← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

هو الأبلق الفرد الذي سار ذكره ... يعز على من رامه ويطول وإنا أناس لا نرى القتل سبةً ... إذا ما رأته عامر وسلول يقصر حب الموت آجالنا لما ... وتكرهه آجالهم فتطول وما مات منا سيِّد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيل تسيل على حد الظباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل صفونا فلم نكدر وأخلص سرنا ... إناث أطابت حملنا وفحول علونا إلى خير الظهور وحطّنا ... لوقت إلى خير البطون نزول فنحن كماء المزن مافي نصابنا ... كهام ولا، فينا يعد بخيل وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول إذا سيِّد منّا خلا قام سيِّد ... قؤول لما قال الكرام فعلو وما أخمدن نار لنادون طارق ... ولا ذمَّنا في النازلين نزيل وأيامنا مشهورة في عدوِّنا ... لها غرر معدومة وحجول وأسيافنا في كلِّ شرق ومغرب ... بها من قراع الدَّارعين فلول معوَّدة أن لا تسلَّ نصالها ... فتغمد حتى يستباح قتيل سلي إن جهلت النّاس عنّا وعنهم ... وليس سواءً عالم وجهول فإنَّ بني الدَّيّان قطب لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول قوله: إذا المرء لم يدنس، هو من باب فرح، والدنس: الوسخ، قال التبريزي: يقول: إذا المرء لم يتدنس باكتساب اللؤم واعتياده، فأيّ ملبس يلبسه بعد ذلك كان جميلًا. وذكر الرداء هنا مستعار. وقد قيل: رداه الله رداء عمله، فجعل كناية عن مكافأة العبد بما يعمله، كما جعله هذا [الشاعر] كناية عن الفعل نفسه، وتحقيقه: فأي عمل عمله بعد تجنب اللؤم كان حسنًا، واللؤم: اسم لخصال تجتمع وهي: البخل، واختيار ما تنفيه المروءة، والصبر على الدنية، وأصله من الالتئام وهو الاجتماع. وكذلك الكرم اسم لخصال تضاد خصال اللؤم.

стр. 1402

قوله: وإن هو لم يحمل .. الخ، أي: لم يصبّرها على مكارهها، وأصل الضيّم: العدول عن الحق، يقال: ضامه ضيمًا، إذا عدل به عم طريق النَّصفة. وقوله: تعيّرنا أنّا قليل .. الخ، يقال: عيّرته كذا، وهو المختار، وقد جاء: عيرته بكذا، يقول: أنكرت منّا قلة عددنا فعدَّته عارًا، فأجبتها: إنَّ الكرام يقلون. واعترف بقلة العدد لا بقلة القدر، ألا تراه جاء بالنفس في البيت الذي يليه، فقال: وما قل من كانت بقاياه مثلنا. وقوله: إنَّ الكرام قليل، يشتمل على معان كثيرة، وهي ولوع الدهر بهم واعتيام الموت إيّاهم، واستقتالهم في الدفع، عن أحسابهم، وكلّ هذه تقلّل العدد. وشباب: مصدر في الأصل وصف به، فلذلك لا يثنَّى ولا يجمع، والكهل الذي وخطه الشيب. وقوله: وما ضرنا، يجوز أن يكون "ما" حرف نفي، والمعنى: لم يضرّ بنا، ويجوز أن يكون اسمًا مستفهمًا به على طريق التقرير، والمعنى: أي شيء، والواو من قوله: "وجارنا عزيز" واو الحال، وكذلك واو "وجار الأكثرين" وإنما صلح الجمع بين الحالين لأنهما لذاتين مختلفين، ولو كانت لذات واحد لم يصلح. وقوله: لنا جبل، يريد به العزّ والسّمو، أي: من دخل في جوارنا امتنع على طلابه. قوله: وإنّا أناس ما نرى القتل سبّة، كان وجه الكلام أن يقول: ما يرون القتل سبّة، لكن لما علم أنَّ المراد بأناس هم، قال: ما نرى، وأقطع منه أنا الَّذي سمّتني أمّي حيدره والوجه: سمّته [حتى لا تعرى الصلة من ضمير الموصول]. وقوله: ما نرى، أي: ما نجعل ذلك مذهبًا، وعامر: هو ابن صعصعة، وسلول: بنو مرة بن صعصعة، أخي عامر بن صعصعة غلبت عليهم أمهم سلول بنت ذهل بن شيبان. وهذا من أحسن ما ورد في الاستطراد من مدح إلى ذمّ. قال ابن جني في "إعراب الحماسة":

стр. 1403

"نرى" في البيت بمعنى: نعتقد، من الرأي والاعتقاد، كقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء/ ١٠٥] وقولهم: فلان يرى رأي الخوارج، أي: يعتقد رأيهم. وهذه متعدية إلى مفعول واحد كقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات/ ١٠٢]. وقال الشاعر: لا بأس بالفارس أن يفرّا ... إذا رأى ذاك وأن يكرَّا أي: إذا اعتقد صواب ذلك، فسبّة: حال لا مفعول ثان، لأنَّ أحد المفعولين في باب علمت لا يحذف، ولو كان رأيت هنا بمعنى علمت، لذكر الثاني في قوله: إذا ما رأته عامر وسلول، ولا يجوز أن يكون بمعنى عرف، لأنها تتعلَّق بالمحسوس. انتهى كلامه باختصار. وقوله: يقرّب حبّ الموت، أي: حبّنا للموت، ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى فاعله، ويكون كقوله: أرى الموت يعتام الكرام ويكون على هذا: وتكرهه آجالهم، محمولًا على أنه إذا كرهت آجالهم الموت، فقد كره الموت آجالهم أيضًا. وروي: "يقصر حبّ الموت" واختاره ليكون القصر بإزاء الطول. وقوله: حتف أنفه، انتصب على الحال، ولم يستعمل منه حتف، ولا هو محتوف، وأوَّل من تكلم بهذه الكلمة النبي ﷺ ، وتحقيقه: كان حتفه بأنفه، أي: بالأنفاس التي خرجت من أنفه عند نزوع الرّوح لا دفعة واحدة، ويقال خصّ الأنف بذلك لأنه من جهته يتقضّى الرمق. وقال أبو عبيد البكري: وأوَّل من نطق بهذا اللفظ: "مات فلان حتف أنفه" رسول الله ﷺ ، فدلَّ على أنَّ الشعر الإسلامي، وقد رواه قوم: "وما مات

стр. 1404

منّا سيّد في فراشه" انتهى. وقوله: تسيل على حد الظباة نفوسنا، وأراد بالنفوس الأرواح، ويقال: الدمّاء، ويقال للدم: نفي، ومنه: نفست المرأة، كأنها دميت. وأعاد الظباة بلفظها دون ضميرها للتفخيم، وإضافة الحدّ إلى الظباة فيها وجهان، أحدهما: أن يكون أراد بالظباة السيوف كلها، ثمَّ أضاف الحدّ إليها، والثاني: من إضافة البعض إلى الكلّ، ويكون التقدير: تسيل على الحدّ من الظباة، وتكون الظباة مضارب السيوف، وإنما تبجح بأن تسيل دماءها على حدّ السيوف لا على غيره؛ لأنَّ الدماء قد تسال بالعصيّ وغيرها، فعدَّ القتل بالسيّف أكرم. وقوله: صفونا .. الخ، أي: صفت أنسابنا، فلم يشبها كدورة، والسرّ هنا: الأصل الجيّد، يقال: إنَّ فلانًا ليضرب في سرّ، أي: في أصل جيّد، وشبه صفاء أنسابهم بصفاء ماء المطر في قوله: ونحن كماء المزن. ويجوز أن يعنى به السخاء، أي: نحن كالغيث ننفع الناس، والكهام: الكليل الحدّ، أي: كل منا نافذ ماض، ولا فينا بخيل فيعدّ، وهذا نفي للبخل رأسًا، وليس يريد أنَّ فيهم بخيلًا يعدّ. وقوله: وننكر إن شئنا .. الخ، وهو مثل قول الآخر: وما يستطيع الناس عقد أنشده ... وننقضه منهم وإن كان مبرما والبيت أورده علماء البلاغة في باب الإطناب، فإنَّ فيه إطنابًا بالنسبة إلى قوله تعالى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء/ ٢٣] ووصفت الآية بالإيجاز بالنسبة إليه. ومثل قوله: إذا سيّد منّا خلا .. البيت، قول حاتم: إذا مات منهم سيّد قام بعده ... نظير له يغني غناه ويخلف وقوله: وأيامنا مشهورة .. الخ، أي: وقائعنا مشهورة في أعدائنا، فهي بين الأيّام كالأفراس الغرّ المحجّلة بين الخيل. وقال: من قراع الدارعين؛ لأنَّ الغرض أن يكون عدوهم على غاية الاحتراز منم، والدارعين أصحاب الدروع [ولا]

стр. 1405

يصرّف منه فعل إنما هو بمعنى النسبة، أي: ذو درع، وفلول: جمع فل -بالفتح- وهو الثلم والكسر، ومعنى: أسيافنا في كل شرق ومغرب، أنهم يبعدون في الغارات في نواحي نجد وتهامة. وقوله: معودة أن لا تسل .. الخ، انتصب على الحال، وعاملها ما يدل عليه قوله: بها من قراع، ويجوز رفعها خبر مبتدأ محذوف، يقول: عوِّدت سيوفنا أن لا تجرد من أغمادنا فترد فيها إلَّا بعد أن يستباح [بها] قبيل، والقبيل: الجماعة من آباء شتى، والقبيلة: الجماعة من أب واحد. وقوله: وليس سواء، هو من شواهد النحويين على جواز تقديم خبر ليس على اسمها. والقطب: الحديد في الطبق الأسفل من الرَّحى، يدور عليه الطبق الأعلى، وبه سمي القطب لما يدور عليه الفلك، وعلى التشبيه قالوا: فلان قطب بني فلان، أي: سيدهم الذين يلوذون به. قال أبو عبيد البكري يريد أنهم أهل حضر وقصور وجنات، وأنهم لا يظعنون في طلب بخعة كما تفعل الأعراب، ومثله قول حسان: سيدهم الذين يلوذون به. قال أبو عبيد البكري يريد أنهم أهل حضر وقصور وجنات، وأنهم لا يظعنون في طلب بخعة كما تفعل الأعراب، ومثله قول حسان: أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل وعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي: شاعر إسلامي، والسموأل: رابعه همزة، بوزن سفرجل، وعادياء: بوزن فاعلاء يمدّ ويقصر، وقيل: هو السّموأل بن غريض بن عادياء، وأمّه غسانية، وأبوه من ولد الكاهن بن هارون بن عمران بن قريظة وقريظة والنضير هما معروفان بالكاهنين، نسبوا إلى جدهم الكاهن بن هارون، والسموأل هو صاحب الحصن المعروف بالأبلق بتيماء، واحتفر فيه بئرًا عذبة، وكانت العرب تنزل به فيضيفها، وتمتار من حصنه، تقيم هناك سوقًا، وبه يضرب المثل في الوفاء، فيقال: "أوفي من السموأل". وبيت السموأل في اليهود بيت شعر، فإنه شاعر وأبوه شاعر، وأخوه شاعر، وكلهم مجيد في الشعر. وقيل: هذه القصيدة لشريح بن السموأل، وقيل: لغير من ذكر، والله أعلم.

стр. 1406

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد الثلاثمائة: (٣٢٢) وكل رفيقي كل رحل وإن هما ... تعاطى القنا قوماهما أخوان على أن كلًا هنا لإضافتها إلى المثنى رجع ضمير الشيء إليه، لأنه بحسب ما يضاف إليه. قال المصنف: هذا البيت من المشكلات لفظًا، وإعرابًا ومعنى. أقول: هذا على حدّ قولهم: "زناه فحدّه" وإنما استشكله لأنه ظنّ "قومًا" مفردًا منونًا، وليس ذلك، وإنما "قوماهما" مثنى قوم مضاف إلى ضمير الرفيقين، وسقطت نونه للإضافة ومنن قال إنه مثنى ابن عصفور في "شرح الجمل" وتبعه في "شرح الجمل" أيضًا أبو بكر محمد بن احمد الأنصاري الإشبيلي الشهير بالخفاف، قال: واسم الجمع نحو: قوم ورهط. وجمع التكثير لا يثنيان إلاَّ في ضرورة أو في نادر كلام، فمثال ما جاء من تثنية اسم الجمع في ضرورة الشعر قوله: وكلّ رفيقي كلّ رحل وإن هما .. البيت ومما جاء من تثنية جمع التكثير قوله: تبقلت من أوّل التّبقّل ... بين رماحي مالك ونهشل انتهى. وقال أبو حيّان في "شرح التسهيل": وأمّا اسم الجمع فإنهم نصوا على أنه لا يجوز تثنيته إلّا في ضرورة شعر، نحو قوله: وكلّ رفيقي كل رحل وإن هما .. البيت وقال الدماميني: أطال المصنف في تقرير ما يزيل الإشكال الذي ادعاه، وكله مبني على ثبوت تنوين قومًا من جهة الرواية، ولعلها ليست كذلك، وإنما هي قوماهما، تثنية قوم، والمثنى مضاف إلى ضمير الرفيقين، ولا إشكال حينئذ، لا لفظًا ولا إعرابًا ولا معنى، إذ المعنى على هذا التقدير: إن كل رفيقين في السفر أخوان، وإن تعادى قوماهما، وتعاطوا المطاعنة بالقنا.

стр. 1407

وقد رأيت في نسخة من "ديوان الفرودق" هذا البيت مضبوط الميم من "قوماهما" بفتحة واحدة، وملكت هذه النسخة في جلدين، وضبط هذا البيت هو الذي كان باعثًا على شرائها، ولله الحمد والمنّة. انتهى. ثمَّ أقول: إنَّ المصنف ليس أبا عذرة هذا التحريف الباعث على الإشكال وهذه التوجيهات، وإنما هذا جميعه لأبي علي الفارسي، فأخذه المصنف من كلامه، وقصّر في عزوه إليه، فإنه لو عزاه إليه لسلم من هذه السبّة، ولكنه استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم، فنقله من طرسه، واستخلصه لنفسه، وأنا أنقل لك كلام أبي علي برمته، قال في "المسائل البغداديات": مسألة: ينشد للفرزدق هذا البيت، وهو: وكل رفيقي كل رحل وإن هما ... تعاطى القنا قوماهما أخوان وفي هذا البيت غير شيء من العربيّة، فمنه قال: تعاطى، وقد تقدمه اثنان، ولم يقل: تعاطيا، فإن قلت: إنه حذف لام الفعل من تعاطى لالتقاء الساكنين، ولم يرده إلى أصله للضرورة، فيقول: تعاطيا، فهو قول، وهذه الضرورة عكس ما في قول امرئ القيس: لها متنتان خظاتا .. لأنّ هذا البيت اللاَّم في موضع وجب حذفها مثل: رمتا؛ لأنّ الحركة للتاء في رمتا غير لازمة، والفرزدق حذفه في موضع وجب إثباته، لأنك تقول: تعاطيا وتراميا، وإن قلت: تعاطى: تفاعل؛ والألف لام الفعل ليست بضمير، وفي الفعل ضمير واحد، لأنّ "هما" وإن كان في اللفظ مثنى، فهو في المعنى كناية عن كثرة، وليس المراد بالتثنية ههنا اثنين فيحمل الكلام عليها، لكنه في المعنى يرجع إلى كلّ، فحملت الضمير على كلّ، فهو قول، ويقوي هذا ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات/ ٩]، ألا ترى أنّ الطائفتين لما كانتا في المعنى جمعًا، لم يرجع الضمير إليها مثنى، لكنّه جمع على المعنى، فكذلك "تعاطى" أفرد على المعنى إذ كان لكلّ، ثمّ حمل بعد الكلام على المعنى، فقال: هما أخوان، فالقول في "هما" أنه مبتدأ في موضع خبر المبتدأ الأول،

стр. 1408

وهو كل، وثناه وإن كان في المعنى جمعًا للدلالة المتقدمة، إذ المراد بهذه التثنية الجمع، ألا ترى أنّ قوله: كل رفيقي كل رحل، جمع، ونظيره قوله "بينهما" بعد ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ فإن قال قائل: إن "هما" يرجع إلى رفيقين على قياس قولهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة/ ٢٣٤] فهو عندنا مخطئ؛ لأنّ الاسم الأوّل يبقى معلقًا بغير شيء، وهذا القول ينتفض في قول من يقول به؛ لأنه عندهم يرتفع بالثاني أو بالراجع إليه، فإذا لم يكن له ثان، كان إيّاه في المعنى، ولم يعدل إليه شيء وجب أن لا يجوز ارتفاعه عندهم. فأمّا قوله: لو أن عصم عمايتين ويذبل ... سمعا حديثك أبدا الأوعالا في الكلام محمول على: لو أنّ عصم عمايتين، وعصم يذبل، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وليس بمحمول على عمايتين، ألا ترى أنّ عمايتين لا يسمعان، وقوله: سمعا في هذا البيت مثل "بينهما" في قوله : ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ والجملة التي هي "هما أخوان" رفع خبر لكلّ، ولا أستحسن أن يكون "هما" فصلًا لو كان المبتدأ والخبر معرفتين، لأّني وجدت علامة ضمير الاثنين يعنى به الجمع في البيت والآية، وفي قول الآخر: إن المنية والحتوف كلاهما ... يوفي المخارم يرقبان سوادي وقوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء/ ٣٠]، ونحو هذا، ولم أجد الاثنين المظهرين يعني بهما الجمع، والكثرة مكثرة علامة الضمير، فإن كان كذلك جعلت "هما" مبتدأ، وجعلت "أخوان" خبره،

стр. 1409

وحملته على لفظ "هما" دون معناه، ولو جعلت "هما" فصلًا، وكان الاسمان معرفتين وما قرب منهما، وجعلت "أخوان" خبر كلّ، لم يمتنع لأنَّ الاثنين المظهرين قد عني بهما الكثرة أيضًا، ألا ترى أنَّ في نفس هذا البيت: وكلّ رفيقي كلّ رجل، ليس الرفيقان باثنين فقط، وإنما يراد بهما الكثرة، فكذلك يراد بأخوان الكثرة، إلاّ أنّ قوله: وكلّ رفيقي، في الحمل على الجمع، أحسن من حمل أخوان على الجمع؛ لأنّ المعنى في قوله: وكل رفيقي كل رحل، كلّ الرفقاء، إذا كانوا رفيقين رفيقين فهما أخوان، وإن تعاطى كلّ واحد مغالبة الآخر؛ لاجتماعهما في السفرة والصحبة. فقول الأوّل في هذا هو الوجه، ومثل هذا قولهم: هذان خير اثنين في النّاس، وهذان أفضل اثنين في العلماء، فيدلك على الاثنين في قولنا: هذان خير اثنين في الناس، والرفيقين في هذا البيت، ما يذهب إليه سيبويه من أنّ المعمى: إذا كان الناس اثنين اثنين، فهذا أفضلهم. وإضافة رفيقين في هذا البيت إلى كل رحل، لو كان المراد بهما اثنين فقط، لكانت هذه الإضافة مستحيلة؛ لأنّ رفيقين اثنين لا يكونان لكل رحل، ففي هذا البيت دليل على أن رفيقين يراد بهما الكثرة. وفيه أنه حملهما على معنى كلّ، وفيه الوجهان اللّذان حملناهما في تعاطى. فأمّا قوله: قومًا، فيحتمل ثلاثة أوجه، أحدهما: أن يكون بدلًا من القنا؛ لأنّ قومهما من سببها وما يتعلق بها، ويحتمل أن يكون مفعولًا له، وكأنه قال: وإن هما تعاطيا القنا للمقاومة، أي: لمقاومة كلّ واحد منهما صاحبه ومغالبته. ويحتمل أن يكون مصدرًا من باب (صنع الله) و (وعد الله) لأنّ تعاطي القنا يدل على مقاومة، فيحمل قومًا على هذا، كما حملت (وعد الله) على ما تقدم في الكلام مما فيه وعد، وينشد، ونراه الرّواية: وكلّ رفيقي كلّ رحل وإن هما ... تعاطى القنا قوماهما أخوان على أنّ "قوماهما" يرتفع بالابتداء. هذا آخر كلام أبي علي برمته. وقد اعترف في آخر كلامه بأنّ الرواية: "قوماهما" على أنه مثنى قوم مضاف إلى ضمير الرفيقين، وكأنه إنما ذكر الوجه الأول، وهو تنوين قومًا، إمّا لأنه رواية ضعيفة عنده، وإمّا ليجعله من مسائل التمرين في الإعراب، ليظهر قوة استحضاره للقواعد ووجوه

стр. 1410

التخريجات، وقد نصّ عليه ابن بري في "شرح أبيات الإيضاح" للفارسي عند شرح قول الشاعر: هما إبلان فيهما ما علمتم قال: ومثل ذلك، أي: مثل إبلان، قول بعض العرب: "وأصلح بين القومين" وقال الرزدق: وكل رفيقي كلّ رحل وإن هما .. البيت والمصنف لشدَّة شغفه بالغرائب لخصّ كلامه منه، ولم يلحظ آخر كلامه. وقول المصنف "قوله: كل رحل، كل هذه زائد" هذا من زيادته على أبي علي، وأقول: حكمه بزيادة "كلّ" مبنيّ على تفسير الرحل بالسفر، وليس كذلك، بل المراد إمّا ما قاله الصّاغاني من أنَّ الرحل للبعير أصغر من القتب، وهو من مراكب الرجال دون النساء، وإمّا ما قاله صاحب "المصباح" من أنَّ رحل الشخص: مأواه في الحضر، ثمَّ أطلق على أمتعة المسافر؛ لأنها هناك مأواه. انتهى. والبدوي لا يكون مأواه في الحضر إلَّا إذا كان مسافرًا؛ لأنَّ دار إقامته البادية. وقد ردَّ الدماميني على المصنف بحمل الرحل على هذا، فقال: لا نسلم زيادتها، فإنَّ العموم الرحل مراد، كما أنه كذلك في الرفيقين، أي: أنَّ كل رفيقين لكل رحل هذا شأنهما، ولو كانت الثانية زائدة لم يحصل العموم في الرحل وهو مطلوب. انتهى. ولم يصب الشمني كالمصنف بقوله: لو لم تكن زائدة لكانت للعموم، وقد أضيف الرفيقان إليها، فيعتذر رفقتهما بعمومها، فيصير المعنى: كل مترافقين في كلّ فرد من أفراد السّفر هما أخوان، وليس ذلك لعدم تناوله المترافقين في سفر واحد أو أكثر، بل ليس بمفيد لعدم تحقيق المترافقين في جميع الأسفار هذا كلامه. والبيت من قصيدة للفرزدق، قال الحرماني: كانت الفرزدق خرج في نفر من

стр. 1411

الكوفة، فلمّا عرَّسوا من آخر الليل عند "الغريين" وعلى بعير لهم شاة مسلوخة كان اجتزرها، ثمَّ أعجله المسير فسار بها، فجاء الذئب فحركها وهي مربوطة على بعير، فذعرت الإبل وجفلت منه، وثار الفرزدق فأبصر الذئب ينهسها، فقطع رجل الشاة فرمى بها إلى الذئب، فأخذها وتنحى، ثمَّ عاد فقطع اليد فرمى بها إليه، فلما أصبح القوم خبّرهم الفرزدق بما كان، وقال فيه: وأطلس عسال وما كان صاحبًا ... دعوت بناري موهنًا فأتاني فلما دنا قلت ادن دونك إنني ... وإياك في زادي لمشتركان فبت أسوي الزاد بيني وبينه ... على ضوء نار مرة ودخان فقلت له لما تكشر ضاحكًا ... وقائم سيفي من يدي بمكان تعش فإن واثقتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما ... أخيَّين كانا أرضعا بلبان ولو غيرنا نبهت تلتمس القرى ... أتاك بسهم أو شباة سنان وكل رفيقي كل رحل وإن هما .. البيت قال شارح ديوانه: الأطلس: الذئب في لونه طلسة، وهي سواد إلى الكدرة، والعسّال: الذي يعسل في مشيه، وهو اهتزازه وتثنيّه، والاسم منه العسلان، يريد أنه نزل فغشى الذئب ناره فقراه، قال أبو جعفر: الذي أعرف أنه قرى الذئب الفرزدق، ومضرّس بن ربعيّ، وعبد الله بن الزّبير الأسدي، وعبد بجيلة. انتهى. وموهنًا، بفتح الميم وكسر الهاء: الساعة التي تكون بعد نصف الليل. وترجمة الفرزدق تقدَّمت في الإنشاد الثاني من أوَّل الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد الثلاثمائة: (٣٢٣) لها متنان خظاتا

стр. 1412

هو بعض بيت من قصيدة لامرئ القيس، وهو: لها متنان خظاتا كما ... أكبّ على ساعديه النَّمر قال ابن جني في "سرّ الصناعة": قال الكسائي: أراد: خظتا، فلمّا حرَّك التاء ردّ الألف التي هي بدل من لام الفعل، لأنها إنما كانت حذفت لسكونها وسكون التّاء فلما حرّك التاء ردّها فقال: خظاتا، ويلزمه على هذا أن يقول في قضتا، وغزتا: قضاتا وغزاتا؛ لأنَّ له أن يقول: إنَّ الشّاعر لمّا اضطرَّ أجرى الحركة المعارضة مجرى الحركة اللزامة في نحو: قولا ومبيعا وخافا. وذهب الفراء إلى أنه أراد خظاتان، فحذف النون كما قال أبو داود الإيادي: ومتنان خظاتان ... كزحلوف من الهضب وقول الكسائيّ عندي أقيس من قول الفرّاء، لأن حذف نون التثنية شيء غير معروف. انتهى. وكذا قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر" والمتن: الظهر، وكذلك المتنة، قال ابن فارس المتنان: مكتنفا الصّلب من العصب واللحم، وخظايا: بالخاء والظّاء المعجمتين، يقال: خظا لحمه يخظو خظوَّا، من باب سما يسمو: إذا اكتنز وصلب، ويأتي خظا وصفًا أيضًا بمعنى مكتنز، يقال: لحم خظا، ولحمة خظاة، كما تقدَّم في بيت أبي داود. وقال ابن قتيبة في كتاب "أبيات المعاني" يقال: لحمه خظا بظا، إذا كان كثير اللحم صلبه، وهو خاظي البضيع، إذا كان كثير اللحم مكتنزة. وقوله: لها متنان خظاتا، فيه قولان، أحدهما: أنه أراد خظاتان، كما قال أبو داود، فحذف نون المثنى. والآخر: أن أراد خظتا، أي: ارتفعنا، فاضطر فزاد ألفًا،

стр. 1413

يقال: متن خظا، ومتنة خظاة. وقوله: "كما أكبّ على ساعديه النمر" أراد: كأنَّ فوق متنها نمرًا باركًا لكثرة لحم المتن. انتهى. ورأيت قولًا ثالثًا نسبة جماعة إلى المبرد، ولا أجزم بصدقه، وهو أن يكون خظاتا مثنى حذفت نونه للإضافة إلى "كما" بضم الكاف، على أنه ضمير تثنية وقع مضافًا إليه، وهذا خلاف الرواية، فإنها بفتح الكاف، وهي حرف تشبيه، وما مصدريّة. قال ياقوت الحموي في ترجمة أبي العباس أحمد بن يحيى النحوي الشهير بثعلب من كتاب "معجم الأدباء" قال أبو العباس: دخلت على محمّد بن عبد الله بن طاهر، فإذا عنده المبرد وجماعته من أصحابه وكتابه، وكان محمّد بن عيسى وصفني له، فلما قعدت قال لي محمد بن عبد الله: ما تقول في قول امرئ القيس: لها متنان خظاتا كما .. البيت؟ فقلت: أمّا غريب البيت، فإنه يقال: لحم خظا بظا: إذا كان صلبًا مكتنزًا، ووصف فرسًا. وقوله: أكبّ على ساعديه النمر، أي: في صلابة ساعد النمر إذا اعتمد على يده، والمتن: الطريقة الممتدة من عن يمين الصلب وشماله. وما فيه من العربية أنه خظتا، فلما تحركت التاء أعاد الألف من أجل الحركة والفتحة. قال: فأقبل بوجهه على محمد بن يزيد، فقال له: أعزَّك الله، إنما أراد في خظاتا الإضافة، أضاف خظاتا إلى كما. قال [ثعلب]: فقلت له: ما قال هذا أحد! قال محمد بن يزيد: بلى سيبويه يقوله، [فقال ثعلب]: فقلت لمحمد بن عبد الله: لا والله ما قال هذا سيبويه، وهذا كتابه فليحضر. ثم أقبلت على محمد بن عبد الله وقلت: ما حاجتنا إلى كتاب سيبويه؟ أيقال: مررت بالزيدين ظريفي عمرو، فيضاف نعت الشيء إلى غيره؟ فقال محمّد لصحة طبعه: لا والله ما يقال هذا، ونظر إلى محمد بن يزيد، فأمسك ولم يقل شيئًا، وقمت ونهض المجلس. قال عبد الله الفقير: لا أدري لم

стр. 1414

لا يجز هذا، وما أظن أحدًا ينكر قول القائل: رأيت الفرسين مركوبي زيد، ولا: الغلامين عبدي عمرو، ولا: الثوبين درّاعتي زيد، مثله: مررت بالزيدين ظريفي عمرو، فيكون مضافًا إلى عمرو، وهو صفة لزيد، وهذا ظاهر لكل متأمل. هذا آخر كلام ياقوت. وكذا نقل هذه الحكاية أبو الحسن علي بن محمّد الملقب علم الديّن السخاوي في كتاب "سفر السّعادة" ولم يعقبها بما أعقبه ياقوت من صحة الوصف في المثال. ونقلها السيوطي أيضًا في "الأشباه والنظائر" عن "طبقات [النحويين] " لأبي بكر الزيدي عن أبي عمر الزاهد غلام ثعلب وفي آخرها: قال الزبيدي: القول ما قال المبرد، وإنما سكت لما رأى من بله القوم، وقلة معرفتهم، وقوله: مررت بالزيدين ظريفي عمرو، جائز جدًا. انتهى. وأقول: صحة هذا المثال ونحوه لا شبهة فيه، لكن الكلام في بيت امرئ القيس كان ينبغي الاستناد فيه إلى الرواية، ولم نر من قال إنه روي بضم الكاف، والله أعلم. على أنَّ معنى الإضافة ركيك، سواء فتحت الكاف أو ضممتها، فليتأمل. والبيت من قصيدة له يأتي مطلعها في بحث "لا" وبيت آخر منها يأتي في الباب الرابع، وبيت آخر في وصف فرسه من جملة أبيات فيها في آخر الباب الرّابع إن شاء الله نشرحها هناك مع البيت الشاهد هنا. وضمير "لها" راجع للفرس. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع. وكون هذه القصيدة لامرئ القيس هو الصحيح عند المفضل وأبي عمرو الشيباني وغيرهما. وزعم أبو عمرو بن العلاء والأصمعي وأبو حاتم أنها لرجل من النمر بن قاسط، يقال له ربيعة بن جشم النمري، والله أعلم.

стр. 1415

وأنشد بعده: وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والستين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد الثلاثمائة: (٣٢٤) وكل مصيبات الزَّمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب على أنه قد روي أيضًا: "وكل مصيبات تصب" فتكون "كلّ" مضافة إلى نكرة، وفيه يكون الشاهد، فكان ينبغي كما قال الدماميني أن ينشد البيت أولًا على الوجه الذي يكون به شاهدًا على المقصود، ثمَّ يقول: ويروى: "وكل مصيبات الزَّمان" وليس نجن فيه، إذ المطلوب بالذات إيراد الشاهد على الحكم المذكور، فأمّا إفادة أنَّ البيت روي على وجه لا يتأتى معه الاستشهاد على ذلك، فأمر غير مقصود بالذات، والخطب: سبب الأمر، يقال: ما خطبك؟ أي: ما سبب الأمر الذي أنت فيه، وسوى: مستثنى مقدَّم على المستثنى منه، وهو قوله: هيّنة الخطب، فهو منصوب بفتحة مقدرة على الألف. والبيت من قصيدة لقيس بن ذريح، أورد منها أبو تمام في باب النسيب من "الحماسة" ثلاثة أبيات، أورد بعد ذلك البيت: وقلت لقلبي حين لج به الهوى ... وكلَّفني ما لا أطيق من الحبِّ ألا أيها القلب الذي قاده الهوى ... أفق لا أقرّ الله عينك من قلب وأخرج صاحب "الأغاني" عن محمد بن معن الغفاري عن أبيه، عن عجوز لهم يقال لها جمال بنت أبي مسافر، قال: جاورت آل ذريح بقطيع من الإبل،

стр. 1416

فيه الرائمة [ذات] البوّ، والحائل، والمتبع، قال: فكان قيس بن ذريح بنظر إلى شرف من ذلك القطيع، وينظر إلى ما يلقين فيتعجّب، فقلما لبث حتى عزم عليه أبوه بطلاق لبنى، فكاد يموت، ثمَّ آلى أبوه ليخلعنَّ قيسًا، فظعنت فقال: أيا كبدي طارت صدوعًا نوافذًا ... ويا حسرتي ماذا تغلغل في القلب فأقسم ما عمش العيون شوارف ... روائم بوّ حائمات على سقب يشمّمنه لو يستطعن ارتشفنه ... إذا سفنه يزددن نكبًا على نكب رممن فما تنحاش منهن شارف ... وحالفن حبسًا في المحول وفي الجدب بأوجد مني يوم ولّت حمولها ... وقد طلعت أولى الرِّكاب من النَّقب وكل ملمّات الدّهور وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هيّنة الخطب انتهى. وأورد ثعلب في أوّل الجزء السادس من "أماليه" هذه الحكاية والأبيات، وزاد بيتين آخرين بعد البيت الأخير. وقيس بن ذريح، بفتح الذّال المعجمة والراء والحاء مهملتان، وينتهي نسبه إلى كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، قال صاحب "الأغاني": وقيس أمّه بنت شبّة بن الكاهل بن عمرو الخزاعي، وهو رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵉، أرضعته أمّ قيس، وكان منزل قومه في ظاهر المدينة، وكان هو وأبوه من حاضرة المدينة، ومرّ قيس يومًا لبعض حاجته بخيام بني كعب بن خزاعة والحي خلوف، فوقف على خيمة لبنى بنت الحباب الكعبية، فاستقى ماء فسقته،

стр. 1417

وخرجت إليه وكانت امرأة مديدة القامة، شهلاء حلوة المنظر والكلام، فلمّا رآها وقعت في نفسه، وشرب الماء، وقالت له: أتنزل فتبرّد عندنا؟ قال: نعم، فنزل، وجاء أبوها فنجر له وأكرمه، فانصرف قيس وفي قلبه لبنى حرّ لا يطفأ فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع وروى، ثمّ أتاها يومًا آخر، وقد اشتد وجده بها، فسلّم وظهرت له وردت سلامه، فشكا إليها ما يجد من حبّها، فبكت وشكت إليه مثل ذلك، وعرف كلّ واحد منهما ما له عند صاحبه، وانصرف إلى أبيه فأعلمه حاله، وسأله أن يزوجه إياها، فأبى عليه وقال: يا بنيَّ، عليك بإحدى بنات عنك، فهي أحق بك. وكان ذريح كثير المال موسرًا، فأحبَّ أن لا يخرج ابنه إلى غريبة. فانصرف قيس وقد ساءه ما خاطبه به أبوه. فأتى أمه فشكا ذلك إليها، واستعان بها على أبيه، فلم يجد عندها ما يجبّ، فأتى الحسين بن علي، ﵉، وابن أبي عتيق، وكان صديقه، فشكا إليهما ما به ما ردَّ عليه أبواه، فقال له الحسين: أنا أكفيك، فمشى معه إلى أبي لبنى، فلمّا بصر به أعظمه ووثب إليه، وقال: يا ابن رسول الله ما جاء بك؟ هذاّ بعثت إليَّ فآتيك؟ قال: إنَّ الذي جئت فيه يوجب قصدك، قد جئتك خاطبًا ابنتك لقيس بن ذريح، فقال: يابن رسول الله، ما كنّا لنعصي لك أمرًا، وما بنا عن الفتى رغبة، ولكن أحب الأمرين إلينا أن يخطبها ذريح أبوه عليه، وأن يكون ذلك عن أمره، فإنّا نخاف إن لم يسع أبوه في هذا أن يكون عارًا وسبة علينا، فأتى الحسين بن علي، ﵉، ذريحًا وقومه وهم مجتمعون، فقاموا إليه إعظامًا له، وقالوا مثل قول الخزاعيين، فقال لذريح: أقسمت عليم إلاَّ خطبت لبنى على قيس، قال: السّمع والطّاعة لأمرك، فخرج معه في وجوه قومه، حتى أتوا حي لبنى، فخطبها ذريح على ابنه إلى أبيها، فزوجه إيّاها، وزُفت إليه بعد ذلك، فأقام معها مدة؛ وكان أبرَّ الناس بأمه، فألهته لبنى عن بعض ذلك، فوجدت أمّه في نفسها، وقالت: لقد شغلت هذه المرأة ابني عن بري، ولم تر للكلام في ذلك موضعًا، حتى مرض قيس مرضًا شديدًا، فلما برأ

стр. 1418

قالت أمه لأبيه: لقد خشيت أن يموت قيس ولم يترك خلفًا، وقد حرم الولد من هذه المرأة، وأنت ذو مال، فيصير مالك إلى الكلالة، فزوَّجه بغيرها، لعلّ الله أن يرزقه ولدًا، وألحت عليه، فأمهل قيسًا حتى إذا اجتمع قومه دعاه، وقال له: يا قيس إنك اعتللت هذه العلة، فخفت عليك ولا ولد [لك، ولا] لي سواك، وهذه المرأة ليست بولود، فتزوج إحدى بنات عمك، ولعلَّ الله أن يهب لك ولدًا. فقال قيس: لست متزوجًا غيرها أبدًا، فقال أبوه: [فإن] في مالي سعة، فتسرَّ بالإماء. قال: ولا أسوؤها بشيء - والله- أبدًا. قال أبوه: فإني أقسم عليك إلّا طلقتها، فأبى وقال: الموت عندي والله أسهل من ذلك، ولكني أخيّرك خصلة من [ثلاث] خصال، قال: وما هي؟ قال: تتزوج أنت، فلعلَّ أن يرزقك ولدًا غيري. قال: ما فيَّ فضل لذلك. قال: فدعني أترحَّل عنك بأهلي، واصنع ما كنت صانعًا لو متّ في علتي هذه، قال: ولا هذه، قال: فأدع لبنى عندك، وأرتحل عنك، فلعلي أسلوها، فأبى وقال: لا أرضى حتى تطلقها، وحلف أن لا يكنّه سقف أبدًا حتى يطلق لبنى، فكان يخرج فيقف في حر الشمس، فيجيء قيس فيقف إلى جانبه فيظله بردائه، ويصلى هـ بحرّ الشمس حتى يفيء الفيء، فينصرف عنه ويدخل إلى لبنى فيعانقها، ويبكي وتبكي معه وتقول له: يا قيس لا تطع أباك فتهلك وتهلكني، فقال: ما كنت لأطيع فيك أحدًا. فيقال: إنه مكث سنة ثمَّ طلقها، فلما بانت استطير عقله، ولحقه مثل الجنون، وقال فيها أشعارًا كثيرة إلى أن مات، رحمه الله تعالى. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد الثلاثمائة: (٣٢٥) جادت عليه كل عين ثرَّة ... فتر كن كلَّ حديقة كالدِّرهم على انّ أبان حيان ردّ على ابن مالك بهذا البيت على ما زعمه من وجوب مراعاة معنى "كل" بحسب ما تضاف إليه، وابن مالك قال هذا في باب الإضافة من "التسهيل"

стр. 1419

ثمَّ في باب التوكيد، قال: ويتعين اعتبار المعنى فيما له من ضمير وغيره إن أضيف إلى نكرة، وإن أضيف إلى معرفة فوجهان، قال أبو حيان في "شرحه" وينقض هذا الذي قعدوه قول عنترة: جادت عليه كلّ عين ثرّة .. البيت فلو كان على ما قالوه لكان التركيب: فتركت، اعتبارًا بما أضيف إليه من النكرة، فعلى بيت عنترة يجوز: كلّ رجل فاضل مكرمون. انتهى. وقول المصنف: والذي يظهر خلاف قولهما .. الخ، خلاف التحقيق، والتحقيق ما قاله تقي الدين السّبكي في "رسالة كلّ" بعد أن نقل كلام أبي حيّان، قلت: وما ذكروه لا ينتقض بذلك، ولا يلزم على بيت عنترة جواز التركيب الذي ذكره، لأنَّ الضمير في بيت عنترة يعود على العيون التي دلَّ عليها قوله: كلّ عين ثرة، ولا يعود على عين، وإذا كان كذلك لم يحص نقض ما قالوه، لأنم إنما تكلموا في عود الضمير على كلّ، وإنما يتعين ذلك إذا كان في جملتها، إمّا في جملة أخرى فيجوز عود الضمير لها وعلى غيرها، وإنما أعاد عنترة الضمير على العيون ولم يعده على كل عين، لأنه لو أعاده على كلّ عين وقال: فتركت، كان الترك منصوبًا لكلّ واحدة، وليس كذلك فأعاده على العيون ليعلم أن ترك كلّ حديقة كالدرهم ناش عن مجموع العيون، لا على كلّ واحدة، ونظير هذا أن تقول: جاد عليّ كلّ غنيّ فأغنوني، إذا حصل من مجموعهم، فإن حصل الغنى من كلّ واحد، جاز أن تقول: فأغناني، وبها تبين أنه لا يلزم على بيت عنترة: كلّ رجل فاضل مكرمون، لأنَّ هذه جملة واحدة، و"كلّ رجل" مبتدأ مفرد لا يخبر عنه بجمع، فكيف يقاس على ما هو من جملة أخرى لا يتعين فيها العود على المبتدأ؟ بل نظيره ما قلناه: جاد عليّ على كل عني فأغنوني. فإن قيل: "كلّ رجل" مفرد في اللفظ، ومعناه جمع، فيجوز الإخبار عنه بالجمع، قلت: معناه مفرد أيضًا؛ لأنّ معناه: كل فرد، وكلّ فرد كيف يكون جمعًا؟ ! ويبين لك هذا أنك إذا قلت:

стр. 1420

كل رجلين، وراعيت المعنى تقول: قائمان، ولو كان المعنى جمعًا لما جاز: قائمان لا عل اللفظ ولا على المعنى، وقد نطقت العرب على التثنية، بل لم تنطق به إلّا على التثنية، وإذا كان معنى كلّ رجل مفردًا، كان قولنا: كل رجل مكرمون مخالفًا للفظ والمعنى، فلا يجوز، ونظير بيت عنترة قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية/ ٧ - ٩]، وقد قال شيخنا أبو حيّان في "تفسير": إنه مما روعي فيه المعنى بعد اللفظ. وليس كذلك، بل ما قلناه، وقد ظهر لك بهذا أنّ معنى العموم في "كلّ" قائم والقائم والذي قام ثبوت الحكم لكل فرد سواء ثبت مع ذلك للمجموع أم لا، فموضوعة الدلالة على كلّ من المفردات، وتارة يكون الحكم مع ذلك للمجموع، كقولنا: كل مسكر حرام، كل كلب يمتنع بيعه. وهذا الحكم ثابت للمجموع، كقولك: كل رجل يشبعه رغيف. وذكر بعض الأصوليين في مثال ما يكون الحكم للمجموع دون الأفراد: كل رجل يشيل الصخرة العظيمة، وينبغي أن يمتنع هذا التركيب، ولا يصح أن يقال: كل رجل يشيل، ولا يشيلون، أمّا الأول فلاقتضائه أن كل فرد يشيلها، وليس كذلك. وأمّا الثاني فلما تقدم أنّ العرب التزمت عنه الإخبار بالمفرد؛ لأنّ الحكم على الأفراد لا على المجموع، هذا مدلول "كل" في لسان العرب، فإن قلت: قد قال تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ﴾ [الحج/ ٢٧]، قلت: إن جعلنا يأتين مستأنفة، فالكلام فيه كالكلام في بيت عنترة، وإن جعلناها صفة فالمعنى: على كلّ نوع من المركوب ضامر من الإبل وغيرها، لأنّ قبله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج/ ٢٧] ومعلوم أنّ جميع النّاس لا يأتون على كل فرد، وأيضًا بعده ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ وكلّ فرد لا يأتي من كلّ فجّ، فكان ما بعده وما قبله دليلًا على إرادة الكثرة، والكثرة بتقدير الموصوف كما ذكرناه ظاهرة، وحينئذ يكون قوله: ﴿يَأْتِينَ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم/ ٣٢]، ولو لم

стр. 1421

نقدر الموصوف كما ذكرناه، وقدرناه: على كلّ ناقة ضامر، ولا شك أن المراد الجمع بالقرينة التي ذكرناها قبل وبعد، ونجن لا نمنع استعمال "كلّ" في الجمع مجازًا، وإنما كلامنا في أصل الوضع على أنا لا نسلم المذكور، إلاَّ إن ورد في لسان العرب ما يشهد له، وقد قال الشاعر: من كلّ كوماء كثيرات الوبر وهو مثل قوله: الدرهم البيض، ثم هذه الأمثلة كلّها في الصفة، ولم يسمع في الخبر: كل رجل قائمون، فإن ألحق بالصّفة فبالقياس لا بالسّماع، ولو سمع لكنّا نقول: إنّ لها معنيين، أحدهما: كلّ فرد، والثاني: المجموع، فيفرد باعتبار الأول، ويجمع باعتبار الثاني، لكن ذلك لم يسمع. إلى هنا كلام السبكي، وهو تحقيق حقيق بالقبول. والبيت من معلقة عنترة وقبله: وكأنّ فأرة تاجر بقسيمة ... سبقت عوارضها إليك من الفم أو روضة أنفًا تضمّن نبتها ... غيث قليل الدّمن ليس بمعلم جادت عليها كل عين ثرّة .. البيت مدح محبوبته عبلة بطيب النكهة، فشبّه رائحة فمها برائحة المسك، أو برائحة روضة جادها السحاب. والفأرة بالفاء، قال الدينوري في "كتاب النبات": الفأر: جمع فأرة، وهي فأر المسك، وهي نوافجه التي يكون المسك فيها، شبّهت بالفأر وليست بفأر، إنما هي سرر ظباء المسك، وهي مهموزة، وكذلك الفأر كلّه مهموز. انتهى. وقال الزوزني في "شرح المعلقات" أراد بالتّاجر العطّار، وسميت

стр. 1422

فأرة المسك فأرة لأنّ الروائح الطيبة تفور منها، والأصل: فأرة، بالهمز فخفف. وقال أبو جعفر النحّاس أيضًا في شرحها: إنما خصّ فارة التاجر لأنه لا يتربص بالمسك، إذ كان يتغير، فمسكه أجود. وفارة المسك غير مهموزة، لأنها من فار يفور، والفأرة المعروفة مهموزة. هذا كلامه، والقسيمة بفتح القاف: جونة العطّار، بضم الجيم، وقيل: سوق المسك، وقيل: العير التي تحمل المسك، والباء على القولين الأولين بمعنى في، وعلى الثالث بمعنى مع، وجملة: "سبقت" الخ: خبر كأنَّ، أي: سبقت نكهة الفارة عوارضها إليك، والعارض: ما بعد الناب من الأسنان، وقيل: الناب نفسه، يقول: إذا أهويت إليها لتقبلها انتشر من فمها رائجة طيبة كالمسك، وسبقت عوارضها إلى أنفك، وقال الزوزني: شبّه طيب نكهتها بطيب ريح المسك، أي: يسبق نكهتها الطيبة عوارضها إذا زمّت نفسها. وقوله: أو روضة، بالنصب، معطوف على فارة، وقال أبو جعفر النحاس، والخطيب التبريزي: ويجوز فيه الرفع عطفًا على المضمر الذي في سبقت، وحسن العطف على المضمر المرفوع لأنّ الكلام قد طال، ألا ترى أنّك لو قلت: ضربت زيدًا وعمرو، فعطفت عمرًا على التّاء، كان حسنًا لطول الكلام؟ انتهى. وعلى الأول تكون روضة مشاركة لفارة تاجر في الخبر، أعني في قوله: سبقت. قال الدينوري: إذا كان القاع الحرّ، أي الخالص في الرّمل، تنصبّ إليه سيول الأمطار فترويه، وحينئذ يستروض القاع، ويكثر نباته، وتشرب عروقه مما تشرب القاع من مياه السيول، وليست روضة إلاّ لها احتقان، واحتقانها أنّ جوانبها تشرف على سرارها، وسرارها: قرارتها حيث يستقرّ الماء، وأكرم سرارتها حديقتها، وهي حيث سقى آخر الماء، فذاك أكرمها وأكثرها نبتًا، وأطولها بقاء نبات، ولذلك قال الأصمعي: لا تكون الروضة إلاّ مستديرة، وكذا الحديقة، وكذا وصفها عنترة فقال: جادت عليها كلّ عين ثرّة البيت ..

стр. 1423

يعني في الاستدارة، وكذلك قال الفراء، والثرة: الواسعة مخرج الماء، والعين: من السّحاب، ولا يكون في الروض شجر، فإن كان فليست بروضة، والروضة قد تكون ضابطة لمائها لا يجاوزها، وقد تدفع فضول الماء إلى غيرها من الرّياض والأودية، وقد يستحسن رياض القفاف والحزون وغلظ الأرض، وإن كانت البطون والسهول أكثر نباتًا وأطول وأبقى خضرة، وأبطأ هيجًا، قال الأعشى: ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل قال أبو مجيب الربعي: الحزن: حزن نبي يربوع، وهو قف غليظ مسير ثلاث ليال في مثلها، وهي بعيدة من المياه، فليس ترعاها الشاء ولا الحمر، فليس فيها دمن ولا أوراث، وفي معنى قول أبي مجيب قول عنترة: أو روضة أنفًا تضمّن نبتها .. البيت وقد أكثر الشعراء في اختيار بعد الرّياض عن محالّ النّاس إرادة حسنها، ونفي الخبث عنها، ووفور عشبها. إلى هنا كلام الدينوري باختصار، فإنه قد أطنب الكلام في شرح الرّوضة في مقدار الكراريس. والأنف، بضم الألف والنون: التام من كلّ شيء، والغيث: المطر، والدمن، بكسر الدّال وسكون الميم: واحدها دمنة، وهو ما بقي من الآثار، كالبعر وما أشبهه، والمعلم كجعفر: المكان المشهور، قاله الأعلم في شرحه. وقال أبو جعفر النحاس، والخطيب التبريزي: معلم وعلم، بفتحتين، هما العلامة، أي: ليس بمشهور موضعها، فهو أحسن لنبتها وأتمّ له، فإنّ الروضة إذا كان موضعها معروفًا، قصدها النّاس للرعي، فيؤثرون فيها ويرسخونها وتداس وتدمّن. شبه رائحة فمها بريح روضة كاملة النبت، وجعل ما أصاب نبتها من الغيث قليل الدمن، أي لم يصادف فيها دمنًا لبعدها عن النّاس. وقوله: جادت عليها .. الخ، هذه الجملة صفة أخرى لروضة، وجادت: أمطرت مطرًا جودًا –بفتح الجيم- وهو الغزير، وكل: فاعل جادت، واكتسبت

стр. 1424

التأنيث من المضاف إليه، والعين هنا: مطر أيام لا يقلع، قاله الزوزني، وزاد الأعلم: ويقال: العين: ما نشأ من قبل القبلة من السّحاب، والثرة، بفتح المثلثة وتشديد الرّاء: الغزير. وروى النحاس وغيره: "جادت عليه كلّ بكر حرّة، وقال: البكر، بكسر الموحدة: السحابة في أول الريع التي لم تُمطر، والحرّة: البيضاء وقيل: الخالصة، وحرّ كلّ شيء: خالصه. قال إلاَّعلم: الحديقة مثل البستان يستقر فيه الماء، وهي الرّوضة. وقوله: كالدرهم، شبّه بياض الما، واستدارته حيّن امتلأت الحديقة منه بالدّرهم. وروي "كلّ قرارة" بفتح القاف، وهو الموضع المطمئن من إلاَّرض يجتمع فيه السيل، فكان القرارة مستقرّ السيلّ. وترجمة عنّترة بن شدّاد العبسي تقدَّمت في الإنشاد السابع والسبعين بعد المائتين. ويعد هذا البيت: سحّا وتساكبا فكلّ عشَّية ... يجري عليها الما، لم يتصرَّم فترى الذّباب بها يغني وحده ... هزجا كفعل الشّارب المترنم غردًا يسن ذراعه بذراعه ... فعل المكبَّ على الزَّناد إلاَّجذم السح: الصبّ الشديد، والتسكاب مثله، وكلّ: منصوب على الظرف، والعشية: ما بعد الظهر إلى نصف الليل، ولم يتصرم: لم ينقطع، ونصب سحًا بجادت: لأنَّ معناه: سحّت وسكبت، وخصّ مطر العشي لانه أغزر، وقيل: لانه أراد الصّيف، وأكثر مطره بالعشي، والصيف عند العرب هو الَّذي تدعوه العامة الربيع. وقوله: فتّرى الذباب بها .. الخ، يصف انها روضة كثيرة العُشب محصبة مكتهلة النبت، فالذباب يألفها ويغنّي بها، والهزج، بكسر الزاء: المتتابع الصوت، شبه غنا، الذباب بغناء الشارب، والمترنم: الَّذي يترنم بالغناء، أي: يمدّ صوته ويرجعه، وروي أيضًا: "وخلا الذّباب بها فليسّ ببارح غّردًا. وبارح:

стр. 1425

زائل، وغرد: وصف من غرد يغرد، من باب فرح، ويقال أيضًا: غرّد تغريدًا، أي: طرّب وغنّى، وقوله: غردًا يسنُّ .. إلخ، أي: يحدد، ومنه: سنّ السكين: إذا حدّدها، وسنّ الثوب: إذا صقله، وأراد بالزناد: الزند، وهو العود إلاَّعلى، والزندة: العود إلاَّسفل، وإلاَّجذم، بالجيم والذال المعجمة: وصف المكب، وهو المقطوع الكف، والمكب: اسم فاعل من أكب على الشيء إذا أقبل عليه. شبه الذباب الَّذي يحك إحدى ذراعيه بالأخرى برجل مقطوع الكفين، يوري زنادًا، فهو يمره بين ذراعيه، إذ لم تكن له كفإنَّ يمره بينهما، قالوا: هذا من عجيب التشبيه، ولم يقل أحد مثله في معناه. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد الثلاثمَّائة: (٣٢٦) منْ كلّ كوماء كثيرات الوبر على انه جمع الضمير في كثيرات مع إرادة الحكم على كلّ واحد. وتقدَّم عن السبكي إنَّ هذا بطريق المجاز لا الوضع الأصليّ، وقال إنَّ وحيّي: هذا مصراع من الرّجز التام، أو بيت تامّ من مشطوره. والمصنف كانه قال على ما قبله وما بعده، وعلم إنَّ المراد نسبة الحكم إلى كلّ واحد، مثل: كلّ رجل يشبعه رغيف، وفي لفظ "من" دلالة عليه، ولكن ضعيفة لا يعولّ عليها. انتهى. والكوماء، بفتح الكاف والمدّ: الناقة العظيمة السنام، والوبر- بفتحدين-للبعير كالصوف للغم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد الثلاثمَّائة: (٣٢٧) وما كلّ ذي لبًّ بمؤتيك نصحه ... وما كلّ مؤت نصحه بلبيب على إنَّ أبن عصفور أجاز فيه إنَّ يكون من قبيل: "من كلّ كوماء كثيرات الوبر" ويكون مؤتيك أصله: مؤتين إيّاك، فلما أضيف إلى الضمير حذفت نونه. والحمل

стр. 1426

على هذا ممنوع، فانه لم يأت ذلك عن العرب إلاَّ في بيت "كوماء" وهو نادر، ولا يخرّج على النادر من غير ضرورة تلجيء إليه، مع انه غير متبادر إلى الذّهن. وقال الدمامبي: الحمل على هذا عند وجود مندوحة خلاف الأولى، لا سيما وقد تأيد الأفراد بقوله: نصحه، وبقوله: وما كلّ مؤت، فأفرد أيضًا، فحمل الأول على الأمر الكثير معتضد بالكثرة، وبمناسبة الصدر للعجز، فكيف يعدل عن ذلك مع عدم الملجيء إليه. انتهى. والبيت وهو من شواهد سيبويه، أورده في آخر "الكتاب" في باب الأدغام في الحرّفين، وهو من أبيات لأبي الأسود الدؤلي. أخرج صاحب "الأغاني" عن ابن عيّاش قال: خطب أبو الأسود امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء بنت زياد [ابن غنيم، فأسر أمرها إلى صديق له من الأزد يقال له: الهيثمَّ بن زياد]، فحدّث به ابن عمّ لها كان يخطبها، وكان لها مال عند أهلها، فمشى ابن عمها الخاطب لها إلى أهله الَّذين ما لهما في أيديهم، فأخبرهم خبر أبي الأسود، وسألهم إنَّ يمنعوها من نكاحه ومن مالها الَّذي في أيديهم، ففعلوا ذلك، وضارّوها حى تزوجت ابن عمها، فقال أبو الأسود في ذلك: أمِنتُ أمرأ في السرّ لم يك حازمًا ... ولكنه في النصح غيرُ مُرِيب أذاع به في النّاس حتى كانه ... بعلياءَ نارٌ أُوقدتْ بثَقُوب وكنتَ متى لم تَرْعَ سرَّك تلتبسْ ... قوارعُه من مخطيء ومُصيب فما كلّ ذي نصح بمؤتيك نُصحَه ... وما كلّ مؤتٍ نصحَه بلبيب ولكن إذا ما استجمعا عند واحدٍ ... فحُقَّ له من طاعةٍ بنصِيبِ وقوله: أذاع به .. البيت، استشهد به صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: ﴿أذاعوا به﴾ [النساء/٨٣]، على إنَّ الإذاعة تتعدى بالباء، كما تتعدَّى بنفسه،

стр. 1427

ونار: خبر كانه، وبعلياء: متعلّق بأوقدت، بالبناء للمفعول، وكذلك بثقوب متعلق به، إلاَّ إنَّ الباء الأولى بمعنى في، والثانية للملابسة، وعلياء، بالفتح والمد: اسم موضع من العلوّ، والثقوب، كالوقود وزنًا ومعنى، وهو اسم ما تثقب به النّار، أي: توقد، والقوارع: الدواهي، جمع قارعة، واللبّ، بالضم: العقل، ومؤتيك: معطيك من آتاه، بالمد، أي: أعطاه، ونصحه: مفعوله الثاني، وحذف المفعول الأول من الثاني. وأبو الأسود الدؤلي: اسمه ظالم بن عمرو بن سفيإنَّ، الدؤلي، بضمّ الدال وفتح الهمزة، وهو تابعي أسلم في حيّا ة النبيّ، ﷺ ، وولي قضا، البصرة، وكان ممّن قاتل مع علي يوم الجمل، وكان من وجوه شيعته، ومن أكملهم رأيًا وعقلًا، وتوفي في الطاعون الجارف سنة تسع وستين وله خمس وثمَّإنَّون سنة. قال الجاحظ: أبو الأسود معدود في طبقات من الناس، فيها كلّها مقدم ومأثور عنه الفضل في جميعها، كان معدودًا في التابعين والفقهاء، والمحدثين والشعراء والأشراف، والفرسان والأمراء، والدهاة والنحويين، والحاضرين الجواب، والشيعة والبخلاء. وهو واضع علم النحو بتعليم أمير المؤمنين علي، ﵁، قال صاحب كتاب "التفسح في متثور اللغة ومنظومها": ولما نظر علي بن أبي طالب ﵁، إنَّ الطبائع قد اختلَّت بملابسة العجم، وإلى إلاَّلسن قد بدأت في طرقات السقم، ألقى إلى أبي الأسود حرّوفًا من العربية، يطارح بهنّ الحسن والحسين، فكانت كأعظم النعم والمنن، فتفسح فيها واتّسع، ونفع بها وإنَّتفع، وبإنَّ بها زيغ أهل البدع. ثمَّ أخذه أبي الأسود يحيّى بن يعمر، وبعده ابن أبي إسحاق، فأنتفع بعلمها أهل العراق، لمدافعتهم من لبَّس تأويل القراءن بالنفاق، وبثَّ أغاليطه في الأفاق. وكان يحيّى بن يعمر عدوانيًا، وابن أبي إسحاق حضرميًا، وكانا بموضع من الأعراب والفصاحة والبيان، فهما نشرا معالم العربية، فبرع فيها أبو عمرو بن العلاء، والجليل

стр. 1428

ومن تابعهما، وهما إمامان في النحو ودقائق مسالكه، وأما الخليل فأخذ النحو من عيسى بن عمر الثقفي، واستخرج منه ما لم يسبق إليه، لدقة فطنته وحدة ذهنه وصحيّح قياسه، والكسائي طرأ إليهم وأخذ عنهم، وسمع من العرب، فكان بما حمل عنهم أوثق به مما سمع، وأما المازني فأخذ من أبي عمر الجرمي النحو، فبرع فيه على نظرائه، وكان الجرميّ أغوص وأجود استخراجًا، كان سيبويه عمرو بن عثمَّإنَّ أكثر من إلاَّخفش فطنة وعلمًا، فضرب به المثل، فقيل: أطال علينا في الخطاب كانه خليل وعمرو في البلاغة والنحو، ثمَّ فتح للأخفش بعده بالحنكة، والسنّ من قياسات النحو، والتفقه في مذاهبه، ما فاق به كلّ ناظر فيه وطالب له من أهل العراقين. انتهى باختصار. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد الثلاثمَّائة: (٣٢٨) إخوتي لَا تبعدوا أبدا ... وبلى وَالله قد بعدو كلّ مَا حيّ وَإنَّ أمروا ... واردو الْحَوْض الَّذي وردوا على إنَّ قولها: امروا، يحتمل إنَّ يكون من إلاَّتيإنَّ بضمير الجمع، مع إرادة الحكم على كلّ واحد فى قولها: كلّ ما حيّ، وما زائدة، وحيّ: ضدّ الميت، قال ابن جني في "إعراب الحماسة": حيّ ها هنا يحتمل أمرين أحدهما: إنَّ يكون المراد من القبيلة، كقولك: كلّ ما قوم، وكلّ ما قبيلة، وإنَّ أمروا وأجود من هذا معنى إنَّ يكون الحيّ الَّذي هو نقيض الميت، أي: كلّ ذي حيّاة من أمرهم ومن شانهم، فإذا كان كذلك احتمل إنَّ يكون قوله: وإنَّ أمروا، الضمير الَّذي فيه عائد على كلّ، وإنَّ شئت على حيّ؛ لأنَّ حيًّا [هنا] جماعة في المعنى، أي: كلّ الأحيّاء، وكذلك إذا قلت: كلّ ما حيّ، وأنت تجعله القبيلة. انتهى. وقال السبكي: الحيّ هنا القبيلة، ولو كان الحيّ من الحيّاة لقال: وإنَّ أمر وارد الحوض الَّذي وردوا، لما قررناه انه يطابق المضاف إليه. وجوّز ابن جني والشنتمريّ إنَّ يكون

стр. 1429

نقيض الميّت، ورجحاه لعمومه، وقال ابن جنيّ: احتمل الضمير في أمروا إنَّ يعود على كلّ، وإنَّ شئت على حيّ: لانه هنا جماعة. انتهى. ولم يتعرض لقوله: وارد الخوض، فإن كان جمعًا على ما هو الرواية، فهو مخالف لما قلناه من التزام الأفراد في خبر كلّ رجل، وإنَّ كان مفردًا فلا مخالفة، ويكون أمروا كبيت عنوة: لانه جملة أخرى. وأمّا قوله: الَّذي وردوا: فضمير الجمع فيه يعود على إخوتها المذكورة في أول القصيدة في قولها: إخوتي لا تبعدوا أبدًا، فلا إشكال في جمعه على كلّ حال، بل ذلك متعين إنَّ يكون في وردوا لإخوتها، إذ لو كان لكلّ حيّ لم يفد، بل يفسد المعنى؛ لانه يصير المعنى: انهم يودون الَّذي وردوه، وهذا فاسد، وليس المراد من مراعاة المعنى إنَّ يود جمعًا، والَّذي أضيفت إليه كلّ مفرد لما قدمنا من الشواهد، ولأنَّ المعنى كلّ مرتبة دلذَ المضاف اليه عليها من إفراد أو تثنية أو جمع، وليس المجموع معنى كلّ إلاَّ إذا كان معنى اللفظة التي أضيفت إليه بإنَّ تكون جمعًا أو اسم جمع، كقوله تمالى: ﴿كلّ حزب بمل لديهم فرحون﴾ [الروم/٣٢] ففرحون جمع؛ لأنَّ مدلول حزب الَّذي هو فرد من إلاَّفراد التي دخلت عليها كلّ، وليس المراد جميع ما أفادته كلّ، وقوله تعالى: ﴿وهمت كلّ أمة برسولهم﴾ [غافر/٥] وقرى شاذًا: (برسولها) الأول لمعنى أمة، والثاني للفظها، وقد روعي لفظ إلاَّمّة ومعناها في قوله تعالى: ﴿من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون﴾ [آل عمرإنَّ/١١٣] فإنَّ قلت: كيف روعي في أمّة اللفظ، ولم يراع في قوم ونحوه إلاَّ ضرورة؟ قلت: لعله لأنَّ أمة تصلح للواحد، فأشبهت من وما، وقوم لا يطلق إلاَّ على الحمع. إلى هنا كلّام السبكي. وهذا الشعر أورده أبو تمام في باب المراني لفاطمة بذت إلاَّججم الحزاعية هكذا: إخوتي لَا تبعدوا أبدا ... وبلى وَالله قد بعدو لو تملتهم عَشيرَتهم ... ? قتناءِ العزّ أَو ولدوا.

стр. 1430

هإنَّ مِن بعضِ الرذَزيّة أَو ... هإنَّ مِن بعضِ الَّذي أجدُ كلّ ما حيّ وإنَّ أُمِروا ...... البيت قولها: إخوتي: منادي مضاف، ولا تبعدوا: نهب يراد به الدعاء، وفعله بعد يبعد بعدًا، من باب فرح، أي: هلك، وإلاَّسم: البعد، بالضم، واستشهد به صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: ﴿إلاَّ بعدًا لعاد﴾ [هود/٦٠] على الدعاء بالهلاك بعد هلاكهم؛ للدلالة على التساهل منهم له، وقولها: لا تبعدوا، المراد به: التحسر والتوجع، ولهذا استدركت بقولها: وبلى والله قد بعدوا، قالة المرزوقي: هذه اللفظة جرت العادة في استعمالها عند المصائب، وليس فيها طلب ولا سؤال، وإنَّما هو تنبيه على شدَّة الحاجة إلى المفقود، وتناهي الجزع في التفجّع. انتهى. وقولها: لو تملَّتهم عشيرتهم، أي: لو عاشوا معهم مليًا من الدهر، أي: لو طالت أعمارهم فاعتقدت عشيرتهم عزا بهم، وكان لهم خلف، كان بعض غمّي بهم أهون عليَّ. وأمروا: من أمر الشيء، من باب فرح، بمعنى كثر واشتدَّ، وجواب "إنَّ" ما دلَّ عليه قوله: واردوا الحوض الَّذي وردوا، وحذف العائد من الصلة، أي: وردوه، تقول: كلّ قبيلة، أو كلّ حيّ وإنَّ تناسلوا وكثروا، فمصيرهم غلى ما صار إليه أمر اخوتي، إذ لا ينجو أحدٌ من الموت. وفاطمة بنت الأجحم الحزاعية: امرأة جاهلية، والأجحم بتقديم الجيم على الحاء المهملة، ومعناه في اللغة: الشديد حمرة العينين مع سعتهما، والمرأة جحماء، وروي الشعر لغيرها، قال أبو عبيد الله محمد بن عمرإنَّ المرزبإنَّي في كتاب "أشعار النساء": حدثي أبو عبد الله الحكيمي قال: حدثني يموت بن المزرع قال: حدثنا محمّذ ابن حميد وعيسى بن إسماعيل قال: حدَّثنا الأصمعي قال: كانت جارية من إلاَّوس لها أربعة إخوة كانهم الصقور، قاعدة على شفير بئر تمتشط، فبّيَّتَّا هي كذلك إذ سقط

стр. 1431

مشطها في البئر، فجاء أحد إخوتها فرآها تبكي، فسألها عن أمرها فأخبرته، فقال لها: فلا عليك، إنَّا إنَّزل آتيك به، فنزلّ في طلبه، فاحتضر فخنق، فاستغاث، فنزل أخوه في طلبه، فوجده ميتًا، فخنق، فاستغاث بالثالث، فترل فوجدهما ميتين، فذهب ليرجع فخنق، فاستغاث بالرابع، فنزل فألفاهم قد ماتوا، فذهب ليرجع فخنق فمات، فأرادت الجارية إنَّ تطرح نفسها في أثرهم فمنعت، وقيل لها: لا يحلّ لك قتل نفسك، فكفت ولزمت البكاء، وإنَّشأت تقول: إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وبلى والَّلات قد بعدوا ليت شعري كيف عيشكم ... إنَّ عيشي بدعكم نكدٌ ليت شعري كيف شربكم ... إنَّ شربي بعدكم ثمَّد لو تملَّتهم عشيرتهم ... لأنَّقضاء العيش أو ولدوا هإنَّ من بعض التَّذكر أو ... هإنَّ من بعض الَّذي أجد وإذا ما الضَّيف حلَّ بنا ... قلت لهفي ليتهم شهدوا كلّ ما حيّ وإنَّ أمروا ... واردوا الحوض الَّذي وردوا أين عبد الحجر والصّرد ... ويزيد الفارس النَّجد أينّ ملطاط أبو حجر ... وأبو الحرّبا ومعتمد وردوا والله ما كرهوا ... وعلى آثارهم نرد كلّ من يمشي بعقوتها ... وارد الماء الَّذي وردوا فلو إنَّ الناس أجمعهم ... وجدوا بعض الَّذي أجد لآماتّ الناسّ أيسر ما ... نال مني الوجد والكمد لو بأحساب ومكرمة ... خلَّد الله الوّرّى خلّدّوا وحدثني الحسين بن علي، عن أحمد بن أبي خيثمَّة، عن الزبير، عن مصعب ابن عثمَّان قال: كانت امرأة من بني شيهم من بني النجار، وإنَّما سمَّي النجار لانه ضرب رجلًا ضربة فقدَّ رجله، فقيل: كانما نجره، فسمَّي النجار، وكان لها اخوة سبعة، فسقط مدرى لها من فضة في بئر، فدخل أكبرهم ليخرجه، فأسن

стр. 1432

فمات، فدخل الثاني فأصابه ما أصاب الأول، حق توافى السبعة في البئر، فقالت أختهم ترثيهم: اخوتي من صقعة همّدّوا ... فقضّوا حتى إنَّقّضّى الأمدَ كحل عيسى بعد فقدكم ... إخوتي التَّهتإنَّ والسهد إخوتي لا تبعدوا أبدًا ... وذكرها. قلت إنَّا: وعمر بن شبّة يروي هذه إلاَّبيات لفاطمة بنت الاَّحجم الحزاعية في إخوتها. انتهى. وقال أيضًا عند ذكر خزاعة: كتب إلى أحمد بن عبد العزيز قال: أخبرنا عمر بن شبّة قال: قالت فاطمة بنت الأجحم الخزاعية في اخوتها، وذكر هذه إلاَّبيات عمر بن شبّة: إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وبلى والله قد بعدوا لو تملَّتم عشيرتهم ... لاصطناع العرف أو وّلّدوا هإنَّ من بعض التَّفقّد أو ... هإنَّ من وجدي الَّذي أجد إخوتي ما إخوتي هّلّكوا ... كلّهم كانهم أسد كلّ من يمشي بعقوتها ... وّارد الحوض الَّذي وّرّدوا وقد تقدَّمت هذه الأبيات لآمرأة من الأنَّصار، والله أعلم. وقال أيضًا عند ذكر حمير: كتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال عمر بن شبّة: قال: قالت أمرأة من حمير: اخوّتي من صقعة همدوا ... همدوا لَّما إنَّقضّى إلاَّمد ما امرَّ العيش بعدّهم ... كلّ عيش بّعدّهم نكد وردوا والله ما كرهوا ... وّعلى آثارهم نّرد وقد تقدَّم قول عمر بن شبّة إنَّ أبياتًا من هذه المرثية لامرأة من خزاعة، وغيره يرويها لامرأة من الأنصار. وحدَّث علي بن هارون قال: أخبرني عمي يحيّى بن علي قال: حدثني أبو هفان قال: إنَّشدني المباركي عن الهيثمَّ بن عديّ لجمل بنت ذي نواس الحميرية.

стр. 1433

اخوتي من صقعة همّدّوا وذكره والبيت الَّذي يليه، وزاد: حشو عيني بعد فقدكم ... إخوتي التَّهتإنَّ والسهد أينّ عبد الحجر والصَّمد ... ويزيد الفّارس النَّجد أينّ ملطّاط أبو حجر ... وأبو الحرّباء معتمد وّرّدوا وّالله ما كرهوا ... وعلى آثارهم نرد انتهى وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد الثلاثمَّائة: (٣٢٩) ما كلّ رأي الفتى يدعو إلى رشد هذا المصراع والبيت الَّذي [يليه] أوردهما عبد القاهر في "دلائل إلاعجاز" قال: إنَّك لو جئت بحرّف نفي يتصور إنَّفصاله عن الفعل، لرآيت المعنى في" كلّ" مع ترك إعمال الفعل مثله مع إعماله، ومثال ذلك قوله: ما كلّ ما يتّمّنَّى المرء يدركه وقول إلاَّخر: ما كلّ رأي الفتى يدعو إلى رشد "كلّ".كما ترى غير معمل فيه الفعل، ومرفوع، إما بالأبتداء، وإما بانه اسم [ما]، ثمَّ إنَّ المعني مع ذلك على ما يكون عليه إذا أعملت فيه الفعل فقلت: ما يدرك المرء كلّ ما يتمناه، وما يدعو. كلّ رأي الفتى إلى رشد، وذلك لأنَّ التأثير لوقوعه في حيّز النفي، وذلك حاصل في الحالين. ولو قدمت "كلًّا" فقلت: كلّ ما يتمى الفتى لا يدركه، وكلّ رأي الفتى لا يدعو إلى رشد، لتغير المعنى، ولصار بمنزلة إنَّ يقال: إنَّ المرء لا يدرك شيئًا مما يتمناه، ولا يكون في رأي الفتى ما يدعو إلى رشد

стр. 1434

بوجه من الوجوه، فاعرفه. انتهى كلّامه ونقله الحطيب القزويني في "الإيضاح" قال: ونقل معناه، قال الشيخ: كلّمة "كلّ " في النفي إذا دخلت في حيّزه بأن قدم عليها لفظ كقول آبي الطيب: ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه وقول إلاَّخر: ما كلّ رأي الفتى يدعو إلى رشد وقولنا: ما جاء القوم كلّهم، وما جا، كلّ القوم، ولم اخذ الدراهم كلّها، ولم آخذ كلّ الدراهم. أو تقديرًا بأن قدّمت على الفعل المنفي، وأعمل فيها؛ لأنَّ العامل رتبته التقدَّم على المعمول، كقولك: كلّ الدراهم لم آخذ، توجه النفي إلى الشمول خاصة دون أصل الفعل، وأفاد الكلّام ثبوته لبعض، أو تعلقه به. إنتىهى كلّامه. وكذا قال في "التلخص" وتعقبهما السعد في "المطول" وقال: وفيه نظر، لأنَّا نجده حيّث لا يصلح إنَّ يتعلق الفعل ببعض، كقوله تعالى: ﴿والله لا يحب كلّ مختال فخور﴾ [الحديد/٢٣] ﴿والله لا يحب كلّ كفار أثيم﴾ [البقرة/٢٦٧] ﴿ولا تطع كلّ حلاف مهين﴾ [القلم/ ١٠] فالحق إنَّ هذا الحكم أكثري لا كلَّي. انتهى. وأجاب المولى حدر تلميذ السعد في "شرح الإيضاح" عن هذا فقال: ولقائل إنَّ يقول: إنَّما حصل عموم النفي في هذه إلاَّيات من خصوص المادة، كا في قولنا: ليس كلّ إنسان جماد، إلاَّ من إدخال النفي على كلّمة كلّ، فإنه لا يحصل منه إلاَّ نفي الشمول، كا هو حكم النفي إذا دخل على كلّام فيه تقييد بشهادة الذوق والعرف، وسبب ذلك أنه اذا بدئ بالنفي، بُني الكلّية عليه، وسلط النفي عليها، وأعمل فيها، وإعمال النفي فيها يقتضي نفي الكلّية والشمول، فيبقى أصل الفعل. انتهى.

стр. 1435

وهذا المصراع لم أظفر بتتمته ولا بقائله، وقد وقفت على شرحيّن "للإيضاح" أحدهما للمولى حيّدر، والثاني لجمال الدين الأقسرائي، ولم يذكرا فيه شيئًا وقال شارح "شواهد الإيضاح" و "المفتاح": الرشد والرشد بمعنى، ولفظه خبر ومعناه نهي، والمعنى: نهي عن تصويب كلّ رأي والعمل به. هذا كلّامه برمته. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد الثلاثمَّائة: (٣٣٠) ما كلّ ما يتمنَّى المرء يدركه ... تجري الرَّياح بما لا تشتهي السُّفن على إنَّ النفي هنا لسلب العموم، والمعنى: إنَّ المرء لا يحصل له كلّ متمنياته وجميع أمانيه، بل إنما يحصل بعصها دون بعض، بريد: إنَّ أعدائي لا يدركون ما يتمنون بي، فالرياح لا تجري كلّها على ما تريد السفن، يعني أهلها. والبيت من قصيدة لأبي الطيب المتني، قالها في مصر في ربيع الأخر من سنةسبع وثلاثمَّائة، لما بلغه أنَّ قومًا أخبروا بموته في مجلس سيف الدولة الحملدإنَّي، و "ما" هنا يجوز إنَّ تكون حجازية، كلّ: اسمها، وجملة "يدركه" خبرها، ويجوز إنَّ تكون تميمية، كلّ: مبتدأ، ويدركه خبره. وجوز ابن جنّي والواحدي نصب كلّ بفعل يفسره يدركه، فتكون مما نحن فيه أيضًا لسلب العموم، كما قال الدماميني؛ لأنَّ كلًّا لم تخرج عن حيّز النفي. وقال ابن السبكي في "عروس إلاَّفراح": نصب كلّ على شريطة التفسير يكون من القسم إلاَّخر، وسنتكلّم عليه، يعني يكون النفي من قبيل عموم السلب، وقاسه على قوله: كلّه لم أصنع، في تقدير نصب كلّ

стр. 1436

ونقل كلّام والده إلاَّتي في اتحاد معنى رفع كلّ ونصبها في قوله: كلّه لم أصنع، وليس قياسه عليه بصحيّح، فإنَّ والده حقق إنَّ كلًّا إذا تقدَّمت على النفي، سواء كانت مرفوعة بإلاَّبتداء، أو منصوبة بالفعل المنفي، يكون معنى الكلّام عموم السلب، وبيت المتنبى ليس مثله، فإنَّ كلًّا فيه متأخرة عن النفي، رفعت أو نصبت. وأعلم انه قال: واختلف في سبب سلبه العموم في تقدَّم النفي على كلّ، فقيل: سببه إنَّ النفي متوجه إلى الشمول دون أصل الفعل، وفيما تقدَّم على النفي متوجه إلى أصل الفعل، وهذا غير واضح، وقيل: سببه إنَّ قولنا: لم يقم إنسان، نفي القيام عن جملة الأفراد، أعني كلّ واحد منها؛ لأنَّ النكرة في سياق النفي لعموم، فإذا قلت: لم يقم كلّ إنسان، وأردت هذا المعنى أيضًا، كان دخول "كلّ" تأكيدًا، والتأسيس أولى من التأكيد. وقد يجاب بأن المحكوم بعدم قيامه في "لم يقم إنسان" ومطلق ألإنسان، ويلزم منه انتفاء قيام كلّ فرد، وهو معنى قولنا: النكرة في النفي للعموم، والمحكوم بعدم قيامه في لم يقم كلّ إنسان، إذا كأن كلّ فرد غير المطلق، فتغايرا، ولم يفد أحدهما بالوضع معنى الأخر، وإنَّ استلزمه فلا يكون تأكيدًا، وأيضًا فإنه منتقض بقولنا: ما إنسان إلاَّ قائم، فانه عأم في كلّ إنسان، ثمَّ نقول: ما كلّ إنسان إلاَّ قائم، فيبقى هذا العموم بحاله كما استقرؤوه في فصل إنَّتقاض النفي بإلاَّ، ولكني أوفقهم في الصور المتقدَّمة. وإذا لم يتقض النفي إلاَّ وما في معناها كان الأمر كا قالوه من جهة عدم العموم، وانه إنَّما يفيد سلب العموم لا عموم السلب، لكن بغير الطريقين اللذين حكيناهما، بل بطريق آخر يتوقف على تقديم مقدمة، وهي إنَّ قولنا: زيد قائم، حكم على زيد بالقيام، ويسمى موجبة محصلة، وقولنا: زيد غير قائم، أو هو ليس بقائم، حكم عليه بعدم القيام، وتسمى موجبة معدولة، ويشترط في هذين القسمين

стр. 1437

وجود موضوعها، وقولنا: زيد ليس بقائم، سالبة محصلة، وليس معناها الحكم على زيد بعدم القيام، وإلاَّ لساوت الموجبة المعدولة، ولكن معناها سلب ما حكمت به في الموجبة المحصّلة، وكذلك يصدق مع وجود الموضوع وعدمه، والسالبة المحصّلة نقيض الموجبة المحصّلة، وأعم من الموجبة المعدولة، ومدلول الساّلبة المحصّلة نقيض مدلول الموجبة المحصّلة. إذا عرف هذا رجعنا إلى غرضنا فقلنا: لم يقم كلّ إنسان، سالبة محصلة، معناها فقيض لمعنى الموجبة المحصّلة وهي: قام كلّ إنسان، وقولنا: قام كلّ إنسان معناه الحكم على كلّ فرد بالقيام، فيكون المحكوم به السالبة المحصّلة نقيض قيام كلّ فرد، ونقيض الكلّي جزئيّ، فيكون مدلوله سلب القيام عن بعضهم، لانه النقيض، ولهذا يقول المنطقيون: ليس كلّ إنسان بقائم: سالبة جزئية، فوافقوا العرب في هذا، والمأخذ مختلف لما سنثير إليه قريبًا. وقولنا: كلّ إنسان لم يقم، موجبة معدولة، معناها الحكم بعدم القيام على كلّ إنسان، وقد تقرر إنَّ مدلول، " كلّ إنسان" كلّ فرد، فيكون معناها الحكم بعدم القيام على كلّ فرد، ولا يعارضه قول المنطقيين: كلّ إنسان ليس قائم، سالبة جزئية؛ لأنَّ المنطقيين إنَّما قالوا ذلك لاعتقادهم من كلّ المجموع، ونحن قد بيَّنَّا أنَّ مدلولها عند العرب إلاَّفراد، فالحكم بالنفي على كلّ إلاَّفراد، فهذا هو السرّ في الفرق بين كلّ ذلك لم يكن، ولم يكن كلّ ذلك، واستقام معه كلّام اللغويين والنحويين وكلّام المنطقيين، وظهر إنَّ العرب أدركت بعقولها السليمة، وطباعها الصحيّحة ما تعب اليونان دهرهم، بل زادوا عليهم في تحرّير دلالة كلّ، والحمد لله الَّذي وفقنا لفهم ذلك. ولا يتوهم أنَّ كلًّا إذا تأخرت عن النفي كأن معناها المجموع، وانه تغير معناها، بل معناها على حاله من الدلالة على كلّ فرد دون المجموع، ولكن الكلّية وإن دلت على فرد إنما تناقضها الجزئية. إلى هنا كلّام السبكي، وهو تحقيق نفيس الى الغاية.

стр. 1438

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد الثلاثمَّائة: (٣٣١) قد أصبحت أمُّ الخيار تدَّعي ... علىَّ ذنبًا كلّه لمْ أصنع على إنَّ كلًّا إنَّ تقدَّمت على النفي، اقتضى إنَّ يكون لعموم السلب على كلّ فرد. قال الحطيب في "الإيضاح": وإنَّ أخرجت كلّ من حيّز النفي بإنَّ قدمت عليه لفظًا، ولم تكن معمولة لفعل المنفي، توجه المنفي إلى أصل الفعل، وعمَّ ما أضيفت إليه كلّ. انتهى. ومفهومه إذا كانت معمولة الفعل المنفي مع تقدَّمها، توجه النفي إلى العموم، نحو: كلّ الدراهم لم آخذ، وصرح به عبد القاهر فيما تقدَّم من كلّامه، ونازع في هذا السبكي، وحقق إنَّ كلًّا إذا تقدَّمت على النفي، سواء كانت معمولة للفعل المنفي أم لا، توجه النفي إلى كلّ فرد. قال: ولو قلت: كلّه لم أصنعه، ورفعت كلّه، أفاد نفي كلّ فرد، كما لو حذف الضمير، ولو نصب على الإشتغال فكذلك؛ لأنَّك بنيت الكلّام على كلّ، وحكمت بالنفي عليها، ولأنَّ معنى: لم أصنعه، في معنى تركته، وكذلك تقدر: تركت كلّه، لم أصنعه، ولو قال كذلك أفاد كلّ فرد، ولو نصب ولم يأت بضمير، بل سلّط أصنع على ما قبله، فقد وقع في كلّام البيايين انه لا يفيد العموم، كقوله: لم أصنع كلّه، وهو الَّذي يتبادر إلى الذهن؛ لانه إذا كان معمولًا لأصنع، فالنفي في قوة التقدم، فلا فرق بين أنَّ يتقدَّم في اللفظ أو يتأخر، لكن في "كتاب سيبويه" لما إنَّشد البيبت قال: وهذا ضعيف، يعني حذف الضمير، قال: وهو بمترلته في غير الشعر؛ لأنَّ النصب لا يكسر الشعر، ولا يخل به ترك إضمار الهاء، وكانه قال: كلّه في غير مصنوع انتهى. وهو يقتضي انه لا فرق بين الرفع والنصب في أنَّ المعنى: كلّه غير مصنوع، وذلك يقتضي أنَّ النصب أيضًا يفيد العموم، وانَّه لم يصنع شيئًا منه؛ لما تقرر من دلالة العموم.

стр. 1439

وقد تأملت ذلك فوجدت قول سيبويه أصح من قول البيايين، وإنَّ المعنى حضره وغاب عنهم، لانه ابتدأ في اللفظ بكل، ومعناها كلّ فرد، فكان عاملها المتأخر في معنى الخبر عنها: لأنَّ السامع إذا سمع المفعول يتشوف إلى عامله، كا يتشوف سامع المبتدأ إلى الخبر، وبه يتم الكلّام؛ فكان: " كلّه لم أصنع" مرفوعًا ومنصوبًا سواة في المعنى، وإنَّ اختلفا في إلاَّعراب، ويبعد كلّ االبعد إنَّ يحمل كلّام سيبويه على إنَّ " كلّه لم أصنع" بالرفع والنصب معناه عدم صنع المجموع، فيكون قد صنع بعضه، لأنَّ معنى الحديث على خلافه في قوله: " كلّ ذلك لم يكن" وفي حفظي من كلّام ابن عباس: كلّ ذلك لا أقول، لما قال له أبو سعيد الحدري في حديث الربا: سمعته من النبيّ ﷺ ، أو وجدته في كتاب الله تعالى؟ فقال: كلّ ذلك لا أقول، وإنَّتم أعلم برسول الله، ﷺ ، مني، ولكني أخبرني أسامة، وذكر الحديث. رواه البخاري ومسلم، ومعناه: لا أقول هذا ولا هذا، فإنَّ كان كلّ بالنصب كما أحفظه، فهو نص في رد ما قاله البيانون من عدم إفادة العموم عند تقدَّمها منصوبة، ويبعد عنه سيبويه إنَّ تكون مرفوعة؛ لانه لا يجيز ذلك إلاَّ على ضعف، مقتضى مذهبه أيضًا إنَّ معمول الفعل المنفي بـ "لا" لا يتقدَّم عليها، والاَّصح جواز تقدَّمه إذا لم تكن في جواب قسم، فإنَّ ثبتت الرواية بالنصب فيدل على إنَّ المعتبر تقدَّم كلّ في اللفظ، سواء كانت مبتدأة كما في قوله: كلّ ذلك لم يكن، أم مفعولة كما هنا، والمعنى فيه ما أشرنا إليه، ولأنَّ المأخذ المتقدَّم من بناء ذلك على ما تقرر في المنطق من القضايا، وهو أمر يرجو إلى المعنى لا إلى صناعة إلاَّعراب. وقد نقل البانَّيون عن عبد القاه أنَّ: كلّ الدراهم لم أخذ، لنفي الشمول، وهو مخالف لما قلناه، ولما قاله سيبويه، والصواب حذف هذا المثال، وجعله في القسم الثاني. إلى هنا كلّام السبكي. ولم يصب ابن خلف في " شرح شواهد سيبويه" في قوله: كلّه لم أصنع، يحتمل أمرين: أحدهما انه أراد لم يصنع جميعها، ولا شيئًا منها، وإلاَّخر: انه صنع بعضها، ولم يصنع جميعها. انتهى؛ لانه مخالف لجميع كلّام الناس، وقال أيضًا:

стр. 1440

أم الخيار: أمرأته، وأراد بقوله: ذنبًا: ذنوبًا، ولكنه استعمل في موضع الجمع. والشاهد فيه انه حذف الضمير العائد إلى المبتدأ الَّذي هو: كلّه، وهو يريد: كلّه لم أصنعه، وكان المبرد يأبى هذا، ويروي: " كلّه لم أصنع" بنصب كلّ، ولا يجيز: "زيد ضربت" في شعر ولا غيره، واختلفوا في غير المعارف، فأجاز الكوفيون في غير المعارف الرفع، وأبى كلّه المبرد، وقال: أخبرنا الجرمي بهذا كلّه منصوبًا، قال: وسممنا بعض ذلك نصبًا من الرواة، قال ابن ولاد: لم يزد المبرد في هذه المسألة على إنَّ حكى قول سيبويه، وجعل حكايته لقوله ردًا عليه، وذلك إنَّ سيبويه قال في إثر بيت أبي النجم: وهذا ضعيف، وهو بمنزلته في غير الشعر؛ لأنَّ النصب لا يكسر [البيت]، ولا يخل به ترك إضمار الهاء، وهذا الَّذي قاله المبرد، ورأى انه قد رده عليه إذ قال: ليس في هذه إلاَّيات ضرورة، وانها في الكلّام والشعر واحد، هو قول سيبويه، وإنَّما زعم سيبويه انه سمع ذلك مرفوعًا في الشعر، ولم يقل انه لا يجوز إلاَّ في الشعر، وسماعه إياه مرفوعًا في الشعر من الرواة، كسماعه: شهر ثرى، وشهر ترى، وشهر مرعى، مرفوعًا في الكلّام الَّذي جاء مثلًا، وإنَّما يحتج لمثل هذا الشاذ بمثل مشهور أو شعر مروي. وأما قول المبرد: إنَّ الجرمي سمع ذلك منصوبًا، فقد قال سيبويه: إنَّ النصب أكثر وأعرف. وأغني بذلك عن إلاَّحتجاج عليه بقول الجرمي. إلاَّ ترى إنَّ قوله: إنَّ الرفع ضعيف، إلاَّ انه سمعه من العرب! شبهوه بقولهم: " الَّذي رأيت زيد" في حذف الهاء من الصلة، وحذفها من الصلة أجود، ويتلوه في الجودة حذفها من الصفة، كقولك: الناس رجلان: رجل أكرمت، ورجل أهنت، وحذفها مع الحبر أضعف الوجوه. وقد روى أهل البصرة والكوفة هذه الشواهد رفعًا، كما رواها سيبويه، فهذا وجه الرواية وأما طريق المقايسة، فإذا أجازت العرب إنَّ ينصب المفعول إذا تقدَّم، وقد شغلت الفعل عنه بالهاء، كقولهم: زيدًا ضربته، فعديل هذا إنَّ تجيز: زيد ضربت،
следующие страницы →