← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

أبقيت كلّ واحدة منهما على موضوعها الأصلي فلا تركيب فيها، ولا تكون إذ ذاك كناية عن شيء، وإن أخرجت عن موضوعها الأصلي فإنَّ العرب استعملتها كناية عن عدد وعن غير عدد، وفي كلتا الحالتين تكون مركبةً، ولذلك لا تثنى ذا ولا تجمع، ولا تؤنث، ولا تتبع بتابع، ولا تتعلق الكاف بشيء، ولا تدل على تشبيه؛ لأنهما بالتركيب حدث لهما معنى لم يكن قبله، ولا تلزم كذا الصدر، ولا تكون مقصورة على إعراب خاص، بل تستعمل في موضع رفع وفي موضع نصب وفي وفي موضع جرّ بالإضافة وبالحرف. انتهى المراد منه بلفظه. وكون كذا في البيت على الأصل غير واضح، لأنه ليس في الكلام مشبّه، ولا يعرف البيت الذي قبله حتى يعرف المشبه. وقد أورده أبو حيّان في أوَّل ذلك الكتاب، قال: وقولهم: "أما بمكان كذا وكذا وجذٌ" دليل على أنه لم يرد معطوفًا ومعطوفًا عليه، ولا أراد أن يوصف المكان بصفتين معطوفة إحداهما على الأخرى، وهو كناية عن معرفة، ومن وقوعه على النكرة قوله: وأسلمتني الزَّمان كذا ... فلا طربٌ ولا أنس انتهى. فظاهر كلامه أنه من الوجه الذي عدَّه المصنّف ثانيًا، فيكون كذا كناية عن حالٍ نكرة، والمعنى: خذلني الزمان حال كوني منفردًا. ثمَّ رأيت في "الارتشاف" بعد أن أنشد البيت، قال: أوقع كذا موقع الحال، وهي نكرة انتهى. وأسلمه: بمعنى خذله، وأنس بضمتين، والوجذ، بفتح الواو وسكون. الجيم، ثالثه ذال معجمة: النقرة التي في الجبل تمسك الماء، والجمع وجاذ. وقال ابن وحيي: الكاف للتشبيه، وذا إشارة إلى مصدر أسلم، أي: أسلمني الزمان إلى الأحزان والغموم إسلامًا مثل ذلك الإسلام الذي ابتلاني به، فإذا كان الأمر كذلك فلا طرب ولا أنس لي. هذا كلامه.

стр. 1367

وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد الثلاثمائة: (٣١٠) عد النَّفس نعمى بعد بؤساك ذاكرًا ... كذا وكذا لطفًا به نسي الجهد على أنَّ كذا لا تستعمل غالبًا إلَّا معطوفًا عليها. قال ابن مالك في "شرح التسهيل": وأمّا كذا ففيها ما في كائن من التركيب الموجب للحكاية، وفيه زيادة مانعة من الإضافة، وذلك أن عجزها اسم لم يكن له قبل التركيب نصيب في الإضافة، فأبقي على ما كان عليه .. إلى أن قال: وأما كذا فلم يجئ مميِّزها إلَّا منصوبًا كقوله: عد النفس نعمى .. البيت، وقال أيضًا: واستعمال كذا دون تكرار قليل، وكذا استعماله مكرّرًا بلا عطف. انتهى المقصود من كلامه. "كأنَّ" أنشد فيه، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد الثلاثمائة: (٣١١) فأصبح بطن مكَّة مقشعرًا ... كأنَّ الأرض ليس بها هشام على أنَّ "كأنَّ" فيه عند الكوفيين للتحقيق. وقال المبرّد في "الكامل": يقول: هو وإن كان مات فهو مدفون في الأرض، فقد كان يجب من أجله أن لا ينالها جدب. انتهى. وكتب ابن السيد البطليوسي في "حاشيته" عليه: هذا التفسير على قول من جعل "كأنَّ" في هذا البيت بمعنى التعجّب، فكأنه يعجب من إجداب الأرض، وهشام مدفون فيها وإنما كان ينبغي أن لا تجدب لكونه فيها. وقوم يجعلونها بمعنى الشك، ومعناه: إنَّ الأرض أجدبت حتى ظنَّ وتوهم أنَّ هشامًا ليس مدفونًا فيها. وذهب إلى أنَّ كأنَّ ههنا للتحقيق، أي: إنَّ الأرض أجدبت وهشام ليس فيها، أي: ليس على ظهرها، وإليه ذهب السيرافي. انتهى. وقال ناظر الجيش:

стр. 1368

زعم بعضهم أنَّ كانَّ قد تكون للتحقيق دون تشبيه، واستشهد على ذلك بقول الشّاعر: وأصبح بطن مكة .. البيت، وبقول الآخر: كأنَّني حين أمسي لا تكلِّمني ... ذو نعمةٍ يبتغي ما ليس موجودًا والصحيح أن كأن لا يفارقها التشبيه، ويخرج البيت الأوَّل على أنَّ هشامًا وإن مات فهو باقٍ ببقاء من يخلفه سائرًا بسيرته. وأجود من هذا أن تجعل الكاف من كأنَّ في هذا الموضع كاف التعليل المرادفة لَّلام. كأنَّه قال: وأصبح بطن مكَّة مقشعرًا ... لأنَّ الأرض ليس بها هشام وعلى هذا حمل قوله تعالى: ﴿وي كأنه لا يفلح الكافرون﴾ [القصص/ ٨٢]، فقيل: معناه أعجب لأنه لا يفلح الكافرون. وأكثر ما ترد الكاف بهذا المعنى مقرونة كقوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ [البقرة/ ١٩٨]، وأمّا البيت الثاني فلا حجّة فيه، لأنَّ التشبيه فيه يتبين بأدنى تأمل، ثمَّ قال: ويمكن حمل كأنَّ فيه للتشبيه حقيقة دون احتياج إلى ذلك التأويل، وذلك أنَّ الشاعر كان لا يعترف بفقد هشام؛ لأنه لا يرضى أن يحدث نفسه بفقده لكونه عزيزًا عنده، فهو عنده في حكم الموجود، وإذا كان في حكم الموجود، وجب عنده أن لا تقشعرَّ الأرض. فلما اقشعرَّت قال: كأنَّ الأرض ليس بها هشام. وهذا معنى صحيح، وهو أمر يرجع إلى تجاهل العارف. والبيت من شعر للحارث بن أميّة الصغرى بدون فاء رثى بها هشام بن المغيرة وهي: أصبح بطن مكَّة مقشعرًا ... كأنَّ الأرض ليس بها هشام

стр. 1369

يروح كأنّه أشلاء سوطٍ ... وفوق جفانه شحمٌ ركام وللكبراء أكلٌ كيف شاؤوا ... وللولدان لقمٌ واقتسام فبكيه ضباع ولا تملِّي ... ثمال النَّاس إن قحط الغمام وإنَّ بني المغيرة من قريشٍ ... هم الرَّأس المقدَّم والسَّنام وهشام هو أبو عثمان بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخذوم، قال الزبير بن بكار في كتاب "أنساب قريش": وكان هشام بن المغيرة سيّدًا مطاعًا، وله يقول أبو بكر بن الأسود بن شعوب يؤبِّنه: ذريني أصطبح يا بكر إني ... رأيت الموت نقَّب عن هشام تخيره ولم يعدل سواه ... ونعم المرء بالبلد التِّهام وله يقول الحارث بن أميّة الصغري يؤبّنه، وهو المديح بعد الموت: ألا هلك الفيَّاض والحامل الثِّقلا ... ومن لا يضمنُّ عن عشيرته فضلًا ألا لست كالهلكي فتبكي بكاءَهم ... ولكن أرى الهلَّاك في جنبه وغلا من أبيات. وقال أيضًا يبكيه: أصبح بطن مكَّة مقشعرًّا ... .. الأبيات المتقدمة. وضباعة التي ذكر: زوجته القشيرية. ولما قال الحارث بن أمية لهشام بن المغيرة: ألا لست كالهلكي .. البيت، أغرت به بنو عبد مناف حكيم بن أمية بن حارثة بن أوقص السُّلمي حليف بني عبد شمس، وكانوا استعملوا على سفهائهم، ففرّ منه الحارث وقال: أمرر بالأباطح كلَّ يومٍ ... مخافة أن يشرِّدني حكيم فهدم حكيم داره، وأعطاه بنو هشام داره التي بجيادٍ.

стр. 1370

وقال بحير بن عبد الله القشيري يرثى هشامًا في رواية معمر بن المثنّى: دعيني اصطبح يا بكر إني ... رأيت الموت نقَّب عن هشام فودَّ بنو المغيرة لو فدوه ... بألف مقاتلٍ وبألف رام وودَّ بنو المغيرة لو فدوه ... بألف من رجال أو سوام فبكّيه ضباع ولا تملّي ... هشامًا إنّه غيث الأنام ووجدتها له بخط الضحاك بن عثمان، يختلفان في اللفظ، وزاد فيها: "على أثر تهام" وكنت إذا ألاقيه كأني ... على حرمٍ وفي شهرٍ حرام والرواية الأولى عندنا أثبت. وقال عبد الله بن ثور البكائي يرثيه: هريقي من دموعهما سجاما ... ضباع وجاوبي نوحًا قياما على خير البريَّة لن تريه ... ولن تلقي مواهبه العظاما وأوحش بطن مكَّة بعد أنسٍ ... ومجد كان فيها قد أقاما من أبيات. وعن عكرمة المخزومي: ... كان فارسي قريش في الجاهلية هشامُ ابن المغيرة والوليد بن عبده، وكان يقال لهشام بن المغيرة: فارس البطحاء، وكان فرسانهم في الجاهلية بعدهما عمرو بن عبد العامري، وضرار بن الخطاب الفهري المحاربي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، وعكرمة بن أبي جهل المخزومي. وعن ابن شهاب أن قريشًا كانت تعد قبل رسول الله ﷺ من زمن الفيل، كانوا يعلمون بين الفيل وبين الفجار أربعين سنة، وكانوا يعدون بين الفجار وبين وفاة هشام بن المغيرة وبين بنيان الكعبة تسع سنين، وكانوا يعدون من بنيان الكعبة وبين أن ظهر رسول الله ﷺ خمس عشرة سنة، منها خمس سنين قبل أن ينزل عليه، ثمَّ كان العدد بعد. وابنه الحارث بن هشام بن المغيرة كان

стр. 1371

شريف مذكورًا، وشهد بدرًا مع المشركين وفرّ، وشهد أيضًا أحدًا معهم، وبقي متمسكًا بالشرك حتى أسلم يوم فتح مكة، وله ابن يسمّى عثمان، وبه يكنى، وأمه بنت عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وليس لعثمان عقب، ولما نزل هشام بن المغيرة بحرّان وبها أسماء بنت مخرمة النهشلي –نهشل دارم، قد هلك عنها، وكانت امرأة لبيبة حسناء- تزوجها فولدت له عمرًا الذي كنّاه رسول الله ﷺ أبا جهل والحارث بن هشام المذكور. انتهى كلامه. وقال المبرد في "الكامل" وكان هشام بن المغيرة أجلٍّ قريش حلمًا وجودًا، وقريش كانت تؤرخ بموته، كما تؤرخ بعام الفيل وبملك فلان، قال الشاعر: زمان تناعى النّاس موت هشام ومن أجله قول القائل: فأصبح بطن مكَّة مقشعرًا ... .. البيت وقال الآخر: ذريني أصطبح يا سلم إنِّي ... رأيت الموت نقَّب عن هشام نقب، أي: طوف حتى أصاب هشامًا .. قال تعالى: ﴿فنقبوا في البلاد﴾ [ق/ ٣٦]، أي: طوَفوا، ومثله قول امرئ القيس: وقد نقبَّت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب انتهى. وقوله: يروح كأنه أشلاء سوط، السوط معروف، وهو يفتل وينسج من طاقات، وأشلاؤه: طاقاته، يريد أنه نحيف من قلة الأكل مع كثرة طعامه، والعرب تتمدح بقلة الأكل والنحافة، والأشلاء: جمع شلو –بالكسر- وهو العضو، والجفاف: جمع جفنة –بالفتح- وهي القصعة الكبيرة، والركام –بالضم-: المتراكم بعضه على بعض، وثمال منصوب على المدح، وهو الغياث

стр. 1372

الذي يقوم بأمر قومه، والحارث هو الحارث بن أميّة الأصغر الذي يقال له: ابن عبلة ابن عبد شمس الشاعر الجاهلي، ومن ولده عبد الله بن الحارث، أدرك معاوية شيخًا كبيرًا، وورث دار عبد شمس بمكة، لأنه كان أقعدهم، فحج معاوية في مدته، فدخل ينظر إلى الدّار، فخرج إليه بمحجن ليضربه، وقال: لا أشبع الله بطنك أما تكفيك الخلافة حتى تجئ فتطلب الدار؟ ! فخرج معاوية وهو يضحك. كذا في "جمهرة الأنساب". وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد الثلاثمائة: (٣١٢) كأنِّي بك تنحطُّ تمامه: إلى اللَّحد وتنغط وقد أسلمك الرَّهط إلى أضيق من سم على أنَّ "كأنَّ" فيه للتقريب، وأن أصله عند المطرزي: كأني أبصرك تنحط -فحذف الفعل، وزيدت الباء. أمّا الثاني فقد نسب إلى المطرزي ما لم يقله، وهو في هذا تابع لابن عمرون كما سيأتي. وهذه عبارة المطرزي في "شرح مقامات الحريري" قال: قوله: كأني بك تنحط أي: كأني أبصرك، إلَّا أنه ترك الفعل لدلالة الحال، وكثرة الاستعمال، ومعناه: أعرف لما أشاهد من حالك اليوم كيف يكون حالك غدًا، كأني أنظر إليك وأنت على تلك الحال. ومثله: من لي بكذا؟ يعنون: من يكفل لي به، وله نظائر. انتهى. والباء عند وصلة للفعل المحذوف ودالَّة عليه، والفعل المحذوف هو مضارع بصرت بالشيء -بالضم والكسر- بصرًا بفتحتين، أي: علمت، فأنا بصير به، ويتعدى بالباء في اللغة الفصحى. كذا في "المصباح". وقد ذهب المحقق الرضي إلى هذا فقال: الأولى أن نقول ببقاء كأنّ على معنى التشبيه، ولا نحكم

стр. 1373

بزيادة شيء، ونقول: التقدير: كأنك تبصر بالدنيا، أي: تشاهدها، من قوله تعالى: ﴿فبصرت به عن جنبٍ﴾ [القصص/ ١١] والجملة بعد المجرور بالباء حال، أي: كأنك تبصر بالدنيا وتشاهدها غير كائنة، ألا ترى إلى قولهم: كأني باللّيل وقد أقبل، وكأني بزيد وهو ملك، والواو لا تدخل على الجمل إذا كانت أخبارًا لهذه الحروف. انتهى. وأما الأول فقد قال ناظر الجيش: هو مذهب بعض الكوفيين، قالوا: لأن المعنى على تقريب إقبال الشتاء، وتقريب إتيان الفرج، ولا يتصورّ التشبيه في هذا الكلام. ومن ذلك قول الحسن البصري: كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل، لأنَّ المعنى على تقريب زوال الدنيا، وتقريب وجود الآخرة، والمحققون على أن كأنّ للتشبهي فيما ذكر، ولكن اختلف القول في تخريجه. إلى هنا كلامه. قال أبو عبد الله محمد بن محمّد بن عمرون الحلبي في "شرح المفصل" ومن مشكل خبر كأنّ قول الحسن البصري: كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل. يحتمل الضمير في "تكن" أن يكون للمخاطب، وأن يكون للدنيا، وكذا الضمير في "لم تزل". وتقديره على الأول: كأنّك لم تكن بالدنيا، ويكون التشبيه في الحقيقة للحالين. لا لذي الحال ومثله: كأنَّ زيدًا قائم، فقد ظهر أن التشبيه لا يفارق كأنّ، وأمّا قول من قال: إنها تكون للتشبيه إذا كان خبرها اسمًا، وأما إذا كان خبرها فعلًا أو ظرفًا أو حرف جرّ، فظنٌ وتخيلٌ ليس بشيء، لأنَّ ما ذكرناه من التأويل لا يبقى إشكالًا، وجريها على حقيقتها أولى، وتقديره: إن حالك في الدنيا يشبه حالك زائلًا عنها ويكون بالدنيا ظرفًا، وكان تامه، وهي خبر كأنَّ. وإن كان الضمير للدنيا، فيحتمل أن يكون بالدنيار الخبر، و"لم تكن" في موضع نصب على الحال من الدنيا. إمّا على أنّه صفة لمحذوف، إذا لم يجوّز أن تقع الماضية حالًا تقديره دنيا لم تكن، وتنصب دنيا على الحال. وإمَّا على تقدير واو الحال، وكذا "لم تزل" فإن قيل: إنّ بالدنيا لا يتم به الكلام، والحال فضلة؛

стр. 1374

فالجواب: إنَّ من الفضلات ما لا يتم الكلام إلَّا به، كقوله تعالى: ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين﴾ [المدثر/ ٤٩] فمعرضين حال من الضمير المخفوض، ولا يستغني الكلام عنها؛ لأنَّ الاستفهام في المعنى إنما هو عنها. وقولهم: مازلت بزيد حتى فعل، لا يتم الكلامُ بقولك: بزيد، ومما يبين صحة الحال جواز دخول الواو، فتقول: كأنك بالشمس وقد طلعت، ونحوه ما حكي عن بعضهم: كأنا بالدنيا لم تكن. وعلى هذا يحمل قول الحريري: "كأني بك تنحط". يكون بك الخبر، وتنحط حال. هذا هو الوجه، وخرجه المطرزي في "شرحه للمقامات": كأني أبصر بك، إلَّا أنه ترك الفعل لدلالة الحال، وما ذكرته أولى؛ لأنه إضمار فعل، وزيادة حرف جرّ لا يحتاج إليه فيما ذكرته. انتهى كلامه بحروفه كما نقله أبو حيان في "تذكرته". وقد نقل ناظر الجيش التخريج الثاني وهو جعل الجملة حاليًا، وترك التخريج الأول وهو جعلها خبر كأنّ، كما صنع المصنف هنا، وفي: شرح بانت سعاد" وقال: ولا يخفى جودة هذا التخريج وحسنه، وليته تكلم على قولهم كأنك بالشتاء مقبل، وكأنك بالفرج آ، فربما كان يذكر فيه ما يشفي الغليل. انتهى. أقول: يمكن تخريج هذين أيضًا على قوله: بجعل المرفوع خبر مبتدأ محذوف مع واو الحال أو بدونها، والتقدير: كأنك بالشتاء وهو مقبل، وكأنك بالفرج وهو آتٍ، ويكون المعنى في الجميع: كأنك مقرون بالدنيا في حالة عدمها، وكأنك مقرون بالآخرة في دوامها، وكأنك مقرون بالشتاء المقبل، وكأنك مقرون بالفرج الآتي؛ وكأني مقرون بك في حال انحطاطك في اللحد. والبيت من قصيدة مسمّطة في المقامة الحادية عشرة أولها: أيا من يدَّعي الفهم ... إلى كم يا أخا الوهم تعبي الذَّنب والذَّم ... وتخطي الخطأ الجمعة أما بان لك العيب ... أما أنذرك الشَّيب وما في نصحه ريب ... ولا سمعك قد صُمَّ

стр. 1375

وهكذا إلى آخرها، ووزنها: مفاعيل مفاعيل، أربع مرات من بحر الهزج، إلَّا أنه جمع بين السّاكنين في القوافي من غير إرداف في غالب القصيدة، وهو عيب عندهم، ومثله شعر عند صاحب "القسطاس" دون غيره من العروضيين؛ لاعتبارهم الوزن العربي في حد ما هو شعر. وتنحط: مصدره الانحطاط، وهو الانحدار من علو إلى سفل، يريد انتقاله من ظهر الأرض إلى بطنها. وهو لحد القبور، وتنغط: مطاوع غطّه في الماء غطًّا: إذا غمسه فيه، يريد مواراته وتغطيته بالتراب، والرهط: قوم الرجل وقبيلته. وقوله: إلى أضيق، أي: إلى مكان أضيق، والسَّمّ، بالفتح: الثقب، يقال: سمُّ الخياط مع الأحباب ميدان أي: ثقب الإبرة. والحريري: هو أبو محمد القاسم بن علي البصري صاحب "المقامات" كان حامل لواء البلاغة، وكان فارس ميدان النظم والنثر، وكان من رؤساء بلده، وهو منسوب إلى الحرير لبيعه أو عمله. ولد في سنة ست وأربعين وأربعمائة، وتوفي بالبصرة في سادس رجب سنة ست عشرة وخمسمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد الثلاثمائة: (٣١٣) كأنَّ إذا تشوَّفا ... قادمةً أو قلما محرَّفا على أنَّ كأنَّ قد نصب بعدها الاسم والخبر. قال المبرد في "الكامل": حدِّثت أنَّ العمانيّ أنشد الرشيد في صفة فرس: كأنّ أذنيه إذا تشوَّفا .. الخ، فعلم القوم كلّهم أنه قد لحن، ولم يهتد أحد منهم لإصلاح البيت إلَّا الرشيد، فإنه قال له:

стр. 1376

قل: "تخال أذنيه إذا تشوَّفا". والراجز وإن كان قد لحن فقد أحسن التشبيه. انتهى. وكذا نقله ابن عبد ربه في "العقد الفريد" وروى الصولي في كتاب "الأوراق" عن الطيب بن محمد الباهلي عن موسى بن سعيد بن مسلم أنه قال: كان أبي يقول: كان فهم الرّشيد فهم العلماء، أنشده العماني في صفة فرس: كأنَّ أذنيه .. الخ، فقال له: دع كأنّ، وقل: تخال أذنيه، حتى يستوي الشعر. انتهى. واعترض ابن السيّد فيما كتبه على "كامل المبرد" بأنَّ هذا لا يعدّ لحنًا، لأنه قد حكي أن من العرب من ينصب خبر كأنّ ويشبهها بظننت، وعلى هذا أُنشد قول ذي الرُّمَّة: كأنَّ جلودهنَّ مموَّهاتٍ ... على أبشارها ذهبًا زلالا وعليه قول النابغة الذبياني: كأنَّ التاج معصوبًا عليه ... لأذوادٍ أصبن بذي أبان في أحد التأويلين. انتهى. ويمنع الأول بجعل مموّهاتٍ حالا من جلودهنَّ لأن مفعول في المعنى، والخبر قوله: على أبشارها، والرواية رفع مموهات على الخبرية، يصف النساء، والمموّهات المطليات، والأبشار: جمع بشرة وهي ظاهر الجلد، وذهبًا: المفعول الثاني لمموّهات، يقال: موذهه ذهبًا، والزلال: الصافي من كل شيء. ويمنع الثاني أيضًا بجعل عليه هو الخير، ومعصوبًا حالًا من التاج، وذو أبان: موضع. يريد أنه أغار على قومٍ، فأخذ منهم أذواد إبل فيظن نفسه ملكًا يهزأ به. فإن قلت: معمولًا كأنّ أصلهما المبتدأ والخبر، فكيف أخبر عن المثنى بالمفرد؟ قلت: إنَّ العضوين المشتركين في فعل واحد مع اتفاقهما في التسمية يجوز إفراد خيرهما؛ لأنَّ حكمهما واحد، كقولك: أذناي سمعت، وقدماي مشت.

стр. 1377

والعامل في "إذا" ما في كأنَّ من معنى الفعل، وتشوَّف: تطلَّع والمراد نصب الأذن للاستماع، والألف سواء كان ألف إطلاق، أو ضمير المثنى، كان يجب معه إلحاق تاء التأنيث، لأنَّ الفعل يجب تأنيثه إذا أسند إلى ضمير المؤنث، مجازيًا كان أو حقيقيًا. والأذن مؤنث مجازي سماعًا، فهذا خطأ آخر لم أر من ذكره. والقادمة: إحدى قوادم الطير، وهي مقامُ ريشه، وفي كل جناح عشر ريشات، والقلم: آله الكتابة، والمحرّف: المقطوط لا على جهة الاستواء، بل يكون الشِّق الوحشي أطول من الشِّق الإنسيّ، وهذا المعنى أصله لعدي بن زيد العبادي وهو قوله: يخرجن من مستطير النَّقع داميةً ... كأنَّ آذانها أطراف أقلام والعمانيّ: من مخضرمي الدولتين، عاش مائة وثلاثين سنة، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": العماني الفقيمي: هو محمد بن ذؤيب، ولم يكن من أهل عمان؛ ولكن نظر إليه دكين الراجز فقال: من هذا العمانيّ؟ وذلك أنه كان مصفرًا مطحلًا، وكذلك أهل عمان، قال الشّاعر: ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائع ودخل على الرشيد لينشده، وعليه قلنسوة وخفّ ساذج، فقال: إيّاك أن تدخل إليَّ إلَّا وعليك خفّان دلقمان، وعمامة عظيمة الكور، فدخل عليه وقد تزيّا بزيّ الأعراب، فأنشده وقبّل يده، وقال: يا أمير المؤمنين! قد والله أنشدت مروان، ورأيت وجهه، وقبلت يده وأخذت جائزته، ثمَّ يزيد بن الوليد وإبراهيم بن الوليد، ثمَّ السفاح، ثمَّ المهدي، كلّ هؤلاء رأيت وجوههم، وقبلت أيديهم، وأخذتُ جوائزهم، لا والله ما رأيت فيهم يا أمير المؤمنين، أندي كفًّا، ولا أبهى منظرًا، ولا أحسن وجهًا منكّ! فأجزل له الرشيد الجائزة، وأضعفها له على كلامه، وأقبل عليه فبسطه، حتى تمنى جميع من حضر أنه قام ذلك المقام. انتهى.

стр. 1378

وزعم ابن الملا أن العماني كنيته أبو نحيلة، وهو خلاف الواقع، وإنما هما راجزان. وعمان، بضم العين المهملة وخفة الميم: بلد على شاطئ البحرين بين البصرة وعدن، وإليه يضاف الأزد، فيقال: أزد عمان، كذا بخط مغلطاي الحافظ على هامش "معجم ما استعجم" لأبي عبيد البكري، فإنه قال: عمان: مدينة معروفة إليها ينسب العماني الراجز، سمِّيت بعمان بن سنان بن إبراهيم ﵇، كان أول من اختطها، ذكر ذلك الشرقي بن القطامي. وأمّا عمّان، بفتح لاعين وتشديد الميم، فهي قرية من عمل دمشق، سميِّت بعمّان بن لوط ﵇. انتهى. " كلّ " أنشد فيه، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد الثلاثمائة: (٣١٤) وإنَّ الَّذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كلُّ القوم يا أمَّ خالد على أنَّ "كلًّا" فيه نعت لمعرفة. واستشهد به سيبويه على أنَّ "الَّذي" أصله: الَّذي، فحذفت منه النون تخفيفًا، لاستطالة الموصول بالصلة، قال سيبويه: قال رجل من الأنصار: الحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم من ورائنا وكف

стр. 1379

لم يحذف النون للإضافة، ولا ليعاقب الاسم النون، ولكن [حذفوها] كما حذفوها من اللَّذين والذي حين طال الكلام، وكان الاسم الأوَّل منتهاه الاسم الآخر وقال الأخطل: أبني كليبٍ إنَّ عمّيَّ اللَّذا ... قتلا الملوك وفكَّكا الأغلالا وقال الأشهب بن رميلة: إن الذي حانت بفلجٍ دماؤهم ... .. البيت انتهى. والبيت أورده الجاحظ بدون واو كسيبويه مع بيتين بعده للأشهب ابن رميلة النهشلي، وهما: هم ساعد الدَّهر الذي يتَّقى به ... وما خير كفّ لا تنوء بساعد أسود شرِّي لاقت أسود خفيَّةٍ ... تساقوا على حردٍ دماء الأساود وأنشده الآمدي أيضًا في "المؤتلف والمختلف" للأشهب مع البيت الثاني فقط، وهو: هم ساعد الدهر، إلَّا أنه أنشده: "فإنَّ الذي" بالفاء. وقد أنشد الأبيات الثلاثة أحمد بن أبي سهل بن عاصم الحاواني للأشهب في كتاب "أسماء الشعراء المنسوبين إلى أمهاتهم" إلَّا أنه أنشد البيت الأول "إنَّ التي مارت بفلج دماؤهم .. البيت" وعليه لا يكون شاهدًا لسيبويه، ومن خطّه نقلت، فيكون بتقدير: إن الجماعة التي مارت دماؤهم، أي: ساحت وجرت. وقوله: وإنَّ الَّذي حانت، الحين، بالفتح: الهلاك، وأراد بحين دمائهم: كونها هدرًا، لم تؤخذ دياتهم، ولا أخذ بثأرهم. قال الواحدي: قولهم: يا أم خالد، ويا ابنة القوم، هو من عادة العرب خطاب النساء بهذا لحثهنّ على البكاء. وكل القوم:

стр. 1380

صفة للقوم دلالة على كمالهم. انتهى. وفلج، بفتح الفاء وسكون اللَّام وثالثه جيم: موضع في طريق البصرة إلى مكة، وفيه منازل للحاجّ، وتنوء: تنهض، والشَّرَى: أرض في جهة اليمن، وهي مأسدة، وخفية، بفتح الخاء المعجمة وكسر الفاء: اسمغيضة تتخذها الأسد عِرِّيسة، كذا قال الخليل، وأنشد البيت. وحرد، بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين: مصدر حرد، من باب ضرب، بمعنى قصد، وبمعنى غضب، والأساود: جمع أسود، وهو العظيم من الحيّات، وفيه سواد. وروي: "سمام الأساود" وهو جمع سمّ، يريد: تساقوا سم الحيّات فهلكوا جميعًا. وروى أبو تمام البيت الشاهد في "مختار أشعار القبائل" آخر أبيات خمسة لحريث ابن محفِّضٍ، وهي: ألم تر أني بعد عمرٍو ومالكٍ ... وعروة وابن الهول لست بخالد وكانوا بني ساداتنا فكأنَّما ... تساقوا على لوحٍ دماء الأساود وما نحن إلا مثلهم غير أنَّنا ... كمنتظرٍ ظمأ وآخر وارد هم ساعد الدهر الَّذي يتَّقى به ... وما خير كفٍ لا تنوء بساعد فإن الألى حانت بفلجٍ دماؤهم ... .. البيت والألى بمعنى الَّذين، واللَّوح، بفتح اللام وسكون الواو وآخره مهملة: العطش والظمء، بالكسر مهموز الآخر: الزمان الذي يكون بين الشربتين للإبل، من الظَّمأ، بفتحتين، وهو العطش. أما الأشهب بن رميلة فهو شاعر مخضرم، ذكره ابن حجر في المخضرمين من "الإصابة" ورميلة اسم أمِّه، وهي بضمِّ الرَّاء المهملة وفتح الميم، ولم يذكره صاحب "العباب" ولا صاحب "القاموس" وذكره المرزباني في "معجم الشعراء" في حرف الرّاء المعجمة. قال صاحب "الأغاني": هو الأشهب بن ثور، وأنهى نسبة إلى نهشل بن دارم ابن عمرو بن تميم، وقال: رميلة أمُّه، وهي أمة لخالد بن مالك النهشلي. قال

стр. 1381

أبو عمر: وولدها، يزعمون أنها كانت سبيّة من سبايا العرب، فولدت لثور بن أبي حارثة أربعة نفر، وهم: رباب، وحجناء، والأشهب، وسويط، وكانوا من أشد إخوة في العرب لسانًا ويدًا ومنعة للجانب، فكثرت أموالهم في الإسلام، وكان أبوهم ثور ابتاع رميلة في الجاهلية، وولدتهم في الجاهلية، فعزّوا عِزًّا عظيمًا، حتى إذا كانوا وردوا ماء من ماء الصمَّان، حظروا على النَّاس ما يريدونه منه. وكان لرميلة قطيفة حمراء، فكانوا يأخذون الهدب من تلك القطيفة. فيلقونه على الماء، أي: قد سبقنا إلى هذا، فلا يرده أحدٌ لعزّهم، فيأخذون من الماء ما يحتاجون إليه. وفي كتاب "الشعراء المنسوبين إلى أمّهاتهم" للحلوانيّ: كان الأشهب يهاجي الفرزدق، ولقيه يومًا عند باب عثمان بن عفّان، وهو يريد أن يجوز نهر أمّ عبد الله على قنطرة، فاحتبسه الفرزدق عليها، وكان الفرزدق على فرسٍ، فقال الأشهب: يا عجبًا هل يركب القين الفرس ... وعرق القين على الحيل نجس والقين لا يصلح إلا ما جلس ... بالكلبتين والعلاة والقبس ثم إنَّ غالبًا لما بلغه ما قال الأشهب أتاه ليلًا فتعوذ منه، وقال: أتشتمنا من غير إحنّة؛ فأمسك عنا. فقال الأشهب: هلَّا كان هذا نهارًا؟ ويقال: كان الأشهب يهجو غالبًا أبا الفرزدق، فقال الفرزدق: ربما بكيت من الجزع، أنَّ الأشهب كان يهجونا، فأريد أن أجيبه فلا يتأتّى لي الشعر، ثمَّ فتح الله علي فهجوته فغلبته، فسقط بعد ذلك. انتهى. وأمّا حريث بن محفِّض، فهون شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأمويّة، وحريث، بضمّ الحاء، وفتح الراء المهملتين، وآخره ثاء مثلثة، ومحفِّض، بضم الميم وفتح الحاء المهملة، وكسر الفاء المشدَّدة، وآخره ضاد معجمة. وقد

стр. 1382

ترجمناهما بأكثر من هذا في الشاهد السّادس والعشرين بعد الأربعمائة من شواهد الرَّضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد الثلاثمائة: (٣١٥) كم قد ذكرتك لو أجدى تذكُّركم ... يا أشبه النَّاس كلِّ النَّاس بالقمر على أنَّ ابن مالك استدلَّ به في توكيد المعرفة بأنَّ "كلًّا" قد تضاف إلى الظّاهر خلفًا عن الضمير، ومثله قول الفرزدق: أنت الجواد الذي ترجى نوافله ... وأبعد النّاس كلِّ النّاس من عار وأقرب الناس كلِّ النّاس من كرمٍ ... يعطي الرَّغائب لم يهمم بإقتار قال أبو حيّان: هكذا ذكر المصنّف هذه المسألة واستشهد عليها بالأبيات المذكورة، ولا حجَّة فيها؛ لأنَّ كلَّ الناس فيه نعت لا توكيد، وهو نعت يبين كمال المنعوت. وغرّ المصنف في الأبيات صلاحية كلّهم مكان كلّ النّاس، وحمله على النعت بمعنى الكاملين أمدح وأحسن، إذ العموم مفهوم ممّا قبله، وأفاد النعت معنى غير العموم وهو الكمال، فكأنه قال: يا أشبه الناس الكاملين، فكأنه لم يفضله على الناس على العموم، بل على النّاس الكاملين في الحسن. هذا كلامه. وقد أحسن ناظرا لجيش في الرّدّ عليه بقوله: ما ذكره الشيخ غير ظاهر، فإنَّ ما قرره يخالفُ مراد الشاعر، وذلك أنَّ المراد: يا أشبه النّاس كلّ النّاس بالقمر، أنّه لا يشبه القمر أحد من النّاس إلَّا أنت، ولا يتمّ للقائل هذا المراد إلَّا بأن يريد العموم، إذ لو لم يرده لجاز أن يقال: إنَّ غيرها من النّاس يشاركها في ذلك، فيخرج الكلام عن المدح بالحسن، ومراد الشاعر انحصار الشبه بالقمر فيها، فلا يشبه القمر من الناس

стр. 1383

إلّا هي. وهكذا المعنى في قول الفرزدق: وأبعد الناس كلّ الناس وأقرب الناس كلّ النّاس، لأنَّ مراده أنه أبعد الناس كلّهم من العار، فلا أحد يشاركه في هذا البعد، وأقرب النّاس كلّهم من الكرم، فلا أحد يشاركه في هذا القرب، فلما كان العموم مرادًا تعين التوكيد؛ ليفيد أنَّ الخصوص غير مراد، وليس النعت بمقصود في هذه الأبيات، إذ لا معنى لقولنا: يا أشبه الناس الكاملين. ثمَّ إنَّ القائلين هذه الأبيات لم يقصدا مدح النّاس فيجعل ما بعد نعتًا، كما قصد المدح في قولنا: أنت الرّجل كلّ الرّجل، لأنَّ الرّجل هو المقصود بالمدح، والنّاس من أشبه الناس وأبعد الناس وأقرب النّاس ليس المقصود بذلك، إنما هو المقصود به أشبه وأبعد وأقرب. إلى هنا كلامه، ومنه أخذ المصنف اعتراضه على أبي حيّان. والبيت من أبيات أوردها أبو علي القالي في "أماليه" قال: قرأت على أبي عبد الله إبراهيم بن محمّد لعمر ابن أبي ربيعة: يا ليتني قد أجزت الحبل نحوكم ... حبل المعرَّف أو جاوزت ذا عشر إن الثَّواء بأرضٍ لا أراك بها ... فاستيقنيه ثواءٌ حق ذي كدر وما مللت ولكن زاد حبُّكم ... وما ذكرتك إلَّا ظلت كالسَّدر أذري الدُّموع كذي سقمٍ يخامره ... وما يخامرني سقم سوى الذِّكر كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم ... يا أشبه النَّاس كلِّ النّاس بالقمر إني لأجذل أن أمشي مقابله ... حبًّا لرؤية من أشبهت في الصُّور وكذا رواها صاحب "الأغاني" لابن أبي ربيعة، إلَّا أنه أسقط البيت الأخير، وزاد بيتًا في الأبيات وهو: ولا جذلت لشيءٍ كان بعدكم ... ولا منحت سواك الحبَّ من بشر

стр. 1384

قوله: يا ليتني قد أجزت الحبل .. الخ. في "المصباح": جاز المكان يجوز جوزًا وجوازًا: سار فيه، وأجازهبالألف: قطعة، وأجازه: أنفذه، قاله ابن فارس. والحبل، بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة: الرّمل المستطيل، وهو المجتمع الكثير العالي. والمعرَّف، بفتح الرّاء المشددة: الموقف بعرفات، وذو عُشر: هو وادي عُشَر، هو وادٍ في الحجاز، قال أبو ذؤيب: عرفت الدِّيار لأمِّ ... الرَّهين بين الظِّباء فوادي عشر قاله الحازمي في "المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن" والعشر، بضم العين المهملة، وفتح الشين المعجمة: من كبار الشجر، وله صمغ حلو يقال له: سكر العشر، قاله الأزهري. والثواء بالمثلثة: الإقامة، وظلت: أصله ظلت، والسّدر، بفتح فكسر: المتحير، ويخامره: يخالطه، والذِّكر، بكسر ففتح، جمع ذكره، كقرب جمع قربه. وقوله: كم قد ذكرتكم، خاطبها بخطاب الجماعة الذكور مبالغة في سترها، كقوله تعالى حكاية عن موسى، ﵇: ﴿إذ قال لهله امكثوا﴾ [القصص ٢٩] وبالآية والبيت يرد على الرضي والتفتازاني في زعمهما أنه لم يرد تعظيم المخاطب في الكلام القديم، ولو للتمني، وأُجزى بالبناء للمفعول، والجزاء: الثواب، والباء من بذكركم متعلقة به. وفي رواية صاحب "الأغاني": "لو أجدى تذكركم" وأجدى: نفع، وتذكركم مصدر مضاف إلى مفعوله: فاعل أجدى. وقوله: إني لجذل الخ، بالجيم والذّال المعجمة، مضارع جذل جذلًا، من باب فرح فرحًا، ومقابله، أي: مقابل القمر. وترجمة عمر ابن أبي ربيعة تقدَّمت في الإنشاد السادس من أوَّل الكتاب.

стр. 1385

ووقع في "شرح التسهيل" لابن مالك نسبة البيت الشاهد لكثير عزّة، وتبعه العيني، وليس كذلك. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس عشر بعد الثلاثمائة: (٣١٦) نلبث حولًا كاملًا كلَّه ... لا نلتقي إلا على منهج على أن النكرة قد أكّدت بكلّ. وأراد: النكرة المؤقتة المحدودة كالحول والشهر والدهر، ونحو ذلك. وهو مذهب ابن مالك تبعًا للأخفش والكوفيين، قال السهيلي: قال أصحابنا: الصَّحيح ما ذهب إليه البصريون من امتناع تأكيد النكرة مؤقتةً كانت أو غيره، وما جاء في الشعر مما ظاهره ذلك يؤول إن أمكن، وإلَّا فهو ضرورة، فامتناع تأكيد النكرة غير المؤقتة لعدم الفائدة، وامتناع المؤقتة من جهة أن التأكيد يشبه النعت من حيث كونه تابعًا بلا واسطة حرف، ومن غير أن ينوي معه تكرار العامل. وألفاظ التأكيد معارف، ويدل على امتناع ذلك عدم مجيئه في فصيح الكلام، وما استدلوا مما ظاهره التأكيد بـ "كلّ" يخرج على البدل، وبـ "أجمع وجمعاء" على لانعت، لأنهما قد جاءا بمعنى جميع ومجتمعة، كذا في "شرح التسهيل" لأبي حاين. والبيت من أبيات للعرجي، أوردها أبو القاسم عبد الرحمن الزَّجّاجيّ في كتاب "الأخبار" قال: أخبرنا عبد الله بن مالك، قال: أخبرني محمد بن أبي عبيد البصري عن أسد بن سعيد بن عفر عن أبيه قال: حدثني ابن مفتي، رجل من ولد سعيد بن العاص، قال: حدثني إسحاق بن سعد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: كان العرجيّ، وهو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، يشبب بامرأة محمد بن هشام، قال ابن مفتي: وأمّا يزيد بن عبد الله المُذليذ فحدَّثني أنَّ العرجيّ يشبب بامرأته الحارثية، وهو القائل:

стр. 1386

عوجي علينا ربَّة الهودج ... إنَّك إن لا تفعلي تحرجي أيسر ما قال محبٌّ لدى ... بين حبيبٍ قوله عرَّجي يفض إليه حاجةً أو يقل ... هل لي مما بي من مخرج من حيِّكم بنتم ولم ينصرم ... وجد فؤادي الهائم المنضج فما استطاعت غير أن أومأت ... بطرف عيني شادن أدعج تذود بالبرد لها عبرةً ... جاءت بها العين ولم تنشج مخافة الواشين أن يفطنوا ... بشأنها والكاشح والمزعج أقول لمّا فاتني منهم ... ما كنت من وصلهم أرتجي إني أُتيحت لي يمانيَّةٌ ... إحدى بنى الحارث من مذحج نمكث حولًا كاملًا كلَّه ... لا نلتقي إلَّا على منهج الحجُّ إن حجَّت وماذا منيِّ ... وأهله إن هي لم تحجج هذا ما أورده. وأنشد المبرد في "الكامل" البيت الأوَّل مع الأبيات الثلاثة الأخيرة. قوله: عوجي علينا .. الخ، هو أمر من عاج يعوج: إذا عطف رأس البعير بالزمام، وربة: صاحبة، منادى، وتحرجي، أي: تقعي في الحرج، وهو الإثم، وأيسر: مبتدأ خبره: "قوله". والبين: الانفصال والفراق، وعرّجي: أمر من عرّج تعريجًا، إذا ميَّل دابته ووقف. ويُفض: مجزوم في جواب الأمر، التقدير: إن تعرجي يفض، وهو من الإفضاء إلى الشيء، وهو الوصول إليه. وقوله: من حيكم بنّم، أي: من قبيلتكم بعدتم، وتذود: تدفع، والعبرة، بالفتح: الدمعة، وتنشج، بكسر الشين: مضارع نشج الباكي –بفتحها- نشيجًا ونشجًا: إذا غصّ البكاء في حلقة عند الفزعة. قاله الأزهري عن الليث. وأتيحت: قدرت، من

стр. 1387

أتاحه الله له، أي: هيأه وقدره، وبنو الحارث بن كعب من مذحج بفتح الميم وسكون الذّال المعجمة وكسر الحاء –من قبائل اليمن، والمنهج: الطريق، يقول: بعد هذا المكث الطويل لا نلتقي في خلوة وإنما نتلاقى في الطريق. وقوله: الحجّ إن حجّت، يقول: الحج الكامل إن حجت، وماذا: أي شيء؟ وأهله بالرفع، يقول: إن لم تحج هذه المرأة فليس الحج حجًّا معتدًا به. وقيل له العرجي لأنّه كان يسكهن عرج الطائف، وقيل: لمال كان له بالعرج، بفتح العين المهملة وسكون الراء، قال صاحب "الأغاني": وكان من شعراء قريش، وممن اشتهر بالغزل ونحا نحو عمر ابن أبي ربيعة في ذلك، وتشبه به وأجاد، وكان مشغولًا باللهو والصيد حريصًا عليهما، ولم يكن له نباهة في أهله. وكان من الفرسان المعدودين مع مسلمة بن عبد الملك بأرض الروم، ومات في حبس محمّد بن هشام ابن إسماعيل المخزومي، وهو خال هشام بن عبد الملك، وكان واليًا بمكة بعد ضرب كثير، وتشهير في الأسواق؛ لأنه شبَّب بأمّه ليفضحه، لا لمحبة كانت بينه وبينها. وقال في حبسه قصيدته التي منها: كأني لم أكن فيهم وسيطًا ... ولم تك نسبتي في آل عمرو أضاعوني وأيَّ فتّى أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثغر قال السيوطي: وأخرج البيهقي وابن عساكر عن إبراهيم بن عامر قال: واعد العرجيُّ امرأةً بغيًّا بالطائف، فجاء على حمار ومعه غلام له، فجاءت المرأةُ على أتانٍ معها جارية، فوثب العرجي على المرأة، والغلام على الجارية، والحمار على الأتان، فقال العرجي: هذا يوم غابت عواذله! انتهى.

стр. 1388

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع عشر بعد الثلاثمائة: (٣١٧) يميد إذا مادت عليه دلاؤهم ... فيصدر عنها كلُّها وهو ناهل على أنَّ مجئ كلّ المضافة إلى الضمير فاعلةً قليلٌ؛ لأنَّ الفعل عاملٌ لفظيٌّ والبيت أنشده أبو حيّان، وناظر الجيش في "شرح التسهيل" معزوًّا إلى كثِّير عزَّة، وتقدَّمت ترجمته في الإنشاد التاسع عشر. وماد الشَّيء يميد ميدًا وميدانًا: إذا تحرَّك، والدَّلاء بالكسر: جمع دلو، والناهل: العطشان، والناهل: الرّيّان، فهو من الأضداد. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثّامن عشر بعد الثلاثمائة: (٣١٨) فلمّا تبيَّنَّا الهدى كان كلُّنا ... على طاعة الرَّحمن والحقِّ والتُّقى على أنَّ كلنا وقع اسمًا لكان، وحمله ابن مالك في متن "التسهيل" وهو شرحه على أنه مبتدأ، وما بعده الخبر، وقدر في كان ضمير الشأن اسمها. قال في شرحه: ويجوز: كان كلّهم منطلقون، على أنَّ اسم كان ضمير الشأن، وكلّهم منطلقون مبتدأ وخبر، ومثله قول علي بن أبي طالب، ﵁: فلمّا تبيَّنا الهدى كان كلّنا ... .. البيت انتهى. ومنه أخذ المصنف كلامه. والبيت ثاني أبيات ثلاثة لعلي بن أبي طالب ﵁، قالها في يوم بدر، رواها له ابن اسحاق في "السيرة" في غزاة بدر، وقال: وكان المسلمون مظفرين في هذه الغزاة من أولها إلى آخرها، وهي: ضربنا غواة النّاس عنه تكرُّمًا ... ولمًّا رأوا قصد السبيل ولا الهدى ولمَّا أتانا بالهدى كان كلُّنا ... على طاعة الرَّحمن والحق والتُّقى نصرنا رسول الله لمَّا تدابروا ... وثاب إليه المسلمون ذوو الحجى قال شارح "ديوانه" الفاضل حسين الميبدي: ضمِّن الضرب معنى الدفع، ولهذا عدِّي بعن، وإضافة قصد إلى السبيل من إضافة المصدر إلى الفاعل، أو من

стр. 1389

إضافة المصدر إلى الموصوف، وضمير "عنه" للرسول ﷺ . قال الواحدي: يقال: طريق قصد وقاصد: إذا أدركك إلى مطلبك، و"لما" الأولى نافية بمعنى لم، والقصد: استقامة الطريق، وثاب الناس: اجتمعوا، والتكرم إظهار الكرم. انتهى كلامه. ورواية الجماعة: "فلمّا تبيَّنّا" من تبينت الشيء، بمعنى عرفته واستوضحته، ويأتي لازمًا، يقال: تبيَّن الشيء: إذا ظهر ووضح. قال السيوطي: قال المرزباني في "تاريخ النحاة": قال يونس: ما صح عندنا، ولا بلغنا أنّ عليّ بن أبي طالب قال شعرًا إلا هذين البيتين: تلكم قريشٌ تمنَّتني لتقتلني ... فلا وربِّك ما برُّوا وما ظهروا فإن هلكت فرهنٌ ذمَّتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر انتهى. وقال صاحب "القاموس" في مادة (ودق): وذات ودقين: الدّاهية، لأنها ذات وجهين، ومنه قول علي بن أبي طالب: تلكم قريشٌ تمنّاني لتقتلني ... .. إلى آخر البيتين. قال المازني: لم يصح أنه تكلم بشيء من الشعر غير هذين البيتين، وصوبه الزمخشري. انتهى. وأنا أعجب من إنكار هؤلاء نسبة سائر أشعاره الكثيرة إليه الثابتة له بنقل العلماء المتقنين، ومما نسب إليه ما رواه مسلم في "صحيحه" قوله لمرحب ملك حيبر: أنا الَّذي سمَّتني أمي حيدرة ... كليث غاباتٍ كريه المنظره وهو رجز مشهور. قال ثعلب في "أماليه": لم يختلف الرواة أنَّ هذا الرجز له، وقد أثبت له الحفّاظ من أصحاب السير والمغازي شعرًا كثيرًا له، ومنهم ابن إسحاق، أثبت له الشعر المتقدِّم وغيره ممّا قاله في المغازي، ومنهم عبد الملك بن هشام، أثبت له في السِّيرة غير ما أثبته ابن إسحاق، ومنهم الإمام الحافظ المتقن أبو التفح اليعمري

стр. 1390

الشهير بابن سيّد النّاس، أورد له في "السيرة" شيئًا كثيرًا في غالب الغزوات، فممّا أورد له في غزوة الخندق عند قتله عمرو بن عبد ودّ قوله: نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت دين محمَّد بضراب فصددت حين رأيته متجدِّلًا ... كالجذع بين دكادكٍ وروابي وعففت عن أثوابه ولو انَّني ... كنت المقطَّر بزني أثوابي لا تحسبنَّ الله خاذل دينه ... ونبيِّه يا معشر الأحزاب وروى له بعد هذا من رواية أخرى جوابًا لقول ذلك اللَّعين: لا تعجلنَّ فقد أتا ... ك مجيب صوتك غير عاجز ذو نيَّةٍ وبصيرةٍ ... والصدق منجي كلِّ فائز إنِّي لأرجو أن أقيم ... عليك نائحة الجنائز من ضربةٍ نجلاء ... يبقى ذكرها عند الهزاهز وقد أورد الحسن بن رشيق القيرواني في أول كتاب "عمدة الشعر" أشعار الخلفاء الأربعة فمن بعدهم، فمما أورده لعلي بن أبي طالب ما قاله يوم صفين، يذكر همدان ونصرهم إيّاه: ولمّا رأيت الخيل ترجم بالقنا ... نوصيُّها حمر النحور دوامي وأعرض نقعٌ في السَّماء كأنَّه ... عجاجة دجنٍ ملبسٍ بغمام ونادى ابن هندٍ في الكلاع وحمير ... وكندة في لخمٍ وحيّ جذام تيمَّمت همدان الذين هم هم ... إذا ناب دهرٌ جنَّتي وسهامي فخاضوا لظاها واستطاروا شرارها ... وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام فلو كنت بوابًا على باب جنَّةٍ ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام وأشعاره التي رواها العلماء في بطون الدفاتر كثيرة، حتى جمعت في ديوان.

стр. 1391

وشرحها من أفاضل العجم: العلامة الحكيم حسين الميبديُّ باللغة الفارسيّة. فشعره ﵁، ممّا نقله أرباب الحديث، وأصحاب السيّر، وسائر العلماء، وأودعوه في مصنفاتهم، ونقله خلف عن سلف، ورواه أولو النَّباهة والشرف، فإنكاره مكابرة، ودفعه مهاترة، يلزم منه تكذيب هؤلاء المتقنين الفحول، والطعن فيما رووه من النقول، وهذا غير لائق بذوي العقول، والله أعلم بالصواب. وقد أثبت السيوطي شعرًا كثيرًا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب في ترجمته من "تاريخ الخلفاء" قال: أخرج ابن ع ساكر عن الشعبي قال: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان علي أشعر الثلاثة. وأخرج عن نبيط الأشجعي قال: قال علي بن أبي طالب: إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق بما به الصدر الرحيب وأوطنت المكاره واطمأنَّت ... وأرست في أماكنها الخطوب ولم ير لانكشاف الضّرِّ وجهٌ ... ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوطٍ منك غوثٌ ... يجيء به القريب المستجيب وكلّث الحادثات إذا تناهت ... فموصولٌ بها الفرج القريب وأخرج عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب لرجل، وكره له صحبة رجل: لا تصحب أخا الجهل ... فإيّاك وإيّاك فكم من جاهل أردى ... حليمًا حين آخاه يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ما شاه وللشيء من الشيء ... مقاييسٌ وأشباه وللقلب على القلب ... دليلٌ حين تلقاه وأخرج عن حمزة بن حبيب الزيات قال: كان علي بن أبي طالب يقول: لا تفش سرَّك إلَّا إليك ... فإنَّ لكلِّ نصيحٍ نصيحًا فإنِّي رأيت غواة الرِّجا ... ل لا يدعون أديمًا صحيحًا

стр. 1392

وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد الثلاثمائة: (٣١٩) كل امرئٍ مصبحٌ في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله على أنَّ كلًّا معناها بحسب ما تضاف إليه .. إلى آخر ما ذكره. أخرج البخاري في "صحيحه" عن عائشة، ﵂، أنها قالت: لما قدم رسول الله، ﷺ ، المدينة وعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما فقتل: يا أبه! كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول: كلُّ امرئٍ مصبّح في أهله ... .. إلى آخره. وكان بلال إذا أقلع عنه الحمَّى يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعري هل أبيت ليلة ... بوادٍ وحولي إذ خرٌ وجليل وهل أردت يومًا مياه مجنَّةٍ ... وهل يبدون لي شامةٌ وطفيل قال ابن حجر في "فتح الباري": قوله: وعك، بضمّ أوله وكسر ثانيه، أي: أصابه الوعك، وهو الحمَّى. وقوله: كيف تجدك؟ أي: تجد نفسك أو جسدك، وقوله: مصبَّح، بفتح الموحدة المشددة، أي: مصاب بالموت صباحًا، وقيل: المراد أنه يقال له وهو مقيم بأهله: صبّحك الله بالخير، وقد يفجؤه الموت في بقيَّة النَّهار، وقوله: أدنى، أي: أقرب، وقوله: شراك: السير الذي يكون في وجه النّعل، والمعنى: إن الموت أقرب إلى الشخص من شراك نعله لرجله. وقوله: أقلع عنه بفتح أوله، أي: الوعك، ويرفع عقيرته، أي: صوته ببكاء أو غناء. قال الأصمعي: أصله أنَّ رجلًا انعقرت رجله، فرفعها على الأخرى، وجعل يصيح، فصار كلّ من يرفع صوته يقال: رفع عقيرته وإن لم يرفع رجله. وقوله: بوادٍ، أي: وادي مكة. وجليل، بفتح الجيم: نبت ضعيف يحشى به البيوت وغيرها، ومجنّة، بفتح الميم والجيم: موضع على أميال من مكة، وكان به سوق. ويبدو، أي: يظهر. وشامة وطفيل: جبلان بقرب مكة. وقال الخطابي: كنت أحسب

стр. 1393

أنهما جبلان، حتى ثبت عندي أنهما عينان. وقوله: أردن ويبدون: بنون التوكيد الخفيفة، وشامة: بالمعجمة والميم مخففة، وزعم بعضهم أنَّ الصواب "شابة" بالموحدة بدل الميم، والمعروف بالميم. إلى هنا كلام ابن حجر. وقال ابن هشام في "السيرة" قال ابن إسحاق: وحدثني هشام بن عروة، وعمر بن عبد الله عروة عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: لما قدم رسول الله صلى الهل عليه وسلم المدينة، قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمَّى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف الله [ذلك] عن نبيه ﷺ ، قالت: فكان أبو بكر، وعامر بن فهيرة، وبلال موليًا أبي بكر مع أبي بكر في بيت واحد، فأصابتهم الحمَّى، فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدّة الوعك، فدنوت من أبي بكر، فقلت له: كيف تجدك يا أبت؟ فقال: كلُّ امرئٍ مصبح .. الخ، قالت: قلت: والله ما يدري أبي ما يقول! قالت: ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال: لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه كل امرئٍ مجاهدٌ بطوفه ... كالثور يحمي جلده بروقه بطوقه، يريد: بطاقته، قالت: فقلت: والله ما يدري عامر ما يقول! قالت: وكان بلال إذا تركته الحمَّى اضطجع بفناء البيت، ثمَّ رفع عقيرته فقال: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً ... بفخٍ وحولي إذ خرٌ وجليل إلى آخر البيتين. قالت عائشة: فذكرت لرسول الله ﷺ ما سمعت منهم، فقلت: إنهم ليهذون، وما يعقلون من شدَّة الحمَّى! فقال رسول الله ﷺ : "اللهم حبِّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكّة،

стр. 1394

أو أشد، وبارك لنا في مدِّها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة" وهيعة: الجحفة. انتهى. والبيت الذي أنشده أبو بكر ليس له، وإنما تمثل به. وقد أورد ابن إسحاق في غزوة ودّان قصيدة له جوابًا لقصيدة ابن الزبعري، وقال ابن هشام بعد ما نقله: إن قومًا من أهل العلم بالشعر أنكروا أن تكون هذه القصيدة لأبي بكر. قال السهيلي: ويشهد لصحة من أنكر أن تكون له ما روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: من أخبركم أنَّ أبا بكر قال بيت شعر في الإسلام فقد كذب. انتهى. وقال مغلطاي في حاشية "الروض الأنف" للسهيلي: زعم المرزباني أنَّ المتمثل به بلال لا أبو بكر، قال: وهو للحكيم بن الحارث بن نهيك النهشلي، شاعر جاهلي قتل يوم الوقيط، وهو يوم كان لبني قيس بن ثعلبة على بني تميم، وكان قاتل، فأثخن القوم، وهو يقول هذين البيتين. انتهى. أقول: وكذا رأيته في شرح يوم الوقيط من المناقضات إلَّا أنَّ فيه حكيم بن نهيك، قال: لحق الأراز التيمي حكيمًا النهشلي فقتله، ولم يقتل من نبي نهشل غيره. ويقال: إنه لم يشهد الوقيط من نبي نهشل غير الحكيم، فلمّا قتل رثاه نهيك أبوه، فقال من أبيات: حكيم فدِّي لك يوم الوقيط ... إذ حضر الموت خالي وعم تعوَّدت أحسن فعل الكرا ... م فكَّ العناة وضرب البهم وحكيم مصغّر، ونهيك مكبر، وما تقدَّم من تفسير مصبح هو المناسب المقام. وقال الدماميني: يحتمل أن يكون معناه: من يوجد في أهله صباحًا، أو يقال له: أنعم صباحًا، أو يسقى الصبوح، وهو شرب الغداة. انتهى. وليس واحد من هذه الثلاثة مناسبًا هنا.

стр. 1395

وقال مغلطاي في ذلك الكتاب: ذكر ابن الحباب السعدي في كتابه "تحريم الشراب" أنَّ ما أنشده بلال لبكر بن غالب بن عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي، قالهما عندما نفتهم خزاعة عن مكة، وإنّ حبشة قال: ألا ليت شعري هل أبينَّ ليلة ... وأهلي معًا بالمأزمين حلول وهل أبصرنَّ العيس تنفخ في البرى ... لها في منى بالمحرمين ذميل منازل كنَّا أهلها لم يحل بنا ... زمانٌ بنا فيما أراه يحول غدا أوَّلونا فارطين لشأنهم ... وغالت بتني سعدٍ بمكَّة غول يعني نبي سعد بن عوف الجرهمي. وعند أبي الفرج الأصبهاني "شامةوقفيل" انتهى. هو بفتح القاف وكسر الفاء: جبل. وبكر بن غالب هذا جاهليّ، ولم يذكر السهيلي ولا مغلطاي في شامة غير الميم، وناهيك بهما. وقال الصاغاني في "العباب" في مادة (شوب): وشابة: موضع ببلاد هذيل، قال أبو ذؤيب الهذلي: كأن ثقال المزن بين تضارعٍ ... وشابة برك من جذام لبيج وقال بشر بن أبي خازم الأسدي: تؤم بها الحداة مياه نخلٍ ... وفيها عن أبانين ازورار بليلٍ ما أتين على أرومٍ ... وشابة عن شمائلها تعار وقال بلال: شابة وطفيل. والمحدثون يقولون: شامة، ويروى في الشعرين المتقدمين بالباء وبالميم. انتهى. وقد اغتر بهذا صاحب "القاموس" فشدَّدّ النّكير على المحدثين وغيرهم، فقال: وشامة: جبل بمكة، تصحيف من المتقدمين، والصواب: شابة. وهذا إقدام عظيم على تخطئة المتقنين، وليت شعري بأيّة حجّة باهرة يكون قولهم خطأ، وقوله صوابًا! وكلام الصاغاني لا يصلح سندًا، فإنه غير محرر، فإن شامة –بالميم- اسم أماكن متعددة لا مكان واحد، وشابة –بالموحدة- غير ذلك.

стр. 1396

قال الحافظ المتقن الحازمي في كتاب "المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن" في أول باب السين المهملة: وأمّا شامة، بالشين المعجمة والميم، فجبل قرب مكة في شعر بلال، وأنشد البيتين، وأيضًا أرض بين جبل الميعاس وجبل مزبخ. وأمّا في شعر أبي ذؤيب: كأنَّ ثقال المزن .. البيت، فقد قال السكّري: شامة وتضارع: جبلان ينجد، ويروى "شابة" بالموحدة. ثمَّ قال: وأمّا شابة، أوّله شين معجمة وبعد الألفباء موحدة، فجبل في ديار غطفان بين السلّيلة والرَّبذة. قال كثير: قوارض هضب شابة عن يسار ... وعن أيمانها بالمحور قور انتهى. وقال ياقوت الحموي في كتاب "المشترك وضعًا المفترق صقعًا": شامة أربعة مواضع: شامة: جبل قرب مكة، يجاوره آخر، يقال له: طفيل، وفيهما قال بلال [بن حمامة]: وهل يبدون ... لي شامة وطفيل وشامة: أرض بين [جبل] الميعاس وجبل مزبخ. ولا آمن أن يكون الذي قبله، لأنَّ مزبخًا جبل مكة. وشامة وتضارع: جبلان بنجد، عن السكري، عن الأصمعي في قول أبي ذؤيب: كأنَّ ثقال المزن .. البيت. ويروى: "شابة" و"شامة" و"طامة" مدينتان متقابلتان بالصعيد خربتا. انتهى كلامه. وقال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": شامة: جبل يذكر مع طفيل على بريد من مكة، وشابة بالباء الموحدة: جبل وموضع بديار هذيل، وأنشد بيت أبي ذؤيب، ثمَّ قال: وقال أبو علي: ويروى: "شامة" بالميم. انتهى. وقال

стр. 1397

ابن الأثير في "النهاية": طفيل كأمير في شعر بلال: وهل يبدون لي شامة وطفيل قيل: هما جبلان بنواحي مكة، وقيل: عينان. انتهى. ولم يذكر شامة في بابه، وقال السهيلي: وأمّا شامة وطفيل، فقال الخطّابي في كتاب "الإعلام في شرح البخاري": كنت أحسبهما جبلين حتى مررتُ بهما، ووقفت عليهما فإذا هما عينان من ماء. انتهى. وأمّا فخ في بيت في غير رواية البخاري، فهو بفتح الفاء وتشديد الحاء المعجمة، قال السّهيلي: فخ: موضع خارج مكّة، [به] مويه يقول فيه الشاعر: ماذا بفخٍّ من الإشراق والطيِّيب ... ومن جوارٍ نقيّاتٍ رعابيب وبفخّ اغتسل رسول الله صلى الله ﷺ ، وهو محرم. الإذخر كزبرج: من نبات مكّة، يشبه نبات الأسل الَّذي تعمل منه الحصر، يطحن فيدخل في الطّيب. والجليل، بفتح الجيم، قال أبو نصر: أهل الحجاز يسمّون الثمام: الجليل. ومجنَّة، بفتح الميم والجيم وتشديد النّون: سوق من أسواق العرب بين عكاظ وذي المجاز، وهما سوقان أيضًا. وأمّا شعر عامر بن فهيرة، فهو لعمرو بن مامة الجاهلي، قاله حين أحيط به، أنشده له ابن الأنباري في "شرح المعلقات" كذا في حاشية مغلطاي على "الروض الأنف" والرَّوق بفتح الرّاء: القرن. وأنشد بعده، وهو افنشاد العشرون بعد الثلاثمائة: (٣٢٠) كلُّ ابن انثى وإن طالت سلامته ... يومًا علىآلةٍ حدباء محمول

стр. 1398

على أنَّ الهاء في "سلامته" والمستتر في "محمول" كل منهما راجع إلى "كل" لأنها يحسب ما تضاف إليه، وقد أضيفت هنا إلى مذكَّر، ولهذا رجع إليها ضمير المذكّر، وكلّ: مبتدأ، وخبره محمول، وجملة "وإن طالت سلامته": معترضة بينهما. قال بعض الفضلاء: فائدة الواو هنا الحكم بحصول الموت على كل تقدير، ومثله قولك: أزورك وإن هجرتني. فالزيارة مستمرة مطلقًا على تقدير الهجر وغيره، ولو قلت: إن هجرتني، بغير واو، فقد جعلت الهجر سببًا للزيارة، ولا يلزم منه الزيارة على تقدير غيره. انتهى. وهذا كلام حسن، وقد تكلمنا على هذا التركيب وما قيل، في حاشيتنا على شرح المصنف لقصيدة كعب بن زهير في هذا البيت. و"يومًا" و"على" كلاهما متعلقان بمحمول، والآلة: الجنازة والنعش يحمل عليها الميت، والحدباء: الشيء الشاق، وسنة حدباء: شديدة، شبّهت بالدابة الحدباء وهي الدابة قد بدت حراقفها وعظم ظهرها، طذت في "تهذيب الأزهري". والحرقفة: رأس الورك، فيكون أراد المستكرهة عند النفس. والبيت من قصيدة "بانت سعاد" لكعب بن زهير بن أبي سلمى الصحابيّ، ﵁، وقد شرحها جماعة من المتقدمين وأحسن شروحها شرح المصنف، وقد كتبنا عليه حاشية جليلة، حصلت لنا فيها بركة الممدوح بها، ﷺ . وأخرج الحاكم في "المستدرك" وصحّحه، والبيهقي في "دلائل النبوَّة" عن عبد الرحمن بن كعب: أنَّ أباه كعبًا وعمه يجيرًا خرجا حتى أتيا أبرق العزّاف، فقال بجير لكعب: اثبت في هذا المكان حتى آتي هذا الرّجل -يعني النبي ﷺ فأسمع ما يقول. فجاء فأسلم فبلغ ذلك كعبًا فقال: ألا أبلغا عني بجيرًا رسالةً ... على أيِّ شيءٍ ويب غيرك دلَّكا على خلقٍ لم تلف أمًّا ولا أبًا ... عليه ولم تدرك عليه أخًا لكل سقاك أبو بكرٍ بكأسٍ رويَّةٍ ... وأنهلك المأمور منها وعلَّكا

стр. 1399

فلمّا بلغت الأبيات رسُول الله ﷺ ، أهدر دمه، فقال: "من لقي كعبًا فليقتله" فكتب بذلك بجير إلى أخيه وقال: اعلم أنَّ رسول الله ﷺ ، لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلاَّ الله إلاَّ قبل ذلك. فأسلم كعب، وقال قصيدته "بانت سعاد" ثمَّ أقبل حتى أناخ بباب المسجد، ودخل رسول الله ﷺ مع أصحابه مكان المائدة من القوم، يتحلقون حوله، فيلتفت إلى هؤلاء مرةً فيحدثهم، وإلى هؤلاء مرَّة فيحدثهم. قال كعب: فعرفت رسول الله، ﷺ . بالصفة، فتخطيت حتى جلست إليه، فأسلمت وقلت: الأمان يا رسول الله. قال: ومن أنت؟ قلت: أنا كعب، قال: الذي يقول، ثمَّ التفت إلى أبي بكر فقال: كيف يا أباب بكر؟ فأنشده أبو بكر: سقاك أبو بكر بكأس روية ... وأنهلك المأمور منها وعلَّكا فقال: يا رسول الله، ما هكذا قلت! قال: كيف قلت؟ قال: قلت: "وأنهلك المأمون منها وعلكا" فقال رسول الله ﷺ : مأمون والله. ثم أنشده القصيدة كلّها. انتهى. قلت: المأمور الأوَّل آخره بالرّاء المهملة، والمأمون الثاني آخره بالنون. وأخرج الحاكم والبيهقي، والزبير بن بكّار في "أخبار المدينة" من طريق علي ابن زيد بن جدعان قال: أنشد كعب بن زهير رسول الله ﷺ ، في المسجد "بانت سعاد". وأخرجه في "الأغاني" بلفظ: في المسجد الحرام، لا مسجد المدينة. قال: فما بلغ كعب إلى قوله: إنَّ رسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول في فتية من قريش قال قائلها ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا أشار رسول الله ﷺ بكمه إلى الخلق ليسمعوا. وذكر ابن إسحاق أنَّ ذلك كان بعد قدوم النبي، ﷺ ، من الطائف. وفي "الأغاني":

стр. 1400

قال عمر بن شّبّه: كان زهير نظارًا، وأنه رأى في منامه آتيًا أتاه، فحمله إلى السّماء حتى كاد يمسها بيده، ثمَّ تركه فهوى إلى الأرض، فلمّا احتضر قصَّ رؤياه على ولده وقال: إني لا أشك أنه كائن من خبر السّماء بعدي شيء، فإن كان فتمسكوا به، وسارعوا إليه. فلمّا بعث النبي ﷺ ، خرج إليه بجير فأسلم، ثمَّ رجع إلى بلاد قومه. فلمَّا هاجر رسول الله ﷺ أتاه بجير بالمدينة، وشهد الفتح. انتهى. نقلت جميع هذا من "شرح الشاهد للسيوطي". وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد الثلاثمائة: (٣٢١) إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل لما تقدم قبله. والبيت مطلع قصيدة أوردها أبو تمام في أوائل الباب الأوَّل من "حماسته" لعبد الملك بن عبد الرَّحيم الحارثي، قال: وتروى للسموأل بن عادياء اليهودي، وبعده: وإن هو لم يحمل عن النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل تعيرنا أنا قليل عد يدنا ... فقلت لها إنَّ الكرام قليل وما قل من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلى وكهول وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل لنا جبل يحتله من نجيره ... منيف يرد الطرف وهو كليل رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا يرام طويل

стр. 1401

هو الأبلق الفرد الذي سار ذكره ... يعز على من رامه ويطول وإنا أناس لا نرى القتل سبةً ... إذا ما رأته عامر وسلول يقصر حب الموت آجالنا لما ... وتكرهه آجالهم فتطول وما مات منا سيِّد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيل تسيل على حد الظباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل صفونا فلم نكدر وأخلص سرنا ... إناث أطابت حملنا وفحول علونا إلى خير الظهور وحطّنا ... لوقت إلى خير البطون نزول فنحن كماء المزن مافي نصابنا ... كهام ولا، فينا يعد بخيل وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول إذا سيِّد منّا خلا قام سيِّد ... قؤول لما قال الكرام فعلو وما أخمدن نار لنادون طارق ... ولا ذمَّنا في النازلين نزيل وأيامنا مشهورة في عدوِّنا ... لها غرر معدومة وحجول وأسيافنا في كلِّ شرق ومغرب ... بها من قراع الدَّارعين فلول معوَّدة أن لا تسلَّ نصالها ... فتغمد حتى يستباح قتيل سلي إن جهلت النّاس عنّا وعنهم ... وليس سواءً عالم وجهول فإنَّ بني الدَّيّان قطب لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول قوله: إذا المرء لم يدنس، هو من باب فرح، والدنس: الوسخ، قال التبريزي: يقول: إذا المرء لم يتدنس باكتساب اللؤم واعتياده، فأيّ ملبس يلبسه بعد ذلك كان جميلًا. وذكر الرداء هنا مستعار. وقد قيل: رداه الله رداء عمله، فجعل كناية عن مكافأة العبد بما يعمله، كما جعله هذا [الشاعر] كناية عن الفعل نفسه، وتحقيقه: فأي عمل عمله بعد تجنب اللؤم كان حسنًا، واللؤم: اسم لخصال تجتمع وهي: البخل، واختيار ما تنفيه المروءة، والصبر على الدنية، وأصله من الالتئام وهو الاجتماع. وكذلك الكرم اسم لخصال تضاد خصال اللؤم.

стр. 1402

قوله: وإن هو لم يحمل .. الخ، أي: لم يصبّرها على مكارهها، وأصل الضيّم: العدول عن الحق، يقال: ضامه ضيمًا، إذا عدل به عم طريق النَّصفة. وقوله: تعيّرنا أنّا قليل .. الخ، يقال: عيّرته كذا، وهو المختار، وقد جاء: عيرته بكذا، يقول: أنكرت منّا قلة عددنا فعدَّته عارًا، فأجبتها: إنَّ الكرام يقلون. واعترف بقلة العدد لا بقلة القدر، ألا تراه جاء بالنفس في البيت الذي يليه، فقال: وما قل من كانت بقاياه مثلنا. وقوله: إنَّ الكرام قليل، يشتمل على معان كثيرة، وهي ولوع الدهر بهم واعتيام الموت إيّاهم، واستقتالهم في الدفع، عن أحسابهم، وكلّ هذه تقلّل العدد. وشباب: مصدر في الأصل وصف به، فلذلك لا يثنَّى ولا يجمع، والكهل الذي وخطه الشيب. وقوله: وما ضرنا، يجوز أن يكون "ما" حرف نفي، والمعنى: لم يضرّ بنا، ويجوز أن يكون اسمًا مستفهمًا به على طريق التقرير، والمعنى: أي شيء، والواو من قوله: "وجارنا عزيز" واو الحال، وكذلك واو "وجار الأكثرين" وإنما صلح الجمع بين الحالين لأنهما لذاتين مختلفين، ولو كانت لذات واحد لم يصلح. وقوله: لنا جبل، يريد به العزّ والسّمو، أي: من دخل في جوارنا امتنع على طلابه. قوله: وإنّا أناس ما نرى القتل سبّة، كان وجه الكلام أن يقول: ما يرون القتل سبّة، لكن لما علم أنَّ المراد بأناس هم، قال: ما نرى، وأقطع منه أنا الَّذي سمّتني أمّي حيدره والوجه: سمّته [حتى لا تعرى الصلة من ضمير الموصول]. وقوله: ما نرى، أي: ما نجعل ذلك مذهبًا، وعامر: هو ابن صعصعة، وسلول: بنو مرة بن صعصعة، أخي عامر بن صعصعة غلبت عليهم أمهم سلول بنت ذهل بن شيبان. وهذا من أحسن ما ورد في الاستطراد من مدح إلى ذمّ. قال ابن جني في "إعراب الحماسة":

стр. 1403

"نرى" في البيت بمعنى: نعتقد، من الرأي والاعتقاد، كقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء/ ١٠٥] وقولهم: فلان يرى رأي الخوارج، أي: يعتقد رأيهم. وهذه متعدية إلى مفعول واحد كقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات/ ١٠٢]. وقال الشاعر: لا بأس بالفارس أن يفرّا ... إذا رأى ذاك وأن يكرَّا أي: إذا اعتقد صواب ذلك، فسبّة: حال لا مفعول ثان، لأنَّ أحد المفعولين في باب علمت لا يحذف، ولو كان رأيت هنا بمعنى علمت، لذكر الثاني في قوله: إذا ما رأته عامر وسلول، ولا يجوز أن يكون بمعنى عرف، لأنها تتعلَّق بالمحسوس. انتهى كلامه باختصار. وقوله: يقرّب حبّ الموت، أي: حبّنا للموت، ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى فاعله، ويكون كقوله: أرى الموت يعتام الكرام ويكون على هذا: وتكرهه آجالهم، محمولًا على أنه إذا كرهت آجالهم الموت، فقد كره الموت آجالهم أيضًا. وروي: "يقصر حبّ الموت" واختاره ليكون القصر بإزاء الطول. وقوله: حتف أنفه، انتصب على الحال، ولم يستعمل منه حتف، ولا هو محتوف، وأوَّل من تكلم بهذه الكلمة النبي ﷺ ، وتحقيقه: كان حتفه بأنفه، أي: بالأنفاس التي خرجت من أنفه عند نزوع الرّوح لا دفعة واحدة، ويقال خصّ الأنف بذلك لأنه من جهته يتقضّى الرمق. وقال أبو عبيد البكري: وأوَّل من نطق بهذا اللفظ: "مات فلان حتف أنفه" رسول الله ﷺ ، فدلَّ على أنَّ الشعر الإسلامي، وقد رواه قوم: "وما مات

стр. 1404

منّا سيّد في فراشه" انتهى. وقوله: تسيل على حد الظباة نفوسنا، وأراد بالنفوس الأرواح، ويقال: الدمّاء، ويقال للدم: نفي، ومنه: نفست المرأة، كأنها دميت. وأعاد الظباة بلفظها دون ضميرها للتفخيم، وإضافة الحدّ إلى الظباة فيها وجهان، أحدهما: أن يكون أراد بالظباة السيوف كلها، ثمَّ أضاف الحدّ إليها، والثاني: من إضافة البعض إلى الكلّ، ويكون التقدير: تسيل على الحدّ من الظباة، وتكون الظباة مضارب السيوف، وإنما تبجح بأن تسيل دماءها على حدّ السيوف لا على غيره؛ لأنَّ الدماء قد تسال بالعصيّ وغيرها، فعدَّ القتل بالسيّف أكرم. وقوله: صفونا .. الخ، أي: صفت أنسابنا، فلم يشبها كدورة، والسرّ هنا: الأصل الجيّد، يقال: إنَّ فلانًا ليضرب في سرّ، أي: في أصل جيّد، وشبه صفاء أنسابهم بصفاء ماء المطر في قوله: ونحن كماء المزن. ويجوز أن يعنى به السخاء، أي: نحن كالغيث ننفع الناس، والكهام: الكليل الحدّ، أي: كل منا نافذ ماض، ولا فينا بخيل فيعدّ، وهذا نفي للبخل رأسًا، وليس يريد أنَّ فيهم بخيلًا يعدّ. وقوله: وننكر إن شئنا .. الخ، وهو مثل قول الآخر: وما يستطيع الناس عقد أنشده ... وننقضه منهم وإن كان مبرما والبيت أورده علماء البلاغة في باب الإطناب، فإنَّ فيه إطنابًا بالنسبة إلى قوله تعالى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء/ ٢٣] ووصفت الآية بالإيجاز بالنسبة إليه. ومثل قوله: إذا سيّد منّا خلا .. البيت، قول حاتم: إذا مات منهم سيّد قام بعده ... نظير له يغني غناه ويخلف وقوله: وأيامنا مشهورة .. الخ، أي: وقائعنا مشهورة في أعدائنا، فهي بين الأيّام كالأفراس الغرّ المحجّلة بين الخيل. وقال: من قراع الدارعين؛ لأنَّ الغرض أن يكون عدوهم على غاية الاحتراز منم، والدارعين أصحاب الدروع [ولا]

стр. 1405

يصرّف منه فعل إنما هو بمعنى النسبة، أي: ذو درع، وفلول: جمع فل -بالفتح- وهو الثلم والكسر، ومعنى: أسيافنا في كل شرق ومغرب، أنهم يبعدون في الغارات في نواحي نجد وتهامة. وقوله: معودة أن لا تسل .. الخ، انتصب على الحال، وعاملها ما يدل عليه قوله: بها من قراع، ويجوز رفعها خبر مبتدأ محذوف، يقول: عوِّدت سيوفنا أن لا تجرد من أغمادنا فترد فيها إلَّا بعد أن يستباح [بها] قبيل، والقبيل: الجماعة من آباء شتى، والقبيلة: الجماعة من أب واحد. وقوله: وليس سواء، هو من شواهد النحويين على جواز تقديم خبر ليس على اسمها. والقطب: الحديد في الطبق الأسفل من الرَّحى، يدور عليه الطبق الأعلى، وبه سمي القطب لما يدور عليه الفلك، وعلى التشبيه قالوا: فلان قطب بني فلان، أي: سيدهم الذين يلوذون به. قال أبو عبيد البكري يريد أنهم أهل حضر وقصور وجنات، وأنهم لا يظعنون في طلب بخعة كما تفعل الأعراب، ومثله قول حسان: سيدهم الذين يلوذون به. قال أبو عبيد البكري يريد أنهم أهل حضر وقصور وجنات، وأنهم لا يظعنون في طلب بخعة كما تفعل الأعراب، ومثله قول حسان: أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل وعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي: شاعر إسلامي، والسموأل: رابعه همزة، بوزن سفرجل، وعادياء: بوزن فاعلاء يمدّ ويقصر، وقيل: هو السّموأل بن غريض بن عادياء، وأمّه غسانية، وأبوه من ولد الكاهن بن هارون بن عمران بن قريظة وقريظة والنضير هما معروفان بالكاهنين، نسبوا إلى جدهم الكاهن بن هارون، والسموأل هو صاحب الحصن المعروف بالأبلق بتيماء، واحتفر فيه بئرًا عذبة، وكانت العرب تنزل به فيضيفها، وتمتار من حصنه، تقيم هناك سوقًا، وبه يضرب المثل في الوفاء، فيقال: "أوفي من السموأل". وبيت السموأل في اليهود بيت شعر، فإنه شاعر وأبوه شاعر، وأخوه شاعر، وكلهم مجيد في الشعر. وقيل: هذه القصيدة لشريح بن السموأل، وقيل: لغير من ذكر، والله أعلم.
следующие страницы →