتنيم ... مرَّمتها فالدَّهر بالنَّاس قلَّب وبادر بمعروفٍ إذا كنت قادرًا ... زوال اقتدارٍ أو غنًى عنك يعقب ومثل هذا كثير، وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ﵃:

стр. 1183

إني لأسارع إلى حاجة عدوي خوفًا من أن أرده فيستغني عني، وقال رجل من العرب: ما رددت رجلًا عن حاجة فولىّ عني إلا رأيت الغنى في قفاه. وقال عبد الله بن العباس: ما رأيت أحدًا أسعفته في حاجة إلا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلًا رددته [عن حاجة] إلا أظلم ما بيني وبينه. وقال عبد الله ابن همام السلولي: وأتلف فأخلف إنَّما المال عارةٌ ... وكله مع الدَّهر الَّذي هو آكله فأهون مفقودٍ وأيسر هالكٍ ... على الحيِّ من لا يبلغ الحيَّ نائله عارة أي: معارة، ووزنه فعلة، انتهى. ورأيت هذين البيتين في (إصلاح المنطلق) لابن السكيت أنشدها لابن مقبل لا لابن همام، والله أعلم. وقائل الشعر هو الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وقريع، بضم القاف، هو أبو جعفر الملقب بأنف الناقة أيضًا، قال ابن قتيبة في كتاب (الشعراء): الأضبط بن قريع السعدي: هو من عوف بن كعب بن سعد، رهط الزبرقان بن بدر ورهط بني أنف الناقة، وكان قومه أساؤوا مجاورته، فانتقل منهم إلى غيرهم، فأساؤوا مجاورته أيضًا، فرجع إلى قومه وقال: (بكلِّ واد بنو سعيد) وهو جاهلي قديم، وكان أعار على بني الحارث بن كعب، فقتل منهم وأسر وجدع وخصى، ثم بني أطمًا، وبنت الملوك حول ذلك الأطم مدينة صنعاء، فهي اليوم قصبتها، وهو القائل: يا قوم من عاذري من الخدعه

стр. 1184

وأول الأبيات: لكلِّ ضيق من الأمور سعه مع أربعة أبيات أخر. انتهى. وقول صاحب (الحماسة البصرية): إن الأضبط هذا من شعراء الدولة الأموية غلط، والأضبط معناه في اللغة: الذي يعمل بكلتا يديه، والمرأة ضبطاء. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد المائتين: (٢٥٥) علَّ صروف الدَّهر أو دولاتها ... يدلننا اللَّمَّة من لماَّتها فتستريح النَّفس من زفراتها على أنه يجوز نصب حواب لعل بعد الفاء عند الكوفيين، قال الفراء في تفسيره: وقوله تعالى: (لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع) [غافر/ ٣٦ - ٣٧] بالرفع، يرده على قوله: (أبلغ) ومن جعله جوابًا لعل نصبه، وقد قرأ به بعض القراء، وأنشدني بعض العرب: علَّ صروف الدَّهر أودولاتها ... يدلننا اللَّمَّة من لمَّاتها فتستريح النَّفس من زفراتها

стр. 1185

فنصب على الجواب بـ (لعل)، انتهى. وقال أيضًا في تفسير سورة عبس: وقد اجتمع القراء على (فتنفعه الذكرى) [عبس/٤] بالرفع، ولو كان نصبًا على جواب الفاء لعل كان صوابًا، أنشدني بعضهم: علَّ صروف الدَّهر أو دولاتها ... يدلننا اللَّلَّمة من لمَّاتها فتستريح النفس من زفراتها ... وتنقع الغلَّة من غلاَّتها انتهى. وفيه أن عاصمًاً قرأ (فتنفعه) بالنصب جوابًا للعل، وقول المصنف: وسيأتي البحث في ذلك؛ إشارة إلى ما قاله في المسألة الرابعة من أقسام العطف من الباب الرابع من أن نصب (فأطلع) بالعطف على (أبلغ) على توهم (أن) فإن خبر لعل يقترن بأن كثيراً، أو أنه عطف على الأسباب على حد قوله: ولبس عباءة وتقرَّ عيني وقوله: (عل صروف الدهر) روي بنصب صروف على أن لعل من أخوات إن، وروي بالجر على أنها حرف جر، قال الصاغاني في (العباب): في لعل لغات: عل ولعل، ويقال: أصله (عل) وإنما زيدت اللام، ومعناه التوقع لمرجو أو مخوف، وفيه طمع وإشفاق، وهو حرف يعمل عمل إن، وبعضهم يخفض بها، وسمعه أو زيد من بني عقيل، ويقال: عل ولعل، بسكون اللام، وعلك ولعلك بمعنى: لعالك، قال الفرزدق:

стр. 1186

إذا عثرت بي قلت علَّك وانتهى ... إلى باب أبواب الوليد كلالها ويروى: عالك، قال الأزهري: سددت اللام في قولهم: (علك) لأنهم أرادوا: عل، لك، وكذلك [لعلك، إنما هو] لعل لك، قال الكسائي: العرب تصير لعل مكان لعًا، وتجعل لعًا مكان لعل وأنشد: فهنَّ على أكتافها ورماحنا ... يقلن لمن أدركن تعسًا ولا لعل وقال في قوله: علَّ صروف الدَّهر أودولاتها ... يدلننا اللَّمة من لمَّاتها معناه: عاً لصورف الدهر، فأسقط اللام من لعًا لصروف الدهر، وصيَّر نون لعًا لامًا لقرب مخرج النون من اللام، وهذا على قول من كسر صروف الدهر، ومن نصبها جعل عل بمعنى لعل فنصب، انتهى. وصروف الدهر حوادثه ونوائبه جمع صرف، كفلس، والدولة، بالفتح والضم، قال الأزهري: هي الانتقال من حال البؤس والضر إلى حال الغبطة والسرور، وقال ابن الأثير في (النهاية): والدولة الانتقال من حال الشدة إلى الرخاء، وقوله: يدلننا، بضم الياء وكسر الدال وسكون اللام، وبعدها نون مفتوحة، هي ضمير جماعة المؤنث راجعة إلى صروف أو دولات، ويوجد في كثير من النسخ: (يدليننا)؛ بسكون الدال وكسر اللام بعدها ياء، وهو تحريف من الكتاب، لأنه من الإدلاء وهو غير مناسب له، والصواب الأول لأنه

стр. 1187

من الإدالة، وهي التغليب والنصر، وفي حديث [وفد] ثقيف: (ندال عليهم ويدالون علينا) أي: نجعل منصورين عليهم ويجعلون منصورين علينا، فهو يتعدى إلى مفعول واحد وهو (نا) في البيت وهو ضمير الجمع، ويتعدى إلى المفعول الثاني بـ (على) كما في الحديث، والأصل: يديلنا الله عليهم ويديلهم علينا، فلما حول إلى البناء للمفعول صار المفعول نائب الفاعل، فاللمة في البيت منصوبة على نزع الخافض وهو (على)، فالتقدير: يدلننا على اللمة- بفتح اللام- وهي الشدة، قال الجوهري: وأما قوله: أعيذه من حادثات اللَّمَّة فيقال: هو الدهر، ويقال الشدة، وأنشد الفراء: (يدلننا اللمة من لماتها) مع البيت الذي قبله. وضمير لماتها للصروف، وقد غفل الدماميني عما قلنا من الحذف والإيصال فقال: واللمة الشدة، كذا قال الفراء، وأنشد هذا البيت شاهدًا عليه، وقد عداه فيه إلى مفعولين، فكأن المعنى: لعل الحوادث تجعل لنا الشدة دولة، فنستريح مما نحن فيه، فأنظره فلست على وثوق من صحته! انتهى. ولو تنبه للحديث السابق، أو لقول الجوهري: والإدالة: الغلبة، يقال: اللهم أدلني. على فلان وانصرني عليه؛ لجزم بما قلنا. وقوله: فتستريح من زفراتها، جمع زفرة بسكون الفاء، وهي تردد النفس في الجوف حتى تنتفخ الضلوع، وكان يجب فتح الفاء في الجمع، لأنه اسم غير صفة، ثلاثي صحيح العين ساكنها غير مضاعف، لكنه سكنت للضرورة، بخلاف دولات ولمَّات وعلاَّت، فتسكينها على القياس. وقوله: (وتنقع الغلة من غلاتها) بنصب تقنع بالعطف على تستريح، والنقع: قطع الحرارة بالماء، وفي المثل: (الرسف أنقع) أي: أقطع

стр. 1188

للعطش، يضرب في ترك العجلة، والغلة، بالضم: العطش، وقيل شدته، وقيل حرارة الجوف. وهذه الأبيات الأربعة أنشدها الفراء عن بعض الأعراب، ولم يصرح بقائلها والله أعلم، وقد بسطنا الكلام على هذه الأبيات في شرح الشاهد الخامس والستين من شواهد شرحي (الشافية) للرضي والجاربردي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد المائتين: (٢٥٦) لعلَّ التفاتًا منك نحوي مقدَّرٌ ... يمل بك من بعد القساوة للرُّحم على أن ابن مالك أنشده في (شرح العمدة) شاهدًا لجزم جواب لعل عند سقوط الغاء، وهذا نصه في جوازم المضارع من (شرح العمدة): وقلَّ من يذكر للترجي جوابًا منصوبًا مع الفاء ومجزومًا دون الفاء، ويشهد للجزم قول الشاعر: لعل التفاتًا .. البيت، كما هنا، وأنشده ناظر الجيش في (شرح التسهيل) كذا: لعلَّ التفاتٌ منك نحوي ميسَّرٌ ... يميل منك بعد العسر نحوي لليسر وقال: إنه غريب، أي: لا يعرف لغير ابن مالك، وصريح كلام الرضي يشمله فإنه قال: أعلم أن كل ما يجاب بالفاء فينتصب المضارع بعد الفاء يصح أن يجاب بمضارع مجزوم إلا النفي، لأن غير النفي فيها طلب، والنفي خبر محض، والطلب أظهر في تضمن معنى الشرط إذا ذكر بعده ما يصلح للجزاء من الخبر، انتهى.

стр. 1189

وقوله: نحوي، أي: جهتي، وهو ظرف لمقدر وهو خبر لعل، وقيل ظرف لالتفات، وقوله: يمل بك، الباء للتعدية، تساوق الهمزة، أي: يملك، والقساوة: غلظة القلب، والرحم، بالضم: الرحمة، قال تعالى: (وأقرب رحمًا) [الكهف /٨١]. واسم الكتاب (عمدة الحافظ وعدة اللافظ) وهي مقدمة في النحو مقدار كراسة، وشرحها مقدار ثمانية كراريس وكلاهما لابن مالك، وقد عبر عنه المصنف بـ (العمدة) بحذف المضاف إليه وإقامة (أل) مقامه كما يقال: (المغني) في (مغني اللبيب) وقد جوَّزه ابن جني عند قول المتنبي: وفينا السَّيف حملته صدوقٌ ... إذا لاقى وغارته لجوج قال: أراد سيف الدولة، فجعل أل التي للعهد عوضًا عن المضاف إليه بعد حذفه لما كان معروفًا بها، وهو جائز، انتهى. فقول بعضهم: لا يجوز التصرف في العلم، وقولهم: السعد، في سعد الدين، خطأ ممنوع. عند أنشد فيه، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد المائتين: (٢٥٧) كلُّ عندٍ لك عندي ... لا يساوي نصف عندي على أن الحريري قال: هو لحن، وليس كذلك، أقول: إنما حكم بأنه ضرورة قال في (درة الغواص): ويقولن ذهبت إلى عنده، فيخطئون فيه، لأن عند لا يدخل عليه من أدوات الجر إلا (من) وحدها، ولا يقع في تصاريف الكلام مجرورًا إلا بها، فأما قول الشاعر:

стр. 1190

كلُّ عند لك عندي ... لا يساوي نصف عندي فإنه من ضرورات الشعر، كما أجرى بعضهم ليت وسوف وهما حرفان مجرى الأسماء المتمكنة، فأعربهما في قوله: ليت شعري وأين منّي ليت ... إنَّ ليتًا وإنَّ سوفًا عناه انتهى كلامه، وهو ليس من الضرورة في شيء؛ فإن كل كلمة أريد بها لفظها تعرب وتحكى، ويجوز فيها الصرف وعدمه باعتبار اللفظ والكلمة قياسًا مطرودًا، قال ابن مالك في (الكافية): وإن نسيت لأداة حكما ... فأبن أو أعرب واجعلنها اسما وقد وقعت كذلك في شعر المتنبي، قال في مدح ابن العميد: ويمنعني ممَّن سوى أبن محمَّدٍ ... أيادٍ له عندي يضيق بها عند قال سارحه الواحدي: (عند) اسم مبهم لا يستعمل إلا ظرفًا، فجعله المتنبي إسمًا خاصًا للمكان، كأنه قال: يضيق بها المكان، كما قال الطائي في مدح أبي العباس نصر بن منصور بن بسام:

стр. 1191

وما زلت منشوراً علىَّ نواله ... وعندي حتى قد بقيت لا عند قال الإمام المرزوقي، وتبعه الخطيب التبريزي في شرحهما: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد قطعني عن الناس كلهم إلى نفسه إذ أغناني عن غيره فكل ما أملكه منه خاصة، حتى ليس لي أن أقول: عندي كذا إذا كان ما عندي له. والثاني: أنه لم يزل يخولني إلى أن لم يكن للنعمة والإحسان عندي مكان، فبقيت لا عند، أي: لا سبيل إلى قبول الزيادة، انتهى. وحكي الأزهري عن الليث، وتبعه صاحب (القاموس) أنه يقول القائل لشيء بلا علم: هذا عندي كذا وكذا، فيقال/ أو لك عند، برفع عند. وقوله: كل عندي لك عندي ... إلخ، أراد بـ (عند) الأول والثالث المقدار، أي: كل مقدار ثابت لك عندي لا يساوي نصف مقدار، والمراد: أنه لا يساوي شيئًا، ومحصل المعنى: أنه لا مقدار لك عندي. والبيت لبعض المولدين، والمولد والمحدث- كمكرم- من الشعراء: من لا يصح الاستشهاد بكلامه، وهو من جاء بعد عصر المائتين، وأولهم بشار بن برد وأبو نواس، ومنهم أبو تمام والبحتري الطائيين والمتنبي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد المائتين: (٢٥٨) لدن شبَّ حتَّى شاب سود الذَّوائب صدره: صريع غوانٍ راقهنَّ ورقنه

стр. 1192

على أن (لدن) مضافة إلى جملة، قال الرضي: إن أضيفت (لدن) إلى الجملة تمحضت الزمان، والبيت من قصيدة للقطامي، وهذه أبيات من أولها: نأتك بليلى نَّيةٌ لم تقارب ... وما حبُّ ليلى من فؤادي بذاهب منعَّمةٌ تحلو بعود أراكةٍ ... ذرى بردٍ عذبٍ شتيت المناصب كأنَّ فضيضًا من غريض غامةٍ ... على ظمأٍ جادت به أمُّ غالب لمستهلك قد كان من شدَّة الهوى ... يموت ومن طول العدات الكواذب صريع غوانٍ راقهنَّ ورقنه ... لدن شبَّ حتَّى شاب سود الذَّوائب قديديمة التَّجريب والحلم إنَّني ... أرى غفلات العيش قبل التَّجارب قوله: نأتك بليلى نية ... إلخ، قال شارح ديوانه: أي: بعدت عنك، وصوابه: أبعتها عنك، لأن الباء للتعدية تساوق الهمزة، ونية: فاعل نأت، وهي الوجه الذي ينويه الإنسان، والمراد السفرة، ومثلها النوي، وقوله: منعمة تجلو ... إلخ، روى الأصمعي: (مناعمة) أي: غذيت غذاء ناعمًا، وأراد بتجلو: تستاك، والذرى: الأعالي، والبرد- بفتحتين- بح الغمام، شبه أسنانها في شدة بياضها بالبرد، وإنما خص الذرى لأنها صحاح لم تتكسر، وشتيت: متفرق، أراد أن في أسنانها فلجًا، والمناصب: حيث ركبت الأسنان. وقوله: كأن فضيضًا .. إلخ، فضيض السحابة، ماؤها إذا انفض منها، شبه

стр. 1193

عذوبة ريقها بماء سحابة، والغريض: الطري. وقوله: لمستهلك .. إلخ، اللام متعلقة بجادت، وأراد بالمستهلك نفسه، لأنه هالك من حبها ومعرضها للهلاك. وقوله: صريع غوان، بالجر: بدل من مستهلك، ويجوز رفعه على إضمار المبتدأ، والصريع: المصروع، وهو المطروح على الأرض، يريد أنه قد أصيب من حبهن حتى لا حراك به، والغواني: جمع غانية، وهي التي استغنت بجمالها عن الزينة، وقيل: هي التي غنيت بزوجها عن غيره، وقيل: هي التي غنيت، أي: أقامت في بيت أبوبها ولم تتزوج، وراق: أعجب، أي: أعجبهن لجماله، وشبابه، وأعجبنه لحسنهن. وقوله: لدن شبَّ، أي: من أول زمن شبابه إلى وقت شيبه. فحتى بمعنى إلى، والذوائب: الضفائر من الشعر، جمع ذؤابة. وقد لقب القطامي صريع الغواني بهذا البيت، وهو أول من لقب به، وقد ذكر في الأوليات، ثم لقب به مسلم بن الوليد، قال صاحب (زهر الآداب): لقب مسلم صريع الغواني بقوله: هل العيش إلّا أن تروح مع الصِّبا ... صريع حميَّا الكأس والأعين النُّجل قال صاحب (الأغاني): الذي لقب مسلمًا بهذا اللقب هارون الرشيد لهذا البيت. وقوله: قديديمة التجريب .. إلخ، هو من شواهد (سيبوبة) (وجمل الزجاجي) وغيره، استشهد به على تصغير قديديمة بالهاء ومثلها: وريئة. وإنما

стр. 1194

أدخلوا الهاء في تصغير قدام ووراء، وإن كانتا قد جاوزتا ثلاثة أحرف، لأن باب الظروف التذكير، فلما شذتا في بابها فرقوا بينهما وبين غيرهما فأدخلوا فيها علامة التأنيث، قال اللخمي. وقديديمة: منصوبة على الظرف، والعامل فيها: راقهنَّ ورقنة. وقوله: أرى غفلات .. إلخ، يقول: إنما يستلذ بالعيش أيام الغفلة وفي أيام الشباب قبل التجارب، والتجارب إنما هي في الكبر، وهو وقت أن يزهد فيهن لسنة وتجريبه، وأن يزهدن فيه لشيبه. وقد يحتمل أن يكون العامل في قديديمة محذوفًا دلَّ عليه السياق، كأنه أراد: تظن طيب العيش ولذته قدام التجربة والحلم، أي: أمام ذلك ليس الأمر كذلك، إنما يطيب العيش ويحسن قبل التجارب، وفي عنفوان الشباب، وحين الغفلة، وأما بعد ذلك فلا، فيكون العامل فيها (تظن) المقدر، قال اللخمي أيضًا. وقوله: أنني، قال ابن السيد: يروى بكسر الهمزة على الاستئناف، وبفتحها، وهو مفعول من أجله، وقد تكون إن مكسورة وفيها معنى المفعول من أجله، كقول : (ويصلى سعيرًا. إنَّه كان في أهلهِ مسرورًا) [الانشقاق/ ١٢] وجاز ذلك لأن (إن) داخلة على الجمل والجملة قد يكون فيها معنى العلة والسبب موجوداً كما قال تعالى: (وإنَّ هذه أمتَّكم أمًة واحدًة وأنا ربّكم فاتَّقون) [المؤمنون/ ٥٢] ألا ترى أن المعنى: ولأن هذه أمتكم، ولكوني ربكم فاتقون. انتهى. وقد أوردنا أكثر من هذه الأبيات في الشاهد الثاني عشر بعد الخمسمائة من شواهد الرضي. والقطامي: اسمه عمير بن شييم التغلبي، وعمير: مصغر عمرو، وشييم: مصغر أشيم، وهو الذي به شامة، وله لقبان، أحدهما: صريع الغواني، وتقدم. وثانيهما: القطامي، منقول من اسم الصقر، لأن الصقر يقال له قطامي، بفتح القاف وضمها، والقطامي كان نصرانيًا فأسلم، وهو ابن أخت الأخطل النصراني

стр. 1195

المشهور، وعده الجمحي في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام. وقد ترجمناه بأكثر من هذا في الشاهد الثالث والأربعين بعد المائة من شواهد الرضي. غير أنشد فيه، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد المائتين: (٢٥٩) لم يمنع الشُّرب منها غير أن نطقت ... حمامةٌ في غصونٍ ذات أو قال على أن غير بنيت على الفتح جوازًا، لإضافتها إلى مبني، مع أنها فاعل يمنع، وأراد بالمبنى هنا (أن) فإن قلت: (أن) حرف، والحرف لا يضاف إليه، قلت: قال المصنف في حواشي (الألفية) إنهم جعلوا ما يلاقي المضاف من المضاف إليه كأنه المضاف إليه، ونظيره تعليل الزمخشري البناء في (يوم لا تملك) [الانفطار/ ١٩] إضافة يوم إلى (لا) والحروف مبنية، مع علمنا بأن أحدًا لا يتخيل الإضافة إلى الحرف. انتهى. وجعل بعضهم المضاف إليه مجموع (أن نطقت حمامة) قال الدماميني: قال بعض الناس: كيف أضيفت غير لمبنى، مع أن هذا المضاف إليه في تقدير معرب، فلم تضف في الحقيقة إلا لمعرف؟ فقلت: المعرب إنما هو الاسم الذي يؤول به، وأما الحرف المصدري وصلته فمبنى، ألا تراهم يقولون: المجموع في موضع كذا. انتهى. وقول المصنف:
следующие страницы →