← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وما زلت منشوراً علىَّ نواله ... وعندي حتى قد بقيت لا عند قال الإمام المرزوقي، وتبعه الخطيب التبريزي في شرحهما: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد قطعني عن الناس كلهم إلى نفسه إذ أغناني عن غيره فكل ما أملكه منه خاصة، حتى ليس لي أن أقول: عندي كذا إذا كان ما عندي له. والثاني: أنه لم يزل يخولني إلى أن لم يكن للنعمة والإحسان عندي مكان، فبقيت لا عند، أي: لا سبيل إلى قبول الزيادة، انتهى. وحكي الأزهري عن الليث، وتبعه صاحب (القاموس) أنه يقول القائل لشيء بلا علم: هذا عندي كذا وكذا، فيقال/ أو لك عند، برفع عند. وقوله: كل عندي لك عندي ... إلخ، أراد بـ (عند) الأول والثالث المقدار، أي: كل مقدار ثابت لك عندي لا يساوي نصف مقدار، والمراد: أنه لا يساوي شيئًا، ومحصل المعنى: أنه لا مقدار لك عندي. والبيت لبعض المولدين، والمولد والمحدث- كمكرم- من الشعراء: من لا يصح الاستشهاد بكلامه، وهو من جاء بعد عصر المائتين، وأولهم بشار بن برد وأبو نواس، ومنهم أبو تمام والبحتري الطائيين والمتنبي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد المائتين: (٢٥٨) لدن شبَّ حتَّى شاب سود الذَّوائب صدره: صريع غوانٍ راقهنَّ ورقنه

стр. 1192

على أن (لدن) مضافة إلى جملة، قال الرضي: إن أضيفت (لدن) إلى الجملة تمحضت الزمان، والبيت من قصيدة للقطامي، وهذه أبيات من أولها: نأتك بليلى نَّيةٌ لم تقارب ... وما حبُّ ليلى من فؤادي بذاهب منعَّمةٌ تحلو بعود أراكةٍ ... ذرى بردٍ عذبٍ شتيت المناصب كأنَّ فضيضًا من غريض غامةٍ ... على ظمأٍ جادت به أمُّ غالب لمستهلك قد كان من شدَّة الهوى ... يموت ومن طول العدات الكواذب صريع غوانٍ راقهنَّ ورقنه ... لدن شبَّ حتَّى شاب سود الذَّوائب قديديمة التَّجريب والحلم إنَّني ... أرى غفلات العيش قبل التَّجارب قوله: نأتك بليلى نية ... إلخ، قال شارح ديوانه: أي: بعدت عنك، وصوابه: أبعتها عنك، لأن الباء للتعدية تساوق الهمزة، ونية: فاعل نأت، وهي الوجه الذي ينويه الإنسان، والمراد السفرة، ومثلها النوي، وقوله: منعمة تجلو ... إلخ، روى الأصمعي: (مناعمة) أي: غذيت غذاء ناعمًا، وأراد بتجلو: تستاك، والذرى: الأعالي، والبرد- بفتحتين- بح الغمام، شبه أسنانها في شدة بياضها بالبرد، وإنما خص الذرى لأنها صحاح لم تتكسر، وشتيت: متفرق، أراد أن في أسنانها فلجًا، والمناصب: حيث ركبت الأسنان. وقوله: كأن فضيضًا .. إلخ، فضيض السحابة، ماؤها إذا انفض منها، شبه

стр. 1193

عذوبة ريقها بماء سحابة، والغريض: الطري. وقوله: لمستهلك .. إلخ، اللام متعلقة بجادت، وأراد بالمستهلك نفسه، لأنه هالك من حبها ومعرضها للهلاك. وقوله: صريع غوان، بالجر: بدل من مستهلك، ويجوز رفعه على إضمار المبتدأ، والصريع: المصروع، وهو المطروح على الأرض، يريد أنه قد أصيب من حبهن حتى لا حراك به، والغواني: جمع غانية، وهي التي استغنت بجمالها عن الزينة، وقيل: هي التي غنيت بزوجها عن غيره، وقيل: هي التي غنيت، أي: أقامت في بيت أبوبها ولم تتزوج، وراق: أعجب، أي: أعجبهن لجماله، وشبابه، وأعجبنه لحسنهن. وقوله: لدن شبَّ، أي: من أول زمن شبابه إلى وقت شيبه. فحتى بمعنى إلى، والذوائب: الضفائر من الشعر، جمع ذؤابة. وقد لقب القطامي صريع الغواني بهذا البيت، وهو أول من لقب به، وقد ذكر في الأوليات، ثم لقب به مسلم بن الوليد، قال صاحب (زهر الآداب): لقب مسلم صريع الغواني بقوله: هل العيش إلّا أن تروح مع الصِّبا ... صريع حميَّا الكأس والأعين النُّجل قال صاحب (الأغاني): الذي لقب مسلمًا بهذا اللقب هارون الرشيد لهذا البيت. وقوله: قديديمة التجريب .. إلخ، هو من شواهد (سيبوبة) (وجمل الزجاجي) وغيره، استشهد به على تصغير قديديمة بالهاء ومثلها: وريئة. وإنما

стр. 1194

أدخلوا الهاء في تصغير قدام ووراء، وإن كانتا قد جاوزتا ثلاثة أحرف، لأن باب الظروف التذكير، فلما شذتا في بابها فرقوا بينهما وبين غيرهما فأدخلوا فيها علامة التأنيث، قال اللخمي. وقديديمة: منصوبة على الظرف، والعامل فيها: راقهنَّ ورقنة. وقوله: أرى غفلات .. إلخ، يقول: إنما يستلذ بالعيش أيام الغفلة وفي أيام الشباب قبل التجارب، والتجارب إنما هي في الكبر، وهو وقت أن يزهد فيهن لسنة وتجريبه، وأن يزهدن فيه لشيبه. وقد يحتمل أن يكون العامل في قديديمة محذوفًا دلَّ عليه السياق، كأنه أراد: تظن طيب العيش ولذته قدام التجربة والحلم، أي: أمام ذلك ليس الأمر كذلك، إنما يطيب العيش ويحسن قبل التجارب، وفي عنفوان الشباب، وحين الغفلة، وأما بعد ذلك فلا، فيكون العامل فيها (تظن) المقدر، قال اللخمي أيضًا. وقوله: أنني، قال ابن السيد: يروى بكسر الهمزة على الاستئناف، وبفتحها، وهو مفعول من أجله، وقد تكون إن مكسورة وفيها معنى المفعول من أجله، كقول : (ويصلى سعيرًا. إنَّه كان في أهلهِ مسرورًا) [الانشقاق/ ١٢] وجاز ذلك لأن (إن) داخلة على الجمل والجملة قد يكون فيها معنى العلة والسبب موجوداً كما قال تعالى: (وإنَّ هذه أمتَّكم أمًة واحدًة وأنا ربّكم فاتَّقون) [المؤمنون/ ٥٢] ألا ترى أن المعنى: ولأن هذه أمتكم، ولكوني ربكم فاتقون. انتهى. وقد أوردنا أكثر من هذه الأبيات في الشاهد الثاني عشر بعد الخمسمائة من شواهد الرضي. والقطامي: اسمه عمير بن شييم التغلبي، وعمير: مصغر عمرو، وشييم: مصغر أشيم، وهو الذي به شامة، وله لقبان، أحدهما: صريع الغواني، وتقدم. وثانيهما: القطامي، منقول من اسم الصقر، لأن الصقر يقال له قطامي، بفتح القاف وضمها، والقطامي كان نصرانيًا فأسلم، وهو ابن أخت الأخطل النصراني

стр. 1195

المشهور، وعده الجمحي في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام. وقد ترجمناه بأكثر من هذا في الشاهد الثالث والأربعين بعد المائة من شواهد الرضي. غير أنشد فيه، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد المائتين: (٢٥٩) لم يمنع الشُّرب منها غير أن نطقت ... حمامةٌ في غصونٍ ذات أو قال على أن غير بنيت على الفتح جوازًا، لإضافتها إلى مبني، مع أنها فاعل يمنع، وأراد بالمبنى هنا (أن) فإن قلت: (أن) حرف، والحرف لا يضاف إليه، قلت: قال المصنف في حواشي (الألفية) إنهم جعلوا ما يلاقي المضاف من المضاف إليه كأنه المضاف إليه، ونظيره تعليل الزمخشري البناء في (يوم لا تملك) [الانفطار/ ١٩] إضافة يوم إلى (لا) والحروف مبنية، مع علمنا بأن أحدًا لا يتخيل الإضافة إلى الحرف. انتهى. وجعل بعضهم المضاف إليه مجموع (أن نطقت حمامة) قال الدماميني: قال بعض الناس: كيف أضيفت غير لمبنى، مع أن هذا المضاف إليه في تقدير معرب، فلم تضف في الحقيقة إلا لمعرف؟ فقلت: المعرب إنما هو الاسم الذي يؤول به، وأما الحرف المصدري وصلته فمبنى، ألا تراهم يقولون: المجموع في موضع كذا. انتهى. وقول المصنف:

стр. 1196

(إذا أضيفت لمبنى) أحسن من قول الرضي: (إذا أضيفت إلى أن أو أنَّ المشددة) لشموله الضمير وغيره. وقد ذهب الكوفيون إلى جواز بناء (غير) في كل موضع يحسن فيه (إلا) سواء أضيفت إلى متمكن أو غير متمكن، وقد بسط الكلام ابن الأنباري في (مسائل الخلاف) على مذهبهم، وذكر ما رد به البصريون عليهم مفصلًا، ومن أحب الاطلاع عليه فلينظره هناك. والبيت من قصيدة لأبي قيس بن الأسلت، وقبله: ثَّم أرعويت وقد طال الوقوف هنا ... فيها فصرت إلى وجناه شملال تعطيك مشيًا وإرقالًا ودأدأًة ... إذا تسر بلت الآكمام بالآل تردي الإكاك إذا صرَّت جنادبها ... منها بصلبٍ وقاح البطن عمَّال لم يمنع الشُّرب منها غير أن نطقت ... البيت قوله: ارعويت، أي: انزجرت ورجعت، والوجناء: الناقة الشديدة، والشملال، بالكسر: الخفيفة السريعة، وضمير (فيها) للدار، يريد أنه طال وقوفه على دار حبيبته، وليس فيها أحد. والإرقال: مصدر أرقلت الناقة: إذا أسرعت، وكذلك الدأدأة: مصدر: دأدأت، بهمزتين بمعناه، وقوله: إذا تسربلت، إذا: ظرف لتعطيك، يريد وقت اشتداد الحر في الظهيرة، لأن الإكام، وهي الجبال، إنما تتسربل بالآل، وهو السراب، عند الظهيرة. والسربال: القميص، وتسربل: لبس السربال، والآكمام: فاعل، جمع أكم بضمتين، كأعناق جمع عنق، وأكم: جمع إكام بالكسر، ككتب جمع كتاب، وإكام جمع أكم، بفتحتين، كجبال جمع جبل، وواحد الأكم أكمة. يقول: إنها نشيطة في

стр. 1197

السير وقت الهاجرة. وقوله: تردي الإكام، من ردى الفرس، بالفتح، يردي رديًا ورديانًا: إذا رجم الأرض رجمًا بين العدو والمثني الشديد. والإكام، بالكسر: جمع أكم، بفتحتين، والأكمة: الجبل الصغير، وإذا: ظرف لتردي وصرت: صوتت، والجنادب: جمع جندب، وهو نوع من الجراد يصوت عند اشتداد الهاجرة. وقوله: بصلب، أي: بخف صلب شديد، والوقاح: هو الصلب، ومنه الوقاحة، لصلابة الوجه، يريد أن خفها ظهره وبطنه صلب. وعمال: مبالغة عامل، وهو المطبوع على العمل. وقوله: لم يمنع الشرب منها ... إلخ، وضمير منها للوجناء، والشرب: مفعول يمنع، وغير: فاعله بني على الفتح لما تقدم، وروي بالرفع أيضًا. ونطقت: صوتت وصدحت، عبر عنه بالنطق مجازًا، وفي: بمعنى على، وذات بالجر: صفة لغصون، لا بالرفع صفة لحمامة كما وهم ابن المستوفي، والأوقال: جمع وقل، بفتح الواو وسكون القاف، قال الدينوري في كتاب (النبات): وقال أبو عبد الله الزبير بن بكار: المقل إذا كان رطبًا لم يدرك فهو البهش، فإذا يبس فهو الوقل. والدوم: شجر المقل، وأنشد هذه الأبيات، يريد أن الناقة ما منعها من شرب إلا صوت الحمامة، فنفرت، ومراده أنها حديدة النفس، يخامرها فزع، وذعر لحدة نفسها، وذلك محمود فيها. وأبو قيس بن الأسلت، قال صاحب (الأغاني): لم يقع إلى أسمه، والأسلت لقب، واسمه عامر بن جشم وينتهي نسبة إلى الأوس، وهو شاعر من شعراء الجاهلية وكانت الأوس قد أسندت إليه حربها يوم بعاث وجعلته رئيسها، فكفى وساد، وأسلم ابنه عقبة بن أبي قيس، واستشهد يوم القادسية. وهذا كلام (الأغاني) وقال ابن حجر في (الإصابة): أبو قيس بن الأسلت أسمه

стр. 1198

صيفي، وقيل: الحارث، وقيل: عبد الله، وقيل: صرمة، وقيل غير ذلك، واختلف في إسلامه، فقال أبو عبيد القاسم بن سلام في ترجمة ولده عقبة بن أبي قيس: له ولأبيه صحبة. وذكر عبد الله بن محمد بن عمارة بن القداح بأسانيد عديدة: كان أبو قيس يحض قومه على الإسلام، وذلك بعد أن اجتمع بالنبي ﷺ وسمع كلامه، وكان يتأله في الجاهلية ويدعي الحنيفية، وكان يقول: ليس أحد على دين إبراهيم إلا أنا وزيد بن عمرو بن نفيل، وكان يذكر صفة النبي ﷺ ، وأنه يهاجر إلى يثرب، وشهد وقعة بعاث، وهو يوم للأوس على الخروج، وكانت قبل الهجرة بخمس سنين. وزعموا أنه لما حضره الموت أرسل إليه النبي، ﷺ ، يقول له: (قل لا إله إلا الله، أشفع لك بها) فسمع يقول ذلك، وقيل: قال: والله لا أسلم إلى سنة، فمات قبل الحول على رأس عشرة أشهر من الهجرة بشهرين. وقد جاء عن ابن إسحاق أنه هرب إلى مكة، فأقام بها مع قريش إلى عام الفتح. انتهى باختصار، وعلى هذا، فكان ينبغي لابن حجر أن لا يذكره في القسم الأول، وهم الذين جزم بصحبتهم. وكون هذا الشعر له جزم به الدينوري، وصاحب (الأغاني) ونسبه الزمخشري في (شرح شواهد الكتاب) إلى أبي قيس بن رفاعة الأنصاري، ونقله السيوطي عنه. وأقول: لم يوجد في كتب الصحابة من يقال له: أبو قيس بن رفاعة، وإنما الموجود قيس بن رفاعة، وهو واحد أو اثنان أورده ابن حجر في (الإصابة). وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستون بعد المائتين: (٢٦٠) لذ بقيسٍ حنين يأبى غيره ... تلفه بحرًا مفيضًا خيره على أن غيرًا بنيت على الفتح لإضافتها إلى مبنى وهو الضمير مع أنها فاعل

стр. 1199

يأبى. واختار ابن مالك في شرح (التسهيل) أن حركات هذه الأسماء التي ادعي البناء فيها إعرابية، قال: لأن الإضافة فيها قياسية، فلا ينبغي أن تكون سبب بناء، لأنها من خصائص الأسماء، فحقها أن تكف سبب البناء وتغلبه، لأنها تقتضي الرجوع إلى الأصل، والسبب الكائن معها يقتضي الخروج عن الأصل، وما يدعو إلى مراجعة الأصل راجع على ما يدعو إلى مفارقته. وإذا ثبت هذا، وجب توجيه ما أوهم بناء غير، وشبهه بالإضافة إلى مبنى بما لا يخالف الأصول، ويؤول: (ما جاء غيرك) على (ما جاء جاءٍ غيرك) فحذف جاء، وانتصب غيرك على الحال، أو على الاستثناء. و (لم يمنع الشرب منها مانع غير أن نطقت) وسوغ الحذف وهو فاعل، لأنه بعد النفي والعموم فيه مقصود، وحذف مثل هذا بعد النفي والنهي كثير، فمنه: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) أي: ولا يشرب شارب ومثله قول الراجز: ما سار في سبل المعالي سيره ... ولا كفى في النائبات غيره أي: ما سار سائر ولا كفى كاف. ومثله: فأن كان لا يرضيك حتَّى تردَّني ... إلى قطريٍ لا إخالك راضيا أي: لا يرضيك مرض. وقال تعالى: (ولا تحسبنَّ الذين قتلوا في سبيل

стр. 1200

الله أمواتًا) [آل عمران/ ١٦٩] في قراءة الياء، أي: ولا يحسبن حاسب انتهى المقصود منه. وما قاله في الرجز لا يتأتي له في قوله ... لذ بقيس حين يأبى غيره إلا أن يؤوله حين لا يمتنع إلا غيره. وقال أبو حيان: وما ذهب إليه من حذف الفاعل ونحوه منزع كوفي وليس مذهب البصريين. انتهى. وقال تلميذه ناظر الجيش: هذا عجيب من الشيخ، فإن المصنف استدل على حذف الفاعل بعد النهي بالآية الشريفة، وبعد النفي بالحديث الشريف، فكان الواجب أن يجيب عن الاستدلال المذكور، ولا شك أن ما استدل به ظاهر الدلالة في المراد لا دافع له، فوجب القبول! انتهى. وقوله: لذ بقيس ... إلخ، لذ: فعل أمر من لاذ به يلوذ، أي: تحصن بقيس، ويأبى: يمتنع، وفي بعض الروايات (ينأى) أي: يبعد، وتلفه: جواب الأمر، وهو مضارع ألفاه، أي: وجده، قيل: ويجوز أن يكون بالقاف، وخيره: مفعول مفيض. تم بعونه تعالى الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع وأوله الإنشاد الواحد والستون بعد المائتين

стр. 1201

وأنشد بعده وهو الإنشاد الواحد والستون بعد المائتين: (٢٦١) غير مأسوفٍ على زمنٍ ... ينقضي بالهمِّ والحزن على أن فيه أعاريب ثلاثة، والوجه الأول أورده ابن الشجري في المجلس الخامس من "أماليه" قال: سئلت عنه فقيل: بم يرتفع غير؟ فأقول: إنَّ قوله: مأسوفٍ، مفعول من الأسف، وهو الحزن، وعلى متعلقة به كقولك: أسفت على كذا أسفًا، وموضع قوله: بالهم، نصب على الحال، والتقدير: ينقضي مشًا بالهم، و"غير" رفع بالابتداء، ولما أضفيت إلى اسم المفعول، وهو مسند إلى الجار والمجرور، استغنى المبتدأ عن خبر، كما استغنى "قائم" و"مضروب" في قولك: أقائم أخواك؟ وما مضروب غلاماك، عن خبر من حيث سد الاسم المرفوع بهما مسدّ الخبر، لأنَّ قائم ومضروب قاما مقام: يقوم ويضرب، فتنزل كل واحد منهما مع المرفوع به منزلة الجملة، وكذلك إذا أسندت اسم المفعول إلى الجار والمجرور سدَّ الجار والمجرور مسدَّ الاسم الذي يرتفع به، كقولك: أمحزون على زيد؟ وما يؤسف على بكر، فلما كانت غير للمخالفة في الوصف، فجرت لذلك مجرى حرف النفي، وأضيفت إلى اسم المفعول وهو مسند إلى الجار والمجرور، والمتضايفان بمنزلة الاسم الواحد، سدَّ ذلك مسدَّ الجملة حيث أفاد قولك: غير مأسوف على زيد، ما يفيده قولك: ما يؤسف على زيد انتهى. وزعم ملك النحاة الحسن ابن أبي نزار في "المسائل العشر المنبوذة بإتعاب

стр. 1202

الفكر إلى الحشر" أنه هو الذي أجاب بهذا الجواب، قال فيها: سئل في بغداد عن قول الشاعر: غير مأسوف على زمن البيت، فلم يعرف وجه رفع غير، وأول من أخطأ فيه شيخنا الفصيحي، فعرَّفته ذلك، والذي ثبت الرأي عليه أن المعنى لا يؤسف على زمن، فغير مرفوع بالابتداء، وقد تمَ الكلام بمعنى الفعل، فسدَّ تمام الكلام وحصول الفائدة مسدّ الخبر، كما قالوا: أقائم أخواك؟ والمعنى: أيقوم أخواك؟ فقائم مبتدأ، وسد تمام الكلام مسدَّ الخبر ولا خبر في اللفظ. انتهى. وهو ممَّن جهَّله أهل بغداد، وردّوا عليه في أشياء ارتكب فيها خلاف الصَّواب، منهم ابن الشجري والجواليقي وغيرهما. وقال أبو حيّان في "تذكرته": لم أر لهذا البيت نظيرًا في الإعراب إلَّا بيتًا في قصيدة للمتنبي، وهو: ليس بالمنكر أن برَّزت سبقًا ... غير مدفوعٍ عن السَّبق العراب فالعراب مرفوع بمدفوع، ومن جعل العراب مبتدأ فقد أخطأ، لأنه يصير التقدير: العراب غير مدفوع عن السبق، والعراب: جمع، فلا أقل من أن يقول: غير مدفوعة، لأن خبر المبتدأ لا يتغير تذكيره وتأنيثه بتقديمه وتأخيره، تقول: الشمس طالعة، وطالعة الشمس، ولا يجوز: طالع الشمس، لأن التقدير: الشمس طالع، وذلك لا يجوز. انتهى. وقد تبع ابن مالك ابن الشجري، قال في باب المبتدأ من "شرح التسهيل": إذا قصد النفي بغير يضاف إلى الوصف، ويجعل غير مبتدأ، ويرفع ما بعد الوصف به، كما لو كان بعد نفي صريح، ويسد مسد خبر المبتدأ، وعلى ذلك وجه ابن الشجري

стр. 1203

قول الشاعر: "غير مأسوف على زمن" ومثله قول الآخر: غير لاهٍ عداك فاطَّرح اللَّهو ... ولا تغترر بعارض سلم انتهى. وهذا التخريج مأخوذ من كلام ابن جني الآتي، وتبعه ابن الحاجب أيضًا، وقد تبعه أيضًا ابن النحاس وابن مكتوم نقل كلامهما السيوطي في "الأشباه والنظائر" وقد تبعه الرضي أيضًا في باب المبتدأ في "شرح الكافية" وقول المصنف: إن التخريج الثاني لابن جني ولابن الحاجب. أما الأول؛ فقد نقله أبو حيان في "شرح التسهيل" قال: سأل عالٍ ابن أبي الفتح أباه أبا الفتح ابن جني عن قوله: غير مأسوفٍ على زمنٍ .. البيت، فأجابه بأن المقصود ذم الزمان الذي هذه حاله، فكأنه قال: زمان ينقضي بالهم والحزن غير مأسوف عليه، فزمان: مبتدأ، وينقضي: صفته، وغير: خبره، ثم حذف المبتدأ، وجعل إظهار الهاء مؤذنًا بالمحذوف، لأنك إنما جئت بالهاء لمَّا تقدمها ذكر ما يرجع إليه، فصار اللفظ بعد الحذف والإظهار: غير مأسوف على زمن ينقضي .. الخ. وهذا التخريج بعيد جدًا متكلف، وهي عادة ابن جني وشيخه في مجيئهما بالتخريجات المتكلفة التي لا يكاد يلحظها العرب. قال أبو الفتح: وإن شئت قلت: هو محمول على المعنى، كما حملت: أقلُّ امرئ يقول ذاك، على المعنى، فلم تذكر في اللفظ خبرًا لأقل، مع أنه مبتدأ. وقد أضفت أقل إلى امرئٍ، ووصفت المرء بـ"يقول ذاك"

стр. 1204

كأنك قلت: قل امرؤ يقول ذاك، فلم يحتج أقل إلى خبر، لأنه في معنى: قل، وكذلك حمل سيبويه على المعنى قول من قال: خطيئة يوم لا أراك فيه، [على معنى: يوم خطأ يوم لا أراك فيه]، وما حمل على المعنى كثير في القرآن وفصيح الكلام. انتهى. وأمّا الثاني، فقد أطال الكلام في "أماليه"، وخرجه على الوجه الذي ذكره ابن جني. والبيت لأبي نواس الحكمي، بفتحتين نسبة للجرّاح بن عبد الله الحكمي وقد تقدمت ترجمته في الإنشاد الثاني والأربعين بعد المائتين. وبعده بيت آخر وهو: إنَّما يرجو الحياة فتىً ... عاش في أمنٍ من المحن وأنشد بعده وهو الإنشاد الثاني والستون بعد المائتين: (٢٦٢) أنا ابن جلا وهو قطعة من بيت وهو: أنا ابن جلا وطلَّاع الثَّنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني على أن أصله: أنا ابن رجل جلا، فحذف الموصوف لضرورة الشعر وهذا أخذ أقوال أربعة فيه، وهو مذهب الزمخشري في "المفصل" وجلا: فعل ماض، مع ضميره جملة، وهي صفة لمحذوف، وضعف بأن الجملة إذا كانت صفة لمحذوف فشرط موصوفها أن يكون بعضًا من متقدم مجرور بـ"من" أو "في". ثانيها: أنَّ

стр. 1205

جلا اسم غير منصرف عند عيسى بن عمر، لأنه منقول من الفعل، ولم يشترط غلبة الوزن بالفعل. ثالثها: مذهب سيبويه، وهو أنَّ جلا اسم نقل من الفعل مع ضميره المستتر فهو جملة محكية، ويرد عليهما أنَّ حلا ليس اسمًا لأبي الشاعر، ولا لقبًا له كما يعلم نسبه. رابعها: ما ذكره ابن الحاجب في أماليه، وهو أن يكون جلا اسمًا بتقدير "ذي" أي: أنا ابن ذي جلا، والجلا: هو انحسار الشعر عن مقدم الرأس، قيل: وهو من دلائل الكرم، لأنَّ العرب تقول: الذي ولد أصلع يكون كريمًا بحسب الغالب، وعندي أنَّ جلا وصف بمعنى المشهور، قال المبرد في "الكامل": ابن جلا: المنكشف الأمر، وقال القالي في "أماليه" يقال: هو ابن جلا، أي: المنكشف المشهور الأمر، وابن أجلى مثله. وقال ابن الأثير في "المرصع": ابن جلا وابن أجلى: الرجل المعروف المشهور، والأمر الواضح المكشوف. وقال صاحب كتاب "ألف با": أنا ابن جلا وابن أجلى، وهما بمعنى المنجلي والأمر المنكشف، وهو أول النهار، وقال صاحب "القاموس": وابن جلا: الواضح الأمر كابن أجلى، وقال ابن الأنباري في "المقصور والممدود": أنا ابن جلا: أنا ابن البارز الأمر، أنا ابن من لا ينكر. فهذا كله يدل على أنه اسم جنس غير مختص بأحد، بل يجوز لكل أحد أن يقول للتمدح: أنا ابن جلا، كما قال اللعين المنقري يهجو رؤبة بن العجّاج: إني أنا ابن جلا إن كنت تعرفني ... يا رؤب والحيَّة الصَّمَّاء في الجبل وقال آخر: أنا القلاح بن جناب بن جلا قال العسكري في كتاب "التصحيف": جناب: جدّ القلاح انتسب إليه، وابن جلا" ليس بجد له، وإنما أراد: أني أنا ابن الأمر المكشوف، مثل قول سحيم: أنا ابن جلا ... وطلَّاع الثَّنايا

стр. 1206

انتهى. وطلَّاع: مبالغة طالع، يقال: طلعت الجبل طلوعًا، أي: علوته، يتعدى بنفسه وطلعت فيه: رقيته، قال ثعلب في "أماليه": من رفع "طلاع الثنايا" جعله مدحًا لابن، ومن خفضه جعله مدحًا لجلا، يعني أنه روي فيه الرفع والخفض، والجيد عندي الرفع. والثنايا: جمع ثنيَّة، قال المبرد في "الكامل" هي الطريق في الجبل، والطريف في الرّمل [يقال له: الخلُّ]، وإنما أراد [به] أنه جلد بطلع الثنايا في ارتفاعها وصعوبتها، قال دريد بن الصمَّة، يعني عبد الله أخاه: كميشن الإزار خارجٌ نصف ساقه ... بعيدٌ من السَّوآت طلَّاع أنجد والنجد: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن قتيبة في "أبيات المعاني": قوله طلَّاع الثنايا، أي: يطلع على الثنايا، وهي ما علا من الأرض وغلظ، ومثله قولهم: طلَّاع أنجد انتهى. وأتعجب من العيني في تفسيره الثنية هنا بالسن المشهورة، وقوله: متى أضع العمامة، قال ابن الحاجب في "أماليه": المراد من وضع العمامة: إزالتها عن الرأس، إما لأن الذي يعرفه إنما رآه مكشوف الرأس في الحروب لكثرة مباشرته إياها، فإذا رآه بعمامة جهله، وإما لأن الذي عرفه إنما رآه لابسًا آلات الحرب وعلى رأسه البيئة لكثرة حروبه، فينحي عمامته ويلبس البيضة. هذا محصّله، والوجه هو الأول، وقد لحظه ضياء الدين موسى بن ملهم الكاتب، فأخذه ببعض تغيير، وضمنه في الرشيد عمر الغوّي، وكان به داء الثعلب، وهو من نوادر ما قيل في أقرع، وقال: عجبت لمعشرٍ غلطو أو غضُّوا ... من الشَّيخ الرشيد وأنكروه هو ابن جلا وطلَّاع الثَّنايا ... متى يضع العمامة تعرفوه

стр. 1207

وما أحسن قول أبي العبَّاس اللخمي المالكي، وتوفي في سنة ثلاث وستمائة: يسرُّ بالعيد أقوامٌ لهم سعةٌ ... من الثَّراء وأمَّا المقترون فلا هل سرَّني وثيابي فيه قوم سبا ... أو راقني وعلى رأسي به ابن جلا يعني بقوم سبأ قوله تعالى: ﴿ومزَّقناهم كلَّ ممزقٍ﴾ [سبأ/ ١٩]، وابن جلا: ما له عمامة، وقال ثعلب في "أماليه": والعمامة تلبس في الحروب وتوضع في السلم، وهذا خلاف الواقع وضد معنى البيت، وقال الكرماني شارح شواهد "الموشح": متى أضع العمامة، يحتمل معنيين بتقديرين، الأول: أن يقدر "على" فيكون التقدير: متى أضع العمامة على رأسي تعرفوني أني أهل للسيادة والإمارة، والثاني: أن يقدر "عن" أي: متى أضع العمامة عن رأسي تعرفوا شجاعتي بواسطة صلع رأسي، لأنه أحد مخايل الشجاعة. انتهى. ولم يتعرض العيني ولا السيوطي ولا العباسي في "معاهد التنصيص" لمعنى وضع العمامة في شروح شواهدهم. والبيت مطلع قصيدة لسحيم بن وثيل الرياحي، وبعده: وإنَّ مكاننا من حميريٍ ... مكان اللَّيث من وسط العرين وإني لن يعود إليَّ قرني ... غداة الغبِّ إلَّا في قرين بذي لبدٍ يصدُّ الرَّكب عنه ... ولا تؤتى قرينته لحين عذرت الزل إن هي خاطرتني ... فما بالي وبال ابني لبسون وماذا يبتغي الشُّعراء مني ... وقد جاوزت حدَّ الأربعين أخو خمسين مجتمعٌ أشدِّي ... ونجَّذني مداورة الشُّؤون وسببه أنَّ الأبيرد الرياحي وابن عمه الأخوص زعما أنه لا يقدر على مجاراته

стр. 1208

لهما في الشعر وقوله: "وإنَّ مكاننا من حميريٍ" يأتي في نسبه أنَّ حميريًا أحد أجداده والقرن، بالكسر: الكفء في الشجاعة وغيرها، والغبّ، بالكسر: ورود الإبل الماء في اليوم الثاني، وغداة الغب: اليوم الذي يسقون إبلهم فيه، والقرين: المقارن والمصاحب، و"في" بمعنى مع، وقوله: بذي لبدّ: بدل من قرين، وذو اللبد: الأسد، بكسر اللَّام وفتح الموحدة، جمع لبدة، كقرب جمع قربة، واللبدة: الشعر المتلبد بين كتفي الأسد، والقرينة: النفس يقول: إنَّ قرني لا يقدر أن يقابلني من خوفه إلَّا مع رفيق كالأسد يقدر أن يصدّ ركبًا، فإذا جاء مع رفيق هذه صفته، سلمت نفسه مني لحين من الأحيان. وقوله: عذرت البزل .. الخ البازل: البعير الذي استكمل قوته وسنّه، وخاطرتني: راهنتني، وابن اللبون: ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية، ودخل في الثالثة. يقول: إذا راهنتني الشيوخ على شيء عذرتهم لأنهم أقراني، وأما الشبان فلا مناسبة بيني وبينهم، وأراد بابني لبون: الأبيرد وابن عمه، وقوله: وماذا يبتغي الشعراء، رواه الجوهري: "وماذا يدّري الشعراء" قال: ادّراه: افتعله بمعنى ختله، من درى الصيد: إذا ختله، واستشهد النحويون بهذا البيت على كسر نون الجمع. وقوله: أخو خمسين، أي: أنا بلغت خمسين سنة، واجتماع الأشد: عبارة عن كمال القوى في البدن والعقل، ونجّذني، بالجيم والذال المعجمة، أي: هذَّبني، في "الصحاح": ورجل منجذ، أي: مجرّب أحكمته الأمور، وهو من الناجذ، وهو آخر الأضراس، ويسمى ضرس الحلم، بالكسر، لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل، والمداورة: مفاعلة من دار يدور بمعنى المعالجة، والشؤون: الأمور والأحوال، جمع شأن. وسحيم بن وثيل: مصغر أسحم، ووثيل بفتح الواو وكسر المثلثة، لا بالتصغير

стр. 1209

كما زعم ابن حجر في "الإصابة" وتبعه السُّيوطي، لأنه غير منقول: شاعر مشهور في الجاهلية والإسلام، عدَّه الجمحي في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام، وقال: سحيم بن وثيل شاعر خنذيذ، شريف مشهور الذكر في الجاهلية والإسلام، وعاش في الجاهلية أربعين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، وهو من المخضرمين، وهو الذي غالب والد الفرزدق في نحر الإبل، فبلغ عليًا ﵁، فأفتى بحرمته وتأتي القصة إن شاء الله تعالى في بحث "لولا". والمخضرم، بالخاء والضاد المعجمتين على صيغة اسم المفعول، ونقل السيوطي في "شرح التقريب" عن بعض أهل اللغة كسر الراء أيضًا، وحكى كراع: محضرم بحاء مهملة، من الحضرمة، وهي الخلط، لأنه خلط الجاهلية والإسلام، وحكى ابن خلكان كسر الراء أيضًا في هذا، قال صاحب "اللقاموس": المخضرم: الماضي نصف عمره في الجاهلية، ونصفه في الإسلام، وقيل: من أدركهما، وهذان القولان يعمان الشاعر وغيره، ثم توسع حتى أطلق على من أدرك دولتين، كرؤبة وحماد عجرد، فإنهما أدركا دولة بني أمية، ودولة بني العباس. والشعراء أربع طبقات: جاهلي، ومخضرم، وإسلاميّ، ومحدّث. وهم أربعة أقسام: شاعر خنذيذ، كقنديل، وهو الذي يجمع إلى جيّد شعره رواية الجيد من شعر غيره، وشاعر مفلق، وهو الذي له شعر جيّد ولا رواية له، والمفلق الذي يأتي بالفلق، بالكسر وهو العجب، وقيل: الداهية، وشاعر وهو الذي فوق الرديء بدرجة، وشعرور، وهو لا شيء.

стр. 1210

وهذا نسب سحيم بن وثيل من "جمهرة النسب": سحيم بن وثيل بن أعيقر ابن إهاب بن حميري بن رياح- بكسر الراء بعدها مثناة تحتية- ابن يربوع ابن حنظلة بن مالك بن عمرو بن تميم. وإنما ذكرنا نسبته إلى تميم؛ ليعلم أنه ليس في آبائه من اسمه جلا، وللرَّد على الدماميني في زعمه أن الباء في حميري زائدة، أللنسبة، تقديره: من نسب حميري، وهذا من تقصيره في المراجعة فإن الشاعر تميميّ لا حميريّ. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والستون بعد المائتين: (٢٦٣) ترمي بكفَّي كان من أرمى البشر على أن أصله: بكفي رجل كان من أرمى البشر، فحذف الموصوف المضاف إليه لضرورة الشعر. قال ثعلب في "أماليه": لم أسمع "من" في موضع الاسم إلَّا في ثلاثة مواضع، قوله: جادت بكفَّي كان من أرمى البشر وقوله: ألا ربَّ منهم دراعٌ وهو أشوس وقوله: ألا ربَّ منهم من يقوم بمالكا انتهى. وإنما قال: لم أسمع، لأن "كان" فعل، وربَّ حرف، ولا يليهما لَّا الأسماء، وبهذا يستدل على حرفية من التبعضية، لأن ربَّ لا تجر إلَّا النكرة. وقال ابن جنب في "الخصائص": روى أيضًا بفتح ميم "من" أي: بكفي

стр. 1211

من هو أرمى البشر. و"كان" على هذا زائدة، وأقول: جعل "من" على هذه الرواية نكرة موصوفة أولى من جعلها موصولة، وقبله: مالك عندي غير سوطٍ وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر لك: ظرف مستقر، وغير: فاعله، وعندي: متعلق بـ"لك"، وكبداء: بفتح الكاف وسكون الموحدة، وهي القوس التي يملأ الكف مقبضها، وجادت: أحسنت وروي بدله: "ترمي"، وقوله: بكفي، متعلق بمحذوف على أنه حال، وهو مثنى كف، حذفت نونه للإضافة. وهذا الرجز مع شهرته في كتب النحو لم يعرف قائله، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والستون بعد المائتين: (٢٦٤) أتانا فلم نعدل سواه بغيره ... نبيٌّ بدا في ظلمة اللَّيل هاديا على أنه من أبيات المعاني، قال العلم السخاوي في "سفر السعادة": لسنا نعني بأبيات المعاني ما لم نعلم ما فيه من الغريب، وإنما يعنون ما أشكل ظاهره، وكان باطنه مخالفًا لظاهره، وإن لم يكن فيه غريب، أو كان غريبه معلومًا، كما أنشدني شيخي الإمام تاج الدين: وأنثى وما كانت من الجنِّ أمُّها ... ولا الإنس قد لاعبتها ومعي ذهني فأولجت فيها قدر شبرٍ موفَّرٍ ... فصاحت لا والله ما عرفت تزني فلمَّا دنت إهراقة الماء أنصت ... لأعزله عنها وفي النَّفس أن أثني يصف البكرة التي يستقي عليها الماء. ومن أبيات المعني: ذر الآكلين الماء يومًا فما أرى ... ينالون خيرًا بعد أكلهم الماء هؤلاء [قوم] كانوا يبيعون الماء، فهذا نوع من أبيات المعاني.

стр. 1212

وقال شيخنا الخفاجي في "شرح درة الغواص": أبيات المعاني عند الأدباء أبيات فيها خفاء لفظًا أو معنى، كاللغز يسأل عن ذلك، وقوله لفظًا كان ينبغي تركه، فإن البيت الذي فيه كلمة غريبة وحشيّة يقتضي أن يكون من أبيات المعاني، ولم نرهم أدرجوه في أبيات المعاني. وقال الدماميني: أبيات المعاني التي يسأل عن معناها لإشكاله، وعبَّر في بيت أبي نواس بأنه من التراكيب، أي: بحسب الإعراب، وإشكاله باعتبار أمر لفظي متعلق بالتراكيب لا بالمعنى، انتهى. وقوله: التي يسأل عن معناها لإشكاله، يدخل فيه قول الفرزدق: وما مثله في النَّاس إلَّا مملَّكًا ... أبو أمِّه حيٌّ أبوه يقاربه وقد أدخلوه في كتب أبيات المعاني، منهم المجاشعي وغيره، وتعقبه ابن وحيي بأن قوله: لا بالمعنى، كلام لم يصدر عن تأمل، كيف ومعنى بيت أبي نواس أكثر إشكالًا وأشد إعضالًا من معنى بيت حسّان؟ ! هذا كلامه، وهذا مكابرة فإن بيت أبي نواس لا خفاء في معناه أصلًا. واعلم أن العلماء قد ألفوا كتبًا كثيرة في أبيات المعاني كالأخفش المجاشعي والأشنانداني، وابن السكيت، وابن قتيبة وغيرهم، وجميعها عندي ولله الحمد، وقد أورد السخاوي جملة منها في "سفر السعادة". والإشكال في البيت نشأ من توهم اتحاد مرجع الضميرين، وزال باختلاف المرجع، وهذا جواب أبي الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي الأخفش في كتاب "أبيات المعاني" قال فيه: وقال حسّان بن ثابت، وهو يعني النبي، ﷺ : أتانا فلم نعدل سواه بغيره ... نبيٌّ أتى من عند ذي العرش هاد يا

стр. 1213

وذلك أن سوى النبي ﷺ هو غيره، فقال: لم نعدل سواه بغير سواه، فغير السوى هو النبي ﷺ . انتهى. وتبعه أبو على الفارسي في "الحجة" قال: يقول: لم نعدل سوى النبي، ﷺ ، بغير سواه وغير سواه هو هو. انتهى. وأنشد البيت كما أنشده الأخفش منسوبًا لحسان، وأجاب ابن دريد بأنَّ سوى الشيء نفسه وعينه لا بمعنى غير، قال الإمام العسكري في كتاب "التصحيف": قال أبو بكر، يعني ابن دريد: والسوى: الرجل نفسه، يقال: هذا سوى فلان، أي: فلان نفسه، وأنشد بيت حسّان: أتانا ولم نعدل سواه بغيره ... نبيٌّ بدا في ظلمة اللَّيل هاديا وأنشد أيضًا بيت الخطيئة: أبى لك أقوامٌ أبى لك مجدهم ... سوى المجد فانظر صاغرًا آمن تفاخره سوى المجد، أي: المجد نفسه، [وسوى- بفتح السين- يعني غير]، والسُّوى: العدل، من قوله تعالى: ﴿مكانًا سوى﴾ [طه/ ٥٨] وأنشد: وكان أبانا حين حلَّ ببلدةٍ ... سوى بين قيسٍ قيس عيلان والفزر وقد جاء في اللغة "سواء" ممدود في هذا المعنى، ومما يشكل في هذا الباب قول الآخر: وكنت إذا مولاك خاف ظلامةً ... أتاك فلم يعدل سواك بناصر يسأل فيقال: كيف قال: أتاك، ثم قال: لم يعدل سواك بناصرٍ، وسواه غيره؟

стр. 1214

فالجواب: لم يعدل سواك بك، أنك ناصره، كما تقول: ما أعدل سواك بأخ كريم، وأنت تخاطب رجلًا، أي: أنت الأخ الكريم. وقال بعضهم في قول حسّان: أتانا فلم نعدل سواه بغيره ... نبيٌّ بدا في ظلمة اللَّيل هاديا فيقال: كيف قال: لم نعدل سواه بغيره، وسواه غيره، فكأنه قال: لم نعدل غيره يغيره، فما هذا من مدح النبي ﷺ ، والإخبار بطاعته؟ فالجواب: إنه أراد: إنا لم نعدل سواه بغير سواه، لأنَّ الهاء التي في "غيره" مردودة على سواه، فكأنه قال: لم نعدل سواه بغير السوى، وغير السوى هو النبي ﷺ ، فالمعنى: لم نعدل سواه به، ويقال للعدل: سواء وسوى بالكسر، وسوى بالضم، قال زهير: أروني خطَّةً لا ضم فيها ... يسوِّي بيننا فيها السَّواء فإن ترك السَّواء فليس بيني ... وبينكم بني حصنٍ سواء يريد بالسواء العدل، كذلك يقول أهل اللغة وهو الحق، وهو من استواء الشيء. انتهى كلام العسكري. وقد أورد ابن السكيت كلمة سوى في كتاب "الأضداد" فقال: وقال غير الأصمعي: سواء الشيء غيره، وسواء الشيء نفسه، قال الأعشى: تزاور عن جوِّ اليمامة ناقتي ... وما عدلت عن أهلها بسوائكا أراد: وما عدلت عن أهلها بك، حكى هذا الحرف أبو عبيد انتهى. ونقل السيوطي عن ابن مالك أنه خرجه في شرح منظومته المسماة "تحفة المودود في المقصور والممدود" بقوله: سوى الشيء: نفس الشيء، ذكره الأزهري، ومنه

стр. 1215

قول الشاعر: كأنها نائحةٌ تفجَّع ... تبكي لميتٍ وسواها الموجع ومنه قول حسّان: أتانا فلم نعدل سواه بغيره انتهى. وقد علمت أن هذا التخريج لابد دريد، وابن مالك تابع، لكن قوله: ذكره الأزهري، قد راجعت "تهذيبه" فلم أر فيه: سوى الشيء نفس الشيء، ولا هذا المعنى بلفظ آخر البتة. وهذا المعنى ثابت في كتب اللغة، لكني ما أدري من أين نقله، والله أعلم. وممَّن ذكره بهذا المعنى ابن السيّد البطليوسي فيما كتبه على "كامل المبرد" عند قوله: بكي لميتٍ وسواها الموجع وسواها ههنا: نفسها، مثل قول الآخر في النبي ﷺ : أتانا فلم نعدل سواه بغيره ... شهابٌ لنا في ظلمة اللَّيل ساطع وقال ابن الأعرابي: سواه: قصده. انتهى. أقول: قاله ابن الأعرابي في "نوادره" فقال بعد ما أنشد البيت كما أنشده ابن السيّد: أي لم نعدل قصده قصده، يعني النبي ﷺ . انتهى. ولا يخفى أنه لابدَّ من تقدير مضاف في الثاني، ليصح المعادلة، أي: لم نعدل قصده بقصد غيره، وفي هذا أيضًا مرجع الضميرين واحد، والقصد هنا: المعتدل من الأمور الذي ر يميل إلى أحد طرفي التفريط والإفراط وفي الحديث: "القصد القصد تبلغوا" أي: عليكم بالقصد من الأمور في القول

стр. 1216

والفعل، وهو أوسط بين الطرفين، ومنه الحديث الآخر: "عليكم هديًا قاصدًا" أي: طريقًا معتدلًا لا يسرف في الإنفاق ولا يفتر. وعلى تخريج ابن الأعرابي قد خرج الدماميني البيت بطريق البحث، فقال: ويظهر لي وجه آخر حسن في الجواب مع القول باتحاد المعاني، وهو أن يقال: المراد بالسوي العدل والإنصاف، لا معنى "غير"، وهو أمر ثابت في اللغة، صرح به الجوهري وغيره، المعنى: لم نعدل عدله بعدل غيره، ولا غبار عليه. انتهى. بقي تخريج رابع أورده أبو حيَّان في "تذكرته" قال: وقد جاءت "غير" زائدة، أنشد بعضهم لحسان: أتانا فلم نعدل سواه بغيره ... نبيٌّ أتى من عند ذي العرش هاديا وقيل: تجل إحدى الكلمتين من سوى ومن غير زائدة. انتهى. وقد وافقه بطريق البحث أيضًا ابن وحيي، قال: ولو حمل على إقحام لفظة سوى، حتى يكون التقدير: أتانا نبي فلم نعدله بغيره. أو على إقحام لفظ غير حتى يكون مآله: أتانا نبي فلم نعدل سواه به، لظهر المعنى بلا ريب. وإقحام الأسماء، ولا سيما المبهمات، كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيءٌ﴾ [الشورى/ ١١]. وقوله: "ثمَّ اسم السلام"، وقولهم: مثلك لا يبخل، وغيرك لا يجود. انتهى. وهذا مذهب لا يتمشى على قول البصريين. وقوله: "أتانا فلم نعدل سواه بغيره"، قال الأزهري في التهذيب: قال الكسائي: عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولًا: إذا ساويته به. وقد جاء هذا البيت بألفاظ مختلفة كما رأيت وهو منسوب إلى حسَّان بن ثابت، ولم أره في شعره، وقد رأيته في كتب السّير، لكن ليس في الجمع بين سوى وغير، وإنما الرواية كذا: أطعناه لم نعدله فينا بغيره ... شهابًا لنا في ظلمة اللَّيل هاديا

стр. 1217

وهو آخر أبيات ستة، قيل: إنها لعبد الله بن رواحة، وقيل: لكعب بن مالك وهي: وعدنا أبا سفيان بدرًا فلم نجد ... لميعاده صدقًا وما كان وافيا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميمًا وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرًا أبا جهلٍ تركناه ثاويا عصيتم رسول الله أفٍّ لدينكم ... وأمركم السَّيء الذي كان غاويا فإني وإن عنَّفتموني لقائلٌ ... فدىً لرسول الله أهلي وماليا أطعناه لم نعدله فينا بغيره ... ......... البيت قال ابن هشام في "السيرة" والكلاعي في "سيرته" أيضًا واللفظ له: قال ابن إسحاق: فلما قدم رسول الله ﷺ ، المدينة من غزوة ذات الرقاع، أقام بها بقية جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجبًا، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان حتى نزله، فأقام عليه ثماني ليالٍ ينتظره، وخرج أبو سفيان في أهل مكة، ثم بدا له في الرجوع، فقال: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلَّا عام خصيب، فإنَّ عامكم هذا عام جدب فارجعوا، فرجع النَّاس، فقال عبد الله بن رواحة في ذلك، ويقال: إنها لكعب بن مالك: وعدنا أبا سفيان بدرًا فلم نجد .. إلى آخر الأبيات الذي ذكرناها. وقال ابن هشام: أنشدنيها أبو زيد لكعب بن مالك، وهذه غزوة بدر الآخرة في شعبان سنة أربع من الهجرة، ولم يكتب السهيلي في "الروض الأنف" على هذه الأبيات شيئًا، ووقع في رواية الكلاعي: "أطعنا ولم نعد له فينا بغيره" بواو العطف، وقال الشّامي في "سيرته" بعد هذه الأبيات: افتقدت: فقدت، والموالي هنا القرابة، والثاوي: المقيم، والسيء: أراد السَّيّئ، فخفف، كهين وميت. لم نعدله: لم نسوّه. انتهى. وعبد الله بن رواحة تقدمت ترجمته، في الإنشاد السابع والخمسين بعد المائة مع ترجمة كعب بن مالك.

стр. 1218

حرف الفاء أنشد فيه: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعٍ تمامه فألهيتها عن ذي تمائم محول على أنَّ فاء "ربَّ" في قوله: "فمثلك" جارة عند المبرّد، وهذا سهو من المصنّف فإنَّ المبرد، لم يذهب إلى هذا، وإنما قال في واو ربّ: إنها الجارة، لا ربّ المقدرة قال ابن مالك في "التسهيل": فصل في الجرّ بحرف محذوف: يجر بـ"ربّ" محذوفة بعد الفاء كثيرًا، وبعد الواو أكثر، وبعد بل قليلًا، ومع التجرّد أقلّ، وليس الجرّ بالفاء وبل بالاتفاق، ولا بالواو، خلافًا للمبرّد ومن وافقه. قال أبو حيّان في "شرحه" قال المصنف في الشرح: ولا خلاف في أنّ الجرّ في "فذي حنقٍ" و"بل بلدٍ" و"رسم دارٍ" وأشباهها بـ"ربّ" المحذوفة. انتهى. وقال ابن عصفور: لم يختلف أحد من النحويين في أنَّ الخفض بعد الفاء، وبعد بل بإضمار "ربّ" فعلى هذين القولين يظهر وهم من عدَّ الفاء وبل في حروف الجرّ، وإن الجر بها لنيابتها مناب "ربّ" وذكر صاحب كتاب "الكافي" أنه لا نعلم خلافًا

стр. 1219

بين النحويين في أنّ الجرّ بعد الفاء بـ"ربَّ" مضمرة، لا بالفاء، قال وقد أجرت العرب الفاء مجرى الواو، فحذفت بعدها ربّ، ثم قال أبو حيان: وقوله: ولا بالواو، خلافًا للمبرّد؛ قال المبرد: الواو بمنزلة "ربّ" والخفض بها، ولا ينكر أن يكون للحرف الواحد معان كثيرة، ويدلّ على أنها ليست للعطف مجيئها في أول القصيدة، نحو قوله: وقاتم الأعماق خاوي المخترق وافق المبرد بعض الكوفيين، وردّ ذلك إلى آخر كلامه ولم ينتبه الدماميني ولا غيره إلى هذا السّهو، مع أنه مغرم بالتعقب لكلامه. وقد تقدَّم شرح هذا البيت في الإنشاد العاشر بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والستون بعد المائتين: (٢٦٥) بين الدَّخول فحومل هو قطعة من مطلع معلقة امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل ... بسقط اللِّوى بين الدَّخول فحومل على أن الجرمي قال: إنَّ فاء العطف لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الأمطار بدليل هذا البيت، وهذا على تقدير صحة رواية الفاء، وهذا أحد أجوبة ثلاثة، ثانيها: أنّ الفاء بمعنى الواو، وثالثها: أنّ التقدير بين أماكن الدخول، فأماكن حومل. وقد أنكرها الأصمعي قال في كتاب "التصحيف": تكلم الناس في قوله: "بين الدَّخول فحومل" قال أبو إسحاق الزيادي: الرواية: "بين الدخول

стр. 1220

وحومل" ولا يكون فحومل، لأنك لا تقول: رأيتك بين زيد فعمرو، وهذا سمعه الزيادي من الأصمعي، فسألت ابن دريد عن الرواية، فحكى ما قال الأصمعي ولم يزد عليه، فسألت أبا بكر محمّد بن علي بن إسماعيل، فقلت: قال الأصمعي: لا يجوز أن تقول: رأيته بين زيد فعمرو، وكان ينكر "بين الدخول فحومل" فأملى عليَّ الجواب فقال: إنَّ لكل حرف من حروف العطف معنى؛ فالواو تجمع بين الشيئين، نحو: قام زيد وعمرو، فجائز أن يكونا كلاهما قاما في حالة واحدة، وأن يكون قام الأول بعد الثاني، وبالعكس، والفاء إنما هي دالَّة على أنّ الثاني بعد الأوّل، ولا مهلة بينهما. فقال الأصمعي، وكان ضعيفًا في النحو، غير أنه كان ذا فطنة: أطبقت الرواة على "بين الدخول وحومل". ولا يجوز فحومل، لأنه ليس يقصد بيان أن يكون الشيئان أحدهما بعد الآخر، ثم يكون الشيء بينهما، إنّما يريد أنهما لا يجتمعان، وهو بينهما، كما تقول: زيد بين الكوفة والبصرة، ولا تقول: فالبصرة، فقد أجاد فطنة. انتهى. واستدلّ الجرمي لقوله ببيت امرئ القيس، وبقول الحارث بن حلِّزة: أوقدتها بين العقيق فشخصين ... بعودٍ كما يلوح الضياء وبقول النَّابغة الذبياني: عفا ذو حسى من فرتنا فالفوارع ... فجنبا أريك فالنِّلاع الدَّوافع وبقول العرب: مطرنا ما بين زبالة فالثعلبية. ومعلوم أنَّ هذه الأماكن لم تعف على ترتيب، إذ الوقوف على أن يكون الآخر من الأماكن قد عفا عند انقضاء عفاء الأول من غير مهلة بينهما متعذر، وكذا قولهم: نزل المطر مكان كذا فمكان كذا، إنما نزل المطر بهذه الأماكن في حين واحد، والجواب عن ذلك أن يجعل الترتيب في

стр. 1221

مثل هذا بالنظر إلى الذكر، وذلك أنّ القائل: عفا موضع كذا فموضع كذا، لا يحضره أسماء الأماكن في حين الإخبار دفعة واحدة، فيبقى في حال الإخبار متذكرًا لها متتبعًا، فما سبق إلى ذكره أتى به أولًا، وما تأخر في ذكره عطفه بالفاء، وكذلك قول العرب: مطرنا مكان كذا فمكان كذا، والعرب لا تقصر الترتيب بالفاء على الزمان، ألا ترى أنَّك تقول: أعلى النّاس منزلة في الدنيا الأمير فالوزير؛ ومعناه أنه يليه في المنزلة لا في الزمان، وكلّ واحد من الدخول والعقيق وزبالة، وما عطف عليها، مكان وقرية يشتمل على أمكنة، فاكتفى ببين، كأنه قيل، بين أماكن الدخول، وكذا باقيها، ألا ترى إلى قوله: ربَّما ضربةٍ بسيفٍ صقيلٍ ... بين بصري وطعنةٍ نجلاء يريد: بين جهات بصرى، فاكتفى بالمفرد إذ كان مشتملًا على أمكنة، والفرق بين العطف بالفاء والواو في هذه المسألة ونحوها: أنك إذا عطفت بالفاء أردت أنَّ المطر انتظم الأماكن التي بين زبالة والثعلبية، يقروها شيئًا فشيئًا بلا فرجة، من جهة أنّ الفاء تعطي أنّ الثاني عقب الأول بلا مهلة، وإذا عطفت بالواو، أردت أنّ المطر وقع بين زبالة والثعلبية، ولم ترد أنه اتصل في الأماكن التي بينها من أولها إلى آخرها. كذا قال ابن جني في "سر الصناعة": وذهب بعضهم إلى أنّ الفاء لا ترتب مطلقًا، وإنما هي بمعنى الواو، ويدل على فساده أنّ العرب تقول: اختصم زيد وعمرو، ولا تقول: فعمرو، ولو كانت الفاء بمنزلة الواو في جميع الأماكن، لجاز مجيئها. ومن أجاب بأنّ الفاء هنا بمعنى "إلى" لا يتم كلامه إلَّا بتقدير مضاف، تقديره: بين أماكن الدخول، كما قاله المصنف، وحينئذ لا حاجة إلى جعل الفاء بمعنى إلى؛ لأن الإشكال يتم دفعه بتقدير "أماكن" ليحصل المتعدد الذي تضاف إليه "بين"

стр. 1222

ويدل على تقدير هذا المضاف ما قله. وقال بعضهم: لا ضرورة إلى تقديره، لأنَّ كلَّا من الدخول وحومل موضع وسيعٍ يشتمل على منازل ومواضع، فأضيف "بين" إليها لاشتمالها على متعدد تقديرًا، وعليها تكون الفاء عاطفة، وتفيد ترتيب البكاء بين منازل هذه المواضع. والسقط مثلث الأول: ما تساقط من الرّمل، واللَّوى: ما التوى من الرمل، وسقط اللّوى: حيث يسترقّ الرمل فيخرج منه إلى الجدد، وإنما وصف المنزل به؛ لأنهم كانوا لا ينزلون إلَّا في صلابة من الأرض، لتكون أثبت لأوتاد الأبنية والخيام، وأمكن لحر النُّؤي، وإنما يكون ذلك حيث يسترق الرمل وينقطع، والدخول: بفتح الدّال، وحومل قال أبو الحسن: بلدان بالشام، وأنشد هذا البيت، وقيل غير ذلك. وقد جمعنا، في شرح هذا البيت ما فيه من حسن وقبح، وبسطنا عليه القول بأكثر مما هنا في الشاهد السابع والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد الرّضى. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّادس والستون بعد المائتين: (٢٦٦) يا أحسن النَّاس ما قرنًا إلى قدمٍ على أنَّ أصله: ما بين قرنٍ، قال العسكري: قال بعض البغداديين: أراد: قفا نبك ما بين الدّخول إلى حومل إلى توضح إلى المقراة، فالفاء في موضع إلى، فأضمر مع ما "بين" كقولك هو أحسن النّاس قرنًا فقدمًا ولم يضمر "بين" فأراد فابكيا هذا إلى ذا. انتهى. وإنما احتاج هذا القول إلى تقدير مضاف، كما قال المصنف، لأن بينًا لا تضاف إلى مفرد لفظًا ومعنى، إلَّا إن أوَّل بما يدل على المتعدد، وفيه ادعاء حذف "ما" وهو لا يجوز عند البصريين، سواء كانت "ما" موصولة، إذ لا يحذف الموصول وتبقى صلته، أم موصوفة، إذ شرط حذف الموصوف بالجملة أو الظرف

стр. 1223

أن يكون بعضًا من مجرور بمن أو في، وكن الفاء بمعنى إلى لا يمنع من تسميتها بالعاطفة فإنَّ "أو" العاطفة تأتي بمعنى إلى، وبمعنى إلَّا، لم يمنع أحد تسميتها عاطفة، قال الفراء في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿مثلًا مّا بعوضةً﴾ [البقرة/ ٢٦]، وأما الوجه الثالث، وهو أحبها إليَّ: فأن تجعل المعنى على: إنَّ الله لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بعوضة إلى ما فوقها، والعرب إذا ألقت "بين" من كلام تصلح "إلى" في آخره، نصبوا الحرفين المخفوضين اللّذين خفض أحدهما ببين والآخر بإلى، فيقولون: مطرنا ما زبالة فالثعلبية، وله عشرون ما ناقةً فجملًا، وهي أحسن الناس ما قرنًا فقدمًا، يراد به ما بين قرنها إلى قدمها، ويجوز أن تجعل القرن والقدم معرفة، فتقول: هي حسنة ما قرنها فقدمها. فإذا لم تصلح "إلى" في آخر الكلام، لم يجز سقوط "بين" من ذلك أن تقول: داري ما بين الكوفة والمدينة، فلا يجوز أن تقول: داري ما الكوفة فالمدينة، لأنَّ إلى إنما تصلح إذا كان ما بين المدينة والكوفة كله من دارك كما كان المطر آخذًا ما بين زبالة إلى الثعلبية. قال الكسائي: سمعت أعرابيًا يقول، ورأى الهلال: الحمد لله ما إهلالك إلى سرارك، يريد: ما بين إهلالك إلى سرارك، فجعلوا النَّصب الذي في "بين" فيما بعدها إذا سقطت، ليعلم أنَّ معنى بين يراد. وحكى الكسائي عن بعض العرب: الشنق ما خمسًا إلى خمس وعشرين، والشنق: ما لم تجب فيه الفريضة من الإبل. ولا تصلح الفاء مكان الواو فيما لم تصلح فيه "إلى" كقولك: دار فلان بين الحيرة فالكوفة؛ محالٌ، وجلست بين عبد الله فزيدٍ؛ محال، إلَّا أن يكون مقعدك آخذًا للفضاء الذي بينهما، وإنما امتنعت الفاء من الذي لا تصلح فيه "إلى"، لأن الفعل فيه لا يأتي فيتصل، و"إلى" تحتاج إلى اسمين يكون الفعل بينهما كطرفة عين، وصلحت الفاء في إلى لأنّك تقول: أخذ المطر أوله، فكذا [وكذا] إلى آخره. فلما كان الفعل كثيرًا شيئًا بعد شيء في المعنى، كان فيه تأويل من الجزاء. ومثله

стр. 1224

أنهم قالوا: إن تأتني فأنت محسن، ومحال أن تقول: إن تأتني وأنت محسن، فرضوا بالفاء جوابًا في الجزاء، ولم تصلح الواو. انتهى كلام الفرّاء، وفيه فوائد، منها: قوله: هي حسنة ما قرنها فقدمها، وبه يرد على الدماميني في قوله: على ما قرنًا إلى قدم، كون أصله: ما بين قرن، دعوى لا دليل عليها، ويجوز أن تكون ما زائدة، وقرنًا تمييز، أو منصوب على نزع الخافض. انتهى. ولها ضابط سقوط "بين". وقال أبو حيان في "تذكرته": إذا أتيت ببين صلة لـ"ما" فقلت: أعجبني ما بينكما، فسقوطها جائز على ثلاثة معان: أن لا تنوي ما، وتقضي على "بين" بالرفع، ولفظها منصوب، ومنها أن ترفع بين بالفعل وتعطى حقّ الأسماء، ومنها أن تقرَّ على ما كانت عليه مع ما، وما بمنزلة المظهرة، فتضمر "ما" ولا تضمر الذي، وما شاكلت المحل بأنَّها تكون وقتًا ومحلًا، وكونها وقتًا في قولهم: لا أكلمك ما دام للزيت عاصر، وما موضوعة في موضع أبدًا، وانتصابها فيه كانتصاب: لا أكلمك القارظ العنزيّ. ومجيئها محلًا في قولهم: جلس ما بين الدارين، واستوى ما بين المنزلتين، وأقام ما بين المسجدين، فلما أتت ما محلًا، أي: ظرفًا ووقتًا، ضارعت المحل الذي بعدها، فكفى منها، واختصت "بين" بالنيابة عن ما، لأنَّ "ما" يكون شرطًا، وبين يشرط بها في قيلهم: بين ما أنصفني ظلمني، وبين ما اتصل بي قطعني، وأمَّا "الذي" فلا يعرف له ذلك، ولا تستعمل فيه. ولـ"ما" معنى ثالث هو الجزاء في أصل البنية، وإفرادها على لفظ الذي، وذلك قول العرب: مطرنا ما زبالة، فالثعلبية، فزرود، حكاه الكسائي عن العرب، ومعناه: مطرنا ما بين زبالة إلى الثعلبية، فنابت زبالة عن بين، وجعل نصب بين فيها، ونسقت الثعلبية فزرود عليها، ونصبت "ما" بمطرنا على أنَّ لفظها الذي، ولزمت الفاء مكان إلى، ولم يصلح مكانها واو، ولا ثم، ولا أو، ولا "لا" لأنها تحفظ تأويل الجزاء، وتجري في هذا الكلام مجراها في إن زرتني فأنت محسن، لا يجوز "وأنت" لأنه لا يواصل الشرط إلَّا بالفاء، إذ كانت تفعل ذلك في "ضربته فبكى" وأصل الكلام: إن اتصل المطر إلى

стр. 1225

زبالة فالثعلبية فهو مطرنا، فذلك الذي نبغي، فتحولت ما إلى لفظ الذي وأصلها الشرط ولزمت الفاء مراقبة لذلك الأصل ونائبة عن إلى، وقالت العرب: أزورك أشغل ما كنت، فجعلوا "ما" في لفظ الذي، ولذلك أضافوا إليها "أشغل" وأصلها الشرط: ما كنت مشغولًا فإني أزورك فـ"ما" في "مطرنا ما زبالة فالثعلبية" قصتها كقصة ما ذكرنا، ولولا الشرط الذي بنيت المسألة عليه، لم يعطف واحد بالفاء على مخفوض "بين" إذ لا يقال فيما تعرّى من معنى الشرط: المال بين أبيك فأخيك. وحكى الكسائي والفرّاء عن العرب: هي أحسن النَّاس ما قرنًا فقدمًا، معناه: ما بين قرن إلى قدم، فلزمت الفاء لأنَّ "ما" شرط في الأصل ومحسنة ذلك حسن إلى في موضع الفاء، وانتصب ما في هذه المسألة على التفسير، وانتصب القرن بنصب بين المسقط، وعطف القدم على القرن. وقال الفراء: المعرفة بمنزلة النكرة في خلافة "بين" حين يقال: هي حسنة ما قرنها إلى قدمها، وقال الفراء: أنشدني أعرابي من بني سليم: يا أحسن النَّاس ما قرنًا إلى قدمٍ ... ولا حبال محبٍ واصلٍ تصل معناه: ما بين قرن إلى قدم، و"ما" في ذا المعنى لا تسقط، فخطأ أن يقال: مطرنا زبالة فالثعلبية، لأنَّ ما وبين اسم واحد يدخل طرفاه فيه، و"ما" هي الحد بين الشيئين، دليل هذا أنَّ الذي يقول: له عليّ ما بين الألف إلى الألفين، يدل بـ"ما" على استبقاء ما بين الألف والألفين، ولو قال: جلست ما بين الدّارين، لم يكن جامعًا لكلّ ما بينهما فأتت الفاء لمذهب الشرط وإن لم يذكر حرف الشرط، كما لزمت الفاء مع "أما" فقيل: أما عبد الله فقائم، لأنَّ المعنى: مهما يكن من شيء فعبد الله قائم، وليست أما عاملة عمل الشرط. إلى هنا كلام أبي حيّان، والذي تركناه أكثر مما كتبناه، وجميعه فوائد جيدة، شكر الله سعيه. وقوله: يا أحسن الناس ما قرنًا، القرن بفتح القاف: الخصلة من الشعر، وهذا المصراع هو المقدار الذي أنشده المصنف، وهذا القدر هو المشهور وقد أكمله الفراء

стр. 1226

بذكر المصراع الثاني وأنشده ابن الأنباري في كتاب "الأضداد" بتمامه كالفراء، وهو قوله: ولا حبال محبّ الخ. وأراد بالحبال هنا: العهود وعلائق المودَّة بين الطرفين، وهو مفعول مقدم لتصل والأصل: ولا تصل حبال محبّ واصل والمعنى: إنَّ جميع ما فيك حسن إلا قطع من يريد وصلك. وقد جاء المصراع الأول في أشعار كثيرة، لكن برواية "من" موضع "ما" منها في قصيدة لقيس بن ذريح بعد أن طلَّق لبنى بإكراه من والده وتزوَّجت بغيره، منها: يا أحسن النَّاس من قرنٍ إلى قدمٍ ... وأحسن النَّاس ذا ثوبٍ وعريانا نعم الضَّجيج بعيد النَّوم يجلبه ... إليك ممتلئًا نومًا ويقظانا وجاء أيضًا في شعر العباس بن الأحنف، وهو: يا أحسن النَّاس من قرنٍ إلى قدمٍ ... وأكمل النَّاس أردافًا ومنعطفا ما ذقت بعدكم عيشًا سررت به ... ولا رأيت لكم عدلًا ولا خلفا وهما بيتان لا غير، وجاء في أول مقطوعة لأبي نواس أيضًا، وهي: يا أحسن النَّاس من قرنٍ إلى قدمٍ ... هل في اشتكاي إليك الحبَّ من باس ماذا من أجلك بي أفديك يا سكني ... من التَّبرم بالدُّنيا وبالنَّاس لو كان شيءٌ يسلِّي النَّفس من حزنٍ ... إذًا لسلَّت فؤادي لذَّة الكاس وبعد هذا بيتان. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والستون بعد المائتين: وأنت الَّتي حبَّبت شغبًا إلى بدا ... إليَّ وأوطاني بلادٌ سواهما حللت بهذا حلَّةً ثمَّ حلَّةً ... بهذا فطاب الواديان كلاهما على أنَّ "إلى" الأولى تدلّ على الترتيب بمنزلة الفاء، وردَّ الدّماميني فقال من حق النحاة أن لا يذكروه مستندين إلى هذا الدليل، فإنَّا لا نسلم إرادة الترتيب في

стр. 1227

البيت الأول، لاحتمال أن تكون "إلى" فيه للمعية، كما قاله جماعة كثيرة، أو متعلقة بمحذوف إن لم نقل بذلك، أي: مع بدا، أو مضمومًا إلى بدا. والبيت الثاني لا يدل على إرادة الترتيب في الأول إذ حلولها بأحد المكانين بعد حلولها بالآخر، لا يقتضي أنَّ المكان الأوَّل حبَّب إليه أولًا بسبب حلولها فيه، وأنَّ الثاني حبّب إليه بعد ذلك لحلولها فيه، إذ من الجائز أن يكون حبّ المكانين حصل له في آن واحد بعد حلولها فيهما على الترتيب، ثمَّ ولو سلّم دلالة البيت الثاني على الترتيب في الأول، لم يدل على دعواه؛ لأنَّ الترتيب الواقع في الثاني إنما هو بـ"ثمَّ" لا بالفاء. وفي بعض النسخ: "حلّة بعد حلّة" انتهى. ويؤيّده صنيع المحقق الرّضي قال في "إلى" التي بمعنى "مع": التحقيق أنها بمعنى الانتهاء، أي: مضافًا إلى بدا، وذكر المتعلق لإفادة أنّ إلى مع مجرورها واقعة موقع الحال من شغب، ولإفادة أنَّ الغاية داخلة في المغيا. انتهى. وزعم الكوفيون أنَّ "إلى" هنا بمعنى مع، وأما إلى الثانية فهي متعلقة بحببت، قال الرّضي قيل: أنها بمعنى "عند" والأولى بقاؤها على أصلها، والبيتان لكثير عزة، أوردهما أبو تمام في "الحماسة" مع بيت بينهما، وهو: إذا زرفت عيناي أعتل بالقذى ... وعزَّة لو يدري الطبيب قذاهما وفي بعض النسخ: وحلَّت بهذا حلَّةً ثمَّ أصبحت ... بهذا فطاب الخ ... قال الإمام المرزوقي: خاطبها في البيت معتدًّا عليها بأنه كما آثرها على أهله وعشيرته، آثر بلادها على بلاده، فذكر طرفي محالِّها فقال: أحبُّ لك وفيك شغبًا إلى بدا، وبلادي بلاد غيرهما. ثمَّ أخبر عنها في البيت الثاني فقال: نزلت بهذا- يشير إلى شغب- نزلةً ثم أصبحت ببدا، ففاح الواديان وتضوَّعا بريّاها.

стр. 1228

وحلّة، بالفتح: المرة من الحلول، وهو النزول، وزرفت: دمعت، والقذى: ما يسقط في العين، وعزة: مبتدأ، خبره بتقدير مضاف، أي: سبب قذاهما، وجملة "لو يدري الطبيب" معترضة، وشغب: بفتح الشين وسكون الغين المعجمتين، قال الحازمي في "المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن": ضيعة خلف وادي القرى كانت للزهري، ينسب إليها زكريا بن عيسى الشغبي مولى الزّهري، روى عن الزهري نسخة عن نافه انتهى ووادي القرى: موضع بين المدينة والشّام، وبدا: بفتح الموحدة، بعدها دال مهملة فألف مقصورة، قال الحازمي أيضًا: ضيعة تذكر مع شغب بناحية الشام، وأنشد البيتين لجميل. وفي "معجم البلدان" لياقوت: بدا واد بقرب أيلة من ساحل البحر، وقيل: بوادي القرى، وقيل: بوادي عذرة قرب الشام. هذا كلامه والصّواب ما قاله الحازميّ فيهما والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والستون بعد المائتين: (٢٦٨) يا لهف زيَّابة للحارث ... الصَّابح فالغانم فالآيب على أنَّ الفاء في الصفات تدلّ على ترتيب معانيها في الوجود. قال ابن جنّي في "إعراب الحماسة": أراد: الذي يصبح العدوّ بالغارة، فيغنم، فيؤوب سالمًا، فعطف الموصول على الموصول، وهما جميعًا لموصوف واحد، والشيء لا يعطف على نفسه، من حيث كان العطف نظير التثنية في المعنى، فكما لا يكون الواحد اثنين، فكذلك لا يعطف الشيء على نفسه [بل إن جاز أن يكون الواحد اثنين فليجوز أن يكون ما فوق ذلك إلى ما لا غاية له كثرة]. وعلة جواز ذلك قوة اتصال الموصول بصلته، حتى إنه إذا أريد عطف بعض صلته على بعض جيء به وهو معطوف في اللفظ على نفسه، ومثله قول الله ﵎ ﴿والذي هو يطعمني ويسقيني،

стр. 1229

وإذا مرضت فهو يشفيني﴾ [الشعراء/ ٧٩، ٨٠] إلى آخر الآية، وهذا كله صفة موصوف واحد، وهو القدّيم عزَّ اسمه، وقد تقصيت هذا في كتابي "المعرب" وهو تفسير قوافي أبي الحسن، فأمّا قول الله تعالى: ﴿والعاديات ضبحًا، فالموريات قدحًا، فالمغيرات صبحًا﴾ [العاديات/ ٣] فقد يمكن أن يكون ممَّا نحن فيه، وقد يمكن أن تكون العاديات غير الموريات، والمغيرات غيرهما، فيكون عطف موصوف على موصوف آخر حقيقة لا مجازًا، كقولك: مررت بالضَّاحك فالباكي، إذا مررت باثنين أحدهما ضاحك والآخر باكٍ. انتهى. وأورده صاحب "الكشاف" مع قول الشّاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم عند قوله تعالى: ﴿والَّذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾ [الآية/ ٤] من سورة البقرة في توسط العاطف بينه وبين قوله تعالى: ﴿الَّذين يؤمنون بالغيب﴾ فإنهما واحد، كما توسط بين الصّفات في البيتين وعطف الصّفات على الصِّفات كثير بناء على تغاير المفهومات، وإن كانت متحدة بالذّات. وقد يكون العطف بالواو كما في الآية، وقوله: إلى الملك القرم .. البيت، وقد يكون بالفاء كما تقدم بيانه، وما نقله المصنّف عن صاحب "الكشاف" مذكور في أوَّل سورة الصّافَّات. قال الفاضل اليمني، والقسمة الصحيحة تقتضي أربعة، لأنه كما جاز في الصفات الدلالة

стр. 1230

على ترتيب في الوجود، كذلك يجوز في الموصوفات، كما تقول: حل المتمتع فالقارن فالمفرد. والبيت أول أبيات ثلاثة لابن زيّابة التيميّ، أوردها أبو تمام في "الحماسة" وبعده: والله لو لاقيته خاليًا ... لآب سيفانا مع الغالب أنا ابن زيابة إن تدعني ... آتك والظنَّ على الكاذب قال الجوهري: يا لهف [فلان]: كلمة يتحسَّر بها على ما فات. ولهف: منادى مضاف، أي: يا لهف أحضر، وزيّابة بفتح الزاي، وتشديد المثناة التحتية، وبعد الألف باء موحّدة: اسم أمّ الشاعر، ومثله قول النابغة: يا لهف أمِّي بعد أسرة جعولٍ ... أن لا ألاقيهم ورهط عرار قاله الخطيب التبريزي، واللام في "للحارث" للتَّعليل، أي: يا لهف أمي من أجل الحارث بن همام الشيباني، وقال المصنف: بمعنى على، قال التبريزي: معناه أنه لهّف أمّه أن لا يلحقه في بعض غاراته فيقتله أو يأسره. وقال النمري: وصفه بالفنك والظفر وحسن العاقبة. وردّ عليه الأسود أبو محمّد الأعرابي فقال: هذا موضع المثل: "أخطأت استك الحفرة" كيف يذكره بالفتك والظفر وهو أعدى عدوٍ له. وإنما المعنى أنه لهّف أمّه وهي زيّابة أن لا يلحقه في بعض غاراته فيقتله أو يأسره. انتهى. وعليه تكون تلك الصِّفات على طريق الاستهزاء، ومنه تعلم أنَّ في كلام المصنف خللًا من وجهين أحدهما: ظنُّه: أنّ زيابة اسم والده، وثانيهما: تقييد "صبح" بقوله: "قومي". وقوله: والله لو لاقيته خاليًا .. الخ، يقول: لو لاقيته لقتلته أو قتلني، ورجع
следующие страницы →