← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

والعيس: الإبل البيض في بياضها ظلمة خفيّة، جمع أعيس وعيساء، ويكفّني: يمنعني من التردد، وأستغني وأقيم في داري، وغنى المال: فاعله، وقوله: أو غنى الحدثان: أراد به الموت يغنيه عن الطلب والتحرّف، الحدثان، بفتح أولهما: مصدر حدث أمر، أي: وقع، ولم أقف على قائل البيتين، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد الثلاثمائة: (٣٣٩) إذا قلَّ مال المرء لانت قناته ... وهان على الأدنى فكيف الأباعد على أنَّ بعضهم زعم أنَّ "كيف" حرف عطف، أقول: هو هشام من الكوفيين، ولا تكون عنده حرف نسق إلَّا بعد نفي، أجاز: ما مررت بزيد فكيف عمرو! وخرج المصنف البيت على ثلاثة أوجه، جيّدها الأوّل وأردأها الثالث، فإن فيه القول بزيادة كيف، ولم يقل به أحد، وفيه الفصل بين العاطف والمعطوف، ولا يعرف له تتمة يستدل بها على إعراب القافية، ولا يعرف قائله أيضًا، فلا يصح الاستدلال به، والقناة مستعارة لاستقامة الحال وتماسكها، ولينها عبارة عن سوء الحال وضعفه. وتقدم شرح هذه الكلمة في بحث "أو" عند قوله: وكنت إذا غمزت قناة قومٍ وهان: من هان يهون هونًا، بالضم، وهوانًا، إذا ذلَّ وحقر، والأدنى: الأقرب، والأباعد: جمع أبعد. " حرف اللام " أنشد فيه، وهو الإنشاد الأربعون بعد الثلاثمائة: (٣٤٠) فيا شوق ما أبقى ويالي من النَّوى هو صدر وعجزه: ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبا

стр. 1472

على أن ابن جني أجاز في بيت المتنبي هذا أن تكون اللام لام المستغاث به، وأن تكون لام المستغاث من أجله، وأوجب ابن عصفور الثاني لئلا يلزم تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل، وحقق بأنَّ هذا لا يلزم إلاَّ على قوله في آخر المعنى الواحد والعشرين للَّام الجارة في التنبيه الأول. والبيت من قصيدة للمتنبي مدح بها سيف الدولة، قال الواحدي: يقول يا شوقي ما أبقاك فلست تنفد! ويا لي: استغاثة من الفراق، كأنه يقول: يا من لي يمنعني من ظلم الفراق! ويا دمعي ما أجراك! ويا قلبي ما أصباك! وحذف الكاف المنصوبة، وياء المخاطبة التي قبلها بالنداء. انتهى. وهذه الكاف هي المتعجب منه، وقال أبو اليمن الكندي: حذف الياآت من المناديات، وذلك أحسن من إثباتها، والكافات مرادة في أفعال التعجب. وقوله: يا لي، استغاثة بنفسه، وحق اللام أن تكون مفتوحة لولا الياء، ويجوز أن تكون للتعجب، تقديره: يا قوم اعجبوا لي من النوى. انتهى. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد الثلاثمائة: (٣٤١) ويوم عقرت للعذارى مطيَّتي هو صدر وعجزه: فيا عجبًا من رحلها المتحمَّل على أنَّ اللاّم للتعليل. والبيت من معلقة امرئ القيس، ويوم: معطوف على يوم في بيت قبله، وهو: ألا ربَّ يومٍ صالحٍ لك منهما ... ولا سيَّما يوم بدارة جلجل وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثامن عشر بعد المائتين، وتقدَّم أنَّ يومًا في قوله:

стр. 1473

ولا سيما يوم، روي بالرفع والجرّ، ويوم المعطوف مبني على الفتح، اكتسب البناء من إضافته إلى المبني، وهو: عقرت، فيكون في محل رفع إن روي المعطوف عليه بالرفع، وفي محل جر إن روي المعطوف عليه بالجرّ، والعقر: ضرب قوائم البعير بالسيف، وربما قيل: عقره إذا نحره، والعذارى: جمع عذراء وهي البنت البكر، والرحل: كل شيء يعدّ للرحيل من وعاء للمتاع، ومركب للبعير، وحلسٍ ورسنٍ. والمتحمل: اسم مفعول بمعنى المحمول، فإنه لمّا عقر بعيره وشواه للعذارى، فرَّق رحله على رواحلهنَّ، فحملنه، وركب هو مع بنت عمه فاطمة على بعيرها كما تقدَّم. قوله: فيا عجبًا، الألف: بدل من ياء المتكلم، فإن قيل: كيف نادى العجب، والنداء إنما يكون لم يعقل؟ أجيب بأنَّ العرب إذا أرادت أن تعظّم أمر الخبر جعلته نداء، قال سيبويه: إذا قلت: يا عجبًا، كأنك قلت: تعالى يا عجب، فإنَّ هذا من إبّانك، فهذا أبلغ من قولك: تعجبت، والمعنى: انتبهوا. وقال الزوزني: المنادى محذوف، والتقدير: يا هؤلاء، أو يا قوم احضروا عجبي من رحلها المتحملّ، فتعجبوا منه، وقيل: نادى العجب اتساعًا ومجازًا، فكأنه [قال: ] يا عجبي احضر فإنَّ هذا أوانك، فضّل يوم دارة جلجل ويوم عقر مطيته للعذارى على سائر الأيام الصالحة التي فان بها من حبائبه، ثمَّ تعجب من حملهن رحل مطيته، وأداته بعد عقرها واقتسامهنَّ متاعه بعد ذلك. انتهى كلامه. وقال الإمام الباقلاني في كتاب "إعجاز القرآن": قال بعض الأدباء: قوله يا عجبًا، يعجبهم من سفهه في شبابه من نحره ناقته لهن، وإنما أراد أن لا يكون الكلام من هذا المصراع منقطعًا عن الأول، وأراد أن يكون الكلام ملائمًا له، وهذا الذي ذكره بعيد، وهو منقطع عن الأول، وظاهر أنه يتعجب من تحمل العذارى رحله، وليس في هذا تعجب كبير، ولا في نحر الناقة لهن تعجب، وإن كان يعني به أنهن حملن رحله، وأن بعضهن حملنه، فعبّر عن نفسه برحله، فهذا قيلًا يشبه أن يكون عجبًا، لكن الكلام لا يدل عليه [ويجافى عنه]، ولو سلم البيت من

стр. 1474

العيب لمي كن فيه شيء غريب، ولا معنى بديع أكثر من سلامته، مع قلة معناه وتقارب أمره ومشاكلة طبع المتأخرين [من أهل زماننا]، ومن أول القصيدة لم يمرّ له بيت رائع وكلام رائق. انتهى كلامه. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد الثلاثمائة: (٣٤٢) وأنت الَّذي في رحمة الله أطمع هذا عجز وصدره: فيا ربَّ ليلى أنت في كل موطنٍ على أنه قد وضع الاسم الظاهر موضع ضمير الغيبة لضرورة الشعر، والقياس: وأنت الذي في رحمته. وتجويز الشمني وابن الملا تبعًا للعيني في رحمتك للإخبار بالاسم الظاهر عن أنت غفلة منهم؛ لأنَّ الظاهر هنا موصول يجب أن يكون عائده ضميرًا غائبًا. وفي "تذكرة أبي حيان" كلام يتعلق به يأتي إن شاء الله تعالى في الباب الرابع. والبيت من شعر لمجنون بني عامر، وتقدمت ترجمته في الإنشاد السابع عشر. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد الثلاثمائة: (٣٤٣) إذا قلت قدني قال بالله حلفةً ... لتغني عني ذا إنائك أجمعا على أن الأخفش أجاز أن يقع جواب القسم المضارع المقرون بلام كي، فيكون قوله: لتغني جواب القسم، وكذا الآية. قال ابن عصفور في "شرح الإيضاح": زعم أبو الحسن أن العرب قد تتلقى القسم بلام كي، وحمل على ذلك قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم﴾ [التوبة/ ٦٢]، واستدلَّ أبو علي في "العسكريات" على صحة ما ذهب إليه بقوله: لتغني عني ذا إنائك أجمعا

стр. 1475

قال أبو علي: فإن قيل: إن المقسم به إنما يكون جملة، وليس هذا بجملة؛ لأنَّ أن والفعل في تقدير اسم مفرد، قيل: إنَّ ذلك لا يمنع من وقوعه موقع الجملة التي يقسم عليها، وإن كان مفردًا، وذلك أن الفعل والفاعل اللذين جريا في الصلة يسدّان مسد الجملة، لكن رجع أبو علي عن ذلك في "التذكرة" و"البصريات" وقال: إن ذلك لم يرد في كلام العرب. وأمّا قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله ... ﴾ الآية، فاللام متعلقة بـ"يحلفون"، وليس القسم بمراد، إنما المراد الإخبار عنهم بأنهم يحلفون أنهم ما فعلوا ذلك ليرضوا بحلفهم المؤمنين، وكذا البيت يحتمل أن يكون لتغني متعلق بآليت على ما رواه أبو علي في "البصريات" ولم يرد القيم، وإنما أراد أن يخبر مخاطبه أنه قد آلى كي يشرب جميع ما في إنائه. ورواه أبو علي: "قلت بالله حلفة" ولا حجة فيه أيضًا؛ لاحتمال أن يكون بالله متعلقًا بفعل مضمر لا يراد به القسم بل الإخبار، ويكون قوله: لتغني عني، متعلقًا به، والتقدير: حلفت بالله حلفة كي تغني عني، ويجوز أيضًا أن يكون المقسم عليه محذوفًا؛ لدلالة الحال عليه، تقديره: لتشربنّ لتغني عني، وعلى هذا حمله أبو علي في "التذكرة" انتهى كلام ابن عصفور. وشذَّ ابن يعيش في رواية هذه الكلمة عن الأخفش بخلاف ما قدمناه، قال في "شرح المفصّل": أنشده أبو الحسن بفتح اللام للقسم، وفتح آخر الفعل على إرادة نون التوكيد، وحذفها ضرورة. انتهى. وتبعه السيد في شرح "المفتاح" فقال: واللام في لتغني جواب القسم، والياء مفتوحة بتقدير النون الخفيفة، وقد يروى بكسر اللام على تقدير "أن" انتهى. وقول المصنف: ويروون البيت: "لتغننَّ" هذه رواية تعلب، قال في "أماليه" بعد ما روى البيت كما تقدم: ويروى "لتغننَّ" وهذا إنما يكون للمرأة إلًّا أنه في لغة طيّ جائز. انتهى. وهو بفتح اللام وكسر النون الأولى بعدها نون التوكيد الثقيلة، هكذا ضبطه أبو علي في "المسائل البصريات" وفي "كتاب الشعر" والعسكري في كتاب "التصحيف" كلاهما عن ثعلب، والأصل: لتغنينَّ،

стр. 1476

حذفت الياء وهي لام الفعل وبقيت الكسرة على حالها، فتكون اللام لام جواب القسم. والبيت من قصيدة لحريث بن عتّاب الطائي، وقبله: دفعت إليه رسل كوماء جلدةٍ ... وأغضيت عنه الطَّرف حتى تضلَّعا إذا قال قطني قلت آليت حلفةً ... لتغننَّ عني ذا إنائك أجمعا هكذا الرواية عند ثعلب وغيره، لا ما رواه المصنف، وضمير إليه راجع إلى الغلام الذي أتاه في الليل ضيفًا، والرسل، بكسر الراء: اللبن، والكوماء، بفتح الكاف والمدّ: الناقة العظيمة السَّنام، والجلدة، بفتح وسكون الَّلام، قال الجوهري: هي أدسم الإبل لبنًا، والجمع الجلاد، بالكسر، وقوله: وأغضيت عنه ... إلى آخره، يقال: أغضى الرجل عينه، أي: قارب بين جفنيها، يقول: أغمضت عيمي عند شربه؛ لئلا يستحي أن يشرب ريًّا، وهذا من أخلاق الكرام، والطرف: العين، وتضلّع امتلأ ما بين أضلاعه. وقوله: إذا قال، أي الغلام الضيف، قطني، ويروى: "قدني" وكلاهما بمعنى يكفيني، وفسّره ثعلب أي: حسبي، وقلت بالتكلم، والمتكلّم هو الشاعر، وعكس المصنف تبعًا لغيره: إذا قلت قطني، قال: فيكون الشاعر هو الضيفٍ، وفاعل قال ضمير المضاف. وأورده جماعة: "إذا قال قطني" قال منهم الزمخشري في "المفصّل" وتبعه السيد فقال: أي: إذا قال الضيف: حسبي ما شربت، قال المضيف. انتهى. وعلى هذا يكون الشاعر مخبرًا حاكيًا عن شخصين، فهو لا ضيف ولا مضيف، والصواب ما شرحناه أولًا، كما يدل عليه البيت الذي قبله، وسياق القصيدة أيضًا. وفي البيت شواهد أخر: أحدها قوله: قطني، وفي رواية قدني، وبه استشهد ابن الناظم بنون الوقاية

стр. 1477

لحفظ السكون عند البصريين ومعناها عندهم: حسب، أو لأنها اسم فعل عند الكوفيين ومعناها يكفي. ثانيها: أنَّ "ذا" بمعنى صاحب، وبه استشهد صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: ﴿إنَّه عليم بذات الصُّدور﴾ [الآية/ ٣٨] من سورة الملائكة على أنَّ ذات مؤنث ذو، وهو موضوع لمعنى الصحبة؛ لأنَّ اللبن يصحب الإناء، والمضمرات تصحب الصدور، قال: ذات الصدور: مضمراتها، وهي تأنيث ذو في نحو قول أبى بكر ﵁: "ذو بطن خارجة جاريةٌ" وقوله: لتغني عني ذا إنائك أجمعا المعنى: ما في بطنها من الحبل، وما في إنائك من الشراب؛ لأنَّ الحبل والشراب يصحبان البطن والإناء، ألا ترى إلى قولهم: معها حبلٌ، وكذلك المضمرات تصحب الصدور وهي معها، وذو موضوع لمعنى الصحبة. انتهى. ثالثها: الإضافة للملابسة، قال الزمخشري في "المفصّل": ويضاف الشيء إلى غيره بأدنى ملابسة بينهما، وأنشد هذا البيت، قال ابن يعيش: الشاهد فيه أنه أضاف الإناء إلى المخاطب لملابسته إيّاه وقت أكله منه. أو شربه ما فيه من اللبن، وذو الإناء: ما فيه من لبن أو مأكول. انتهى. وفيه تقصير حيث قصر الملابسة على إضافة الإناء مع أنها جارية في إضافة ذا أيضًا، وقد نبه عليهما السيّد في "شرح المفتاح" قال: فيه استشهادان، أحدهما: أنَّ الإناء للمضيف، وقد أضافه إلى الضيف لملابسته إيّاه في شربه، وفي جعل هذه الملابسة بمنزلة الاختصاص الملكي مبالغة في إكرام الضيف ولطف. والثاني: أنَّ ذا بمعنى الصّاحب، وأريد به اللبن، وأضيف إلى الإناء لملابسته إيّاه لكونه فيه، فهذه أيضًا إضافة لأدنى ملابسة. انتهى.

стр. 1478

رابعها: التأكيد بأجمع، ولم يسبق بكل، هو تأوكيد ذا إناء بمعنى اللبن، وقوله: لتغني عني، قال ابن يعيش: العرب تقول: أغن عني وجهك، أي: اجعله بحيث يكون غنيًا عني لا يحتاج إلى رؤيتي، يقول له الضيف: حسبي ما شربت، فيقول له المضيف: اشرب جميع ما في الإناء ولا تردّه عليّ. وقال السيّد: أي: لتبعدنّ ذا إنائك عني، ولتجعله في غنى مني، كأنَّ الطعام محتاج إلى من يطعمه. انتهى. وقد بسطنا الكلام على هذا البيت بأكثر ممّا هنا وشرحنا جميع القصيدة في شرح الشاهد الثالث والخمسين بعد التسعمائة، من شواهد الرضي. وحريث بن عنّاب: بضم الحاء المهملة، وآخره ثاء مثلثة، وعنّاب، بفتح العين المهملة وتشديد النون، كذا ضبطه العسكري في كتاب "التصحيف" عن المعمّري عن ثعلب والجوهري في "الصحاح" والصّاغاني في "العباب" قال الأصفهاني في "الأغاني": هو حريث بن عنّاب النبهاني، وهو نبهان بن عمرو بن الغوث ابن طيّ، وهو شاعر إسلاميّ من شعراء الدولة الأموية، وليس بمذكور في الشعراء؛ لأنه كان بدويًّا مقلًّا غير متصدّ بشعر للناس في مدح ولا هجاء، ولا كان يعدو بشعره أمر ما لا يخصّه، ثمَّ أورد له أشعارًا وحكايات، ونبهان، بفتح النون وسكون الموحدة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد الثلاثمائة: (٣٤٤) وابكنَّ عيشًا تقضَّى بعد جدَّته ... طابت أصائله في ذلك البلد على أن أصله: وابكينَّ، فحذفت الياء وهي لام الفعل، وهو خطاب لمذكر بدليل ما قبله وهو: يا عمرو أحسن نماك الله بالرَّشد ... واقر السَّلام على الأنقاء والثَّمد

стр. 1479

كذا أنشدهما ابن الأنباري في أول "شرح المفضليات" عن أحمد بن عبيد، وقال: قال الشاعر: وابكنَّ؛ لأنَّ من شأنه أن لا يحرك الياء بالنصب، كما لم يحركها في الرفع والخفض، فتركها ساكنة، ولحقتها النون الأولى من المشددة، وهي ساكنة فأسقطتها. انتهى. وبه علم أن الخطاب في قوله: وابكنّ، لمذكّر لا لمؤنث كما زعمه الدماميني، مع أنَّ سياق كلام المصنف يأباه، وإذا كان الخطاب مع امرأة كان المحذوف ضميرًا مع لام الفعل، فإنك إذا أمرت المرأة بالبكاء قلت: ابكينَّ يا هند، فإذا أبقيتها ساكنة ولم تفتحها حذفت لالتقاء الساكنين، وأمّا لام الفعل فهو محذوف لالتقاء الساكنين قبل حذف ياء الضمير، وأصله: تبكيين، على وزن تفعلين، تحركت الياء الأولى وهي لام الفعل، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا، وحذفت لالتقاء الساكنين. ونقل أبو حيّان في "ذكرته" من "الغرّة" لابن الدهان أنه قال: إنَّ بعض الكوفيين يجيز حذف الياء وإن كانت محذوفة، فتقول: إقضنّ يا رجل، بحذفها لالتقاء الساكنين، وأنشد: يا عمرو أحسن نماك الله بالرَّشد ... إلى آخر البيتين. يريد: ابكينَّ، وقال الفراء: وتقول: هل تقضنَّ؟ على قولك: أريد أن تقضي يا رجل، وقالوا: هل تخشنَّ، حذفوا الياء. وحكى الكوفي: لا يخفنَّ عليك، أي: لا يخفينَّ، وقال الفراء: هي لغة طيّ، لأنهم يسكنون الياء في النصب ولا ينصبون. وحكى الكوفيون: إخشنَّ زيدًا يا امرأة، ولا يخفنَّ عليك هذا، وهي لغة طيّ، وأنشدوا في المؤنث: لترنَّ زندة مرحة وغفار يريد: لترينَّ، وهو أقيس من المذكر. انتهى ما أورده أبو حيّان. وقال الرضي في "الشرح الكافية": لغة طي على ما حكى عنهم [الفراء] حذف الياء الذي

стр. 1480

هو لام في الواحد المذكر بعد الكسر والفتح في المعرب والمبني، نحو: والله ليرمنَّ زيد، وارمنَّ يا زيد، وليخشنَّ زيد، واخشنَّ يا زيد. وعليه قوله: إذا قال قطني قلت بالله حلفة ... البيت انتهى كلامه، وهو مخالف لبعض ما نقله ابن الدهان عن الكوفيين، وقد شرحنا كلام الرضي وذكرنا ما يتعلق به في شرح الشاهد الثالث والخمسين بعد التسعمائة. وقوله: يا عمرو أحسن، هو فعل أمر من الإحسان، وجملة "نماك الله بالرشد" اعتراضية للدعاء لعمرو، وقال المرزوقي في أول "شرح فصيح ثعلب": نماه: رفعه، قال: نماه في فروع المجد نام، ومعناه: رفعه رافع، ومصدر نمى ينمي النمي والنماء، والنمي وزنه فعول، وأصله نموي، لكن الواو والياء إذا اجتمعتا والأول ساكن تقلب الواو ياء، ويدغم الأول في الثاني إذا لم يمنع منه مانع، ثم كسر الميم لمجاورته الياء، انم. انتهى. والرشد بفتحتين: مصدر رشد، من باب فرح، والاسم الرشد والرشاد، وهو الصلاح، وهو خلاف الغيّ والضّلال، وهو إصابة الصواب. وقوله: واقر السلام، معطوف على أحسن، خفف الهمزة بإبدالها ألفًا، ثمَّ حذفها للجزم، قال صاحب "القاموس": وقرأ ﵇: أبلغه كأقرأه ولا يقال: أقرأه إلَّا إذا كان السّلام مكتوبًا. وقوله: على الأنقاء والثمد، فيه حذف مضاف، أي: على أهل الأنقاء، وهو جمع نقا، وهو الكثيب من الرمل، كما جمع سبب على أسباب، والمراد الساكنون على الأنقاء، والثمد، بفتح المثلثة والميم: الماء القليل الذي لا مادة له، وقيل: الماء الذي يظهر في الشتاء، ويذهب في الصيف. وقوله: وابكنّ، هو معطوف أيضًا على أحسن، وهو خطاب لعمرو أمره بالبكاء على عيش مضى. وتقضى: فني كانقضى، وروي بدله: "تولّى" والجدَّة، بكسر الجيم: الطراوة، مصدر جدّ الشيء يجد، بالكسر،

стр. 1481

فهو جديد: إذا صار غضا طريًا، والأصائل: جمع أصيل، وهو ما بعد صلاة العصر إلى الغروب، والبلد يطلق على كلّ موضع من الأرض عامرًا كان أو خلاءً، ومثله البلدة، وفي التنزيل: ﴿إلى بلدٍ ميتٍ﴾ [فاطر/ ٩] أي إلى أرض ليس بها نبات ولا مرعى، فيخرج ذلك بالمطر فترعاه أنعامهم، فأطلق الموت على عدم النبات والمرعى، وأطلق الحياة على وجودهما. والبيتان لم أقف على قائلهما، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد الثلاثمائة: (٣٤٥) يا عاذلاتي لا تردن ملامتي ... إنَّ العواذل لسن لي بأمير على أنَّ قوله: "لا تردن ملامتي" أبلغ من قولك: لا تلمنني. وقد أورده ابن جني في باب الاكتفاء بالسبب من المسبب، وبالمسبّب من السّبب من كتاب "الخصائص" وقال: هذا موضع شريف لطيف، وواسع لمتأمله كثير، وكان أبو علي ﵀ يستحسنه ويعني به، وذكر منه مواضع قليلة، ومرَّ بنا نحن منه ما لا نكاد نحصيه .. إلى أن قال: ونحو منه ما أنشده أبو بكر: قد علمت إن لم أجد معينا ... لأخلطنَّ بالخلوق طينا يعني امرأته، يقول: إن لم أجد من يعيني على سقي الإبل، قامت واستقت معي، فوقع الطين على خلوق، فاكتفى بالمسبب الذي هو اختلاط الطين بالخلوق، من السبب الذي هو الاستقاء معه. ومثله قول الآخر: يا عاذلاتي لا تردن ملامتي ... البيت أراد لا تلمنني، واكتفى بإرادة اللوم منه، وهو تال لها ومسبّب عنها. انتهى. وأورده أبو حيان في "تذكرته" عن الإمام المرزوقي بأن فعيلًا قد يكون للجمع، يقال: في الدار نساء كثير، وقال الشاعر: يا عاذلاتي لا تردن ملامتي ... البيت. وقال الجوهري في مادة "ظهر" والظهير: المعين، ومنه قوله تعالى:

стр. 1482

﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ [التحريم/ ٤] وإنما لم يجمعه لأنَّ فعيلًا وفعولًا قد يستوي فيهما المذكر والمؤنث والجمع، كما قال تعالى: ﴿إنَّا رسول ربِّ العالمين﴾ [الشعراء/ ١٦] وقال الشاعر: إنَّ العواذل لسن لي بأمير يريد الأمراء. انتهى. وكشفت عنه في "أمالي ابن بري على الصحاح" فلم أر فيها غير ذكره المصراع الأول، والعواذل: جمع عاذلة من العذل، وهو اللّوم، والنون في "لسن" ضمير العواذل، وروي في كتاب "التفسح في اللغة" وفي بعض نسخ "صحاح الجوهري": "ليس" بدون ضمير، والأول هو الجيّد، والبيت مشهور بتداول العلماء إياه في مصنفاتهم، ولم أقف على قائله، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد الثلاثمائة: (٣٤٦) فما جمعٌ ليغلب جمع قومي ... مقاومةً ولا فردٌ لفرد على أنَّ "كان" محذوفة قبل لام الجحود، والتقدير: فما كان جمع ليغلب. هذا غير متعين في البيت والأثر، كما قال الدماميني لجواز أن تكون عاملةً عمل ليس، والتقدير: فما جمع متأهلًا لغلب قومي، ولا فرد غالبًا لفرد قومي، وما أنا مريدًا لتركها. والبيت من قصيدة عدتها أربعون بيتًا لعمرو بن معدي كرب الزبيدي الصحابي، افتخر فيها بقومه وفبائله من اليمن، وذكر فيها أيامهم ووقائعهم بقبائل معد بن عدنان، وهي مذكورة في أول ديوانه منها: وأودٌ ناصري وبنو زبيد ... ومن بالحيق من حكم بن سعد لعمرك لو تجرَّد من مرادٍ ... عرانينٌ على كمتٍ وورد

стр. 1483

ومن عنسٍ مغامرةٌ طحونٌ ... مذربةٌ ومن علة بن جلد ومن سعدٍ كتائب معلماتٌ ... على ما كان من قرب وبعد ومن جنبٍ مجنِّبة ضروبٌ ... لهام القوم عند الموت تردي وتجمع مذحجٌ فيرئسوني ... لأبرأت المناهل من معدِّ أؤمُّ بهم أبا قابوس حتى ... أنيخ على تحيَّته بجندي إلى أن قال: أولئك معشري وهم جبالي ... وحدّي في كتيبتهم ومجدي هم قتلوا عزيزًا يوم لحجٍ ... وعلقمة بن سعدٍ يوم نجد ثمَّ عدَّد أيّامهم بقوله: وهم وهم، إلى أن قال: وهم تركوا القبائل من معدٍ ... ضبابًا مجحرين بكلِّ حقد فما جمعٌ ليغلب جمع قومي ... مكاثرةً ولا فردٌ لفرد وأود، بفتح الهمزة وسكون الواو، وزبيد، بالتصغير، وحكم بن سعد بفتحتين، ومراد وعنس وعلة بن جلد، بضم العين المهملة وخفة اللام، وجلد، بفتح الجيم وسكون اللام، وسعد: أراد سعد العشيرة، وجنب، بفتح الجيم وسكون النون، ومذحج، بفتح الميم وسكون الذال المعجمة، وكسر الحاء المهملة بعدها جيم: هؤلاء كلّها من قبائل اليمن. والحيق، بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية: واد باليمن، والعرانين: السادات جمع عرنين، والكمت: جمع كميت، والورد، بالضم: جمع ورد، بالفتح، وهما من الخيل. والمغامرة: بضم الميم والغين معجمة: الملقية نفسها في الشدائد، والطحون: التي تطحن ما مرَّت به وتهلكه، ومذرّبة بصيغة المفعول: المحددة القاطعة، والكتائب: جمع كتيبة، وهي جماعة الخيل إذا أغارت من المائة إلى الألف، ومعلمات: اسم مفعول من أعلم الفرس إذا علّق عليه صوفًا ملويًا في الحرب، وأعلم نفسه: إذا وسمها بسيماء الحرب، ومجنِّبة: بكسر النون المشدّدة، وهي التي تقود جنائب الخيل، وضروب: مبالغة ضارب، وتردي: تهلك، أرداه: أهلكه.

стр. 1484

وقوله: فيرئسوني، أي: يجعلوني رئيسًا لهم، وقوله: لأبرأت المناهل، أي: أخليتها وتركتها بريّة، ومنه: أنت بري من ذنب، أي: خليّ منه. وأؤم: أقصد. وأبو قابوس: كنية النعمان بن المنذر ملك العرب، والتحية: الملك والسلطنة، ولحج بفتح اللام وسكون الحاء المهملة بعدها جيم: بلد بعدن، سمّي بلحج بن وائل ابن قطن، والضباب: جمع ضب، ومجحر: اسم مفعول من أجحره، أي: أدخله جحره، وهو شقّ في الأرض تحتفره الهوام والسباع لنفسها لتتحصَّن به. وقوله: فما رجع ليغلب جمع قومي، الجمع: الجماعة والفرقة، والفرد: المنفرد، والمكاثرة: المغالبة بالكثرة، وروي بدله: "مقاومة" مصدر قاومه في الحرب: إذا أطاقه فيها. وترجمة عمرو بن معدي كرب الصحابي تقدمت في الإنشاد الخامس بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد الثلاثمائة: (٣٤٧) فخرَّ صريعًا لليدين وللفم على أنًّ اللاّم بمعنى على. وكذا أورده صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: ﴿ويخرُّون للأذقان﴾ [الإسراء/ ١٠٩] والخرور: السقوط، وصريعًا: طريحًا على الأرض، ولليدين وللفم، معناه: على اليدين والفم، قال أبو حيّان في "شرح التسهيل": قال بعض أصحابنا: الصحيح ما قال سيبويه من أنَّ الَّلام للاستحقاق، وهو معناها العام؛ لأنه لا يفارقها، وإنما جعلت للملك لأنه ضرب من الاستحقاق، وقد يدخلها مع ذلك معان أخر. وأما كونها للصيرورة، ويعبر عنها أيضًا بالعاقبة والمآل، فأورد ذلك أصحابنا على أنه مذهب مردود، وهو منسوب للآخفش. وتقرير مذهبه أنَّ الالتقاط لم يكن لكونه عدوًّا لهم وحزنًا، بل الالتقاط كان

стр. 1485

ليكون حبيبًا وولدًا، فآل أمره إلى أن كان لهم عدوًّا، فالّلام للصيرورة. وردَّ بأنه حذف السّبب وأقيم المسبب مقامه. وأمّا كونها بمعنى على، وبمعنى التعليل، وبمعنى بعد، وبمعنى من، وبمعنى في، وبمعنى إلى، فهو مذهب الكوفيين، وتبعهم القتبي، وتأول ما استدلَّ به بعض شيوخنا. فأما قوله: فخر صريعًا لليدين وللفم، بأنه لما كانت اليدان تتقدَّمان سائر البدن صار ذلك شبيهًا بما يسقط لسقوط غيره، فدخلت اللام لملاحظة ذلك، وبهذا يتأوَّل، والله أعلم ﴿وتلَّه للجبين﴾ [الصافات/ ١٠٣] انتهى المراد منه. قال تلميذه، ناظر الجيش: هذا التأويل لابن أبي الربيع، وكذا يتأوَّل على ما قاله قوله تعالى: ﴿يخرُّون للأذقان سجّدًا﴾ [الإسراء/ ١٠٧] وأما قوله تعالى: ﴿دعانا لجنبه﴾ [يونس/ ١٢] فيقال فيه: إنَّ الجار والمجرور في موضع الحال، ويدل على ذلك عطف الحال عليه، والتقدير: دعانا كائنًا لجنبه، فتكون اللام على هذا للتبيين، كما هي في سقيًا لك، والتبيين أحد معانيها، وقال ابن عصفور في قوله: فخرَّ صريعًا لليدين وللفم اللام متعلقة بمحذوف، والتقدير: فخر صريعًا مقدمًا لليدين وللفم، وما قاله ابن أبي الربيع أدخل في المعنى وأحسن. انتهى. والمصراع من قصيدة لجابر بن حنيّ التغلبي، ذكر فيها قتل شرحبيل عمّ امرئ القيس، أوردها المفضل في "المفضليات" وقبله: وقد زعمت بهراء أنَّ رماحنا ... رماح نصارى لا تخوض إلى الدَّم فيوم الكلاب قد أزالت رماحنا ... شرحبيل إذ آلى ألية مقسم لينتزعن أرماحنا فأزاله ... أبو حنش عن ظهر شقّاء صلدم تناوله بالرُّمح ثمَّ اتَّنى له ... فخرَّ صريعًا لليدين وللفم

стр. 1486

وبهراء: قبيلة، والكلاب، بضم الكاف: وهو ماء بين الكوفة والبصرة على بضع عشرة ليلة، ومن اليمامة على سبع ليال أو نحوها، قال العسكري في كتاب "التصحيف": كان به وقعتان عظيمتان للعرب، إحداهما بين ملوك كندة الإخوة، والأخرى بين بني الحارث: وبين بني تميم، فقيل: الكلاب الأول، والكلاب الثاني: فأمّا الكلاب الأول فكان في الجاهلية، واليوم لبني تغلب، ورئيسهم يومئذ سلمة بن الحارث بن الكندي، ومعه ناس من بني تميم، فلقي سلمة أخاه شرحبيل، ومعه بكر بن وائل، فقتل شرحبيل وهزم أصحابه. وأمّا الكلاب الثاني فكان لبني سعد والرباب، وكان رئيسهم في هذا اليوم قيس بن عاصم. انتهى. وبيان ذلك ما حكاه ابن الأنباري في "شرح المفضليات" أنَّ الحارث بن عمرو ابن حجر آكل المرار الكنديّ، كان فرَّق بنيه في قبائل معدّ قبل موته، فجعل حجرًا في بني أسد وكنانة وهو أكبرهم، وجعل شرحبيل، وكان يليه في السن في بكر بن وائل، وبني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وبني أسيِّد بن عمرو ابن تميم، وجعل ابنه معدي كرب في قيس عيلان؛ وجعل سلمة في بني تغلب، والنمر بن قاسط وسعد بن زيد مناة بن تميم. فلمّا هلك أبوهم الحارث بن عمرو، تشتت أمرهم وتفرقت كلمتهم، ومشت الرجال بينهم، وتفاقم أمرهم حتى جمع كل واحد منهم لصاحبه، وزحف إليه بالجيوش، فسار شرحبيل ببكر بن وائل ومن معهم، فنزل الكلاب، وأقبل أخوه سلمة في بني تغلب والنمر ومن معهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وثبت بعضهم لبعض، حتى [إذا] كان في آخر النهار من ذلك اليوم خذلت بنو حنظلة، وعمرو بن تميم والرباب بكر بن وائل، وانصرفت بنو سعد وألفافها من بني تغلب وصبر ابنا وائل بكرٌ وتغلب ليس معهم أحد غيرهم حتى غشيهم الليل، ونادى منادي شرحبيل: من أتاني برأس سلمة فله مائة من الإبل، ونادى منادي سلمة: من أتاني برأس شرحبيل فله مائة من الإبل. ولما انهزمت بنو حنظلة خرج معهم شرحبيل، ولحقهم ذو السُّنينة، واسمه حبيب بن عتبة بن سعد بن جشم بن

стр. 1487

بكر، وسمّي ذا السنينة لسن له كانت زائدة، وكان أخا أبي حنش لأمه، وأبو حنش عصم بن النعمان، أحد [بني] جشم بن بكر. والتفت شرحبيل إلى ذي السنينة، فضربه على ركبته فأطنَّ رجله، فقال: يا أبا حنش قتلني الرجل! وهلك ساعته، فقال أبو حنش: قتلني الله إن لم أقتله، فحمل أبو حنش على شرحبيل فأدركه، فطعنه أبو حنش فأصاب رادفه السرج، ثمَّ تناوله فألقاه عن فرسه، ونزل إليه فاحتزَّ رأسه، فبعث به إلى سلمة [مع] ابن عمّ له، فألقاه بين يدي سلمة، فقال: لو كنت ألقيته إلقًاء رفيقًا. فقال: ما صنع به وهو حيّ شرّ من هذا! وعرف القوم النّدامة في وجهه والجزع على أخيه، فهرب أبو حنش وتنحّى عنه. انتهى باختصار. وقوله: إذا آلى أليّة مقسم، آلى: حلف، والأليّة مصدره، ومقسم: اسم فاعل، من أقسم بمعنى حلف. وقوله: لينتزعن أرماحنا، هذا جواب القسم، والشَّقّاء، بالفتح والمدّ: الطويلة من الخيل، والصلدم، بكسر الأول والثالث: الصلبة، وقوله: تناوله بالرمح، أي: طعنه به. وجابر بن حنيّ التغلبي جاهلي. قال ابن الأنباري: قال ابن الكلبي: كان عمرو بن مرثد بن سعد يبعته ابن ماء السماء على إتاوة ربيعة، ورجلًا من اليمن يقال له قيس بن هرثم –جشمي- وكانت ربيعة تحسدهما، فجاء عمرو بن مرثد يومًا، فقال جلساء الملك حسدًا له: "إنه ليمشي كأنه لا يرى أحدًا أفضل منه"! فجاء الملك فحيّا الملك بتحبته، فقال جابر بن حنيّ في ذلك هذه القصيدة. انتهى. وحني: بضم الحاء المهملة، وفتح النون وتشديد المثناة التحتية. وقد وقع المصراع الشاهد في شعر لقاتل محمد بن طلحة بن عبيد الله القرشي المعروف بالسجّاد لكثرة عبادته، وقتل يوم الجمل. قال الجواليقي في "شرح أدب الكاتب": هو من شعر لكعب بن حدير النَّقدي:

стр. 1488

وأشعث قوّامٍ بآيات ربِّه ... كثير التُّقى فيما ترى العين مسلم شككت له بالرّمح جنب قميصه ... فخرَّ صريعًا لليدين وللفم على غير ذنبٍ غير أن ليس تابعًا ... عليًّا ومن لا يتبع الحقَّ يظلم يذكّرني "حلم" والرُّمح شاجرٌ ... فهَّلا تلا "حلم" قبل التقدُّم الأشعث: الجاف الشعر المنتشره، وقوّام: كثير القيام في صلاته بقراءة القرآن، وشككته: انتظمته، وخرّ: سقط، والصريع: المصروع. وقوله: على غير ذنب، أي: فعلت به ذلك، ولم يذنب إلاَّ بتركه عليّا، ويظلم: يضع الحقَّ في غير موضعه. يقوله لمحمد بن طلحة بن عبيد الله، وكان آخذًا بزمام جمل عائشة يوم الجمل، فجعل لا يحمل عليه أحد إلِّا حمل عليه، وقال: "حم لا ينصرون" فاجتمع عليه نفر كلّهم ادعى قتله، وادَّعى هذا الشاعر أنه قتله. انتهى كلامه. وقال ابن السيد البطليوسي أيضًا في"شرح أدب الكاتب": هذا الشعر يروى للمكعبر الأسدي، وقيل: للمكعبر الضبّي، ويقال: إنه لشريح بن أوفى العنسي، وقيل: إنه لعصام بن المقشعر العبسي. وذكر ابن شبة أنه للأشعث بن قيس الكندي، وهذا الشعر قيل في محمّد بن طلحة، وقتل يوم صفين، وكان علي قال لأصحابه: اجعلوا شعاركم "حم لا ينصرون" وكان محمّد بن طلحة من أصحاب معاوية، فكان إذا حمل عليه رجل من أصحاب علي يقول له محمّد: أسالك بحم، فيكفّ عنه، إلى أن حلم عليه الأشعث بن قيس، فقال له محمّد: أسالك بحم، فلم يلتفت إلى قوله، فقتله وقال هذا الشعر. انتهى كلامه. وقد شذَّ في قوله: وقتل يوم صفين: وكان من أصحاب معاوية، فإنَّ جميع من تكلم على الشعر من شراح "الكشاف" وغيره قالوا: إنه قتل في وقعة الجمل، فإنَّ صاحب "الكشاف" أورد قوله: يذكرني حم والرمح شاجر ... ....... البيت

стр. 1489

في أوَّل تفسير سورة البقرة، قال: ما كان من أسماء السور على زنة مفرد كحم وطس ويس، فإنها موازنة لقابيل وهابيل، يجوز فيه الأمران الإعراب والحكاية، قال قاتل محمد بن طلحة السجّاد، وهو شريح بن أوفى العنسي: يذكرني حم .. البيت، فأعرب حم ومنعها الصرف، وهكذا كلّ ما أعرب من أخواتها لاجتماع سبي من الصرف فيها، وهما العملية والتأنيث. قال الطيبي: قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": هو محمد بن طلحة بن عبيد الله القرشي، قتل يوم الجمل، وكان طلحة أمره أن يتقدَّم للقتال، فنسل درعه بين رجليه وقام عليها، وكلّما حمل عليه رجل قال: نشدتك بحم، حتى شدَّ عليه العنسي فقتله، وأنشأ يقول: وأشعث قوّامٍ بآيات ربِّهِ ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم إلى آخر الأبيات، فلمّا رآه علي بين القتلى استرجع وقال: إن كان لشابًا صالحًا، ثمَّ قعد كئيبًا. وشجر الرمح: اختلف، والتشاجر: التخاصم، وقيل: المراد بقوله: حم، قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلاَّ المودَّة فى القربى﴾ [الشورى/ ٢٣] انتهى. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد الثلاثمائة: (٣٤٨) فلمَّا تفرَّقنا كأنِّى ومالكًا ... لطول اجتماع لم نبت ليلةً معا على أنَّ اللام بمعنى بعد. قال أبو حيّان: أجيب بأنه إنما يريد: كأني ومالكًا لم نجتمع، وأوجب له هذا القول، وهذا الشَّبه طول اجتماعهم قبل ذلك، ولولا الاجتماع قبل لما صحّ أن يقول: كأني ومالكًا لم نبت ليلةً معًا، فكأنه قال: أشبهت

стр. 1490

من لم يجتمع لأجل ما كان منّا من طول اجتماع، ولولا ذلك لم يقل: أشبهت. انتهي. وقال ناظر الجيش: حمله، ابن عصفور على تقدير مضاف، وأنَّ الَّلام لام السّبب، قال: والتقدير: كأني ومالكًا لفقد طول اجتماعنا. أو لانقطاع طول اجتماعنا. هذا كلامه. وأحسن من جمعيه قول الميداني في "مجمع الأمثال": اللام في "لطول اجتماع" يجوز أن تتعلق بتفرقنا، أي: تفرقنا لاجتماعنا، يشير إلى أنَّ التفرق سببه الاجتماع. انتهى. قاله عند شرح قوله: "كبر عمرو عن الطوق". وقال ابن الأنباري في "شرح المفضليّات": رواه أبو عكرمة "لطول اجتماع" باللاَّم ورواه غيره: "بطول اجتماع" بالباء، فتكون هذه الرواية مقوية لكون اللاَّم للسبب. والبيت من قصيدة طويلة لمتمّم بن نويرة اليربوعي الصحابي، رثى بها أخاه مالك بن نويرة، شرحها ابن الأنباري في "المفضليات" وانتخبها أبو العبّاس المبرد في آخر "الكامل" قال: ومن أشعار العرب المشهورة المتخيرة في المراثي قصيدة متمم بن نويرة في أخيه، وبعد ذلك البيت: وكنّا كندماني جذيمة حقبةً ... من الدَّهر حتى قيل لن يتصدَّعا وعشنا بخيرٍ في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبَّعا ندمان، بفتح النون: بمعنى نديم، وجذيمة، بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة. قال المبرد: هو جذيمة الأبرش الأزدي وكان مالكًا، وهو الذي قتلته الزَّبّاء، وهو أول من أوقد الشمع، ونصب المجانيق للحرب، وله قصص تطول، وقد شرحنا ذلك في كتاب "الاختيار" وندماناه يقال لهما مالك وعقيل، وفي ذلك يقول أبو خراشٍ: ألم تعلمي أن قد تفرَّق قبلنا ... خليلا صفاءٍ مالكٌ وعقيل

стр. 1491

فالمثل يضرب بهما من طول ما نادماه، كما يضرب باجتماع الفرقدين، قال عمرو بن معدي كرب: وكلُّ أخٍ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلاَّ الفرقدان قال هذا من قبل أن يسلم. وقال إسماعيل بن القاسم: ولم ار ما يدوم له اجتماعٌ ... سيفترق اجتماع الفرقدين انتهى. قال ابن السيد البطليوسي فيما كتبه على "الكامل": قال أبو بكر: نادماه أربعين سنة، ولم يعيدا عليه حديثًا. انتهى. وقال ابن الأنباري: نديما جذيمة: مالك وعقيل ابنا فارج بن كعب، من القين بن جسر من قضاعة، نادماه حين ردا عليه ابن أخته عمرو بن عدي، وهو عمرو ذو الطوق بن نمارة بن لخم اللخميّ، فسألها حاجتهما فسألا منادمته. قال ابن الكلبي: يضرب المثل بهما للمتواخيين، فيقال: هما كندماني جذيمة، قالوا: دامت لهما رتبة المنادمة أربعين سنة. والحقبة، بالكسر: الدهر، والتصدع: التفرق. وفي هذه القصيدة أبيات أخر شواهد نشرحها إن شاء الله في مواضعها. وتقدمت ترجمة متمم بن نويرة، وسبب قتل أخيه مالك في الإنشاد الواحد والخمسين. وقد شرحنا غالب القصيدة في مواضع متعددة من شواهد الرضي. أنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد الثلاثمائة: (٣٤٩) لنا الفضل في الدُّنيا وأنفك راغمٌ ... ونحن لكم يوم القيامة أفضل

стр. 1492

على أنَّ اللام بمعنى "من" لأنَّ أفعل إنما يتعّدى بمن. قال ناظر الجيش: ويمكن أن يجاب عنه، فإنَّ الشاعر مراده إثبات الفضل الزائد له ولقومه، بدليل صدر البيت، وهو: لنا الفضل في الدنيا، وليس مراده: ونحن أفضل منكم يوم القيامة، إنما المعنى: ونحن أفضل مفاخرين لكم يوم القيامة، فالجار والمجرور في موضع الحال، ويدل على مفاخرين سياق البيت؛ لأنَّ الشاعر إنما قال ذلك افتخارًا وشرفًا، وعلى هذا يكون معدّيه للعامل المقدَّر هو الحال في الحقيقة، هذا هو الذي ظهر لي في هذا البيت، لكن فيما ذكرته إشكال من جهة الصناعة النحوية؛ لأنَّ "لكم" إذا كان حالًا إنما هو الحال من الضمير المستتر في أفضل، فالعامل في الحال هو أفضل، وأفعل التفضيل لا يعمل في حال مقدمة عليه إلاَّ في مسألة "هذا بسرًا أطيب منه رطبًا" لكن يجاب عن هذا بأنَّ الحال المتقدمة هنا إنما هي ظروف لا اسم صريح، والتوسع في الظرف أمر معروف عند النحاة، لا سيما ورود ذلك في شعر. انتهى كلامه. ويؤيد توجهه أنًّ البيت من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل النصراني. وقد تقدَّم شرحها مع بيان سببها في الإنشاد الرابع والتسعين بعد المائة. وقوله: وأنفك راغمٍ، أي: ذو رغام، وهو التراب، قال صاحب "المصباح": الرغام بالفتح: التراب، ورغم أنفه من باب قتل، ورغم من باب تعب، لغة: كناية عن الذل، كأنه لصق بالرغام هوانًا، ويتعدَّى بالألف فيقال: أرغم الله أنفه، وفعلته على رغم أنفه، بالفتح والضمّ، أي: على كره منه، وراغمته: غاضبته؛ وهذا ترغيم له، أي: إذلال. وهذا من الأمثال التي جرت في كلامهم بأسماء الأعضاء، ولا يرد أعيانها، بل وضعوها لمعان غير معاني الأسماء الظاهرة، ولا حظّ لظاهر الأسماء من طريق الحقيقة، ومنه قولهم: كلامه تحت قدمي، وحاجته خلف ظهري، يريدون الإهمال وعدم الاحتفال. انتهى كلامه.

стр. 1493

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد الثلاثمائة: (٣٥٠) كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدًا وبغيًا إنه لدميم على أنَّ اللام بمعنى عن، وجعل ابن مالك اللام هنا من نوع التعليل الجارّ اسم من غاب حقيقة أو حكمًا عن قائل قول يتعلق به. والبيت من قصيدة جيدة لأبي الأسود الدؤلي ومطلعها: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداءٌ له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدًا وبغيًا إنَّه لدميم وقد أوردناها تمامًا في الشاهد الواحد والسبعين بعد الستمائة من شواهد الرضي. والدميم بالدال المهملة: من الدَّمامة -بالفتح- وهي قبح المنظر، وصغر الجسم، وكأنه مأخوذ من الدِّمّة -بالكسر- وهي القملة أو النملة الصغيرة، ويجوز أن يكون هنا بالذال المعجمة، من الذم خلاف الحمد. وتقدمت ترجمة أبي الأسود الدؤلي في الإنشاد السابع والعشرين بعد الثلاثمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد الثلاثمائة: (٣٥١) فللموت تغدو الوالدات سخالها ... كمالخراب الدُّور تبنى المساكن على أنَّ اللام لام الصيرورة. تقدَّم عن أبي حيان ما فيه عند شرح قوله: فخرَّ صريعًا لليدين وللفم و"تغدو" بالغين المعجمة: من الغذاء، بالكسر والمد، وهو اسم ما يتغذى به من الطعام والشراب، وغذا الطعام الصبيَّ يغذوه، من باب علا: إذا نجع فيه وكفاه، وغذوته باللبن أغذوه أيضًا، والسخال: جمع سخلة، قال الأزهري: تقول العرب لأولاد الغنم ساعة تضعها أمهاتها من الضأن والمعز ذكرًا كان أو أنثى: سخلة.

стр. 1494

والبيت نسبه ابن عبد ربه في "العقد الفريد" إلى سابق البربري، وكذا نسبه إليه صاحب كتاب "التفسح في اللغة" وهو: أبو سعيد سابق بن عبد الله، له أشعار لطيفة في الزهد، وهو من موالي بني أمية، سكن الرَّقة، ووفد على عمر بن عبد العزيز، وله معه حكايات لطيفة، وروى عنه مكحول وغيره. والبربري نسبة إلى البربر، وهي بلاد كثيرة من المغرب، قال ابن الأثير في "الأنساب": الصحيح أنَّ سابقًا البربري ليس منسوبًا إلى البربر، وإنما هو لقب له. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد الثلاثمائة: (٣٥٢) فإن يكن الموت أفناهم ... فللموت ما تلد الوالده لما تقدَّم قبله. وهو من أبيات أوردها ابن الأعرابي في "نوادره" لنهيكة بن الحارث المازني، من مازن فزارة، وهي: لا يبعد الله ربُّ العبا ... د والملح ما ولدت خالده هم المطعمو الضَّيف شحم السّنا ... م والقاتلو اللّيلة البارده هم يكسرون صدور الرَّما ... ح في الخيل تطرد أو طارده يذكَّرني حسن آلائهم ... تفجُّع ثكلانةٍ فاقده فإن يكن القتل أفناهم ... فللموت ما تلد الوالده انتهى. وعزاه المفضل بن سلمة في كتاب "الفاخر" لشتيم بن خويلد الفزاراي، وقال: الملح هنا البركة، يقال: اللهمّ لا تبارك فيه، ولا تملحه، وكلاهما جاهليان. وقال أبو الوليد الوقشي فيما على "كامل المبرد" على هذا البيت:

стр. 1495

خالدة هي بنت أرقم أم كردم وكريدم ابني شعبة الفزاريين، وكردم هو الذي طعن دريد بن الصِّمَّة يوم قتل أخوه عبد الله. وهذا المصراع وقع في شعر عبيد بن الأبرص الجاهلي أيضًا، لما قتله المنذر بن ماء السماء، قال له بعض الحاضرين: ما أشدّ جزعك للموت! فقال: لا غزو من عيشةٍ نافذه ... وهل غير ما ميتةٍ واحده فأبلغ بنيَّ وأعمامهم ... بأنَّ المنايا هي الرَّاصده لها مدَّةٌ فنفوس العباد ... إليها وإن كرهت قاصده فلا تجزعوا لحمامٍ دنا ... فللموت ما تلد الوالده ووقع في شعر سماك بن عمرو الباهلي أيضًا، وهو أول من قال: "لا أطلب أثرًا بعد عين" وهو جاهلي أيضًا، ولما خيّر بين أن يقتل هو أو أخوه مالك -فقتلوه دون أخيه- قال: فأقسم لو قتلوا مالكًا ... لكنت لهم حيَّةً راصده برأس سبيلٍ على مرقبٍ ... ويومًا على طرقٍ وارده فأمَّ سماكٍ فلا تجزعي ... فللموت ما تلد الوالده وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد الثلاثمائة: (٣٥٣) لله يبقى على الأيَّام ذو حيد على أنَّ اللام في الله هنا للقسم والتعجب معًا، وجملة "لا يبقى" بتقدير حرف النفي: جواب القسم، وفي اللام معنى التعجب أيضًا، ومراد المصنف أنَّ اللام لا تكون للقسم إلا وفيها معنى التعجب لا العكس، فإنه لا يلزم من كونها للتعجب أن يكون فيها معنى القسم، بدليل أنَّ المصنف لم يذكر كونها للقسم بدون تعجب، وهو صريح كلام سيبويه، قال في باب حروف الإضافة إلى المحلوف به: وذلك قولك:

стр. 1496

والله لأفعلن، وبالله لأفعلن، و ﴿تالله لأكيدنَّ أصنامكم﴾ [الأنبياء/ ٥٨]، وقد تقول: تالله، وفيها معنى التعجب. وبعض العرب في هذا المعنى: الله، فيجيء باللام، ولا يجيء إلاَّ أن يكون فيه معنى التعجب، قال أمية بن أبي عائذ: لله يبقى على الأيّام ذو حيدٍ ... بمشمخرً به الظَّيّان والآس انتهى كلامه. فأفاد أنَّ المثناة الفوقية في القسم قد يصحبها معنة التعجب، وقد لا يصحبها، بخلاف اللام القسميّة، فإنها لا تكون للقسم إلا مع التعجب، وأشار إلى هذا السيرافي بقوله: وفي التاء معنى التعجب، وكذلك اللام تدخل في القسم للتعجب. انتهى. فجعل التعجب علة لكون اللام في القسم. وزعم أبو حيان في "شرح التسهيل" وتبعه تلميذه ناظر الجيش أنَّ اللام في القسم قد تنفرد عن التعجب، قال: واللام في القسم بابها التعجب، وقد استعملها بعض العرب مع غير التعجب فيه، حكاه سيبويه في آخر باب الإضافة إلى المحلوف به، قال: ويقول بعض العرب: لله لأفعلن. انتهى. وأقول: لا دلالة في كلام سيبويه لما ذكره، وهذا نصه: واعلم أنَّ من العرب من يقول من ربي، أي: بضم الميم، لأفعلن ذلك، تجعلها في هذا الموضع بمنزلة الواو والباء في قوله: والله لأفعلن، ولا يدخلونها في غير ربي، كما لا يدخلون التاء في غير الله ، ولكن الواو لازمة لكل اسم يقسم به والباء، وقد يقول بعض العرب، لله لأفعلن كما تقول: تالله لأفعلنّ. انتهى كلامه. والبيت من قصيدة مطلعها: ياميُّ إن تفقدي قومًا ولدتهم ... أو تخلسيهم فإنَّ الدَّهر خلاَّس عمرو وعبد منافٍ والذي عهدت ... ببطن عرعر آبي الضيم عبّاس يا ميُّ إنَّ سباع الأرض هالكةٌ ... والعفر والأدم والآرام والنّاس تالله لا يعجز الأيّام مبتركٌ ... في حومة الموت رزَّام وفرَّاس يحمي الصَّريمة أحدان الرِّجال له ... صيدٌ ومجترئٌ بالليل همّاس

стр. 1497

ثمَّ وصف الأسد بأبيات ثلاثة وقال: يا ميُّ لا يعجز الأيام ذو حيدٍ ... بمشمخرً به الظَّيّان والآس ثمَّ وصف الوعل إلى آخر القصيدة في سبعة أبيات، والبيتان الأولان من شواهد سيبويه، وقال الأعلم: الشاهد في قطع عمرو وما بعده مما قبله، وحمله على الابتداء، ولو نصب على البدل من القوم لجاز. ومعنى تخلسيهم، بالبناء للمفعول: تسلبيهم، والخلس: أخذ الشيء بسرعة، أي: إن أفقدك الدهر إياهم فذلك شأنه، وأراد بعمرو: هاشم بن عبد مناف، فإنه اسمه، وبالعباس: ابن عبد المطلب، وإنما قال: ولدتهم؛ لأنهم من ولد مدركة بن إلياس بن مضر، وعرعر: موضع، وروي بدله: "ببطن مكة" وآبي: من الإباء، وهو الامتناع، والضيم: الظلم. وقد شرحناهما بأبسط من هذا في الشاهد الخامس والستين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي وقوله: والعفر والأدم والآرام والناس، العفر: الظباء جمع أعفر، والأدم: السمر منها، جمع آدم، والآرام: البيض منها، جمع ريم. وقوله: تالله لا يعجز الأيام ... البيت مع الذي بعده من شواهد سيبويه، قال الأعلم: الشاهد فيهما جري الصفات على ما قبلها، مع ما فيها من معنى التعظيم، ولو نصب لجاز. قال السكري: الأيام ههنا: الموت، والمبترك: المتعمد، وهو الأسد، وحوت الموت: الموضع الذي يدور فيه الموت لا يبرح منه، والرزام: المصوت، يقال: رزم الأسد يرزم، وإذا برك الأسد على فريسته رزم، وفرَّاس: يدق ما يصيبه، والصريمة: رملة فيها شجر. حماها: منع الناس دخولها من خوفه، وأحدان الرجال: الذين يقول أحدهم: أنا الذي لا نظير له في الشجاعة، يقول: إنَّ هذا الأسد يصيد هؤلاء الذين يدلون بالشجاعة وهو مع ذلك لا ينجو من الموت. وقوله: تالله يبقى على الأيام ذو حيدٍ .. هكذا رواه سيبويه، وهو ثقة فيما يرويه ووقع في أشعار الهذليين من جميع الروايات:

стр. 1498

يا ميّ لا يعجز الأيّام ذو حيدٍ وفي رواية سيبويه حرف النفي من "يبقى" محذوف، والأصل: لا يبقى، وهو جواب القسم، كقوله تعالى: ﴿تالله تفتأ تذكر يوسف﴾ [يوسف/ ٨٥] وقوله: ذو حيد، بالحاء المهملة والمثناة التحتية، رواه المبرد بفتحتين، وجعله مصدرًا بمنزلة العوج والأود، وهو اعوجاج يكون في قرن الوعل، ورواه ثعلب بكسر أوله، وكذا السكري، وفسره بجمع حيدة، مثل حيض جمع حيضةٍ، والحيدة: العقدة في قرن الوعل، ومنهم من جعله جمع حيدٍ، وهو كل نتوء في القرن والجبل وغيرهما. وقال بعضهم: هو مصدر حاد يحيد حيدًا بالسكون، فحركة للضرورة، ومعناه الروغان، وروي: "ذو جيد" بالجيم، وهو جناح مائل من الجبل، وقيل: يعني به الظبي، والوعل: التيس الجبلي. وروى الحلواني: "ذو خدم" بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة وقال: هو البياض المستدير في قوائم الثور، واحدها خدمةٌ، والمشمخر: الجبل العالي، والباء بمعنى في متعلقه بمحذوف هو صفة لـ"ذو حيد" وجملة "به الظيان والآس" صفة لمشمخر، والظيان بالظاء المعجمة، وتشديد المثناة التحتية: ياسمين البر، والآس: الريحان، وإنما ذكرهما إشارة إلى أنَّ الوعل في خصب، فلا يحتاج إلى أن ينزل إلى السهل فيصاد. وأمية بن أبي عائذ -بالذال المعجمة- الهذلي: شاعر إسلامي مخضرم على ما في "الإصابة" وقال صاحب "الأغاني": هو من شعراء الدولة الأموية، له في عبد الملك ابن مروان وعبد العزيز قصائد، وقد أثبت السكري هذه القصيدة في "أشعار هذيل" لأبي ذؤيب الهذلي، وتقدمت ترجمته في الإنشاد الخامس من أول الكتاب، وعزاها الحلواني إلى مالك بن خالد الخناعي، نسبة إلى خناعة بن سعد بن هذيل، بضم الخاء المعجمة بعدها نون، وقال ابن السيد البطليوسي: رويت للفضل بن عباس

стр. 1499

ابن عتبة بن أبي لهب، وقيل: لعبد مناف الهذلي، وقيل: لأبي زبيد الطائي، والله أعلم. وقد وقع المصراع الشاهد في قصيدة ميمية لساعدة بن جؤيّة الهذلي هكذا: تالله يبقى على الأيّام ذو حيدٍ ... أدفى صلودٌ من الأوعال ذو خدم والأدفى بألف مقصورة: الذي يذهب قرنه إلى نحو ذنبه، والصلود: الذي يقرع الجبل بظلفه، وهما صفتان لـ"ذو حيد" والخدم، بفتحتين: خطوط في قوائمه. وهذه قصيدة طويلة رثي بها جماعة، وغالب ألفاظها ومعانيها عويص، تقدَّم شرح مطلعها في الإنشاد الثاني والستين من بحث "أم" ويأتي منها بيتان في بحث "مهما" وفي الباب الثالث أيضًا. وقد تقدَّمت ترجمته في الإنشاد الثالث من أوَّل الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد الثلاثمائة: (٣٥٤) فيالك من ليلٍ كأن نجومه ... بكلِّ مغار الفتل شدَّت بيذبل على أنَّ اللام في "لك" للتعجب بلا قسم، ولام التعجب إذا كانت مع المنادى كما هنا فتحت، وإذا كانت مع غيره كسرت، كما في البيت الذي بعده، قال المصنف غي "شرح بانت سعاد": قوله: فيالك من ليل، الأصل: يا إياك أو يا أنت، ثمَّ لما دخلت [عليه] لام الجر للتعجب انقلب الضمير المنفصل المنصوب أو المرفوع ضميرًا متصلًا مخفوضًا. انتهى. فاللام فيه للتعجب تدخل على المنادى إذا تعجب منه. وقال المرادي في "شرح الألفية": اللام فيه للاستغاثة، استغاث به منه لطوله كأنه قال: يا ليل [ما] أطولك، وقوله: من ليل قال الرضي: هو تمييز مجرور بمن، وهو

стр. 1500

تمييز عن الفرد الذي هو الضمير المبهم، وفيه أنَّ الضمير قد تقدَّم مرجعه في البيت الذي قبله، وهو: ألا أيُّها الليل الطَّويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأفضل فالتمييز فيه عن النسبة لا عن المفرد، و"من" قيل لبيان الجنس، وقال أبو حيان في "الارتشاف": لتبعيض، وقيل: زائدة في الكلام الموجب، ولهذا يعطف على موضع مجرورها بالنصب، كقول الحطيئة: يا حسنة من قوامٍ مّا ومنتقبًا قاله المرادي. وقوله: بكل الباء متعلقة بشدت، بالبناء للمفعول، والمغار: اسم مفعول من أغرت الحبل إغارةً: إذا أحكمت فتله، ويذبل: اسم جبل لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل، وصرف هنا للضرورة. يقول: إنَّ نجوم الليل لا تفارق محالها، فكأنها مربوطة بكل حبل محكم الفتل في هذا الجبل؛ وإنما استطال الليل لمقاساة الأحزان فيه. وقوله: ألا أيها الليل انجل: أمر بمعنى انكشف، والياء نشأت من إشباع الكسرة، والإصباح: الصباح، والأمثل: الأفضل، وقد أورد البيت في "التلخيص" على أنَّ صيغة الأمر فيه للتمني، تمنى زوال ظلام الليل بضياء الصبح، ثمَّ قال: وليس الصباح بأفضل منك عندي؛ لاستوائكما في مقاساة الهموم أو لأن يظلم في عينه لتوارد الهموم، فليس الغرض طلب انجلاء من الليل، لأنه لا يقدر عليه، وإنما تمناه تخلصًا مما يعرض له فيه، ولاستطالته ليلته، كأنه لا يرتقب انجلاءها ولا يتوقعه، فلهذا حمل على التمني دون الترجي، والبيتان من معلقة امرئ القيس، وتقدمت ترجمته في الإنشاد الرابع من أول الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد الثلاثمائة: (٣٥٥) شبابٌ وشيبٌ وافتقارٌ وثروةٌ ... فلله هذا الدَّهر كيف تردَّدا

стр. 1501

على أن اللام في "لله" للتعجب، والبيت من قصيدة للأعشى ميمون بن قيس البكري، مدح بها النبي، ﷺ ، ولم يوفق للإسلام، قال جامع ديوانه ابن حبب: وقال الأعشى عند ظهور النبي ﷺ هذه القصيدة، وأقبل حتى دخل مكة، وقد سمع قراءة الكتب، فنزل على عتبة بن ربيعة، فسمع به أبو جهل فأتاه في فتيةٍ من قريش، وأهدى إليه هديةً ثمَّ سأله: ما جاء بك؟ قال: جئت إلى محمد ﷺ ، لأني كنت سمعت الكتب؛ لأنظر ماذا يقول وما يدعو إليه. فقال له أبو جهل: إنه يحرم عليك الأطيبين: الخمر والزنا. فقال: لقد كبرت، وما لي في الزنا حاجة. قال: إنه يحرم الخمر، قال: فما أحل؟ فجعلوا يحدثونه أسوأ ما يكون من الكلام والفعل، ثمَّ قالوا: أنشدنا ما قلت فيه، فأنشدهم هذه القصيدة، فلما فرغ منها قالوا: لو أنشدته هذا لم يقبل منك، فلم يزالوا به حتى صدّوه، فخرج من فوره فأتى اليمامة، فمكث زمنًا يسيرًا فمات بها. انتهى. وهذا الخبر لا يصح، فإن الأعشى كان قاصدًا المدينة المنورة؛ ليجتمع بالنبي ﷺ ، بدليل قوله في قصيدته: فإنَّ لها في أهل يثرب موعدًا وأبو جهل كان قد قتل في غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة، وأيضًا تحريم الخمر متأخر عن قتل أبي جهل، فكيف يخبر الأعشى بتحريمها! وقال ابن هشام في "السيرة": خرج الأعشى إلى رسول الله ﷺ يريد الإسلام، ومدحه بهذه القصيدة، فلما كان بمكة أو قريبًا منها اعترضه بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره فأخبره أنه جاء يريد رسول الله ﷺ ليسلم، فقال له: يا أبا بصير إنه يحرم الزنا! فقال الأعشى: والله إنَّ ذلك

стр. 1502

لأمر ما لي فيه من أرب، فقال: فإنه يحرم الخمر! فقال الأعشى: أما هذه فو الله إن في النفس منها لعلالات، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأسلم، فانصرف فمات من عامه ذلك، ولم يعد إلى رسول الله ﷺ . انتهى وقال السهيلي في (الروض الأنف): هذه غفلة من ابن هشام ومن قال بقوله، فإن الناس مجمعون على أن الخمر لم ينزل تحريمها إلا بالمدينة بعد أن مضت بدر وأحد، وحرمت في سورة المائدة، وهي من آخر ما نزل، فإن صح خبر الأعثى وما ذكر له في الخمر، لم يكن هذا بمكة وإنما كان بالمدينة إن صح، ويكون القائل له: أما علمت أنه يحرم الخمر، من المنافقين أو من اليهود. وفي القصيدة ما يدل على هذا قوله: فإن لها في أهل يثرب موعدًا وقد ألفيت للقالي رواية عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قال: لقي الأعثى عامرًا بن الطفيل في بلاد قيس، وهو مقبل إلى رسول الله ﷺ ، وذكر له أنه يحرم الخمر فرجع، فهذا أولى بالصواب. انتهى. وقد وقع من هذه القصيدة شواهد في مواضع من هذا الكتاب في ليس، وفي ما، وفي مذ، وفي حرف الألف، وفي الباب الخامس، ونحن نوزع شرحها على هذه المواضع نشرح جملة أبيات منها مع شرح كل شاهد، فنقول أول القصيدة: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وعادك ما عاد السَّليم مسهَّدا وما ذاك من عشق النِّساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلَّة مهددا ولكن أرى الدهر الذي هو خاتر ... إذا أصلحت كفَّاي عاد فأفسدا شباب وشيب وافتقار ونزوة ... البيت كذا في رواية ابن حبيب. قوله: ألم تغتمض عيناك .. الخ، يأتي شرحه إن شاء الله في الباب الخامس في الإنشاد الواحد والخمسين بعد الثمانمائة. وقوله: وما ذاك، الإشارة لما تقدم في البيت من التململ والسهر والقلق، وتناسيت بـ (تا) الخطاب،

стр. 1503

والخلَّة، بالضم: الصداقة والمحبة، ومهدد، كجعفر: اسم امرأة، وقوله: ولكن أرى .. الخ، التفت من الخطاب إلى التكلم، واستدراك أن ذلك التململ ليس من عشق الغانيات، وإنما هو جور الدهر، والخاتر بالراء، قال ابن حبيب: الخاتر: الغادر، والختر: الغدر، وروي (خائن) بالنون، وقوله: شباب وشيب .. الخ، قال ابن حبيب: يقول: هذه أحوال الدهر وتصرفه، فلله هو كيف يتصرف. انتهى. وأشار إلى أن هذه الأمور خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: أحوال الدهر شباب وشيب .. الخ، بمعنى أن هذه الأمور تحدث منه ويتصرف في الإنسان على مراده، وإن كان ظاهر كلامه بعكس ما قلنا، فإنه جعل هذه الأمور مبتدأ، وأخبر عنه بالأحوال، و (لله) الجار والمجرور خبر مقدم، وهذا الدهر: مبتدأ مؤخر، والتردد: الرجوع إلى الشيء مرة بعد مرة للتصرف فيه، (وكيف) المقصود بها التعجب أيضًا، قال ابن الشجري في (أماليه) بعد إنشاد البيت: جعل الخبر والاستفهام جميعًا تعجبًا. انتهى. وروى ابن هشام وغيره: (كهولاً وشبّابًا فقدت وثروة). وترجمة الأعثى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد الثلاثمائة: (٣٥٦) ومن يك ذا عظمٍ صليبٍ رجا به ... ليكسر عود الدَّهر فالدَّهر كاسره على أن اللام زائدة في مفعول الفعل المتعدي المتأخر عن الفعل، فإن (رجا) فعل متعد، فكان القياس: رجا به أن يكسر عود الدهر. قال ابن مالك في (شرح التسهيل): لا تزاد اللام إلا مع مفعول به، بشرط أن يكون عامله متعديًا إلى واحد، فإن كانت زيادتها لتقوية عامل ضعيف بالتأخر نحو ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ [يوسف/٤٣] أو لكونه فرعًا في العمل نحو: ﴿إن ربَّك فعّال لما يريد﴾ [هود/١٠٧] جاز القياس على ما سمع منها، وإن كانت بخلاف ذلك قصرت على السماع نحو: (ردف لكم) [النمل/٧٢] ومنه قول الشاعر: ومن يك ذا عودٍ صليبٍ رجا به ... البيت

стр. 1504

وخصَّ ابن عصفور زيادتها في مثل هذا البيت بالضرورة، قال: ومنها زيادة اللام على المفعول في حال تأخره عن الفعل العامل فيه تقوية للعمل، نحو قول ابن ميادة: وملكت ما بين العراق ويثرب ... البيت يريد: أجار مسلمًا ومعاهدًا، وقول الآخر: فلمّا أن توافينا قليلاً ... أنخنا للكلاكل فارتمينا يريد: أنخنا الكلاكل، وقد يجيء ذلك في سعة الكلام، نحو قوله تعالى: ﴿قل عسى أن يكون ردف لكم﴾ [النمل/٧٢] أي: ردفكم، لأنَّ ذلك لا يحسن إلاَّ في الشعر، فلذلك أورد في الضرائر. انتهى. وفي (شرح التسهيل) لناظر الجيش: قال ابن أبي الربيع: اختلف الناس في زيادة اللام: فأما سيبويه فلم يذكر ذلك، وتابعه عليه أبو علي، وذهب المبرد إلى زيادتها مستدلاًّ بقوله تعالى: (ردف لكم) المعنى: ردفكم، وبقوله تعالى: ﴿إن كنتم للُّرؤيا تعبرون﴾ [يوسف/٤٣] لأنك تقول: عبرت الرؤيا، ولا تقول: عبرت للرؤيا، فأما هذه الآية الشريفة فلا دلالة له فيها عندي؛ لأنَّ العامل قد تأخر، وإذا تأخر عن منصوب يصل إليه بنفسه، جاز دخول حرف الجر، وذلك أن الفعل إذا تأخر ضعف وصوله إلى مفعوله، فجاز أن يقوى بحرف يصل إليه، وأما الآية الشريفة الثانية فالاستدلال بها أقوى من الأولى إلاَّ أنه يمكن أن يضمِّن ردف معنى تهيّأ، والتقدير: عسى أن يكون تهيّأ لكم بعض الذي تستعجلون، وإذا أمكن أن يبقى الحرف على معناه، فلا سبيل إلى ادعاء الزيادة؛ لأنَّ الزيادة في الشيء خروج عن موضع الشيء. انتهى. وقد روي البيت هكذا: ومن يك ذا عودٍ صليبٍ يعده ... ليكسر .. فتكون اللام للتعليل لا زائدة، وبعده: مضارع أعده لكذا، أي: هيأه له.

стр. 1505

والبيت من أبيات لتوبة الحميري الخفاجي العامري، أوردها له الآمدي في كتاب (المؤتلف والمختلف) قال: من الشعراء توبة بن الحمير بن سفيان بن كعب ابن خفاجة بن عمرو بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويكنى أبا حرب، فارس شاعر، وهو صاحب ليلى الأخيلية، وهو القائل فيها: أرى النَّأي من ليلاك سقمً وقربها ... حيًا كحيا الغيث الذي أنت ناظره ولو سألت للناس يومًا بوجهها ... سحاب الثُّريّا لاستهلَّت مواطره ومن يبق مالاً عدَّةً وضنانةً ... فلا الشُّحُّ مبقيه ولا الدَّهر وافره ومن يك ذا عودٍ صليبٍ يعدُّه ... ليكسر عود الدَّهر فالدَّهر كاسره وشعره وخبره في (كتاب بني عقيل). انتهى. وتوبة: بفتح المثناة الفوقية. وسكون الواو بعدها موحدة، والحمير: بتشديد الياء، على لفظ مصغر الحمار، قال ابن قتيبة في (كتاب الشعراء): كان توبة بن الحمير شاعرًا لصًا، وأحد عشاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته ليلى الأخيلية الشاعرة، ولها فيه مراثٍ جيّدة منها القصيدة التي مطلعها: أيا عين بكِّي توبة بن حميِّرٍ ... بسحٍّ كفيض الجدول المتفجِّر وأرى: بمعنى أعلم، والنأي: البعد، وهو المفعول الأول، وسقمًا: المفعول الثاني، والحيا بالقصر: المطر، وأراد بالغيث السحاب، والضنانة، بالفتح: البخل، وقوله: ومن يك .. الخ، يقول: من أراد غلبة الدهر بقوته فالدهر غالبه لا محالة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد الثلاثمائة: (٣٥٧) وملكت ما بين العراق ويثربٍ ... ملكًا أجار لمسلمٍ ومعاهد لما تقدم قبله يريد: أجار مسلمًا ومعاهدًا، والمعاهد: اسم مفعول من العهد، وهو الأمان والذمة، ومنه قيل للحربي الذي يدخل بالأمان: ذو عهد ومعاهد،

стр. 1506

وملكت: من ملك على الناس أمرهم، إذا تولى السلطنة، فهو ملك، بكسر اللام، والاسم ملك، بالضم كما هنا، فهو مفعول مطلق، والعراق: بلاد من عبادان إلى الموصل طولاً، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا، يذكر ويؤنث، سميت بذلك لأنها على عراق النهرين: دجلة والفرات، أي: شاطئيها، ويثرب: مدينة الرسول ﷺ ، غير منصرف للعلمية والوزن والتأنيث، وصرف هنا للضرورة. والبيت من قصيدة لابن ميادة مدح بها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وكان أمير المدينة المنورة، ومنها: من كان أخطأه الربيع فإنَّه ... نصر الحجاز بغيث عبد الواحد إن المدينة أصبحت محمودة ... بمتوَّجٍ حلو الشمائل ماجد وتقدَّمت ترجمة ابن ميادة في الإنشاد الثامن والستين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد الثلاثمائة: (٣٥٨) أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تمثل لي ليلى بكلِّ سبيل لما ذكره، وعند المبرد الإضافة، تقول: لزيد ضربت، ولعمرو أكرمت، إنما تقديره إكرامي لعمرو وضربي لزيد، فأجرى الفعل مجرى المصدر، وأحسن ما يكون ذلك إذا تقدم المفعول؛ لأن الفعل إنما يجيء وقد عملت اللام، كما قال تعالى: ﴿إن كنتم للرُّؤيا تعبرون﴾ [يوسف/٤٣] وإذا أخر المفعول فهو عربي حسن، والقرآن محيط بجميع اللغات الفصيحة، قال : ﴿وأمرت لأن أكون أول المسلمين﴾ [الزمر/١٢]، والنحويون يقولون في قوله تعالى: (ردف لكم) [النحل/٧٢] إنما هو ردفكم، وقال كثير: أريد لأنسى ذكرها .. البيت. انتهى.

стр. 1507

والبيت من قصيدة لكثير عزَّة أوردها العيني في شواهد الإضافة والسيوطي أورد بعضها هنا، وهي مشهورة، قال الأصبهاني في (الأغاني): أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام، قال: كان لكثير في النسيب حظ وافر، وجميل مقدم عليه وعلى أصحاب النسيب في النسيب، وكان كثير رواية جميل، وكان جميل صادق الصبابة والعشق، ولم يكن كثير بعاشق لكنه يتقول، وكان الناس يستحسنون بيت كثير في النسيب: بيت كثير في النسيب: أريد لأنسى ذكرها فكأنما .. البيت قال: ورأيت من يفضل عليه بيت جميل: خليليَّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي قال ابن سلام: وهذا الذي لكثير أخذه من جميل حيث قال: أريد لأنسى ذكرها فكأنَّما ... تمثَّل لي ليلى على كل مرقب قال: ولقي الفرزدق كثيرًا فقال له الرزدق: يا أبا صخر، أنت أنسب العرب في قولك: أريد لأنسى ذكرها فكأنَّه .. البيت يعرض له بسرقته من جميل، فقال له كثير: وأنت يا أبا فراس أفخر الناس حيث تقول: ترى النّاس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى النّاس وقَّفوا يعرض له بسرقته من جميل أيضًا. فقال الفرزدق: ها كانت أمك ترد البصرة؟ قال: لا، ولكن أبي كان كثيرًا يردها. انتهى. وزاد القالي في (ذيل أماليه) بعد هذه الحكاية: قال طلحة بن عبد الله: والذي نفسي بيده، لعجبت من كثير وجوابه، وما رأيت قط أحمق منه. رأيتني أنا وقد دخلت عليه ومعي جماعة من

стр. 1508

قريش، وكان عليلاً، فقلنا: كيف تجدك يا ابا صخر؟ قال: بخير، هل سمعتم الناس يقولون شيئًا؟ وكان يتشيع، فقلنا: نعم، يتحدثون أنك الدجال، قال: والله لئن قلت ذاك، إني لأجد ضعفًا في عيني هذه منذ أيام! انتهى. وقال المرزباني في (الموشح): أخبرنا عبد الله بن بيان قال: قال الهيثم بن عدي عن صالح بن حسان قال: كانت عقيلة بنت عقيل بن أبي طالب تجلس للناس، فبينا هي جالسة إذ قيل لها: العذري بالباب، فقالت: ائذنوا له، فدخل فقالت له: أنت القائل: فلو تركت عقلي معي ما بكيتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي إنما تطلبها عند ذهاب عقلك! لولا أبيات بلغتني عنك ما أذنت لك، وهي: علقت الهوى منها وليدًا فلم يزل ... إلى اليوم ينمى حبها ويزيد فلا أنا مرجوع بما جئت طالبًا ... ولا حبُّها فيما يبيد يبيد يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها فيعود ثم قيل: هذا كثير بالباب، فقالت: ائذنوا له، ثمَّ أقبلت عليه فقالت: أما أنت يا كثير فألأم العرب عهدًا في قولك: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثَّل لي ليلى بكل سبيل ولم تريد أن تنسى ذكرها؟ ! أما تطلبها إلاَّ إذا مثلت لك؟ ! أما والله لولا بيتان قلتهما ما التفت إليك، وهما قولك: فيا حبَّها زدني جوى كلَّ ليلةٍ ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر عجبت لسعي الدَّهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدَّهر انتهى. وقال ابن عبد ربه في (العقد الفريد) قال بعض الناس: إن كان كثيّر يحبها فلماذا يريد أن ينسى ذكرها؟ ! هلاَّ قال كما قال مجنون بني عامر:

стр. 1509

فلا خفَّف الرَّحمن ما بي من الهوى ... ولا أقلع الرَّحمن عن حبِّها حبِّي فما سرَّني أنَّي خليُّ من الهوى ... ولو أنَّ لي ما بين شرقٍ إلى غرب وقد أخذ أبو نواس معنى بيت كثير، ونقله إلى المدح فقال: ملك تصوَّر في القلوب مثاله ... فكأنما لم يخل منه مكان وترجمة كثير تقدَّمت في الإنشاد التاسع عشر من أوائل الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد الثلاثمائة: (٣٥٩) يا بؤس للحرب الَّتي ... وضعت أراهط فاستراحوا على أن اللام مقحمة بين المتضايفين لتوكيد الاختصاص، قال ابن الشجري في (أماليه): قال أبو العباس المبرد: من قال: يا بؤسناً لزيد، جعل النداء بمعنى الدعاء على المذكور، وكذلك قول سعد بن مالك بن ضبيعة: يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا كأنه دعاء على الحرب، وأراد: يا بؤس الحرب، فزاد اللام. انتهى. وقد أوضح ابن جني توكيد الاختصاص في (إعراب أبيات الحماسة) فقال: أراد: يا بؤس الحرب، فزاد اللام توكيدًا للإضافة، ومثله بيت النابغة: يا بؤس للجهل ضرَّارًا لأقوام أي: يا بؤس الجهل. ومثل ذلك في زيادة الحرف لتوكيد المعنى به زيادة (لا) لتوكيد النفي قوله:

стр. 1510

من غير لا عصفٍ ولا اصطراف أي: من غير عصف، ونحو من ذلك زيادة ياء الإضافة في الأوصاف لتوكيد معنى الصفة نحو قولهم: أحمر وأحمري، وأشقر وأشقري، فأكدوا معنى الوصف بها. انتهى. ومعنى (وضعت أراهط) أي: أخملتهم، فلم يكن لهم ذكر في هذه الحرب، فاستراحوا من مكابدة شرها ومقاساة حرِّها. وأراهط: جمع أرهط، قال رؤبة: هو الذَّليل نفرًا في أرهطه وأرهط: جمع رهط، ورهط الرجل: قومه وقبيلته الأدنون. قال ثعلب: الرهط، والنفر، والقوم، والمعشر والعشيرة: معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وهذا تعريض بقعود الحارث بن عباد- بضم العين وخفة الموحدة- عن الحرب، فإن الحارث كان قد اعتزل الحرب مع قومه حين هاجت بين بكر وتغلب لقتل كليب، ويقال لها: حرب البسوس، وقال: هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل. ولما لم يقف الدماميني على منشأ هذا الشعر قال: يتعجب من شدة الحرب التي ذهبت بتلك الأراهط. انتهى. والبيت مطلع قصيدة عدتها خمسة عشر بيتًا لسعد بم مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، أوردها أبو تمام في (الحماسة) وبعده: والحرب لا يبقى لجا ... حمها التخيُّل والمراح إلا الفتى الصَّبَّار في النجدات والفرس الوقاح وهما من شواهد سيبويه، وأردهما على أن الفتى وما بعده بدل من التخيل والمراح على الاتساع والمجاز.
следующие страницы →