← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

يقال: فلان في النخل، أي: قد أحاط به، قال الشاعر: وهم صلبوا العبديَّ في جزع نخلةٍ ... البيت وقال تعالى: ﴿أم لهم سلَّمٌ يستمعون فيه﴾ [الطور/ ٣٨]، أي: عليه، وقال تعالى: ﴿له معقبِّاتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد/ ١١]، أي: بأمر الله، وقال العامري: إذا رضيت عليَّ بنو قشيرٍ يعني عنيّ، وهذا كثير جدًا. انتهى. وممَّن تبعهم من البغداديين ابن الشجري قال في "أماليه" ومنها يستمد المصنف: "فصل في دخول حوف الخفض بعضها مكان بعض" فمن ذلك دخول "في" مكان "على" في قوله تعالى: ﴿ولأصِّبنَّكم﴾ الآية، وقال سويد ابن أبي كاهل: هم صلبوا العبديَّ ... البيت. دعا على شيبان، ومعنى بأجدع، أي: بأنف مقطوع، ثمَّ أورد جملة من حروف الجرّ ناب بعضها عن بعض، واستدلَّ لها بآيات وأبيات. وأراد أبو حيَّان بالقتبي ابن قتيبة، وقوله ذلك في "أدب الكاتب"، ولم يعرف شارحه ابن السيد قائل البيت، قال: هذا البيت لا أعلم قائله، والأجدع: المقطوع الأنف، والتقدير: فلا عطست شيبان إلاَّ بأنف أجدع، دعا عليهم بجدع الأنوف لصلبهم العبدي. انتهى. وقال شارحه الجواليقي: العبدي منسوب إلى عبد القيس، وروي هذا البيت عن ابن دريد: ونحن صلبنا الرَّأس في جذع نخلة

стр. 1262

قال: وهو لامرأة من العرب دعت عليهم بجدع الأنوف. أقول: وكذا نسبه ابن جني في "الخصائص" إلى امرأة من العرب، وأنشده في باب "استعمال الحروف بعضها مكان بعض" سلك طريقة ثالثة غير طريق البصريين والكوفيين وهي التضمين، قال: إذا كان الفعل بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدى بحرف، والآخر بآخر، فإنَّ العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذانًا بأنَّ هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، ثمَّ أوَّل جميع ما وقع النيابة من حروف الخفض بالتضمين. وأورد البيت صاحب "الصحاح" في مادة (عبد) وقال: العبدي منسوب إلى عبد القيس، وهي قبيلة، وقال ابن بري في "أماليه" عليه: هذا البيت لسويد بن أبي كاهل، وكذا نسبه إليه في شرح "أدب الكاتب" أيضًا، وكذا نسبه إلى محمّد بن المبارك بن محمّد بن ميمون في كتاب "منتهى الطلب من أشعار العرب" في ضمن قصيدة أوَّلها: تمنيَّت ليلى أن تريغ بك النَّوى ... وتمنع ليلى منك عذبًا ممنَّعا ألا إنَّ ليلى لا يرام حديثها ... كبيض الأنوق لا ترى فيه مطمعا وتريغه: من أراغه، أي: طلبه، بالغين بالمعجمة، وبيض: واحدها بيضة، والأنوق: بفتح الألف وضم النون: الرخمة، وفي مثل: "أعزُّ من بيض الأنوق" لأنها تحجزه فلا يكاد يظفر به، لأنَّ أوكارها في رؤوس الجبال وفي المواضع الصعبة البعيدة، والأنوق واحد وجمع، وقال معاوية لرجل أراده على حاجة لا يسأل مثلها، وهو يفتل له في الذروة والغارب، أي: يخدعه بكلام لين: أنا أجل من الحرش، يريد الخديعة، ثمَّ سأله أخرى أصعب منها، فأنشأ يقول: طلب الأبلق العقوق فلمَّا ... لم ينله أراد بيض الانوق

стр. 1263

قال أبو العبّاس المبرد: هذا مثلٌ يضرب للذي يسأل الهيّن فلا يعطي، فيسأل ما هو أصعب منه. والأبلق: الذكر، والعقوق: الحامل، وفي المثل: "طلب الأبلق العقوق" إذا طلب ما لا يمكن، كذا في "العباب" للصاغاني، وسويد بن أبي كاهل: مصغر أسود، واسمه غطيف- بالتصغير- ابن حارثة، وينتهي نسبه إلى أبي بكر بن وائل، ويكني أبا سعد، وفي ذلك يقول: أنا أبو سعدٍ إذا اللَّيل دجا وهو شاعر مقدم مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، عدَّه ابن سلاَّم الجمحي في الطبقة السادسة، وقرنه بعنترة العبسي، وعاش في الجاهلية دهرًا، وعمّر في الإسلام ستين سنة بعد الهجرة إلى زمن الحجاج كذا في "الإصابة" لابن حجر، وهو من المعمّرين، ولم يذكره أبو حاتم في كتاب "المعمّرين وقد ترجمناه بأكثر من هذا في الشاهد التاسع والثلاثين بعد الأريعمائة من شواهد الرّضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد المائتين: (٢٧٧) بطل كأنَّ ثيابه في سرحةٍ ... يحذي نعال السِّبت ليس بتوأم لما تقدَّم قبله، والبيت من معلقة عنترة العبسي، وقبله: ومشكِّ سابغة هتكت فروجها ... بالسِّيف عن حامي الحقيقة معلم ربذٍ يداه بالقداح إذا شتا ... هتَّاك غايات التِّجار ملوَّم

стр. 1264

بطلٍ كأنَّ ثيابه في سرحةٍ ... يحذي نعال السِّبت ليس بتوأم فطعنته بالرُّمح ثمَّ علوته ... بمهنَّدٍ صافي الحديدة مخذم لمّا رآني قد نزلت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسُّم عهدي به مدَّ النَّهار كأنَّما ... خضب البنان ورأسه بالعظلم قوله: ومشك سابغة، بكسر الميم وفتح الشين المعجمة، قال الأعلم في "شرح الأشعار الستة": أراد: ربّ مشك درع سابغة، والمشك: التي شك بعضها في بعضٍ، والمشك: مسامير الدروع. والسابغة: الكاملة. وقال الخطيب التبريزي: مشك الدرع: حيث يجمع جيبها بسيرٍ، وكانت العرب تجعل سيرًا في جيب الدّرع يجمع جيبها، فإذا أراد أحد الفرار، جذب السَّير فقطعه، واتسع الجيب فألقاها عنه وهو يركض. وقيل الدرع التي شكَّ بعضها إلى بعض، وقيل: المشك: المسامير التي تكون في حلق الدِّرع، ومن جعل المشك الدرع يكون من إضافة الصفة إلى الموصوف، وتأويله عند البصريين: ومشك حديدة سابغة. وهتكت: جواب ربَّ، وكذلك على قول من جعله بمعنى السير والمسامير، لأنهما من الدرع فصير الإخبار عن الدرع، وهتكت فروجها، أي: شققتها وخرقتها، وفروجها: جيبها وكمّاها، واحدها فروج. وحامي الحقيقة، أي: يحمي ما يحق عليه أن يحميه، والمعلم: اسم فاعل من اعلم نفسه بعلامة، وهو الذي شهر نفسه بعلامة إدلالًا بشجاعته وإعلامًا بمكانه، وقال أبو جعفر: هو اسم مفعول، وكذلك "المسوّم" يقالان بالفتح، والسَّومة بالضمّ: العلامة، وقال الزوزني: المعلم بكسر اللاَّم: الذي أعلم نفسه بعلامة يعرف بها في الحرب، حتى تبرز له الأبطال، والمعلم بفتح اللاَّم، أي: الذي يشار إليه ويدل عليه بأنه فارس الكتبية، يقول: ربّ موضع انتظام درع واسعة شققت أوساطه بالسيف عن رجل حامٍ لما يجب عليه حفظه، شاهرٍ نفسه في حومة الحرب، يريد أنه هتك مثل هذه الدرع على مثل هذا الشجاع، فما الظّنّ بغيره!

стр. 1265

وقوله: ربذٍ يداه بالجرّ: صفة لحامي الحقيقة، وكذا: هتّاك، والربذ، بفتح الرّاء المهملة وكسر الموحدة: السريع، قال أبو جعفر والخطيب: لم يقل ربذة يداه، لأنَّ اليد مؤنثة، ووجهه أنَّ قوله "يداه" بدل من الضمير المستتر في ربذ العائد إلى حامي الحقيقة، كما تقول: ضربت زيدًا يده، ومذهب الفراء في هذا أنه يجوز أن يذكر المؤنث في الشعر إذا لم يكن فيه علامة التأنيث. والقداح: سهام الميسر، جمع قدح، بكسر القاف فيهما، أي: هو حاذق بالقمار والميسر، خفيف اليد بضرب القداح، وهذا كان مدحًا عند العرب في الجاهلية، وقوله: إذا شتا، يريد: إذا اشتدَّ الزمان، وكان أشد الزمان عندهم زمان الشتاء، وكان لاييسر فيه إلاَّ أهل الجود والكرم. وقوله: هتَّاك غايات التجار، جمع تجرٍ، وتجر جمع تاجر، كما جمع صاحب على صحب، وصحب جمع على صحاب، وأراد بهم تجار الخمر، والغايات: علامات تكون للخمارين، ويقال: هو يهتك رايات تجار الخمر، لأنه لا يترك شيئًا من الخمر إلاَّ اشتراه، وإذا فني ما عندهم رفعوا علاماتهم، وقيل: المعنى انه يعطيهم ما يطلبون في السوم بها، والملوّم: الذي يكثر اللوم عليه في تبذير ماله. وقوله: بطل كأنَّ ثيابه ... الخ، بطل بالجرّ: صفة الحامي الحقيقة، ويجوز رفعه على تقدير: هو بطل، والبطل: الشجاع الذي تبطل عنده شجاعة غيره، والسرحة، بفتح السّين: واحدة السّرح، وهو الشجر العظيم العالي، يريد أنه طويل القامة كامل الجسم، فكأنَّ ثيابه على شجرة عالية، والعرب تمدح بالطول وتذم بالقصر، قال أثال بن عبدة بن الطويل.

стр. 1266

ولمّا التقى الصَّفَّان واختلف القنا ... نهالًا وأسباب المنايا نهالها تبيَّن لي أنَّ القماءة ذلَّةٌ ... وأنَّ أعزَّاء الرِّجال طوالها وقال بعض بني العنبر: فجاءت به عبل العظام كأنمَّا ... عمامته بين الرِّجال لواء أشمُّ طويل السَّاعدين كأنَّما ... تناط إلى جذعٍ طويلٍ حمائله وقوله: يحذي نعال السِّبت، يحذي: بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير البطل، ونعال: مفعول ثانٍ له، أي: تجعل له النِّعال السِّبتية حذاء، بالكسر والمدّ، في "الصحاح": الحذاء: النَّعل، واحتذى: انتعل، وأحذيته نعلًا: إذا أعطيته نعلًا، والسِّبت بالكسر: الجلد المدبوغ بالقرظ ولم يتجرد من شعره، وقال أبو زيد: نعل سبتٌ، وهب من جلود البقر خاصة، وقال: السِّبت من جلود البقر خاصة مدبوغة، ولا يقال لغير جلود البقر سبت، يريد أنه من الملوك الَّذين يحتذون النَّعال السِّبتية الرقيقة الطيّبة الريح، وهم يمتدَّحون بجودة النِّعال، كما يمتدَّحون بجودة الملابس، قال النابغة: رقاق النِّعال طيِّب حجزاتهم ... يحيَّون بالريَّحان يوم السَّباسب أراد أنهم ملوك لا يخصفون نعالهم، إنما يخصفها من يمشي، وأراد برقة النِّعال أنها ليست بمطبقة، والحجزة: الوسط، أراد أنهم يشدون أزرهم على عفة، والسباسب: يوم الشعانين، وهو عيد. وقال النجاشي: لا يأكل الكلب السَّروق نعالنا

стр. 1267

لأنَّ النعل إذا كانت غير مدبوغة، وظفر بها الكلب أكلها. وقوله: ليس بتوأم، يريد أنه لم يزاحمه أخ في بطن أمّه فيكون ضعيف الخلقة، والتوأم كجعفر: الَّذي يكون مع آخر في بطن أمّه، فنفى عنه ذلك ووصفه بكمال الخلق وتمام القوة، وقد بالغ في وصفه بالشدَّة والقوَّة بامتداد قوته، وعظم أعضائه، وتمام غذائه عند إرضاعه إذ كان غير توأم. وقوله: بمهند، وهو السيف الهندي، وصافي الحديدة: مجلوّ صقيل، والمخذم، بكسر الميم وبمعجمتين: القاطع، من خذمه، أي: قطعه. وقوله: لمَّا رآني قد نزلت ... الخ، النواجذ، : آخر الأضراس، ومعنى أبدي نواجذه، أي: كلح غيظًا عليَّ، ويقال: بل كلح كراهة للطعن، وقيل: المعنى لمّا رآني قاصدًا له، كلح وكشر أسنانه، فصار كأنه متبسم. يقول: لما نزلت عن فرسي أريد قتله كشر عن أسنانه غير متبسم، أي: لفرط كلوحه من كراهية الموت تقلصت شفتاه أسنانه. وقوله: عهدي به، أي: مشاهدتي له وقد خضب بدنه، فكأمه قد خضب بالعظلم- كزبرج- وهو شجر يتخذ منه الوسمة، وقيل؛ إنه الكتم، وإنما شبّه الدم به لما انعقد وضرب إلى السواد، ومدّ النهار: ارتفاعه، والبنان: الأصابع هنا مجازًا، وروى بدله: "اللبان" بفتح اللام، هو الصدر، يقول: رأيته طول النّهار وامتداده بعد قتلي إياه وجفوف الدم عليه، كأنَّ بنانه أوصده مخضوب بهذا النَّبت. والمعلَّقة تسميها العرب المذهبة، بصيغة اسم المفعول، من الإذهاب أو التذهيب، وهما بمعنى التمويه والتطلية بالذهب، ومعنى المعلقة قد تقدَّم في الإنشاد الرابع من أوَّل الكتاب. وعنترة العبسي قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": هو ابن شداد بن عمرو بن

стр. 1268

قراد، قال [ابن] الكلبي، شداد جده، غلب على اسم أبيه، وإنما هو عنترة بن عمرو بن شداد، قال غيره: شداد عمه، تكلفه بعد موت أبيه فنسب إليه، ويقال: إنَّ أباه ادَّعاه بعد الكبر، وذلك أنه كان لأمة سوداء يقال لها زبيبة، وكانت العرب في الجاهلية إذا كان لأحدهم ولد من أمة استبعده، وكان لعنترة إخوة من أمّه عبيد، وكان سبب ادّعاء أبي عنترة إيّاه أن بعض أحياء العرب أغاروا على قوم من بني عبس، فأصابوا منهم، فتبعهم العبسيون فلحقهم، فقاتلوهم وفيهم عنترة، فقال له أبوه: كرَّ يا عنترة، فقال: العبد لا يحسن الكرّ إنما يحسن الحلاب والصرّ، قال: كرّ وأنت حرّ، فكرّ وهو يقول: أنا الهجين عنترة ... كلُّ امرئٍ يحمي حره أسوده وأحمره فقاتل يومئذٍ فأبلى، واستنقذ ما في أيدي القوم من الغنيمة، فادَّعاه أبوه بعد ذلك. وهو أحد أغربة العرب، وهم ثلاثة: عنترة، وأمّه سوداء، وخفاف ابن ندبة السُّلمي، والسُّليك بن السُّلكة السّعدي. وكان عنترة من أشدّ أهل زمانه وأجودهم من قومه، فذكر سواده وسواد أمّه وعيَّره بذلك، وأنه لا يقول الشعر، فكان أوَّل ما قال هذه المعلقة، وهي أجود شعره، وكانت العرب تسميها المذهبة، ويستحسن له فيها: وخلا الذُّباب بها فليس ببارحٍ ... غردًا كفعل الشَّارب المترنِّم هزجًا يحكُّ ذراعه بذراعه ... قدح المكبِّ على الزناد الأجذم

стр. 1269

وقوله: وإذا شربت فإنَّني مستهلكٌ ... مالي وعرضي وافرٌ لم يكلم وإذا صحوت فما أقصِّر عن ندىً ... وكما علمت شمائلي وتكرُّمي وكان عنترة شهد حرب داحس والغبراء، وحسن فيها بلاؤه، وحمدت مشاهده، قال أبو عبيدة: إنَّ عنترة بعد ما تأوَّت عبس إلى غطفان بعد يوم جبلة وحمل الدماء احتاج، وكان صاحب غارات، فكبر وعجز عنها، وكان له بكر على رجل من غطفان، فخرج نحوه يتجازاه، فهاجت ريح حارَّة، وهو بين شرجٍ وناظرة، فأصابت الشيخ فهرأته، فوجد بينهما ميتًا، وهو قتل ضمضمًا المرّى أبا حصين بن ضمضم، وهرم [بن ضمضم] في حرب داحس والغبراء، ولذلك قال: ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحزب دائرةٌ على ابني ضمضم إلى هنا كلام ابن قتيبة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد المائتين: (٢٧٨) ويركب يوم الرَّوع منَّا فوارسٌ ... بصيرون في طعن الأباهر والكلي على أنَّ "في" بمعنى الباء، قال أبو حيَّان: هذا أيضًا مذهب كوفي، وتبعهم القتبيّ وهذا المصنف واستدلوا على ذلك بقول زيد الخيل: ويركب يوم الروع ... البيت، أي: بطعن الأباهر، وقول الآخر:

стр. 1270

وخضخضن فينا البحر حين قطعنه ... على كلِّ حالٍ من غمارٍ ومن حل أي: حرَّكن السُّفن بنا البحر. وبقول الآخر، وهو أخو طيّ: نلوذ في أمٍ لنا ما تغتصب ... من السَّحاب ترتدي وتنتقب أي: بأمّ، ويعني الأم سلمى، أحد جبلي طيّ، وبقول أعشى بني بكر: ربّي كريمٌ ما يكدِّر نعمةً ... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا أي: بالمهارق، وتنوشد: حلف له، والمهارق: صحف الأنبياء. واستدلَّ المصنف في الشرح بقوله تعالى: ﴿يذرؤكم فيه﴾ [الشورى/ ١١] أي: به. وبقول الأفوه الأوديّ: أعطوا غواتهم جهلًا مقادتهم ... فكلُّهم في حبال الغيِّ منقاد ومثله: وأرغب فيها عن لقيطٍ وأهله ... ولكنّني عن سنبسٍ لست أرغب أي: بحبال، وأرغب بها. وحكى يونس عن بعض العرب: ضربته في السيف، أي: بالسيف، فأما بصيرون، فقال بعض أصحابنا: ضمّن معنى ماهرون، أو متقدمون على غيرهم في طعن الأباهر، لأن البصير في الشيء ماهر فيه ومتقدم فيه على غيره، وفي جعل "في" في هذا الموضع فائدة ليست للباء لو ذكرت، لأنه لو قال: بصيرون بطعن، لم يقتض أكثر من العلم به، وقد يكون بصيرًا به، فإذا كان وقته

стр. 1271

ذهل خاطره عن ذلك لما هنالك من الشدّة، فيصفهم مع معرفتهم بأنَّ الطعن في الأباهر أعظم الطعن بأنهم ثابتو الخواطر عند الطعن، و"في" تقتضي ثبوت خواطرهم، وقال لنا الأستاذ أبو جعفر: ضمّن "بصيرون" معنى يتحكمّون، لأنَّ من كان له بصر بالشيء كان له فيه تحكم. وأما قوله: وخضخضن فينا البحر، فحمله بعض أصحابنا على تقدير مضاف، أي: في سيرنا البحر، وكذا تأوّله ابن جنِّي قال: في سيرهن بنا، وأما قوله: نلوذ في أم، فخرج على أنّه ضمّن ما يتعدّى بفي، وكأنه قال: نسمك أو نتوقل في أم لنا، لأنه عنى بالأمّ سلمى أحد جبلي طيّ، وإذ لاذ بها فقد سمك وتوقل فيها، وأمّا "إذا تنوشد" فخرج على أنَّ "في المهارق" في موضع الحال والمجرور الذي يطلبه تنوشد محذوف، والتقدير: وإذا تنوشد بكلام الله في المهارق، أي: مكتوبًا في المهارق، وأنشد، أي: أجاب، وأمّا قوله: فكلهم في حبال الغي منقاد، فمضمن معنى موثق، وأمّا: وأرغب فيها، فعلى حذف مضاف، أي: وأرغب في إمساكها عن لقيط، إلى هنا كلام أبي حيّان، وهو مبني على طريقة ابن جني من التضمين. وقوله: ويركب يوم الرّوع فينا، صوابه: فيها، كما يأتي بيانه. والبيت من أبيات تسعة لزيد الخيل الطائي، أوردها أبو زيد في "نوادره" وأبو العباس الأحول في "شرح ديوان كعب بن زهير" وأبو علي الفالي في "ذيل الأمالي" أوّلها: أفي كلِّ عامٍ مأتم تبعثونه ... على محمرٍ عود أثيب وما رضى تجدُّون خمشًا بعد خمشٍ كأنه ... على فاجعٍ من خير قومكم نعى تحضِّض جبّارًا عليَّ ورهطه ... وما صرمتي منهم لأوّل من سعى ترعىَّ بأذناب الشِّعاب ودونها ... رجال يردُّون الظَّلوم عن الهوى

стр. 1272

ويركب يوم الروع فيها فوارس ... بصيرون فى طعن الأباهر والكلى فلولا زهير أن أكدر نعمة ... لقاذ عت كعبا ما بقيت وما بقا وبقي بعد هذا ثلاثة أبيات. وسبب هذه الأبيات ما أخرجه القالي عن أبي عمرو ابن العلاء قال: خرج بجير بن زهير بن أبي سلمى في غلمة يجتنون جنى الأرض، فانطلق الغلمة وتركوا ابن زهير، فمرَّ به زيد الخيل فأخذه، ودار طي متاخمة لدور بني عبد الله بن غطفان، فسأل الغلام: من أنت؟ فقال: أنا بجير بن زهير، فحمله على ناقة، ثم أرسل به إلى أبيه، فلما أتى الغلام أخبره بالخبر، وكان لكعب ابن زهير فرس من جياد خيل العرب، وكان كعب جسيمًا، وكان زيد الخيل من أعظم النّاس وأجسمهم، وكان لا يركب دابّة إلاَّ أصابت إبهامه الأرض، فقال زهير: ما أدري ما أثيب به زيدًا إلاَّ فرس كعب، فأرسل به إليه وكعب غائب، فجاء كعب فسأل عن الفرس، فقيل له: قد أرسل به أبوك إلى زيد، فقال كعب لأبيه: أردت أن تقوّى زيدًا على قتال غطفان، فقال زهير له: هذه إبلي فخذ ثمن فرسك، وكان بين بني زهير وبين بني ملقط الطائيين إخاه، وكان عمرو ابن ملقط وفّادًا إلى الملوك، فقال كعب شعرًا يريد أن يلقي به بين بني ملقط، وبين رهط زيد الخيل شرًا، فعرف زهير حين سمع الشعر ما أراد به، وعرف به زيد الخيل وبنو ملقط، فأرسل إليه بنو ملقط بفرس نحو فرسه، وكانت عند كعب امرأة من غطفان لها حسب، فقالت له: أما استحييت من أبيك لشرفه وسنه أن تلومه في هبته عن أخيك؟ ! ولامته، وكان قد نزل بكعب قبل ذلك ضيفان، فنحر لهم بكرا كان لامرأته، فقال: ما تلوميني إلا لمكان بكرك الذي نحرت، فلك به بكران! وكان زهير كثير المال، وكان كعب مجدودًا [فقال كعب]: ألا بكرت عرسي بليل تلومني ... وأقرب بأحلام النساء إلى الرَّدى

стр. 1273

وذكر فيها زيدا، فقال زهير لابنه هجوت رجلًا غير مفحم، وإنه لخليق أن يظهر عليك، فأجابه زيد فقال: أفي كل عام مأتم تبعثونه ... إلى آخر الأبيات. انتهى. والبيت الأول من شواهد سيبويه، والهمزة للاستفهام التوبيخي، والمأتم مهموز، وهو الجماعة من النّساء يجتمعن لحزن أو فرح، والمراد هنا الحزن، ولهذا أعاد الضمير إليه مذكرًا. وقال شراح شواهد سيبويه: الضمير عائد على محذوف، أي: أفي كل عام اجتماع مأتم؟ فيكون المأتم بمعنى الحزن، ولهذا قال أبو زيد: أراد: أفي كل عام حدوث مأتم؟ فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. انتهى. وإنما قال كذا لئلا يقع ظرف الزمان خبرًا عن الجثة. وتبعثونه: تهيجونه وتحركونه، وروي بدله "تجمعونه"، والمحمر، بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية، وسكون الحاء المهملة بينهما، قال أبو زيد: هو الفرس الذي يشبه الحمار، وهو أيضا اللئيم من الرجال، أراد هنا أنه فرس هجين، أخلاقه كأخلاق الحمير بطيء الحركة، و"على" هنا تعليلة، والعود، بفتح العين مهملة، قال أبو زيد: هو المسنُّ، وأثيب: جعل ثوابًا، والثواب: الجزاء، ورضا، بضم الرّاء: فعل مجهول، وهو لغة طي، يكرهون مجيء الياء المتحركة بعد الكسرة، فيفتحون ما قبلها لتنقلب إلى الألف لحقتها، يقولون في بقي: بقا، وفي نعي: نعا كما هنا. والبيت استشهد به سيبويه على أنَّ جملة تبعثونه صفة لمأتم، ولهذا لم يعمل فيه، يقول: إنكم تجمعون نساء ليبكين على فقد هذا الفرس الذي جعلتموه جزاء لنا على جميل فعلناه بكم، والحال أننا لم نرض بهذا الفرس الذي يشبه الحمار. وقوله: تجدون خمشًا .. الخ، يقال: أجد فلان الشيء واستجدّه: إذا أحدثه فتجدّد، والحمش: مصدر خمشت المرأة وجهها بظفرها، من باب ضرب،

стр. 1274

أي: جرحت ظاهرة البشرة، وفاجع: الذي فاجعهم بنفسه، يقال: فجعته المصيبة أي: أوجعته، ونعا: فعل مبني للمجهول كما تقدم، يقال: نعيت فلانًا: إذا أخبرته بموته، يقول: إنكم تخمشون وجوهكم مرة بعد مرة على هذا البرذون، كأنكم فقدتم سيِّد قومكم. وقوله: تحضّض جبارًا .. إلى آخره، هذا خطاب لكعب بن زهير، قال الجواليقي فى "شرح أدب الكاتب": يقال" حضّضت الرَجل، أي: حثثته على الخير والشر جميعًا، وحضضته – بالتخفيف – إذا حثثته على الخير، وحثثته: إذا حرضته على سوق أو سير، ولا يكون الحضّ في السير والسوق، وجبّار، بفتح الجيم وتشديد الموحدة: رجل من فزارة، والصرمة، بكسر الصّاد: القطعة من الإبل ما بين الثلاثين إلى الأربعين، تقول: تغري هذا الرجل ليغير على إبلي، وليست إبلي لأول جماع تغزوني، لأني أقاتل عنها وأدافع. وقوله: ترعّى بأذناب .. الخ، أصله تترعى، بتاءين، فهو مضارع، وقال الجواليقي: أي ترعى، يريد أنّه مبالغة ترعى بالتخفيف، والأذناب: جمع ذنب بفتحتين، قال الجواليقي: والشعاب جمع شعب، وهو الموضع المنفرج بين الجبلين، وهو جمع نادر كقدح وقداح، ودونها، أي: دون الصرم، رجال يردون الظالم عن هواه، وقوله: ويركب يوم الروع – بفتح الراء – هو الفزع، وفيها، أي: من أجل الصرمة، قال أبو العباس الأحول: الأباهر والكلى مقتلان، والأبهر: عرق في المتن. وقال الجواليقي: أي: هم بصراء عالمون بمواضع الطعن، والأباهر: جمع أبهر، وهو عرق مستبطن الصُّلب، والكلى: جمع كلية، وللإنسان والحيوان كليتان، وهما لحمتان حمراوان لازقتان بعظم الصلب.

стр. 1275

وقوله: فلولا زهير .. الخ، هذا البيت في رواية الأحول، وفي رواية القالي آخر الأبيات، وزهير: والد كعب، وأن أكدر نعمة: بدل اشتمال من زهير بتقدير الرّابط، أي: فلولا تكدير نعمته. وقوله: لقاذعت، جواب لولا، والقذع بالقاف والذّال المعجمة: الفحش، يقال: قذعته، إذا رميته بالفحش وشتمته. وقد شرحنا بقية الأبيات مع أبيات كعب بن زهير في الشاهد الخامس والثمانين بعد السّبعماية. وزيد الخيل وكعب صحابيان، وهذه الحكاية قبل إسلامهما، وقيل له: زيد الخيل، لخمسة أفراس كانت له، قال صاحب "الاستيعاب" هو زيد بن مهلهل ابن زيد بن منهب الطائي، قدم على رسول الله ﷺ في وفد طي سنة تسع فأسلم، وسمّاه رسول الله ﷺ زيد الخير، وقال له: ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته في الإسلام إلاَّ رأيته دون الصفة غيرك، وأقطع له أرضين في ناحيته، ويكنى أبا مكنف، وكان له ابنان مكنف وحريث، وقيل: حارث. أسلما وصحبا النَّبي ﷺ ، وشهدا قتال أهل الرّدَّة مع خالد ابن الوليد، وكان زيد الخيل شاعرًا محسنًا خطيبًا لسنًا شجاعًا بهمة كريمًا، قيل: مات منصرفه من عند النبي ﷺ محمومًا، فلما وصل إلى بلده مات، وقيل: بل مات في آخر خلافة عمر، وكان قبل إسلامه قد أسر عامر بن الطفيل وجزّ ناصيته. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد المائتين: (٢٧٩) ألا عم صباحًا أيُّها الطَّلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال

стр. 1276

على أنَّ "في" الثانية بمعنى "من". قال العسكري في كتاب "التصحيف" عن الأصمعي وابن السكيت: يقول: كيف ينعم من كان أقرب عهده بالرفاهية ثلاثين شهرًا من ثلاثة أحوال، على أن "في" بمعنى "من" ثم قالا: وقد تكون بمعنى "مع" واستشهد ببيت الجعدي: ولوح دراعين في بركة ... إلى جؤجؤ رهل المنكب فقال: في بركة، وأراد: مع بركة، ومثله: ... خمسون بسطًا في خلايا أربع وخمسون لا تكون في أربع. والمعنى: مع خلايا أربع. انتهى. وقال ابن السيد في "شرح أدب الكاتب": حكى يعقوب عن الأصمعي أنّ "في" هنا بمعنى "من" وأجاز أن تكون بمعنى "مع" كما قال النابغة الجعدي: ولوح ذراعين في بركة

стр. 1277

وكونها بمعنى "مع" أشبه من كونها بمعنى "من" ورواه الطوسي "أو ثلاثة أحوال" وكل من فسره ذهب إلى أنَّ الأحوال هنا السنون، جمع حول، والقول فيه عندي أن الأحوال هنا جمع حال، وإنما أراد: كيف ينعم من كان أقرب عهده بالنعيم ثلاثين شهرًا، وقد تعاقبت عليه ثلاثة أحوال، وهي اختلاف الرياح، وملازمة الأمطار له، والقدم المغيّر لرسومه، فتكون "في" هنا هي التي تقع بمعنى واو الحال في نحو قولك: مرّت عليه ثلاثة أشهر في نعيم، أي: وهذه حاله. انتهى. وحكى القولين الجواليقي أيضًا في "شرحه". وقال أبو حيان: وزعم الكوفيون أيضًا والقتي والأصمعي أنها تأتي بمعنى من، واستدلوا على ذلك بقول امرئ القيس: وهل يعمن من كان .. البيت، أي: من ثلاثة أحوال، وخرجه ابن جني على حذف مضاف، والتقدير عنده: في عقب ثلاثة أحوال، قال بعض أصحابنا: والصحيح عندي أن تكون الأحوال جمع حال لا جمع حول، وكأنه قال: في ثلاث حالات، ويكون المراد بالأحوال الثلاثة: نزول الأمطار، وتعاقب الرباح، ومرور الدهور عليها. قال: وإنما لم يسغ عندي ما ذهب إليه أبو افتح؛ لأنَّ المضاف لا يحذف إلاَّ إذا كان عليه دليل، ولا دليل في البيت على ذلك المضاف، لاحتمال أن يكون مراده ما ذكرناه، فلا يحتاج إلى حذف. وقال بعض شيوخنا: إنما يريد أن أحدث عهده خمس سنين ونصف، فلذلك قال: في ثلاثة أحوال، أي: مدخلة فيها. انتهى. ومنه تعلم أن المصنف لخص ما كتبه من هنا وهكذا دأبه في هذا الكتاب. والبيتان أول قصيدة لامرئ القيس، وهي من عيون شعره، تقدَّم شرح بعض منها في الإنشاد الخامس بعد المائتين وقوله: عم صباحًا، هذه الكلمة تحية عند العرب، يقال: عم صباحًا، وعم مسًاء، وعم ظلامًا. والصباح: من نصف الليل

стр. 1278

الثاني إلى الزوال، والمساء: من الزوال إلى نصف الليل، قال ابن السّيد: يقال: وعم يعم، كوعد يعد، وذهب قوم إلى أن يعم محذوف من ينعم، وأجازوا عم صباحًا، بفتح العين وكسرها، كما يقال: انعم صباحًا، بفتح العين، وانعم بكسرها. وزعموا أن بعض العرب أنشد: ألا عم صباحًا .. البيت، بفتح العين، وحكى يونس أن أبا عمرو بن العلاء سئل عن قول عنترة: وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي فقال: هو من نعم المطر: إذا كثر، ونعم البحر: إذا كثر زبده، كأنه يدعو لها بالسقيا وكثرة الخير، وقال الأصمعى والفرّاء: إنما هو دعاء بالنعيم والأهل، وهو المعروف، وما حكاه يونس نادر وغريب. انتهى. ولم يذكر صاحب "الصحاح" مادة (وعم) قال: وقولهم "عم صباحًا" كأنه محذوف من نعم ينعم بالكسر. وزعم ابن مالك في "التسهيل" أنّ عم فعل أمر غير متصرف، قال أبو حيان: ليس الأمر كما زعم، بل هو فعل متصرف، فقد حكى يونس: وعمت الدّار أعم، قلت لها: انعمي، قال الأصبعي: عم في كلام العرب أكثرهم من أنعم، وقد روى الجواليقي: "ألا انعم صباحًا"، "وهل ينعمن" في الموضعين وقال: دعا له بالنعيم، ونعم الشيء نعومة: صار ناعما لينًا، من باب كرم وحذر وحسب. ويقال أيضًا: أنعم صباحك، من النّعومة، وصباحًا: ظرف، أو تمييز محول عن الفاعل، والطلل: ما شخص من آثار الدار، والرسم: الأثر، والبالي: من بلي الثوب، من باب تعب، بلى بالكسر والقصر، وبلاء بالمد والفتح: أخلق، أو من بلي الميّت: إذا أفتته الأرض. وقوله: وهل يعمن، استفهام إنكاري، رجع عن الدعاء منكرًا على نفسه، واستشهد به المنصنف في "شرح الألفية" على أن "من" تستعمل في غير العقلاء، والعصر بضمتين: لغة في العصر وهو الدهر. والخالي: الماضي، وروى العسكري بيتًا بينهما، وهو: وهل يعمن إلاَّ سعيد مخلَّد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال

стр. 1279

وقال: اختلفوا في معناه لا في لفظه، فقال الأصمعي: اللفظ على مذهب: أنت يا طلل، فقد تفرق أهلك وذهبوا، فكيف تنعم؟ والمعنى: كيف أنعم أنا؟ كأنه يعني أهل الطّلل، والمخلد: الطويل العمر الرخي البال، ومخلد: إذا لم يشب، وقال غيره: المخلّد: المقرّط، والقرط: الخلدة، من قوله : ﴿ولدان مخلَّدون﴾ [الوافعة / ١٧] أي: مقرّطون، ولو كان يصفهم بالخلود لما ذكر الولدان دون أهل الجنة، ورواه بعضهم: وهل ينهمن إلاَّ خليُّ مخلَّد وقال: يعني غلامًا حدثًا من العشق. انتهى. وترجمة امرئ القيس تقدَّمت في الإنشاد الرابع. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد المائتين: (٢٨٠) أنا أبو سعد إذا اللَّيل دجا ... تخال في سواده يرندجا على أنَّ "في" زائدة، قال أبو حيان: وزعم بعض أصحابنا، وتبع أبا علي أنَّ "في" تأتي زائدة في ضرورة الشعر، قال: ومن ذلك قول سويد بن أبي هاكل: أنا أبو سعد .. الخ، وقال الأزدي: إنَّ المعنى: تخال سواده يرندجًا إلاَّ أن ذلك من القلًّة بحيث لا يقاس عليه. انتهى. وكذا قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر" واليرندج، بالمثناة التحتية، ويقال بدلها بالألف: الأرندج، على وزن سفرنجل، له معنيان: أحدهما، وهو المشهور: الجلد الأسود، وثانيهما: ما نقله الصَّاغاني في "العباب" عن أبي مسحل الأعرابي أنه السواد الَّذي يسوّد به الحف، وقال صاحب "القاموس": هو: السواد يسوّد به الحفّ، أو هو الزاج.

стр. 1280

ولا يخفى أنهم إنما حكموا على زيادة "في" لأنهم تخيلوا أن مجرورها هو المفعول الأوَّل لتخال، ويمكن تقديره، أي: تخاله، أي: تخال اللَيل في سواده يرندجًا، وتخال مشعرة بالتشبيه، وإذا: شرطيّة، جوابها البيت الذي بعدهما، وهو قوله: دخلت في سرباله ثمَّ النَّجا والسّربال: القميص، واستعاره لظلمته، والنجا، بالنون والجيم: مصدر نجوت، أي: أسرعت وسبقت إلى ما أريد، وهذا المعنى صحيح واضح لا شبهة فيه، فـ "في" أصيلة لا زائدة، وأبو سعد: كنية سويد بن أبي كاهل، وتقدمت ترجمته قريبًا في الإنشاد السادس والسبعين بعد المائتين. وقال الدّماميني: المعنى: تخال سواده سواد يرندج، ول جعل هذا من باب التجريد نحو: ﴿لهم فيها دار الخلد﴾ [فصلت / ٢٨] لأمكن، وعليه فلا زيادة ولا نقص. انتهى. فيكون على قوله "يرندجًا" المفعول الأول، و "في سواده" المفعول الثاني، فيكون من قبيل التشبيه المقلوب، ويرد عليه أن المفعول الأوَّ في باب ظن لا يجوز تنكيره، بخلاف بابي كان وإنَّ، فإنه يجوز تنكيره لاختلاف إعراب الجزأين. وزعم ابن الملا أنَّ إذا ظرفية متعلقة بأبي سعد، لتضمنه معنى المشهور في اقتحام الشدائد، وليس كذلك، وألف "أنا" ملفوظ للوزن، وليس بضرورة على الصحيح، ودجا الليل يدجو دجوًا، أي: أظلم، وفيه دليل على أنَّ الحرف الأصلي إذا كان مدة يقع إطلاقًا، فإنَّ ألف دجا لام الفعل، وكذا النجا، وليسا مثل ألف يرندجًا، والجيم حرف الرّوي، وهو الحرف الذي تبني عليه آخر الأبيات، والإطلاق: حرف لين ينشأ عن إباع حركة الرويّ، قال السّكاكيّ: وكثيرًا ما يجرى الألف والواو والياء الأصول مجرى الحروف الإشباعيَة، وذلك في أثناء القصائد على سبيل التوسع. انتهى.

стр. 1281

حرف القاف " قد " أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد المائتين: (٢٨١) قدني من نصر الخبيبين قدي على أن "قد" في الموضعين إمّا بمعنى حسب، أو بمعنى يكفي، والموضوع الأول مأخوذ من كلام ابن الناظم، قال ناظر الجيش: عرفت من كلام بدر الدين أن قد بمعنى حسب، إذا أضيفت إلى الياء جازلك فيها الوجهان، يعني أن تأتي بنون الوقاية، وأن لا تأتي بها، وهذا هو الذي يقتضيه كلام والده في باب المضمر، لكن قد تقدم للشيخ - يعني أبا حيان - في باب المضمر أنه إذا قيل: قدني بالنون، تعين أن تكون اسم فعل، أي: في باب تتميم الكلام، على كلمات مفتقرة إلى الشرح. والموضع الثاني أخذه من كلام أبي حيان، لكن أفسده بزيادة قوله: والكسر لالتقاء السّاكنين، وهذا نص أبي حيان: فأمّا قول الشاعر: قدني من نصر الحبيبين قدي فالأوَّل: اسم فعل، والثاني، وهو قوله: يحتمل ثلاثة أجه: أنه اسم

стр. 1282

فعل، والياء ضمير متكلم، وحذفت نون الوقاية ضرورة، كما حذفت في: إذ ذهب القوم الكرام ليسي وأنه اسم فعل، ولكن الياء ليست ضميرا، إنما لحقت لإطلاق القافية، وإن قد اسم مرادف لحسب، وأضيف إلى الياء، وهي ياء المتكلم، كما يضاف حسب، قال: وكان ذلك على جهة التوكيد لـ "قد" في الأول، لأنهما يؤولان من حيث المعنى إلى معنى واحد. انتهى. ثمَّ قول المصنف: والمستعملة اسم فعل: مرادف ليكفي، ومخالف لقول ابن مالك: تكون اسمًا لكفى، ومخالف لقول ابنه: فإذا كانت اسمًا فهي على ضربين، أحدهما: أن تكون اسم فعل ماض بمعنى كفى، فكان ينبغي أن يقول مثلهما، فإنَّ مجيء اسم الفعل بمعنى المضارع غير متفق عليه. وقال سيبويه: قد جاء في الشعر قدي، قال الشاعر: قدني من نصر الحبيبين قدي لما اضطر شبهه بحسبي وهني، لأنَّ ما بعد حسب وهن مجرور. انتهى. ورد عليه ابن مالك في "شرح التسهيل" وقال: إنه جائز في الكلام الفصيح. وقال الجوهري: فأمّا قولهم: قدك، بمعنى حسبك، فهو اسم، تقول: "قدي وقدني" أيضًا، بالنون على غير قياس، لأنَّ هذه النون إنما تزاد في الأفعال وقاية لها، مثل: ضربني، ثمَّ أنشد هذا البيت. وردَّ عليه ابن بري في "أماليه على الصحاح" بأن الأمر بعكس ما قال، وأن قدني هو الأصل، وقد حذفت النون منه للضرورة، والبيت لحميد الأرقط. انتهى وتبعه الصفدي في كتابه "نفوذ السهم". وروى الحبيبين بلفظ التثنية، قالوا: أراد عبد الله بن الزبير، وابنه خبيب التصغير، ورواه أبو زيد

стр. 1283

بكسر الباء الثانية، على أنه جمع منسوب حذفت منه ياء النسبة. وقد استقصينا الكلام على هذا الشعر وما قيل فيه من الشاهد الثالث بعد الأربعمائة من شواهد الرّضي. وحميد الأرقط من رجَاز الدولة الأموية، ولقب الأرقط لآثار كانت في وجهه، وهو تميمي، وهو من بني ربيعة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد المائتين: (٢٨٢) إذ ذهب القوم الكرام ليسي وصدره: عددت قومي كعديد الطيس على أنَّ حذف نون الوقاية من ليسي لضرورة الشعر: قال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم": والذي سهّل ذلك مع الضرورة أمور: أحدها: أنَّ الفعل الجامد يشبه الأسماء فجاء ليسي، كما تقول: غلامي وأخي، ومن ثمَّ جاز: إنَّ زيدًا ليسي يقوم، كما جاز: لقائم، ولا يجوز: إنَّ زيدًا لقام، وجاز أيضًا: ﴿وأن ليس للإنسان إلاَّ ما سعى﴾ [النجم / ٣٩]. كما جاز "علمت أن زيدًا قائم" ولا يجوز "علمت أن قام ولا أن يقوم". والثاني: أن ليس هنا للاستثناء، فحق الضمير بعدها الانفصال، وإنما وصله للضرورة، كقول الآخر: أن لا يجاورنا إلاَّ ك ديَّار والنون ممتنعة مع الفصل، فتركها مع الوصل التفاتا إلى الأصل.

стр. 1284

الثالث: أنّ ليسي بمعنى غيري، ولا نون مع غير. انتهى. ووقال ابن المستوفي في "شرح أبيات المفصل": كذا أنشد العلماء هذا البيت، يروى: عهدي بقومي كعديد الطَّيس وهو الصحيح، وكذا أنشده الخليل في كتاب "العين" في مادة (طيس) لرؤبة، وقال: الطيس: العدد الكثير، وقيل الطيس: كلّ ما على وجه الأرض من خلق، وقال بعضهم: بل هو كل خلق كثير النسل كالقمل والذّباب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثمانون بعد المائتين: (٢٨٣) أخالد قدو الله أوطأت عشوة ... وما قائل المعروف فينا يعنَّف على أنه قد فصل بين "قد" والفعل بجملة القسم. والبيت هكذا في جميع نسخ هذا الكتاب، وهو مركب من شعري شاعرين، فالمصراع الثاني من قصيدة للفرزدق، وصدره: وما حلَّ من جهل حبا حلمائنا وبعده: وما قام منا قائم في ندبنا ... فينطق إلاَّ بالَّتي هي أعرف وهذا من شواهد سيبويه والمصراع الأول فيه تحريف، وصوابه: أوطئت

стр. 1285

عشوة. وهو صدر أبيات خوطب بها خالد بن عبد الله القسري، روى صاحب كتاب "مكارم الأخلاق" أنَّ خالدًا المذكور عرض سجنه يومًا، فرأى يزيد بن بلان البجلي، فقال له خالد: في أي شيء حبست؟ قال: في تهمة، وكان أخذ في دار قوم، فادعي عليه السرق، فأمر خالد بقطع يده، وكان ليزيد أخ، فكتب هذه الأبيات، ووجهها إلى خالد: أخالد قد والله أوطئت عشوة ... وما العاشق المسكين فينا بسارق أقرَّ بما لم يأته المرئ إنَّه ... رأي القطع خير أمن فضيحة عاشق ولولا الَّذي قد خفت من قطع كفِّه ... لألفيت في أمر الهوى غير ناطق إذا بدت الرّايات في السَّبق للعلى ... فأنت ابن عبد الله أوَّل سابق فلمّا قرأ خالد الأبيات، علم صدق قوله، وأحضر أولياء الجارية فقال: زوِّجوا يزيد فتاتكم، فزوَّجوه، ونقد خالد المهر من عنده، وقد أنشده المرادي في "شرح التسهيل" وفي "الجنى الداني" هكذا، وكذا أنشده ابن عقيل، وأنشد ناظر الجيش البيتين الأولين، وأردفهما بقول الآخر: لقد أرسلوني في الكواعب راغبًا ... فقد وأبي راعي الكواعب أفرس قال: أراد: فقد أفرس راعي الكواعب وحق أبي، ويجوز أن يكون أضاف الأب إلى راعي، وهو يعن نفسه. انتهى. وكذا في شرح شيخهم أبي حيان، وقوله: "أوطئت عشوة"، بالبناء للمجهول وبفتح تاء الخطاب، وفي غالب النسخ أوطأت، وهو خطأ من النساخ، قال الإمام المرزوقي في باب المكسور أوّله من "شرح فصيح ثعلب": قوله: أوطأتني عشوة، أي: خبّرتني بباطل، ويقال: تعيني في معناه أيضًا، وأصله من عشا يعشو: إذا سار في ظلمة، تسمى عِشوة

стр. 1286

وعُشوة وعَشوة، بالحركات الثلاث، والعشواه بمنزلة الظلماء، ويقال: هو في عشواء من أمره. انتهى. وقال الأزهري: وذكر ابن السّكيت عن أبي عبيدة وابن الأهرابي أنهما قالا: يقال: أوطأته عَشوًة وعِشوًة وعُشوًة، والمعنى فيه أنه أنّه حمله على أن يركب أمرًا غير مستنين الرشد، فربما كان فيه عطبه، وأصله من عشواء اللَّيل وعشوته، مثل ظلماء اللَّيل وظلمته، وأما العشاء فهو أول ظلام اللَّيل. انتهى. وقال الاسترابادي في "شرح الفصيح": قوله: أوطأتني عشوة، والعامة تقول: عشوة بالفتح، قال ابن الأعرابي وأبو عبيدة: هي لغة، وكذلك العشوة، بالضم، ومعناها: الظلمة، أي: خدعتني وغررتني وأدخلتني ظلمة لا أهتدي إليها، والعامة تخطئ من وجه آخر، تقول: أوطيتني، وهذا غلط، وربما قالوا: أعطيتني عشوة، وهذا لا يجوز، والعشوة: الظلمة، ومنه العشا في العين، والعشا: وقت الإظلام. انتهى. وقال أبو سهل الهروي أيضًا في "شرح فصيح ثعلب" أي: جعلتني أطأ ما لا أراه، أي: أوقعتني في أمر ملتبس، وغررتني حتى اغتررت. انتهى. فعشوة: ظرف، وناصه أوطأت. وقوله: فأنت ابن عبد الله، أول سابق، أنت: مبتدأ، وأول خبره، وابن عبد الله منادى، وحرف النداء محذوف. وقوله: ولولا الذي قد خفت بضم التاء، وقوله: لألفيت، بالبناء المعلوم، وفتح التاء، أي: لوجدتني. وكان خالد القسري واليًا على العراق من قبل هشام بن عبد الملك، وعزله في سنة عشرين ومائة من الهجرة، وقتله أشر قتلة في المحرم سنة ست وعشرين، وكانت أم خالد نصرانية رومية، استلبها أبوه فأولدها خالدًا ولم تسلم، وبى ما خالد بيعة، فذّمه الناس على ذلك. وقال الفرزدق: ألا قطع الرَّحمن ظهر مطية ... أتتنا تهادى من دمشق بخالد

стр. 1287

وكيف يؤمُّ النّاس من كانت امُّه ... تدين بأنَّ الله ليس بواحد بنى بيعة فيها النَّصارى لأمِّه ... ويهدم كم كفر منار المساجد وكان خالد قد أمر بهدم منار المساجد، لأنه بلغه أنَّ شاعرًا قال: ليتني في المؤذنين حياتي ... إنَّهم يبصرون من في السطوح ولما بلغه أنَّ الناس يذمونه لبنائه البيعة، اعتذر إليهم فقال: لعن الله دينهم إن كان شرًا من دينكم. كذا فى "تاريخ النويري" وغيره. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثمانون بعد المائتين: (٢٨٤) فقد والله بيَّن لي عنائي ... بوشك فراقهم صرد يصيح لما تقدَّم قبله، وبين: ماض معلوم، ومصدره التبيين، وهو الإيضاح وصرد: فاعل بيّن، والعناء بالفتح والمد، قال الأزهري في "التهذيب": قال أبو الهيثم: العناء: الحبس في شدَّة وذل، يقال: عنا الرجل يعنون عنوا وعناء: إذا ذلّ ذلك واستأثر، قال: وعنّيته تعنية: إذا أسرته فحبسته مضيقًا عليه، وروي عن النّبي ﷺ أنّه قال: «اتقول الله في النساء، فإنهنَّ عندكم عوان» أي: كالأسرى، وقوله: بوشك فراقهم، الباء متعلقة بيصيح، قال الأزهري: ووشك البين: سرعة الفراق. والصُّرد، بضم الصَّاد وفتح الراء، قال الأزهري: "نهى النّبي ﷺ عن قتل أربع: النملة، والنحلة، والصرد، والهدهد" أخبرني المنذري عن إبراهيم الحربي أنه قال: أراد بالنملة الطويلة القوائم التي تكون في الجزبات، وهي لا تؤدي، ونهى عن قتل النحلة لأنها تعسِّل شرابًا فيه شفاء للناس، ونهى عن قتل الصُّرد، لأنَّ العرب كانت تطّيَّر من صوته، وهو الواقي عندهم، فنهى عن قتله ردَّا للطيرة، ونهى عن قتل الهدهد، لأنه أطاع نبيًا من الأنبياء، وأعانه، وقال شمر: قال ابن سميل: الصرد: طائر أبقع ضخم

стр. 1288

الرأس يكون في الشجر، نصفه أبيض ونصفه أسود، ضخم المنقار، له برثن عظيم نحو من القارية في العظم، ويقال له: الأخطب، لاختلاف لونيه، والصرد لا تراه إلاَّ في شعبة أو شجرة، لا يقدر عليه أحد. وقال سكين النُّميري: الصرد صردان: أحدهما يسمّيه أهل العراق: العقعق، قال: وأما الصرد الهمهام فهو البرّي الذي يكون بنجد في العضاه، لا تراه في الأرض، يقفز من شجر إلى شجر، قال: وإن أصحر طرد فأخذ، يقول: لو وقع إلى الأرض لم يستقل حتى يؤخذ، قال: ويصرصر كالصقر. وقال الليث: الصرد: طائر فوق العصفور يصيد العصافير. انتهى. وكان من عادة العرب في الجاهلية التشاؤم بأصوات الطيور، كالغراب والهام والبوم وممم. قال ابن رشيق في باب الزجر والعيافة من كتاب "العمدة": والعرب تتطير بأشياء كثيرة منها العطاس، وسبب طيرتهم منه دابة يقال لها العاطوس يكرهونها، والغراب أعظم ما يتطيرون منه، ويسمونه حاتمًا، لأنه عندهم يحتم بالفراق، ويسمونه الأعور على جهة التطير له بذلك، إذ كان أصح الطير بصرًا. ويتطيرون بالصُّرد، ومن أسمائه الأخيل والأخطب، ويقال: الأخيل الشقرّاق، والواق أيضًا: الصرد. وقد يتطيرون من الباز وأشياء كثيرة من جهة التسمية، قال زبَّان بن منظور الفزاري في حديث كان له مه نابغة بني ذبيان، وقد تطير من جرادة سقطت عليه، فرجع عن الغزو ومضى زبّان فظفر وغنم: تعلَّم أنّه لا طير إلاَّ ... على متطيِّرٍ وهي الثّبور بلى شيءّ يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير

стр. 1289

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد المائتين: (٢٨٥) أفد التَّرحل غير أنَّ ركابنا ... لمّا تزل بر حالنا وكأن قد على أنَّ الفعل بعد "قد" محذوف للدليل، أي: وكأن قد زالت. قال المرادي في "شرح التسهيل": ولم يحفظ هذا الحذف في المضارع. انتهى. ولم يذكر ابن عصفور مثل هذا الحذف من قبيل الضرورة، بل أجاز حذفه في الاختيار، وإنما ذكر من قبيل الضرورة حذف مجزوم "لم" وأجاز في "لما" حذف مجزومها في الاختيار. قياسًا على حذف مدخول "قد" وتبعه المحقق الرضي. والبيت من قصيدة للنابغة الذبياني وأوَّلها: أمن آل ميَّة رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزوَّد زعم البوارح أنَّ رحلتنا غدًا ... وبذّاك خبَّرنا الغراب الأسود لا مرحبًا بغد ولا أهلًا به ... إن كان تفريق الأحبَّة في غد أزف التَّرحل غير أنَّ ركابنا ... البيت قال شارح ديوانه: قوله: أمن آل ميّة، يريد: أرائح أنت من آل ميّة أو مغتد؟ يخاطب نفسه، وليس هذا شكًا منه، ولكنه كالمتثبت، وعجلان: من العجلة. ونصبه على الحال، كما تقول: أنت خارج عاجلًا. وقال ابن الأعرابي وغيره: يريد: أمن آل ميّة تروح بزاد أو بغير زاد؟ والزاد: ما كان من تحية، أو رد سلام. أو وداع. وقال الأصمعي: يقول: تمضي زوّدت أو لم تزود، والواو في معنى أو. والنون من "أمن" متحركة بفتحة همزة آل الملقاة عليها لتحذف لفظًا للتخفيف. وروي: "من آل ميّة" بدون همزة الاستفهام في اللفظ والخطّ، وميّة: كناية عن المتجردة امرأة النعمان بن المنذر ملك الحيرة.

стр. 1290

وهذه القصيدة كانت سبب غضب النعمان عليه، وفراره إلى ملوك غسان بالشام، قال أبو عمرو وابن الأعرابي: كان من حديث النابغة وبدء غضب النعمان عليه أنَّ النعمان كانت عنده المتجردة، وكان النعمان قصيرًا ذميمًا قبيح الوجه أبرش، وكان ماردًا، وكان النابغة ممن يجالسه ويسمر معه، ورجل آخر من بنى يشكر يقال له: المنخَّل، وكان جميلًا يتَّهم بالمتجرّد، وقد ولدت للنعمان غلامين، وكان الناس يزعمون أنهما ابنا المنخّل، وكان النابغة رجلًا حليمًا عفيفًا، وله منزلة يحسد عليها، فقال النعمان يومًا، وعنده المتجرّدة والنابغة: صفها يا نابغة فى شعرك، فقال النّابغة هذه القصيدة، وفيها ذكر أشياء لا يعرفها إلاَّ من ينام معها، كما يأتي بعض أبيات منها، فقال المنخل لما سمع هذا الشعر: لا يستطيع أن يقول هذا الشعر إلاَّ من قد جرَّب! فوقر ذلك في نفس النعمان، ثمَّ اتى النعمان بعد ذلك رهط من بني سعد بن زيدد مناة بن تميم، ثمَّ من بني قريع، فبلّغوه أنَّ النابغة يصف المتجرّدة ويذكر منها، وكان للنعمان بواب يقال له عسام بن شهبر، فأتى النابغة فقال: إنَّ النعمان واقع بك فانطلق، فهرب النابغة إلى غسان، فكان فيهم ومدحهم، وقد كان أتاهم قبل ذلك عند مقتل المنذر، فطلب إليهم في أسارى بني أسد وغيرهم، وفاشتدَّ ذلك على النعمان، وعرف أنَّ الذي بلغه كذب، فبعث إليه: إنك لم تعتذر من سخطه إن كانت بلغتك، ولا كنَّا تغيرنا لك عن شيء مما كنَّا لك عليه، ولقد كان في قومك ممتنع وحصن فتركته، ثمَّ انطلقت إلى قوم قتلوا جدي، وبيني وبينهم ما قد علمت؟ ! وكان النعمان وأبوه وجدّه قد أكرموا النابغة وشرفوه، وأعطوه مالًا عظيمًا. وأرسل النابغة إليه قصائد يعتذر إليه فيها، ويتنصَّل مما رمي فيه. وهي مشهورة، وقد تقدَّم بعض منها في الإنشاد الثالث والعشرين. وقوله: زعم البوارح .. الخ. وروى أبو عبيدة: "وبذاك خبرنا الغذاف الأسود" والغداف، بضم الغين المعجمة: الغراب الضخم، والبوارح: جمع بارح، ومعناه:

стр. 1291

ذو البرح والشدة، والبوارح عند العرب من الظباء والطير وغيرها: التي تأتي من يمين الرجل إلى مياسره، فتوليه مياسيرها، وأهل نجد يتشاءمون بها، والسوانح: التي تأتي من يساره إلى يمينه، فتوليه ميامنها. وأهل نجد يتيمنون بها، وأمّا أهل الحجاز فيتشاءمون بالسوانح ويتيمنون بالبوارح. وفي البيت إقواء، وهو عيب في القوافي يكون بعضها مرفوعًا وبعضها مجرورًا، قال ابن الأعرابي: بلغنا أنَّ النابغة كان أقوى في هذا البيت، فورد يثرب، فلمّا أنشدهم القصيدة قالوا: أقويت، فلم يعرف ما عابوا، فألقوا على فم قينة لهم: وبذاك خبرنا الغداف الأسود، مع ما قبله. فقالوا له: رتليه ومدّيه. فقالت: مغتدي، ثمَّ قالت: الأسود و، ففطن فلم يعد، وغيّره إلى قوله: وبذاك تنعاب الغراب الأسود وقال: وردت يثرب وفي شعري ضعة، وصدرت عنها وأنا أشعر العرب. قال أبو عبيدة: حدثنا أبو عمرو بن العلاء قال: فحلان من الشعراء كانا يقويان: النابغ، وبشر بن أبي خازم، فأما النّابغة فدخل فغني بشعره، فلم يعد إلى الإقواء، وأمّا بشر فقال له أخوه سوادة: إنك تقوي، فقال: وما الإقواء؟ فأنشده: ألم تر أنَّ طول الدَّهر يبلي ... وينسي مثل ما نسيت جذام فرفع، ثمَّ قال: وكانوا قومنا فيغوا علينا ... فسقناهم إلى البلد الشَّان فخفض ولم يعد [للإقواء]. وكان الأخفش يرى أن العرب لا تستنكر الإقواء، وكان يقول: قلَّ قصيدة لاا يكون فيها إقواء، ويعتل لذلك بأنَّ كل بيت

стр. 1292

منها شعر قائم برأسه. وخرَّج بعضهم ما هنا على أنَّ الأصل: "الغراب الأسودي" بياء النسبة على قصد المبالغة، ثمَّّ خففت الياء، وعلى هذا فلا بد من رسم الياء. وقد تشاءمت العرب الغراب، وبالغوا في ذلك حتى أضافوه إلى البين، فقالوا: غراب البين، لأنَّ من شأنه أن ينزل الدور التي بان عنها أهلها، ومن شأنه أكل الجيف والقمامات، وهو من لئام الطير. ومثله في الناس الزنج، فإنَّهم شرار الحلق تركيبًا ومزاجًا، وتقدَّم في الإنشاد الذي قبل هذا ما يتعلَّق بالتَّطير. وقوله: لا مرحبًا بغد .. الخ، هو مفعول مطلق، كأنه قال: لا رحب رحبًا، ولا أهل أهلًا، والرحب: السعة، يذم غداة الفراق ويدعو عليه. وقوله: أفد الترحل .. الخ، أفد بكسر الفاء من باب رح: دنا وقرب، ويروى بدله: "أرزف" بكسر الزّاي، وهو بمعناه. والركاب: الإبل، واحدتها راحلة من غير لفظها، ولما: يمعنى لم، وتزل: بضم الزاي، من زال يزول إذا انتقل وذهب، والرحال: جمع رحل، وهو ما يستصحبه المسافر من الأثاث، وغير: منصوبة على الاستثناء المنقطع، يقول: قرب الارتحال، لكن لم تذهب إبلنا بأثاثنا إلى الآن، وكأن: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والجملة المحذوفة بعد قد خبرها، أي: وكأن قد زالت. ونقل ابن الملا عن ابن جني أنه قال في "الخصائص": يجوز أن يكون قدي هنا بمعنى حسبي، أي: وكأن ذلك حسبي، فقدي وحده الخبر على هذا. انتهى. وهذا لا يسوغ معنى وإعرابًا، والعهدة عليه. ومن أبيات القصيدة في وصف المتجردة: محطوطة المتنين غير مفاضة ... ريَّا الرواد ف بضَّة المتجرَّد أي: مصقولة الظهر يبرق، والمفاضة: المفرطة طولًا، وريَّا الروادف:

стр. 1293

كثيرة لحم العجز، والبضة: الرخصة والنّاعمة، والمتجرّد: البارز عن اللباس، كالوجه والكفين والقدمين. وإذا لمست لمست أخثم جاثمًا ... متحيرًا بمكانه ملء اليد هذا في صفة فرجها، والأخثم: العريض الممتلئ، والمتحير: تحير في موضعه، كتحير الماء با يجد منفذًا. وإذا نظرت نظرت أقمر مشرقًا ... ومركَّنًا ذا زرنب كالجلمد الأقمر: الأبيض، ومركن: له أركان، أي: جوانب، [ذل زرنب: ] ذا ضخم، والزرنب: لحم ظاهر الفرج، والكين: لحم داخله، والجلمد: الحجارة، أي: أنه صلب مكتنز ليس برهل. وإذا طعنت طعنت في نستهدف ... رابي المجسَّة بالعبير مقرمد مستهدف: مرتفع منتصب كالهدف، ورابي المجسَّة، أي: ضخم، من الرابية وهو المرتفع، والعبير: الطيب، ومقرمد: مطليّ كما يقرمد الحوض، أي: يطيَّن. وإذا نزعت نزعت من مستحصف ... نزع الحزور بالرِّشاء المحصد مستحصف: ضيّق، والحزور: الغلام الذي قارب الحلم، والرشاء: الحبل، والمحصد: الشديد الفتل، وصف فرجها بالضيق، يقول: إذا أراد أن ينزع ذكره ضعف عن ذلك لضيقه، كما يضعف الغلام عن استقاء الماء. ويكاد ينزع جلده من ملَّة ... فيها لوافح كالحريق الموقد الملة: الحفرة التي فيها النار، ولوافح: من لفحته النار، إذا حرقته. وأثرت فيه، وهذا وصف فرجها بالحرارة، قال معاوية بن صعصعة: بذي وهج يصطلى كينه ... يكاد يمزق جلد الذكر

стр. 1294

وترجمة النابغة الذبياني تقدَّمت في الإنشاد الثالث والعشرين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثمانون بعد المائتين: (٢٨٦) لولا الحياء وأنَّ رأسي قدعسا ... فيه المشيب لزرت أمَّ القاسم على أنَّ "عسا" هنا بمعنى اشتدَّ لا عسى الجامدة، قال صاحب "الصحاح": عسا الشيء يعسوا عسوًّا، وعساء بالمد، أي: يبس وصلب، وعسى الشيخ يعسو عسيًا: ولى وكبر، قال الأحمر: عست يده تعسو عسوًا: غلظت من العمل، وكذا في "تهذيب الأزهري" وزاد صاحب "القاموس" وعسا الليل: اشتدت ظلمته. وجميعه لا مناسبة له بالبيت، والرواية الثانية: "وقد عثا" بالمثلثة، أي: أفسد، قال صاحب "الصّحاح" عثا في الأرض يعثو: أفسد، وكذلك عثي بالكسر يعثى، وقال تعالى: ﴿ولا تعثوا في الأرض﴾ [البقرة / ٦٠]. انتهى. وكذلك أورده الثعلبي شاهدًا للآية الشريفة، وكذلك أنشده الشريف الحسيني في "حماسته" والأصبهاني في "الأغاني" ورواه ابن السكيت في "ديوان ابن الرقاع": "وأنَّ رأسي قد علا فيه المشيب" وقال: وروي "وقد عثا" وأنشده أبو حيان في "البحر" عند الآية المذكورة، قال: العثو ةالعثي: أشد الفساد، يقال: عثا يعثو عثوًا، وعثي يعثى عثيًا: لغة شاذة، قال الشاعر: لولا الحياء .. البيت. وثبوت العثي دليل على أن عثي ليس أصلها عثو، كرضي الذي أصله رضو، خلافًا لزاعمه. انتهى.

стр. 1295

والبيا من قصيدة لعدي بن الرقاع العاملي، مدح بها الوليد بن عبد الملك بن مروان ومطلعها: ألمم على طلل عفا متقادم ... بين الذؤيب وبين غيب النّاعم لولا الحياء وأنَّ رأسي قد عثا ... فيه المشيب لزرت أم القاسم وكأنها وسط النِّساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر عاسم وسنان أقصده النُّعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم وهذا المقدار أورده صاحب "الأغاني" في ترجمة عدي، وأورد الشريف الأبيات الثلاثة الأخيرة في باب النسيب من "حماسته" وبعده: يصطاد يقظان الرِّجال حديثها ... وتطير لذَّتها بروح النَّائم وإذا هي ابتسمت بدا متشتت ... عذب تروع به فؤاد الحالم ومن الضَّلالة بعد ما ذهب الصِّبا ... نظري إلى حور العيوم نواعم يذعرن من صلع الرِّجال وشيبهم ... ويمقن شيمة كل أهيف عارم أعرضن حين فقدن غرب بطالتي ... ونسين حسن خلائقي وتمائمي فاقطع بقيَّة وصلهنَّ بأينق ... خوص يسجن بركبهن سواهم وبعد أن وصف الإبل بأبيات قال: ولقد لجأت من الوليد إلى امرئ ... حسبي وليس من اصطفاه بنادم للحمد فيه مذاهب ما تنتهي ... ومكارم يعلون كل مكارم ومهاب الملك العزيز ونائل ... بنضي الجواد وأنت نكل الظَّالم وإذا قضى فصل الفيض الكثير فواضلًا ... نفحات أيام له ومقاوم الجامع الحلم الأصيل وسؤد دًا ... غمرًا يعاش به وحكمة حازم والواهب الفتيات أمثال الدُّمى ... متسحبات خلال أسود فاحم

стр. 1296

وهذا آخر القصيدة. قوله: ألمم على طلل .. الخ، قال ابن السكِّيت: أراد: ألمم بطلل، وفي "القاموس" ألمِّ به: نزل، والطلل: الشاخص من آثار الدار، وعفا: اندرس وانمحى، قال ابن السكيت: والذؤيب وغيب النّاعم: موضعان، وقوله: وكأنها وسط النّساء .. الخ، قال ابن السكيت: شبه عينيها بعيني ظبية، وعاسم: موضع. انتهى. والأحور: الأسود الحدقة، في "القاموس": الحور: اسوداد العين كلّها مثل الظباء، ولا يكون في بني آدم، بل يستعار لها، والجآذر: جمع جؤذر، بضم الجيم وسكون الهمزة، والذال المعجمة تضم وتفتح: ولد البقرة الوحشية، وعاسم بالعين والسين المهملتين، قال الزخشري في كتاب "الأمكنة": هو موضع، وفي "القاموس: عاسم: موضع أو نقا بعالج، والنقا من الرَّمل: قطعة تنقاد محدودبة، وعالج: اسم رملة، قاله الزَّمخشري. وقال الأزهري: عالج رمال معروفة في البادية. ووقع في "الأغاني" وغيره "جاسم" بالجيم، وهي قرية بالشام منها أبو تمام صاحب "الحماسة" قال: وجاسم، موضع، ويروى في هذا الشعر "عاسم" مكان جاسم. انتهى. وكذا وقع في "حماسة الشريف" ورأيت في هامش "الكامل": قال أبو جعفر: قرأت في بعض الكتب أن ظباء جاسم، وهي قرية أبي تمام، أحسن الظباء، وكذا وحشها، خبرني بذلك أيضًا بعض من شاهدها. انتهى. وقوله: رجل ميسان، وامرأة ميسان: إذا كانا كثيري الوسن، وأقصده النعاس: يلغ من جهده، ورنّقت: دارت وماجت، وأصل الترنيق: دنو الشيء من الشيء. انتهى. وقد أورد المبرد في "الكامل" هذا مع بيتين قبله، وقال: السِّنة: شدة النعاس، وليس النوم بعينه، قال الله جل وعز: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة / ٢٥٥] ومعنى رنقت: تهيأت، يقال: زنق النسر إذا مدَّ جناحيه ليطير.

стр. 1297

انتهى. وتفسيره السنة بما ذكر غير جيّد، والصواب تفسير صاحب "الكشاف" بالنعاس، وهو ما يتقدَّم النوم من الفتور، وأنشد هذا البيت، وهو قول ابن دريد في "الجمهرة" قال: السنة: اختلاط النوم بالعين قبل استحكامه، وقد فصل الله بين السنة والنوم بقوله : ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ وأنشد هذا البيت. ولم يصب صاحب "الأغاني" بقوله: الوسنان النائم، والوسن: النّوم، والواحدة منه سنة، وأقصده: أصابه. وقوله: وإذا هي ابتسمت .. إلى آخره، قال ابن السكيت: الحالم: الحليم، ويمقن: يحببن، وأهيف: ضامن، وعارم: صاحب عرامة وهي الأذى، وخوص: جمع خوصاء، وهي الغائرة العين من شدة السفر، والوسيج: ضرب من السير، وركب: جمع راكب، وسواهم: ضوامر. وقوله: ونائل ينضي الجواد .. الخ، قال ابن السكيت: يقول: من طلبه في مثل سماحه أنضى فرسه، أيِّ: هزله قبل أن يلحق به، وإنما هذا مثل، والنكل: اللجام، يقول: هو مع ذلك قامع للظالم، ويقال: إن النكل القيد. وقوله: فلم تمل فربى عليه، أي: لم يحاب أقاربه في حكمه. وقوله: تربي، أي: تزيد، ومقاوم جمع مقام، والنفحات: الدفعات من العطاء. وابن الرقاع: هو كما قال صاحب "الأغاني" عدي بن يزيد بن مالك بن عدي ابن الرقاع بن عصر بن عدَّة بن شعل بن معاوية بن الحارث، وهو عاملة بن عدي ابن الحارث بن مرَّة بن أدد، وأم معاوية بن الحارث عاملة بنت وديعة بنت قضاعة، وبها سمُّوا عاملة، ونسبه الناس إلى الرِّقاع، وهو جد جدّه، لشهرته. والرقاع بكسر الرّاء وتخفيف القاف، قال الجوهري: رقعت الثوب بالرقاع، وابن الرقاع العاملي شاعر، وقال:

стр. 1298

لو كنت من أحد يهجا هجوتكم .. يا ابن الرقاع ولكن لست من أحد انتهى. وكان شاعرًا مقدمًا عند بني أمية مدَّ احًا لهم، خاصًا بالوليد بن عبد الملك، وله بنت شاعرة يقال لها سلمى، ذكر ذلك ابن النطاح، وجعله ابن سلاَّم في الطبقة الثالثة من شعراء الإسلام وكان منزله بدمشق، وهو من حاضرة الشعراء لامن باديتهم. أخرج صاحب "الأغاني" عن أبي عبيدة أنه قال: دخل جرير على الوليد بن عبد الملك، وعنده عدي العاملي، فقال له الوليد: أتعرف هذا؟ قال: لا، فمن هو؟ قال: هذا ابن الرقاع، قال: فشر الثياب الرقاع، ممّن هو؟ قال: من عاملة، قال: أما الذين قال الله : ﴿عاملة ناصبة، تصلى نارًا حاميًة﴾ [الغاشية / ٣]، فقال الوليد: والله ليركبنّك، ألشاعرنا ومادحنا، والرائي لأمواتنا تقول هذه المقالة، ياغلام عليَّ بإكاف ولجام، فقام إليه عمر بن الوليد، فسأله أن يعفيه فأعفاه، وقال: والله لئن هجوته لأفعلن بك ولأفعلن، فلم يصرح بهجائه، وعرّض له بقصيدته السينية. وأخرج عن محمد بن موسى المنجم أنه قال: ما أحد ذكر لي فأحببت أن أراه، فإذا رأيته أمرت بصفعه إلاَّ عديَّ بن الرقاع! قلت: ولم ذلك؟ قال: لقوله: وعلمت حتى ما أسائل عالمًا ... عن حرف واحدة لكي أزدادها فكنت أعرض عليه أصناف العلوم، فكلَّما مر به شيء لا يحسنه أمرت بصفعه. حدَّثني إبراهيم بن محمد بن أيوب قال: حدثنا عبد الله بن مسلم قال: كان عديّ ابن الرقاع ينزل الشام، وكانت له بنت تقول الشعر، فأتاه ناس من الشعراء ليسابّوه

стр. 1299

وكان غائبًا، فسمعت ابنته -وهي صغيرة لم تبلغ- ذروًا من وعيدهم، فخرجت إليهم، وأنشأت تقول: تجمعتم من كل أوب وفرقة ... على واجد لا زلتم قرن واحد فأفحمتم. وأخرج عن محمد بن عبّاد بن موسى أنه قال: كنت عند أبي عمرو الشيباني أعرض عليه شعر عدي بن الرقاع، وقرأت: لولا الحياء وأنَّ رأسي قد عثا ... البيت مع بيتين بعده، فقال أبو عمرو: أحسن والله! فقال رجل كان يخضر مجلسه أعرابي كأنه مدني: أما والله لو رأيته مشبوحًا بين أبعةٍ وقضبان الدِّفلى تأخذه، لكنت له أشد استحسانًا، يعني إذا غنّي به على العود. وأخرج عن أبي عبيدة أنه كان يستحسن قوله: وسنان أقصده النعاس ... . . . . . البيت ويقول: ما قال في هذا المعنى أحد أحسن منه. وأخرج عن محمّد بن سلام أنه قال: عزل الوليد بن عبد الملك عبيدة بن عبد الرحمن عن الأردن، وضربه وحلقه، وأقامه للناس، وقال للمتوكلين به: من أتاه متوجعًا أو أثنى عليه فأتوني به، فأتاه عديّ بن الرقاع، وكان عبيدة إليه محسنًا فوقف عليه وأنشأ يقول: فما عزلوك مسبوقًا ولكن ... إلى الغايات سباقًا جوادًا وكنت أخي وما ولدتك أمّي ... وصولًا باذلًا لا مستزادًا فقد هيضت بنكبتك القدامى ... كذاك الله يفعل ما أرادا فوثب الموكلون، فأدخلوه على الوليد، وأخبروه بما جرى، فتغيَّظ عليه الوليد

стр. 1300

وقال: أتمدح رجلًا فعلتُ به ما فعلت؟ ! فقال: يا أمير المؤمنين، إنه كان إلي محسنًا، ولي مؤثرًا؛ ففي أيّ وقت كنت أكافئه بعد هذا اليوم؟ ! فقال: صدقت وكرمت؛ قد عفوت عنك وعنه، فخذه وانصرف، فانصرف به إلى منزله. وأخرج عن ثعلب قال: قال نوح بن جرير لأبيه: يا أبة، من أنسب الشعراء؟ قال له: أمع ما قلت؟ قال له: إني لست أريد من شعرك، إنما أريد من شعر غيرك، قال: ابن الرقاع في قوله: لولا الحياء وأنَّ رأسي قد عثا ... .. الأبيات الثلاثة. ثمَّ قال لي: ما كان يبالي إن لم يقل بعدها شيئًا. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد المائتين: (٢٨٧) حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ ... لناموا فما إن من حديث ولا صالي على أن ابن عصفور زعم أنَّ لام جواب القسم تدخل بدون "قد" على الماضي البعيد الواقع جواب القسم. والبيت من قصيدة لامرئ القيس، تقدم قريبًا شرح أبيات ثلاثة من أولها، وتقدم بعضها في الإنشاد الثالث والستين بعد المائة وقد ذكرنا ما يتعلق به هنا في الشاهد الخامس عشر بعد الثمانمائة من شواهد الرضي. وإن: زائدة، وكذلك "من" زائدة في المبتدأ، وخبره محذوف، أي: مستيقظ، والحديث: يحتمل أن يكون صفة بمعنى المحادث، كالعشير بمعنى المعاشر، ويحتمل أن يكون بمعنى الكلام، فيقدر مضاف، أي: ذي حديث، وصالي: من صلي بالنار، إذا قرب منها، ودفع بحرارتها ألم البرد. وقبله: سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموَّ حباب الماء حالًا على حال
следующие страницы →