Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
وهذا آخر القصيدة. قوله: ألمم على طلل .. الخ، قال ابن السكِّيت: أراد: ألمم بطلل، وفي "القاموس" ألمِّ به: نزل، والطلل: الشاخص من آثار الدار، وعفا: اندرس وانمحى، قال ابن السكيت: والذؤيب وغيب النّاعم: موضعان، وقوله: وكأنها وسط النّساء .. الخ، قال ابن السكيت: شبه عينيها بعيني ظبية، وعاسم: موضع. انتهى. والأحور: الأسود الحدقة، في "القاموس": الحور: اسوداد العين كلّها مثل الظباء، ولا يكون في بني آدم، بل يستعار لها، والجآذر: جمع جؤذر، بضم الجيم وسكون الهمزة، والذال المعجمة تضم وتفتح: ولد البقرة الوحشية، وعاسم بالعين والسين المهملتين، قال الزخشري في كتاب "الأمكنة": هو موضع، وفي "القاموس: عاسم: موضع أو نقا بعالج، والنقا من الرَّمل: قطعة تنقاد محدودبة، وعالج: اسم رملة، قاله الزَّمخشري. وقال الأزهري: عالج رمال معروفة في البادية. ووقع في "الأغاني" وغيره "جاسم" بالجيم، وهي قرية بالشام منها أبو تمام صاحب "الحماسة" قال: وجاسم، موضع، ويروى في هذا الشعر "عاسم" مكان جاسم. انتهى. وكذا وقع في "حماسة الشريف" ورأيت في هامش "الكامل": قال أبو جعفر: قرأت في بعض الكتب أن ظباء جاسم، وهي قرية أبي تمام، أحسن الظباء، وكذا وحشها، خبرني بذلك أيضًا بعض من شاهدها. انتهى. وقوله: رجل ميسان، وامرأة ميسان: إذا كانا كثيري الوسن، وأقصده النعاس: يلغ من جهده، ورنّقت: دارت وماجت، وأصل الترنيق: دنو الشيء من الشيء. انتهى. وقد أورد المبرد في "الكامل" هذا مع بيتين قبله، وقال: السِّنة: شدة النعاس، وليس النوم بعينه، قال الله جل وعز: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة / ٢٥٥] ومعنى رنقت: تهيأت، يقال: زنق النسر إذا مدَّ جناحيه ليطير.
стр. 1297
انتهى. وتفسيره السنة بما ذكر غير جيّد، والصواب تفسير صاحب "الكشاف" بالنعاس، وهو ما يتقدَّم النوم من الفتور، وأنشد هذا البيت، وهو قول ابن دريد في "الجمهرة" قال: السنة: اختلاط النوم بالعين قبل استحكامه، وقد فصل الله بين السنة والنوم بقوله : ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ وأنشد هذا البيت. ولم يصب صاحب "الأغاني" بقوله: الوسنان النائم، والوسن: النّوم، والواحدة منه سنة، وأقصده: أصابه.
وقوله: وإذا هي ابتسمت .. إلى آخره، قال ابن السكيت: الحالم: الحليم، ويمقن: يحببن، وأهيف: ضامن، وعارم: صاحب عرامة وهي الأذى، وخوص: جمع خوصاء، وهي الغائرة العين من شدة السفر، والوسيج: ضرب من السير، وركب: جمع راكب، وسواهم: ضوامر.
وقوله: ونائل ينضي الجواد .. الخ، قال ابن السكيت: يقول: من طلبه في مثل سماحه أنضى فرسه، أيِّ: هزله قبل أن يلحق به، وإنما هذا مثل، والنكل: اللجام، يقول: هو مع ذلك قامع للظالم، ويقال: إن النكل القيد. وقوله: فلم تمل فربى عليه، أي: لم يحاب أقاربه في حكمه. وقوله: تربي، أي: تزيد، ومقاوم جمع مقام، والنفحات: الدفعات من العطاء.
وابن الرقاع: هو كما قال صاحب "الأغاني" عدي بن يزيد بن مالك بن عدي ابن الرقاع بن عصر بن عدَّة بن شعل بن معاوية بن الحارث، وهو عاملة بن عدي ابن الحارث بن مرَّة بن أدد، وأم معاوية بن الحارث عاملة بنت وديعة بنت قضاعة، وبها سمُّوا عاملة، ونسبه الناس إلى الرِّقاع، وهو جد جدّه، لشهرته. والرقاع بكسر الرّاء وتخفيف القاف، قال الجوهري: رقعت الثوب بالرقاع، وابن الرقاع العاملي شاعر، وقال:
стр. 1298
لو كنت من أحد يهجا هجوتكم .. يا ابن الرقاع ولكن لست من أحد
انتهى. وكان شاعرًا مقدمًا عند بني أمية مدَّ احًا لهم، خاصًا بالوليد بن عبد الملك، وله بنت شاعرة يقال لها سلمى، ذكر ذلك ابن النطاح، وجعله ابن سلاَّم في الطبقة الثالثة من شعراء الإسلام وكان منزله بدمشق، وهو من حاضرة الشعراء لامن باديتهم.
أخرج صاحب "الأغاني" عن أبي عبيدة أنه قال: دخل جرير على الوليد بن عبد الملك، وعنده عدي العاملي، فقال له الوليد: أتعرف هذا؟ قال: لا، فمن هو؟ قال: هذا ابن الرقاع، قال: فشر الثياب الرقاع، ممّن هو؟ قال: من عاملة، قال: أما الذين قال الله : ﴿عاملة ناصبة، تصلى نارًا حاميًة﴾ [الغاشية / ٣]، فقال الوليد: والله ليركبنّك، ألشاعرنا ومادحنا، والرائي لأمواتنا تقول هذه المقالة، ياغلام عليَّ بإكاف ولجام، فقام إليه عمر بن الوليد، فسأله أن يعفيه فأعفاه، وقال: والله لئن هجوته لأفعلن بك ولأفعلن، فلم يصرح بهجائه، وعرّض له بقصيدته السينية. وأخرج عن محمد بن موسى المنجم أنه قال: ما أحد ذكر لي فأحببت أن أراه، فإذا رأيته أمرت بصفعه إلاَّ عديَّ بن الرقاع! قلت: ولم ذلك؟ قال: لقوله:
وعلمت حتى ما أسائل عالمًا ... عن حرف واحدة لكي أزدادها
فكنت أعرض عليه أصناف العلوم، فكلَّما مر به شيء لا يحسنه أمرت بصفعه. حدَّثني إبراهيم بن محمد بن أيوب قال: حدثنا عبد الله بن مسلم قال: كان عديّ ابن الرقاع ينزل الشام، وكانت له بنت تقول الشعر، فأتاه ناس من الشعراء ليسابّوه
стр. 1299
وكان غائبًا، فسمعت ابنته -وهي صغيرة لم تبلغ- ذروًا من وعيدهم، فخرجت إليهم، وأنشأت تقول:
تجمعتم من كل أوب وفرقة ... على واجد لا زلتم قرن واحد
فأفحمتم.
وأخرج عن محمد بن عبّاد بن موسى أنه قال: كنت عند أبي عمرو الشيباني أعرض عليه شعر عدي بن الرقاع، وقرأت:
لولا الحياء وأنَّ رأسي قد عثا ... البيت
مع بيتين بعده، فقال أبو عمرو: أحسن والله! فقال رجل كان يخضر مجلسه أعرابي كأنه مدني: أما والله لو رأيته مشبوحًا بين أبعةٍ وقضبان الدِّفلى تأخذه، لكنت له أشد استحسانًا، يعني إذا غنّي به على العود.
وأخرج عن أبي عبيدة أنه كان يستحسن قوله:
وسنان أقصده النعاس ... . . . . . البيت
ويقول: ما قال في هذا المعنى أحد أحسن منه. وأخرج عن محمّد بن سلام أنه قال: عزل الوليد بن عبد الملك عبيدة بن عبد الرحمن عن الأردن، وضربه وحلقه، وأقامه للناس، وقال للمتوكلين به: من أتاه متوجعًا أو أثنى عليه فأتوني به، فأتاه عديّ بن الرقاع، وكان عبيدة إليه محسنًا فوقف عليه وأنشأ يقول:
فما عزلوك مسبوقًا ولكن ... إلى الغايات سباقًا جوادًا
وكنت أخي وما ولدتك أمّي ... وصولًا باذلًا لا مستزادًا
فقد هيضت بنكبتك القدامى ... كذاك الله يفعل ما أرادا
فوثب الموكلون، فأدخلوه على الوليد، وأخبروه بما جرى، فتغيَّظ عليه الوليد
стр. 1300
وقال: أتمدح رجلًا فعلتُ به ما فعلت؟ ! فقال: يا أمير المؤمنين، إنه كان إلي محسنًا، ولي مؤثرًا؛ ففي أيّ وقت كنت أكافئه بعد هذا اليوم؟ ! فقال: صدقت وكرمت؛ قد عفوت عنك وعنه، فخذه وانصرف، فانصرف به إلى منزله. وأخرج عن ثعلب قال: قال نوح بن جرير لأبيه: يا أبة، من أنسب الشعراء؟ قال له: أمع ما قلت؟ قال له: إني لست أريد من شعرك، إنما أريد من شعر غيرك، قال: ابن الرقاع في قوله:
لولا الحياء وأنَّ رأسي قد عثا ... .. الأبيات الثلاثة.
ثمَّ قال لي: ما كان يبالي إن لم يقل بعدها شيئًا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد المائتين:
(٢٨٧) حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ ... لناموا فما إن من حديث ولا صالي
على أن ابن عصفور زعم أنَّ لام جواب القسم تدخل بدون "قد" على الماضي البعيد الواقع جواب القسم.
والبيت من قصيدة لامرئ القيس، تقدم قريبًا شرح أبيات ثلاثة من أولها، وتقدم بعضها في الإنشاد الثالث والستين بعد المائة وقد ذكرنا ما يتعلق به هنا في الشاهد الخامس عشر بعد الثمانمائة من شواهد الرضي.
وإن: زائدة، وكذلك "من" زائدة في المبتدأ، وخبره محذوف، أي: مستيقظ، والحديث: يحتمل أن يكون صفة بمعنى المحادث، كالعشير بمعنى المعاشر، ويحتمل أن يكون بمعنى الكلام، فيقدر مضاف، أي: ذي حديث، وصالي: من صلي بالنار، إذا قرب منها، ودفع بحرارتها ألم البرد. وقبله:
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموَّ حباب الماء حالًا على حال
стр. 1301
فقالت سباك الله إنَّك فاضحي ... ألست ترى السُّمَار والنَّاس أحوالي
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ... ولو قطَّعوا رأسي لديك وأوصالي
حلفت لها بالله .. البيت
والسمو: العلوّ، وأراد به النهوض، يقول: جئت إليها بعد ما نام أهلها، والحباب، بالفتح: النفاخات التي تعلو الماء، وقيل: الطرائق التي في الماء كأنها الوشي، وسباك الله: أبعدك وأذهبك إلى غربة، وقيل: لعنك الله، وقال أبو حاتم: معناه: سلّط الله عليك من يسبَّك، والسّمَار: المتحدثون باللَّيل في ضوء القمر، جمع سامر، وأحوالي: أطرافي جمع حول، وقوله: أبرح قاعدًا، أي: لا أبرح قاعدًا، والأوصال: المفاصل، وقيل: مجتمع العظام، جمع وصل بكسر الواو وضمها. وقد تكلمنا على هذا البيت في الشاهد التاسع بعد الثمانمائة من شواهد المحقق الرضي رحمه الله تعالى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثمانون بعد المائتين:
(٢٨٨) قد أترك القرن مصفرًا أنامله ... كأنَّ أثوابه مجَّت بفرصاد
على أنَّ "قد" فيه للتكثير، قال سيبويه في باب عدة ما يكون عليه الكلم من أواخر "كتابه" قال: وتكون "قد" بمنزلة "ربما"، وقال الشاعر الهذلي: قد أترك القرن .. البيت، كأنما قال: ربما. انتهى. وهذه عبارة مجملة، فإنَّ ربما تأتي للتقليل، وتأتي للتكثير، ولم يشرح هذه العبارة السيرافي ولا أبو علي في شرحيهما، وحمل ابن مالك على الأول، وحمل أبو حيَّان على الثاني وتبعه المصنف، وقد شنع بعض الفضلاء على المصنف، ورد عليه الدماميني قال هنا: قال ابن مالك: إطلاق سيبويه القول بأنها بمنزلة ربّما موجب للتسوية بينهما في التقليل والصرف إلى المضي، واعترضه
стр. 1302
أبو حيان فقال: لم يبين سيبويه الجهة التي فيها "قد" بمنزلة "ربما" ولا يدلّ على ذلك التسوية في كلّ الأحكام، بل يستدل بكلام سيبويه على نقيض ما فهمه ابن مالك، وهو أن قد بمنزلة رَّبما في التكثير فقط، ويدل عليه إنشاد البيت، لأنَّ الإنسان لا يفخر بما يقع منه على سبيل القلة والنذرة، وإنّما يفتخر بما يقع منه على سبيل الكثرة، فيكون قد بمنزلة ربّما في التكثير. انتهى. وانتصر بعض الفضلاء لابن مالك فقال: أما قوله: لم يبين سيبويه الجهة التي فيها .. الخ، فإطلاق التسوية كاف في الأحكام كلّها إلّا ما تعين خروجه، وأما قوله: لأنَّ الإنسان .. الخ، فجوابه أن ذلك فيما يمكن وقوعه قليلًا وكثيرًا، فلا يفخر منه إلَّا بالكثير، أمّا ما لا يقع إلَّا نادرًا، فيقع الافتخار منه بالقليل لاستحالة الكثرة فيه، وترك المرء قرنه مصفر الأنامل، كأنَّ أثوابه مجت بفرصاد، يستحيل وقوعه كثيرًا، وإنما يتفق نارًا، فلذلك يفتخر به، لأنَّ القرن هو المقاوم للشخص الكفء له في شجاعته، فلو فرض مغلوبًا معه في الكثير من الأوقات، لم يكن قرنًا له، إذ لا يكون قرنًا إلَّا عند المكافأة غالبًا، إذا تقرر هذا فنقول: لما كان قوله القرن يقتضي أنه لا يغلب قرنه، لأن القرنين غالب أمرهما التعارض، ثمَّ قضى بأنه قد يغلبه؛ حملنا ذلك على القلة صونًا للكلام عن التدافع، وقلنا: المراد أنه يتركه كذلك تركًا لا يخرجه عن كونه قرنًا، وذلك هو الترك النَّادر، لئلَّا يدفع آخر الكلام أوله. والزّمخشري فهم ما فهم أبو حيان من أن قد في البيت للتكثير، فقد اتجهت المؤاخذة على ابن هشام في نقله هذا المعنى عن سيبويه، فإنَّ سيبويه لم يقله نصًا، وإنما فهمه أبو حيان عنه، ثمَّ أبو حيّان ليس جازمًا به، وإنما قاله معارضًا لفهم ابن مالك. ومثل هذا لا يكفي في تسويغ النقل عن سيبويه أنه قال: إنَّ "قد" في البيت للتكثير، وغايته فهم جوّزه أبو حيّان، وسبقه الزمخشري إليه، وهو معارض لفهم ابن مالك أحد المجتهدين في النحو. كذا قال ذلك الفاضل. قلت حاصل كلامه أنَّ التكثير فيه ملزم للتناقض بناء على أنّ القرن هو الكفء، وكثرة مغلوبيه تمنع كونه قرنًا، وقد فرض أنه قرن هذا خلف، وإنما يتم ذلك، أن لو
стр. 1303
كان المراد بالقرن واحدًا وهو ممنوع، بل الظاهر أنَّ المراد به الجنس، فإذا فرضنا أنه غلب جميع أقرانه وهو مائة مثلًا، كلّ واحد مرّة، حصلت كثرة الغلبة مع انتفاء التناقض، لتعدد المحال، وهذا هو اللائق بمقام الافتخار، وظهر بهذا أنَّ: قوله: لاستحالة الكثرة فيه مستدرك، وأنَّ قوله: إن ذلك فيما يمكن وقوعه قليلًا وكثيرًا فلا يفتخر منه إلَّا بالكثير لا يجديه نفعًا في مرامه، بل هو عليه كما عرفت. إلى هنا كلام الدماميني، ولم يرد على ذلك الفاضل في "شرح التسهيل" وإنما أورد كلامه هناك وسلمه، بل شنع على المصنف غاية التشنيع، وعلم منه أن "الحاشية الهندية" بعد "شرح التسهيل" قال فيه بعد أن نقل اعتراض أبي حيان على ابن مالك: وراج هذا الاعتراض على ابن هشام مع كثرة انتقاده على أبي حيان، فظنّه صحيحًا، وحمله على أن جزم بـ "قد" التكثير في معاني قد، وأنشد عليه البيت، بل ونسب القول بكونها للتكثير إلى سيبويه من غير تلعثم، واعتراض أبي حيان بمدرجة التزييف والرّد، ثمَّ نقل كلام ذلك الفاضل ولم يتعقبه بشيء، وقد حصل جماعة معنى قد في البيت على التكثير، منهم الرضي في "شرح الكافيه" وشراح "المفصّل" وما نقله ذلك الفاضل عن ابن مالك وأبي حيان لم أره في "التسهيل" وشروحه، بل رأيت أبا حيان قد تعقب صاحب "الكشاف" في قوله: إنَّ "قد" في الآية للتكثير، قال في "البحر": وقال الزمخشري (قد نرى): ربَّما نرى، ومعناه كثرة الرؤية، كقوله: قد أترك القرن .. البيت، وهذا على التحقيق متضاد، لأنه شرح: قد نرى بـ "ربَّما" نرى، ورب على مذهب المحققين إنما تكون لتقليل الشيء في نفسه، أو لتقليل نظيره، ثم قال: ومعناه كثرة الرؤية، فهو مضاد لمدلول "ربَّ" على مذهب الجمهور، ثمَّ هذا [المعنى] الذي ادعاه من كثرة الرؤية لا يدلّ عليه اللفظ، لأنه لم يوضع لكثرة قد مع المضارع، سواء أريد به المضي أم لا، وإنما فهمت الكثرة من متعلق الرؤية وهو التقلب،
стр. 1304
وقال في "النهر" أيضًا بعد كلام الزمخشري: "ربَّ" على مذهب الجمهور لتقليل الشيء في نظيره أو في نفسه، وتركيب قد مع المضارع لا يدل على الكثرة، بل إن فهمت الكثرة فمن خارج، والكثرة هنا إنما فهمت من متعلق الرؤية، لأنَّ من رفع بصره [إلى السماء] مرّة واحدة لا يقال فيه: قلب بصره، وإنما يقال "قلّب" إذا ردد، فالكثرة ههنا إنما فهمت من التقلب الذي هو مطاوع التقليب. انتهى. و"قد" عند صاحب "الكشاف" ليست موضوعة، وإنما هي في الآية والبيت مستعارة للتكثير، قال التفتازاني تبعًا للقطب والطّيي: يعني صاحب "الكشاف: إن أصل قد في المضارع للتقليل، وقد استعيرت ههنا للتكثير بمناسبة التضاد كـ "ربَّما". انتهى. وقد حقق صاحب "الكشاف" في تفسير سورة التكوير [الآية ١٤] عند قوله تعالى: ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ أنّّ أصل مفاد "قد" التقليل، قال: فإن قلت: كل نفس تعلم ما أحضرت، كقوله: ﴿يوم نجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا﴾ [آل عمران/ ٣٠] الأنفس واحدة، فما معنى قوله: ﴿عملت نفس﴾؟ قلت: هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ [الحجر/ ٢] ومعناه معنى كم وأبلغ، ومنه قول القائل: قد أترك القرن .. البيت، وتقول لبعض قواد العسكر: كم عندك من الفرسان؟ فيقول: ربّ فارس عندي، أو: لا تعدم فارسًا عندي، وعنده المقانب. وقصده بذلك التمادي في كثرة فرسانه، ولكنه أراد إظهار براءته من التزيد، وأنه ممن يقلل كثير ما عنده فضلًا أن يتزيد، فجاء بلفظ التقليل، ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين. انتهى كلامه. قال الإمام الطيبي هذا الجواب للإمام، وهذا كمن يسأل عالمًا عن
стр. 1305
مسألة ظاهرة، ويقول له: هل عندك شيء فيها؟ فيقول: ربما حضر شيء، وغرضه الإشارة إلى أنَّ ما عنده في تلك المسألة ما لا يقوم به غيره، وأراد بالتقليل في قوله: قد أترك ... التكثير لمقام المدح. وقوله: ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين، وذلك أن العكس في الكلام إنما يصار إليه للمبالغة، والمتكلم إنما يتمكن منه إذا لم ينازع فيما عكس فيه، وأنه كالمجمع عليه بقرائن الأحوال، ولذلك قال: وتقول لبعض قواد العساكر، وعليه قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ انتهى كلام الطيبي فعلم أن كلا محملي كلام سيبويه صحيح، فمن قال: إن "قد" مثل "ربما" في التقليل، كان باعتبار الوضع. ومن قال: إن قد مثلها في التكثير، كان باعتبار المراد، وبهذا يصح القولان ويزول الخلاف، ولله الحمد والمنَّة.
وقد وقع في "كتاب سيبويه" نسبة البيت على بعض الهذليين، ولم أره في أشعارهم من رواية السكّري، ورأيته من قصيدة لعبيد بن الأبرص الأسدي، أوردها الأصمعي في "الأصمعيات" وهذا مطلعها:
طاف الخيال علينا ليلة الوادي ... من آل أسماء لم يلمم بميعاد
أنَّي اهتدين لركب طال ليلهم ... في سبسبٍ بين دكداك وأعقاد
يطوِّفون الفلا في كل هاجرةٍ ... مثل الفنيق إذا ما حثَّه الحادي
إلى أن قال:
اذهب إليك فإنِّي من بيني أسدٍ ... أهل القباب وأهل المجد والنادي
قد أترك القرن مصفرًّا أنامله ... كأنَّ أثوابه مجَّت بفرصاد
قوله: أنَّ اهتديت: خطاب للخيال، أي: كيف اهتدين؟ التفت من الغيبة على الخطاب، والسبب: المفازة والقفر، والدكداك، بالفتح: ما التبد من الرمل
стр. 1306
ولم يرتفع، وأعقاد: جمع عقد، بفتح فكسر، وهو ما تعقَّد من الرمل، أي: تراكم، وطوّف: مبالغة طاف، والفنيق، بفتح الفاء وكسر النون: الفحل المكرم من الإبل. وقوله: اذهب إليك، فيه حذف مضاف، أي: اذهب إلى قومك، بدليل قوله: فإني من بني أسد، فلا يرد أن مجرور إلى وفاعل متعلقها ضميران لشيء واحد. وقال ابن حبيب في قول الأعشى:
فاذهبي ما إليك أدركني الحلم ... عداني عن هيجكم أشغالي
إنَّ العرب تقول: اذهب إليك، وسر عنك، بزيادة إليك وعنك. انتهى. وقال القاضي عياض في "الشفا" في فصل فصاحته ﷺ ، في حديث العامري حين سأله: "سل عنك" أي: سل عم شئت، وهي لغة نبي عامر. انتهى. وهذا لا يتأتى أن يجري في بيت عبيد، ووجه البلاغة في هذه الكلمة أنها جعلت كناية عن سل عن كل شيء، فإنّض كل أحد أدرى بنفسه، فإذا أمره بسؤاله عنها فكأنه قال له: أنا أعلم بك منك.
وقوله: أترك القرن .. الخ، القرن بكسر القاف: المماثل في الشجاعة، والأنامل: رؤوس الأصابع، وأترك: من الترك بمعنى التخلية، ويتعدى إلى مفعول واحد، فمصفرًا هو المفعول الثاني، والمعنى: أقتله، فينزف دمه، فتصفر أنامله. وقال الأعلم: خصّ الأنامل لأن الصفرة إليها أسرع، وفيها أظهر. وقال ابن السيرافي في "شرح أبيات الغريب المصنف": يريد أنّضه يقتل قرنه فتصفر أنامله، ويقال: إنه إذا مات الميت اصفرت أنامله، ومجَّت: رميت، والمراد صبغت، والفرصاد بكسر الفاء، قال الأعلم: هو التوت، شبه الدم بحمرة عصارته وفي "القاموس": القرصاد: التوت أو أحمره أو صبغ أحمر.
стр. 1307
وقد تداول الشعراء هذا البيت، فبعضهم أخذه بلفظه، وبعضهم أخذ معناه، قال أبو المثلم الهذلي يرئي صخر الغي الهذلي:
ويترك القرن مصفرًّا أنامله ... كأنَّ في ريطتيه نضح إرقان
والإرقان، بكسر الهمزة وبالقاف: الزعفران، وقال المتنخل الهذلي يرثي ابنه:
والتَّارك القرن مصفرًا أنامله ... كأنه من عقار قهوة ثمل
وقال زهير بن مسعود الضبي:
هلَّا سألت هداك الله ما حسبي ... عند الطِّعان إذا ما احمرّضت الحدق
هل أترك القرن مصفرًّا أنامله ... قد بل أثوابه من جوفه العلق
وقالت ريطة الهذلية ترثي أخاها عمرًا ذا الكلب:
والتَّارك القرن مصفرًّا أنامله ... كأنَّه من نجيع الجوف مخضوب
وقال زهير بن أبي سلمى:
قد أترك القرن مصفرًّا أنامله ... يميد في الرُّمح ميد المائح الأسن
المائح بالهمزة: الذي يملأ الدلو في أسفل البئر، والأسن بفتح الهمزة وكسر السين المهملة: الذي أصابته ريح منتنة من ريح البير أو غير ذلك، فغشي عليه أو دار رأسه. وقال أحد بني جرم:
стр. 1308
وأترك القرن مصفرًّا أنامله ... دامي المراد ع منكبًا على العفر
وقالت عمرة بنت شداد الكلبيّة ترثي أخاها:
قد يطعن الطعَّنة النجلاء يتبعها ... مضرّج بعدها تغلي بإزباد
ويترك القرن مصفرًّا أنامله ... كأنَّ أثوابه مجَّت بفرصاد
وقال الأعشي:
قد أترك القرن مصفرًّا أنامله ... وقد يشيط على أرماحنا البطل
وعبيد بن الأبرص: شاعر جاهلي تقدَّمت ترجمته في الإنشاد الخامس والعشرين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثمانون بعد المائتين:
(٢٨٩) قد أشهد الغارة الشعواء تحملني ... جرداء معروقة اللَّحيين سرحوب
لما تقدَّم قبله. وهو من قصيدة لامرئ القيس، وقبله وهو مطلعها:
الخير ما طلعت شمس وما غربت ... مطَّلبٌ بنواصي الخيل معصوب
стр. 1309
والخير: مبتدأ، ومطلب: خبره. وما: مصدرية ظرفية، والباء متعلقة بمطلب، ومتعلق معصوب محذوف تقديره بها، وهو موافق للحديث: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة".
وقوله: قد أشهد، أي: أحضر، والغارة: الخيل المغبرة على الأعداء، وأصله اسم مصدر من أغار على العدوّ إغارة، أي: هجم عليه، شعواء: بالشين المعجمة والعين المهملة: المتفرقة، تتفرَّق الخيل على الأعداء من هنا ومن هنا حتى لا يفوتهم أحد من العدوّ، والجرداء، بالجيم: مؤنث الأجرد، يقال: فرس أجرد، وفرس جرداء، إذا كان رقيق الشعر قصيره، وهو من وصف كرائم الخيل، ومعروقة: قليلة اللحم ضامرة، وهذا أيضًا صفة مدح، واللحيين: مثنى لحي، بفتح اللَّام وسكون الحاء المهملة: العظم الذي ينبت عليه الأسنان من داخل الفم، وتنبت عليه اللحية من الخارج. والسرحوب: الطويلة على وجه الأرض، وهو وصف خاص بإناث الخيل.
وأضاف المصنف هذا البيت إلى العروض، أي: علم العروض، لأنه يذكر شاهدًا للضرب الثاني من البسيط، وهو مذكور في كلّ كتاب من علم العروض وبعده:
كأَّنها حين فاض الماء واختلفت ... صقعاء لاح لها بالسَّرحة الذِّيب
فأبصرت شخصه من دون مرقبة ... ودون موقعها منه شناخيب
فأقبلت نحوه في الرِّيح كاسرةً ... يحثها من هواء الجوِّ تصويب
صبَّت عليه ولم تنصب من أمم ... إنَّ الشَّقاء على الأشقين مصبوب
كالدَّلو بتّت عراها وهي مثقلة ... إذ خانها وذم منها وتكريب
стр. 1310
لا كالَّتي في هواء الحوِّ طالبةً ... ولا كهذا الَّذي في الأرض مطلوب
كالبرق والرِّيح مر منهما عجب ... ما في اجتهاد عن الإسراع تغبيب
فأدركته فنالته مخالبها ... فانسلَّ من تحتها والدَّف منقوب
وقوله: كأنها .. الخ، أي: كأنَّ الفرس حين عرقت، فالماء عرقها، واختلفت، أي: استقت ماء، يريد: كأنها استقت ماء من شدة عرقها، أو معناه: ترددت جاءت وذهبت، فإنَّ الاختلاف أحد معانيه التردد، جاءت وذهبت، فإنَّ الاختلاف أحد معانيه التردد، وصقعاء: خبر كأنها، شبّه الفرس بالعقاب الصقعاء، وهي التي في وسط رأسها صقعة، أي: بياض، ولاح: ظهر، والسرحة: شجرة، وقيل: موضع، يقول: كانت العقاب واقفة تبصر صيدًا، فلاح لها الذئب.
وقوله: فأبصرت شخصه .. الخ، المرقبة، بالفتح: الموضع العالي الذي يرقب فيه العدوّ. وموقع العقاب: الموضع الذي هي واقفة عليه، والشناخيب: رؤوس الجبال، أي: بين موقعها من الذئب وبينه رؤوس جبال عالية.
وقوله: فأقبلت نحوه .. الخ، أي: نحو الذئب، وكسر الطائر: إذا صف جناحيه، والتصويب: الانصباب.
وقوله: صبّت عليه، أي: سلِّطت العقاب على الذئب، والأمم، بفتحتين القرب، يقال: أخذته من أمم، والأشقين: جمع أشقى. وهذا المصراع من إرسال المثل. وقوله: بُتّت عراها .. الخ، شبّه هويّ العقاب بسرعة هويّ الدلو الممتلئة إذا انقطع حبلها، وبُتت: قُطعت من البتّ، وهو القطع. والعرى: جمع عروة، والوذم، بفتح الواو والذال المعجة: السيور التي بين آذان الدلو وأطراف العراقي، وهي العيدان المصلبة، تشد من أسفل الدلو إلى قدر ذراع أو ذراعين من حبل الدلو مما يلي الدّلو، فإن انقطع حبلها تعلقت بالوذم، والتكريب: شد الكرب –بفتحتين- وهو الحبل الذي يشد في وسط العراقي، ثمَّ يثني، ثمَّ يثلث، ليكون هو الذي يلي الماء، فلا يعفن الحبل الكبير.
стр. 1311
وقوله: لا كالّتي في هواء الجو .. البيت، هو من شواهد الرّضي وسيبويه، شرحناه في الشاهد السادس والستين بعد المائتين. قال الأعلم: الشاهد فيه: رفع "مطلوب" حملًا على موضع الكاف، لأنها في تأويل مثل، وموضعها رفع، وهو بمنزلة: لا كزيد رجل، ولو نصبت حملًا على اللفظ وعلى التمييز لجاز. انتهى. ونقل ابن السراج في "الأصول" عن سيبويه أنَّ اسم "لا" في مثل هذا محذوف، والكاف حرف كأنه قال: ولا شيء كهذا، والمعنى: لا شيء كهذه العقاب الطالبة، ولا شيء كهذا الذئب المطلوب في قطع المسافة بالسرعة. قال ابن رشيق في "العمدة": هذا البيت عند دعبل أشعر بيت قالته العرب، وبه قدمه على الشعراء.
وقوله: كالبرق والرّيح .. الخ، يقول: إنَّ العقاب والذئب مرّهما وسرعتهما كالبرق والريح، والتغبيب: الفتور والتقصير، يقال: غبّب فلان في الحاجة تغبيبًا: إذا لم يبالغ فيها، وهو من الغبّ، بالغين المعجمة والباء الموحدة.
وقوله: فأدركته .. الخ، انسل: انفلت، والدفّ، بفتح الدال وتشديد الفاء: الجنب، يغني: أفلت الذئب من العقاب ونجا، لكن نقبت جنبه. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاء الرابع من أول الكتاب.
قال ابن حبيب في "شرح ديوان امرئ القيس" يقال: إنَّ هذه القصيدة لرجل من الأنصار، وهي بشعره أشبه. وصرَّح ابن يسعون في "شرح شواهد إيضاح أبي علي" باسمه، وقال: الصحيح أنَّ هذا البيت من قصيدة لعمران بن إبراهيم الأنصاري، وأنشد بعده:
إذا تبصَّرها الراؤون مقبلة ... لاحت لهم غرَّة منها وتجبيب
رفاقها ضرمٌ وجريها خذم ... ولحمها زيم والبطن مقبوب
стр. 1312
واليد سابحة والرِّجل ضارحة ... والعين قادحة والمتن ملحوب
والماء منهمر والشَّدُّ منهمر ... والقصب مضطمر واللَّون غربيب
وقال: سابحة، أي: عائمة، استعار ذلك للفرس، والضارحة: النافحة برجليها، والقادحة: الغائرة، والمتن: الظهر، وملحوب: أملس قليل اللّحم، كأنه مقشور، ويروي: مقبوب، أي: مضمر، والأقب: الضامر. انتهى. واقتصر السيوطي على ما أورده ابن يسعون.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التسعون بعد المائتين:
(٢٩٠) وألحق بالحجاز فأستريحا
وصدره:
سأترك منزلي لبني تميم
على أنه جاء "أسريح" منصوبًا بأن المضمرة بعد الإثبات ضرورة ولا نفي قبله، ولا يلزم من نصب الفعل بأن المضمرة تقدم نفي. قال ابن يسعون في "شرح أبيات الإيضاح" نصب بالفاء في الواجب ضرورة وتشبيهًا بغير الواجب، وإنما حقه الرفع، إذ لا ضرورة تدعو إلى إضمار "أن" في غير الشعر، فأمّا غير الواجب فإنه بخلاف ذلك إذا لم ترد عطف الفعل على الفعل، فأنت مضطر إلى تقدير المصدر، ليصح تقدير العطف، تقول: زرني فأحسن إليك، ولو عطفت لم يجز، لأنَّ المتكلم لا يأمر نفسه بغير لام، وكذلك القول في جميع هذا الباب، وإنَّما يحمل على المعنى بسبب يقتضي ذلك، وإلَّا فالحمل على اللفظ هو الوجه. وزعم أبو علي أنَّ النّصب في الواجب كالنصب في غير الواجب، لأنَّ الفعل يدل على مصدره في الوجهين، غير أنَّ الاستعمال ورد بأحدهما، فكان الآخر شاذًا من حيث الاستعمال، مطّردًا من حيث القياس، وكذلك الواو. انتهى.
стр. 1313
وقال سيبويه: وقد يجوز النّصب في الواجب في اضطرار الشّعر، ونصبه في الاضطرار من حيث انتصب في غير الواجب، وذلك لأنَّك تجعل "أن" العاملة، فمما نصب في الشعر اضطرارًا قول الشاعر:
سأترك منزلي لبني تميمٍ ... وألحق بالحجاز فاستريحا
وقال الأعشى، وأنشدناه يونس:
ثمَّت لا يجزوني عند ذاكم ... ولكن سيجزيني الإله فيعقبا
وهو ضعيف في الكلام، وقال طرفة:
لنا هضبة لا ينزل الذُّلُّ وسطها ... ويأوي إليها المستجير فيعصما
انتهى. قال السيرافي: وأمّا قراءة عبد الله بن عامر اليحصبي ﴿وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾ [البقرة/ ١١٧] فضعيفة؛ لأنَّه لا منصوب قبله فيعطف عليه، وإنما نصب مثله في ضرورة الشعر، لأنَّه موجب، وما قبله موجب، وهو مثل:
وألحق بالحجاز فأستريحا
ومثل:
يأوي إليها المستجير فيعصما
ومثل:
ولكن سيجزيني الإله فيعقبا
стр. 1314
ويروي: "ليعقبا" ولو روي جميع ذلك باللام لكان مستقيمًا غير خارج عن المعنى، ولا داخل في الضرورة. انتهى. وقال الأعلم. ويروي: "لأستريحا" ولا ضرورة فيه على هذا. انتهى. فقال ابن السراج في "الأصول": جعل لحاقه بالحجاز سببًا لاستراحته، فتقديره لما نصب كأنه قال: يكون لحاق فاستراحة، وقد جاء مثله في الشعر لقوم فصحاء، إلَّا أنّه قبح النصب في العطف على الواجب الذي على غير شرطه، لأنه قد جعل لهذا المعنى آلاتٍ، وكان حق الكلام أن يقول في غير شعر: وألحق بالحجاز، فإذا لحقت استرحت، أو: وإن ألحق استرح، ومع ذلك فإن الإيجاب على غير شرط أصل الكلام، وإزالة اللفظ عن جهته في الفروع وأحسن منها في الأصول، لأنها أدل على المعاني. وقول الدماميني النصب على حد:
ولبس عباءةٍ وتقرَّ عيني
غير جيّد، إذ لا مصدر صريح. وقال أيضًا: لقائلٍ أن يقول: لا نسلّم أنّ "أستريح" منصوب، بل مرفوع مؤكد بالنون الخفيفة، موقوفًا عليها بالألف، وتوكيد مثل هذا جائز في الضرورة، قال سيبويه: يجوز للمضطر: أنت تفعلنّ، ولا شك أن التخريج على هذا متجه، بخلاف التخريج على النصب مع فقد شرطه. هذا كلامه، وهو من باب غسل الدم بالدم، لأنه تفصّى عن ضرورة ولجأ إلى ضرورة، وشرط كل من النصب والتوكيد مفقود. وقوله: بل مرفوع، عجيب، فإنَّ المؤكّد بالنون يكون مبنيًّا.
والبيت نسبه ابن يسعوهن وغيره إلى المغيرة بن حبناء بن عمرو بن ربيعة الحنظلي التميمي، وقد رجعت إلى ديوانه، وهو صغير، فلم أجده فيه، وهو شاعر فارس من شعراء الدولة الأموية، وأحد فرسان خراسان، وله مدائح في المهلب بن أبي صفرة، وطلحة الطلحات، وغالب شعره هجو في أخيه صخر، ولهما قصائد تناقضًا بها، ومنه قوله فيه:
стр. 1315
ألا أبلغا صخرًا فإني لم أكن ... لأقذف صخرًا بالنِّفاق ولا الكفر
ولكن في صخر عيوبًا كثيرة ... إذا ذكرت نقبن من حيث لا يدري
عيوبًا وفحشًا للصّديق وغفلة ... وغشًا وشعر أمثل شعر أبي الجبر
وأبو الجبر: مجنون من بني ربيعة بن حنظلة، كان يقول شعرًا مخلطًا محالًا.
وقال أيضًا:
أبوك أبي وأنت أخي ولكن ... تفاصلت الصَّنائع والظّروف
وأمُّك حين تنسب أمُّ صدق ... ولكنَّ ابنها طبع سخيف
قال صاحب "الأغاني": وحبناء: لقب على أمّه غلب على أبيه، واسمه حبين، هاجي زياد الأعجم، وحبناء: بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدّة بعدها نون فألف ممدودة، وحبين: بضمّ المهملة وفتح الموحدة: مصغر أحين.
حرف الكاف
أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد المائتين:
(٢٩١) وطرفك إما جئتنا فاحبسنَّه ... كما يحسبوا أنَّ الهوى حيث تنظر
على أنَّ الأصل عند الفارسي: كيما .. إلى آخره. قال ابن مالك في "شرح
стр. 1316
التسهيل": وإذا حدث فيها، أي: في "كما" معنى التعليل، ووليها مضارع نصبته، لشبهها بـ "كي" كقول الشاعر: وطرفك إمّا جئتنا .. البيت. وزعم الفارسي أن الأصل: كيما، فحذفت الياء، وهذا تكلّف لا دليل عليه ولا حاجة إليه. انتهى. قال أبو حيّان في "شرحه" بعد أن نقله: كان ينبغي أن يقول: ووليها مضارع نصبته على قلة، كما قال في المتن: "وربّما" وكأنه اكتفى بتقييده في المتن. وقوله: "زعم الفارسي": هذا الذي ذهب إليه الفارسي مذهب الكوفيين، زعموا أنَّ "كما تغدِّي" من قوله:
كما تغدِّي القوم من شوائه
في موضع بـ "كيما"، وكما محذوفة من كيما، وسكّنوا ياء تغدي ضرورة، واستدلوا بقوله: كما يحسبوا، يريد: كيما يحسبوا، ولذلك حذف النون. وقوله: وهذا تكلف .. الخ، ليس كما ذكر، بل هو تأويل عليه دليل، وإليه حاجة، وذلك أنّه لم يثبت النصب بكما في موضع خلاف هذا المختلف فيه، فيحمل هذا عليه، والنّصب ثابت بكيما، والعلّة في كيما أصل، وفي كاف التشبيه المكفوفة بـ "ما" ليس أصلًا، ولذلك وقع الخلاف في: "انتظر كما آتيك" بين الخليل والقرّاء، فالأولى أن يعتقد أصلها كيما، لظهور التعليل فيها، ولثبوت النصب بكيما. انتهى.
وجزم ابن عصفور في كتاب "الضرائر" أنَّ أصلها كيما، قال: فحذفت الياء من كي ضرورة، ونسب ابن جنّي هذا التخريج في "إعراب الحماسة" للكسائي لا لشيخه أبي علي، قال في آخر "الحماسة" عند قول الشاعر:
أنخ فاصطبغ قرصًا إذا اعتادك الهوى ... بزيت كما يكفيك فقد الحبائب
يحكي الكوفيون أنَّ كما من حروف النصب للفعل، وينشدون:
إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا ... كما يحسبوا أنَّ الهوى حيث تنظر
стр. 1317
وهذا شيء لا يثبته أصحابنا. وقال الكسائي فيما أظنّ: إنَّ أصله: كيما، فحذفت الياء. انتهى. أقول: وكذا نسبه ثعلب للكسائي قال في "أماليه":
وطرفك إما جئتنا فاحفظنَّه ... كما يحسبوا أنَّ الهوى حيث تصرف
زعم أصحابنا أنَّ كما تنصب، فإذا حيل بينهما رفعت، كقوله:
اسمع حديثًا كما يومًا تحدِّثه ... عن ظهر غيبٍ إذا ما سائلٌ سألا
وغيرهم يقول: "كما" ترفع، قال هشام: أفعل كما يفعلون، قال: يزعم البصريون أنها لا تعمل كما تعمل كي، قال: وأصحابنا يقولون: كما كـ "كي"، قال الكسائي: مثل ذلك: أتينك كي فينا ترغب، وأنشد:
قلت لشيبان ادن من لقائه ... كما تغدِّي القوم من شوائه
قال: إذا لم تكن بمعنى كي، تكون بمعنى الجزاء، كما قمت قمت. وقال: "كما تكون تشبيهًا، وتكون جزاء، كما قمت قعدت، والتشبيه: قمت كما قمت، وتكون بمعنى كيما وكيلا. انتهى.
فعلم أنَّ ما نسب إلىلفارسي هو مذهب الكسائي، وأنَّ شرط نصب المضارع عندهم أن تتصل به، فلو فصلت عنه لم تنصبه، بل يكون مرفوعًا.
وتكلّم على هذه المسألة أبو البركات عبد الرّحمن بن الأنباري في كتابه "الإنصاف في مسائل الخلاف" قال: ذهب الكوفيون إلى أنَّ "كما" تأتي بمعنى "كيما" وينصبون بها ما بعدها، ولا يمنعون جواز الرفع، واستحسنه أبو العباس المبرد من
стр. 1318
البصريين. وذهب البصريون إلى أنَّ "كما" لا تأتي بمعنى كيما، ولا يجوز نصب ما بعدها بها.
أمّا الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن كما تكون بمعنى كيما وأن الفعل ينصب بها أن قد جاء ذلك كثيرًا في كلامهم، قال صخر الغيّ:
جاءت كبيرٌ كما أخفرِّها ... والقوم صيدٌ كأَّنهم رمدوا
أراد: كيما أخفّرها، ولهذا المعنى انتصب أخفِّرها. وقال الآخر:
وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنَّه ... كما يحسبوا أنَّ الهوى حيث تنظر
أراد: كيما يحسبوا، وقال رؤبة:
لا تظلموا النَّاس كما لا تظلموا
أراد: كيما لا تظلموا. وقال عدي بن زيد العبادي:
اسمع حديثًا كما يومًا تحدثه ... . . . . . البيت
وقال آخر:
يقلِّب عينيه كما لأخافه ... تشاوس رويدًا إنّني من تأمَّل
стр. 1319
أراد: كيما أخافه، إلَّا أنّه أدخل اللَّام توكيدًا، ولهذا المعنى كان الفعل منصوبًا، فهذه الأبيات تدل على صحة ما ذهبنا إليه.
وأمّا البصريّون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه لا يجوز النّصب بها؛ لأنَّ الكاف في "كما" كاف التشبيه أدخلت عليها ما، وجعلا بمنزلة حرف واحد، كما أدخلت "ما" على ربّ، وجعلا بمنزلة حرف واحد، ويليها الفعل كرّبما. وكما أنهم لا ينصبون الفعل بعد رَّبما، فكذلك ههنا.
وأمّا الجواب عن كلمات الكوفيين: أمّا البيت الأوَّل فلا حجة لهم فيه؛ لأنه روي: "كما أخفّرها" بالرفع، لأن المعنى: جاءت كما أجيئها، وكذلك رواه القرّاء من أصحابكم، واختار الرّفع، وهي الرواية الصحيحة. وأمّا البيت الثاني فلا حجّة فيه أيضًا؛ لأنَّ الرواية: "لكي يحسبوا" وأمّا البيت الثالث فلا حُجّة لهم فيه أيضًا؛ لأنَّ الرواية فيه بالتوحيد:
لا تظلم الناس كما لا تظلم
كالرواية الأخرى:
لا تشتم النّاس كما لا تشتم
وأما البيت الرّابع فليس فيه أيضًا حجّة؛ لأنَّ الرواة اتفقوا على أنَّا الرواية: "كما يومًا تحدثه" بالرّلإع، كقول أبي النّجم:
قلت لشيبان ادن من لقائه ... كما تغدي القوم من شوائه
وكقول الآخر: أنخ فاصطبغ قرصًا .. البيت. ولم يروه أحد: "كما يومًا تحدثه" بالنّصب إلَّا المفضل الضبي وحده، فإنه كان يرويه منصوبًا، وإجماع الرواة من نحاة البصرة والكوفة على خلافة، والمخالف له أقوم منه بعلم العربية.
وأما البيت الخامس ففيه تكلف، والأظهر فيه:
يقلِّب عينيه لكيما أخافه
стр. 1320
على أنه لو صح ما رووه من هذه الأبيات على مقتضى مذهبهم؛ فلا يخرج ذلك عن حدّ الشّذوذ والقلة، فلا يكون فيه حجّة، والله أعلم. هذا آخر كلام ابن الأنباري.
بقي وجه ذكره المصنف في التقارض من آخر الكتاب، وهو أن تكون "ما" في "كما" ناصبة، كما قيل في حديث: "كما تكونوا يولَّىعليكم" أعطى "ما حكم أن المصدريّة فعملت، كما أعطى أنَّ حكم ما المصدرية فأهملت في قوله:
أن تقرآن على أسماء ويحكما ... .. البيت.
وما نقله المصنّف عن أبي محمّد الأسود من أنّ أبا علي حرَّف هذا البيت لغو لا يلتفت إليه، فإنَّ البيت من أدلّة الكوفيّين قبل أن يخلق أبو علي الفارسي، فما كان ينبغي للمصنّف أن ينقله ويسلّمه. وكان هذا الأسود –واسمه الحسن بن أحمد الأعرابي المعروف بالغندجاني، وغندجان: بلدة قليلة الماء والنّبات بفارس- متهوّسًا متشدّقًا، له إقدام وجرأة في الردّ على العلماء المتقدّمين، ومستنده فيما يرويه أبو النّدى محمّد بن أحمد، وهذا رجل مجهول، وكان الشريف ابن الهباريّة الشاعر يقول: ليت شعري، من هذا الأسود الذي قد نصب نفسه للردّ على العلماء، وتصدّى للأخذ على الأئمة القدماء! بماذا نصحح قوله، ونبطل قول الأوائل، ولا تعويل له فيما يرويه إلَّا على أبي النَّدى، ومن أبو النّدى في العالم؟ ! لا شيخ مشهور، ولا ذو علم مذكور! قال ياقوت الحموي بعد ما تقدَّم: ولعمري إنَّ الأمر كما قال، فإن هذا يقول: أخطأ ابن الأعرابي في أنَّ هذا الشعر لفلان، إنما هو لفلان بغير حجّة واضحة، وكان لا يقنعه أن يرد على أهل العلم ردًا جميلًا، إنما يجعله من باب السخريّة والتهكم، وضرب الأمثال، وكان يتعاطى تسويد لونه، ويدّهن بالقطران، ويقعد في الشمس ليحقق لنفسه التلقيب بالأعرابي، ورزق سعادة وثروة، رأيت بعض تصانيفه، وقد قرئ عليه سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. انتهى.
стр. 1321
و"نزهة الأديب" هي الردود الَّتي ردَّ بها على أبي علي الفارسي في "التذكرة" ولم أرها إلى الآن، وإنَّما عندي من تصانيفه الردّ على النمري في "شرح مشكل أبيات الحماسة"، و"فرحة الأديب" في الرّدّ على يوسف بن السيرافي في شرح أبيات سيبويه و"ضالّة الأديب" في الرّدّ على نوادر ابن الأعرابي.
والبيت الشاهد من قصيدة طويلة لعمر ابن أبي ربيعة، تقدَّم بعض منها في الإنشاد الثامن والسبعين، وقد أوردها المبارك في "منتهى الطلب" في جملة ما انتقاه من شعره، وقبله:
فلمّا أجزنا ساحة الحيِّ قلن لي ... أما تتّقي الأعداء والليَّيل مقمر
وقلن أهذا دأبك الدَّهر سادرًا ... أما تستحي أو ترعوي أو تفكر
إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا ... لكي يحسبوا أنَّ الهوى حيث تبصر
هكذا رواه، وقد أخذ هذا البيت جميل بن معمر العذري صاحب بثينة، وجعله بيتين متباعدين في قصيدة نظمها على أسلوب قصيدة عمر، قال:
وآخر عهد لي بها يوم ودَّعت ... ولاح لها خدُّ مليح ومحجر
عشيَّة قالت لا تضيعنَّ سرَّنا ... إذا غبت عنَّا وارعه حين تدبر
وطرفك غمّا جئتنا فاحفظنَّه ... فزيغ الهوى بادٍ لمن يتبصر
أي: إذا زاغ بصرك نحو تهوى عرف ذلك فيك.
وأعرض إذا لاقيت عينًا تخافها ... وظاهر ببغض إنَّ ذلك أستر
فإنَّك إن عرَّضت فيَّ مقالةً ... يزد في الذي قد قلت واشٍ مكثر
وما زلت في إعمال طرفك نحونا ... إذا جئت حتى كاد حبُّك يظهر
إلى أن قال بعد عشرة أبيات حكى فيها ما قالته:
سأمنح طرفي حين ألقاك غيركم ... لكيما يروا أن الهوى حيث أنظر
стр. 1322
وأكني بأسماءٍ سواك وأتَّقي ... زيارتكم والحبُّ لا يتغيَّر
فكم قد رأينا واجدًا بحبيبه ... إذا خاف يبدي بغضةً حين يظهر
وهذا آخر القصيدة. والواجد: المحب، والوجد: الحبّ. ووقع في "شواهد العيني" أنّ البيت الشاهد قائله لبيد بن معمر العُذري، وساق أبياتًا من أوَّل قصيدة جميل بن معمر. وهذا إمّا من سهو الناسخ، وإمّا من سهوه، والصواب جميل بن معمر. واغتر به ابن وحيي حتى قال: والبيت على ما رواه ابن هشام ههنا عزاه العيني إلى لبيد العامري، بلا تغيير ولا تحريف أصلًا، سوى أنّه وقع "فاصرفنه" موقع فاحبسنَّه. انتهى. وقد تقدم ترجمة كلّ من عمر ابن أبي ربيعة ومن جميل بن معمر العذري.
والطرفُ: العين وهو في الأصل مصدر بمعنى تحريك الحدقة للنظر، ومنه قول جميل السابق:
إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا
وإمّا: أصله: إن ما، وهي "عن" الشرطية و"ما" الزائدة. والجملة الشرطيَّة: خبر لقوله "طرفك". والهوى: الميل والمحبة، ويجوز أن يكون مصدرًا بمعنى اسم المفعول.
وأنشد بعده:
وننصر مولانا ونعلم أنَّه ... كما الناس مجرومٌ عليه وجارم
وتقدم شرحه في الإنشاد الرابع والتسعين.
стр. 1323
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٢) وأعلم أنني وأبا جميد ... كما النَّشوان والرَّجل الحليم
على أنَّ "ما" هنا كفّت الكاف عن عمل الجرّ، وبه رُدَّ على صاحب المستوفي في زعمه أنَّ الكاف لا تكف بـ "ما" قال أبو حيان في "البحر" عند قوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ [البقرة/ ١٩٨] "ما" في كما مصدرية. وجوَّز الزمخشري وابن عطيّة أن تكون كافّة عن العمل، والفرق بينهما أنَّ ما المصدرية تكون هي وما بعدها في موضع جرّ، إذ ينسبك منها مع الفعل مصدر، والكافّة لا يكون ذلك فيها؛ إذ لا عمل لها البتة. والأولى حملها على أنَّ "ما" مصدرية لإقرار الكاف على ما استقر لها من عمل الجرّ. وقد منعَ أن تكون الكاف مكفوفة بـ "ما" عن العمل أبو سعد علي ابن مسعود بن الفرّخال صاحب المستوفي. واحتجَّ من أثبت ذلك بقول الشاعر:
لعمرك إنّني وأبا حميد ... كما النشوان والرَّجل لحيم
أريد هجاءه وأخاف ربِّي ... وأعلم أنه عبدٌ لئيم
انتهى. وقال أيضًا في "شرح التسهيل" وقوله: ويزاد بعدها "ما" كافَّة وغير كافة، فإذا كانت كافة وليتها الجمل الاسميّة، وتكون من حروف الابتداء، قال الشّاعر:
أخٌ ماجدٌ لم يخزني يوم مشهدٍ ... كما سيف عمرٍ ولم نخنه مضاربه
وقال الآخر:
ألم تر أنَّ البغل يتبع إلفه ... كما عامرٌ واللؤم مؤتلفان
وقال الآخر:
وإنَّ بنا لو تعلمين لغلَّةً ... غلليكم كما بالحائمات غليل
стр. 1324
وقال الآخر:
لقد علمت سمراء أنَّ حديثها ... نجيعٌ كما ماء السَّماء نجيع
وقال زيّاد الأعجم:
لعمرك إنني وأبا حميد ... كما النّشوان والرَّجل الحليم
أريد هجاءه وأخاف ربِّي ... وأعلم أنّه عبدٌ لئيم
وكون "ما" تكون كافة إذا وليتها الجملة الاسميَّة هو مبنيّ على أنّ "ما" المصدرية لا توصل إلَّا بالجملة الفعلية، أما إذا فرعنا على أنها توصل بالجملة الاسمية فإنَّ "ما" لا تكون كافة في نحو هذه الأبيات، بل تكون مصدريّة ينسبك منها مع الجملة التي بعدها مصدر يكون في موضع جرّ بالكاف، وتكون إذ ذاك الكاف غير مكفوفة، وإذا كانت غير كافة انجرّ الاسم بكاف التشبيه، وأنشد أبو علي القالي:
وننصر مولانا ونعلم أنه .. البيت
انتهى. قال أبو علي في "التذكرة": أنشدني أبو يعلي قال: أنشدنا أبو عثمان لزياد الأعجم:
لعمرك إنَّني وأبا حميدٍ ... كما النشوان والرَّجل الحليم
أريد حباءه ويريد قتلي ... وأعلم أنَّه الرَّجل اللَّئيم
وجدنا الحمر من شرِّ المطايا ... كما الحبطات شرُّ بني تميم
انتهى. وكذا نقله العيني عن "تذكرته". ولا يخفى أنَّ البيت الثالث مجرور، وما قبله مرفوع، ففيه إقواء. وقول أبي حيّان: إنَّ كما من حروف الابتداء لا يتأتى، فإنَّ ما بعد "كما" خبر إنَّني، فإن ذهبت تقدر خبرًا لإنّني وخبرًا لما بعد "كما" فالكلام تام مستغن عن تقدير شيء. وقدّر الدماميني خبرًا للثاني، وهو كائنان،
стр. 1325
ونسي الأول فأبقاه بلا خبر. ويؤيد كلام أبي حيان قولهم: إنَّ الكاف إذا كفَّت بـ "ما" رفع ما بعدها على الابتداء، كما في البيت الثالث، وقد بسطنا الكلام على هذه الأبيات في الشاهد السّابع والثلاثين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي، وتقدَّمت ترجمة زياد في الإنشاد السّادس والتّسعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٣) أخٌ ماجدٌ لم يخزني يوم مشهدٍ ... كما سيف عمر ولم تخنه مضاربه
لما تقدَّم قبله. وهو من قصيدة اختار منها أحد أبيات ثلاثة. وأوردها أبو تمام في باب المرائي من "الحماسة" لنهشل بن حرّي الدّارميّ، رثى بها أخاه مالك بن حرّيّ، ويكنى أبا ماجد، قتل بصفّين وهو مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، وكان شجاعًا، وقبله:
أغرُّ كمصباح الدُّجنَّة يتَّقي ... قدى الزَّاد حتى يستفاد أطايبه
وهوَّن وجدي عن خليلي أنَّني ... إذا شئت لاقيت امرًا مات صاحبه
أخ ماجدٌ .. ... البيت
وأوردها الأعلم أيضًا في "حماسته" وزاد بيتًا بعد البيتين الأولين وهو:
ومن ير بالأقوام يومًا يروا به ... معرَّة يومٍ لا توارى كواكبه
قوله: أغرّ، هو الذي في جبهته غرّه، أي: بياض، أي: يستضاء به ويستشفى برأيه، وهو أبيض الطلعة، فكأنه في تلألؤ وجهه وتهلّله مصباح الدّجُنَّة،
стр. 1326
وهي الظلمة. وقدى الزاد، بالدال المهملة: رائحة، يقال: قدي يقدَى قدَّى، من باب فرح: إذا طابت رائحته، أي: يتحامى الطَّعام ورائحته الباعثة على شهوته، حتى يستفيد الضيَّف أطايبه، أي: يؤثره على نفسه، يعني أنه لا يشمّ رائحة الطّعام حتى يناله النّاس ويأكلوا أطايبه، وروي "قذى الزاد" بالذّال المعجمة، يريد: رديئة وخبيثة، أي: يتجنّب خبيث الطّعام حتى يستفيد أطيبه وأكرمه، وما لا عارف في اكتسابه.
وقوله: وهوّن وجدي، أي حزني، يقول: خفَّف من حزني كثرة من أرى من المصابيح بمثل مُصابي.
وقوله: ومن يرى بالأقوام يومًا: أراد به الواقعة والحادثة من حوادث الدهر، وكذا المراد ن اليوم الثاني، فهو مفعول به للرؤية، والمعرَّة: النقيصة، مفعول يروا. وتوارى: أصله تتوارى بتاءين، أي: تختفي وتستتر.
وقوله: أخ ماجد، أي: هو أخ، أو التقدير: أخي أخ ماجد، أي: شريف، ويخزني: من أخزاه، إمّا من أخزاه الله، أي: مقته وأبعده، وإمّا متعدّي خَزِي خزاية، بمعنى استحيا، فتكون الهمزة للتصيير، والمشهد: شهود الحرب وحضورها، أي: لم يشهد مشهدًا إلَّا أحسن فيه البلاء فلا أستحيي، أي: ـأفتخر به. وعمرو: هو عمرو بن معدي كرب الصحابي، وسيفه الصمصامة، والمضارب: جمع مضرب، وهو موضع القطع، والضمير في: لم يخنه، يرجع إلى عمرو، ويجوز أن يرجع على السيف أيضًا، قال الزمخشري في "أمثاله": هو أمضى من الصمصامة، هو سيف عمرو بن معدي كرب، أشهر سيوف العرب، وأنشد هذا البيت.
ونهشل بن حرِّي- بفتح الحاء، وتشديد الراء المهملتين، وبالياء المشددة، بلفظ المنسوب إلى الحرّ خلاف البرد –ابن ضمرة بن جابر بن قطن –بفتحتين-
стр. 1327
ابن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة، وهو شاعر فارس إسلامي قال ابن حجر في "الإصابة" نقلًا عن المرزباني: هو شريف مشهور مخضرم، بقي إلى أيّام معاوية، وكان مع علي في حروبه، وقتل أخوه مالك بن حرّيّ بصفّين، وهو يومئذ رئيس بني حنظلة، وكانت رايتهم معه، ورثاه نهشل بمراث كثيرة، قال: وأبوه شريف شاعر مشهور، وجده ضمرة سيد ضخم الشرف، وكان من خير بيوت دارم. انتهى. وله ابن سمّاه باسم والده، وهو حرّيّ بن نهشل بن حرّيّ، وهو شاعر أيضًا، وله يقول الفرزدق:
أحرّيّ قد فاتتك أختُ مجاشعٍ ... فضيلة فانكح بعدها أو تأيَّم
وكان اسم ضمرة جد نهشل شِقَّة، بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف. ودخل على النعمان فقال له: من أنت؟ فقال: أنا شِقَّة بن ضمرة، قال النعمان: تسمع بالمعيدي لا أن تراه، فقال: أبيت اللّعن! إنَّما المرء بأصغريه، بقلبه ولسانه، إن نطق ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان. قال: أنت ضمرة بن ضمرة، يريد: إنّك كأبيك، كذا في كتاب "الشعراء" لابن قتيبة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٤) فصيِّروا مثل كعصفٍ مأكول
على أنَّ الكاف هنا اسم أكدت مثلًا. وأنشده سيبويه على أنها في البيت اسم لضرورة الشعر، قال: إنَّ أناسًا من العرب إذا اضطروا في الشعر جعلوها بمنزلة مثل، وأنشد هذا البيت والبيت الذي بعده. انتهى.
قال الأعلم: أدخل مثلًا على الكاف إلحاقًا لها بنوعها من الأسماء ضرورة، وجاز الجمع بينهما جوازًا حسنًا لاختلاف لفظيهما مع ما قصده من المبالغ في التشبيه،
стр. 1328
ولو كرر المثل لم يحسن. وقال صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى/ ١١]: ولك أن تزعم أن كلمة التشبيه كررت للتأكيد كما كرَّرها من قال: وأنشد البيت، وأورد عليه أنَّ الكاف تفيد تأكيد التشبيه لا تأكيد الَّفي، ونفي المماثلة المهملة أبلغ من نفي المماثلة المؤكدة، فليس الآية نظيرًا للبيت. وأجيب بأنها تفيد تأكيد التشبيه، إن سلبًا فسلب وإن غثباتًا فإثبات.
قال ابن جني في "سرّ الصناعة": إن قال قائل: بماذا جرّ عصف أبالكاف التي تجاوره، أم بإضافة مثل إليه على أنه فصل بالكاف بين المضاف والمضاف إليه؟ فالجواب: إنّ العصف في البيت لا يجوز أن يكون مجرورًا إلَّا بالكاف، وإن كانت زائدة، يدلك على ذلك أنّ الكاف في كلّ موضع تقع فيه زائدة لا تكون إلّّا جارّة، كما أن "من" وجميع حروف الجرّ في أيّ موضع وقعن زوائد، فلا بد من أن يجررن ما بعدهن، كقولك: ما جاءني من أحد، ولستُ بقائم، فكذلك الكاف في مثل "كعصف" هي الجارّة لعصف.
فإن قيل: فإذا جررت العصف بالكاف فإلام أضفت مثلًا؟ وما الذي جررت به؟ فالجواب: إنّ مثلًا وإن لم تكن مضافة في اللفظ، فإنها مضافة في المعنى، وجارة لما هي مضافة إليه في التقدير، وذلك أنّ التقدير: فصيّروا مثل عصف مأكول، فلمّا جاءت الكاف تولَّت هي جرّ العصف، وبقيت مثل غير جارّة ولا مضافة في اللفظ، وكان احتمال هذه الحال في الاسم المضاف أسوغ منه في الحرف الجار؛ وذلك لأنّا لا نجد حرفًا جارًا معلقًا غير عامل في اللفظ، وقد نجد بعض الأسماء معلقًا عن الإضافة جارًا في المعنى غير جار في اللفظ، وذلك نحو قولهم: جئت قبل وبعد، وقام زيد ليس غير. وقد قالوا:
بين ذراعي وجبهة الأسد
стр. 1329
أي: بين ذراعي الأسد وجبهته. وحكى الفراء: قطع الله الغداة يد ورجل من قاله، أي: يد من قاله، ورجل من قاله. وهذا كثير وإنَّما أردت أن أوجدك أن الأسماء قد تعلق عن الإضافة في ظاهر اللفظ، وأنَّ الحروف لا يمكن أن تعلق عن الجرّ في اللفظ البتة، فأما قول الشاعر:
جياد بني أبي بكرٍ تسامى ... على كان المسوَّمة العراب
فإنه إنَّما جاز الفصل بين حرف الجر وما جره بـ "كان"، من قبل أنها زائدة مؤكدة، فجرت مجرى "ما" المؤكدة في نحو قوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ [المائدة/ ١٣] و ﴿عما قليل﴾ [المؤمنون/ ٤٠]، فلذلك جاز لعلى، وإن كانت حرفًا جارًّا، أن تتخطى إلى ما بعد كان [فتجره]، ولا يجوز في قوله: "ككما يؤثفين" أن تكون "ما" مجرورة بالكاف الأولى، لأنَّ الكاف الثانية "عاملة للجرّ"، وليست كان جارة [فتجري] مجرى الكاف في "ككما".
فإن قيل: فمن أين جاز تعليق الأسماء عن الإضافة في اللفظ، ولم يجز في حروف الجرّ إلَّا أن تتصل بالمجرور؟
فالجواب: أن ذلك جاز من وجهين: أحدهما: أنّ الأسماء أقوى وأعم تصرفًا من الحروف وهي الأول الأصول، فغير منكر أن يتجوَّز فيها ما لا يتجوز في الحروف، ألا ترى أنَّ التّاء في رُبَّت وثمّت علامة تأنيث كما أنَّ التّاء في مسلمة علامة تأنيث؟ وقد أبدلوا تاء التأنيث في الاسم هاء في الوقف [فقالوا: مسلمة]، ولم يبدلوا التّاء في:
стр. 1330
ربت وثمت ولات ولعلت في وقف ولا وصل، لأنه ليس للحرف قوة الاسم وتصرفه، والفعل أيضًا في هذا جار مجرى الحرف، ألا ترى أن التاء في قامت وقعدت ثابتة غير مبدلة في وصل ولا وقف؟
والوجه الآخر: أنّ الأسماء ليست في أوَّل وضعها مبنية على أن تُضاف ويُجرّبها، وإنما الإضافة فيها ثانٍ لا أوَّل فجاز فيها أن تعرى في اللفظ من الإضافة، وإن كانت الإضافة فيها منوية. وأمّا حروف الجرّ فوضعت على أنها للجر البتة، وعلى أنها لا تفارق المجرور؛ لضعفها وقلّة استغنائها عن المجرور، لضعفها وقلذة استغنائها عن المجرور، فلم يمكن تعليقها عن الجرّ والإضافة، لئلا يبطل الغرض الذي جيء بها من أجله، فهذا أمر ظاهر.
فإن قال قائل: فمن أين جاز للاسم أن يدخل على الحرف في قوله: مثل كعصف؟ فالجواب أنه إنَّما جاز ذلك لما بين الكاف ومثل من المضارعة في المعنى، فكما جاز لهم أن يدخلوا الكاف على الكاف في قوله:
وصالياتٍ ككما يؤثفين
لمشابهته لمثل، حتى كأنه قال: كمثل ما يؤثفين، كذلك أدخلوا أيضًا مثلًا على الكاف في قوله: "كعصف" وجعلوا ذلك تنبيهًا على قوة الشبه بين الكاف ومثل. فإن قال قائل: فهل تجيز أن تكون الكاف مجرورة بإضافة مثل إليها، ويكون العصف مجرورًا بالكاف؟ فتكون على هذا قد أضفت كلّ واحد من مثل ومن الكاف، فيزول عنك الاعتذار لتركهم مثلًا غير مضافة على ما قدمته، ويكون جرّ الكاف إضافة مثل إليها كجرّها بدخول الكاف على الكاف في قوله: "ككما يؤثفين" فكما إنَّ الكاف الثانية هنا مجرورة بالأولى، كما انجرَّت بعلى في قول الآخر:
стр. 1331
على كالقطا الجونيِّ أفزعه الزَّجر
فكذلك هلَّا قلت: إنَّ الكاف في مثل "كعصف" مجرورة بإضافة مثل إليها؟
فالجواب: إن قوله: مثل كعصف قد ثبت أن مثلًا أو الكاف فيه زائدة، كما أنّ إحداهما زائدة في قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى/ ١١] وإذا ثبت ذلك فلا يجوز أن تكون مثل هي الزَّائدة؛ لأنها اسم، والأسماء لا تزاد إنما تزاد الحروف، فإذا لم يجز أن تكون مثل هي الزّائدة، ولم يكن بدّ من زائد، ثبت أنَّ الكاف هي الزائدة، وإذا كانت هي الزّائدة فلا بدَّ من أن تكون كما قدَّمنا حرفًا، وإذا كانت حرفًا بطل أن تكون مجرورة، من حيث كانت الحروف لا إعراب في شيء منها، وإذا لم تكن مجرورة بطل أن تكون "مثل" مضافة إليها. على أن أبا علي قد كان أجاز أن تكون مثل مضافة إلى الكاف، وتكون الكاف هنا مجرورة اسمًا، وفيه عندي ضعف لما ذكرته.
فأمّا قول الآخر: "ككما يؤثفين" فقد استدللنا بدخول الكاف الأولى على الثانية أنَّ الثانية اسم، وأن الأولى حرف قد جر الثانية، وهو مع ذلك زائد، ولا ينكر وإن كان زائدًا أن يكون جارًا، لما قدمناه من قولهم: ما جاءني من أحد، ولست بقائم. إلى هنا كلام ابن جني وسقناه بطوله لكثرة فوائده.
وكأنَّ الدماميني لم يقف على هذا الكلام، ولم يستحضر كلام الرضي في هذا المقام فإنه قال: ينبغي أن تكون الكاف في البيت اسمًا أضيف إليه مثل، فيكون عمل كلّ من الكلمتين موفّرًا، أما إذا جعلت حرفًا، وجعل مثل مضافًا إلى عصف، لزم قطع الحرف الجارّ عن عمله بلا كاف، اللهم إلَّا أن يقال: تنزل منزلة الجزء من المجرور.
стр. 1332
هذا كلامه. قال العيني، وتبعه السيوطي: البيت من رجز لرؤبة بن العجاج وقبله:
ومسَّهم ما مسَّ أصحاب الفيل ... ولعبت بهم طير أبابيل
ترميهم حجارةً من سجيّل ... فصيروا مثل كعصفٍ مأكول
ولم يذكر ما مرجع الضمير، ومن الذين جرى عليهم هذا الأمر. وقد راجعت ديوان رؤبة نسختين، فلم أجده فيه، ولعله من رجز والده العجاج، ولم يحضرني الآن ديوانه.
وأصحاب الفيل: أبرهة بن الصبّاح الأشرم ملك اليمن، ومن معه من قبل أصحمة النجاشي. وكان من أمر أبرهة أنه بنى كنيسة بصنعاء، وأراد صرف الحاج إليها، فخرج رجل من بني كنانة، فقضى حاجته فيها، فأغضبه ذلك، وحلف ليهدمنّ الكعبة. فخرج بجيشه، ومعه الفيلة، وفيل قوي اسمه محمود، فلمّا تهيّأ لدخول الحرم، وقدم الفيل، فكان كلّما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وَجّهوه إلى اليمن أو إلى جهة أخرى هرول، فأرسل الله طيرًا أبابيل، في منقار كل منها حجر، وفي رجليه حجران أكبر من العدسة، وأصغر من الحمّصة، فرمتهم، فكان الحجر يقع في رأس الرجل، فيخرج من دبره، فهلكوا جميعًا. والسجيل: الطيران المتحجر بالنار، معرب سنك كل، أي: حجر الطين، والأبابيل: جمع إبّالة، بكسر الهمزة وتشديد الموحدة، وهي في الأصل: الحزمة الكبيرة، شبّهت بها الجماعة من الطير لتضامّها، وقيل: هي الجماعات من الطير لا واحد لها.
وقوله: فصيّروا، بالبناء للمفعول، وبه استشهد المصنف في "شرح الألفية" لتعدية صيّر إلى مفعولين، أولهما: نائب الفاعل وهو الواو، وثانيهما: مثل. والعصف،
стр. 1333
قال الفرّاء: هو بقل الزرع، وعن الحسن البصري: الزرع الَّذي أكل حبّه وبقي نبته، كذا في "العباب". وترجمة رؤبة تقدمت في الإنشاء الخامس عشر من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٥) يضحكن عن كالبرد المنهم
على أنَّ الكاف الاسمية عند سيبويه لا تكون إلَّا في الشعر، وتقدَّم نصّه في أوَّل الذي قبل هذا. وذكر ابن جني في "سرّ الصناعة" أنَّ الكاف تكون اسمًا في الكلام، ولم يذكر مذهب سيبويه فيها بل استدلّ بكلامه على اسميتها في الكلام، وهذا منه عجيب! قال: وأمّا الكاف التي في تأويل الاسم فالّتي تقع مواقع الأسماء، ثم قال بعد ذكر الشواهد: واعلم أنّه كما جاز أن تجعل هذه الكاف فاعلة، فكذلك يجوز أن تجعل مبتدأة، فتقول على هذا: كزيد جاءني، وأنت تريد: مثل زيد جاءني، وكبكرٍ غلام لمحمّد. فإن أدخلت أنَّ على هذا قلت: إنَّ كبكرٍ غلام لمحمد، فرفعت الغلام لأنه خبر إنَّ، والكاف في موضع نصب لأنها اسم إنَّ، وتقول إذا جعلت الكاف حرفًا وخبرًا مقدمًا: إنَّ كبكر أخاك، تريد إنَّ أخاك كبكرٍ، كما تقول: إنَّ من الكارم زيدًا. ثمَّ قال: وهذه مسألة من الكتاب، قال سيبويه: تقول: ما زيد كعمرو ولا شبيهًا به، وما عمرو كخالد ولا مفلحًا، النصب في هذا جيد، لأنك تريد: ما هو مثل فلان ولا مفلحًا. هذا معنى الكلام، فإن أراد أن يقول: ولا بمنزلة من يشبهه، جرّه، وذلك نحو قولك: ما أنت كزيد ولا خالد، فإنما أردت: ولا كخالد، فإذا قلت: ما أنت بزيد ولا قريبًا منه، فليس ههنا معنى بالباء
стр. 1334
لم تكن قبل أن تجئ بها، فأنت، إذا ذكرت الكاف تمثل بها، انقضى كلام سيبويه.
واعلم أنَّ الكلام يحتاج إلى شرح ليتلخص معانيه، فإنَّ في ظاهره إشكالًا، أمّا قوله: ما أنت كعمرو ولا شبيهًا به، فلا تخلو الكاف [في كعمرو] أن تكون اسمًا كمثل، أو حرفًا فيه معنى مثل، فإن كانت الكاف اسمًا، فشبيه معطوف عليها، كما كان يعطف على مثل لو كانت هناك، وهذا أمر ظاهر. وإن كانت الكاف حرفًا كالتي في قولنا: مررت بالّذي كزيد، فشبيه المنصوب معطوف على كعمرو جميعًا، لأنَّ الجار والمجرور في موضع نصب، لأنَّ هذه لغة حجازية؛ لأنَّ نصب "شبيه" يدل على أنّ الأول في موضع نصب، إلَّا أنَّ هذا موضع متى عطفت على لفظه أفدت معنى، فإن عطفت على معناه دون لفظه أفدت معنى آخر، ألا ترى أنَّك لو قلت: ما زيد كعمرو ولا شبيه به [فجررت الشبيه]، فإنما أردت ولا كشبيه به، فقد أثبت له شبيهًا، ونفيت أن يكون زيد كالَّذي يشبه عمرًا، وأنت إذا قلت: ما زيد كعمرو ولا شبيهًا، فإنَّما نفيت عن زيد أن يكون شبيهًا لعمرو، ولم تثبت لعمرو شبيهًا، وليس كذلك قولنا: ما أنت بعمرو ولا خالدًا، لأنك إن نصبت خالدًا على المعنى، أو جررته على اللفظ، فإنما معناه في الموضعين واحد، أي: ما أنت هذا ولا هذا، فقول سيبويه: "لأنك تريد: ما هو مثل هذا ولا مفلحًا. هذا معنى الكلام" يحتمل أمرين، أحدهم: أن معنى الكاف [معنى] مثل، وهي حرف، والآخر: أن معنى الكاف معنى مثل، وهي اسم، فإن كانت اسمًا، فالعطف عليها ظاهر، وإن كانت حرفًا، كان العطف عليها وعلى ما جرته.
وقوله: "فإن أراد أن يقول: ولا بمنزلة من يشبهه جرّه" يقول: إذا جررت شبيهًا به، فقد أثبت لعمرو شبيهًا؛ لأنك أردت: ولا كمن يشبهه، ومثَّل ذلك فقال: وذلك نحو: ما أنت كزيد ولا خالد، فهذا يبين لك أنك إذا قلت: ما أنت كزيد ولا خالد، فقد أثبت غير زيد وهو خالد.
стр. 1335
وقوله: "فإذا قلت ما أنت يزيد ولا قريبًا منه، فليس ههنا معنى بالباء لم يكن قبل أن تجئ بها" يريد أن قولك: ما أنت بزيد، وما أنت زيدًا معناهما واحد، وإنما جئت بالباء زائدة مؤكدة، وأنت إذا قلت: ما أنت زيدًا، فله معنى غير معنى قولك: ما انت كزيد، لأنك إذا قلت: ما أنت زيدًا فإنما نفيت أن يكون هو هو، وإذا قلت: ما أنت كزيد، فإنما نفيت أن يكون مشبهًا له؛ ألا ترى أنَّ من قال: أنا زيد، فمعناه غير معنى من قال: أنا كزيد؟ فكما كان الإيجابان مختلفين، كذلك يكون النفيان مختلفين، وهذا واضح. إلى هنا كلام ابن جنّي. والبيت من رجز للعجّاج، وقبله:
ولا تلمني اليوم يا ابن عمّي ... عند أبي الصَّهباء أقصى همِّي
بيضٌ ثلاثٌ كنعاجٍ جمِّ ... يضحكن عن كالبرد المنهم
تحت عرانين أنوفٍ شمِّ
أبو الصَّهباء: كنية رجل، والهمّ بالفتح، والهمّة بالكسر: أول العزم، وهو الإرادة، وقد يطلق على العزم القوي فيقال: له همّة عالية، وبيض بالرفع: إمّا بدل من "أقصى همي" وإما خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو، والجملة جواب سؤال مقدّر، وقيل: بيضٍ –بالجرّ- بدل من همي ولا وجه له، وقيل: بيض مبتدأ، وجملة "يضحكن" خبر، وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أي: هن بيض، وقيل: مبتدأ خبره محذوف، أي: منهن بيض، ذكر هذه الأوجه الثلاثة الأخيرة العيني تبعًا لصاحب "التخمير" والبيض: الحسان، جمع بيضاء، والنعاج: جمع نعجة، وهي الأنثى من الضأن، والعرب تكني عن المرأة بالنعجة، ونقل عن أبي عبيد أنه لا يقال لغير بقر الوحش نعاج، وتشبه النساء بها في العيون والأعناق، والجُمّ، بضم الجيم: جمع
следующие страницы →