Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
على كالقطا الجونيِّ أفزعه الزَّجر
فكذلك هلَّا قلت: إنَّ الكاف في مثل "كعصف" مجرورة بإضافة مثل إليها؟
فالجواب: إن قوله: مثل كعصف قد ثبت أن مثلًا أو الكاف فيه زائدة، كما أنّ إحداهما زائدة في قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى/ ١١] وإذا ثبت ذلك فلا يجوز أن تكون مثل هي الزَّائدة؛ لأنها اسم، والأسماء لا تزاد إنما تزاد الحروف، فإذا لم يجز أن تكون مثل هي الزّائدة، ولم يكن بدّ من زائد، ثبت أنَّ الكاف هي الزائدة، وإذا كانت هي الزّائدة فلا بدَّ من أن تكون كما قدَّمنا حرفًا، وإذا كانت حرفًا بطل أن تكون مجرورة، من حيث كانت الحروف لا إعراب في شيء منها، وإذا لم تكن مجرورة بطل أن تكون "مثل" مضافة إليها. على أن أبا علي قد كان أجاز أن تكون مثل مضافة إلى الكاف، وتكون الكاف هنا مجرورة اسمًا، وفيه عندي ضعف لما ذكرته.
فأمّا قول الآخر: "ككما يؤثفين" فقد استدللنا بدخول الكاف الأولى على الثانية أنَّ الثانية اسم، وأن الأولى حرف قد جر الثانية، وهو مع ذلك زائد، ولا ينكر وإن كان زائدًا أن يكون جارًا، لما قدمناه من قولهم: ما جاءني من أحد، ولست بقائم. إلى هنا كلام ابن جني وسقناه بطوله لكثرة فوائده.
وكأنَّ الدماميني لم يقف على هذا الكلام، ولم يستحضر كلام الرضي في هذا المقام فإنه قال: ينبغي أن تكون الكاف في البيت اسمًا أضيف إليه مثل، فيكون عمل كلّ من الكلمتين موفّرًا، أما إذا جعلت حرفًا، وجعل مثل مضافًا إلى عصف، لزم قطع الحرف الجارّ عن عمله بلا كاف، اللهم إلَّا أن يقال: تنزل منزلة الجزء من المجرور.
стр. 1332
هذا كلامه. قال العيني، وتبعه السيوطي: البيت من رجز لرؤبة بن العجاج وقبله:
ومسَّهم ما مسَّ أصحاب الفيل ... ولعبت بهم طير أبابيل
ترميهم حجارةً من سجيّل ... فصيروا مثل كعصفٍ مأكول
ولم يذكر ما مرجع الضمير، ومن الذين جرى عليهم هذا الأمر. وقد راجعت ديوان رؤبة نسختين، فلم أجده فيه، ولعله من رجز والده العجاج، ولم يحضرني الآن ديوانه.
وأصحاب الفيل: أبرهة بن الصبّاح الأشرم ملك اليمن، ومن معه من قبل أصحمة النجاشي. وكان من أمر أبرهة أنه بنى كنيسة بصنعاء، وأراد صرف الحاج إليها، فخرج رجل من بني كنانة، فقضى حاجته فيها، فأغضبه ذلك، وحلف ليهدمنّ الكعبة. فخرج بجيشه، ومعه الفيلة، وفيل قوي اسمه محمود، فلمّا تهيّأ لدخول الحرم، وقدم الفيل، فكان كلّما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وَجّهوه إلى اليمن أو إلى جهة أخرى هرول، فأرسل الله طيرًا أبابيل، في منقار كل منها حجر، وفي رجليه حجران أكبر من العدسة، وأصغر من الحمّصة، فرمتهم، فكان الحجر يقع في رأس الرجل، فيخرج من دبره، فهلكوا جميعًا. والسجيل: الطيران المتحجر بالنار، معرب سنك كل، أي: حجر الطين، والأبابيل: جمع إبّالة، بكسر الهمزة وتشديد الموحدة، وهي في الأصل: الحزمة الكبيرة، شبّهت بها الجماعة من الطير لتضامّها، وقيل: هي الجماعات من الطير لا واحد لها.
وقوله: فصيّروا، بالبناء للمفعول، وبه استشهد المصنف في "شرح الألفية" لتعدية صيّر إلى مفعولين، أولهما: نائب الفاعل وهو الواو، وثانيهما: مثل. والعصف،
стр. 1333
قال الفرّاء: هو بقل الزرع، وعن الحسن البصري: الزرع الَّذي أكل حبّه وبقي نبته، كذا في "العباب". وترجمة رؤبة تقدمت في الإنشاء الخامس عشر من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٥) يضحكن عن كالبرد المنهم
على أنَّ الكاف الاسمية عند سيبويه لا تكون إلَّا في الشعر، وتقدَّم نصّه في أوَّل الذي قبل هذا. وذكر ابن جني في "سرّ الصناعة" أنَّ الكاف تكون اسمًا في الكلام، ولم يذكر مذهب سيبويه فيها بل استدلّ بكلامه على اسميتها في الكلام، وهذا منه عجيب! قال: وأمّا الكاف التي في تأويل الاسم فالّتي تقع مواقع الأسماء، ثم قال بعد ذكر الشواهد: واعلم أنّه كما جاز أن تجعل هذه الكاف فاعلة، فكذلك يجوز أن تجعل مبتدأة، فتقول على هذا: كزيد جاءني، وأنت تريد: مثل زيد جاءني، وكبكرٍ غلام لمحمّد. فإن أدخلت أنَّ على هذا قلت: إنَّ كبكرٍ غلام لمحمد، فرفعت الغلام لأنه خبر إنَّ، والكاف في موضع نصب لأنها اسم إنَّ، وتقول إذا جعلت الكاف حرفًا وخبرًا مقدمًا: إنَّ كبكر أخاك، تريد إنَّ أخاك كبكرٍ، كما تقول: إنَّ من الكارم زيدًا. ثمَّ قال: وهذه مسألة من الكتاب، قال سيبويه: تقول: ما زيد كعمرو ولا شبيهًا به، وما عمرو كخالد ولا مفلحًا، النصب في هذا جيد، لأنك تريد: ما هو مثل فلان ولا مفلحًا. هذا معنى الكلام، فإن أراد أن يقول: ولا بمنزلة من يشبهه، جرّه، وذلك نحو قولك: ما أنت كزيد ولا خالد، فإنما أردت: ولا كخالد، فإذا قلت: ما أنت بزيد ولا قريبًا منه، فليس ههنا معنى بالباء
стр. 1334
لم تكن قبل أن تجئ بها، فأنت، إذا ذكرت الكاف تمثل بها، انقضى كلام سيبويه.
واعلم أنَّ الكلام يحتاج إلى شرح ليتلخص معانيه، فإنَّ في ظاهره إشكالًا، أمّا قوله: ما أنت كعمرو ولا شبيهًا به، فلا تخلو الكاف [في كعمرو] أن تكون اسمًا كمثل، أو حرفًا فيه معنى مثل، فإن كانت الكاف اسمًا، فشبيه معطوف عليها، كما كان يعطف على مثل لو كانت هناك، وهذا أمر ظاهر. وإن كانت الكاف حرفًا كالتي في قولنا: مررت بالّذي كزيد، فشبيه المنصوب معطوف على كعمرو جميعًا، لأنَّ الجار والمجرور في موضع نصب، لأنَّ هذه لغة حجازية؛ لأنَّ نصب "شبيه" يدل على أنّ الأول في موضع نصب، إلَّا أنَّ هذا موضع متى عطفت على لفظه أفدت معنى، فإن عطفت على معناه دون لفظه أفدت معنى آخر، ألا ترى أنَّك لو قلت: ما زيد كعمرو ولا شبيه به [فجررت الشبيه]، فإنما أردت ولا كشبيه به، فقد أثبت له شبيهًا، ونفيت أن يكون زيد كالَّذي يشبه عمرًا، وأنت إذا قلت: ما زيد كعمرو ولا شبيهًا، فإنَّما نفيت عن زيد أن يكون شبيهًا لعمرو، ولم تثبت لعمرو شبيهًا، وليس كذلك قولنا: ما أنت بعمرو ولا خالدًا، لأنك إن نصبت خالدًا على المعنى، أو جررته على اللفظ، فإنما معناه في الموضعين واحد، أي: ما أنت هذا ولا هذا، فقول سيبويه: "لأنك تريد: ما هو مثل هذا ولا مفلحًا. هذا معنى الكلام" يحتمل أمرين، أحدهم: أن معنى الكاف [معنى] مثل، وهي حرف، والآخر: أن معنى الكاف معنى مثل، وهي اسم، فإن كانت اسمًا، فالعطف عليها ظاهر، وإن كانت حرفًا، كان العطف عليها وعلى ما جرته.
وقوله: "فإن أراد أن يقول: ولا بمنزلة من يشبهه جرّه" يقول: إذا جررت شبيهًا به، فقد أثبت لعمرو شبيهًا؛ لأنك أردت: ولا كمن يشبهه، ومثَّل ذلك فقال: وذلك نحو: ما أنت كزيد ولا خالد، فهذا يبين لك أنك إذا قلت: ما أنت كزيد ولا خالد، فقد أثبت غير زيد وهو خالد.
стр. 1335
وقوله: "فإذا قلت ما أنت يزيد ولا قريبًا منه، فليس ههنا معنى بالباء لم يكن قبل أن تجئ بها" يريد أن قولك: ما أنت بزيد، وما أنت زيدًا معناهما واحد، وإنما جئت بالباء زائدة مؤكدة، وأنت إذا قلت: ما أنت زيدًا، فله معنى غير معنى قولك: ما انت كزيد، لأنك إذا قلت: ما أنت زيدًا فإنما نفيت أن يكون هو هو، وإذا قلت: ما أنت كزيد، فإنما نفيت أن يكون مشبهًا له؛ ألا ترى أنَّ من قال: أنا زيد، فمعناه غير معنى من قال: أنا كزيد؟ فكما كان الإيجابان مختلفين، كذلك يكون النفيان مختلفين، وهذا واضح. إلى هنا كلام ابن جنّي. والبيت من رجز للعجّاج، وقبله:
ولا تلمني اليوم يا ابن عمّي ... عند أبي الصَّهباء أقصى همِّي
بيضٌ ثلاثٌ كنعاجٍ جمِّ ... يضحكن عن كالبرد المنهم
تحت عرانين أنوفٍ شمِّ
أبو الصَّهباء: كنية رجل، والهمّ بالفتح، والهمّة بالكسر: أول العزم، وهو الإرادة، وقد يطلق على العزم القوي فيقال: له همّة عالية، وبيض بالرفع: إمّا بدل من "أقصى همي" وإما خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو، والجملة جواب سؤال مقدّر، وقيل: بيضٍ –بالجرّ- بدل من همي ولا وجه له، وقيل: بيض مبتدأ، وجملة "يضحكن" خبر، وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أي: هن بيض، وقيل: مبتدأ خبره محذوف، أي: منهن بيض، ذكر هذه الأوجه الثلاثة الأخيرة العيني تبعًا لصاحب "التخمير" والبيض: الحسان، جمع بيضاء، والنعاج: جمع نعجة، وهي الأنثى من الضأن، والعرب تكني عن المرأة بالنعجة، ونقل عن أبي عبيد أنه لا يقال لغير بقر الوحش نعاج، وتشبه النساء بها في العيون والأعناق، والجُمّ، بضم الجيم: جمع
стр. 1336
جماء، وهي التي لا قرن لها، يقال: جمت الشاة جمًّا من باب تعب: إذا لم يكن لها قرن، والذكر أجم، وفائدة الوصف بجم نفي ما يكسبهنَّ سماجة، والبرد بفتحتين حبّ الغمام، والمنهم: الذائب، قال الجوهريّ: انهمَّ البردُ والشحم: ذاب، وهمّه: أذابه. شبّه ثغر النساء بالبرد الذائب في اللطافة والجلاء، والثغر: أصله المبسم، ويُطلق على الثنايا.
وقوله: تحت العرانين: متعلق بمحذوف على أنه صفة ثانية للبرد والعرانين: جمع عرنين، وهو ما تحت مجتمع الحاجيين من الأنف، والشّم: جمع أشم وشماء، والشمم: ارتفاع قصبة الأنف مع استواء أعلاه، فإن كان احد يداب فهو القنا والأنف، والرجل أقني والأنثى قنواء. وترجمة العجاج تقدمت في الإنشاد الثاني عشر من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٦) ما يرتجى وما يخاف جمعًا ... فهو الَّذي كاللَّيث والغيث معا
على أنه يتعين أن تكون الكاف حرفًا لوقوعها صلة للموصول. قال ابن جني في "سرّ الصناعة"/ الكاف الجارة على ضربين: حرف واسم، فأمّا الحرف: فما لم يقع مواقع الأسماء، وذلك [نحو] قولك: مررت بالذي كزيد، فالكاف هنا حرف لا محالة، لأنّك لو قلت: مررت بالذي مثل زيد، أو مررت بالذي [مثل] جعفر، لكان خلفًا وقبيحًا من الكلام حتى يظهر الضمير المبتدأ المحذوف، فتقول: مررت بالذي هو مثل زيد، ومررت بالذي هو [مثل] جعفر، فإجماعهم على استحسان "مررت بالذي كزيد" دلالة على أن الكاف حرف جرّ، وأنه بمنزلة قولك: مررت بالذي في الدار، وهذا استدلال سيبويه، وهو الصواب الذي لا يعدل عنه. انتهى.
стр. 1337
والبيت أورده أبو حيان في "شرح التسهيل" غير معزو إلى قائله، وتمثيل ابن جنّي أجود، وما: اسم موصول، ويرتجى ويخاف بالبناء للمفعول، وجمع بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير الممدوح، والألف للإطلاق.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٧) وصاليات ككما يؤثفين
على أنه يحتمل أن الكافين حرفان أكّد الأول بالثاني .. الخ، قال ابن جني: وأمّا الكاف التي في تأويل الاسم فالتي تقع مواقع الأسماء، وذلك نحو قول الشّاعر:
وصالياتٍ ككما يؤثفين
فالأولى حرف، والثانية اسم لدخول حرف الجرّ عليها، فأمّا قول الآخر:
فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبدا دواء
فليست اللَّام الثانية باسم، وإن كانت قد دخلت عليها اللاَّام الأولى، لأنه لم يثبت في موضع غير هذا أنّ اللَّام اسم، كما ثبت أنَّ الكاف اسم، وإذا كان ذلك كذلك فإحدى اللَّامين زائدة مؤكدة، وينبغي أن تكون الزائدة هي الثانية دون الأولى؛ لأنَّ حكم الزائد أن لا يبتدأ به. انتهى.
وقال أبو حيّان: وذهب بعض شيوخنا أن الزائدة للتأكيد هي الأولى، والثانية اسم بمعنى مثل، وزعم أنَّ ما موصولة، قال: وذلك أنه يريد أن يشبه أثافيّ قدر قدُمت بأثافي مستعملة، فيكون التقدير: وصاليات مثل اللاتي يؤثفين الآن، أي:
стр. 1338
ينصبن فيوقد عليهن، لأنَّ هذه قد انتقل أهلها عنها وبقيت لا توقد عليها، إلَّا أنّها مسودات ومعها رمادُها لم يتغير، فصارت بذلك مشبهة لما يوقد عليه منها. والضمير في "يؤثفين" راجع إلى ما على المعنى قال: وهذا أحسن من أن تجعل ما مصدرية، فيكون التقدير: كإثفاثهنَّ، وقد يشبه العين بالمعنى، فيحتاج إلى تأويل في اللفظ وحذف مضاف، وعلى جعل ما موصولة اسميّة لا تقدير فيه ولا حذف. انتهى.
والشعر من قصيدة لحطام المجاشعي وقبله:
حيّ ديار الحي بين الشَّهبين ... وطلحة الدَّوم وقد تعفيَّن
لم يبق من آي بها تحلَّين ... غير حطامٍ ورمادٍ كنفين
وغير نؤي وحجاجي نؤيين وغير ودٍ جاذلٍ أو دَّين
وصاليات ككما يؤثفين
ومنها:
ومهمهين قذفين مرتين ... ظهراهما مثل ظهور الترسين
جبتهما بالنَّعت لا بالنَّعتين ... على مطار القلب سامي العينين
قوله: حي، فعل أمر من التحية، والحيّ: القبيلة، والشبهان: موضع، وكذا طلحة الدوم، والنون في تعفّين ضمير ديار الحي، وتعفى: بمعنى عفا اللازم، يقال: عفا المنزل يعفو عفوًا وعفوًّا، وعفاء بالمد والفتح: إذا درس وذهبت آثاره، والآي: جمع آية، وهي العلامة، والتحلية: الوصف، يقال: حليت الرجل تحليةً، إذا وصفته. يقول: لم يبق من علامات حلولهم في ديارهم تحليها وتصفها غير ما ذكر. ومن: زائدة، وآي: فاعل. لم يبق، وغير: منصوب على الاستثناء: وجملة "تحلين" صفة لآي، وبها متعلق به، والحطام بضم المهملة: ما تكسر من الحطب، والمراد به دقّ الشجر الذي قطعوه فظللوا به الخيام، ورماد:
стр. 1339
مضاف إلى كنفين، أي: رماد من جانبي الموضع، ولو روي بالتنوين لم يكن خطًا. وكنف، بفتح الكاف وسكون النون: النّاحية والجانب، وأصله بفتح النون، وقيل: هو هنا بكسر الكاف، بمعنى الوعاء الذي يجعل الرّاعي فيه أداته. والنُّؤي، بضم النون وسكون الهمزة: حفيرة حول الخباء لئلا يدخله ماء المطر، ويؤخذ ترابها ويجعل حاجزًا للبيت، فجعل ذلك الحاجز كحجاج العين، وهو بكسر المهملة وفتحها وبعدها جيمان، وهو العظم الذي ينبت عليه الحاجب. والجاذل: بالجيم والذّال المعجمة: المنتصب، جذل جذولًا: انتصب وثبت، والوَدّ: الوتد، وصاليات: أراد بها الأثافي لأنها صليت بالنار، أي احترقت حتى اسودت، وهي معطوفة على حطام، أي: وغير أثافي صاليات. وروي بدلها: "وغير سفع" جمع أسفع، أراد بها الأثافي أيضًا، لأنها قد سفعتها النار، أي: سودتها وغيرت لونها، وروي أيضًا: "وماثلات" أي: منتصبات، والأثافي: جمع أثفية، وهي الأحجار الثلاثة التي ينصب عليها القدر، و"ما" في قوله: ككما، قال أبو علي في "التذكرة القصرية": يجوز أن تكون مصدرية، كأنه قال مثل الإثفاء، ويجوز أن تكون موصولة بمعنى الّذي، كقوله:
فإنَّ الَّذي حانت بفلجٍ دماؤهم
انتهى. وأوضح ابن السيّد في "شرح أدب الكاتب" الوجه الأول، وقال: "ما" مع الفعل بتقدير المصدر، كأنه قال: كمثل إثفائها، أي: أنها على حالها حين أثفيت. والكافان لا يتعلقان بشيء، فإنَّ الأولى زائدة، والثانية اسم، ولو سقطت الأولى وجب أن تكون الثانية متعلقة بمحذوف صفة لمصدر مقدّر محمول على معنى الصّاليات؛ لأنها نابت مناب مثفيات، فكأنه قال: ومثفيات إثفاء مثل إثفائها حين نصبت للقدر، ولا بدَّ من هذا التقدير ليصحّ اللفظ والمعنى.
стр. 1340
وأمّا قوله: يؤثفين، فقد اختلف النحويون في وزنه، فقال قوم: وزنه يؤفعلن، والهمزة زائدة، [والثاء فيه فاء الفعل]، فكان يجب أن يقول يثفين، لكنه جاء على الأصل للضرورة، كما قال الآخر:
فإنَّه أهلٌ لأن يؤكرما
وعلى هذا فأثفيّة أفعولة، فأصلها أثفوية، قلبت الواو ياء، وأدغمت [في الياء]، وكسرت الفاء لتبقى الياء على حالها، واستدلوا على زيادة الهمزة بقول العرب: ثفيّت القدر، إذا جعلتها على الأثافي، وقال قوم: وزنه يفعلين، فالهمزة أصل، ووزن أثفية على هذا فعلية، واستدلّوا ببقول النّابغة:
لا تقذفنِّي بركنٍ لا كفاء له ... وإن تأثَّفك الأعداء بالرِّفد
فقوله: تأثقفك، وزنه تفعَّلك، لا يصح فيه غيره، ولو كان من ثفيّت القدر لقال: تثفّاك، ومعناه: صار أعدائي حولك كالأثافي تظافرًا، وقال ابن جنّي في "شرح تصريف المازني": ويفعلين أولى من يؤفعلن، لأنه لا ضرورة فيه.
وقوله: ومهمهين قذفين .. الخ، هذا البيت من شواهد النحويين، أنشده الزجاجي في باب ما جاء من المثنى بلفظ الجمع، والمهمة: القفر المخوف. فالواو نائبة عن رب، والذف، بفتح القاف والذّال المعجمة: البعيد من الأرض، والمرت بفتح الميم وسكون الراء المهملة: الأرض التي لا ماء بها ولا نبات، والظهر:
стр. 1341
ما ارتفع من الأرض شبّهه بظهر ترس في ارتفاع وتعرّية من النبات، كما قال الأعشى:
وفلاةٍ كأنَّها ظهر ترسٍ ... ليس إلَّا الرَّجيع فيها علاق
وقوله: جبتهما: جواب ربّ المقدرة، والجواب: القطع، والنعت: الوصف، أي: نعتا لي مرّة واحدة، فلم أحتج إلى أن ينعتا لي مرّةً ثانية. وصف نفسه بالحذق والمهارة والجسارة. وقوله: على مطار القلب، أي: على بعير هذه صفته.
وخطام المجاشعي الرّاجز: هو خطام بن نصر بن [رياح بن] عياض بن يربوع من نبي الأبيض بن مجاشع بن دارم، وهو راجز إسلامي. والخطام، بكسر الخاء المعجمة: معناه الزمام. قال الصّاغاني: إنَّ اسمه بشر، بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٨) ولا للما بهم أبدًا دواء
وصدره:
فلا والله لا يلفَى لما بي
على أنَّ اللام الثانية مؤكدة للأولى. وتقدَّم في الذي قبله عن ابن جنّي ما يتعلق به، ورواه المبارك بن ميمون في "منتهى الطلب" كذا:
فلا والله لا يلفى لما بي ... وما بهم من البلوى دواء
فلا شاهد فيه. والبيت من قصيدة لمسلم بن معبد الواليّ، قال أبو محمّد الأسود
стр. 1342
الأعرابيّ في "ضآلة الأديب": كان السبب في هذه القصيدة أن مسلمًا كان غائبًا، فكُتبت إبله للمصدّق، أي: لعامل الصدقة، وهي الزكاة، وكان رُقيع وهو عمارة ابن عبدي الوالي عريفًا، فظنَّ مسلم أنّ رقيعًا أغراه، وكان مسلم ابن أخت رقيع وابن عمه، فقال مسلم:
بكت إبلي وحقَّ لها البكاء ... وفرَّقها المظالم والعداء
إذا ذكرت عرافة آل بشرٍ ... وعيشًا ما لأوَّله انثناء
ودهرًا قد مضى ورجال صدقٍ ... سعوا قد كان بعدهم الشَّقاء
إذا ذكر العريف لها اقشعرت ... ومسَّ جلودها منه انزواء
فظلَّت وهي ضامرة تفادي ... من الجرّات جاهدها البلاء
وكدن بذي الرّبا يدعون باسمي ... ولا أرضٌ لدي ولا سماء
تؤمِّل رجعةً مني وفيها ... كتابٌ مثل ما لزق الغراء
إلى أن قال بعد أبيات يخاطب رقيعًا:
ألمَّا أن رأيت الناس آبت ... كلابهم عليَّ لها عواء
ثنيت ركاب رحلك مع عدوِّي ... لمختتلٍ وقد برح الخفاء
ولا خيت الرِّجال بذات بيني ... وبينك حين أمكنك اللِّخاء
إلى أن قال:
وقد يغني الحبيب ولا تراخي ... مودَّته الغنائم والحباء
ويوصل ذو القرابة وهو ناءٍ ... ويبقى الدِّين ما بقي الحياء
جزى الله الصَّحابة عنك شرًّا ... وكلُّ صحابة لهم جزاء
بفعلهم فإن خيرًا فخيرًا ... وإن شرًّا كما مثل الحذاء
وإيّاهم جزى عنّي وأذَّى ... إلى كلّ بما بلغ الأداء
وقد أنصفتهم والنَّصف يرضى ... به الإسلام والرَّحم البواء
لددتهم النَّصيحة كلَّ لدٍّ ... فمجُّوا النُّصح ثمَّ ثنوا فقاؤوا
стр. 1343
إلى أن قال:
إذا مولى رهبت الله فيه ... وأرحامًا لها قبلي رعاء
رأى ما قد فعلت به موالٍ ... فقد غمرت صدورهم وداؤوا
فكيف بهم فإن أحسنت قالوا ... أسأت وإن غفرت لهم أساؤوا
فلا وأبيك لا يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبدًا شفاء
وهذا آخر القصيدة. قوله: رجال صدق سعوا، أي: تعاطوا أخذ الصدقة، والساعي: من ولي شيئًا على قوم، وأكثر ما يقال ذلك في ولاة الصدقة، والانزواء: التقبض، وتفادي من كذا: إذا تحاماه وانزوى عنه، وقوله: ألمَّا، الهمزة للاستفهام التوبيخي، ولمَّا بمعنى حين، عاملها ثنيت، وأبت: رجعت، وبرح: زال، ولا خيت، بالخاء المعجمة: مالأتَ وساعدتَ.
وقوله: وقد يغني الحبيب، أي: يصير غنيًا، ولا تُرخي المغانم والعطاء مودته والصحابة: الأصحاب، والحذاء، بالكسر: النعل، أراد: كما صنع مثل الحذاء مطابقًا له، والَّصف: بفتح النون، وسكون الصاد: الإنصاف، والبواء، بفتح الموحدة: السواء.
وقوله: لددتهم .. الخ، اللدود بفتح اللام: ما يصبُّ من الأدوية في أحد شقّي الفم، ولددته لدًّا: صببت فيه صبًّا، ومحبّة: رماه، وثنوا: عطفوا ومالوا، وقاؤوا بالقاف: أي: أخرجوه بالقئ.
وصحفه العيني تصحيفًا فاحشًا فقال: قوله: وفاؤوا: خبر مبتدأ محذوف، أي: وهم فاؤوا، والجملة حاليًا. هذا كلامه، ولا يكاد يقضى منه العجب. وقوله: إذا مولى .. الخ، المولى هنا: ابن العم، ورهبت الله فيه، أي: خفت الله في جانبه. وغمرت: من الغمر، بكسر الغين المعجمة، وهو الحقد، وداؤوا، أي: مرضوا، يقال: داء الرّجل يداءُ داء، إذا أصابه المرض.
стр. 1344
وقوله: فكيف بهم، أي: فكيف أصنع بهم؟ وجملة "لا يلفى شفاء" أي: لا يوجد، جواب القسم، يريد: لا يوجد شفاء لي من كدرهم، ولا لما بهم من داء الحسد.
ومسلم بن معبد: شاعر إسلامي في الدولة الأموية وهو ابن معبد الوالبي نسبة إلى والبة بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتسعون بعد المائتين:
(٢٩٩) لسان السوء تهديها إلينا ... وحنت وما حسبتك أن تحينا
على أنَّ الكاف حرف خطاب. قال أبو حيان في "شرح التسهيل" بعد أن مثل لذلك بقوله: حسبتك عمرًا منطلقًا. وقال المصنف، يعني ابن مالك: أنشد أبو علي:
وحنت وما حسبتك أن تحينا
وأجاز أن تكون الكاف فيه حرف خطاب، وهو غريب. وحمله على ذلك وجود أن بعدها، فإنه إن لم يكن الأمر كما قال، لزم الإخبار بأن والفعل عن اسم عين، وذلك لا سبيل إليه في موضع يخبر عنه فيه بمصدر صريح، نحو: زيد رضى، فكيف في موضع بخلاف ذلك! انتهى. فعلى هذا إذا كانت الكاف حرف خطاب، تكون أن الناصبة، وما بعدها سدت مسد مفعولي حسب، كقراءة من قرأ: ﴿وحسبوا أن لا تكون فتنة﴾ [المائدة/ ٧١] في قراءة من نصب "تكون".
ويحتمل البيت تخريجًا آخر، وهو أن يكون الكاف ضميرًا مفعولًا أول، وأن زائدة، وتحين في موضع المفعول الثاني، فلا تكون أن مصدرية. وهذا على مذهب الأخفش في إجازته أنّ "أن" الزائدة تنصب. إلى هنا كلام أبي حيان.
وهذا البيت أنشده ابنا لسكيت في كتاب "المذكر والمؤنث" قال: اللسان يذكَّر،
стр. 1345
وربما أنت، إذا قصدوا باللسان قصد الرسالة أو القصيدة من الشعر، قال الشاعر:
لسان السوء تهديها إلينا ... وحنت وما حسبتك أن تحينا
من الحين، وهو الهلاك. وقال الآخر:
أتتني لسان بني عامر ... فجلَّى أحاديثها عن بصر
ذهب إلى الرسالة، وقال الحطيئة:
ندمت على لسانٍ فات منّي ... فليت بأنَّه في جوف عكم
ويروى: "فليت بيانه" فمن أنث صغَّرها: لسينة، ومن ذكّر صغره: لسينًا. وأمّا اللسان بعينه فلم أسمعه من العرب إلَّا مذكّرًا، قال أبي: وسمعت أبا عمرو يقول: اللسان نفسه يذكر ويؤنث، فمن أنّث جمعه ألسنًا، ومن ذكَّر جمعه ألسنة. قال: وسمعته يحكي: لكل قومٍ لسنٌ، أي: لغة، ويقال: لسنت الرَّجل: إذا أخذته بلسانك، قال طرفة:
وإذا تلسنني ألسنها
وقد ألسنته: إذا بلغت عنه، وينسب إلى حسن اللسان رجل لسن بين اللَّسن. انتهى كلامه.
стр. 1346
وضمير تهديها راجع إلى "لسان" المراد به كلمة السّوء، وفي غطلاق الهدية عليها تمليح، وحسبتك بضمّ تاء المتكلم، ويجوز أن يكون بفتح تاء المخاطب، وحسبتك: ظننتك، وتحين وحنت كلاهما من الحين وهو الهلاك، وصحفه بعضهم:
وجئت وما حسبتك أن تجينا
كلاهما من المجئ، والأوَّل مهموز والثاني أبدلت همزته ياء.
" كي "
أنشد فيه، وهو الإنشاد الموفي الثلاثمائة:
(٣٠٠) كي تجنحون إلى سلمٍ وما ثئرت ... قتلاكم ولظى الهيجاء تضطرم
على أن كي أصلها: كيف، فحذف فاؤها كما حذف من سوف، فقيل: سو، وكلاهما ضرورة، ومثل ابن عصفور في كتاب "الضرائر" للأول بقول الشاعر:
أو راعيان لبعرانٍ شردن لنا ... كي لا يحسّن من بعراننا خبرا
قال: يريد كيف لا يحسّان، ومثل للثاني بقول عديّ بن زيد:
فإن أهلك فسو تجدون فقدي ... وإن أسلم يطب لكم المعاش
قال: يريد: فسوف، قال ابن مالك في "شرح الكافية": وإن ولي كي اسم أو فعل ماض أو مضارع مرفوع؛ علم أنّ أصلها "كيف" حذفت فاؤها، ومنه قول الشاعر: كي تجنحون إلى سلم .. البيت. انتهى.
وظاهره أنه ليس بضرورة، وليس كذلك. وهذا البيت أعني قوله:
أو راعيان لبعرانٍ شردن لنا .. ... البيت،
стр. 1347
أنشده الفراء في "تفسيره" عند قوله: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ قال: قرأه عبد الله: ﴿ولسيعطيك ربك فترضى﴾ قال: والمعنى واحد، إلا أن سوف كثرت في الكلام وعرف موضعها، فترك منها الفاء والواو، والحرف إذا كثر فربما فعل به ذلك، كما قيل: أيشٍ تقول، وكما قيل: قم لاباك، وقم لا بشانئك، يريدون: لا أبا لك، ولا أبا لشانئك. وقد سمعت بيتًا حذفت الفاء فيه من كيف، قال الشاعر:
من طالبين لبعران لنا رفضت ... كي لا يحسّون من بعثراننا أثرا
أراد: كيف لا يحسُّون، وهذا كذلك. انتهى.
وأنكر أبو علي في "البغداديات" حذف الفاء من كيف، وحتم أن تكون كي فيه بمعنى اللّام، قال: أنشد أبو بكر عن ابن الجهم في الفرّاء:
من طالبين لبعران لهم شردت ... كيما يحسون من بعرانهم خبرا
قال الفراء: أراد كيف، فرخم. قال أبو بكر: وهذا خطأ، وهو كما قال، وبسطه: أنّ كيف اسم يمتنع ترخيمه من غير وجه: أحدها أنه اسم ثلاثي، والثلاثي لم يجئ مرخمًا إلَّا ما كان ثالثه تاء تأنيث. والآخر: أنه منكور، والمنكور لا يرخم كما لا يبني، والترخيم أبعد من البناء، فإذا امتنع بناؤه كان ترخيمه أشدّ امتناعًا أيضًا، فإن كيف اسم مبني مشابه للحروف والحذف إنما يكون في الأسماء المتمكنة والأفعال المأخوذ منها، ولا يكون في الحروف، كذلك ينبغي أن لا يكون فيما غلب شبهها، وصار بذلك في حيزها. فإن أراد بالترخيم ما يستعمله النحويون في هذا النوع من المنادى، فهو غير منادى، وإن أراد به الحذف، فهو غير سائغ. فإن قلت: فقد قالوا: لد ولدن، فحذفوا منه وهو غير متمكن، فكذلك يسوغ الحذف من كيف. فالجواب: أنه لا يسوغ الحذف من حيث حذف من لدن، وذلك أنّ "لدن" لما فتح ما قبل النون منها وضم، ونصب الاسم بعدها في قولهم: لدن غدوة، ضارع
стр. 1348
التنوين الزائد في الاسم، لاختلاف الحركة قبلها، وانتصاب الاسم بعدها، فحسن لذلك حذفها كما يحذف الزائد. وأيضًا فإنَّ هذا الاسم يضاف في قولهم: لد الصلاة، ويدخل عليه حرف الجر، ويضاف إلى المضمر والمظهر، وكلّ ذلك توسع فيها، ليس في كيف مثله، فيسوغ فيه في دخول ذلك ما لا يسوغ في كيف. وأيضًا فإنَّ النّون شببهة بحروف اللّين، ألا تراها تزاد في مواضع زيادتها، وتلحق علامة الإعراب كما يُزاد ما هو منها. وحذفوها فاء في قوله:
وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وفي نحو:
عموا ظلامًا
فحذفه أسهل لذلك من حذف غيره، ولو لم يمكن في النون من هذه الكلمة ذكرناه، لما كان لحمل كيف عليه مساغ ما وجد لغيره مجاز. فإن قلت: فكيف وجه البيت عندك؟ فالقول: إنَّ كي على ضربين تكون مرة بمعنى اللام. وذلك في قولهم: كيمه، وتكون في معنى "أن" في نحو ﴿لكيلا تأسوا﴾ [الحديد/ ٢٣] فنقول: إن كي في البيت هي التي بمعنى اللَّام فيمن قال: كيمه، دخلتها "ما" كافة فمنعتها العمل الَّذي تعمله، فارتفع الفعل بعدها، كما كفَّت رُبَّ ومن في قولهم: مما أفعل، وربّما يقوم. ونظير هذا ما أنشدناه عن أبي الحسن من قوله:
إذا أنت لم تنفع فضرَّ فإنَّما ... يرجَّى الفتى كيما يضرُّ وينفع
стр. 1349
فعلى هذا يحمل هذا البيت. انتهى كلامه. وهذا كلّه تطويل بلا طائل، فإنَّ رواية الفرّاء "كيلا" بلا النافية لا بما، والتصرف في الحرف بالحذف وغيره ثابت مع أنه خلاف الأصل، فكونه في الاسم أولى وأحقّ، والمراد بالترخيم في نحو هذا التخفيف بالحذف، وهو شائع في كلامهم، فلا وجه للتردد بين ترخيم المنادى وغيره، على أنّ الفراء إنما عبّر بالحذف، ومحل كلامه إنكار مجيء كي مخفَّفة من كيف، وحمل كي في البيت على معنى اللَّام بمعونة "ما" الكافة على تقدير وجودها، فما يصنع بقول الآخر: كي تجنضحون إلى سلم .. البيت؟ وليس بعدها "ما" والمعنى على الاستفهام، ولعلّه يقول: إنَّ كي موضوعة للاستفهام عن حال الشيء بمعنى كيف، لا أنها مخففة منها كما هو مذهب جماعة، وحكاه الرّضي في "شرح الكافية" عن الأندسي.
وقال ابن يعيش في "شرح المفصّل": وفي كيف لغتان، قالوا: كيف، وكي. قال الشاعر: أو راعيان لبعران .. البيت، قالوا: كي هنا بمعنى "كيف" استفهام، وقال قوم: أراد: كيف، وإنما حذف الفاء تخفيفًا، كمات قالوا: سو أفعل، والمراد: سوف أفعل. انتهى. والظاهر أنه من ضرورة الشعر، كما قال ابن عصفور؛ إذ لو كانت كي موضوعة للاستفهام لوردت في الكلام، ولدوّنت في كتب اللغة كسائر الكلمات.
والبيتان مجهول قائلهما ولا يعرف تتمتهما. والبعران: جمع بعير، وهو في الإبل بمنزلة الرجل في الإنسان، ويحسّان: مضارع أحسّ الرجل الشيء إحساسًا: علم به، وأثرًا مفعوله، ورفضت، في رواية الفراء، من رفضت الإبل من باب ضرب: تفرقت في المرعى. ومعنى البيت غير واضح.
وأمّا قوله: كي تجنحون .. البيت، فقد زعم العيني أنه من شواهد سيبويه، وتبعه خدمة هذا الكتاب، هو غير موجود في "كتاب سيبويه" فإنَّ شواهده
стр. 1350
مضبوطة ومعدودة، وقد شرحها جماعة من أكابر العلماء، ولم أر من أدرجه فيها.
وتجنحون: تميلون. والسلم، بكسر السّين وفتحها: الصّلح، وثئرت، بالبناء للمفعول، وقتلاكم: نائب الفاعل، من ثأرت القتيل إذا طلبت دمه وقتلت قاتله، والثأر مهموز، والهيجاء بالمدّ وتقصر: الحرب، وتضطرم: تلتهب، والجملتان: حالان من الواو في تجنحون، وكي للاستفهام الإنكاري التعجبي، وأتعجب من حسن قول العيني: الشاهد في كي، فإنه بمعنى كيف، وهو اسم لا شكّ فيه، لدخول حرف الجار عليه. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد الثلاثمائة:
(٣٠١) إذا أنت لم تنفع فضرَّ فإنَّما ... يرجَّى الفتى كيما يضرُّ وينفع
على أنَّ كي فيه جارَّة بمعنى اللّام، وما مصدرية، وقيل: كافة. وقد أجاز الوجهين في "ما" أبو علي في "التذكرة القصرية" وقال أيضًا في "البغداديات" عند الكلام على قول الشاعر:
كيما تغدي القَوْمَ من شوائه
يجوز أن تكون ما زائدة، والفعل منصوب بإضمار أن، إلَّا أنه ترك على الإسكان، وذلك مما يستحسن في الضرورات. ويجوز أن تكون "ما" بمعنى المصدر في موضع جرّ بكي، وتغدي صلته، ونظير ذلك قول الآخر، أنشده أبو الحسن: إذا أنت لم تنفع .. البيت. كأنه قال: للضرّ والنّفع، ويحتمل عندي أن تكون ما كافة لكي، كما كانت كافة لربّ. انتهى. ونقل ابن مالك في "شرح الكافية"، عن أبي الحسن هذا أنه قال: جعل الشاعر "ما" اسمًا، وينفع ويضر من صلته، وأوقع عليه كي بمنزلة اللَّام. انتهى. ونقله ناظر الجيش وأقرّه، فهذه ثلاثة أقوال.
стр. 1351
ورأيت في "طبقات النحاة" لأبي بكر محمّد الشهير بالتاريخي عند ترجمة يونس ابن حبيب أنّ يونس قال: كان عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فصيحًا، وهو الذي يقول:
إذا أنت لم تنفع فصرّ فإنما ... يرجَّى الفتى كيما يضرَّ وينفعا
انتهى. فعلى هذه الرّواية ما زائدة، ويضر منصوب بكي، واللام مقدرة، وأنت فاعل لفعل محذوف يفسّره المذكور، أي: إذا لم تنفع الصديق فضرّ العدوّ، وإنما قدّر لكلّ فعل مفعول؛ لأنَّ العاقل لا يأمر بالضرّ مطلقًا، وحسن المقابلة اقتضى تعيين الأول. ويرجّى بتشديد الجيم المفتوحة، أي: إنما يرتجى الفتى لضرر من يستحق الضرّ، ونفع من يستحق النّفع، وقيل: يمكن حمل البيت على أنَّ المراد الحثّ على النّفع بالأمر بالضرر، لا على أنه مراد، ولا يقدر للفعل متعلق بملاحظة أنَّ الإنسان إنما يقصد ويكثر رجاؤه لوصف فيه لا لذاته. وروي "يراد" بدل يرجّى.
وقال العيني: البيت للنابغة [الذبياني، وقيل: ] الجعدي، والأصحّ أن قائله قيس بن لاخطيم، ذكره البحتري في "حماسته" انتهى.
وأنشده الإمام الباقلاني في كتاب "إعجاز القرآن" بنصب يضر وينفع، ونسبه إلى قيس بن الخطيم، وقد فتشته في ديوانه، وفي ديوان النّابغة الذبياني، فلم أجده فيهما، والله أعلم.
стр. 1352
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني بعد الثلاثمائة:
(٣٠٢) أردت لكيما أن تطير بقربتي
وتمامه:
فتركها شنًا ببيداء بلقع
على أنَّ كي فيه محتملة لأن تكون جارَّة بمعنى اللَّام، ومحتملة لأن تكون ناصبة بمعنى أن المصدرية، قال ابن مالك في "شرح الكافية": يحتمل أن تكون فيه بمعنى أنّ، وشدَّ اجتماعها على سبيل التوكيد، ويحتمل أن تكون جارة، وشذَّ اجتماعهما مع اللام. انتهى.
وقال ابن الأنباري في "مسائل الخلاف": ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز إظهار أن بعد كي توكيدًا لكي، وذهب بعضهم إلى أنَّ العامل في: "جئت لكي أكرمك" اللَّامُ، وكي وأن توكيدان لها، وقالوا: يدل على جواز إظهارها النقل، كقوله:
أردت لكيما أن تطير بقربتي
والقياس على تأكيد بعض الكلمات لبعض، فقد قالوا: لا إن ما رأيت مثل زيد، فجمعوا بين ثلاثة من أحرف الجحد للمبالغة.
وقال البصريون: لا يخلو إظهار أن بعد كي إمّا لأنها كانت مقدرة، فظهرت، وإمّا لأنها زائدة، والأول باطل لأن كي عاملة بنفسها، ولو كانت تعمل بتقدير أن لكان ينبغي إذا ظهرت أن يكون العمل لأن، فلمّا أضيف العمل إلى كي، دلَّ على أنها العامل، وكذا الثاني باطل؛ لأنَّ زيادتها ابتداء ليس بمقيس فوجب أن لا يجوز إظهار أن بحال.
ومنهم من قال: إنما لم يجز إظهار أن بعد كي وحتى؛ لأنهما صارتا بدلًا من اللفظ بأن، كما صارت "ما" بدلًا عن الفعل في قولهم: أمّا أنت منطلقًا انطلقت معك والتقدير: أن كنت منطلقًا، فحذف الفعل وجُعل ما عوضه.
стр. 1353
وأمّا قوله:
أردت لكيما أن تطير بقربتي
فلا حجّة فيه لأنَّ قائله مجهول، وإن علم فإظهار أن بعد كي لضرورة الشعر، أو لأنَّ بدل من كي؛ لأنهما بمعنى واحد. انتهى كلامه. والجيّد هو الثاني، وهو ظهور "أن" للضرورة، والذاهب إلى أنّ العامل اللاَّم، وكي وأن مؤكّدان لها هو الفرّاء، قال في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ [النساء/ ٢٦] مثله في موضع آخر: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ [النساء/ ٢٧] والعرب تجعل اللَّام التي على معنى كي في موضع أن في: أردت وأمرت، فتقول: أردتُ أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم. قال تعالى ﴿وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ [الأنعام/ ٧١] وقال في موضع آخر: ﴿قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم﴾ [الأنعام/ ١٤] وقال: ﴿يريدون ليطفئوا﴾ [الصف/ ٨] و ﴿أن يطفئوا﴾ [التوبة/ ٣٢] وإنَّما صلحت اللَّام في موضع "أن" في أمرتك وأردت، لأنهما يطلبان المستقبل، ولا يصلحان مع الماضي، ألا ترى أنك تقول: أمرتك أن تقوم، ولا يصلح: أمرتك أن قمت، وكذلك: أردت، فلمّا رأوا "أن" في غير هذين تكون للماضي والمستقبل استوثقوا لمعنى الاستقبال بكي، وباللام التي في معنى كي، وربما جمعوا بينهما وربما جمعوا بين ثلاثهن، أنشدني أبو ثروان:
أردت لكيما أن ترى لي عثرة ... ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل
فجمع بين اللَّام وكي، وقال تعالى: ﴿لكيلا تأسوا﴾ [الحديد/ ٢٣]، وقال الآخر في الجمع بينهن:
أردت لكيما أن تطير بقربتي ... .. البيت
стр. 1354
وإنما جمعوا بينهنَّ لاتفاقهنَّ في المعنى واختلاف لفظهن، قال رؤبة:
بغير لا عصفٍ ولا اصطراف
وربما جمعوا بين "ما ولا وإن" التي على معنى الجحد، أنشدني الكسائي في بعض البيوت:
لا ما إن رأيت مثلك
فجمع بين ثلاثة أحرف. وربما جعلت العرب اللَّام مكان أن فيما أشبه "أردت، وأمرت" مما يطلب المستقبل، أنشدني أبو الجرّاح الأنفيّ من بني أنف النّاقة من بني سعد:
ألم تسأل الأنفي يوم يسوقني ... ويزعم أني مبطل القول كاذبه
أحاول إعناتي بما قال أم رجا ... ليضحك مني أو ليضحك صاحبه
والكلام: رجا أن يضحك، ولا يجوز: ظننت ليقوم، وذلك أنَّ "أن" التي تدخل مع الظنّ تكون مع الماضي، نحو: أظن أن قد قام زيد، فلم تجعل اللَّام في موضعها ولا كي، إذا لم تطلب المستقبل وحده، وكلّما رأيت "أن" تصلح مع المستقبل والماضي فلا تدخلن عليها كي ولا اللام. هذا آخر كلام الفرّاء. وظهر منه أنَّ أن لا تكون إلَّا مع كي المسبوقة باللَّام. مع تقدم أحد الفعلين من "أمر وأراد" وما أشبههما، وأنَّ لام كي لا تكون إلَّا مسبوقة بأحد هذين الفعلين.
وقوله: أردت لكيما، ما: صلة، والطّيران ها هنا مستعار للذهاب السّريع. والقربة بكسر القاف معروفة، وتتركها بالنصب عطفًا على تطير. والترك: التخلية، يتعدى لمفعول، ويأتي بمعنى التصيير، ويتعدى لمفعولين، وهنا محتمل لكل منهما، فشنًا على الأول: حال من الهاء، وعلى الثاني: هو المفعول الثاني، وببيداء متعلق بالترك، أو هو المفعول الثاني، وشنًا: حال، وباقع بالحرّ صفة بيداء. وقال العيني:
стр. 1355
شنًا حال بتأويل متشننة، من التشنن، وهو اليبس في الجلد، والباء في ببيداء تتعلق بمحذوف تقديره: شنًّا كأنه ببيداء. هذا كلامه. والشن: القربة الخلق، والبيداء: الفلاة التي تبيد من يدخلها، أي: تهلكه، والبلقع: القفر. وهذا البيت فلَّما خلا منه كتاب نحوي، ولم يعرف قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث بعد الثلاثمائة:
(٣٠٣) فقالت أكلَّ النَّاس أصبحت مانحًا ... لسانك كيما أن تغرَّ وتخدعا
علي أنَّ ظهور أن بعد كي خاصّ بالشعر. قال ابن عصفور في كتاب "الضّرائر": ومنها زيادة أن كقوله:
أردت لكيما أن تطير بقربتي
أن فيه زائدة غير عاملة، لأن لكيما تنصب الفعل بنفسها، ولا يجوز إدخال ناصب على ناصب، وأما قول حسّان:
فقالت أكل النَّاس أصبحت مانحًا ... .. البيت
فـ "أن" فيه ناصبة لا زائدة أظهرت للضرورة، لأنَّ "كيما" إذا لم يدخل عليها اللَّام كان الفعل بعدها منتصبًا بإضمار أن، ولا يجوز إظهارها في فصيح الكلام. انتهى. وقال ابن مالك في "شرح الكافية" بعد إنشاد هذا البيت: والأظهر في كي هذه أن تكون بمعنى اللَّام، وقال في "التسهيل": ويترجّح مع إظهار أن مرادفة اللَّام على مرادفة أن. قال ناظر الجيش: وهذا الكلام منه محتمل لأمرين: إمَّا كون كي في مثل هذا التركيب مرادفة لأن، وأتى بـ "أن" بعدها توكيدًا ضرورة، وهو قول النحاة، فيكون هذا القول مقابلًا لقول من يقول:
стр. 1356
إنها مرادفة اللَّام. وإما كون كي مرادفة لأن احتمالّي يمكن أن يقال به، وكلام ابنه بدر الدين يجنح إلى أنه أمر احتمالي، فإنه قال: إذا ظهرت "أن" بعد كي نظرت، فإن لم يكن قبلها اللَّام كما في قوله: كيما أن تغر، احتمل أن تكون الجارة، وقد شذَّ إظهار أن بعدها للضرورة، وأن تكون الناصبة للفعل، وقد شذ توكيدها بأن للضرورة، ثمَّ قال: والرَّاجح كونها جارة؛ لأن توكيد الحرف بالحرف شاذ في الاستعمال دون القياس، فكان القول به أولى. انتهى. وقال ابن يعيش: ويروى:
لسانك هذا كي تغرَّ وتخدعا
وهكذا هو في "ديوان جميل" والبيت له من قصيدة لا لحسّان، وهذا أبيات من أولها:
عرفت مصيف الحيِّ والمتربَّعا ... كما خطَّت الكفُّ الكتاب المرجَّعا
معارف أطلالٍ لبثنة أصبحت ... معارفها قفرًا من الحيِّ بلقعا
معارف للخود التي قلت أجملي ... إلينا فقد أصفيت بالودِّ أجمعا
فقالت أفق ما عندنا لك حاجةٌ ... وقد كنت عنَّا ذا عزاه مشيَّعا
فقلت لها لو كنت أعطيت عنكم ... بديلًا لأقللت الغداة التضرُّعا
فقالت أكلَ الناس أصبتح مانحًا ... لسانك هذا كي تغرَّ وتخدعا
المصيف: موضع الإقامة في الصَّيف، والمتربّع: موضع الإقامة في الربيع. وقوله: كما خطّت .. الخ، حال منها، أراد أنَّ الآثار قد انمحت كالخطّ القديم الذي قد روجع للقراءة فيه مرات كثيرة، والمعارف: الأماكن المعروفة، والبلقع: الخالي من الأنيس، والخود، بالفتح: الجارية النّاعمة، وأجملي: أمر من الإجمال، وهو المعاملة بالجميل، وأصفيت: مجهول أصفيته الودّ، أي: أخلصته له، والعزاء: الصبر، والمشيخ: المشجع.
стр. 1357
وقوله: فقالت أكل النّاس، الهمزة للاستفهام التقريري، وكلّ مفعول أوّل لمانح، وفيه تقديم مفعول معمول أصبح عليه، لأنَّ مانحًا خبر أصبح، والمنح: الإعطاء، ييتعدى لمفعولين ثانيهما لسانك، ومنح اللسان: التلطف والتودد، وغرّه: خدعه، والتقدير: تغرهم وتخدعهم، تقول: أهكذا تمنح لسانك جميع النّاس لتغرهم وتخدعهم كما خدعتني. وترجمة جميل بن معمر تقدمت في الإنشاد الثالث والثلاثين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرّابع بعد الثلاثمائة:
(٣٠٤) وأوقدت ناري كي ليبصر ضوؤها ... وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله
على أنَّ فيه ردًّا على الكوفيين في زعمهم أنَّ كي ناصبة دائمًا، فإنها لو كانت ناصبة لما جاز الفصل بينها وبين الفعل باللَّام، وإنَّما هي هنا بمعنى اللّام، وسهّل ذلك اختلاف اللفظين، والنصب، وإنما هو بأن المضمرة بعد اللّام، ومثله بيت الطِّرمّاح:
كادوا بنصر تميمٍ كي لتلحقهم ... فيهم فقد بلغوا الأمر الّذي كادوا
قال ناظر الجيش: لا محيص في كلّ من هذين البيتين عن أحد أمرين: إمّا الحكم بأنّ كي مصدرية، وأن لام الجرّ أتي بها مؤخرة عنها، وإما الحكم بأنها جارّة، واللام بعدها مؤكدة، قالوا: والحكم بالأمر الثاني متعين؛ لأن توكيد حرف بمثله ثابت، وتأخير حرف الجرّ الذي هو اللّام عن الحرف المصدري غير ثابت، فنعين كون كي إذا وجدت قبل اللّام جارّة. انتهى.
وقال أبو حيّان في "شرح التسهيل": قال أبو علي في "التذكرة" في قول ابن قيس الرّقيّات:
ليتني ألقى رقيَّة في ... خلوة من غير ما أنس
كي لتقضيني رقيَّة ما ... وعدتني غير مختلس
стр. 1358
إنّ كي هنا بمعنى أن، ولا تكون الجارة؛ لأنّ حرف الجرّ لا يعلق، وهذا غير مرضي من أبي عليّ؛ لأن حرف الجرّ هنا لا يُعلّق بل هو باقٍ على عمله، وإنما كرّر توكيدًا لقول الآخر:
ولا للما بهم أبدًا دواء
هذا والبيت ليس لحاتم، وإنما هو من قصيدة للنميري وأورد منها أبو تمام في باب الأضياف من "الحماسة" اثني عشر بيتًا على رواية أخرى وهي:
فأبرزت ناري ثمَّ أثقبت ضوءها ... وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله
وعليه لا شاهد. وهذا ما أورده أبو تمام:
وداع دعا بعد الهدوِّ كأنما ... يقاتل أهوال السُّرى وتقاتله
دعا بائسًا شبه الجنون وما به ... جنونٌ ولكن كيد أمرٍ يحاوله
فلمّا سمعت الصَّوت ناديت نحوه ... بصوت كريم الجدِّ حلوٍ شمائله
فأبرزت ناري ثمَّ أثقبت ضوءها ... وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله
فلمّا رآني كبر الله وحده ... وبشَّر قلبًا كان جمًّا بلا بله
فقلت له أهلًا وسهلًا ومرحبًا ... رشدت ولم أقعد إليه أسائله
وقمت إلى برك هجان أعدُّه ... لوجة حقٍّ نازل أنا فاعله
بأبيض خطَّت نعله حيث أدركت ... من الأرض لم تخطل عليَّ حمائله
فجال قليلًا واتَّقاني بخيره ... سنامًا وأملاه من النَّبيِّ كاهله
بقرمٍ هجان مصعبٍ كان فحلها ... طويل القرى لم يعد أن شقَّ بازله
فخرّ وظيف القرم في نصف ساقه ... وذاك عقالٌ لا ينشَّط عاقله
بذلك أوصاني أبي وبمثله ... كذلك أوصاه قديمًا أوائله
قوله: بعد الهدوّ: وهو السّكون، يقول: بعدما هدأت أصوات النّاس بالنوم، وقوله: دعا بائسًا، حال من ضمير دعا، أي: وهو ذو بؤس وشدّة من الجوع والعطش، وإنما دعا شبه الجنون لتسمعه الكلاب فتنبحه ليستدل بأصواتها على الحيّ، وهكذا حال المسافر المنقطع إذا أظلم عليه اللّيل. قال التبريزي: أي دعا دعاء يشبه
стр. 1359
الجنون، فهو صفة لمصدر محذوف، ثمَّ قال: وما به جنون، يكابد أمرًا يطلب الخلاص منه، وليس له طريق للخلاص إلَّا على ذلك الوجه، وأثقبت النَّار: أوقدتها حتى سطعت ولاحت، وإنما أخرج كلبه لينبحه فيستدل بنبحه إليه. وقوله: وهو في البيت داخله، قال ابن جنّي في "إعراب الحماسة": الظرف الذي هو في البيت خبر المبتدأ، وقوله: داخله بدل من الظرف، حتى كأنه قال: وهو داخل البيت، وليس بحسن أن يكون الظرف لغوًا؛ لأنه كان يكون متعلقًا بداخل، وداخل هذا قد تعدَّى في المعنى إلى الظرف؛ لأنَّ الهاء ضمير البيت. وهي في المعنى ظرف، ألا ترى أن أصله داخل فيه؟ ولا يجوز أن يعمل فعل واحد في ظرفين من جنس واحد. انتهى المراد منه.
والجمّ: الكثير، والبلابل: الأحزان. وقوله: وقمت إلى برك هجان .. الخ، البرك بفتح الموحدة: الإبل الباركة، وهو اسم جمع، ولهذا أعاد إليه الضير تارةً مذكرًا وتارة مؤنثًا. وناقة هجان، وإبل هجان أيضًا: بيض كرام، وأعدُّه: أهيئة. قال التبريزي: ووجبة الحقّ: وقوعه، والباء من أبيض متعلق بقمت. واللَّام متلّق بأعدّه، وجملة "أعده" صفة لبرك، كما أنّ جملة "أنا فاعله" صفة لحق. انتهى.
والأبيض: السيّف، وخطّت: أثّرت، والنّعل: حديدة في أسفل غمد السيّف، ولم تخطل: لم تضطرب، وحمالة السّيف: سيره ونجاده، يريد أنه لم يكن أطول منه وفاعل جال: ضمير البرك، وقليلًا، أي: جولانًا قليلًا، أو زمنًا قليلًا، واتقاني: استقبلني، والتي: السِّمن، مصدر نوت الناقة، أي: سمنت. والكاهل: مقدم السنام.
قال ابن جني: الهاء في خيره وأملاه ضمير البرك، وارتفع كاهله بـ "أملاه"، وعملت أفعل هذه في المظهر فرفعته، وهي في ذلك أمثل حالًا منها إذا اتصلت بها "من" في نحو "افعل منك" وذلك أنَّ "من تباعدها بما تكسبها من التخصيص من الفعل والإضافة
стр. 1360
في كثير من هذه المواضع في تقدير الانفعال، ولذلك قلت: مررت برجلٍ ضارب أخيه زيدٌ، هذا هو الظّاهر، وإن شئت رفعت كاهله بمضمر دلَّ عليه أملاه، أي: امتلاء من التي كاهله، ولا يجوز أن ترفع أملاه بالابتداءوخبره كاهله، والجملة حال، لأنه يصير المعنى حينئذ أنه ضرب قرمًا أكثره شحمًا كاهله، وليس هذا الغرض، وإنما الغرض تفضيله على سائر البرك، لا يفضّل كاهله على سائر جسمه.
وقوله: بقوم بدل من خيره، غير أنه أعاد الجار. انتهى. والمصعب: الفحل الكريم الذي لا يبتذل في العوارض بل يُقصر على الفحلة، وقال الخليل: هو الذي لم يركب قطّ، ولم يمسّه حبلٌ. وقوله: كان فحلها، اسم كان ضمير البرك، أي: كان هذا القرم فحل هذه البرك، والقرم من الإبل: الَّذي يكرم للفحلة، والقرَى، بفتح القاف والراء: الظهر، ولم يعد: لم يتجاوز أن شقّض، أي: خرج، والبازل: آخر ما ينبت من أسنان الإبل، يريد أنّه فتيّ.
وقوله: فحزّ وظيف القرم: الحزّ: القطع، والوظيف: ما بين الرسغ والسّاق، وقوله: وذاك عقال لا يُنشَّط عاقله، أي: لا يجعله أنشوطة، يقال: نشطت العقال: إذا شددته، وأنشطته: إذا حللته.
قال أبو تمام: هذا الشعر للنميري، وقيل: لرجل من باهلة. وقال السّيوطي: أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عساكر مسندًا أبي حاتم الطّائي، لكن ليس في البيت شاهد، وهذا الشعر أشبه بشعر حاتم الطائي، والله أعلم. وتقدَّمت ترجمة حاتم في الإنشاد الثامن والتسعين.
стр. 1361
" كم "
أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس بعد الثلاثمائة:
(٣٠٥) كم ملوك باد ملكهم ... ونعيم سوقةٍ بادوا
على أنَّ تمييز "كم" الخبريّة يجوز أن يكون مفردًا أو جمعًا كما في البيت.
وباد: هلك واضمحلّ، والملك، بالضم: السلطنة، والسُّوقة، بالضمّ: خلاف الملك، يستوي فيه الواحد المذكر والمؤنث والجمع، ونعيم: معطوف على ملوك، على معنى: وكم باد نعيم سوقة. وخولف في كون نعيم مفردًا بأن المضاف قد يأخذ حكم المضاف إليه في الجمعية، ويدل عليه بادوا، وكذا يفهم من صنيع أبي حيّان، فإنّه قال: إن ضمير "كم" الخبريّة يكون جمعًا مجرورًا كمميّز عشرة، ومفردًا مجرورًا كمميز مائه، فمن الجمع قول الشّاعر:
كم ملوكٍ باد ملكهم .. ... البيت.
على أنَّ غطلاق فعيل على الجمع شائع، كقوله تعالى: ﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ [التحريم/ ٤]، هذا ما رأيته، وقافية البيت ليست دالية، وإنما هو من قصيدة رائية لعدي بن زيد العبادي، وأوَّلها:
يا لبيني أوقدي نارا ... إنَّ من تهوين قد حارا
ربَّ نارٍ بيتُّ أرمقها ... تقضم الهنديَّ والغارا
عندها ظبيٌ يؤرِّثها ... عاقدٌ في الجيد تقصارا
شادنٌ في عينه حورٌ ... وتخال الوجه دينارا
إنَّني رمت الخطوب فتى ... فوجدت العيش أطوار
من حبيب أو أخي ثقةٍ ... أو عدوٍ شاحطٍ دّارًا
стр. 1362
ليس يغني عيشه أحدٌ ... لا يلاقي فيه إمعارا
كم ملوكٍ باد ملكهم ... ونعيم سوقةٍ بارا
حار، بالحاء المهملة: رجع، ويقال لهذه النار نار السّلأامة، توقد للقادم من سفر، كذا رأيته بخط شيخنا الشهاب في بعض مجاميعه، وأرمقها: أبصرها، وتقضم: تأكل، والهندي: العود الهندي، والغار، بالمعجمة: شجرة طيبة الريح، ويؤرثها: يوقدها ويشبّها، والتقصار، بالكسر: القلادة. والأبيات الثلاثة يأتي شرحها إن شاء الله تعالى في الباب الرابع. والإمعار: مصدر أمعر الرّجل: إذا افتقر وتغير حاله، وبار: من البوار وهو الهلاك والتلف، فيكون في البيت الجمع بين التمييز بالجمع وبالمفرد. وترجمة عدي بن زيد تقدمت في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين.
والعبادي، بكسر العين وخفة الموحدة، قال ابن دريد: وإنما قيل لقوم عدي: العباد؛ لأنهم قوم شتى اجتمعوا على النصرانية، وأنفوا من أن يقال لهم العبيد، فتسموا بالعباد. وقال الطبري في قوله تعالى: ﴿وقومهما لنا عابدون﴾ [المؤمنون/ ٤٧]، معناه: مطيعون، ومنه قيل لأهل الحيرة: العباد؛ لأنهم كانوا طاعة لملوك العجم، والعرب تقول: رجل عابد، إذا دان للملك.
وقال أحمد بن أبي يعقوب: إنما سمي نصارى الحيرة العباد؛ لأنّه وفد على كسرى خمسة، فقال للاوَّل: ما اسمك؟ قال: عبد المسيح، وقال للثاني: ما اسمك؟ قال: عبد ياليل، وقال للثالث: ما اسمك؟ قال: عبد عمرو، وقال للرابع:
стр. 1363
ما اسمك؟ قال: عبد ياسوع، وقال للخامس: ما اسمك؟ قال: عبد الله. فقال: أنتم عباد عباد كلكم! فسموا عبادًا. قال كراع: معنى عبد ياسُوع: عبد الله، كذا في "اللآلي شرح الأمالي" لأبي عبيد البكري.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّادس بعد الثلاثمائة:
(٣٠٦) كم عمَّة لك يا جرير وخالةٍ ... فدعاء قد حلبت عليَّ عشاري
على أنَّ مميّز "كم" الخبرية فيه مفرد، وقد روى فيه الجر والنصب والرّفع، وجوّز في "كم" أن تكون استفهاميّة أيضًا، وقد بسطنا الكلام عليه غاية البسط في الشاهد الثاني والتسعين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.
والبيت من قصيدة للفرزدق هجا بها حريرًا، وقبله:
قبح الإله بني كليبٍ إنَّهم ... لا يغدرون ولا يفون لجارٍ
يستيقظون إلى نهاق حميرهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار
متبرقعي لئومٍ كأنَّ وجوههم ... طليت حواجبها عنيَّة قار
كم من أبٍ لي يا جرير كأنَّه ... قمر المجرَّة أو سراج نهار
ورث المكارم كابرًا عن كابرٍ ... ضخم الدَّسيعة كلّ يوم فخار
إلى أن قال:
كم عمَّة لك يا جرير وخالةٍ ... فدعاء قد حلبت عليّض عشاري
كنّا نحاذر أن نضيع لقاحنا ... ولهلى إذا سمعت دعاء يسار
شغارةً تقذ الفصيل برجلها ... فطارة لقوادم الأبكار
стр. 1364
قوله: لا يغدرون .. الخ، يقول: هم ضعفاء لا يقدرون على غدر ولا على وفاء. وعنيَّة: بفتح العين المهملة وكسر النون بعدها مثناة تحتيّة مشددة، قال صاحب "الصّحاح": هو بول البعير يعقد في الشمس يُطلى به الأجرب، والقار بالقاف، قال صاحب "الصّحاح": هو الإبل، وأراد بسراج النّهار: الشمس، والدسيعة: العطيّة.
وقوله: كم عمّة لك يا جرير .. الخ، هو من شواهد سيبويه على أن "كم" فيه خبرية، وقال: ومن ينصب، أي: المميّز، كثير، منهم الفرزدق. انتهى. وفدعاء: صفة لخالة لقربها، وحذف الصفة للدلالة عليها. قال ابن الأعرابي: الذي يمشي على ظهر قدميه. والأنثى: فدعاء، والفدع من صفات العبيد والإماء. والعشار، بالكسر: جمع عشراء، بضم ففتح وبالمدّ: النّاقة التي أتى عليها من وضعها عشرة أشهر لا التي مضى عليها عشرة أشهر من حملها، بدليل قوله: حلبت. وقد صحّف بعض المتقدمين الكلمتين الأخيرتين، فرواه: "قد جلبت على عشّار" بضم الجيم من الجلاء، وعشار بفتح العين وتشديد الشين.
وقوله: كنّا نحاذر .. الخ، نُضيع: مضارع أضاع، ولقاحنا: مفعوله، جمع لقوح، وهي النّاقة الحلوب. وقوله: ولهى: فاعل نضيع فعلى من الوله، ويسار: اسم عبد كان يتعرض لبنات مولاه.
وقوله: شغّارة تقذ .. الخ، هو من شواهد سيبويه بنصب شغارة على الذم، قال في "الكتاب": زعم يونس أنه سمع الفرزدق ينشده بالنصب، جعله شتمًا، وكأنه حين ذكر الحلب، صار من يخاطب عنده عالمًا بذلك، ولو ابتدأه وأجراه على الأول كان جائزًا عربيًّا. انتهى. والشّغارة: التي ترفع رجلها ضاربة للفصيل لتمنعه من الرّضاع عند الحلب، والوقذ، بالقاف والذّال المعجمة: أشدّ الضرب، والفطارة: التي تحلب الفطر، بفتح الفاء وسكون الطاء، وهو حلب النّاقة بالسبّابة
стр. 1365
والإبهام لصغر خلفها. والضف. بفتح الضّاد المعجمة: القبض على الخلف بالكف لعظمه. الأبكار: جمع بكر، وهي التي نتجت أوَّل بطن. وقوادمها: أخلافها، وهي أربعة: قادمان، وآخران، فسمّاها كلّها قوادم اتساعًا، وهذا الحلب صعب، وإنما وصف حذقها بالحلب لكونها نشأت عليه. وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب.
" كأيِّن "
أنشد فيه، وهو الإنشاد السّابع بعد الثلاثمائة:
(٣٠٧) اطرد اليأس بالرَّجا فكأيِّن ... آلمًا حمَّ يسره بعد عسر
على أنه جاء فيه مميّز كأيّن منصوبًا على غير الغالب. وآلم: اسم فاعل من ألم يألم ألمًا، من باب فرح، رحمّ، بضم الحاء المهملة: بمعنى قدِّرَ وقضي، وهو من الأفعال التي لم تستعمل إلَّا مجهولة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن بعد الثلاثمائة:
(٣٠٨) وكائن لنا فضلًا عليكم ومنَّةً ... قديمًا ولا تدرون ما من منعم
لما تقدَّم قبله. وما مصدريّة وصلت بالفعل الماضي، أي: لا تدرون منَّة المنعم.
" كذا "
أنشد فيه، وهو الإنشاد التاسع بعد الثلاثمائة:
(٣٠٩) وأسلمني الزَّمان كذا ... فلا طربٌ ولا أنس
على أنَّ كذا مركّبة من الكاف وذا، قال أبو حيّان في كتاب "الشذا في أحكام كذا": الكاف أصلها التشبه؛ وذا أصلها أنها اسم الإشارة للمفرد المذكور، فمتى
стр. 1366
أبقيت كلّ واحدة منهما على موضوعها الأصلي فلا تركيب فيها، ولا تكون إذ ذاك كناية عن شيء، وإن أخرجت عن موضوعها الأصلي فإنَّ العرب استعملتها كناية عن عدد وعن غير عدد، وفي كلتا الحالتين تكون مركبةً، ولذلك لا تثنى ذا ولا تجمع، ولا تؤنث، ولا تتبع بتابع، ولا تتعلق الكاف بشيء، ولا تدل على تشبيه؛ لأنهما بالتركيب حدث لهما معنى لم يكن قبله، ولا تلزم كذا الصدر، ولا تكون مقصورة على إعراب خاص، بل تستعمل في موضع رفع وفي موضع نصب وفي وفي موضع جرّ بالإضافة وبالحرف. انتهى المراد منه بلفظه.
وكون كذا في البيت على الأصل غير واضح، لأنه ليس في الكلام مشبّه، ولا يعرف البيت الذي قبله حتى يعرف المشبه. وقد أورده أبو حيّان في أوَّل ذلك الكتاب، قال: وقولهم: "أما بمكان كذا وكذا وجذٌ" دليل على أنه لم يرد معطوفًا ومعطوفًا عليه، ولا أراد أن يوصف المكان بصفتين معطوفة إحداهما على الأخرى، وهو كناية عن معرفة، ومن وقوعه على النكرة قوله:
وأسلمتني الزَّمان كذا ... فلا طربٌ ولا أنس
انتهى. فظاهر كلامه أنه من الوجه الذي عدَّه المصنّف ثانيًا، فيكون كذا كناية عن حالٍ نكرة، والمعنى: خذلني الزمان حال كوني منفردًا. ثمَّ رأيت في "الارتشاف" بعد أن أنشد البيت، قال: أوقع كذا موقع الحال، وهي نكرة انتهى. وأسلمه: بمعنى خذله، وأنس بضمتين، والوجذ، بفتح الواو وسكون. الجيم، ثالثه ذال معجمة: النقرة التي في الجبل تمسك الماء، والجمع وجاذ.
وقال ابن وحيي: الكاف للتشبيه، وذا إشارة إلى مصدر أسلم، أي: أسلمني الزمان إلى الأحزان والغموم إسلامًا مثل ذلك الإسلام الذي ابتلاني به، فإذا كان الأمر كذلك فلا طرب ولا أنس لي. هذا كلامه.
стр. 1367
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد الثلاثمائة:
(٣١٠) عد النَّفس نعمى بعد بؤساك ذاكرًا ... كذا وكذا لطفًا به نسي الجهد
على أنَّ كذا لا تستعمل غالبًا إلَّا معطوفًا عليها. قال ابن مالك في "شرح التسهيل": وأمّا كذا ففيها ما في كائن من التركيب الموجب للحكاية، وفيه زيادة مانعة من الإضافة، وذلك أن عجزها اسم لم يكن له قبل التركيب نصيب في الإضافة، فأبقي على ما كان عليه .. إلى أن قال: وأما كذا فلم يجئ مميِّزها إلَّا منصوبًا كقوله: عد النفس نعمى .. البيت، وقال أيضًا: واستعمال كذا دون تكرار قليل، وكذا استعماله مكرّرًا بلا عطف. انتهى المقصود من كلامه.
"كأنَّ"
أنشد فيه، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد الثلاثمائة:
(٣١١) فأصبح بطن مكَّة مقشعرًا ... كأنَّ الأرض ليس بها هشام
على أنَّ "كأنَّ" فيه عند الكوفيين للتحقيق. وقال المبرّد في "الكامل": يقول: هو وإن كان مات فهو مدفون في الأرض، فقد كان يجب من أجله أن لا ينالها جدب. انتهى. وكتب ابن السيد البطليوسي في "حاشيته" عليه: هذا التفسير على قول من جعل "كأنَّ" في هذا البيت بمعنى التعجّب، فكأنه يعجب من إجداب الأرض، وهشام مدفون فيها وإنما كان ينبغي أن لا تجدب لكونه فيها. وقوم يجعلونها بمعنى الشك، ومعناه: إنَّ الأرض أجدبت حتى ظنَّ وتوهم أنَّ هشامًا ليس مدفونًا فيها. وذهب إلى أنَّ كأنَّ ههنا للتحقيق، أي: إنَّ الأرض أجدبت وهشام ليس فيها، أي: ليس على ظهرها، وإليه ذهب السيرافي. انتهى. وقال ناظر الجيش:
стр. 1368
زعم بعضهم أنَّ كانَّ قد تكون للتحقيق دون تشبيه، واستشهد على ذلك بقول الشّاعر: وأصبح بطن مكة .. البيت، وبقول الآخر:
كأنَّني حين أمسي لا تكلِّمني ... ذو نعمةٍ يبتغي ما ليس موجودًا
والصحيح أن كأن لا يفارقها التشبيه، ويخرج البيت الأوَّل على أنَّ هشامًا وإن مات فهو باقٍ ببقاء من يخلفه سائرًا بسيرته. وأجود من هذا أن تجعل الكاف من كأنَّ في هذا الموضع كاف التعليل المرادفة لَّلام. كأنَّه قال:
وأصبح بطن مكَّة مقشعرًا ... لأنَّ الأرض ليس بها هشام
وعلى هذا حمل قوله تعالى: ﴿وي كأنه لا يفلح الكافرون﴾ [القصص/ ٨٢]، فقيل: معناه أعجب لأنه لا يفلح الكافرون. وأكثر ما ترد الكاف بهذا المعنى مقرونة كقوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ [البقرة/ ١٩٨]، وأمّا البيت الثاني فلا حجّة فيه، لأنَّ التشبيه فيه يتبين بأدنى تأمل، ثمَّ قال: ويمكن حمل كأنَّ فيه للتشبيه حقيقة دون احتياج إلى ذلك التأويل، وذلك أنَّ الشاعر كان لا يعترف بفقد هشام؛ لأنه لا يرضى أن يحدث نفسه بفقده لكونه عزيزًا عنده، فهو عنده في حكم الموجود، وإذا كان في حكم الموجود، وجب عنده أن لا تقشعرَّ الأرض. فلما اقشعرَّت قال: كأنَّ الأرض ليس بها هشام. وهذا معنى صحيح، وهو أمر يرجع إلى تجاهل العارف.
والبيت من شعر للحارث بن أميّة الصغرى بدون فاء رثى بها هشام بن المغيرة وهي:
أصبح بطن مكَّة مقشعرًا ... كأنَّ الأرض ليس بها هشام
стр. 1369
يروح كأنّه أشلاء سوطٍ ... وفوق جفانه شحمٌ ركام
وللكبراء أكلٌ كيف شاؤوا ... وللولدان لقمٌ واقتسام
فبكيه ضباع ولا تملِّي ... ثمال النَّاس إن قحط الغمام
وإنَّ بني المغيرة من قريشٍ ... هم الرَّأس المقدَّم والسَّنام
وهشام هو أبو عثمان بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخذوم، قال الزبير بن بكار في كتاب "أنساب قريش": وكان هشام بن المغيرة سيّدًا مطاعًا، وله يقول أبو بكر بن الأسود بن شعوب يؤبِّنه:
ذريني أصطبح يا بكر إني ... رأيت الموت نقَّب عن هشام
تخيره ولم يعدل سواه ... ونعم المرء بالبلد التِّهام
وله يقول الحارث بن أميّة الصغري يؤبّنه، وهو المديح بعد الموت:
ألا هلك الفيَّاض والحامل الثِّقلا ... ومن لا يضمنُّ عن عشيرته فضلًا
ألا لست كالهلكي فتبكي بكاءَهم ... ولكن أرى الهلَّاك في جنبه وغلا
من أبيات. وقال أيضًا يبكيه:
أصبح بطن مكَّة مقشعرًّا ... .. الأبيات المتقدمة.
وضباعة التي ذكر: زوجته القشيرية. ولما قال الحارث بن أمية لهشام بن المغيرة: ألا لست كالهلكي .. البيت، أغرت به بنو عبد مناف حكيم بن أمية بن حارثة بن أوقص السُّلمي حليف بني عبد شمس، وكانوا استعملوا على سفهائهم، ففرّ منه الحارث وقال:
أمرر بالأباطح كلَّ يومٍ ... مخافة أن يشرِّدني حكيم
فهدم حكيم داره، وأعطاه بنو هشام داره التي بجيادٍ.
стр. 1370
وقال بحير بن عبد الله القشيري يرثى هشامًا في رواية معمر بن المثنّى:
دعيني اصطبح يا بكر إني ... رأيت الموت نقَّب عن هشام
فودَّ بنو المغيرة لو فدوه ... بألف مقاتلٍ وبألف رام
وودَّ بنو المغيرة لو فدوه ... بألف من رجال أو سوام
فبكّيه ضباع ولا تملّي ... هشامًا إنّه غيث الأنام
ووجدتها له بخط الضحاك بن عثمان، يختلفان في اللفظ، وزاد فيها: "على أثر تهام"
وكنت إذا ألاقيه كأني ... على حرمٍ وفي شهرٍ حرام
والرواية الأولى عندنا أثبت. وقال عبد الله بن ثور البكائي يرثيه:
هريقي من دموعهما سجاما ... ضباع وجاوبي نوحًا قياما
على خير البريَّة لن تريه ... ولن تلقي مواهبه العظاما
وأوحش بطن مكَّة بعد أنسٍ ... ومجد كان فيها قد أقاما
من أبيات. وعن عكرمة المخزومي: ... كان فارسي قريش في الجاهلية هشامُ ابن المغيرة والوليد بن عبده، وكان يقال لهشام بن المغيرة: فارس البطحاء، وكان فرسانهم في الجاهلية بعدهما عمرو بن عبد العامري، وضرار بن الخطاب الفهري المحاربي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، وعكرمة بن أبي جهل المخزومي. وعن ابن شهاب أن قريشًا كانت تعد قبل رسول الله ﷺ من زمن الفيل، كانوا يعلمون بين الفيل وبين الفجار أربعين سنة، وكانوا يعدون بين الفجار وبين وفاة هشام بن المغيرة وبين بنيان الكعبة تسع سنين، وكانوا يعدون من بنيان الكعبة وبين أن ظهر رسول الله ﷺ خمس عشرة سنة، منها خمس سنين قبل أن ينزل عليه، ثمَّ كان العدد بعد. وابنه الحارث بن هشام بن المغيرة كان
следующие страницы →