← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

بذكر المصراع الثاني وأنشده ابن الأنباري في كتاب "الأضداد" بتمامه كالفراء، وهو قوله: ولا حبال محبّ الخ. وأراد بالحبال هنا: العهود وعلائق المودَّة بين الطرفين، وهو مفعول مقدم لتصل والأصل: ولا تصل حبال محبّ واصل والمعنى: إنَّ جميع ما فيك حسن إلا قطع من يريد وصلك. وقد جاء المصراع الأول في أشعار كثيرة، لكن برواية "من" موضع "ما" منها في قصيدة لقيس بن ذريح بعد أن طلَّق لبنى بإكراه من والده وتزوَّجت بغيره، منها: يا أحسن النَّاس من قرنٍ إلى قدمٍ ... وأحسن النَّاس ذا ثوبٍ وعريانا نعم الضَّجيج بعيد النَّوم يجلبه ... إليك ممتلئًا نومًا ويقظانا وجاء أيضًا في شعر العباس بن الأحنف، وهو: يا أحسن النَّاس من قرنٍ إلى قدمٍ ... وأكمل النَّاس أردافًا ومنعطفا ما ذقت بعدكم عيشًا سررت به ... ولا رأيت لكم عدلًا ولا خلفا وهما بيتان لا غير، وجاء في أول مقطوعة لأبي نواس أيضًا، وهي: يا أحسن النَّاس من قرنٍ إلى قدمٍ ... هل في اشتكاي إليك الحبَّ من باس ماذا من أجلك بي أفديك يا سكني ... من التَّبرم بالدُّنيا وبالنَّاس لو كان شيءٌ يسلِّي النَّفس من حزنٍ ... إذًا لسلَّت فؤادي لذَّة الكاس وبعد هذا بيتان. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والستون بعد المائتين: وأنت الَّتي حبَّبت شغبًا إلى بدا ... إليَّ وأوطاني بلادٌ سواهما حللت بهذا حلَّةً ثمَّ حلَّةً ... بهذا فطاب الواديان كلاهما على أنَّ "إلى" الأولى تدلّ على الترتيب بمنزلة الفاء، وردَّ الدّماميني فقال من حق النحاة أن لا يذكروه مستندين إلى هذا الدليل، فإنَّا لا نسلم إرادة الترتيب في

стр. 1227

البيت الأول، لاحتمال أن تكون "إلى" فيه للمعية، كما قاله جماعة كثيرة، أو متعلقة بمحذوف إن لم نقل بذلك، أي: مع بدا، أو مضمومًا إلى بدا. والبيت الثاني لا يدل على إرادة الترتيب في الأول إذ حلولها بأحد المكانين بعد حلولها بالآخر، لا يقتضي أنَّ المكان الأوَّل حبَّب إليه أولًا بسبب حلولها فيه، وأنَّ الثاني حبّب إليه بعد ذلك لحلولها فيه، إذ من الجائز أن يكون حبّ المكانين حصل له في آن واحد بعد حلولها فيهما على الترتيب، ثمَّ ولو سلّم دلالة البيت الثاني على الترتيب في الأول، لم يدل على دعواه؛ لأنَّ الترتيب الواقع في الثاني إنما هو بـ"ثمَّ" لا بالفاء. وفي بعض النسخ: "حلّة بعد حلّة" انتهى. ويؤيّده صنيع المحقق الرّضي قال في "إلى" التي بمعنى "مع": التحقيق أنها بمعنى الانتهاء، أي: مضافًا إلى بدا، وذكر المتعلق لإفادة أنّ إلى مع مجرورها واقعة موقع الحال من شغب، ولإفادة أنَّ الغاية داخلة في المغيا. انتهى. وزعم الكوفيون أنَّ "إلى" هنا بمعنى مع، وأما إلى الثانية فهي متعلقة بحببت، قال الرّضي قيل: أنها بمعنى "عند" والأولى بقاؤها على أصلها، والبيتان لكثير عزة، أوردهما أبو تمام في "الحماسة" مع بيت بينهما، وهو: إذا زرفت عيناي أعتل بالقذى ... وعزَّة لو يدري الطبيب قذاهما وفي بعض النسخ: وحلَّت بهذا حلَّةً ثمَّ أصبحت ... بهذا فطاب الخ ... قال الإمام المرزوقي: خاطبها في البيت معتدًّا عليها بأنه كما آثرها على أهله وعشيرته، آثر بلادها على بلاده، فذكر طرفي محالِّها فقال: أحبُّ لك وفيك شغبًا إلى بدا، وبلادي بلاد غيرهما. ثمَّ أخبر عنها في البيت الثاني فقال: نزلت بهذا- يشير إلى شغب- نزلةً ثم أصبحت ببدا، ففاح الواديان وتضوَّعا بريّاها.

стр. 1228

وحلّة، بالفتح: المرة من الحلول، وهو النزول، وزرفت: دمعت، والقذى: ما يسقط في العين، وعزة: مبتدأ، خبره بتقدير مضاف، أي: سبب قذاهما، وجملة "لو يدري الطبيب" معترضة، وشغب: بفتح الشين وسكون الغين المعجمتين، قال الحازمي في "المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن": ضيعة خلف وادي القرى كانت للزهري، ينسب إليها زكريا بن عيسى الشغبي مولى الزّهري، روى عن الزهري نسخة عن نافه انتهى ووادي القرى: موضع بين المدينة والشّام، وبدا: بفتح الموحدة، بعدها دال مهملة فألف مقصورة، قال الحازمي أيضًا: ضيعة تذكر مع شغب بناحية الشام، وأنشد البيتين لجميل. وفي "معجم البلدان" لياقوت: بدا واد بقرب أيلة من ساحل البحر، وقيل: بوادي القرى، وقيل: بوادي عذرة قرب الشام. هذا كلامه والصّواب ما قاله الحازميّ فيهما والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والستون بعد المائتين: (٢٦٨) يا لهف زيَّابة للحارث ... الصَّابح فالغانم فالآيب على أنَّ الفاء في الصفات تدلّ على ترتيب معانيها في الوجود. قال ابن جنّي في "إعراب الحماسة": أراد: الذي يصبح العدوّ بالغارة، فيغنم، فيؤوب سالمًا، فعطف الموصول على الموصول، وهما جميعًا لموصوف واحد، والشيء لا يعطف على نفسه، من حيث كان العطف نظير التثنية في المعنى، فكما لا يكون الواحد اثنين، فكذلك لا يعطف الشيء على نفسه [بل إن جاز أن يكون الواحد اثنين فليجوز أن يكون ما فوق ذلك إلى ما لا غاية له كثرة]. وعلة جواز ذلك قوة اتصال الموصول بصلته، حتى إنه إذا أريد عطف بعض صلته على بعض جيء به وهو معطوف في اللفظ على نفسه، ومثله قول الله ﵎ ﴿والذي هو يطعمني ويسقيني،

стр. 1229

وإذا مرضت فهو يشفيني﴾ [الشعراء/ ٧٩، ٨٠] إلى آخر الآية، وهذا كله صفة موصوف واحد، وهو القدّيم عزَّ اسمه، وقد تقصيت هذا في كتابي "المعرب" وهو تفسير قوافي أبي الحسن، فأمّا قول الله تعالى: ﴿والعاديات ضبحًا، فالموريات قدحًا، فالمغيرات صبحًا﴾ [العاديات/ ٣] فقد يمكن أن يكون ممَّا نحن فيه، وقد يمكن أن تكون العاديات غير الموريات، والمغيرات غيرهما، فيكون عطف موصوف على موصوف آخر حقيقة لا مجازًا، كقولك: مررت بالضَّاحك فالباكي، إذا مررت باثنين أحدهما ضاحك والآخر باكٍ. انتهى. وأورده صاحب "الكشاف" مع قول الشّاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم عند قوله تعالى: ﴿والَّذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾ [الآية/ ٤] من سورة البقرة في توسط العاطف بينه وبين قوله تعالى: ﴿الَّذين يؤمنون بالغيب﴾ فإنهما واحد، كما توسط بين الصّفات في البيتين وعطف الصّفات على الصِّفات كثير بناء على تغاير المفهومات، وإن كانت متحدة بالذّات. وقد يكون العطف بالواو كما في الآية، وقوله: إلى الملك القرم .. البيت، وقد يكون بالفاء كما تقدم بيانه، وما نقله المصنّف عن صاحب "الكشاف" مذكور في أوَّل سورة الصّافَّات. قال الفاضل اليمني، والقسمة الصحيحة تقتضي أربعة، لأنه كما جاز في الصفات الدلالة

стр. 1230

على ترتيب في الوجود، كذلك يجوز في الموصوفات، كما تقول: حل المتمتع فالقارن فالمفرد. والبيت أول أبيات ثلاثة لابن زيّابة التيميّ، أوردها أبو تمام في "الحماسة" وبعده: والله لو لاقيته خاليًا ... لآب سيفانا مع الغالب أنا ابن زيابة إن تدعني ... آتك والظنَّ على الكاذب قال الجوهري: يا لهف [فلان]: كلمة يتحسَّر بها على ما فات. ولهف: منادى مضاف، أي: يا لهف أحضر، وزيّابة بفتح الزاي، وتشديد المثناة التحتية، وبعد الألف باء موحّدة: اسم أمّ الشاعر، ومثله قول النابغة: يا لهف أمِّي بعد أسرة جعولٍ ... أن لا ألاقيهم ورهط عرار قاله الخطيب التبريزي، واللام في "للحارث" للتَّعليل، أي: يا لهف أمي من أجل الحارث بن همام الشيباني، وقال المصنف: بمعنى على، قال التبريزي: معناه أنه لهّف أمّه أن لا يلحقه في بعض غاراته فيقتله أو يأسره. وقال النمري: وصفه بالفنك والظفر وحسن العاقبة. وردّ عليه الأسود أبو محمّد الأعرابي فقال: هذا موضع المثل: "أخطأت استك الحفرة" كيف يذكره بالفتك والظفر وهو أعدى عدوٍ له. وإنما المعنى أنه لهّف أمّه وهي زيّابة أن لا يلحقه في بعض غاراته فيقتله أو يأسره. انتهى. وعليه تكون تلك الصِّفات على طريق الاستهزاء، ومنه تعلم أنَّ في كلام المصنف خللًا من وجهين أحدهما: ظنُّه: أنّ زيابة اسم والده، وثانيهما: تقييد "صبح" بقوله: "قومي". وقوله: والله لو لاقيته خاليًا .. الخ، يقول: لو لاقيته لقتلته أو قتلني، ورجع

стр. 1231

السيفان مع الغالب، وفي هذا الكلام وصف لنفسه بالشجاعة وإنصافه للمحارب. وقوله: إن تدعني ... الخ، قال التبريزي: يحتمل وجهين، أحدهما: أنك إن دعوتني علمت حقيقة ما أقول، فادعني واخلص من الظنّ، لأنك تظن بي العجز عن لقائك، والظنّ من شأن الكاذب، مثل ما يقال: القيام بهذا الأمر على فلان، أي: هو الذي يقع به، والآخر معناه: يكون الظنّ عونًا على الكاذب مع الأعداء، كما تقول: رأيك عليك، أي: إنَّك تسيئه، فيكون كالمتظاهر عليك. وهذه الأبيات وقعت جوابًا لقول الحارث فيه، وهو: أيا ابن زيَّابة إن تلقني ... لا تلقني في النَّعم العازب وتلقني يشتد بي أجردٌ ... مستقدم البركة كالرَّاكب قوله أيا: حرف نداء، وابن زيابة: منادى، والعازب: البعيد، يري: إنك لا تراني راعي إبلٍ، وإنما أنا صاحب فرسٍ ورمحٍ، أغير على الأعداء، وأحارب من يبتغي حربي، ويشتدّ: من الشدّ، وهو العدو، والأجرد: الفرس القصير الشعر، والبركة، بكسر الموحّدة: الصّدر، قال التبريزي: زعموا أنَّ الرّاكب هنا فسيلة لم تنقطع من أمها، ويجوز أن يعني به طول عنق الفرس، وأنه يوازي الرّاكب على ظهره، ويكون هاديه هو الذي يستقدم البركة، فيكون الكاف [من قوله: كالراكب] في موضع رفع بفعلها، ولا يمتنع أن يكون الفعل للبركة، والكاف في موضع نصب. انتهى. وابن زيابة: شاعر جاهلي، واختلف في اسمه، فقال أبو رياش في شرح "الحماسة": اسمه عمرو بن لأي، بفتح اللَّام وسكون الهمزة، أحد بني تيم اللات بن ثعلبة، وهو فارس مجلزٍ، وقال المرزباني وأبو محمّد الأعرابي: اسمه سلمة بن ذهل، والله أعلم. وكذلك الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان الشييباني جاهلي.

стр. 1232

وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والستون بعد المائتين: فإن أهلك فذي حنقٍ لظاه ... عليَّ تكاد تلتهب التهابا على أنَّ جواب الشرط، إذا كان مصدّرًا بحرف له الصّدارة وجب اقترانه بالفاء كما هنا، فإنَّ أصله: فربّ ذي حنق، فحذفت ربّ وبقي عملها، وذو بمعنى صاحب، والفاء معها لربط الجواب بالشرط، فإنها تجب مع كلّ جواب لا يصحّ وقوعه شرطًا، والجواب هنا في الحقيقة هو جواب ربّ، وهي "مخضت" أوَّل البيت الذي بعد هذا، وقدِّمت ربّ عليه لأنَّ الصّدر. وقول المصنف: لما عرفت من أنَّ ربَّ مقدرة، وأنّ لها الصدر [انتهى. وقوله: لها الصدر] جواب سؤال مقدر، وهو أنَّ جواب الشرط في مثل هذا إنما هو جواب ربّ، وهو فهل ماضٍ يجب معه ترك الفاء، فكيف وجبت الفاء؟ أجاب بأنَّ "ربَّ" لما وجب تقدّمها على جوابها لصدارتها، كانت في الظاهر هي الواقعة جواب الشرط، وهذ لا تصح أن تقع شرطًا؛ فوجب أن تقترن بالفاء وفاءً بمقتضى الضّابط، ولم أر أحدًا من شرّاح هذا الكتاب تنبه لما قلناه. وقال الإمام المرزوقي في "شرح الحماسة" وتبعه جميع شرّاحها. فإن قيل: إنَّ الفاء جواب الجزاء إنما يجيء ‘ذا خالف الجملة التي تكون جزاء الجملة التي تكون شرطًا، بأن تكون مبتدأ وخبرًا، فكيف يكون تقديرهما بعد الفاء [ها] هنا؟ قلت: يكون التقدير: إن أهلك، فالأمر والشأن: ربَّ ذي حنق بهذه الصفة فعلت به كذا، فقوله: "ربّ ذي حنق" خبر المبتدأ الذي أظهرناه. هذا كلامه، وفيه نظر من وجهين، أحدهما: لا ينحصر وجوب اقتران الفاء بالجملة الاسمية الواقعة جوابًا لشرط، بل الحصر في ست صور كما ذكرها المصنف. ثانيهما: أنّ ربّ لها الصّدر، لا تقع مبتدأ أبدًا إذ العامل في الخبر هو

стр. 1233

المبتدأ، على أنَّ هذا لا يصح يصحّ مع قوله: إن "مخضت" جواب ربّ. وتبعه السّيوطي أيضًا، فقال: فذي حنق جواب الجزاء، والتقدير: إن أهلك فالأمر والشأن ربّ ذي حنق. انتهى. والبيت من ثمانية أبيات لربيعة ابن مقروم الضبّي، أوردها أبو تمام في "الحماسة" وهي: أخوك أخوك من يدنو وترجو ... مودَّته وإن دعي استجابا إذا حاربت حارب من تعادي ... وزاد سلاحه منك اقترابا وكنت إذا قريني جاذبته ... حبالي مات أو تبع الجذابا فإن أهلك فذي حنقٍ لظاه ... عليَّ تكاد تلتهب التهابا مخضت بدلوه حتى تحسَّى ... ذنوب الشَّرَّ ملأى أو قربا بمثلي فاشهد النَّجوى وعالن ... بي الأعداء والقوم الغضابا فإنَّ الموعدي يرون دوني ... أسود خفيَّة الغلب الرِّقابا كأنَّ على سواعدهنَّ ورسًا ... علا لون الأشاجع أو خضابا قال المرزوقي: أخوك مبتدأ، وكررّ تأكيدًا، ومن تدنو: خبره، والمعنى: مخالصك في الأخوَّة والود من يقرِّب مكانه منك، وتحسن شفقته عليك، وإن استغثت به لملمَّة، أغاثك. ويجوز أن يكون من يدنو أراد به قرب النّصح والشفقة، لا تقارب الدّار. وقوله: إذا حاربت ... الخ، قال المرزوقي: يجوز أن يكون هذا متصلًا بما قبله، والضمير في حارب لأخوك، ومن تعادي: مفعول حاربت، والمعنى: إذا حاربت من تعادي حارب هذا المؤاخي [لك] معك، وزاد نصرته وعدَّته منك

стр. 1234

قربًا ما دمت محاربًا، ويجوز أن يكون منقطعًا مما قبله، ويكو مثلًا مضروبًا، فيقول: إذا كاشفت عدوك، بعثه ذلك على مكاشفتك، وازداد عدته من الكيد وغيره منك دنوًا، وإذا جاملته وداجيته بقي على ما ينطوي عليه مساترًا لا مجاهرًا. وقوله: كنت إذا قريني ... الخ، يقول: إذا جاذبني قرين لي حبلًا بيني وبينه، فإمَّا أن ينقطع دون شأوي إلى الجذاب فيهلك، وإمَّا أن يتبع صاغرًا فينقاد. وقوله: فإن أهلك ... الخ، هذا الكلام تسل عن العيش بعد قضاء حاجته، وإدراك ثأره، ولولا ما تسهل له من ذلك لكان لا يسهل عليه انقطاع العمر، ولو مات لمات بغصته، فيقول: إن أمت فربّ رجل ذي غيظ وغضب، تكاد نار عداوته تتوقد توقدًا، أن فعلت به كذا. ولظاه: مبتدأ، وجملة "تكاد تلتهب" خبره، وكلّ منهما مسند إلى ضمير مؤنث يعود إلى اللظى، فهما بالمثناة الفوقية، وجوز الشُّمسُّني بالمثناة التحتية مسندين إلى ضمير مذكر يعود يعود إلى اللظى، فهما بالمثناة الفوقية، وجوز الشُّمسُّني بالمثناة التحتية مسندين إلى ضمير مذكر يعود إلى اللظى، لاكتسابه التذكير من الضمير المضاف إليه، و"عليَّ" متعلق بتلتهب، وقيل بلظاه لما فيه من معنى الاشتداد والتوقد، وفيه نظر لأنَّ المعنى ليس عليه، واللظى: النَّار استعيرت للحنق، بفتح المهملة والنون، وهو الغيظ، وقيل: شدته، و"هلك" جاء من بابي ضرب وعلم. وقوله: مخضت بدلوه ... الخ، هذا جواب ربّ، يقول: ربّ إنسان هكذا، أنا حركت بدلوه التي أدلاها في الأمر الذي خضنا فيه حتى ملأتها، وجعل الدّلو كناية عن السبب الذي جاذبه فيه، والطمع الذي جرأه عليه، قال: فتحسَّى دلو الشر مملوءة، أو قريبة من الامتلاء. وقراب: بكسر القاف وضمّها، والمعنى: جعلت شربه من الشرّ مرويًا، فكان المراد أنَّ هذا المعادي الممتلئ غيظًا لما ألقى دلوه يستقي بها الماء من بئري، ملأتها شرًا، وجعلته سقياه. والمخض بالخاء والضاد المعجمتين: تحريك الدّلو في البئر الدلو لتمتلئ، والذنوب بفتح الذال المعجمة: التي لها ذنب، وهي هنا مثل، يقول: جنيت عليه الشرّ حتى ملنَّه.

стр. 1235

وقوله: بمثلي فاشهد .. الخ، هذا البيت وما بعده لم يقع في أصل المرزوقي، يقول: جاهر بمثلي الأعداء وكاشفهم ليكفوا عنك، فمثلي يصلح لدفع المكاره. وقوله: فإنَّ الموعديّ ... الخ، قال التبريزي: يريد الغلب رقابًا، وانتصابه على التشبيه بالضَّارب الرجل. وقوله: كأنَّ على سواعدهن، أي: كأنَّ على سواعد هذه الأسود الورس أو الخطاب من كثرة ما افترست الفرائس، والأشاجع: عروق ظاهر الكف، جمع أشجع. وربيعة بن مقروم: شاعر محضرم، قال ابن قتيبة: شهد القادسيّ وجلولاء، وهو من شعراء مضر المعدودين. وقد ذكره ابن حجر في قسم المخضرمين عن المرزباني، قال: كان ربيعة بن مقروم أحد شعراء مضر في الجاهلية والإسلام، ثمَّ أسلم وشهد القادسية، وغيرها من الفتوح، وعاش مائة سنة. وأنشد بعد: من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشَّرُّ بالشَّرِّ عند الله مثلان وتقدَّم الكلام عليه في الإنشاد الثمانين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السبعون بعد المائتين: وقائلةٍ خولان فانكح فتاتهم تمامه: وأكرومة الحيَّين خلوٌ كما هيا على أن الفاء زائدة في خبر المبتدأ، وهو: فانكح. وعند سيبويه غير زائدة،

стр. 1236

والأصل عنده: هذه خولان فانكح فتاتهم، قال ابن خلف: قال أو علي: من جعل الفاء زائدة أجاز في خولان الرفع والنصب، وكقولك: زيدًا فاضربه، وعلى قوله سيبويه: الفاء إمّا لعطف الإنشاء على الخبر، وهو جائز فيما له محلّ من الإعراب، وإمّا لربط جواب شرط محذوف، أي: إذا كان كذلك فانكح، قال سيبويه في باب الأمر والنّهي من أوائل الكتاب: وقد يحسن ويستقيم أن تقول: عبد الله فاضربه، إذا كان الخبر مبنيًا على مبتدأ مظهر أو مضمر، فأما في المظهر فقولك: هذا زيد فاضربه، وإن شئت لم تظهر "هذا" وعمل كعمله إذا أظهرته، وذله قولك: الهلال والله، فانظر إليه، كأنك قلت: هذا الهلال، ثمَّ جئت بالأمر، وممَّا يدلّك على حسن الفاء ههنا أنَّك لو قلت: هذا زيدٌ فحسنٌ جميل؛ كان جيدًا، ومن ذلك قول الشاعر: وقائلة خولان ... البيت، هكذا سمع من العرب تنشده. وقال السيرافي: الجمل كلّها يجوز أن تكون أجوبتها الفاء نحو: زيد أبوك فقم إليه، فإنّ كونه أباه سبب وعلّة للقيام إليه، وكذلك الفاء في "فانكح" يدلّ على أنَّ وجود هذه القبيلة علّة لأن يتزوج منهم ويتقرب إليهم لحسن نسائها وشرفها، وفيه إشارة إلى ترتب الحكم على الوصف. وخولان: حي باليمن. وروي: "فانكح فتاتها" لأنه أراد القبيلة. وجملتا "هذه خولان، فانكح فتاتهم" في محل نصب مقول القول وإنما وصف فيهما وهو قائلة، لاعتماده على الموصوف المضمر، أي: ربّ جماعة قائلة، وبه يدفع ما قيل: إنّ مجرور ربّ غير موصوف، وربّ للتكثير، وجوابها محذوف، أي: أدركتها. والأكرومة: فعل الكرم، مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: ومكرمة الحيين، وأراد بالحييَّن: حيّ أبيها وحيّ أمّها، والخلو بالكسر: الخالية من الزوج، وقوله: كما هي، صفة لخلو، أي: كعهدها من بكارتها، فحذف المضاف إلى الهاء، ولما كانت الكاف لا تدخل على المضمر المتَّصل، جعل مكانه المنفصل، فصار كهي، ثم زادوا "ما" عوضًا من المحذوف. وقيل

стр. 1237

غير ذلك، ذكرناه في الشاهد السابع والسبعين من شواهد الرّضي. والبيت من شواهد سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين: أرواحٌ مودِّعٌ أم بكور ... أنت فانظر لأيِّ ذاك تصير لما تقدم قبله، وأنشده سيبويه في الباب المذكور. قال ابن خلف: إنما جاء سيبويه به لقوله: أنت فانظر، وهو يشبه: زيد فاضربه، وقد قال: لا يجوز إلاَّ على إضمار بسبب دخول الفاء، وقد دخلت الفاء في قوله "فانظر" فتأول ذلك على وجوه أراد بها تصحيح دخول الفاء، وأنها على غير الوجه الذي أفسده دخولها فيه. وجملة تأوله ثلاثة أوجه، أحده: ترفع أنت بفعلٍ مضمر يفسره الفعل المظهر الذي بعده، والثاني: تجعل أنت مبتدأ وضمر له خبرًا، وتجعل الفاء جوابًا للجملة، كأنه قال: أنت الرجل، كما تقول: أنت الهالك، ثمَّ تحذف فتقول: أنت لدلالة الحال عليه، الثالث: تجعل أنت خبر المبتدأ، كأنّك نويت الرّجل، جعلته في نيتك المبتدأ، وقال أبو سعيد السّيرافي: ووجه رابع عندي: أن ترفع أنت ببكور، لأنَّ المصادر تعمل عمل الأفعال، كأنك قلت: أأن تروح أم تبكر أنت؟ قال: وفيه وجه خامس، وهو أن يجعل البكور في معنى اسم الفاعل باكر، كما تقول: زيد إقبال وإدبار. ويجوز فيه وجه سادس، وهو أن تحذف المضاف، وتقيم المضاف إليه مقامه، كأنك قلت: أم صاحب بكور؟ انتهى كلام ابن خلف باختصار.

стр. 1238

وقال أبو علي في "كتاب الشّعر": أنت: يجوز أن يكون ابتداء، وأن يكون مرتفعًا بمضمره يفسره المظهر، فإذا ارتفع بالابتداء جاز أن يكون خبره مضمرًا، وذلك المضمر مما يليق أن يسند إلى من فارق خليطه، نحو المحزون والمهموم، كأنه قال: أنت المهموم، وهذا الوجه قاله سيبويه، ويجوز أن يكون خبره قوله: أرواح، والمعنى: أذو أرواح أم بكور أنت، والفاء في هذه الوجوه عاطفة جملة على جملة، وكذلك إن جعلت قوله: أرواح، ابتداء وأضمرت له الخبر، كأنَّك قلت: أرواح مودع لك أم بكور، والأحسن إذا أضمرت هذا الخبر أن تضمره بين همزة الاستفهام وأم، لأنك لا تسأل عن قولك لك، إنما تسأل عن أحد الاسمين، وإن شئت أضمرت ظرفًا من المكان، وإن شئت من الزمان، لأنَّ المبتدأ حدث. ويجوز أن تجعل قوله: أرواح، خبر ابتداء محذوف، وتضمره حيث أضمرت لك، أو ثم، أو اليوم، وتجعل أنت المذكورة في اللفظ ابتداء آخر إن شئت، وإن شئت، وإن شئت كان مرتفعًا بالفعل كما تقدَّم، ويجوز إذا جعلت أنت مبتدأ أن تجعل خبره انظر، وتكون الفاء زائدة، كما حكاه أبو الحسن من قوله: أخوك فوجد. انتهى كلامه باختصار أيضًا. ولخّص ابن الشجري في "أماليه" ما تقدَّم فقال: رواح يحتمل أن يكون خبرًا عن أنت، بتقدير: أذو رواح أنت؟ ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره محذوف، أي: ألك رواح؟ ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: أرواحك رواح مودّع؟ فعلى هذين التقديرين يرتفع أنت بمضمر يفسره انظر، وإن شئت رفعته بتقدير: أم ذو بكور أنت، وإن شئت رفعته بالمصدر الذي هو "بكور" رفع الفاعل بفعله، كقولك: أم بكور زيد، بتقدير: أم أن يبكر زيد، وإن شئت جعلته في قول أبي الحسن الأخفش مبتدأ، وخبره فانظر، والفاء زائدة. انتهى. روراه صاحب "الأغاني": "لك فاعمد لأي حال تصير" ورواه غيره: "لك فانظر لأي حال تصير" وعلى هذا لا شاهد فيه. وقوله: أرواح مودع، هو اسم فاعل، قال ابن الشجري: قال

стр. 1239

أبو علي: هو كقولهم: ليل نائم، ولو أنشد "مودَّع" جاز، وكان التقدير: مودعٌ فيه، كما حذف من قوله: كبير أناسٍ في بجادٍ مزمَّل أي: مزمل فيه. وقوله: لأي حال، لم يقل: لأية حال، فيجوز أن يكون على لغة من ذكرَّ الحال، ويجوز أن يكون على لغة من أنثها، لأنَّ تأنيها غير حقيقي، ويجوز أن يكون حملها على الأمر والشأن لأنهما في المعنى متقاربان، ويروى: "لأي ذاك نصير" وقال: لأي ذاك، ولم يقل: لأيّ ذينك، لأنهم قد يوقعون ذاك وذلك على الجمل، [يقول القائل: زارني أمس زيد وأخوك معه، وهما يضحكان؛ فيقول: قد علمت ذلك]، ولذلك جازت إضافة [بين] إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿لا فارضٌ ولا بكرٌ عوانٌ بين ذلك﴾ [البقرة/ ٦٨] انتهى. وقال الأعلم: وصف أن الموت لا يفوته شيء، فإن لم يفجأ رواحًا فجيء بكورًا، ولابدَّ من المصير إلى الهلاك في أحد الوقتين، ولم يرد الوقتين خاصة، وإنما يريد في ليل أو نهار، وجعل التوديع للرواح اتساعًا، والمعنى: أنت ذو رواح تودع فيه أم ذو بكور؟ وهو [مثل] قوله تعالى: ﴿والنَّهار مبصرًا﴾ [يونس/ ٦٧]، أي: يبصر فيه، وإذا ودّع فيه فهو ذو توديع، فجرى على لفظ الفاعل كذلك. انتهى. وقال ابن خلف: وتحقيقه من جهة النحو: أرواح ذو توديع، فبنى له من المصدر الذي يقع فيه اسم الفاعل، وإن لم يكن جاريًا على الفعل، كما قالوا: رجل رامح وناشب، أي: ذو رمح ونشاب.

стр. 1240

وعظ عدي بن زيد بهذا الشعر النعمان بن المنذر لما حبسه ثم قتله، وقال: إن الموت لابد من نزوله، فاعمل لآخرتك، فإنّك منته إلى وقت تفارق فيه الدنيا، وتحصل على عملك، وكان عديّ نصرانيًا من أهل الحيرة، والبيت مطلع قصيدة، وبعده بأبيات: وابيضاض السَّواد من نذر المو ... ت وهل بعده لحيٍ نذير أيُّها الشَّامت المعيِّر بالدَّهر ... أأنت المبرَّأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الأيَّام بل أنت جاهلٌ مغرور من رأيت المنون عرين أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير أين كسري خير الملوك أنوشر ... وأن أم أين قبله سابور وبنو الأصفار الكرام ملوك الرُّوم لم يبق منهم مذكور وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابور شاده مرمرًا وجلَّله كلًا فللطَّير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فباد الملك عنه فبابه مهجور وتفكَّر ربَّ الخورنق إذ أشرف يومًا وللهدى تفكير سرَّه ملكه وكثرة ما يحويه والبحر معرضًا والسَّدير فارعوى قلبه فقال وما غبطة حيٍ إلى الممات يصير ثمَّ بعد الفلاح والملك والإمَّة وارتهم هناك القبور ثمَّ أضحوا كأنَّهم ورقٌ جفَّ فألوت به الصَّبا والدَّبور وكذلك الأيَّام يغدرن بالنَّا ... س وفيها العوصاء والميسور

стр. 1241

إن يصبني بعض الأذاة فلا وا ... نٍ ضعيفٌ ولا أكبُّ عثور وأنا النَّاصر الحقيقة إن أظلمٌ يومٌ يضيق فيه الصُّدور يوم لا ينفع الرَّواغ ولا ينفع إلاَّ المشيّع النِّحرير قوله: أيها الشامت المعيّر بالدهر، أي: بمصائب الدَّهر، والفصيح: عيرته كذا بلا باء، والمبرأ: السالم من المصيبة، والموفور: الذي لم يؤخذ من ماله شيء. وقوله: من رأيت المنون ... الخ، قال أبو علي في "كتاب الشعر": لا يخلو قوله: رأيت، من أن تعملها أو تلغيها، لأنها قد وقعت بين المبتدأ وخبره، فإن أعملت كان "من" في موضع نصب، والمنون رفع بالابتداء، وعرين في موضع خبر المنون، والجملة في موضع المفعول الثاني لرأيت، وقال: عرّين، فجعل المنون جمعًا، إمَّا لأنه ذهب بها مذهب الجنس، أو لأنه وضع الواحد موضع الجمع، وإن ألغيت كان "من" في موضع رفع بالابتداء، وجملة "المنون عرّين": خبر من، والضمير محذوف، أي: عرّينه، ولا يكون في المنون في إعمال "رأيت" وإلغائها إلاَّ ارفع، لأنّها ليست بمفعولة في اللفظ ولا في المعنى، إنما هي فاعلة في المعنى، ومبتدأة في اللفظ. ومعنى عرّين: اعتزلن. قال ابن الشجري: ويروى "خلدن" أي: تركنه يخالد، والضيم: القهر والخفير بالخاء المعجمة: المانع والحامي، يقال: خفرته، إذا حميته. وقوله: أين كسرى ... الخ، قال ابن الشجري: كان أنور شروان بن [قباذ] بن فيروز ين يزدرجرد بم بهرام جور من أعظم ملوك فارس، أعاد أمور دولتهم إلى أحوالها بعد ضعفها واختلالها، ونفي رؤوس المزادقة، وعمل بسيرة أزدشير بن بابك ابن ساسان، وافتتح أنطاكيَّة، وكان معظم جنود قيصر فيها، وبني بناحية المدائن المدينة التي سماها رومية على صورة أنطاكيَّة، وأنزل السبي الذي [سباه] من أنطاكية فيها، وافتتح مدينة هرقل والاسكندرية، وملَّك آل المنذر على العرب،

стр. 1242

وسار نحو الهياطلة، واستعان عليهم بخاقان، وكان قد صاهره فأوقع بهم، وأنزل جنوده بفرغانة، فلما انصرف من خراسان قدم عليه سيف بن ذي يزن الحميري يسننصر على الحبشة، فبعث معه إسوارًا، من عظماء أساورته في جند من الديلم، فافتتحوا اليمن، ونفوا عنها السودان، فأقاموا هناك إلى أن جاء الله بالإسلام، وكانت مدّة ملكه سبعًا وأربعين سنة وأشهرًا، وسابور بن أردشير بن بابك ابن سامان قبل أنو شروان بدهر طويل، وبعد سابور ابن أردشير بدهر سابور بن هرمز بن نرسي، وكان يلقب ذا الأكتاف، وهو الذي قصده، لأنه غزا العرب في مشاتيها حتى أوغل في بلادها، وغوّر مياهها، وكان يخلع أكتاف من ظفر به. وكسرى لقب لملوك الفرس، وقيصر لقب لملوك الرّوم، وخاقان لملوك الترك، وبغبور لملوك الهند، وتبع لملوك حمير. وروى الكوفيون كسرى، بكسر الكاف، والبصريون بفتحها، إلاَّ أبا عمرو ابن العلاء، وجمعته العرب جمعين على غير القياس، وهما: الأكاسرة والكسور. وقوله: وأخو الحضر إذ بناه .. الخ، الحضر: بفتح الحاء المهملة، وسكون الضّاد المعجمة، قال ابن الشجري: يحتمل أن يكون أخو الحضر معطوفًا على الأسماء المرتفعة بالابتداء، فالتقدير: وأين أخو الحضر، ويحتمل أن يكون مبتدأ، وخبره جملة "شاده" وهو العامل في إذ، ومعنى شاده: رفعه، وقصر مشيد: مرفوع، وقيل: مبني بالشيد، وهو الجصّ، ويقال لكل حجر أملس: مرمر، وأراد: شاده بمرمر، فلما حذف الباء نصبه. وقوله: جلله كاسًا، يقال: جللته الثوب وبالثوب، وطرح الباء أكثر. انتهى. قال العسكري في كتاب "التصحيف" تروية العامة "جلله" بالجيم، وقرأته على ابن دريد: "خلّله" بالخاء المعجمة، أي: جعل الكلس في خلل الحجر،

стр. 1243

وقال: "جلَّله" ليس بشيء انتهى. ثم قال ابن الشجري: والكلي: الصاروج، وهو الجيّار أيضًاـ وذراه: أعاليه، والحضر: مدينة بين دجلة والفرات بحيال تكريت، شاهدت بقاياها ودخلتها، وقيل: إنَّ الذي بناها الضيزن بن معاوية بن العبيد بن الأجراو بن عمرو بن النخع بن سليح بن حلوان بن الحاف بم قضاعة، وكان ملك الجزيرة، ومعه من بني العبيد بن الأجرام قبائل قضاعة ما لا يحصى، ونال ملكه الشام، وأغار على طرف من بلاد العجم على عهد سابور ذي الأكناف، وفتح مدينة من مدنهم، وقتل من الأعاجم اعدادًا، ثمَّ إن سابور جمع لهم، وسار إليهم فأقام على الحضر أربع سنين، وإن النضيرة بنت الضيزن رآها سابور وراته، فعشقها وعشقته، وكانا من أجمل أهل زمنهما، فأرسلت إليه: ما الذي تجعل لي إن دللتك على عورة المدينة؟ فقال: أجعل لك حكمك، وأرفعك على نسائي، وأخصّك بنفسي دونهنَّ، فدلته على قنوات كان يجري الماء فيها من دجلة إلى المدينة. فقطع الماء عنهم، وفتحها عنوة، وقتل الضيزن، وأباد بني العبيد، وأصيبت قبائل من حلوان بن الحاف فانقرضوا. وهدم سابور المدينة، واحتمل النضيرة بنت الضيزن، فأعرس بها في عين التمر، فلم تزل ليلتها تتضور من خشونة فراشها، وهو من حرير محشو بقزّ، فالتمس ما يؤذيها، فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة من عكنها قد أثرت فيها، فقال لها سابور: ويحك! بأي شيء كان يغدوك أبوك؟ قالت: بالزبد والمخ، وشهد الأبكار من النحل، وصفوة الخمر، فقال لها: غذَّاك بهذا ثمَّ لم تصلحي له، فكيف بك أن تصلحي لي وأنا واترك؟ ! وأمر رجلًا فركب فرسًا جموحًا، وعصب غدائرها بذنبه، ثمَّ استركضه فقطعها. وقيل: إنَّ صاحب الحضر هو الساطرون ابن أسطيرون، وكان ملك السريانيّين، وكان من رستاق من رساتيق الموصل يقال له باجرمي، وشاهد هذا القول قول أبي داود الإيادي:

стр. 1244

وأرى الموت قد تولَّى من الحضر على ربِّ أهله السَّاطرون وقيل: إنَّ ملوك الحيرة من ولده. وقوله: لم يهبه ريب المنون، أي: حادث الدهر، وقد روي: "وتذكَّر ربُّ الخورنق" بالرفع، وبالنصب. فمن رفع فتذكر ماض سكنت راؤه للإدغام، ومن نصب أراد: فتذكر أيها المعيّر، وكان القياس: وللهدى تفكّر، لكنه جاء كقوله تعالى: ﴿وتبتَّل إليه تبتيلًا﴾ [المزمل/ ٨]، وربّ الخورنق: النعمان ابن امرئ القيس ابن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة اللخمي، والخورنق والسدير: بناءان، غزا أهل الشام مرارًاـ وأكثر المصائب في أهله، وسبى وغنم، وكان أعطي الملك والكثرة والغلبة مع فتاء السنّ، قال الجاحظ: عاش النعمان بن امرئ القيس ثمانين سنة، وبنى الخورنق في عشرين سنة، وكان لما عزم على بنائه بعث إلى بلاد الروم، فأتى برجل مشهور بعمل المصانع والحصون والقصور للملوك، يقال له: سنمَّار، وكان يبني سنتين ويغيب سنتين، يريد بذلك أن يطمئن البناء، فلما فرغ منه تعجب النعمان من حسنه وإتقان عمله، فقال له سنمار عند ذلك تقربًا إليه بالحذق وحسن المعرفة: والله إني لأعرف فيه موضع حجر أو زال لزال جميع البنيان! فقال له: أو كذلك؟ قال: نعم، قال: لا جرم، والله لأدعنه لا يعلم بمكانه أحد، ثم أمر به فرمي من أعلاه ..... وسنمار: اسم عربي ذكره سيبويه في الأبنية، يقال: رجل سنمار: إذا كان حسن الوجه أبيضه، ويقال للقمر سنمار. وقوله: فارعوى قلبه ... الخ، ارعوى: رجع وكف، والغبطة: السرور وحسن الحال، وذلك أن النعمان بن امرئ القيس ضربت له فازة بأعلى

стр. 1245

الخورنق- والفازة بالفاء والزاء المعجمة، وهي مظلّة بعمودين- في عامٍ بكر وسميّه وتتابع وليَّه، وأخذت الأرض زينتها من اختلاف ألوان نبتها، فهي في أحسن منظر من نور ربيع مونقٍ في صعيد، كأنه قطع الكافور. فلو أن نطفة ألقيت فيه لم تترب، فنظر النعمان فأبعد النظر، فرأى البر والبحر، وصيد الظباء والحمر، وصيد الطير والحيتان، والنجف إذ ذاك بحر تتلاطم أمواجه، وتتواثب حيتانه، وسمع غناء الملاّحين، وتطريب الحادين، ورأى الفرسان تتلاعب بالرّماح في الميادين، ورأى أنواع الزهر من النخيل والشجر في البساتين، وسمع أصوات الطير على اختلافها وائتلافها، فأعجب بذلك إعجابًا شديدًا، وقال لجلسائه: هل رأيتم مثل هذا المنظر والمسمع؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة والمضي على أدب الحق ومنهاجه، فقال له: أيها الملك، قد سألت عن أمرٍ، أفتأذن في الجواب عنه؟ قال: نعم، قال: أرأيت الذي أنت فيه، أشيء لم تزل فيه، أم شيء صار إليك ممن كان قبلك، وهو زائل عنك، وصائر إلي من بعدك؟ فقال: بل هو شيء صار إليَّ ممن كان قبلي، وسيزول عني إلى من يكون بعدي، قال: فأراك إنما أعجبت بشيء تكون فيه قليلًا، وتغيب عنه طويلًا، وتكون بحسابه مرتهنًا؛ فقال: ويحك، فكيف المخلص؟ قال: إمّا أن تقيم في ملكك، وتعمل فيه بطاعة الله على ما ساءك وسرك، وإمَّا أن تضع تاجك، وتخلع لباسك، وتلبس أمساحًا، وتعبد الله في جبل حتى يأتيك أجلك، قال: فإذا كان السحر فاقرع عليَّ الباب، فإني مختار أحد الرايين، فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرًا لا تقصى، وإن اخترت السّياحة في الفاوات والقفار والجبال كنت رفيقًا لا تخالف. فقرع عليه بابه عند السحر، فإذا هو قد وضع تاجه ولباسه وتهيأ للسياحة، فلزما جبلًا يعبدان الله فيه حتى أتتهما آجالهما. وقوله: ثم بعد الفلاح والملك ... الخ، الفلاح: هو البقاء، والإمّة بالكسر: النعمة، واستشهد به صاحب "الكشاف" وغيره عند قراءة الأشهب العقيلي: (وادَّكر بعد إمَّةٍ) [يوسف/ ٤٥] بالكسر. وقوله: ثمَّ أضحوا كأنهم ... الخ،

стр. 1246

قال الزمخشري في "المفصّل" عند فصل أصبح وأمسى وأضحى: والثاني أن تفيد معنى الدخول في هذه الأوقات كأظهر وأعتم، وهي في هذا الوجه تامَّة يسكت على مرفوعها، وأنشد هذا البيت. وقال ابن الشجري: روى بعض الرواة "جفُّ" برفع الفاء، أ]: يابس. فألوت به، أي: ذهبت به. وقوله: فلا وانٍ ضعيف ... الخ، الواني: الفاتر/ ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تنيا في ذكري﴾ [طه/ ٤٢]. والأكب: من الانكباب، والعثور هنا: المخطئ في رأيه، والعوصاء: العسر، والميسور: اليسر، والحقيقة: ما يحق على الرجل أن يحميه، وقيل: الحقيقة: الراية. وقوله: إن أظلم يوم، أي: ستر الغبار عين الشمس، فأظلم النهار، ويجوز أن يريد أنّ الشدة تغطي على القلوب فلا يهتدي للرأي فيه، والرواغ: الفرار، والمشيع: الشجاع، كأنه الذي يشيعه قلبه، والنحرير: الحاذق بالشيء العالم به، وهذا ما لخصته من "أمالي ابن الشجري" في المجلس الرابع عشر، والمجلس الخامس عشر. قال ابن قتيبه في "كتاب الشعراء" عديّ بن زيد العبادي: هو عدي بن زيد ابن حمار بن أيوب، من زيد مناة بن تميم، وكان يسكن بالحيرة، ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شيء كثير، وعلماؤنا لا يرون شعره حجّة، وله أربع قصائد غرر، إحداهن: أرواحٌ مودِّعٌ أم بكور ... البيت وقال صاحب "الأغاني": كان عدي شاعرًا فصيحًا من شعراء الجاهلية، وكان نصرانيًا، وكذلك أبوه وأهله، وليس ممن يعدّ في الفحول، هو قرويٌّ قد أخذوا عليه أشياء عيب بها، وكان الأصمعي وأبو عبيدة يقولان: عدي بن زيد في الشعراء

стр. 1247

بمنزلة سهيل في النجوم، يعرضها ولا يجري معها مجراها، وكذلك أمية بن أبي الصلت، ومثلهما من الإسلاميين الكميت والطرماح، وكان سبب نزول آل عدي الحيرة أن جدّة أيوب، وهو من بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم، وهو أوَّل من سمي من العرب أيوب، كان منزله اليمامة، فأصاب دمًا في قومه، فهرب إلى أوس بن قلاَّم، أحد بني الحارث بن كعب بالحيرة، وكان بينها نسب من قبل النساء، فأكرمه وابتاع له موضع دار بثلاثمائة أوقية من ذهب، وأعطاه مائتين من الإبل برعاتها، وفرسًا وقينة، واتصل بملوك الحيرة، فعرفوا حقه وحق ابنه زيد، فلم يكن منهم ملك يملَّك إلاَّ ولولد أيوب منه جوائز، ثمَّ إنَّ زيدًا نكح امرأة من آل قلاّم، فولد له حمار، فخرج زيد بن أيوب يومًا للصيد، فلقيه رجل من بني امرئ القيس الذين كان لهم الثأر، فاغتال زيدًا وهرب، ومكث حمار في أخواله حتى أيفع، وعلمته أمه الكتابة، فكان أول من كتب من بني أيوب، فخرج من أكتب الناس، حتى صار كاتب النعمان الأكبر، فلبث كاتبًا له حتى ولد له ولد سمَّاه زيدًا باسم أبيه، وكان لحمار صديق من دهاقين الفرس اسمه فرخ ماهان، فلما حضرت الوفاة حمارًا أوصى بابنه زيد إلى الدهقان وكان من المرازبة، فأخذه إليه، وكان زيد قد حذق الكتابة، وعلمه الدهقان الفارسية، وكان ليبيًا، فأشار الدهقان إلى كسرى أن يجعله على البريد، فولاه فبقى زمانًا، ثمَّ إن النعمان هلك، فاختلف أهل الحيرة فيمن يملكون إلى أن يعقد كسرى الأمر لرجل منهم، فأشار المرزبان عليهم بزيد ابن حمار، فكان على الحيرة إلى أن ملَّك كسرة المنذر بن ماء السَّماء، ونكح زيد نعمة بنت ثعبلة العدوية، فولدت له عديًا، وولد للمرزبان ابن سماه شاهان مرد، فلما أيفع عديّ أرسله المرزبان مع ابنه إلى كتَّاب الفارسية، وتعلم الكتابة والكلام بالفارسية، حتى خرج من أفهم الناس [بها] وأفصحهم بالعربية، وقال الشعر، وتعلَّم الرمي بالنشاب، وتعلم لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها. ثم إنَّ المرزبان لما اجتمع بكسرى قال له: إنَّ عندي غلامًا من العرب هو أفصح الناس، وأكتبهم بالعربية والفارسية، والملك محتاج إلى مثله، فأحضر المرزبان عديّ بن زيد، وكان جميل الوجه فائق الحسن، وكانت الفرس تتبرك بالجميل الوجه، فرغب فيه،

стр. 1248

فكان عدي أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى، فرغب أهل الحيرة إلى عدي ورهبوه، فلم يزل بالمدائن في ديوان كسرى معظمًا، وأبوه زيد كان حيًا إلاَّ أن هيبته قد خملت بذكر ابنه عدي، ثمَّ لما هلك المنذر، اجتهد عدي عند كسرى حتى ملّك النعمان بن المنذر الحيرة، فاغتاظ منه النعمان، وأرسل إلى عدي بأنه مشتاق إليه يستزيره، فلما أتى إليه حبسه، وبقى في الحبس إلى أن جاءه رسول كسرى ليخرجه، خاف النعمان من خلاصه، فغمه حتى مات، وندم النعمان على قتله، وعرف أنه غلب على رأيه، ثم إنه خرج يومًا إلى الصيد، فلقي ابنًا لعدي يقال له زيد، فلما رآه عرف شبهه، فقال له: من أنت؟ قال: واعتذر إليه من أمر أبيه، ثمَّ كتب إلى كسرى يربّيه ويشفع له مكان أبيه، فلولاَّه كسرى، وكان يلي المكاتبة عنه إلى ملوك العرب، وفي خواص أمور الملك، وكان لملوك العجم صفة النساء مكتوبة عندهم، وكانوا يبعثون في تلك الأرضين تلك الصفة، فإذا وجدت حملت إلى الملك، غير أنهم لم يكونوا يطلبونها في أرض العرب، فلمَّا كتب كسرى في طلب تلك الصفة، قال له زيد بن عدي: أنا عارف بآل المنذر، وعند عبدك النعمان بين بناته وأخواته وبنات عنه أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة، فابعثني مع ثقة من رجالك يفهم العربية حتى أبلغ ما تحبه، فبعث معه رجلًا فطنًا، وخرج به زيد، فجعل يكرم الرّجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة، فلما دخل على النعمان قال له: إن كسرى قد احتاج إلى نساء لنفسه ولولده، وأراد كرامتك بصهره، فبعث إليك، فقال النعمان لزيد: أما في مها السواد وعين فارس، ما يبلغ به كسرى حاجته؟ ! فقال الرسول لزيد بالفارسية: ما آلمها؟ فقال له بالفارسية: كاوان، أي: البقر، فأمسك الرسول، وقال للنعمان: إنما أراد الملك أن يكرمك، ولو علم أن هذا يشق عليك لم يكتب به إليك، فأنزلهما عنده يومين، ثمَّ كتب إلى كسرى: إنَّ الذي طلب الملك ليس عندي، وقال لزيد: اعذرني عنده، فلما رجعا إلى كسرى قال زيد للرسول: اصدق الملك ليس عنده، فلما رجعا إلى كسرى قال زيد للرسول: اصدق الملك عمّا سمعت، فإني سأحدثه بمثل حديثك ولا أخالفك

стр. 1249

فيه، فلما دخلا كسرى قال زيد: هذا كتابه، فقرأه عليه، فقال له كسرى: وأين الذي كنت خبرتني به؟ ! قال: قد كنت خبرتك ببخلهم بنسائهم على غيرهم، وإنَّ ذلك من شقائهم، واختيارهم الجوع والعري على الشبع والريَّاش، وإيثارهم السموم على طيب أرضك هذه، حتى إنهم ليسمونها السِّجن، فأسال هذا الرسول الذي كان معي عما قال، فإني أكرم الملك عن مشافهته بما قال! قال للرسول: وما قال النعمان؟ فقال له الرسول: إنه قال: أما كان في بقر سواد فارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا؟ فعرف الغضب في وجهه، وسكت كسرى أشهرًا، وسمع النعمان غضبه، ثم كتب إليه كسرى أن أقبل فإنَّ لي حاجة بك، فخافه النعمان، فحمل سلاحه وما قدر عليه، ولجأ إلى قبائل العرب، فلم يجره أحد، وقالوا: لا طاقة لنا بكسرى، حتى نزل بذي قار في بني شيبان سرًّا، فلقي هانئ بن قبيصة فأجاره، وقال له: لزمني ذمامك، وإني مانعك مما أمنع نفسي وأهلي، وإن ذلك مهلكي ومهلكك، وعندي رأي، لست أشير به لأدفعك عما تريده من مجاورتي، لكنه الصواب، فقال: هاته، فقال: إنّ كل أمرٍ يجمل بالرجل أن يكون عليه، إلا أن يكون بعد الملك سوقة، والموت نازل بكل أحد، ولأن تموت كريمًا خير من أن تتجرع الذل، وتبقى سوقة بعد الملك، امض إلى صاحبك واحمل إليه هدايا ومالًا، وألق نفسك بين يديه، فإما أن يصفح عنك فعدت ملكًا عزيزًا، وإما أنّ أصابك فالموت خير من أن تتلعب بك صعاليك العرب، ويتخطفك ذئابها! قال: فكيف بحرمي وأهلي؟ قال: هنَّ في ذمتي لا يخلص إليهنَّ حتى يخلص إلى بناتي، فقال: هذا وأبيك الرأي! ثمَّ اختار خيلًا وحللًا من عصب اليمن، وجواهر وطرفًا كانت عنده، ووجه بها إلى كسرى، وكتب يعتذر إليه، ويعلمه أنه صائر إليه، فقبلها كسرى، وأمره بالقدوم، فعاد إليه الرسول، وأخبره بذلك وأنه لم ير له عند كسرى سوءًا. فمضى إليه، حتى إذا وصل إلى ساباط لقيه زيد بن عدي، فقال له أنج نعيم إن استطعت النجاء، فقال له النعمان: أفعلتها يا زيد؟ ! أما والله لئن عشت لأقتلنك قتلة لم يقتلها عربي قط، فقال له زيد: قد والله أخيَّت لك

стр. 1250

آخيَّه، لا يقطعها المهر الأرن. فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه فقيّده وسجنه، فلم يزل في السجن حتى هلك. وقيل: ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته حتى مات، وذلك قبل الإسلام بمدة، وغضبت له العرب، فكان سبب قتله وقعة ذي قار. إلى هنا كلام "الأغاني" باختصار. والمهر الأرن: النشيط، بفتح الهمزة وكسر الراء المهملة بعدها نون، وصف من أرن، من باب فرح: إذا نشط، والوصف أرن كما تقدم، وأرون كصبور. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والسبعون بعد المائتين: (٢٧٢) وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي وصدره: لا تجزعي إن منفسًا أهلكته على أن الفاء زائدة ولم يعيّنها، قال أبو علي في "المسائل القصرية": الفاء الأولى زائدة، والثانية فاء الجزاء، ثم قال: اجعل الزائدة، أيتهما شئت. وعين البيضاوي في "تفسيره" الفاء الأولى فإنه أورد البيت نظيرًا لقوله تعالى: ﴿فبذلك فليفرحوا﴾ [يونس/ ٥٨] فقال: الفاء في بذلك زائدة، مثلها الفاء الداخلة على عند في البيت، وتقديم "عند" للتخفيف كتقديم "ذلك"، وسيبويه لا يثبت زيادة الفاء، وحكم بزيادتها هنا للضرورة، ومن تبعه وجّه زيادة ما أوهم الزيادة، فوجهها "اللباب" بأنها إنما كررت لبعد العهد بالفاء الأولى، كما كرر القائل إنَّ في قوله:

стр. 1251

لقد علم الحيُّ اليمانون أننَّي ... إذا قلت أمَّا بعد أني خطيبها أعيد "أني" لبعد العهد بأنني. وقوله: إن منفسًا، كذا رواه سيبويه بنصب منفس على أنه منصوب بفعل مضمر تقديره: إن أهلكت منفسًا، فأهلكته المذكور مفسّر للمحذوف، وهذه الجملة من باب الاشتغال لا تدخل في الجملة التفسيرية التي لا يحل لها من الإعراب، قال أو علي في "البغداديات": الفعل المحذوف والفعل المذكور في قوله: "لا تجزعي إن منفسًا أهلكته" مجزومان في التقدير، وإن انجزام الثاني ليس على البدلية، إذ لم يثبت حذف المبدل منه، بل على تكرير "إن" أي: إن أهلكت منفسًا إن أهلكته، وساغ إضمار "إن" وإن لم يجز إضمار لام الأمر إلاَّ ضرورة، لاتساعهم فيها بدليل إيلائهم إياها الاسم، ولأن تقدمها مقوّ للدلالة عليها. انتهى. ورواه الكوفيون "إن منفس" بالرفع، وأضمروا فعلًا رافعًا له، أي: إن هلك منفسٌ، أو أهلك. وقوله: وإذا هلكت، الواو عطفت هذه الجملة الشرطية على الشرطية التي قبلها، ولم أر من روى بالفاء بدل الواو إلاَّ العيني، وقال: الفاء عاطفة، ولا يخفي أن المعنى لا يقتضي الفاء، والجزع، قيل: الحزن، وقيل: الفزع، والفزع أخص من الخوف، وهو انقباض يعتري الإنسان، ونفار من كل شيء مخيف، وهو من جنس الجزع. والمنفس: اسم فاعل، قال في "القاموس": وشيء نفيس ومنفوس ومنفس بالضم: يتنافس فيه ويرغب، يقول: لا تجزعي من إنفاقي النفائس ما دمت حيًّا، فإني أحصّل أمثالها وأخلفها عليك، ولكن اجزعي إن مت، فإنك لا تجدين خلفًا مني. والبيت من قصيدة النمر بن تولب الصحابي، وقد أوردناها وشرحناها في الشاهد السادس والأربعين من شواهد الرضي، وتقدمت ترجمة النمر بن تولب في الإنشاد الواحد والثمانين.

стр. 1252

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والسبعون بعد المائتين: (٢٧٣) لمَّا اتَّقى بيدٍ عظيمٍ جرمها ... فتركت ضاحي جلدها يتذبذب على أنَّ الفاء زائدة، لأنَّ جواب لما لا يقارنها الفاء. كذا أنشده أبو حيان في "شرح التسهيل" ويمكن تقدير الجواب قياسًا على الآية بعده، أي: ضربتها فتركت، فتكون الفاء عاطفة لجملة "تركت" على جملة الجواب المحذوف، قال الدماميني، والضاحي: البارز الظاهر، وضمير المؤنث في الموضعين لليد، لأنها من المؤنث السماعي. ورواه ابن جني: "ضاحي كفّه" والضمير المذكور يرجع لما يرجع إليه ضمير اتقى. قال ابن جني في "سر الصناعة": ومن زيادة الفاء أيضًا قوله جل اسمه: ﴿لا تحسبنَّ الَّذين يفرحون بما أتوا ويحبُّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنَّهم بمفازةٍ من العذاب﴾ [آل عمران/ ١٨٨]: الفاء زائدة، وتحسب الثانية بدل من تحسب الأولى، إلى هذا ذهب أبو الحسن، وهو قياس مذهبه في كثرة زيادة الفاء، وقال أبو حاتم: أخبرنا به علي بن محمّد يرفعه بإسناده إلى قطرب: وحتى تركت العائدات يعدنه ... يقلن فلا تبعد وقلت له ابعد وبهذا الإسناد أيضًا: لمَّا اتَّقى بيدٍ عظيمٍ جرمها ... فتركت ضاحي كفَّه يتذبذب فالفاء في هذين البيتين زائدة. انتهى. والجرم بضم الجيم: الذنب، كذا رأيته مضبوطًا في "سرّ الصناعة" في نسخة صحيحة الضبط، وضبطه ابن وحيي تبعًا لابن الملا بكسر الجيم، وقالا: هو الجسد، ويتذبذب بذالين معجمتين وموحدتين، أي: يتحرك يذهب ويجيءن ولا يثبت في موضع واحد.

стр. 1253

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد المائتين: (٢٧٤) ألم تسأل الرَّبع القواء فينطق وتمامه: وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق على أنَّ الفاء للاستئناف، أي: فهو ينطق، وقول المصنف: ولو كانت للسببية لنصب، غير جيد، فإنَّ السببيَّة مجوزة للنصب لا موجبة، كما حققه الرضيّ وغيره، فإن قلت: ما وجه تقدير المبتدأ عند وقوع الجملة المضارعية مستأنفة؟ قلت: قال الدماميني في "شرح التسهيل": النحويون يقدرون في الاستئناف مبتدأ، وذلك إمّا لقصد إيضاح الاستئناف، وإمّا لأنَّه لا يستأنف إلاَّ على هذا التقدير، وإلاَّ لزم العطف الذي هو مقتضى الظَّاهر. انتهى. ومنهم صاحب "الكشاف" قال عند قوله تعالى: ﴿وهو الله في السَّموات والأرض يعلم سرَّكم وجهركم﴾ [الأنعام/ ٣] يعلم: جملة مستأنفة، أي: هو يعلم سرّكم، وقال عند قوله تعالى: ﴿والرَّاسخون في العلم يقولون آمنَّا به﴾ [آل عمران/ ٧] أي: يقولون. واعترض عليه في الأول السعد، قال: جرت عادته في مثل هذا بتقدير المبتدأ، ولا يظهر له وجه يعتد به، وعلى الثاني صاحب "التلويح" قال: هكذا قدره في "الكشاف" و"المفصل" وفي جميع ما هو من هذا القبيل، وفيه نظر، لأنَّ الجملة الفعلية صالحة للابتداء من غير احتياج إلى تقدير مبتدأ. انتهى. قال شيخنا الخفاجي: وما قاله النحاة المفسرون حتى حقيق بالقبول، لأنه لو لم يقدر "هو" قبل "يعلم" وابتدئ به؛ لم يقع موقعه، إذ لم يفد فائدة يحسن السكوت

стр. 1254

عليها، إذ لم يذكر العالم والمعلوم، وهو عائد على الله قبله، ونظيره النعت المقطوع إذا رفع، فإنه لابدَّ من التقدير قبله، لأنه لو لم يقدر كان مفردًا غير مفيد. وبهذا علم أنَّ الاعتراض غير وارد، بل هو من الغفول عما قصده هؤلاء الفحول، الاستئناف، وكان خبرًا ثانيًا، وكيف يتردد فيه بعد اتفاق النحاة عليه. إلاَّ أنهم لم يبيِّنوا أن هذا الحذف واجب أم لا، وهذا من فرائد الفوائد التي تعلق في لبات الأماجد. انتهى. أقول: حذفه من قبيل الواجب قطعًا. والبيت مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري، والربع: الدار حيثما كانت، والقواء بالفتح والمد: الخالية من الأنيس الفقر، ومعنى نطق الربع: ما يتبين من آثاره، والعرب تسمي كل دليل نطقًا وقولًا وكلامًا، قال الله تعالى: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحقِّ﴾ [الجاثية/ ٢٩] ومنه قول زهير: أمين أمِّ أوفى دمنةٌ لم تكلمَّ أي: لم يكن بها أثر يستبان لقدم عهدها بالنزول فيها، ونحو قال الرّضي. قال سيبويه: المعنى فهو مما ينطق على كل حال، وذلك بناء على توهمات الشعراء وتخيلاتهم، ثم رجع وقال: وهل تخبرنك اليوم ... الخ، ومثله ما أنشده الأصبهاني في "الأغاني" لمحمّد بن عبد الله مسلم من مخضرمي الدولتين يمدح المهدي: سلاد دار ليلى هل تبين فتنطق ... وأنَّى تردُّ القول بيداء سملق وأنَّ تردُّ القول دارٌ كأنَّها ... لطول بلاها والتَّقادم مهرق والبيداء: القفر الذي يبيد من سلكه، أي: يهلكه، والسَّملق: الأرض

стр. 1255

التي لا تنبت شيئًا، وقيل: السهلة المستوية، والسؤال عنها هنا سؤال استفهام، أي: ألم تسأل الربع عن أهله. وقد أوردنا أكثر من هذا في الشاهد الثالث والستين بعد الستمائة من "شواهد الرضي" وتقدمت ترجمة جميل في الإنشاد الثالث والثلاثين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والسبعون بعد المائتين: الشِّعر صعبٌ وطويلٌ سلَّمه ... إذا ارتقى فيه الَّذي لا يعلمه زلَّت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه على أنَّ الفاء للاستئناف. قال سيبويه: أي: فإذا هو يعجمه. وقال الأعلم: الشاهد فيه رفع "فيعجمه" لأنَّ المعنى: فإذا هو يعجمه، ولا يجوز نصبه [على أن] لفساد المعنى، لأنه لا يريد إعجامه. ومذهب الفراء في هذه المسألة مثل مذهب البصريين، قال في تفسير سورة إبراهيم [الآية/ ٤] قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلاَّ بلسان قومه ليبيِّن لهم﴾ يقول: ليفهمهم وتلزمهم الحجة، ثمَّ قال: ﴿فيضلُّ الله من يشاء﴾ فرفع، لأنَّ النيَّة فيه الاستئناف لا العطف على ما قبله. ومثله: ﴿لنبيِّن لكم ونقرُّ في الأرحام ما نشاء﴾ [الحج/ ٥] ومثله في براءة: [الآية/ ١٤] ﴿قاتلوهم يعذِّبهم الله بأيديكم﴾ ثمَّ قال بعد: ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ فإذا رأيت الفعل منصوبًا، وبعده فعل قد نسِّق عليه بواو أو "فاء" أو "ثم" أو "أو"، فإن كان يشاكل معنى الفعل الذي قبله نستقه عليه، وإن رأيته غير مشاكل معناه استأنفته فرفعته، فمن المنقطع ما أخبرتك به، ومثله قوله تعالى: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الَّذين يتَّبعون

стр. 1256

الشَّهوات﴾ [النساء/ ٢٧] رفعت (ويريد) لأنها لا تشاكل (أن يتوب عليكم) ألا ترى أنَّ ضمّك إياهما لا يجوز، فاستأنفت، ، أو رددته على قوله ﴿والله يريد﴾ ومثله قوله: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلاَّ أن يتمَّ نوره﴾ [التوبة/ ٣٢] فيأبى في موضع رفع لا يجوز إلاَّ ذلك، ومثله قول الحطيئة: والشِّعر لا يسطيعه من يظلمه ... يريد أن يعربه فيعجمه وكذلك تقول، آتيك إن تأتني وأكرمك، فترد "أكرمك" على الفعل الأول، لأنه مشاكل له، وتقول: آتيك أن تأتيني وتحسن إليَّ، فتجعل "فتحسن" مردودة على ما شاكلها، ويقاس على هذا. انتهى كلامه. ونقل الجوهري عنه خلاف هذا، فإنه قال: وأعجمت الكتاب: خلاف قولك: أعربته، قال رؤبة: والشِّعر لا يسطيعه من يظلمه ... يريد أن يعربه فيعجمه أي: يأتي به أعجميًا، يعني يلحن فيه. قال القراء: رفعه على المخالفة، لأنه يريد أن يعربه ولا يريد أن يعجمه. وقال الأخفش: لوقوعه موقع المرفوع، لأنه أراد أن يقول: يريد أن يعربه فيقع موقع الإعجام، قلمَّا وضع قوله: "فيعجمه" موضع قوله: "فيقع" رفعه. انتهى. ولعله نقله من غير "تفسيره" كذا نسبه سيبويه إلى رؤبة، وأقرّ به ابن بري في "أماليه" على "الصحاح" قال: والرجز الذي أنشده لرؤبة قبله: الشِّعر صعبٌ وطويلٌ سلَّمه ... إذا ارتقى فيه الَّذي لا يعلمه زلَّت به إلى الحضيض قدمه انتهى. وقال الأزهري في "التهذيب" قال الليث: الحضيض: قرار الأرض

стр. 1257

عند سفح الجبل، أبو عبيد عن الأصمعي: الحضيض: القرار من الأرض بعد منقطع الجبل، وأنشد بعضهم: الشِّعر صعبٌ وطويلٌ سلَّمه ... إذا ارتقى فيه الَّذي لا يعلم زلَّت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه والشِّعر لا يسطيعه من يظلمه انتهى. وقد رجعت إلى ديوان رؤبة فلم أجد شيئًا ممَّا مرّ في أرجوزته التي أوَّلها: قلت لزيرٍ لم تصله مريمه وهي طويلة جدًا، وإنما هو للحطيئة، قال جامع "ديوانه" أبو سعيد السكري من رواية محمد بن حبيب: قل للحطيئة حين حضرته الوفاة: أوص، فقال: أبلغوا أهل الشماخ أنه أشعر العرب، قيل: اتق الله، فإنَّ هذا الأمر لا يرد عليك فأوص! قال: المال للذكور من ولدي دون الإناث، قيل: اتق الله أوص، فقال: قد كنت أحيانًا شديد المعتمد ... قد كنت أحيانًا على الخصم الألد قد وردت نفسي وما كانت ترد قالوا: لتِّق الله وأوص، قال: أوصيكم بالشِّعر الشِّعر صعبٌ وطويلٌ سلَّمه ... إذا ارتقى فيه الَّذي لا يعلم زلَّت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه والشِّعر لا يسطيعه من يظلمه ... ولم يزل من حيث يأتي يحرمه من يسم الأعداء يبق مسيمه وقال: لا تراهن على الصعبة، ولا تنشد القريض، وقيل له: أوص للمساكين،

стр. 1258

فقال: قد أوصيت لهم بالمسألة، قالوا: أعتق غلامك يسارًا، قال: هو عبد ما بقي من عبس على الأرض رجل. انتهى. وقد أورد صاحب "الأغاني" قصة هذه الوصية بأبسط ممّا مرَّ، نقلناها في الشاهد التاسع والأربعين بعد المائة. قال الدماميني: معناه أنَّ من لا يعرف أساليب الكلام، ولا يستطيع توفية كلّ مقام حقّه من العبارة، إذا تعاطى الشعر يريد أن يأتي به عربيًا فصيحًا، فيزل بسبب جهله بمقتضيات الأحوال فيعجمه، أي: ياتي به عجميًا لا رونق له ولا فصاحة. انتهى. وقوله: والشعر لا يسطيعه من يظلمه، يقول: من ليس من رجال الشعر، إذا تعاطى نظمه ظلمه، ولم يستطع أن يأتي به كما ينبغي. والحطيئة: اسم جرول بن أوس بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة ابن عبس، وكنيته: أبو مليكة. واختلف في تلقيبه بالحطيئة- بضم الحاء المهملة وفتح الطّاء وسكون المثناة التحتية بعدها همزة- فقيل: لقِّب بذلك لقصره وقربه من الأرض، قال الجوهري: والحطيئة: الرجل القصير، وقال الثعلب: وسمي الحطيئة لدمامنه، وقيل: لأنه ضرط بين قوم، فقيل له: ما هذا؟ فقال: حطأة. يقال: حطأ: إذا ضرطّ، وقيل: لأنه كان محطوء الرجل، والرِّجل المحطوءة: التي لا أخمص لها. وهو أحد فحول الشعراء، متصرف في فنون الشعر من المديح والهجاء والفخر والنسيب، وكان سفيهًا شريرًا ينتسب إلى القبائل، وكان إذا غضب على قبيلته انتمى إلى أخرى. قال ابن الكلبي: كان الحطيئة مغموز النسب، وكان من أولاد الزنا الذين شرفوا، قال: وكان أوس بن مالك العبسي تزوج بنت رياح بن عوف الشيبانية، وكانت لها أمة يقال لها الضرّاء، فأعلقها أوس، وكانت لبنت رياح أخ يقال له الأفقم، فلما ولدت الضرّاء جاءت به شبيهًا بالأفقم، فقالت مولاتها: من أين لك هذا الصبي؟ قالت: من أخيك، وهابت أن تقول: من زوجك. ثم مات الأفقم وترة ابنين من حرَّة، وتزوج الضرّاء رجل من عبس، فولدت له ابنين، فكان أخوي الحطيئة من

стр. 1259

أمّه، وأعتقت بنت رياح الحطيئة وربَّته، فكان كأنه أحدهم، ثم اعترفت أمّه بأنه من أوس. وترك الأفقم نخيلًا باليمامة فأتى الحطيئة أخويه من أوس، فقال لهم: أفردوا [إليَّ] من مالكم قطعة، فقالا: لا، ولكن أقم معنا [فنحن] نواسيك، فهجاهما وسأل أمّه من أبوه، فخلَّطت عليه، فغضب عليها، وهجاها ولحق بإخواته من بني الأفقم، ونزل عليهم في القريَّة ومدحهم، وسألهم عن ميراثه من الأفقم، فأعطوه نخيلات فلم تقنعه، فسألهم ميراثه كاملًا، فلم يعطوه شيئًا، فغضب عليهم وهجاهم، ثمَّ عاد إلى بني عبس وانتسب إلى أوس بن مالك. وقال ابن قتيبه: وكان الحطيئة راوية زهير، وكان جاهليًا إسلاميًا، ولا أراه أسلم إلاَّ بعد وفاة رسول الله ﷺ ، لأني لم أجد له ذكرًا فيمن وفد عليه من وفود العرب، غير أني وجدته في خلافة أبي بكر يقول: أطعنا رسول الله إذ كان حاضرًا ... فيالهفي ما بال دين أبي بكر أيورثها بكرًا إذا مات بعده ... فتلك وبيت الله قاصمة الظَّهر وقال ابن حجر في "الإصابة": كان أسلم في عهد النبيّ ﷺ ، ثمَّ ارتدَّ ثمَّ أسر وعاد إلى الإسلام. وروى الأصمعي عن عمه قال: كان الحطيئة جشعًا سؤولًا ملحفًا دنيء النّفس، كثير الشر بخيلًا، قبيح المنظر، رث الهيئة، مغموز النسب، فاسد الدّين. وقال أبو عبيدة: النمس الحطيئة ذات يوم إنسانًا يهجوه فلم يجده، وضاق ذلك عليه، فجعل يقول: أبت شفتاي اليوم إلاَّ تكلُّما ... بسوءٍ فما أدري لمن أنا قائله وجعل يهدر هذا البيت في أشداقه، ولا يرى إنسانًا، إذ طلع في حوض، فرأى وجهه فقال: أرى لي وجهًا شوَّه الله وجهه ... فقبَّح من وجهٍ وقبِّح حامله قال ابن حجر: وعاش الحطيئة إلى زمن معاوية.

стр. 1260

" في " أنشد فيه، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد المائتين: (٢٧٦) هم صلبوا العبدي في رأس نخلة تمامه: فلا عطست شيبان إلاَّ بأجدعا على أنَّ "في" هنا بمعنى "على". قال أبو حيان في "شرح التسهيل": هذا مذهب الكوفيين، وتبعهم القتبي، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ولأصلِّبنَّكم في جذوع النَّخل﴾ [طه/ ٧١] وبقول امرأة من العرب: هم صلبوا العبديَّ .. البيت، وبقول عنترة: بطلٌ كأنَّ ثيابه في سرحةٍ ... البيت زوما حكى يونس عن العرب من أنها تقول: نزلت في أبيك، يريدون: على أبيك. وقال القتبي: تقول: لا يدخل الخاتم في إصبعي أي: على إصبعي. قال بعض أصحابنا: ولو كانت "في" بمعنى "على" لجاز أن تقول: في زيد دينٌ: أي: عليه دين، فأمّا الآية والأبيات، فإنَّ جذع النخلة بمنزلة المكان والمحل للمصلوب، لاستقراره عليه وتمكنه في ذلك، وكذا السرحة كالمحل لثيابه لاستقرارها فيها، فصلح لذلك دخولها عليه، كما تدخل على الأمكنة. وأما ما حكاه يونس فعلى حذف مضاف، والتقدير: نزلت في كنف أبيك، ففي للوعاء، ولم تخرج عن بابها، وأمّا: أدخلت الخاتم في إصبعي، فقال بعض شيوخنا: إذا دخل على الإصبع، فهو فيه بلا شك. انتهى. وأقول: قد تبع الكوفيين جماعة من البصريين منهم المبرد، قال في "الكامل": وحروف الخفض تبدل بعضها من بعض إذا وقع الحرفان في معنىً في بعض المواضع، قال تعالى: ﴿ولأصلِّبنَّكم في جذوع النَّخل﴾ [طه/ ٧١] أي: على، ولكن الجذوع إذا أحاطت دخلت "في" لأنها للوعاء،

стр. 1261

يقال: فلان في النخل، أي: قد أحاط به، قال الشاعر: وهم صلبوا العبديَّ في جزع نخلةٍ ... البيت وقال تعالى: ﴿أم لهم سلَّمٌ يستمعون فيه﴾ [الطور/ ٣٨]، أي: عليه، وقال تعالى: ﴿له معقبِّاتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد/ ١١]، أي: بأمر الله، وقال العامري: إذا رضيت عليَّ بنو قشيرٍ يعني عنيّ، وهذا كثير جدًا. انتهى. وممَّن تبعهم من البغداديين ابن الشجري قال في "أماليه" ومنها يستمد المصنف: "فصل في دخول حوف الخفض بعضها مكان بعض" فمن ذلك دخول "في" مكان "على" في قوله تعالى: ﴿ولأصِّبنَّكم﴾ الآية، وقال سويد ابن أبي كاهل: هم صلبوا العبديَّ ... البيت. دعا على شيبان، ومعنى بأجدع، أي: بأنف مقطوع، ثمَّ أورد جملة من حروف الجرّ ناب بعضها عن بعض، واستدلَّ لها بآيات وأبيات. وأراد أبو حيَّان بالقتبي ابن قتيبة، وقوله ذلك في "أدب الكاتب"، ولم يعرف شارحه ابن السيد قائل البيت، قال: هذا البيت لا أعلم قائله، والأجدع: المقطوع الأنف، والتقدير: فلا عطست شيبان إلاَّ بأنف أجدع، دعا عليهم بجدع الأنوف لصلبهم العبدي. انتهى. وقال شارحه الجواليقي: العبدي منسوب إلى عبد القيس، وروي هذا البيت عن ابن دريد: ونحن صلبنا الرَّأس في جذع نخلة

стр. 1262

قال: وهو لامرأة من العرب دعت عليهم بجدع الأنوف. أقول: وكذا نسبه ابن جني في "الخصائص" إلى امرأة من العرب، وأنشده في باب "استعمال الحروف بعضها مكان بعض" سلك طريقة ثالثة غير طريق البصريين والكوفيين وهي التضمين، قال: إذا كان الفعل بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدى بحرف، والآخر بآخر، فإنَّ العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذانًا بأنَّ هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، ثمَّ أوَّل جميع ما وقع النيابة من حروف الخفض بالتضمين. وأورد البيت صاحب "الصحاح" في مادة (عبد) وقال: العبدي منسوب إلى عبد القيس، وهي قبيلة، وقال ابن بري في "أماليه" عليه: هذا البيت لسويد بن أبي كاهل، وكذا نسبه إليه في شرح "أدب الكاتب" أيضًا، وكذا نسبه إلى محمّد بن المبارك بن محمّد بن ميمون في كتاب "منتهى الطلب من أشعار العرب" في ضمن قصيدة أوَّلها: تمنيَّت ليلى أن تريغ بك النَّوى ... وتمنع ليلى منك عذبًا ممنَّعا ألا إنَّ ليلى لا يرام حديثها ... كبيض الأنوق لا ترى فيه مطمعا وتريغه: من أراغه، أي: طلبه، بالغين بالمعجمة، وبيض: واحدها بيضة، والأنوق: بفتح الألف وضم النون: الرخمة، وفي مثل: "أعزُّ من بيض الأنوق" لأنها تحجزه فلا يكاد يظفر به، لأنَّ أوكارها في رؤوس الجبال وفي المواضع الصعبة البعيدة، والأنوق واحد وجمع، وقال معاوية لرجل أراده على حاجة لا يسأل مثلها، وهو يفتل له في الذروة والغارب، أي: يخدعه بكلام لين: أنا أجل من الحرش، يريد الخديعة، ثمَّ سأله أخرى أصعب منها، فأنشأ يقول: طلب الأبلق العقوق فلمَّا ... لم ينله أراد بيض الانوق

стр. 1263

قال أبو العبّاس المبرد: هذا مثلٌ يضرب للذي يسأل الهيّن فلا يعطي، فيسأل ما هو أصعب منه. والأبلق: الذكر، والعقوق: الحامل، وفي المثل: "طلب الأبلق العقوق" إذا طلب ما لا يمكن، كذا في "العباب" للصاغاني، وسويد بن أبي كاهل: مصغر أسود، واسمه غطيف- بالتصغير- ابن حارثة، وينتهي نسبه إلى أبي بكر بن وائل، ويكني أبا سعد، وفي ذلك يقول: أنا أبو سعدٍ إذا اللَّيل دجا وهو شاعر مقدم مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، عدَّه ابن سلاَّم الجمحي في الطبقة السادسة، وقرنه بعنترة العبسي، وعاش في الجاهلية دهرًا، وعمّر في الإسلام ستين سنة بعد الهجرة إلى زمن الحجاج كذا في "الإصابة" لابن حجر، وهو من المعمّرين، ولم يذكره أبو حاتم في كتاب "المعمّرين وقد ترجمناه بأكثر من هذا في الشاهد التاسع والثلاثين بعد الأريعمائة من شواهد الرّضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد المائتين: (٢٧٧) بطل كأنَّ ثيابه في سرحةٍ ... يحذي نعال السِّبت ليس بتوأم لما تقدَّم قبله، والبيت من معلقة عنترة العبسي، وقبله: ومشكِّ سابغة هتكت فروجها ... بالسِّيف عن حامي الحقيقة معلم ربذٍ يداه بالقداح إذا شتا ... هتَّاك غايات التِّجار ملوَّم

стр. 1264

بطلٍ كأنَّ ثيابه في سرحةٍ ... يحذي نعال السِّبت ليس بتوأم فطعنته بالرُّمح ثمَّ علوته ... بمهنَّدٍ صافي الحديدة مخذم لمّا رآني قد نزلت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسُّم عهدي به مدَّ النَّهار كأنَّما ... خضب البنان ورأسه بالعظلم قوله: ومشك سابغة، بكسر الميم وفتح الشين المعجمة، قال الأعلم في "شرح الأشعار الستة": أراد: ربّ مشك درع سابغة، والمشك: التي شك بعضها في بعضٍ، والمشك: مسامير الدروع. والسابغة: الكاملة. وقال الخطيب التبريزي: مشك الدرع: حيث يجمع جيبها بسيرٍ، وكانت العرب تجعل سيرًا في جيب الدّرع يجمع جيبها، فإذا أراد أحد الفرار، جذب السَّير فقطعه، واتسع الجيب فألقاها عنه وهو يركض. وقيل الدرع التي شكَّ بعضها إلى بعض، وقيل: المشك: المسامير التي تكون في حلق الدِّرع، ومن جعل المشك الدرع يكون من إضافة الصفة إلى الموصوف، وتأويله عند البصريين: ومشك حديدة سابغة. وهتكت: جواب ربَّ، وكذلك على قول من جعله بمعنى السير والمسامير، لأنهما من الدرع فصير الإخبار عن الدرع، وهتكت فروجها، أي: شققتها وخرقتها، وفروجها: جيبها وكمّاها، واحدها فروج. وحامي الحقيقة، أي: يحمي ما يحق عليه أن يحميه، والمعلم: اسم فاعل من اعلم نفسه بعلامة، وهو الذي شهر نفسه بعلامة إدلالًا بشجاعته وإعلامًا بمكانه، وقال أبو جعفر: هو اسم مفعول، وكذلك "المسوّم" يقالان بالفتح، والسَّومة بالضمّ: العلامة، وقال الزوزني: المعلم بكسر اللاَّم: الذي أعلم نفسه بعلامة يعرف بها في الحرب، حتى تبرز له الأبطال، والمعلم بفتح اللاَّم، أي: الذي يشار إليه ويدل عليه بأنه فارس الكتبية، يقول: ربّ موضع انتظام درع واسعة شققت أوساطه بالسيف عن رجل حامٍ لما يجب عليه حفظه، شاهرٍ نفسه في حومة الحرب، يريد أنه هتك مثل هذه الدرع على مثل هذا الشجاع، فما الظّنّ بغيره!

стр. 1265

وقوله: ربذٍ يداه بالجرّ: صفة لحامي الحقيقة، وكذا: هتّاك، والربذ، بفتح الرّاء المهملة وكسر الموحدة: السريع، قال أبو جعفر والخطيب: لم يقل ربذة يداه، لأنَّ اليد مؤنثة، ووجهه أنَّ قوله "يداه" بدل من الضمير المستتر في ربذ العائد إلى حامي الحقيقة، كما تقول: ضربت زيدًا يده، ومذهب الفراء في هذا أنه يجوز أن يذكر المؤنث في الشعر إذا لم يكن فيه علامة التأنيث. والقداح: سهام الميسر، جمع قدح، بكسر القاف فيهما، أي: هو حاذق بالقمار والميسر، خفيف اليد بضرب القداح، وهذا كان مدحًا عند العرب في الجاهلية، وقوله: إذا شتا، يريد: إذا اشتدَّ الزمان، وكان أشد الزمان عندهم زمان الشتاء، وكان لاييسر فيه إلاَّ أهل الجود والكرم. وقوله: هتَّاك غايات التجار، جمع تجرٍ، وتجر جمع تاجر، كما جمع صاحب على صحب، وصحب جمع على صحاب، وأراد بهم تجار الخمر، والغايات: علامات تكون للخمارين، ويقال: هو يهتك رايات تجار الخمر، لأنه لا يترك شيئًا من الخمر إلاَّ اشتراه، وإذا فني ما عندهم رفعوا علاماتهم، وقيل: المعنى انه يعطيهم ما يطلبون في السوم بها، والملوّم: الذي يكثر اللوم عليه في تبذير ماله. وقوله: بطل كأنَّ ثيابه ... الخ، بطل بالجرّ: صفة الحامي الحقيقة، ويجوز رفعه على تقدير: هو بطل، والبطل: الشجاع الذي تبطل عنده شجاعة غيره، والسرحة، بفتح السّين: واحدة السّرح، وهو الشجر العظيم العالي، يريد أنه طويل القامة كامل الجسم، فكأنَّ ثيابه على شجرة عالية، والعرب تمدح بالطول وتذم بالقصر، قال أثال بن عبدة بن الطويل.
следующие страницы →