Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
ونقل كلّام والده إلاَّتي في اتحاد معنى رفع كلّ ونصبها في قوله: كلّه لم أصنع، وليس قياسه عليه بصحيّح، فإنَّ والده حقق إنَّ كلًّا إذا تقدَّمت على النفي، سواء كانت مرفوعة بإلاَّبتداء، أو منصوبة بالفعل المنفي، يكون معنى الكلّام عموم السلب، وبيت المتنبى ليس مثله، فإنَّ كلًّا فيه متأخرة عن النفي، رفعت أو نصبت. وأعلم انه قال: واختلف في سبب سلبه العموم في تقدَّم النفي على كلّ، فقيل: سببه إنَّ النفي متوجه إلى الشمول دون أصل الفعل، وفيما تقدَّم على النفي متوجه إلى أصل الفعل، وهذا غير واضح، وقيل: سببه إنَّ قولنا: لم يقم إنسان، نفي القيام عن جملة الأفراد، أعني كلّ واحد منها؛ لأنَّ النكرة في سياق النفي لعموم، فإذا قلت: لم يقم كلّ إنسان، وأردت هذا المعنى أيضًا، كان دخول "كلّ" تأكيدًا، والتأسيس أولى من التأكيد. وقد يجاب بأن المحكوم بعدم قيامه في "لم يقم إنسان" ومطلق ألإنسان، ويلزم منه انتفاء قيام كلّ فرد، وهو معنى قولنا: النكرة في النفي للعموم، والمحكوم بعدم قيامه في لم يقم كلّ إنسان، إذا كأن كلّ فرد غير المطلق، فتغايرا، ولم يفد أحدهما بالوضع معنى الأخر، وإنَّ استلزمه فلا يكون تأكيدًا، وأيضًا فإنه منتقض بقولنا: ما إنسان إلاَّ قائم، فانه عأم في كلّ إنسان، ثمَّ نقول: ما كلّ إنسان إلاَّ قائم، فيبقى هذا العموم بحاله كما استقرؤوه في فصل إنَّتقاض النفي بإلاَّ، ولكني أوفقهم في الصور المتقدَّمة. وإذا لم يتقض النفي إلاَّ وما في معناها كان الأمر كا قالوه من جهة عدم العموم، وانه إنَّما يفيد سلب العموم لا عموم السلب، لكن بغير الطريقين اللذين حكيناهما، بل بطريق آخر يتوقف على تقديم مقدمة، وهي إنَّ قولنا: زيد قائم، حكم على زيد بالقيام، ويسمى موجبة محصلة، وقولنا: زيد غير قائم، أو هو ليس بقائم، حكم عليه بعدم القيام، وتسمى موجبة معدولة، ويشترط في هذين القسمين
стр. 1437
وجود موضوعها، وقولنا: زيد ليس بقائم، سالبة محصلة، وليس معناها الحكم على زيد بعدم القيام، وإلاَّ لساوت الموجبة المعدولة، ولكن معناها سلب ما حكمت به في الموجبة المحصّلة، وكذلك يصدق مع وجود الموضوع وعدمه، والسالبة المحصّلة نقيض الموجبة المحصّلة، وأعم من الموجبة المعدولة، ومدلول الساّلبة المحصّلة نقيض مدلول الموجبة المحصّلة. إذا عرف هذا رجعنا إلى غرضنا فقلنا: لم يقم كلّ إنسان، سالبة محصلة، معناها فقيض لمعنى الموجبة المحصّلة وهي: قام كلّ إنسان، وقولنا: قام كلّ إنسان معناه الحكم على كلّ فرد بالقيام، فيكون المحكوم به السالبة المحصّلة نقيض قيام كلّ فرد، ونقيض الكلّي جزئيّ، فيكون مدلوله سلب القيام عن بعضهم، لانه النقيض، ولهذا يقول المنطقيون: ليس كلّ إنسان بقائم: سالبة جزئية، فوافقوا العرب في هذا، والمأخذ مختلف لما سنثير إليه قريبًا. وقولنا: كلّ إنسان لم يقم، موجبة معدولة، معناها الحكم بعدم القيام على كلّ إنسان، وقد تقرر إنَّ مدلول، " كلّ إنسان" كلّ فرد، فيكون معناها الحكم بعدم القيام على كلّ فرد، ولا يعارضه قول المنطقيين: كلّ إنسان ليس قائم، سالبة جزئية؛ لأنَّ المنطقيين إنَّما قالوا ذلك لاعتقادهم من كلّ المجموع، ونحن قد بيَّنَّا أنَّ مدلولها عند العرب إلاَّفراد، فالحكم بالنفي على كلّ إلاَّفراد، فهذا هو السرّ في الفرق بين كلّ ذلك لم يكن، ولم يكن كلّ ذلك، واستقام معه كلّام اللغويين والنحويين وكلّام المنطقيين، وظهر إنَّ العرب أدركت بعقولها السليمة، وطباعها الصحيّحة ما تعب اليونان دهرهم، بل زادوا عليهم في تحرّير دلالة كلّ، والحمد لله الَّذي وفقنا لفهم ذلك. ولا يتوهم أنَّ كلًّا إذا تأخرت عن النفي كأن معناها المجموع، وانه تغير معناها، بل معناها على حاله من الدلالة على كلّ فرد دون المجموع، ولكن الكلّية وإن دلت على فرد إنما تناقضها الجزئية. إلى هنا كلّام السبكي، وهو تحقيق نفيس الى الغاية.
стр. 1438
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣١) قد أصبحت أمُّ الخيار تدَّعي ... علىَّ ذنبًا كلّه لمْ أصنع
على إنَّ كلًّا إنَّ تقدَّمت على النفي، اقتضى إنَّ يكون لعموم السلب على كلّ فرد.
قال الحطيب في "الإيضاح": وإنَّ أخرجت كلّ من حيّز النفي بإنَّ قدمت عليه لفظًا، ولم تكن معمولة لفعل المنفي، توجه المنفي إلى أصل الفعل، وعمَّ ما أضيفت إليه كلّ. انتهى. ومفهومه إذا كانت معمولة الفعل المنفي مع تقدَّمها، توجه النفي إلى العموم، نحو: كلّ الدراهم لم آخذ، وصرح به عبد القاهر فيما تقدَّم من كلّامه، ونازع في هذا السبكي، وحقق إنَّ كلًّا إذا تقدَّمت على النفي، سواء كانت معمولة للفعل المنفي أم لا، توجه النفي إلى كلّ فرد. قال: ولو قلت: كلّه لم أصنعه، ورفعت كلّه، أفاد نفي كلّ فرد، كما لو حذف الضمير، ولو نصب على الإشتغال فكذلك؛ لأنَّك بنيت الكلّام على كلّ، وحكمت بالنفي عليها، ولأنَّ معنى: لم أصنعه، في معنى تركته، وكذلك تقدر: تركت كلّه، لم أصنعه، ولو قال كذلك أفاد كلّ فرد، ولو نصب ولم يأت بضمير، بل سلّط أصنع على ما قبله، فقد وقع في كلّام البيايين انه لا يفيد العموم، كقوله: لم أصنع كلّه، وهو الَّذي يتبادر إلى الذهن؛ لانه إذا كان معمولًا لأصنع، فالنفي في قوة التقدم، فلا فرق بين أنَّ يتقدَّم في اللفظ أو يتأخر، لكن في "كتاب سيبويه" لما إنَّشد البيبت قال: وهذا ضعيف، يعني حذف الضمير، قال: وهو بمترلته في غير الشعر؛ لأنَّ النصب لا يكسر الشعر، ولا يخل به ترك إضمار الهاء، وكانه قال: كلّه في غير مصنوع انتهى. وهو يقتضي انه لا فرق بين الرفع والنصب في أنَّ المعنى: كلّه غير مصنوع، وذلك يقتضي أنَّ النصب أيضًا يفيد العموم، وانَّه لم يصنع شيئًا منه؛ لما تقرر من دلالة العموم.
стр. 1439
وقد تأملت ذلك فوجدت قول سيبويه أصح من قول البيايين، وإنَّ المعنى حضره وغاب عنهم، لانه ابتدأ في اللفظ بكل، ومعناها كلّ فرد، فكان عاملها المتأخر في معنى الخبر عنها: لأنَّ السامع إذا سمع المفعول يتشوف إلى عامله، كا يتشوف سامع المبتدأ إلى الخبر، وبه يتم الكلّام؛ فكان: " كلّه لم أصنع" مرفوعًا ومنصوبًا سواة في المعنى، وإنَّ اختلفا في إلاَّعراب، ويبعد كلّ االبعد إنَّ يحمل كلّام سيبويه على إنَّ " كلّه لم أصنع" بالرفع والنصب معناه عدم صنع المجموع، فيكون قد صنع بعضه، لأنَّ معنى الحديث على خلافه في قوله: " كلّ ذلك لم يكن" وفي حفظي من كلّام ابن عباس: كلّ ذلك لا أقول، لما قال له أبو سعيد الحدري في حديث الربا: سمعته من النبيّ ﷺ ، أو وجدته في كتاب الله تعالى؟ فقال: كلّ ذلك لا أقول، وإنَّتم أعلم برسول الله، ﷺ ، مني، ولكني أخبرني أسامة، وذكر الحديث. رواه البخاري ومسلم، ومعناه: لا أقول هذا ولا هذا، فإنَّ كان كلّ بالنصب كما أحفظه، فهو نص في رد ما قاله البيانون من عدم إفادة العموم عند تقدَّمها منصوبة، ويبعد عنه سيبويه إنَّ تكون مرفوعة؛ لانه لا يجيز ذلك إلاَّ على ضعف، مقتضى مذهبه أيضًا إنَّ معمول الفعل المنفي بـ "لا" لا يتقدَّم عليها، والاَّصح جواز تقدَّمه إذا لم تكن في جواب قسم، فإنَّ ثبتت الرواية بالنصب فيدل على إنَّ المعتبر تقدَّم كلّ في اللفظ، سواء كانت مبتدأة كما في قوله: كلّ ذلك لم يكن، أم مفعولة كما هنا، والمعنى فيه ما أشرنا إليه، ولأنَّ المأخذ المتقدَّم من بناء ذلك على ما تقرر في المنطق من القضايا، وهو أمر يرجو إلى المعنى لا إلى صناعة إلاَّعراب. وقد نقل البانَّيون عن عبد القاه أنَّ: كلّ الدراهم لم أخذ، لنفي الشمول، وهو مخالف لما قلناه، ولما قاله سيبويه، والصواب حذف هذا المثال، وجعله في القسم الثاني. إلى هنا كلّام السبكي.
ولم يصب ابن خلف في " شرح شواهد سيبويه" في قوله: كلّه لم أصنع، يحتمل أمرين: أحدهما انه أراد لم يصنع جميعها، ولا شيئًا منها، وإلاَّخر: انه صنع بعضها، ولم يصنع جميعها. انتهى؛ لانه مخالف لجميع كلّام الناس، وقال أيضًا:
стр. 1440
أم الخيار: أمرأته، وأراد بقوله: ذنبًا: ذنوبًا، ولكنه استعمل في موضع الجمع. والشاهد فيه انه حذف الضمير العائد إلى المبتدأ الَّذي هو: كلّه، وهو يريد: كلّه لم أصنعه، وكان المبرد يأبى هذا، ويروي: " كلّه لم أصنع" بنصب كلّ، ولا يجيز: "زيد ضربت" في شعر ولا غيره، واختلفوا في غير المعارف، فأجاز الكوفيون في غير المعارف الرفع، وأبى كلّه المبرد، وقال: أخبرنا الجرمي بهذا كلّه منصوبًا، قال: وسممنا بعض ذلك نصبًا من الرواة، قال ابن ولاد: لم يزد المبرد في هذه المسألة على إنَّ حكى قول سيبويه، وجعل حكايته لقوله ردًا عليه، وذلك إنَّ سيبويه قال في إثر بيت أبي النجم: وهذا ضعيف، وهو بمنزلته في غير الشعر؛ لأنَّ النصب لا يكسر [البيت]، ولا يخل به ترك إضمار الهاء، وهذا الَّذي قاله المبرد، ورأى انه قد رده عليه إذ قال: ليس في هذه إلاَّيات ضرورة، وانها في الكلّام والشعر واحد، هو قول سيبويه، وإنَّما زعم سيبويه انه سمع ذلك مرفوعًا في الشعر، ولم يقل انه لا يجوز إلاَّ في الشعر، وسماعه إياه مرفوعًا في الشعر من الرواة، كسماعه: شهر ثرى، وشهر ترى، وشهر مرعى، مرفوعًا في الكلّام الَّذي جاء مثلًا، وإنَّما يحتج لمثل هذا الشاذ بمثل مشهور أو شعر مروي. وأما قول المبرد: إنَّ الجرمي سمع ذلك منصوبًا، فقد قال سيبويه: إنَّ النصب أكثر وأعرف. وأغني بذلك عن إلاَّحتجاج عليه بقول الجرمي. إلاَّ ترى إنَّ قوله: إنَّ الرفع ضعيف، إلاَّ انه سمعه من العرب! شبهوه بقولهم: " الَّذي رأيت زيد" في حذف الهاء من الصلة، وحذفها من الصلة أجود، ويتلوه في الجودة حذفها من الصفة، كقولك: الناس رجلان: رجل أكرمت، ورجل أهنت، وحذفها مع الحبر أضعف الوجوه. وقد روى أهل البصرة والكوفة هذه الشواهد رفعًا، كما رواها سيبويه، فهذا وجه الرواية وأما طريق المقايسة، فإذا أجازت العرب إنَّ ينصب المفعول إذا تقدَّم، وقد شغلت الفعل عنه بالهاء، كقولهم: زيدًا ضربته، فعديل هذا إنَّ تجيز: زيد ضربت،
стр. 1441
فترفعه، ولم تشغل الفعل بالهاء في اللفظ كما نصبته، وقد شغلت الفعل بالهاء؛ لانهما حاشيتان متجاذبتانَّ في الجواز، وإنَّ كافت إحداهما أكثر في كلّام العرب، فأما في المقايسة فهما سواء؛ لأنَّ وجه الكلّام إنَّ يرفع المفعول إذا تقدَّم إذا شغلت عنه الفعل، ونصبه ليس بالوجه، وكذلك وجه الكلّام إنَّ ينصب المفعول المقدم إذا لم يشتغل عنه الفعل، ورفعه ضعيف على نية الهاء. انتهى ما أورده ابن خلف.
وهذا الرجز مطلع أرجوزة لأبي النجم العجلي، وقد ترجمناه في الإنشاد السابع والستين، وقد أوردنا من هذه إلاَّرجوزة أبياتًا كثيرة في شرح الشاهد السادس والحمسين من "شواهد الرضي" وهذا الشاهد أورده سيبويه في أوائل "كتابه" في باب ما يجري مما يكون ظرفًا هذا المجرى، ولم يتكلّم السيرافي، ولا أبو على الفارسي على هذا الشاهد.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣٢) وقولي كُلَمَّا جَشَأْتِ وَجَاشَتْ ... مَكَانَكَ تَحْمَدِي أَوْ تستريحيّي
على إنَّ أبا حيّان أنشده للردّ على ابن عصفور وإلاَّيدي، خارجًا عن محلّ البحث؛ لأنَّ الكلّام فيما إذا اقترن بالجواب ما يمنع من العمل فيما قبله كالفاء وإنَّ، وأقول: إنَّ مراد أبي حيّان أنَّ كلّما في المثال الَّذي رفعاه على المبتدأ منصوب أف على الظرفية كالآيات والبيت، وغلَّطهما في ذلك وهذا كلّامه يدل على ما قلنا، قال في أخر بحث الجوازم من "شرح التسهيل": مسألة الشرط الَّذي لا يقتضي التكرار لو إنَّفرد إنَّ ربط بالفاء بما يقتضي التكرار، ففعله إنَّ أمكن تكراره فإما إنَّ يكون مناسبًا للفعل المكرر أولًا. إنَّ كان مناسبًا، نحو قولك: كَلَمَّا أَجَنَبَتْ مِنكَ إجْنابة - فإنَّ اغتسلت في الحمام فأنت طالق؛ فإنَّ أجنب ثلاثًا، واغتسل بكلّ إجنابة طلقت ثلاثًا،
стр. 1442
وإنَّ أجنب منها ثلاثًا واغتسل واحدة، فزعم أبو يوسف انها تطلق عليه ثلاثًا. وزعم الفراء أنَّ قول أبي يوسف غلط.
وإنَّ كان غير مناسب، نحو: كلّما دعوتي، فإن سقط هذا الحائط، فعبد من عبيدي حرّ، فإنَّ دعاه ثلاث دعوات، وسقط الحائط، فعليه عتق ثلاثة أعبد، ولا يلزم في غير المناسب التكرار، هذا مذهب الفراء. وأصول البصريين يقتضي التكرار، والمربوط بالفاء على ما يقتضي التكرار إذا كان الفعل قابلًا، سوا، كان مناسبًا أم غير مناسب، ولا يجوز أنَّ يكون فعل الشرط إلاَّ بما يمكن فيه التكرار، وكلّما في هذه المسائل ونحوها منصوبة، والعامل فيها محذوف يدل عليه جواب الشرط المعطوف بالفاء بعدها، والتقدير: إنَّت طالق كلّما أجنبت منك إجنابة، فإن اغتسلت في الحمام فأنت طالق، وكذلك: عبد من عبيدي حرّ كلّما دعوتني، فإنَّ سقظ هذا الحائط فعبد من عبيدي حرّ. ويبيّن ذلك أنَّ "ما" المضاف إليها "كلّ" هي ما المصدرية الظرفية وفيها معنى العموم، فإنَّ قلت: لا أصحبك ما طلعت الشمس، فمعناه: لا أصحبك مدة طلوع الشمس، فحذف مدة، وأقيم المصدر مقامه، ثمَّ جعلت "ما" والفعل وقامت مقام المصدرية، ولا يريد بذلك مطلق المصدر فيصدق بالمرة الواحدة، بل العرب لم تستعمل ما التوقيمية إلاَّ بمعنى العموم، ثمَّ دخلت "كلّ " فأكدت معنى العموم الَّذي فيها، فأنتصب على الظرف، قال تعالى: ﴿كلّما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا﴾ [النساء/٥٦] ﴿كلّما دعوتهم ليتغفر لهم جعلوا﴾ [نوح/ ٨] ﴿وكلّما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه﴾ [هود/٣٨] ولذلك كثر مجيء الفعل الماضي بعدها؛ لأنَّ ما التوقيتة كذلك، وما التوقيتية شرط من حيّث المعنى، وإنَّ لم يكن لها عمل إلاَّ على ما ذّهبّ إليه المصنف، فقد ذكر هو الجزم بها عن بعض العرب، وقال تعالى: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ [التوبة/٧] لما جرت مجرى الشرط في المعنى، جرت مجراه في الجواب، فدخلت الفاء لما كان الجواب فعل أمر، كما تدخل في نحو: إنَّ جاء زيد فاضربه، ولم تدخل في قوله تعالى: ﴿كلّما نضجت جلودهم بدلناهم﴾ كما لم تدخل في إنَّ
стр. 1443
قام زيد قام عمرو، فحكم "كلّما" حكم أداة الشرط في اقتضاء جملتين يترتب إحداهما على إلاَّخرى. وإنَّما تعرضت لإعراب كلّما في هذه المسائل، وإنَّ كان من واضح إلاَّعراب لأنَّ بعضّ أصحابنا، وهو إلاَّستاذ أبو الحسن بن عصفور، زعم أنَّ كلّما في هذه المسائل مرفوعة على إلاَّبتداء، وقال: لا يجوز في هذه المسائل المذكورة غير ذلك. قال: وجملة الشرط والجواب في موضع خبرها، قال: ولابدَّ من عائد يعود عليها ملفوظ به أو مقدر، ودخلت الفاء على جملة الشرط والجواب، وهي في موضع خبر المبتدأ؛ لأنَّ كلّما اسم عام، وبعدها فعل، وكلّ اسم عام مضاف إلى موصوف بفعل قابل لأداة الشرط، أو ظرف أو مجرور، والخبر مستحق بذلك الظرف أو المجرور أو الفعل، ودخلت الفاء عليه لعلة ذكرت في باب إلاَّبتداء، قال: فعلى هذا إذا قلت: كلّما أجنبت منك إجنابة، فإنَّ اغتسلت في الحمام بعده فعبدي حرّ، ولابدَّ من ذلك لترتبط الصفة بالموصوف، والخبر بالمخبر عنه، وتكون جملة الشرط والجوابه مستحقة بكلّ اجنابة أجنبها، وكذلك أيضًا يلزم وإن لم يكن فعل الشرط مناسبًا لفعل كلّما، نحو قولك: كلّما أجنبت منك إجنابة، فإنَّ جاء زيد فعبدي حرّ، كانه قال: كلّ وقت أجنبت فيه منك بكلّ إجنابة أجنبتها. وهذا الَّذي ذهب إليه ابن عصفور تبعه عليه شيخنا أبو الحسن إلابدَّي، وهذا الَّذي ذهبنا إليه مدفوع بالسمّاع والقياس.
أمّا السماع فالمحفوظ من لسان العرب نصب كلّما هذه، والقرآن مملوء من ذلك، وأشعار العرب، وقد ذكرنا شيئًا من ذلك، وقال تعالى: ﴿كلّما دخلت أمَّة لعنت أختها﴾ [إلاَّعراف/٣٨] ﴿كلّما آرادوا إنَّ يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها﴾ [الحج/ ٢٢]، ﴿كلّما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها﴾ [الملك/٨]، ﴿كلّما رزقوا منها من ثمَّرة رزقا قالوا﴾ [البقرة/٢٥]، وقال الشاعر: كلّما جشأت وجاشت ... البيت. ولم يسمع من العرب الرفع في شيء من هذا كلّه، بل النصب والنصب على ما ذكرناه من الظرف؛ لأنَّ
стр. 1444
كلّا مضاف إلى ما الظرفيّة، والعامل في هذا الظرف هو الفعل الواقع جوابًا فـ (بدلناهم) عامل كلَّما من قوله تعالى: ﴿كلّما نضجّت جلودهم﴾ وكذلك البواقي، والفعل بعد كلّما في موضع صلة "ما" الظرفية، لا في موضع الصفة، كما زعم ابن عصفور.
وأما القياس، فانه لو كانت ما نكرة موصوفة لزم من ذلك شيئان، أحدهما: أنَّ النكرة الموصوفة إنَّما تقدّر بشيء، لانها مبهمة، فلا دلالة لها، على أنَّ ذلك الشيء هو وقت: لأنَّ العام لا دلالة له على تعيين إنَّ ذلك الشيء هو وقت، والثاني: انه لو كان الفعل واقعًا صفة لا صلة، للزم أنَّ يعود منه ضمير على الموصوف، ولا يحذف إلاَّ قليلًا؛ ولم يوجد في جميع استعمالات كلّما ضمير يعود على الموصوف فدلَّ على أنَّ الفعل ليس بصفة، وإنَّما هو صلة لما، وما حرف، فلا يعود عليها، ضمير، وإنَّما غلط الأستاذ أبو الحسن في ذلك انه رأى إنَّ ما بعد كلّما هو شرط دخلت عليه الفاء، فاذا نصب كلّما، فما بعد الشر لا يعمل فيما قبله، فعدل إلى وجوب الرفع في كلّما فرارًا من عامل النصب فيها، وقدر انه محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، وأيضًا قد تقرر عند الجمهور أنَّ الخبر عن الموصول أو الموصوف بشروطه، شرط دخول الفاء عليه أنَّ يكون مستحقًا بالصلة أو الصفة، وهذه الجملة الواقعة خبرًا لكلّما إذا رفعت كلّما هي شرطية، فليست مستحقة بالصلة، ولا الصفة بل المستحق إنَّما هو قوله: فأنت طالق، أو فعبد من عبيدي حرّ، وهذا جواب للشرط لا خبر عن المبتدأ، إلاَّ أنَّ يقال: ما كان مستحقًا بشيء ومترتبًا عليه، جمل كانه مستحق بما قبله، وهذا كلّه في ضعيف. إلى هنا كلّام أبي حيّان، ونقلناه بطوله لأنَّ المسألة محرّرة فيه، وليظهر أنَّ مأخذ كلّام المصنف منه، وإنَّ تخطئته تعصب.
والبيت من شعر لعمرو بن الإطنابة قال المبرد في "الكامل": يروي عن معاوية انه قاله: اجعلوا الشعر أكبر همّكم وأكبر آدابكم، فإنَّ فيه مآثر أسلافكم،
стр. 1445
ومواضع إرشادكم، فلقد رأيتني يوم الهّرير، وقد عزمت على الفرار، فما يردني إلاَّ قول ابن الإطنابة إلأنَّصاري:
ابت لي عفَّتِي وأَبى بَلائي ... وأَخذِي الحَمدَ بالثمَّنِ الرَبِيحِ
وإِجشامي على المكروهِ نفسي ... وضَربي هامَةَ البَطَلِ المشيحِ
وقولي كلّمل جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحيّ
لأشكبها مآثر صالحات ... وأحمي عد عن عرض صحيّح
بِذي شطَبٍ كَمثل المِلحِ صافٍ ... ونَفسٍ ما تَقر على القبيحِ
وجشأت، مهموز: جبنت، يكون ذلك من تذكرها للتهوع، ومن جزعها منه، وجاشت غير مهموز. انتهى. وقوله: أبت لي عفتي .. الخ، أبت: بمعنى كرهت، فهو فعل متعد ومفعوله محذوف تقديره: أبت الفرار، ويأتي أبي بمعنى امتنع، فهو فعل لازم، فيكون التقدير: امتنعت عن الفرار، والعفة: الكف عما لا يحسن، وروي بدله: "أبت لي همتَّي" والبلاء: المحنة، وأراد به التقحم في المهالك والحرّوب، وأراد بالحمد: ذكر الناس إياه بالنعوت الفاضلة، وأراد بالربيح: الغالي، وهو بذل النغس في المعارك. وقوله: وإجشامي: مصدر مضاف إلى الفاعل، ونفسي معفوله، مصدر أجشمه، أي: كلّفه، وروي بدله: "وإقدامي" مصدر أقدمه على كذا، وضربي: مصدر مضاف إلى الفاعل أيضًا، وهامة: مفعوله، وهي الرأس، والبطل: الشجاع الَّذي تبطل عنده الحيّل، والمشيح: اسم فاعل من أشاح، قال المبرد في "الكامل": المشيح: الحامل الجادّ،
стр. 1446
يقال: أشاح يشيح: إذا حمل، ويقال في هذا المعنى: رجل شيح، كما يقال: ناقة نقض، قال أبو ذؤيب:
وشايحت قبل اليوم إنَّك شيح
انتهى. وقوله: وقولي، هذا معطوف كالَّذي قلبه على بلائي، وهو مصدر مضاف إلى فاعله أيضًا. والمصراع الثاني مقول القول، وكان الدماميني لم يستحضر ما قبله من إلاَّبيات، فقال: قولي: مبتدأ، وجملة: مكانك تحمدي الخ، خبره، على حد: قولي لا إله إلاَّ الله، وتبعه الشيخ خالد في "التصريح وابن الملا في "الشرح"، . وكلّما ظرف متعلق بقولي، وتقدَّم تفسير جشأت، وفاعله ضمير النفس في البيت قبله، وجاشمت النفس: اضطربت، وجاشت القدر: غلت، وكلّ شيء علا فقد جاش، حتى الهموم في الصدر، وغفل أبو عبيد البكري عن مرجع ضمير جشأت في البيت السابق، فقال في "شرح نوادر القالي": روى غير واحد: "وقولي كلّما جشأت لنفسي" وهو أحسن من وجهين، أحدهما: إنَّ جشأت وجاشت بمعنى واحد، معناهما إلاَّرتفاع، والثاني: رجوع الضمير إلى مذكور، هذا كلّامه، وليس معناهما واحدًا كما زعم، وقد استشهد صاحب "الكشاف" بهذا االبيت عند قوله تعالى: ﴿إذ همت طائفتان منكم إنَّ تفشلا﴾ [آل عمران/١٢٢] على أنَّ النفس عند الشدة لا تخلو من هلع، ثمَّ يردها صاحبها إلى الصبر، ويوطنها على احتمال المكروه. وقوله: مكانك بكسر الكاف: اسم فعل أمر بمعنى اثبتي، بدليل جزم تحمدي، فانه مجزوم في جواب الأمر، وبه استشهد المصنف في "الأوضح" ولو جمل ظرفًا لتعلق إما بفعل وإما صفة، كما هو شأن
стр. 1447
الظروف، ولا يجب تعلقه بفعل أمر، ولو قدر للقرينة لا يجوز جزم مضارع في جوابه، لأنه غير مذكور، وهذا هو الباعث على اعتبار مكانك اسم فعل لا ظرفًا، وبه يرد على الدماميني في قوله: لا مانع من جعله ظرفًا للمقدر، وليس هنا ضرورة إلى كونه اسم فعل. انتهى. والمراد بالضرورة في قوله: المقتضى والباعث، لا الوقوع في الشعر كما فهمه ابن وحيّي وقال: هذا منه عجيب، فإن مكانك من مشاهير أسماء الأفعال، وقال ابن مالك في "التسهيل": منها ظروف، كمكانك بمعنى: اثبت، فأين الضرورة التي ادعاها؟ مع أنَّ فيه مندوحة عن ارتكاب المقدر. انتهى. وتحمدي بالبناء للمفعول، ومعناه: ممدوحة بالثبات، أو تستريحيّ بالموت من الدنيا. وقوله لأكسبها .. الخ، هذا تعليل لقوله: قولي، والفعل يجوز أنَّ يكون ثلاثيًا متعديًا إلى مفعولين، فانه يقال: كسبت زيدًا مالًا، أي: أنلته، وأنَّ يكون رباعيًا، قال ثعلب: كلّهم يقول: كسبك فلان خيرًا، إلاَّ ابن الأعرابي فإنه يقول: أكسبك بالألف، والمفعول الأول، ضمير النفس، ومآثر: المفعول الثاني، جمع مأثرة، بضمّ المثلثة، وهي المنقبة والمكرمة، من أثرت الحديث من باب قتل: إذا نقلته، وحديث مأثور: منقول، وسميت المكرمة مأثرة لأنها تنقل ويتحدث بها، وصالحات: صفة مآثر، وبعده بالضم، أي: بعد ذلك. وقوله: بذي شطب، هو السيف، وشطب، بضم ففتح: جمع شطبة، بالضمّ، وهي طرائق السيف من جوهره. وقوله: صاف، أي: مجلوّ، ونفس، بالجرّ، معطوف على ذي شطب، وتقرّ: مضارع قرّ على كذا: إذا استقرّ عليه وتمكن فيه.
وعمرو بن الإطنابة: شاعر فارس خزرجي جاهلي، قال ابن الكلّبي في "جمهرة إلأنَّساب": هو عمرو بن عامر بن زيد مّناة بن مالك الأغرّ بن ثعلبة، شاعر، وهو ابن الإطنابة نسب إلى أمّه، وهي من بلقين. انتهى. والإطنابة بكسر الهمزة،
стр. 1448
ومعناها في اللغة: المظلة، وسير يشدّ في طرف وتر القوس العربية، وسير الحزام المعقود إلى الإبزيم، والجمع أطانيب، قال حمزة الأصفهاني: في "أمثاله" التي على أفعل التفضيل عند قولهم: "أفرس من بسطام": حدثني أبو بكر بن شقير قال: حدثي أبو عصيدة: قال: حدثي الأصمعي قال: أخبرني خلف إلاَّحمر عن عوانه ابن الحكم، روي أنَّ عبد الملك بن مروان سأل يومًا عن أشجع العرب شعرًا، فقيل له: عمرو بن معدي كرب، فقال: كيف، وهو الَّذي يقول:
وجاشت إلى النفس أوّلّ مرَّة ... وزدَّت على مكروهها فاستقرَّت
قالوا: فعمرو بن الإطنابة، قال: وكيف، وهو الَّذي يقول:
وقولي كلّما جشأت وجاشت .. البيت
قالوا: فعامر بن الطفيل، قال: كيف وهو الَّذي يقول:
أقول لنفس لا يجاد بمثلها ... أقلّي مراحًا إنَّني غير مقصر
قالوا: فمن أشجعهم عند أمير المؤمنين؟ قال: أربعة: عباس بن مرداس، وقيس بن الخطيم، وعنترة بن شداد العبسي، ورجل من مزينة. أمّا عباس فلقوله:
أشد على الكتيبة لا أبّالي ... أحتّفى كانّ فيها أمْ سوّاها
وأما قيس بن الخطيم، فلقوله:
وإنَّي لدى الحرّب العوإنَّ موكلّ ... بتقديم نفس لا أريد بقاءها
وأما عنترة فلقوله:
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي
стр. 1449
وأما المزني فلقوله:
دعوت بني قحافة فاستجابوا ... فقلت ردوا فقد طابّ الورود
انتهى. وفي كتاب يتعلق بنقد الشعر ولا أعرف مؤلفه: ومن خبيث الهجاء وممضه قول عمرو بن معدي كرب: وجاشت إلى النفس .. البيت، لو أنَّ شاعرًا أراد هجاءه بأقبح من هذا البيت لما قدر عليه؛ لأنه ذكر أنَّ نفسه حسنت له الفرار، وجاشت من الخوف، فردَّها على المكروه قاستقرت، إلاَّ أنَّ جماعة من الشعراء الفرسان قد أتوا بهذا المعنى، واستحسنوا القبيح منه، وهم فرسان العرب، ومنهم ابن الإطنابة في قوله:
وقولى كلّما جشأت وجاشت ... البيت
وأخذه قّطّري بن الفجاءة فقال:
أقول لها وقد طارت شعاعًا .. من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنَّك لو سألت بقاء يوم ... على إلاَّجل الَّذي لك لم تطاعي
ومثله لدريد:
جاشت إلى النفس في يوم الفزع
وهذا كثير جدا وإذا كان عمرو بن معدي كرب، وابن الإطنابة، وأمثالها من فرسإنَّ الجاهلية، ومن شهرت له المقامات في الحرّوب، يذكرون في أشعارهم أنَّ أنفسهم همّت بالفرار، فعذر الله الغمر والطبري وأشباهه في ذكرهم الفرار ما استحسنه وأجازه غيرهم من الفرسان المعدودين.
" كلّا وكلّتا "
أنشد فيهما، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣٣) إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مُدَىٌ ... وَكَلَا ذَلِكَ وَجُهَ وَقَبْلَ
стр. 1450
على أنَّ ((كلّا)) لا تضاف إلاَّ إلى ما يدل على اثنين، وهنا أضيفت إلى ((ذلك))، وهو أسم الإشارة يشار به إلى الواحد، وأجاب بأنّه أشير به إلى المثنى على معنى: وكلّا ما ذكر، كقوله تعالى: ﴿عوان بين ذلك﴾ [البقرة/٦٨] أي: بين الفارض والبكر، وهذا تأويل صاحب ((الكشاف)) في الأية. قال: فإنَّ قلت: ((بني)) يقتضي شيئين فصاعدًا، فمن أين جاز دخوله على ((ذلك))؟ قلت: لانه في معنى شيئين حيّث وقع مشارًا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر، فإن قلت: كيف جاز أنَّ يشار به إلى مؤنثين، وإنَّما هو للإشارة إلى واحد مذكر؟ قلت: جاز ذلك على تأويل ما ذكر، وما تقدَّم، للاختصار في الكلّام. انتهى. وهذا غير جيد؛ فإنَّ اسم الإشارة يؤول به الضمير المفرد إذا كان مرجعه متعددًا، كقول صاحب ((الكشاف)) في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إنَّ أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به﴾ [الأنعام/٤٦] أي: يأتيكم بذاك، إجراء للضمير مجرى اسم الإشارة، أو بما أخذا وختم عليه. انتهى. فأول الضمير المخالف لمرجعه باسم الإشارة وبالوصول، وهما تأويلان معروفان للضمير المخالف، والأول أجود؛ لأنَّ التأويل بالموصول يستدعي زيادة تقدير، ولأنَّ التأويل باسم الإشارة تأويل للراجع، وبالموصول تأويل للمرجع، وتغيير التابع أهون من تغيير المتبوع، ولذا قدمه في تأويل آية الأنعام، وبعضهم يعبر عند التأويل بالموصول بقول المذكور، بناء على أنَّ ((أل)) في الوصف موصولة وإنَّ أريد الثبوت، وفي كلّام صاحب ((الكشاف)) تصريح بأنَّ اسم الإشارة نفسه إذا خالف المشار إليه إفرادًا وضدية وتذكيرًا وضده، لا يحتاج إلى التأويل فيترك على حاله، لأنَّ تلك الاَّحوال ليست ثابتة على الحقيقة، كما أنَّ الموصول كذلك، وهو واضح. كيف! ولو احتاج ما به التأويل إلى التأويل بشيء آخر لزم التسلسل، وكان ينبغي له أنَّ يترك تأويل اسم الإشارة بما ذكر في آية البقرة، ويقول: جاز ذلك لأنَّ أسماء الإشارة، تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليس على الحقيقة، وقد اعترف
стр. 1451
به بعد سطرين فقال: وقد يجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا، قال أبو عبيدة قلت لرؤية في قوله:
فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق
إنَّ أردت الخطوط فقل: كأنها، وإنَّ أردت السواد والبلق فقل: كأنهما، فقال: أردت كأنَّ ذاك ويلك! والَّذي حسّن منه أنَّ أسماء الإشارة، تثنيتها وجمعها، وتأنيثها، ليست على الحقيقة، وكذلك الموصولات، ولذلك جاء الَّذي بمعنى الجمع. انتهى كلّامه.
فهذا اعتراف منه ببطلان أول كلّامه؛ لأنَّ مقتضاه جواز الإشارة إلى المؤنثين به بشرط أنَّ يكون المشار إليه مؤولًا بالموصول، كما أنَّ الضمير كذلك، ومقتضى آخره جواز الإشارة إليهما به، فأفسد ذلك الشرط، ولم يتنبه أحد من شراحه لهذا التدافع.
واعلم أنَّ السر في كون التثنية والجمع والتأنيث في أسماء الإشارة، والموصولات ليست على الحقيقة بخلاف الضمائر، أنَّ تخصيص ما يعبّر به عن المذكر والمؤنث والمثنى والمجموع بصيغة مخصوصة، ليتميز كلّ عن إلاَّخر لدى المخاطب، حتى يفهم مراد المتكلّم، والحاجة إلى ذلك التمييز إنَّما تتحقق إذا صارت ذات كلّ غائبة عن الحس الظاهر أو الباطن، فلا تتحقق تلك الحاجة كلّ التحقيق في الإشارة والموصول، لتولي الحسّ الظاهر على التمييز في الأول، والباطن في الثاني، إذ لا تستعمل الموصولات ما لم تكن الذات معلومة بين المتكلّم والمخاطب؛ لأنَّ تعريفها بالعهد الَّذي في الصلة، بخلاف الضمير، فإنه قد يكون للغائب عن الحس، فتتحقق
стр. 1452
الحاجة إليه كلّ التحقيق، فلا يتوصل إلى التمييز فيه إلاَّ بالصيغ المخصومة، ولذا وضعوا ((إنَّا)) و ((نحن)) للمتكلّم مذكرًا أو مؤنثًا، ووضعوا الموصولات المشتركة وتعدد صيغ الموصولات لنصه، وأسماء الإشارة للتوسع في الألفاظ، كوضع الألفاظ المترادفة، والله أعلم.
والبت من قصيدة لعبد الله بن الزَّبعرى، قالها يوم أحد وهو مشترك يفتخر بها، أوردها أصحاب السيَّر، منهم ابن هشام وابن سيد النّاس، وأولها:
يا غرابّ البّين أسمّعتّ فقل ... إنَّما تنطق شيئًا قد فعل
إنَّ للخير وللشَّرَّ مدَّى ... وكلّا ذلك وجه وقبل
كلّ عيش ونعيم زائل ... وبنات الدَّهر يلعبن بكلّ
أبلغا حسّان عني آية ... فّقّريض الشَّعر يشفي ذا العلل
كم قتلنا من كريم سيدِ ... ماجد الجدَّين مقدام بطّل
صادق الَّنجدة قرم بارع ... غير ملتاث لدّىّ وقع إلاَّسل
ليت أشياخي ببدر شهدوا .. جزع الحزرج من وقع إلاَّسل
حيّن حلت بقباء بركها .. واستحرَّ القتل في عبد إلاَّشل
فقتلنا الضعف من أشرافهم ... وعدّلنا ميل بدر فاعتدل
وفي رواية ابن هشام من هذا وأجابه حسإنَّ بن ثابت بقصيدة مطلعها:
ذّهبّت بابن الزّبعّري وقّعة .. كان مناَّ الفضل فيها لو عدّلّ
ولقد نلتم ونلنا منكم ... وكذلك الحرّب أحيّانا دوّل
نضع الأسياف في أكتافكم ... حيّث تهّوى عللًا بعدّ نهلّ
стр. 1453
وقوله: يا غراب البين، هو كلّ غراب يتشاءم به، وإنَّما لزمه هذا الإسم؛ لأنَّ الغرابّ إذا بان أهل الدار وقع في مواضع بيوتهم يتلمس شيئًا، فتشاءموا به وتطيروا منه، إذ كان لا يعتري منازلهم إلاَّ إذا بانوا، فسموه غراب البين، ولا شيء عند العرب مما يتشاءم به إلاَّ والغراب أنكد منه، وقد جرت العادة بالتشاءم بصوته.
وقوله: إنَّما تنطق شيئًا، أي: بشيء، وسمي صوته نطقًا مجازًا، وفعل: بالبناء للمفعول، يريد: إنَّما تؤذن بأمر وقع، قال السهيلي: قوله: قد فعل، أي: قد فرغ منه وقدر، وكانوا في الجاهلية يقرون بالقدر، قال لبيد في الجاهلية:
إنَّ تقوى رّبنّا خير نفل .. وبإذن الله ريثي وعجل
مّن هدّاهّ سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضّل
وقال راجزهم:
يا أيّها اللائم لمني أو فذر .. إنَّ كنت أخطأت فما أخطأ القدر
انتهى. وقوله: ((إنَّ للخير وللشر مدى)). المدى: الغاية، يقول: إنَّ لكلّ من الخير والشر غاية، وكلّاهما مما يتوجه إليه الإنسان ويستقبله. وقوله: وكلّا ذلك، أي: كلّا الأمرين من الخير والشر؛ ولا يؤول ((ذلك)) بما ذكر؛ لأنَّ اسم الإشارة صالح للواحد والاَّثنين وغيرهما، وبه يؤول الضمير إذا كان مخالفًا لمرجعه، فلا يؤوَّل ما يؤوَّل به كما حققناه إنَّفًا. وكلّا: مبتدأ، ووجه: خبره، وقد روعي هنا لفظها، لهذا أخبر عنها بمفرد، وروي: ((لكلّا ذينك وقت وأجل)) وهذا هو الأصل، والوجه: ما يتوجه إليه إلإنسان من عمل وغيره، وقبل بفتحتين: ما يقبل عليه، والقبل: الاَّقبال على الشيء من غير تهيؤ، بقال: تكلّم فلانَّ قبلا فأجاد، وهو: إنَّ يتكلّم ولم يستعد له، وقال إلاَّصمعي: رجزته قبلًا: إذا أنشدته رجزًا لم تكن أعددته، وقال أبو عمرو: القبل: المحجة الواضحة، وبنات الدهر: حوادثه،
стр. 1454
والأية: العلامة، والقريض: الشعر، والغلل: جمع غلّة، بضم أولهما، وهي حرّارة الجوف. والقرم، بفتح القاف: السيد، والبارع: الفاضل، والملثات أصله: ملتوث، اسم فاعل من التاث، مأخوذ من اللوثه، بالضم وهي: الإسترخاء والبطء، والحمق والضعف، وكثرة اللحم والشحم. وإلاَّسل: الرماح، واحدة أسّلة، بتحرّيكهما. وقباء، بالضمّ والمدّ: قرية قرب المدينة المنوَّرة. والبرك، بالفتح: الصدر، قال ابن سيد الناس: عبد الأشل يريد عبد الأشهل. انتهى قال صاحب ((القاموس)):
قال ابن الكلّبي: الأشهل: صنم، ومنه بنو عبد الأشهل لحيّ من العرب، وكذا في ((القاموس)). استحرّ: اشتدَّ من الحرّارة، والميل: الانحطاط.
وابن الزَّبعرى هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي بن سهم القرشي السهمي الشاعر، كان من أشدَّ الناس على النبيّ، ﷺ وعلى أصحابه بلسانه ونفسه، وكان من أشعر الناس وأطبعهم، يقولون انه أشعر قريش قاطبة، وكان يهاجي حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، ثمَّ أسلم عام الفتح بعد أنَّ هرب يوم الفتح إلى نجران، فرماه حسّان ببيت واحد وما زاد عليه.
لا تعد من رجلًا أحلَّك بغضه ... نجرإنَّ في عيش أحذَّ لئيم
فلما بلغ ذلك ابن الزبعري، قدم إلى رسول الله، ﷺ ، فأسلم وحسن إسلامه، واعتذر إلى رسول الله، ﷺ ، فقبل عذره، ثمَّ شهد ما بعد الفتح من المشاهد، ومن قوله بعد إسلامه:
يا رسول المليك إنَّ لساني ... رائق ما فتقت إذ إنَّا بور
إذ أجاري الشيَّطان في سنن الغي ... وفي ذلك خاسر مثبور
يشهد السَّمع والفؤاد بما قلت ... ونفسي الشهيد وهي الخبير
стр. 1455
أنَّ ما جئتنا به حق صدق ... ساطع نوره مضيء منير
جئتنا باليّقين والصدَّق والبر ... وفي الصدق واليقين السرور
أذهب الله ضّلّةّ الجهل عّنّا ... وأتانا الرخاء والميسور
في أبيات له. والبور: الضّال الهالك، وهو لفظ للواحد والجمع، كذا في ((الاستيعاب)) لابن عبد البرّ. والزَّبعري: بكسر الزاي، وفتح الموحدة، وسكون العين، وفتح الراء المهملتين، فألف مقصورة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣٤) كلّا أخي وخليلي وأجدى عضدًا
هو صدره وعجزه:
في النّائبات وإلمام الملمّات
على أنَّ التفريق بالعطف ضرورة، وكان القياس أنَّ يقول: أخي وخليلي كلّاهما وأجدى عضدًا. قال ابن مالك في ((التسهيل)) وقد يفرق بالعطف اضطرارًا، قال أبو حيّان في ((شرحه)): يعني: يعطف أحد الشيئين على إلاَّخر بالواو خاصة، فيكون في حكم المثنى، وقد روعي هنا أيضًا لفظها، فإنَّ ((كلّا)) مبتدأ، وواجدي خبره، وهو متعد إلى اثنين أصلهما المبتدأ والخبر، وهو مضاف إلى مفعوله الأول، وعضدًا هو المفعول الثاني، يعني كلّ منهما يجدني عضدًا ومعينًا له، وفي متعلق به، والنائبة: المصيبة، يقال: نابه أمر ينوبه نوبة، أي أصابه، وإلمام: مصدر ألم به: إذا نزل، والملمات: نوازل الدهر وحوادثه، والنازلة والملمة من الصفات الغالبة على حادثة الدهر.
والبيت من قصيدة لأبي الشعر الهلالي وهي:
جدَّ الرحيّل وما قّضَّيت حاجاتي ... ومّا التَّخابر إلاَّ في الملمَّات
стр. 1456
إِنّي أَرَى الدَّهْرُ قَدْ عُزَّتْ مَكَاسِبُهُ ... وَالنَّاسُ قَدْ أَصْبَحُواأَوْلَاد علات
إِنَّ الْحَزَازَاتِ يَحِيهَا تَذَكُّرُهَا ... وَفِي التَّقَاضِيشِفَاء لِلْحَزَازَاتِ
مَنَّتْكَ نَفْسكَ أَقِوَامًا وَعُطُفَهُمْ ... لَمَّارَمَيْتِ بِأَحْدَاثِ مُلْحَاتٍ
مَا كَانَ مَا وَعُدَّتُكَ النَّفْسِخَالِيَّةٌ ... إلاَّ عِدَّاتُ غَرُورِ مُضْمَحِلَّاتٍ
وَالدَّهْرُ مؤتنف تَأْتِيَ حوَادِثُهُ ... بِالْيُسْرِ طَوْرًا وبإلاَّقتار تارَاتٍ
تُعَلْمِنُ إِنَّ أَخلَاقَ النَّدَى كَرَّمَ ... وَإِنَّمَا البخل مِنْ لُؤْمِ السَّجِيَّاتِ
وَإِنَّ لِلْجُودِأَحَيَّانَا يَنَالُ بِهِ ... وَإِنَّ لِلْبُخْلِ وإلاَّمساك سَاعَاتٍ
يا نَفْسُ صَبِرًا عَلَى مَا كَانَ مَنُّ حَدَثٍ ... فَكُلُّ مَا هُوَ مَقْضِيٌّ لَنَا آتِي
وَطَنَّتْ لِلصَّبِرِ نَفْسًا طَالَمَا عَزَفْتِ ... عَلَى الْخُطُوبِ مِنَ الدَّهْرِ الْمَمَرَّاتَ
وَلَمْ أَكِنْ عِنْدَ نُوبَاتِ الْغِنَى بطرًا ... وَلَمْ أكن جزعًا عِنْدَ الشَّدِيدَاتِ
كَلَا أَخِي وَخَلِيلِي واجدى عَضُدًا ... فِي النَّائِبَاتِ وَإِلْمَامَ الْمُلِمَّاتِ
لِقَدْ عُلِمَتْ وَخَيْرُالْعِلْمِ إنَّفعه ... إِنّي إِلَى أَجَلْ يَأْتِيَ وَمِيقَاتُ
إِنّي رَهينَةَ يَوْمِ لَسْتَ سَابِقُهُ ... وَالْمَوْتُ أَبْصَرُ مِنْ نَفْسي بِغِرَّاتٍ
نَالَ الثَّرَاءُ رُجَّال بَعْدَ فَاقَتِهِمْ ... فَالْحَمْدُ لله جبَار السّموَاتِ قُوِّمَ مَحَلُّهُمْ دان وَنَصْرَهُمْ ... نَاءَ وَفِي النَّاسِ أَحَيَاءك كأموَاتِ
لَا يَنْعَشُونَ كَرِيمًا عِنْدَ عَثْرَتِهِ ... وَلَا يُطِيقُونَ دفعًا لِلْعَظِيمَاتِ
كالأسد مَا أَلْبَسُوا أَمِنًا وَإِنَّ فَزِعُوا ... طَارُوا بِأَلْبَابِ آم مُسْتَعَارَاتٍ
قَوْمَيٌّ أُولَئِكَ لَا أَبَغْي بِهُمْ بَدَلًا ... قُوَّمُي مَعَادِنِ أحْلَامِ وَسُورَاتٍ
قُوَّمُي هُمْ آفَةُ الْجَيْشِ المنيخ بِهُمْ ... وَعِصْمَةُ المجتدي وَالطَّارِقَ الشَّاتِي
يومان ضِفْنَاهُمَا الأقوام يَوْم نَدًى ... وَيَوْمُ أَلْوِيَةِ تُهْوِيَ وَرايَاتُ
كُلَّ لَهُ سَاسَةُ مِنهَا مُحَافَظَةٌ ... عَلَى الطَّرَائِفِ مِنهَا وَالتَّلِيدَاتِ
وآخرين إذا كَانَتْ مزاحفة ... يَمُشُّونَ فِيالْبيضِ وَالْبيضِ المفاضات
أَيْنَ الَّذِينَ هُمْ يَنُفَّ الْعَدُوُّبِهُمْ ... عَنَا وَيَقْمَعَ حَدُّ الْجَائِرِ الْعَاتِي
стр. 1457
إنَّي فرعت الذرى من ذروة فرعت ... شمَّ الجبال من الشمَّ المنفيات
كم فيهم من فتى ترجى نوافله ... ومنهم من يغادى بالتَّحيّات
وكتبت هذه القصيدة كاملة لحسنها، ولندرة ذكرها في كتب الأدب، فإني لم أرها إلاَّ بخط ابن أسد الكاتب الخطَّاط، تلميذ وشيخ وأستاذ ابن البوّاب، في مجموع قصائد وأشعار، وروايات وأخبار. قال في آخره: نقلت جميعه من أصل أبي عبد الله بن مقلة بخطه في شهر رمضان سنة سبعين وثلاثمَّائة، وقابلت به وصحّ، انتهى. وخطّ ابن أسد المذكور في نهاية الجودة وصحة الضبط والإتقان.
وهذا شرح بعض كلّمات القصيدة:
التخابر: تفاعل من الخبرة – بالكسر- وهو الإمتحان، وعزّت مكاسبه.
قلت، من العزة وهي القلة، وأراد بأولاد عَّلات: متباغضين؛ لانهم بنو أب من أمهات شيء، ولا يحبّ بعضهم بعضًا في الغالب، وإنَّما يتحابون إذا كانوا أشقاء، الواحدة علة، بفتح العين المهلة، من العلل، وهو الشرب بعد الشرب، لأنَّ الأب لما تزوج مرة بعد أخرى، صار كأنه شرب مرة بعد أخرى، وإذا كانوا من أم واحدة وآباءهم شتى، فهم أولاد الأخياف، ويقال للأشقاء ايضًا: أولاد الأعيان، والحزازة، بفتح المهملة: وجع في القلب من غيظ ونحوه. والأحداث: جمع حدث بفتحتين، وهو اسم للأحداث، مصدر أحدث، ومؤتنف، بفتح النون: مستأنف ومستقبل، يقال: جارية مؤتنفة الشباب، أي: مقتبلته، واليسر: والغنى، والإقتار: الفقر، وعزفت بمهلة فمعجمه، يقال: عزفت نفسه عن كذا، أي: إنَّصرف وملّت، والخطوب: حوداث الدهر، والممرّات صفته، بمعنى الشديدات: اسم فاعل من أمرّ الشيء: إذا صار مرّا، ونوبة الغني: حدوثه وإصابته.
والبطر: سوء تحمل النعمة. وقوله: لا ينعشون، من نعشه الله بمعنى أقامه، من باب فتح، ويقال أيضًا: إنَّعشه. وقوله كالأسد ما ألبسوا: ما: مصدرية دوامية، وأمنًا: مفعول ثان لألبسوا، والواو نائب الفاعل، وكان المفعول الأول، وآم
стр. 1458
بالمد والتنوين: جمع أمّة، وهي الجارية. وقوله: إنَّي فرعت، هو في الموضعين بالفاء والراء والعين المهملتين، بمعنى علوت.
وهذه القصيدة رواها ابن الأعرابي عن ابن حبيب.
وأبو الشعر بكسر الشين المعجمة ونسبته إلى هلال بن عامر بن صعصعة، ولم أقف له على ترجمة، والظاهر انه إسلاميّ من شعراء بني أميّة، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣٥) كلّاهما حيّن جد الجري بينهما ... قد أقلعا وكلّا إنفيهما رابي
على انه يجوز مراعاة لفظ ((كلّا)) ومراعاة معناها، وقد اجتمعا في البين، وكلّاهما: مبتدأ، وجملة ((قد أقلعا)) خبره، وأتى يالألف ضمير الإثنين لرعاية معنى كلّا. وقوله: وكلّا أنفيهما: كلّا مبتدأ مضاف، ورابي: خبرة، وأفرد الضمير فيه لرعاية لفظ كلّا.
والبيت للفرزدق قال أبو الحسن على بن محمد المدائني في كتاب ((النساء الناشزات)): زوج جرير الخطفي بنته عضيدة ابن أخي امرأته، وكان منقوص العضد، فخلعها منه فقال الفرزدق:
ما كان ذنب التي أقبلت تعتلها ... حتى اقتحمت بها أسكفَّه الباب
كلّاهما حيّن جدَّ الجري بينهما ... قد أقلعا وكلّا إنَّفيهما رابي
يابن المراغة جهلًا حيّن تجعلها ... دون القلوص ودون البكر والناب
وروى أبو زيد في (نوادره)) البيتين الأولين فقط. وقوله: أقبلت تعتلها .. الخ، أقبلت: خلاف أدبرات أي: توجهت، والخطاب لجرير، وعتلت الرجل أعتله، من باب نصر وضرب: إذا جذبته جذبًا عنيفًا، وضمير المؤنث لعضدة بنت جرير.
стр. 1459
وروى أبو زيد: ((ما بال لومكما إذ جئت تعتلها)) بالخطاب لجرير، وزوجته أمها، واللوم: التعنيف، وروى المبرد في كتاب ((الاعتنان)): ((ما بال لومكما)) بضمير عضيدة، وقوله: حتى اقتحمت بها، أي: أدخلتا عتبة بابك، وقوله: كلّاهما، ضمير المثنى لعضيدة وزوجها. وزعم العيني وغيره أنَّ الضمير للفرسين، وقال السيوطي: فيه التفات والأصل: كلّاكما، ورد عليه ابن الملأَّ بانه يأباه قول الشارحيّن: إنَّ البيت في وصف فرسين تجاريًا، وهذا كما ترى لا أصل له، وكأنهم فهموه من ظاهر البيت، ولم يقفوا على منشأ الشعر. وقوله: جد الجري: إذا اشتد العدو، وفيه إسناد مجازي، والأصل: جدا في جريهما. وقوله: قد أقلعا، يقال: أقلع عن الأمر إقلاعًا: إذا تركه، والصلة هنا محذوفة، أي: أقلعا عن الجري، وقوله: رابي، اسم فاعل من ربا يربو ربوًا، وهو النفس العالي المتتابع، وهذا تمثيل وتشبيه، يقول: إنَّ بنت جرير وزوجها افترقا حيّن وقعت إلاَّلفة بينهما، ولم يمضيا على حالها، فهما كفرسين جدّا في الجري، ووقفا قبل الوصول إلى الغاية.
وقوله: يابن المراغة، قال الصاغاني في ((العباب)): وأمّا قول الفرزدق لجرير: ((يابن المراغة))، فإنَّما يعيره ببني كلّيب؛ لانهم أصحاب حمير، وقال الغوري: لأنَّ أمّه ولدته في مراغة الأبل، وهو موضع تمرغ الدّابة. وقال ابن عباد: المراغة: الإتيان لا تمنع الفحول، وبذلك هجا الفرزدق جريرًا قال: وقيل: هي مشرب الناقة التي أرسلها جرير، فجعل لها قسمًا من الماء، ولأهل الماء قسمًا. وقال بعضهم: المراغة: أم جرير، لقبها به إلاَّخطل حيّث يقول:
وابن المّرّاغة حابس أعياره ... قذف الغربية ما تذوق بلالًا
أراد أنَّ أمة كانت مراغة للرجال. انتهى. وقوله: جهلًا حيّن تجعلها .. الخ، يريد انه جهلت في تزويج بنتك لغير أهل الإبل.
ولهذا الشعر تتمة أوردناها مع شرحها في الشاهد الواحد والسبعين بعد المائة من شواهد الرضي. وترجمة الفرزدق تقدَّمت في الإنشاد الثاني.
стр. 1460
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣٦) إنَّ المنية والحتوف كلّاهما ... يوفي المنيَّة يرقبان سوادي
على أنَّ أبا حيّان قال: إنَّ هذا البيت كالبيت السّابق، قد روعي فيه لفظ كلّا ومعناها، وناقشه المصنف بما ذكره.
والبيت من قصيدة عدَّتها أربعة وثلاثون بيتًا للأسود بن يعفر النهلشي، أوردها المفضل الضبي في ((المفضليات)) ويأتي إنَّ شاء الله بيتان من أولها في بحث ((ما))، وبعدهما:
ومن الحوادث لا أبا لك أنَّني ... ضربت علىَّ الأرض بالأسداد
لا أهتدي فيها لموضع تلعة ... بين العراق وبين أرض مراد
ولقد علمت سوى الَّذي نبّأتني ... إنَّ السَّبيل سبيل ذي الأعواد
إنَّ المنيَّة والحتوف كلّاهما ... يوفي المخارم يرقبان سوادي
لن يرضيا مني وفاء رهينة ... من دون نفسي طارفي وتلادي
وبعد هذا ذكر من أرباب العز والملك من أزعجه الموت وقلقله، وفرسه، ووضع عليه كلّكلّه فقال:
جرت الرياح على مكان ديارهم ... فكّانما كانوا على ميعاد
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظلَّ ملك ثابت إلاَّوتاد
فإذا النعيم وكلّ ما يلهي به ... يومًا يصير إلى بلى وّنفّاد
ثمَّ ذكر بعد هذا إلى آخر القصيدة ما كان عليه في أيام شبابه من القوة والتمتع بالملاهي، وقوله: ومن الحوادث لا أبا لك، بكسر الكاف: خطاف لامرأة. وأنني، بالفتح، في تأويل مصدر مبتدأ. خبره المجرور قبله، والأسداد: جمع سدّ،
стр. 1461
بالضمّ، لغة في سدّ، بالفتح، وهو الحاجز بين الشيئين، كأقفال جمع قفل، يقول: سدت على الأرض لضعف الكبر والعمى، فصرت لا أقدر على ذهاب، فكأنَّ المسالك عليَّ، وكان قد عمي في آخره عمره. وقوله: لا أهتدي فيها .. الخ، التلعة: مسيل عظيم للماء، يقول: إذا خفيت عليَّ التلعة فأجدر إنَّ يخفى عليَّ ما دونها، ومراد: قبيلة باليمين، يريد: بين العراق واليمن. وقوله: ولقد علمت سوى الَّذي نبأتني، بكسر التاء. وذو الأعواد: جد أكثمَّ بن صيفي من بني أسيد- بالتصغير وتشديد المثناة التحتية- ابن عمرو بن تميم، وكان من أعزّ أهل زمانه، فاتخذت له قبل على سرير فلم يأتها خائف إلاَّ أمن، ولا ذليل إلاَّ عز، ولا جائع إلاَّ شبع، يقول: لو أغفل الموت أحدًا لأغفل ذا الأعواد، وإنا ميت إذا مات مثله، ويقال: أراد بذي الأعواد الميت لانه يحمل على سرير، أي: إنَّي ميت كما مات غيري، وذلك أنها قالت له: تبقى وتعيش، فقال: هذا إنَّ بقيت، فسبيلي سبيل غيري، هذا كلّه كلّام ابن إلأنَّباري في شرحه.
وقال الصاغاني في ((العباب)): ذو الأعواد: غوي بن سلامة الأسيدي، وكان له خرج على مضر يؤدونه إليه في كلّ عام، فشاخ حتى كان يحمل على سرير يطاف له في مياة العرب فيجبيها، قال الأسود بن يعفر:
ولقد علمت فلا تظنّي غيره .. إنَّ السبيلّ سبيل ذي الأعواد
وروى المفضل: ((ولقد علمت سوى الَّذي نبأتني)) وقال ابن الكلّبي: اسمه ربيعة بن مخاشن الأسيَّدي، وقال ابن الكلّبي أيضًا: هو سلامة بن غوي بن حرّوة إلاَّسيدي، وقيل هو من أجداد أكثمَّ بن صيفي من المعمرين، ثمَّ نقل كلّام ابن الأنباري برمّته. وقال ابن الأثير في كتاب ((المرصّع)): ذو الأعواد هو ربيعة ابن مخاشن بن معاوية، كان يجلس على سرير في قبة من خشب فسمى به، وهو
стр. 1462
أوَّل من جلس من العرب على سرير، وأنشد بيت الأسود. وقال ابن دريد في ((الجمهرة)): ذو الأعواد: رجل من العرب أسنّ، وكان يحمل في محفة، وهو الَّذي قُرعت له العصا، وكانت العرب تتحاكم إليه، فصار مثلًا، وهو الَّذي عناه الأسود بن يعفر:
ولقد علمت خلاف ما إنَّباتني .. البيت
وأهل اليمن يقولون: ذو الأعواد: عمرو بن حممة، وقيس تقول: هو عامر بن الظَّرب، وتميم وربيعة تقول: هو ربيعة بن مخاشن، وهو الَّذي قرعت له العصا ليتنبه بعد ما خرف، لأنه كان يحكم بينهم. انتهى.
وقوله: إنَّ المنية والحتوفّ .. إلخ، المنيَّة: الموت، فعلية، من منى له، أي قدر، قال الشاعر:
حتى تلاقي ما يمنى لك المإنَّي
أي: يقدر لك القادر، كذا في ((الصحاح)) وفي ((أمالي السيد المرتضى)) ﵀: روي أنَّ مسلمًا الخزاعي ثمَّ المصطلقى قال: شهدت رسول الله، ﷺ ، وقد أنشده منشد قول سويد بن عامر المصطلقي:
لا تأمن الموت في حل ولا حرّم ... إنَّ المنايا توافي كلّ إنسان
واسلك طريقك تمشي غير محتشم ... حتى تبيَّن ما يمني ل كالمإنَّي
فكلّ ذي صاحب يومًا يفارقه ... وكلّ زاد وإنَّ أبقيّتّه فان
والخير والشر مقرونان في قرن ... بكلّ ذلك يأتيك الجديدان
стр. 1463
فقال رسول الله ﷺ : ((لو أدركته لأسلم)) انتهى. والحتف: الهلاك، قال صاحب ((المصباح)): قال ابن فارس، وتبعه الجوهري: ولا يبني منه فعل، يقال: مات حتف أنفه: إذا مات من غير ضرب ولا قتل، وزاد الصاغاني: ولا غرق ولا حرّق، وقال الأزهري: لم أسمع للحتف فعلًا، وحكاه ابن القوطية فقال: حتفه الله يحتفه حتفًا، أي: من باب ضرب: إذا أماته، ونقل العدل مقبول، ومعناه: إنَّ يموت على فراشه فيتنفس حتى ينقضي رمقه، ولهذا خص الأنف، ومنه يقال للسمك يموت في الماء ويطفو: مات حتف إنَّفه، وهذه الكلّمة تكلّم بها أهل الجاهلية، قال السَّموأل:
ومات منا صاحب حتف إنَّفه
إلى هنا كلّام ((المصباح)) ومنه ظهر لك الفرق بين المنية والحتف، فإنَّ الأول عام سواء كان بقتل أو غيره، والثاني خاص بموت الفراش، وجمعه باعتبار إنَّواع الأمراض، ولم يتعرض للفرق بينهما إلاَّمام أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري في كتاب ((الفروق)) فإنَّ هذا الكتاب ألفه لمثل هذا، وهو كتاب جيد كسره على أبواب جمع فيها شيئًا كثيرًا مما ظاهره الترادف وشبهه، وذكر الفرق فيه.
وقوله: يوفي المخارم .. الخ، قال ابن إلأنَّباري: يوفي يعلو، أوفي على الجبل: علوت، والمخارم: جمع مخرم، كمجلس، وهو منقطع إنَّف الجبل والغلط، يربد إنَّ المنية والحتوف ترقبه وتستشرفه، وسواده: شخصه. انتهى.
стр. 1464
وأشار إلى أنَّ المخارم منصوب بنزع الخافض، ويوافقه قول ((القاموس)) أو في عليه: أشرف، وقول صاحب ((المصباح)): أو في على الشيء: أشرف عليه، شبه الموت بمن يربأ فوق مرقب عال لينظر من يمر من أسفل، فإذا رأى من يريده نزل إليه فأخذه. وقوله: لن يرضيا مني .. الخ، قال ابن الأنباري: يريد إنَّ المنية والحتوف لا تقبل منه فلدية، إنَّما تطلب نفسه، وفسر الرهينة ما هي فقال: طارفي وتلادي، والطارف: ما استفاد الرجل، والتالد، ما ورثه عن آبائه، وكان له قديمًا، ويريد: رهينة تكون مني وفاء دون إنَّ يأخذا نفسي. انتهى. والأسود بن يعفر جاهلي تقدَّمت ترجمته في الإنشاد الثالث والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(٣٣٧) كلأنَّا غني عن أخيه حيّاته ... ونحن إذا متنا أشد تغإنَّيا
على إنَّ مراعاة لفظ ((كلّا)) هنا متعين؛ لأنَّ معناها: كلّ منا غني عن أخيه، والضابط انه متى نسب إلى كلّ منهما حكم إلاَّخر بالنسبة إليه لا إلى ثالث تعين إلاَّفراد، قال ابن مالك في قولهم: كلأنَّا كفيل صاحبه، لو ثني الضمير فقال: كلأنَّا كفيلًا صاحبه، لزم الجمع بين تثنية وإفراد في خبر واحد، وفي الأفراد السلامة من ذلك، فكان متعينًا، ولأنَّ إضافة كفيل إلى صاحب، وهو مضاف إلى ضمير ((كلّا)) بمنزلة تثنية فلو ثني لكان بمنزلة تثنيته مرتين. انتهى. والبيت من أبيات أوردها المبرد في أوائل ((الكامل)) لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر أبي طالب ﵃ وهي:
стр. 1465
رأيت فضيلًا كان شيئًا ملففَّا ... فكشفه التمَّحيّص حتى بدا ليا
أإنَّت أخي مالم تكن لي حاجة ... فإنَّ عرضت أيقنت إنَّ لا أخاليا
فلا زاد ما بيني وبينك بعد ما .. بلوتك في الحاجات إلاَّ تماديا
فلست براء عيب ذي الود كلَّه ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيًا
فعين الرَّضا عن كلَّ عيب كلّيلة ... ولكنَّ عين السّخط تبدي المساويا
كلأنَّا غني عن أخيه حيّاته ... البيت
قال المبرد: قوله: كان شيئًا ملففًا، يقول: كان أمره مغطى، والتمحيّص: الإختبار، يقال: أدخلت الذهب النار فمحصّته، أي: خرج عنه مالم يكن منه، وخلص الذهب. وقله: أأنت أخي .. إلخ، تقرير وليس باستفهام، ولكن معناه: إني قد بلوتك تُظهر الإخاء، فإذا بدت لي الحاجة لم أر من إخائك شيئًا، وقال علي ابن أبي طالب ﵁: ثلاثة لا يعرفون إلاَّ في ثلاث: لا يعرف الشجاع إلاَّ في الحرّب، ولا الحليم إلاَّ عند الغضب، ولا الصديق إلاَّ عند الحاجة. انتهى كلّام المبرد، وتركنا منه مالا يتعلق بالشعر.
وكتب إلاَّمام مغلطاي في هامش النسخة: قوله رأيت فضيلًا، قال أبو نعيم في ((تاريخ أصبهإنَّ)): فضيل بن السائب ابن الأقرع الثقفي الَّذي قال فيه عبد الله ابن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
رأيت فضيلًا كان شيئًا ملفقًا.
وذكر هذه إلاَّبيات. انتهى. وكتب أيضًا عند البيت الثاني قال جرير يجيب الفرزدق:
فأنت أخي مالم تكن لي حاجة .. فإنَّ عرضت فإنَّني لا أخا ليا
وفي ((اللآلي)) قال جرير لجده الخطفى، وقسم ماله على ولده، وقصر
стр. 1466
بجرير، فسأله إنَّ يلحقه بهم فلم يفعل فقال:
وقائلة والعين تحدر دمعها ... أبعد جرير تكرمون المواليا
فأنت أبي مالم تكن لي حاجة ... فغن عرضت فإنَّني لا أباليا
إنَّتهي. وكتب أيضًا في هامش نسخة أخرى من ((الكامل)) عند قوله:
فلست براء عيب ذي الود كلّه
في ((الَّذيل)) لابن السمعاني: أنبأنا محمد بن كامل، ثنا أبو بكر الخطيب، أنبأنا أحمد بن عبد الله الحافظ الأصبهاني، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا زكريّا الساجي، ثنا عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي، ثنا أبي عن عبد الرحمن بن عبد أبي الزناد عن أبيه عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليًا يقول:
وعين الرضا عن كلّ عيب كلّيلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
ولست ترى عيبًا لذي الود كلّه ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيًا
قال ابن السمعاني: كذا قال: إنَّ هذين البيتين لعلي بن أبي طالب. وبلغني في رواية أخرى انهما لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ﵃، انتهى. ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن أبي الزناد ضعيفان. انتهى.
وكتب أيضًا عند قوله: فعين الرضا .. البيت، سرقة روح بن عبد إلاَّعلى المؤدب، فقال:
وعين السخط تبصر كلّ عيب ... وعين أخي الرضى عن ذاك تعمى
انتهى. وقوله: فلا زاد ما بيني وبينك: . الخ، لا: دعائية، وزاد: فعل
стр. 1467
ماض، وما: فاعله، والتمادي: تفاعل من المدى، وهو الغاية، قال صاحب ((المصباح)): وتمادى فلان في غيه: إذا لجّ ودام على فعله، وروى غير المبرد: ((إلاَّ تنائيا)) وهو التباعد، وهو تفاعل أيضًا من النأي وهو البعد، وبلوتك: امتحنتك، وكلّيلة: ضعيفة، والمساوئ: العيوب، قال صاحب ((المصباح)): ساء يسوء: إذا قبح، وهو أسوأ القوم، وهي السوءى أي: أقبحهم، والمساءة: نقيض المسرَّة، وأصلها مسواة، على مفعلة، بفتح الميم والعين، ولهذا ترد الواو في الجمع فيقال: هي المساوئ، لكن استعمل الجمع مخففًا، وبدت مساويه، أي: نقائصه ومعائبه. انتهى. وفيه تصريح بكون لام الفعل همزة، والتغاني: تفاعل من الغنى، يقال: تغانى القوم، أي: استغنى كلّ منهم عن إلاَّخر. وهذه الأبيات أوردها هكذا لعبد الله بن معاوية المذكور إبراهيم بن علي الحصري القيرواني الأنصاري في كتابه ((زهر الأداب))، وكذا أوردها له الشريف ضياء الدين هبة الله علي بن محمد ابن حمزة الحسيني في ((حماسته)) والزمخشري في ((ربيع الأبرار)) وقال: قالها في الفضيل بن السائب، وأوردها أيضًا له الأصبهاني في كتاب ((الأغاني))، إلاَّ انه روى أوله: ((إنَّ حسينا كان شيئًا ملففًا)). وقال: قالها عبد الله بن معاوية الجعفري في الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، وهكذا ذكر مصعب الزبيري وذكر مؤرخ فيما أخبرنا به اليزيدي عن عمه عن أبي جعفر عن مؤرج، وهو الصحيّح، إنَّ عبد الله بن معاوية قال هذا الشعر في صديق له يقال له: قصي بن ذكوإنَّ، وقد كان عتب عليه، وأول الشعر: رأيت قصيًا كان شيئًا ملففًا .. إلى آخر الأبيات. ثمَّ قال الأصفهاني بعد ورقات: وهذا الشعر قاله عبد الله بن معاوية للحسين بن عبد الله بن عبيد بن العباس، وكان الحسين أيضًا سيء المذهب مطعونًا عليه في دينه، أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري، حدثنا علي بن محمد بن سليمان
стр. 1468
النوقلي حدثني إبراهيم بن يزيد الخشاب قال: كان ابن معاوية صديقًا للحسين بن عبد الله المذكور، وكانا يرميان بالزندقة، فقال الناس، إنَّما تصافيا على ذلك، ثمَّ دخل بينهما شيء فتهاجرا، فقال ابن معاوية فيه: إنَّ حسينًا كان شيئًا ملففًا .. الأبيات، وله في الحسين أعار كلّها معاتبات. انتهى كلّام صاحب ((الأغاني)).
وقال الذهبي في ((تاريخ الإسلام)): كان عبد الله جوادًا ممدحًا شاعرًا من رجال العلم وأبناء الدنيا، خرج بالكوفة وجمع خلقًا، ونزع الطّاعة، وجرت له أمور يطول شرحها، ثمَّ لحق بأصبهان، وغلب على تلك الديار، ثمَّ ظفر به أبو مسلم الخرساني، وقتل في سنة أربع وثلاثين ومائة، وقد ذكره أبو محمّد ابن حزم في ((الملل والنحل)) فقال: كان رديّ الدّين، معطّلًا مستصحبًا للدهرية، ذهب بعض الكيسانية إلى انه حيّ لم يمت، وانه بجبل أصبهان، ولابدَّ له أن يظهر. انتهى.
والبيت الأخير وهو قوله:
كلانَّا غنيّ عن أخيه حيّاته
وقع في عدَّة أشعار لشعراء، فقد جاء في قصيدة للأبيرد الريّاحيّ، وهو شاعر بدوي فصيح إسلامي في أول شعراء الدولة إلاَّموية ليس بمكثر، ولا ممن وفد إلى الخلفاء، هجا بها حارثه بن بدر الغداني أولها:
ألا ليت حظَّي من غدائه انها ... تكون كفافًا لا عليَّ ولا ليا
وجاء في شعر لحارثة بن بدر المذكور بعاتب به أخاه وهو:
وما زلت أسعى في هواك وأبتغي ... رضاك وأرجو منك ما لست لاقيا
رأيتك لا تنفك منك رغيبة ... تقصر دوني أو تحل ورائيا
إذا قلت صابتني سماؤك يامنت ... ميامنها أو ياسرت عن شماليا
стр. 1469
وأدليت دلوي في دلاء كثيرةٍ ... فأبن ملًاء غير دلوي كما هيا
فإن تدن مني أدن منك مودتي ... وإن تنأ عني تلفني عنك نائيا
كلانا غني عن أخيه حياته ... البيت ..
وجاء في قصيدة لسيّار بن هبيرة أحد بني ربيعة الجوع يعاتب أخويه خالدًا وزيادًا، ويمدح أخاه منخّلًا قال فيها:
أرى أخويَّ اليوم شحاّ كلاهما ... عليَّ وهماّ أن يقولا الدَّ واهيا
ويحرمني هذا ويمنع فضله ... وهذا كمعنٍ أو أشدُّ تقاضيا
إلى أن قال:
وإني لعفُّ الفقر مشترك الغنى ... سريعٌ إذا لم أرض داري احتماليا
كلانا غنيّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدُّ تغانيا
أخالد فامنع فضل رفدك إنما ... أجاع وأعرى الله من كنت كاسيا
وهي قصيدة طويلة أوردها القالي في "ذيل الأمالي" وقال: قال أبو محلّم: ومعن رجل كان بالبادية يبيع بالنّسيئة، وكان يضرب به المثل في شدة التقاضي، وفيه قال الفرزدق:
لعمرك ما معنٌ بتارك حقِّه ... ولا منسى معنٌ ولا متيسِّر
انتهى.
" كيف "
أنشد فيه:
كي تجنحون إلى سلمٍ وما ثئرت ... قتلاكم ولدى الهيجاء تضطَّرم
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثلاثمائة.
стр. 1470
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد الثلاثمائة:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً ... وبالشام أخرى كيف تلتقيان
على أن جملة كيف تلتقيان بدل من مفرد، قال ابن جنّي في "المحتسب" عند قراءة الجحدري وأبي حيوة: ﴿أثر رحمة الله كيف تحيي﴾ من سورة الروم [الآية: ٥٠]: ذهب بالتأنيث إلى لفظ الرّحمة ... إلى أن أورد هذا البيت، وقال قوله: كيف تلتقيان، جملة في موضع نصب بدلًا من حاجة وحاجة، فكأنه قال: إلى الله أشكو هاتين الحالتين تعذّر التقائهما، هذا أحسن من أن نقتطع قوله: "كيف تلتقيان" مستأنفًا، لأنَّ هذا ضرب من هجنة الإعراب؛ لأنه إنما يشكو تعذر التقائهما، ولا يريد استقبال الاستفهام عنهما. انتهى.
وكأنَّ الدماميني لم يلتفت إلى هذا فقال: لا يتعيّن هذا الّذي ذكره المصنف، إذ يجوز أن يكون قوله: كيف يلتقيان، جملة استئنافية نبّه بها على سبب الشكوى، وهو استبعاد اجتماع تينك الحاجتين. انتهى. وقال ابن وحيي: وقد مرَّ مرارًا أنَّ مجرد الاحتمال لا يقدح في صحة الشاهد. انتهى. وينبغي أن تكون تلتقيان بالمثناة الفوقية؛ لأنه مسند إلى ضمير حاجة وأخرى.
وهذا البيت أورده الأعلم مع بيت آخر في باب الأدب من "حماسته" كذا:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً ... وأخرى بنجدٍ كيف تلتقيان
سأعمل نصَّ العيس حتى يكفَّني ... غنى المال يومًا أو غنى الحدثان
وقوله: سأعمل نصّ العيس ... الخ، أي: ساسافر، وهو من أعمل آلته وفكره، أي: استعمله وفي "القاموس": ونصّ ناقته: استخرج أقصى ما عندها من السير.
стр. 1471
والعيس: الإبل البيض في بياضها ظلمة خفيّة، جمع أعيس وعيساء، ويكفّني: يمنعني من التردد، وأستغني وأقيم في داري، وغنى المال: فاعله، وقوله: أو غنى الحدثان: أراد به الموت يغنيه عن الطلب والتحرّف، الحدثان، بفتح أولهما: مصدر حدث أمر، أي: وقع، ولم أقف على قائل البيتين، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد الثلاثمائة:
(٣٣٩) إذا قلَّ مال المرء لانت قناته ... وهان على الأدنى فكيف الأباعد
على أنَّ بعضهم زعم أنَّ "كيف" حرف عطف، أقول: هو هشام من الكوفيين، ولا تكون عنده حرف نسق إلَّا بعد نفي، أجاز: ما مررت بزيد فكيف عمرو! وخرج المصنف البيت على ثلاثة أوجه، جيّدها الأوّل وأردأها الثالث، فإن فيه القول بزيادة كيف، ولم يقل به أحد، وفيه الفصل بين العاطف والمعطوف، ولا يعرف له تتمة يستدل بها على إعراب القافية، ولا يعرف قائله أيضًا، فلا يصح الاستدلال به، والقناة مستعارة لاستقامة الحال وتماسكها، ولينها عبارة عن سوء الحال وضعفه. وتقدم شرح هذه الكلمة في بحث "أو" عند قوله:
وكنت إذا غمزت قناة قومٍ
وهان: من هان يهون هونًا، بالضم، وهوانًا، إذا ذلَّ وحقر، والأدنى: الأقرب، والأباعد: جمع أبعد.
" حرف اللام "
أنشد فيه، وهو الإنشاد الأربعون بعد الثلاثمائة:
(٣٤٠) فيا شوق ما أبقى ويالي من النَّوى
هو صدر وعجزه:
ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبا
стр. 1472
على أن ابن جني أجاز في بيت المتنبي هذا أن تكون اللام لام المستغاث به، وأن تكون لام المستغاث من أجله، وأوجب ابن عصفور الثاني لئلا يلزم تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل، وحقق بأنَّ هذا لا يلزم إلاَّ على قوله في آخر المعنى الواحد والعشرين للَّام الجارة في التنبيه الأول.
والبيت من قصيدة للمتنبي مدح بها سيف الدولة، قال الواحدي: يقول يا شوقي ما أبقاك فلست تنفد! ويا لي: استغاثة من الفراق، كأنه يقول: يا من لي يمنعني من ظلم الفراق! ويا دمعي ما أجراك! ويا قلبي ما أصباك! وحذف الكاف المنصوبة، وياء المخاطبة التي قبلها بالنداء. انتهى. وهذه الكاف هي المتعجب منه، وقال أبو اليمن الكندي: حذف الياآت من المناديات، وذلك أحسن من إثباتها، والكافات مرادة في أفعال التعجب. وقوله: يا لي، استغاثة بنفسه، وحق اللام أن تكون مفتوحة لولا الياء، ويجوز أن تكون للتعجب، تقديره: يا قوم اعجبوا لي من النوى. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد الثلاثمائة:
(٣٤١) ويوم عقرت للعذارى مطيَّتي
هو صدر وعجزه:
فيا عجبًا من رحلها المتحمَّل
على أنَّ اللاّم للتعليل. والبيت من معلقة امرئ القيس، ويوم: معطوف على يوم في بيت قبله، وهو:
ألا ربَّ يومٍ صالحٍ لك منهما ... ولا سيَّما يوم بدارة جلجل
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثامن عشر بعد المائتين، وتقدَّم أنَّ يومًا في قوله:
стр. 1473
ولا سيما يوم، روي بالرفع والجرّ، ويوم المعطوف مبني على الفتح، اكتسب البناء من إضافته إلى المبني، وهو: عقرت، فيكون في محل رفع إن روي المعطوف عليه بالرفع، وفي محل جر إن روي المعطوف عليه بالجرّ، والعقر: ضرب قوائم البعير بالسيف، وربما قيل: عقره إذا نحره، والعذارى: جمع عذراء وهي البنت البكر، والرحل: كل شيء يعدّ للرحيل من وعاء للمتاع، ومركب للبعير، وحلسٍ ورسنٍ. والمتحمل: اسم مفعول بمعنى المحمول، فإنه لمّا عقر بعيره وشواه للعذارى، فرَّق رحله على رواحلهنَّ، فحملنه، وركب هو مع بنت عمه فاطمة على بعيرها كما تقدَّم. قوله: فيا عجبًا، الألف: بدل من ياء المتكلم، فإن قيل: كيف نادى العجب، والنداء إنما يكون لم يعقل؟ أجيب بأنَّ العرب إذا أرادت أن تعظّم أمر الخبر جعلته نداء، قال سيبويه: إذا قلت: يا عجبًا، كأنك قلت: تعالى يا عجب، فإنَّ هذا من إبّانك، فهذا أبلغ من قولك: تعجبت، والمعنى: انتبهوا. وقال الزوزني: المنادى محذوف، والتقدير: يا هؤلاء، أو يا قوم احضروا عجبي من رحلها المتحملّ، فتعجبوا منه، وقيل: نادى العجب اتساعًا ومجازًا، فكأنه [قال: ] يا عجبي احضر فإنَّ هذا أوانك، فضّل يوم دارة جلجل ويوم عقر مطيته للعذارى على سائر الأيام الصالحة التي فان بها من حبائبه، ثمَّ تعجب من حملهن رحل مطيته، وأداته بعد عقرها واقتسامهنَّ متاعه بعد ذلك. انتهى كلامه.
وقال الإمام الباقلاني في كتاب "إعجاز القرآن": قال بعض الأدباء: قوله يا عجبًا، يعجبهم من سفهه في شبابه من نحره ناقته لهن، وإنما أراد أن لا يكون الكلام من هذا المصراع منقطعًا عن الأول، وأراد أن يكون الكلام ملائمًا له، وهذا الذي ذكره بعيد، وهو منقطع عن الأول، وظاهر أنه يتعجب من تحمل العذارى رحله، وليس في هذا تعجب كبير، ولا في نحر الناقة لهن تعجب، وإن كان يعني به أنهن حملن رحله، وأن بعضهن حملنه، فعبّر عن نفسه برحله، فهذا قيلًا يشبه أن يكون عجبًا، لكن الكلام لا يدل عليه [ويجافى عنه]، ولو سلم البيت من
стр. 1474
العيب لمي كن فيه شيء غريب، ولا معنى بديع أكثر من سلامته، مع قلة معناه وتقارب أمره ومشاكلة طبع المتأخرين [من أهل زماننا]، ومن أول القصيدة لم يمرّ له بيت رائع وكلام رائق. انتهى كلامه. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد الثلاثمائة:
(٣٤٢) وأنت الَّذي في رحمة الله أطمع
هذا عجز وصدره:
فيا ربَّ ليلى أنت في كل موطنٍ
على أنه قد وضع الاسم الظاهر موضع ضمير الغيبة لضرورة الشعر، والقياس: وأنت الذي في رحمته. وتجويز الشمني وابن الملا تبعًا للعيني في رحمتك للإخبار بالاسم الظاهر عن أنت غفلة منهم؛ لأنَّ الظاهر هنا موصول يجب أن يكون عائده ضميرًا غائبًا. وفي "تذكرة أبي حيان" كلام يتعلق به يأتي إن شاء الله تعالى في الباب الرابع.
والبيت من شعر لمجنون بني عامر، وتقدمت ترجمته في الإنشاد السابع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد الثلاثمائة:
(٣٤٣) إذا قلت قدني قال بالله حلفةً ... لتغني عني ذا إنائك أجمعا
على أن الأخفش أجاز أن يقع جواب القسم المضارع المقرون بلام كي، فيكون قوله: لتغني جواب القسم، وكذا الآية. قال ابن عصفور في "شرح الإيضاح": زعم أبو الحسن أن العرب قد تتلقى القسم بلام كي، وحمل على ذلك قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم﴾ [التوبة/ ٦٢]، واستدلَّ أبو علي في "العسكريات" على صحة ما ذهب إليه بقوله:
لتغني عني ذا إنائك أجمعا
стр. 1475
قال أبو علي: فإن قيل: إن المقسم به إنما يكون جملة، وليس هذا بجملة؛ لأنَّ أن والفعل في تقدير اسم مفرد، قيل: إنَّ ذلك لا يمنع من وقوعه موقع الجملة التي يقسم عليها، وإن كان مفردًا، وذلك أن الفعل والفاعل اللذين جريا في الصلة يسدّان مسد الجملة، لكن رجع أبو علي عن ذلك في "التذكرة" و"البصريات" وقال: إن ذلك لم يرد في كلام العرب. وأمّا قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله ... ﴾ الآية، فاللام متعلقة بـ"يحلفون"، وليس القسم بمراد، إنما المراد الإخبار عنهم بأنهم يحلفون أنهم ما فعلوا ذلك ليرضوا بحلفهم المؤمنين، وكذا البيت يحتمل أن يكون لتغني متعلق بآليت على ما رواه أبو علي في "البصريات" ولم يرد القيم، وإنما أراد أن يخبر مخاطبه أنه قد آلى كي يشرب جميع ما في إنائه. ورواه أبو علي: "قلت بالله حلفة" ولا حجة فيه أيضًا؛ لاحتمال أن يكون بالله متعلقًا بفعل مضمر لا يراد به القسم بل الإخبار، ويكون قوله: لتغني عني، متعلقًا به، والتقدير: حلفت بالله حلفة كي تغني عني، ويجوز أيضًا أن يكون المقسم عليه محذوفًا؛ لدلالة الحال عليه، تقديره: لتشربنّ لتغني عني، وعلى هذا حمله أبو علي في "التذكرة" انتهى كلام ابن عصفور. وشذَّ ابن يعيش في رواية هذه الكلمة عن الأخفش بخلاف ما قدمناه، قال في "شرح المفصّل": أنشده أبو الحسن بفتح اللام للقسم، وفتح آخر الفعل على إرادة نون التوكيد، وحذفها ضرورة. انتهى. وتبعه السيد في شرح "المفتاح" فقال: واللام في لتغني جواب القسم، والياء مفتوحة بتقدير النون الخفيفة، وقد يروى بكسر اللام على تقدير "أن" انتهى.
وقول المصنف: ويروون البيت: "لتغننَّ" هذه رواية تعلب، قال في "أماليه" بعد ما روى البيت كما تقدم: ويروى "لتغننَّ" وهذا إنما يكون للمرأة إلًّا أنه في لغة طيّ جائز. انتهى. وهو بفتح اللام وكسر النون الأولى بعدها نون التوكيد الثقيلة، هكذا ضبطه أبو علي في "المسائل البصريات" وفي "كتاب الشعر" والعسكري في كتاب "التصحيف" كلاهما عن ثعلب، والأصل: لتغنينَّ،
следующие страницы →