Полный текст (2 797 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وكان بينه وبين العباس بن مرداس مهاجاة في الجاهلية.
وأما: أصله: «أن ما» فأدغم, فأن المفتوحة على ما اختاره أبو علي والرضي والمصنف: شرطية فعلها فقط محذوف عوض عنه ما, وهو كان, وأنت: اسمها, وأصله: أن كنت, فلما حذفت كان, وعوض عنها ما, انفصل الضمير, وذا نفر خبرها, وجملة: فإن قومي .. الخ: جواب الشرط, وعند ابن جني هما معمولان لما الواقعة عوضًا عن كان, ومصلحة للفظ, ليزول مباشرة «أن» الاسم, قال في «الخصائص»: فإن قلت: بم ارتفع وانتصب: أنت منطلقًا؟ قيل: بما, لأنها عاقبت الفعل الرافع الناصب, فعملت عمله من الرفع والنصب, وهذه طريقة أبي علي, وجملة أصحابنا من قبل أن الشيء إذا عاقب الشيء, ولي من الأمر ما كان المحذوف يليه, من ذلك الظرف إذا تعلق بالمحذوف, فإنه يتضمن الضمير الذي كان فيه, ويعمل ما كان يعمله من نصبه الحال والظرف, وعلى ذلك صار قوله: فاه إلى في, من قوله: «كلمته فاه إلى في» ضمانًا [للضمير] الذي كان في «جاعلًا» لما عاقبه. انتهى.
وعلى هذا يلغز ويقال: هل تعرف في كلام العرب «ما» رافعة للاسم وناصبة للخبر وليست بالنافية التي يعملها أهل الحجاز, بل هي موجبة لا نافية.
وروى أبو حنيفة الدينوري في كتاب «النبات» وابن دريد في «الجمهرة»:
стр. 177
أبا خراشة أما كنت ذا نفر .. فلا شاهد فيه, وما تكون زائدة.
قال الفراء: نفر الرجل: رهطه, ويقال لعدة من الرجال من ثلاثة إلى عشرة, وهذا هو المشهور, والضبع: قال حمزة الأصبهاني في «أمثاله» التي على وزن أفعل عند قوله: «أفسد من الضبع»: إنها إذا وقعت في الغنم عاثت ولم تكتف بما يكتفي به الذئب, ومن إفسادها وإسرافها فيه استعارب العرب اسمها للسنة المجدبة, فقالوا: أكلتنا الضبع, وقال ابن الأعرابي: ليس يريدون بالضبع السنة, وإنما هو أن الناس إذا أجدبوا ضعفوا عن الانتصار, وسقطت قواهم, فعائت فيهم الضباع والذئاب, وإذا اجتمع الذئب والضبع في الغنم سلمت, ومنه قولهم: «اللهم ذئبًا وضبعًا» , أي: اجمعهما في الغنم, لأن كلاً منهما يمنع صاحبه.
انتهى. فيكون قوله: فإن قومي .. الخ كناية عن قوتهم, قال الدماميني: الضبع السنة المجدبة, فيه توربة, لأنه أوهم أنه يريد الحيوان المعروف, ورشح له بقوله تأكلهم وهو مجاز عن الشدة التي تحصل من جدب السنة, شبهها بالآكل, فهو استعارة تبعية. انتهى.
والتورية: إيراد لفظ له معنيان أحدهما قريب, ودلالة اللفظ عليه ظاهرة, والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية, ويراد البعيد, فيورى عنه بالقريب, فإن جامعت شيئًا مما يلائم المعنى القريب المورى به عن البعيد المراد, سميت مرشحة, وإلا فمجردة, وعلى هذا فلا استعارة في الضبع بخلاف ما تقدم, فتكون السنة المجدبة مستعارة من اسم الحيوان الضبع, لأنها نهاية في الفساد, كما أن الأكل المراد به الإهلاك استعارة أيضًا, كقوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله﴾ [البقرة/٢٧] حيث استعير فيه العهد للحبل, والنقض للإبطال, إلا أن الأكل لا يلائم السنة المجدبة, بخلاف النقض, فإنه ملائم للحبل, إلا أن يكون الأكل مستعارًا للمحق والإتلاف, وقال بعضهم: وقد جعل الأكل ترشيحًا للاستعارة
стр. 178
لا استعارة تبعية, كما في حديث: «أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا».
وقوله: السلم تأخذ منها .. البيت, استشهد به البيضاوي عند قوله تعالى: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾ [البقرة /٢٠٨] على أن السلم تؤنث كالحرب.
قال صحاب «الصحاح»: السلم: الصلح, تفتح وتكسر وتذكر وتؤنث, وكذلك استشهد به ابن السكيت في «إصلاح المنطق» قال التبريزي في «إيضاح الإصلاح»: الجرع: جمع جرعة, وهي ملء الفم. يخبره أن السلم هو فيها وداع ينال من مطالبه, يريد فإذا جاءت الحرب قطعته عن لذاته وشغلته بنفسه, انتهى. وفيه تعرض بأنه لا يقدر على تحمل مشاق الحرب. وأبيات العباس جواب لشعر أتاه من خفاف بن ندبة أبي خراشة, وهو قوله:
قومي خفاف بن عوفٍ إن سألت بهم
لا يفشلون ولا يزري بهم طبع
شم مساعير في الهيجا لحربهم ... إذا تخلف عنها الأعزل الورع
تسعى لشعب حبيب كي تندده ... وسوف إن همرتك الحرب تنقمع
أقصر إليك ابن مرداس بداهية ... تلقى الدواهي منها ثم تختشع
لالفينك وبرا حين تبصرنا ... أسد الغياطل أرماح لنا شرع
والحرب كاشرة أنيابها عصلا ... فينا وما لك في إشعالها طمع
جلمود بصر إذا المناقر صاب به ... فل المشرجع منه كل ما يقع
стр. 179
احذر صواعق مني كلما صقعت ... تشقى بها منكم الأكتاف والضلع
وأي أكل إذا ما شئت آكله ... أنت الذليل وأنت الخائف القنع
قوله: قومي خفاف بن عوف .. الخ, بنو خفاف: بطن من بني سليم, وهو خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم, وخفاف بن ندبة أحدهم, وقوله: لألفينك وبرًا, بفتح الواو وسكون الموحدة: دابة على قدر السنور غبراء حسنة العين شديدة الحياء, يطلق على الإنسان تحقيرًا له. والغياطل: جمع غيطل وهو السنور, والشرع بضمتين: جمع شارع, يقال: رمح شارع: منصوب نحو العدو للطعن, والعصل بضمتين: جمع أعصل, وهو الناب الأعوج, والضمة الثانية للإتباع, قال جامع ديوانه: أي: كل ما يقع فيه. بصر: حجارة صم, أي: بكسر الموحدة وسكون الصاد المهملة, والمشرجع: المعول, سماه بذلك لأنه, مطول. انتهى. والمنقار: حديدة كالفأس ينقر بها, وصاب به: نزل به في «القاموس»: الصوب: المجيء من عل, وفل: ثلم, والقنع بفتح القاف والنون: البائس.
وقائل البيتين صحابي, وهو العباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد بن عباس بن رفاعة بن الحارث بن بهثة بن سليم, وأسلم قبل فتح مكة بيسير, وأمه الخنساء الصحابية, قاله صاحب «الأغاني» تبعًا لأبي عبيدة, وقال الكلبي: الخنساء أم ولد مرداس جميعًا إلا العباس فإنها ليست أمه, والعباس ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الرابع والأربعون:
стр. 180
(٤٤) إما أقمت وأما أنت مرتحلًا ... فالله يكلأ ما تأتي وما تذر
على أن الرواية بكسر الأولى وفتح الثانية, فلو كان المفتوحة مصدرية لزم عطف المفرد على الجملة, وهذا إن لم يكن تأويل أحدهما إلى الآخر يجعلهما جملتين أو مفردين امتنع العطف, وإذا امتنع العطف ظهر أن المفتوحة شرطية كالمكسورة, ونقل أبو منصور الأزهري في آخر «تهذيب اللغة» عن المبرد أنه قال: إذا أتيت بأما وإما فافتحها مع الأسماء واكسرها مع الأفعال, وأنشد:
إما أقمت وأما أن ذا سفرٍ ... فالله يحفظ ما تأتي وما تذر
كسرت إما قمت مع الفعل, وفتحت أما أنت لأنها وليت الاسم, وقال:
أبا خراشة أما أنت ذا نفرٍ
المعنى: إذ أنت ذا نفر, قاله ابن كيسان.
وقال البصريون: أما هي: «أن» المفتوحة, ضمت إليها «ما» عوضًا من الفعل, وهي بمنزلة إذ, وينشدون:
أبا خراشة أما أنت ذا نفرٍ
قالوا: فإن ولي هذه الفعل كسرت, وأنشدوا:
إما أقمت وأما أنت مرتحلا
فكسر الأولى وفتح الثانية. انتهى كلام «التهذيب» وهذا لا يحصل لهو وما نقله المصنف عن ابن الحاجب قاله في «الإيضاح» شرح «المفصل» وهذه عبارته: وقد روي قوله:
стр. 181
إما أقمت وأما أنت مرتحلًا ... البيت
بكسر الأول وفتح الثاني, أما كسر الأول فلأنه شرط, فوجب كسره ودخول ما عليه, كدخولها في قولك: إما تكرمني أكرمك. وفتح الثاني واجب, لأنه مثل قولك: أما أنت منطلقًا وقد تقدم ذكره.
وقوله فالله يكلأ .. الخ, فجواب الشرط معلل بقوله: أما أنت مرتحلًا, وصح أن يكون لهما جميعًا من حيث كان الشرط والعلة في معنى واحد, ألا ترى أن قولك: إن أتيتني أكرمتك, بمعنى قولك: أكرمتك لأجل إتيانك, فإذا ثبت أن الشرط والتعليل بمعنى واحد صح أن يعطف أحدهما على الآخر, ويجعل الجواب لهما جميعًا, فصار مثل قولك إن أكرمتني وأحسنت إلي أكرمتك, إلا أنه وضع موضع: أحسنت إلي, لفظ التعليل, فصار كأنك قلت: إن أكرمتني فلأجل إتيانك, فأنا أكرمك, وذلك سائغ, انتهى كلامه.
ويكلأ: يحفظ, ومصدره الكلاءة بالفتح والمد, و «ما» موصولة, والعائد محذوف, أي: ما تأتيه وما تذره, وتذر بمعنى تترك, وقد أمانوا ماضيه ومصدره واسم فاعله واسم مفعوله. وقيل: ما مصدرية ظرفية, أي: مدة إتيانك, أي فعلك وتركك, والإتيان بمعنى الفعل, ومنه قوله تعالى: ﴿كان وعده مأتيا﴾ [مريم/٦١] , أي: مفعولا, وقوله تعالى: ﴿أتأتون الفاحشة] [الأعراف/٨٠] , أي: أتفعلونها.
وفي البيت المطابقة بين أقمت ومرتحلا وبين تأتي وتذر.
والبيت مع شهرته في كتب النحو وغيرها لم أظفر بقائله ولا بتتمته, والله تعالى أعلم.
стр. 182
وأنشد بعده, وهو الانشاد الخامس والأربعون:
(٤٥) نزلتم منزل الأضياف منا ... فعجلنا القرى أن تشتمونا
لما ذكره. قال ابن الشجري في «أماليه»: اختلف النحويون في مواضع من كتاب الله تعالى منها قوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء /١٧] ومنها: ﴿يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير﴾ [المائدة/١٩] ومنها: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [النحل/١٥] ومنها: ﴿يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم﴾ [الممتحنة/١] وأضافوا إلى ذلك قول عمرو بن كلثوم: «نزلتم منزل الأضياف منا» فقال الكسائي والفراء: يبين الله لكم لئلا تضلوا, وقال المبرد: بل المعنى: كراهة أن تضلوا, وكذلك في الجميع.
وقال علي بن عيسى الرماني: إن التقديرين في قوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ واقعان موقعهما, لأن البيان لا يكون طريقًا إلى الضلال, فمن حذف «لا» فحذفها للدلالة عليها, كما حذفت للدلالة عليها من جواب القسم في نحو: والله أقوم, إلا أن المبرد حمل الحذف على الأكثر, لأن حذف المضاف لإقامة المضاف إليه مقامه أكثر من حذف لا, وأقول: ليس يجري حذف «لا» في نحو الآية مجرى حذفها من جواب القسم لأن الدلالة عليها إذا حذفت قائمة, لأنك إذا قلت: والله أقوم, لو لم ترد «لا» لجئت باللام والنون فقلت: لأقومن. انتهى كلام ابن الشجري.
والبيت من معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي وقبله:
стр. 183
ألا أبلغ بني الطماح عنا ... ودعميًا فكيف وجد تمونا
وبعده:
قريناكم فعجلنا قراكم ... قبيل الصبح مرادةً طحونا
قال التبريزي: قال ابن الأنباري: الطماح ودعمي حيان من إياد, وقال ابن السكيت: بنو الطماح من بني وائل, وهم من بني نمارة بضم النون, ودعمي ابن جديلة من إياد, الأول بفتح الطاء وتشديد الميم وآخره حاء مهملة, والثاني بضم الدال وآخره ياء مشددة. وقوله: فكيف وجدتمونا, الفاء عاطفة على أبلغ, والمعطوف محذوف تقديره: فقل, وكيف منصوبة المحل يوجد.
وقوله: نزلتم منزل الأضياف, أي: جئتم لحربنا, فضرب الضيافة والقرى مثلًا, أي: جعلنا ما يقوم مقام القرى الحرب, كما قال تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة/٣٤] قاله أبو جعفر النحوي. وقال التبريزي: أي: نزلتم حيث ينزل الأضياف, أي: جئتم للقتال فعاجلنا كم بالحرب, ولم ننتظركم أن تشتمونا. ويقال: معناه: عاجلناكم بالقتال قبل أن توقعوا بنا, فتكونوا سببًا لشتم الناس إيانا. ومعنى: أن تشتمونا على مذهب الكوفيين: لئلا تشتمونا, ثم حذف لا, ولا يجوز عند البصريين حذف «لا» لأن المعنى ينقلب, والتقدير على مذهبهم: فعجلنا الحرب مخافة أن تشتمونا, فحذف مخافة, وأقيم أن تشتمونا مقامها. انتهى كلامه. قال ابن الملا الحلبي: لم يقدر المصنف مخافة في الآية لامتناعها, لكنه لو قدر «كراهة» في البيت أيضًا كان أولى, لأن تعجيل القرى إذا كان لإكرام الضيوف فهو من شأن الكرام, بخلاف ما إذا كان لمخافة الشتم, فهو أسوأ حالًا
стр. 184
مما إذا كان لكراهته كما لا يخفى. قال شيخنا الخفاجي: أقول: هذا خطأ منه, فإنه حمل القرى في البيت على قرى الضيف, وليس معناه هذا, فإنه استعارة تهكمية, والمراد به قتلهم. انتهى. والعجب من ابن الملا, فإنه قال قبل ذلك: ثم اعلم أن قوله: نزلتم منزل الأضياف, ليس على ظاهره, فإنه إنما يريد أنهم جاؤوا محاربين لهم, فنزلهم منزلة الأضياف تهكمًا بهم, فليس القرى المعجل لهم قرى الضيوف, بل قرى الأسنة والسيوف, فهو استعارة تحقيقية, قرنت بلا يلائم المستعار منه وهو التعجيل ترشيحًا, كالتبعية في قوله:
نقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد
أي: طعنات منسوبة إلى لهذم, وهو القاطع من الأسنة. انتهى. وقوله: مرادة, هي صخرة عظيمة تطحن ما مرت به, شبه الكتيبة بها فقال: جعلنا قراكم الحرب لما نزلتم بنا, ولقيناكم بكتيبة تطحنكم طحن الرحى, قال التبريزي.
ومرادة منصوب بنزع الخافض وهو الباء, قاله بعض شراح المعلقة, وهو أحمد بن الفقيه محمد بن أبي بكر محمد. وقال ابن الملا: نصب على الحال من قراكم.
وغالب أبيات هذه القصيدة قد شرح في مواضع متفرقة من شواهد «شرح الكافية» للمحقق الرضي.
وقائلها عمرو بن كلثوم, شاعر فارس جاهلي قد تقصينا ترجمته مع شرح أول معلقته في الشاهد الثامن والثمانين بعد المائة.
وأنشد في إن المكسورة المشددة, وهو الانشاد السادس والأربعون:
(٤٦) إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن ... خطاك خفافًا إن حراسنا أسدا
стр. 185
قال الحقاف الإسبيلي في «شرح الجمل الزجاجية»: زعم بعض النحويين أنها – أي: الحروف المشبهة بالفعل – يجوز فيها أن تنصب الاسم والخبر معًا, وممن ذهب إلى ذلك ابن سلام في «طبقات الشعراء» وزعم أنها لغة, واستدل على ذلك بقول عمر ابن أبي ربيعة: إذا اسود جنح الليل فلتأت .. البيت, فنصب الحراس والأسد بإن, وكذلك قول الآخر:
إن العجوز جنة جروزا ... تأكل كل ليلة قفيزا
فنصب بإن العجوز, وجنة جروزًا, وكذلك قول أبي نخيله العماني
كأن أذنيه إذ تشوفا ... قادمة أو قلما محرفا
وزعم الفراء أن ذلك لا يجوز إلا في «ليت» واستدل على ذلك بقوله:
يا ليت أيام الصبا رواجعا
فنصب أيام الصبا ورواجعا بليت, ولا حجة في شيء من ذلك عندنا.
أما قوله: إن حراسنا أسدا, فالخبر محذوف, والتقدير: تجدهم أسدًا, أو تلقاهم أسدًا, وكذلك قوله:
يا ليت أيام الصبا رواجعا
كأنه قال: أقبلت رواجعًا, وخبر هذه الحروف يجوز حذفه إذا فهم المعنى,
стр. 186
وأما قول العماني فإن الأصمعي وأبا عمرو بحضرة الرشيد ولولا أنه غير فصيح لما جاز لهما ذلك, وأما قول الآخر:
إن العجوز جنة جروزا
فانتصب جنة وجروزا على الذم, والخبر تأكل. انتهى.
وترجمة عمر ابن أبي ربيعة تقدمت في الشاهد السادس. والجنح بضم الجيم وكسرها: طائفة من الليل, وقوله: فلتأت, جاء على الأصل كقراءة ﴿فلتفرحوا﴾ [يونس/٥٨] بالتاء الفوقية, والقياس: فأت, و: فافرحوا, وليس من هذا قوله: ولتكن, لأنه مسند إلى خطاك - بضم الخاء - وهو جمع خطوة, بضم الخاء وفتحها, وخفافًا: جمع خفيفة, والحراس: جمع حارس.
وأنشد بعده, وهو الانشاد السابع والأربعون:
(٤٧) إن من يدخل الكنيسة يومًا ... يلق فيها جاذرا وظباء
يريد: إنه من يدخل الكنيسة يومًا, فحذف ضمير الشأن ضرورة, كما قاله الأعلم في «شرح أبيات الجمل» , وابن عصفور في كتاب «الضرائر» قال السيوطي تبعًا لابن السيد في «شرح أبيات الجمل»: البيت للأخطل, وبعده:
ما لت النفس نحوها إذ رأتها ... فهي ريح وصار جسمي هباء
стр. 187
وقال ابن هشام اللخمي في «شرح أبيات الجمل»: لم أجده في ديوان الأخطل, أقول: وأنا أيضًا فتشت ديوان الأخطل من رواية السكري فلم أجده فيه, والشعر أيضًا ليس من نمط شعره, قال الأعلم في «شرح أبيات الجمل»: هذا البيت نسبه بعضهم إلى الأخطل, وحمله على ذلك تشبيه بالنصرانيات, لأنه كان نصرانيًا, وليس كذلك, لأنه محال أن يتغزل بنسائه في متعبده وموضع تنسكه, والأصح أن يكون غير مسلمًا.
والجآذر: جمع جؤذر, وهو ولد البقرة من الوحش, والظباء: جمع ظبية, والمعنى أنه يشبه أولاد النصارى ونساءهم, ودل عليه ذكر الكنيسة, فشبه أولادهم بالجآدر ونساءهم بالظباء في سعة العيون وطول الأعناق وحسنها. انتهى كلامه.
وقال اللخمي: ويحتمل أن يريد الصور التي يصورونها فيها, لأن كنائس الروم قل أن تخلو من الصور.
والأخطل اسم أربعة من الشعراء, أحدهم: الأخطل النصراني التغلبي, الشاعر المشهور من الأراقم, واسمه غياث بن غوث, وقيل: اسمه غويث, ويكنى أبا مالك, قال صاحب الأغاني: إن السبب في تلقييه بالأخطل أن كعب بن جعيل كان شاعر تغلب في وقته, وكان لا يلزم برهط منهم إلا أكرموه وأعطوه, فنزل على رهط الأخطل فأكرم وجمعوا له غنمًا وحظروا عليها حظيرة, فجاء الأخطل فأخرجها من الحظيرة وفرقها, فخرج كعب وشتمه, واستعان بقوم من تغلب فجمعوها له وردوها إلى الخطيرة, فارتقب الأخطل غفلته ففرقها ثانية, فغضب كعب وقال: كفوا عني هذا الغلام وإلا هجوتكم, فقال له الأخطل: إن هجوتنا هجوناك, وكان الأخطل يومئذ يفرزم – والفرزمة: أن يقول الشعر
стр. 188
في أول أمره قبل أن يستحكم طبعه وتقوى قريحته – فقال كعب: ومن يهجوني؟ فقال: أنا, فقال:
ويل لهذا الوجه غب الجمه
فقال الأخطل:
فناك كعب بن جعيل أمه
فقال كعب: إن غلامكم هذا لأخطل, ولج الهجاء بينهما, فقال الأخطل:
سميت كعبًا بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل
وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل
ففزع كعب منه, وقال ابن السيد في «شرح أدب الكاتب»: لقب الأخطل لبذاءته وسلاطة لسانه, وذلك أن ابني جعيل احتكما إليه مع أمهما فقال:
لعمرك إنني وابني جعيلٍ ... وأمهما لإستار لئيم
فقيل له: إنه لأخطل, فلزمه هذا اللقب, والإستار: معرب جهار, وهو أربعة من العدد بالفارسية. وعمر دهرًا طويلًا ومات على النصرانية, وكان مقدمًا عند خلفاء بني أمية, لمدحه إياهم وانقطاعه إليهم, ومدح معاوية وابنه يزيد, وهجا الأنصار رضي الله تعالى عنهم بسببه, فلعنه الله تعالى وأخزاه.
والثاني: الأخطل الضبعي, كان شاعرًا وادعى النبوة, وكان يقول: لمضر صدر النبوة ولنا عجزها, فأخذه ابن هبيرة في دولة الأمويين, فقال: ألست القائل:
стр. 189
لنا شطر هذا الأمر قسمة عادل ... متى جعل الله الرسالة ترتبا
أي: راتبة دائمة في واحد؟ فقال: وأنا القائل:
ومن عجب الأيام أنك حاكم ... علي وأني في يديك أسير
فأمر به فضربت عنقه.
والثالث: الأخطل المجاشعي, وهو الأخطل بن غالب أخو الفرزدق, وكان شاعرًا وإنما كسفه الفزدق فذهب شعره.
والرابع: الأخطل ابن حماد بن الأخطل بن ربيعة بن النمر بن تولب. هكذا ذكر الأربعة الآمدي في «المؤتلف والمختلف» فيحتمل أن يكون ذلك الشعر لأحد الثلاثة المتأخرة, والله سبحانه أعلم.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الثامن والأربعون:
(٤٨) ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه
على أن «إن» فيه بمعنى نعم, قال سيبويه في «باب ما تلحقه الهاء لتتبين الحركة»: ومثل ما ذكرت لك قول العرب: إنه, وهم يريدون: إن, ومعناها: أجل, وأنشد هذا البيت, قال الأعلم: الشاهد فيه تبيين حركة النون بهاء
стр. 190
السكت, لأنها حركة بناء لا تغير لإعراب, فكرهوا تسكينها لأنها حركة مبني لازمة, ومعنى إن هنا: نعم, انتهىز
وقال أبو علي في «البغداديات» بعد نقل كلام سيبويه: وكان أبو بكر أجاز فيه مرة أن تكون إن المحذوفة الخبر, كأنه قال: إن الشيب قد علاني, فأضمره فجرى بذلك ذكره, وحذف خبره للدلالة عليه, قال: وحذف الخبر في هذا أحسن لأن عنايته بإثبات الشيب نفسه كما أنه يحذف معها الخبر لما كان عرضة, ووكده كإثبات المحل في قوله:
إن محلًا وإن مرتحلًا
قال: وهذا أحد ما تشبه فيه إن «لا» النافية العاملة النصب.
وزعم أبو عبيدة أن إن بمعنى نعم غير موجودة, وهي في البيت مؤكدة, الهاء اسمها, وخبرها محذوف, أي: إنه قد كان كما يقلن, وقال الجوهري: قال أبو عبيد: وهذا اختصار من كلام العرب يكتفي منه بالضمير, لأنه قد علم معناه, وأما قول الأخفش: إنه بمعنى نعم, فإنما يريد تأويله, ليس أنه موضوع في أصل اللغة لذلك. انتهى.
قال ابن الشجري في «أماليه» بعد نقل هذا الكلام عن أبي عبيد: والهاء في تفسير أبي عبيدة للشأن, ولم يتعقبه بشيء, ولا يخفى أن ضمير الشأن لا يجوز حذف خبره, بل يجب التصريح يجزأي الجملة من خبره, وأيضًا لا يجوز الحكم على ضمير بأنه ضمير الشأن إلا إذا لم يمكن أن يكون له مرجع, وقول المصنف: إن التقدير: إنه كذلك, ليس الضمير فيه للشأن, لأن شرط خبره أن يكون في الأصل جملة مستقبلة, وكذلك ليس جملة, بل الضمير فيه راجع إلى القول
стр. 191
المفهوم من يقلن, أي: إن قولهن كذلك, وظن ابن الملا الحلبي أن الضمير للشأن, وأتى بكلام لا طائل له أعرضنا عنه.
وقد جاءت إن لتصديق الخبر المنفي في قول ساعدة الهذلي, وهو:
ولا أقيم بدار الذل إن ولا ... آتي إلى الغدر أخشى دونه الخمجا
قاقل السكري في شرحه: إن هنا بمعنى نعم, والخمج بفتح الخاء المعجمة والميم بعدها جيم: سوء الذكر, وجاءت لتصديق الخبر المثبت أيضًا فيما أنشده ابن الشجري, وهو:
قالوا غدرت فقلت إن وربما ... نال النى وشفى الغليل الغادر
ومنه خبر ابن الزبير
وجاءت بعد الاستفهام أيضًا فيما أنشده المصنف في أواخر الباب الخامس, وهو:
قالوا أخفت فقلت إن وخيفتي ... ما إن تزال منوطةً برجائي
ونقل ابن الملا عن أبي حيان أن «إن» في هذه المواضع هي المؤكدة, حذف معمولاها, فإنه قال: كلام ابن الزبير لا ينتهض دليلًا لابن مالك على أن إن فيه بمعنى نعم, لأنه مما حذف فيه الاسم والخبر, ولا يجوز حذفهما معًا إلا
стр. 192
مع إن, وقد حذفت العرب الجملة إلا حرفًا منها كما في قولهم: قاربت المدينة ولما, وقوله: «وإن كان فقيرًا معدمًا قالت وإن» فإن التقدير: ولما أدخلها, وإن كان فقيرًا معدمًا قبلته, هذا كلامه.
ولا يخفى أن المنصوص في إن وأخواتها جواز حذف أحد معموليها فقط, ولم يجز أحد حذفهما معًا مع بقاء إن, نعم يجوز أن يحذف معمولاها معها, والفرق بينها وبين لما وإن ظاهر, فإن إن لتأكيد نسبة الكلام, فجيء لمزيد الاعتناء به, فلا يجوز حذفه لئلا يبطل الغرض.
والبيت من جملة أبيات أوردها صاحب «الأغاني» لعبيد الله بن قيس الرقيات, وهي:
بكر العواذل في الصبا ... ح يلمنني وألومهنه
ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه
لابد من شيبٍ فدعـ ... ن ولا تطلن ملامكنه
ولقد عصيت الناهيا ... ت الناشرات جيوبهنه
حتى أرعويت إلى الرشا ... دوما ارعويت لنهيهنه
وروري «الصبوح» بدل الصباح, وهو ما يشرب في وقت الصباح, وبكر: جاء بكرة, هذا أصله, ثم استعمل في كل وقت, والعواذل: جمع عاذلة, ورواه صاحب «الصحاح»:
стр. 193
بكرت على عواذلي ... يلحينني وألومهنه
قال ابن السيرافي: يلحيني: يلمنني على اللهو والغزل, وألومهن على لومهن لي, ويقلن: قد شبت وكبرت, فقلت: نعم, يريد أنه يأتي على علم منه بأمر نفسه, والجيوب: جمع جيب, وهو طوق القميص, والارعواء: النزوع عن الجهل وحسن الرجوع عنه, وكبرت بكسر الباء: بمعنى صرت كبيرًا, والهاء في القوافي للسكتز
وابن قيس الرقيات اسمه عبيد الله بالتصغير, وهو شاعر قرشي, وكان زبيري الهوى, خرج مع مصعب بن الزبير على عبد الملك بن مروان, فقاتل معه إلى أن قتل مصعب, فخرج هاربًا إلى أن جاء إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو يعشي أصحابه, وقال: جئت عائذًا بك, فكتب ابن جعفر إلى زوجة الوليد بن عبد الملك لتشفع لها فشفعها.
قال حماد الرواية: إذا أردت أن تقول الشعر, فارو شعر ابن قيس الرقيات, فإنه أرق الناس حواشي شعر. وسئل بعضهم في التميز بينه وبين عمر ابن أبي ربيعة فأجاب بأن ابن أبي ربيعة أشهر بالغزل, وابن قيس الرقيات أكثر أفانين شعرز
قال أبو عبيد في «النسب»: عبيد الله بن قيس سمي بالرقيات, لأنه كان يشبب بامرأتين كل منهما تسمى رقية. انتهى. وقيل الرقيات لقب قيس والده. وقد تكلمنا عليه, وجمعنا ما للعلماء فيه من الأقوال بما لا مزيد عليه في الشواهد الثالث والثلاثين بعد الخمسمائة من شواد الرضي وذكرنا ترجمته هناك مستوفاة بتوفيق الله تعالى.
стр. 194
وأنشد بعده:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته ... على السن خيرًا لا يزال يزيد
وتقدم شرحه في الشواهد السابع والعشرين.
وأنشد بعده, وهو الانشاد التاسع والأربعون:
(٤٩) قد بلغا في المجد غايتاها
قبله:
إن أباها وأبا أباها
وكان الظاهر أن يقول: قد بلغا في المجد غايتيه بضمير المذكر الراجع إلى المجد, لكنه أنث الضمير لتأويل المجد بالأصالة, والمراد بالغيتين: الطرفان من شرف الأبوين, كما يقال: أصيل الطرفين.
وهذان البيتان نسبهما ابن السيد البطليوسي في كتاب «أبيات المعاني» إلى رجل من بني الحارث, وقال العيني, وتبعه السيوطي: نسبهما الجوهري إلى أبي النجم وأنشد قبلهما:
واها لريا ثم واها واها ... هي المنى لو أتنا نلناها
يا ليت عينيها لنا وفاها ... بثمنٍ نرضي به أباها
إن أباها .. إلى آخر البيتين. وقد رجعت إلى «الصحاح» فلم أجد به إلا: واهًا لربا .. إلى: نلناها .. البيتين, وقال العيني أيضًا, وتبعه السيوطي:
стр. 195
أنشد أبو زيد في «نوادره» عن المفضل قال: أنشدني أبو الغول لبعض أهل اليمن:
أي قلوص راكبٍ تراها ... شالوا علاهن فشل علاها
وأشدد بمثنى حقب حقواها ... ناجيةً وناجيا أباها
إن أباها ... الخ
وقد رجعت إلى هذه «النواد» أيضًا من ثلاث نسخ صحيحة, فلم أجد فيها الأبيات الأربعة من قوله: وناجيًا أباها, وأوردها في موضعين من «النوادر» وقد أوردها الرضي في باب الظروف, وشرحناها في الشاهد الثامن عشر بعد الخمسمائة.
وأنشد في «أم» , وهو الانشاد الخمسون:
(٥٠) وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
وبعده:
فإن قالوا النساء مخبات ... فحق لكل محصنة هداء
فإما أن تقول بنو مصادٍ ... إليكم إننا قوم براء
وإما أن يقولوا قد وفينا ... بذمتنا وعادتنا الوفاء
стр. 196
وإما أن يقولوا قد أبينا ... وشر مواطن الذمم الإباء
وإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أونفار أو جلاء
فذالكم مقاطع كل حق ... ثلاث كلهن لكم شقاء
فلا مستكرهون لما منعتم ... ولا تعطون إلا أن تشاوؤا
جوار شاهد عدل عليكم ... وسيان الكفالة والتلاء
بأي الجيرتين أجرتموه ... فلم يصلح لكمإلا الأداء
ولم أر معشرًا أسروا هديًا ... ولم أر جار بيتٍ يستباء
وجار البيت والرجل المنادي ... أمام الحي عقدهما سواء
من قصيدة لزهير بن أبي سلمى هجا بها قومًا من بني عليم من غير إساءة إليه, فلما ظهر له ذلك ندم, وحلف أن لا يهجو أهل بيت أبدًا, وكان يقول: ما خرجت بليل إلا خفت أن يرميني الله تعالى من السماء بداهية لهجائي قومًا لا ذنب لهم عندي, وكان سبب الهجو أن رجلًا من بني عبد الله بن غطفان رحل إلى بني عليم, وهم حي من كلب. فنزل بهم فأكرموه وأحسنوا جواره, وكان رجلصا مولعها بالقمار, فنهوه عنه فأبى, فقمر مرة فردوا عليه, ثم قمر أخرى فردوا عليه, ثم قمر ثالثة فلم يردوا عليه, فرحل من عندهم إلى قومه, فزعم أنهم أغاروا عليه, وكان زهير نازلًا في غطفان, فهاجم وذكر صنيعهم به, ويقال: إن ذلك الرجل لما خلع من ماله رجا أن يجوز الخصل, فرهن امرأته وابنه فكان الفوز عليه, قال الأصمعي: فلما بلغهم قول زهير بعثوا إليه بالإبل, وأرسلوا يخبرونه خبر صاحبه ويعتذرون إليه, ولاموه على ما فرط منه, فأرسل
стр. 197
إليهم زهير: والله لقد فعلت وعجلت, وايم الله لا أهجو أهل بيت من العرب أبدًا.
وقوله: وما أدري .. الخ, أصله: وما أدري أقوم آل حصن أم نساء. وجملة: أقوم .. الخ: معلقة عن أدري بهمزة الاستفهام, واعترض بينهما بجملة: وسوف أدري, واعترض بين سوف وبين أدري بجملة إدخال, بمعنى أظن, فهذا اعتراض في أثناء اعتراض, وإخال ملغاة لا عمل لها في جملة الاستفهام لا لفظًا ولا محلًا, وفي قوله: وسوف أدري مبالغة, يقول: لشدة شبههم بالنساء لا يمكن الآن معرفتهم, ويمكن أن أعرفهم في المستقبل بمزاولة فكر. وفي قوله: إخال مبالغة أخرى, فإن القدرة على معرفتهم في المستقبل أمر ظني قد يتخلف, وهذا من باب التشكك, وهو من ملح الشعر وظرف الكلام, وله في النفس حلاوة وحسن موقع, بخلاف ما للغلو والإغراق, وفائدته الدلالة على قرب الشبهين, حتى لم يفرق بينهما ولا ميز أحدهما من الآخر, فقد أظهر أنه لم يعلم أهم رجال أم نساء؟ وهذا أملح من أن يقول: هم نساء, وأقرب إلى الصدق, وهو من أمض الهجاء.
قال الأعلم في «شرح الأشعار السنة»: يهزأ بهم ويتوعدهم, ويريد: إن كانوا رجالا فسيوفون بعهدهم, ويبقون على أعراضهم, وإن كانوا نساء فمن عادة النساء الغدر وقلة الوفاء.
وفي البيت دليل على أن القوم مختص بالرجال كما قال الجوهري, وقال: وربما دخل النساء فيه على طريق التبع, لأن قوم كل نبي رجال ونساء. وفي «القاموس»: القوم: الجماعة من الرجال والنساء معًا, أو الرجال خاصة, أو يدخله النساء على التبعية. انتهى. ولكون الأول هو الراجح عنده قدمه, وهو الظاهر, لأن المرأة أيضًا قيمة بينها, وإليه ذهب أبو عبد الله حمزة بن الحسن في كتاب «التثنية على حدوث التصحيف» قال: ادعى قوم من أهل اللغة
стр. 198
أن القوم اسم يقع على الرجال دون النساء, قالوا: وذلك أن الرجال قوامون بالأمور دون النساء, واحتجوا برواية بيت لزهير ينقضها رواية أخرى, وكتاب الله تعالى يرد عليهم, لأن قوم كل نبي كانوا رجالًا ونساء, والأصمعي رواه رواية موافقة للتنزيل, وهي: «رجال آل حصن أم نساء» انتهى. وعليه تكون الهمزة مقدرة قبل رجال.
وقوله: فإن قالوا النساء مخبآت, قال الأعلم: أي: إن قال آل حصن نحن النساء, ونصب مخبآت على الحال المؤكد بها, لأنه إذ ذكر النساء فقد دل على التخبئة, إذ كان ذلك من شأنهن, ثم أكده بذكر الحال, أي: إن قالوا نحن النساء اللواني يختبئن في الخدور والحجال, فيبنغي أن يزوجن الرجال ويهدين إلى أزواجهن, والهداء بالكسر: زفاف العروس إلى زوجها, وحق بالبناء للمجهول, والمحصنة: ذات الزوج, وهي أيضًا البكر لأن الإحصان يكون بها, فتوصف بما يؤول إليه أمرها. انتهى كلامه.
وقوله: فإما أن تقول بنو مصاد, بفتح الميم: من بني حصن, وقوله: إليكم, أي: تنحوا عني فلا سبيل لكم علينا, فإنا براء مما وسمتمونا من الغدر ومنع الحق, وبرآء: جمع بريء, ومن ضم الباء فأصله برآء, ثم ترك الهمزة, ويجوز فتح الباء على أنه مصدر وصف به. وقوله: وإما أن يقولوا: قد وفينا, يقول: إما أن يقولوا: نحن نساء: وإما أن يقولوا نحن برآء مما اتهمنا به, وإما أن يقولوا: نفي بما عندنا, وإما أن يقولوا: نأبى ذلك ونمنعه, وهذا كله توعد منه واستخفاف, قوله: قد أبينا, أي: أبينا أن نخلي الأسارى الذين في أيدينا. وقوله: وشر مواطن .. الخ. روي: «الحب» بدل
стр. 199
الذمم, يقول: للحسب موطن عطية, وموطن حلم, وشر مواطنه وخصاله, أن يسأل صاحبه خيرًا فيأبى أن يفعله, أو حقًا فيأبى أن يعطيه.
وقوله: وإن الحق مقطعه ثلاث .. الخ, الحق: خلاف الباطل, ومقطعه: الأمر الذي ينقطع به ثلاث, أي أحد خصال ثلاث ينفذ بكل واحدة منها, وقوله: يمين .. الخ, بدل مفصل من مجمل, واليمين يكون على المنكر إذا لم يكن للمدعي شهود, ونفار, أي: تنافر إلى رجل حاكم يتبين حجج الخصوم, ويحكم بينهم, والجلاء, بفتح الجيم: الأمر الجلي, يريد به بيانًا بإقرار أو شهادة, وهذه أحكام الإسلام.
وقوله: فذلكم مقاطع .. الخ, الإشارة راجعة إلى قوله: مقطعه ثلاث, أي: فذلك المقطع الذي هو الثلاث مقاطع كل حق, وجعل تبيين الحق شفاء من الالتباس والشك فيه.
وقوله: فلا مستكرهون .. الخ, أي: فلا أنتم مستكرهون على ما صنعتم من الوفاءوالجوار وتأدية مال هذا الرجل, إنما تعطون إن أعطيتم عن طيب نفس, فلين لهم القول بعد توعده لهم ليستنزلهم بذلك.
وقوله: جوار شاهد, يقول: كان هذا الرجل جارًا لكم, وجواره بين مشهور, فهو شاهد عليكم أنكم أصحابه, وقوله: وسيان, أي: مثلان أن يتكفل للرجل أويتلى له بذمة, والتلاء بالفتح: الحوالة, أي: من كفل لك كفالة, ومن جعل لك حوالة في ذمة, فقد وجب حق هذين جميعًا.
وقوله: بأي الجيرتين, يقول: الكفالة جوار, والتلاء جوار, فأي الأمرين كان, فلا يصلح لكم إلا أداء ذمته والوفاء به.
وقوله: أسروا هديًا, الهدي بوزن كريم: الرجل ذو الحرمة, وهو المستجير بالقوم ما لم يأخذ عهدًا, فإذا أخذ العهد وأجير فهو حينئذ جار, وسمي هديًا على معنى أنه له
стр. 200
حرمة مثل حرمة الهدي الذي يهدى إلى البيت الحرام, وقوله: يستباء, أي: تؤخذ امرأته, وكان هذا الرجل قد قامر على أهله وماله فقمر, وأخذت منه امرأته وماله, فيقول: لم أر قومًا أسروا رجلًا له حرمة, وأخذوا امرأته فاتخذوها للنكاح, ويستباء: من الباءة وهي النكاح.
وقوله: والرجل المنادي, أي: الرجل المجالس في الندي والنادي, وهما المجلس, يقال: ندوت الرجل وناديته إذا جالسته, وقوله: أمام الحي, إنما قال هذا لأن مجالسهم كانت أمام الحي, لئلا يسمع النساء كلامهم ويطلعن على تدبيرهم, يقول: من جاور قومًا وم نجالسهم فحقهما وذمتهما واحدة, أي: إن لم يكن هذا الرجل جاركم فله حرمة بمجالسته إياكم, فحقه واجب عليكم كوجوب حق الجارز
ويأتي الكلام إن شاء الله تعالى على محل الشاهد من البيت بعد شاهدين.
وزهير بن أبي سلمى - بضم السين - واسمه ربيعة بن رباح المزني, وكانت محلتهم في بلاد غطفان, فيظن الناس أنهم من غطفان, وهو غلط وزهير أحد الشعراء الثلاثة الفحول: امرئ القيس وزهير والنابغة الذبياني. وكان زهير ينظم القصيدة في شهر, وينقحها ويهذبها في سنة, وكانت قصائد تسمى حوليات زهير.
وقد تتبعنا ما يتعلق بترجمته في حواشينا على «شرح قصيدة بانت سعاد» وذكرنا طرفًا منها في الشاهد الثامن والثلاثين بعد المائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الواحد والخمسون:
(٥١) ولست أبالي بعد فقدي مالكًا ... أموتي ناء أم هو الآن واقع
стр. 201
قال الدماميني: الذي يظهر لي أن الجملة الواقعة بعدها في محل نصب والفعل معلق, قال الجوهري: وقولهم: لا أباليه, أي: لا أكثرت به, فهو فعل متعد بنفسه ويقرب من معنى الفعل القلبي, لأن معنى لا أكثرت به: لا أفكر فيه ازدراء به, والتعليق من هذه الجملة, انتهى كلامه. وهو تارة يتعدى بالباء, قال النووي في «تهذيبه»: إن بعض المحدثين من أهل العصر زعم أن تعديته بالباء لحن, والصواب: أباليه, ولم يسمع من العرب إلا هكذا, وهذا غلط منه بخبر بجهالته وقلة بضاعته, والصحيح أنه يتعدى بالياء, وهو المسموع عن العرب, وفي الحديث «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين, ومن لم يبال به لم يفقهه» وفي الصحيحين: «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يبالي بتأخير العشاء» هكذا روي «بتأخير» بالباء, وفي البخاري عن أبي هريرة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن حرام أم حلال» انتهى.
ومثله في «المصباح» قال: قولهم: لا أباليه ولا أبالي به, أي: لا أهتم به ولا أكثرت له, ولم أبال ولم أبل للتخفيف, كما حذفوا الياء من المصدر, فقالوا: لا أباليه بالة. والأصل بالية, مثل عافاه معافاة وعافية, قالوا: ولا يستعمل إلا مع الجحد, والأصل فيه قولهم: تبالى القوم: إذا تبادروا إلى الماء القليل فاستقوا, فمعنى لا أبالي: لا أبادر إهمالًا له, وقال أبو زيد: ما باليت به مبالاة, والاسم البلاء وزان كتاب, وهو الهم الذي تحدث به نفسك. انتهى.
وقال ابن فارس في «المجمل»: اشتبه علي اشتقاق أبالي, حتى رأيت في شعر ليلى الأخيلية:
стр. 202
تبالي رواياهم هبالة بعدما ... وردن وجول الماء بالجم يرتمي
قالوا في تفسيره: التبالي: المبادرة بالاستقاء, يقال: تبالى القوم: إذا تبادروا الماء فاستقوه عند قلة الماء, وقال بعضهم: تبالى القوم: إذا قل الماء فاستقى هذا والآخر ينتظر حتى يجري الماء فيستقي, فأصل قولهم: لا أبالي به: لا أبادر إلى اقتنائه وانتظاري به, بل أنبذه ولا أعتد به. انتهى.
فجملة الاستفهام تكون باعتبار تعديه بنفسه في موضع الصريح, وباعتبار تعديه بالباء في موضع المفعول المقيد بحرف الجر.
وفقدته فقدًا من باب ضرب, وفقدانًا: عدمته, والنائي: البعيد. ومالك: هو مالك بن نويرة.
والبيت من شعر لمتمم بن نويرة اليربوعي, رثى به أخاه مالك بن نويرة, قال ابن السيد في شرح «كامل» المبرد: قولهم: «فتى ولا كمالك» هو مالك ابن نويرة سيد بني يربوع, قتله خالد بن الوليد. انتهى. وكان سبب قتله فيما يقال أنه ارتد في من ارتد من العرب, فلما بلغ أبا بكر رضي الله تعالى عنه خبره بعث إليه خالد بن الوليد فحاربهو فمسكه فقتله, ورثاه أخوه متمم بأشعار كثيرة, ويأتي إن شاء الله تعالى بعضها في هذا الكتاب.
وهو من الصحابة رضي الله تعالى عنهم, أورده أبو عمر بن عبد البر في كتابه «الاستيعاب» قال: متمم بن نويرة بن جمرة اليربوعي التميمي الشاعر.
стр. 203
قال الطبري: مالك بن نويرة بن جمرة التميمي, بعثه النبيى صلى الله تعالى عليه وسلم على صدقة بني يربوع, وكان قد أسلم هو وأخوه مالك, أما مالك فقتله خالد بن الوليد, واختلف فيه: هل قتله مرتدًا أو مسلمًا؟ وأما متمم فلم يختلف في إسلامه, وكان شاعرًا محسنًا, ليس لأحد في المرائي كأشعاره يرئي أخاه مالكًا. انتهى. وقد ذكرناه قصة قتله في الشاهد السادس والثمانين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الثاني والخمسون:
(٥٢) فقمت للطيف مرتاعًا وأرقني ... فقلت أهي سرت أم عادني حلم
هو من قصيدة طويلة للمرار بن منقذ, أوردها أبو تمام لجودتها بطولها في «الحماسة» وقبله:
زارت رويقة شعثًا بعدها هجعوا ... لدى نواحل في أرساغها الخدم
فقمت للطيف مرتاعها فأرقني ... فقلت أهي سرت أم عادني حلم
стр. 204
وكان عهدي بها والمشي يبهضها ... من القريب ومنها النوم والسأم
وبالتكاليف تأتي بيت جارتها ... تمشي الهوينى وما يبدو لها قدم
سود ذوائبها بيض ترائبها ... درم مرافقتها في خلقها عمم
ريوق إني ومن حج الحجيج له ... وما أهل بجنبي نخلة الحرم
لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكم ... عيش سلوت به عنكم ولا قدم
ولم يشاركك عندي بعد غانية ... لا والذي أصبحت عندي له نعم
وأول هذه القصيدة في ذم صنعاء ومدح بلده وقومه, ويأتي شرح أوائلها إن شاء الله تعالى في بحث «على».
قوله: زارت رويقة ... الخ, يقول: زار خيال رويقة قومًا شعثًا, أي: غبرًا بعدما ناموا عند إبل ضوامر, شدت في أرساغها سيور القد, لشدة سيرها وتأثير الكلال فيها, والخدم بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة: سيور القد جمع خدمة, والرسغ بالضم: الموضع المستدق بين الحافر وموصل الوظيف من اليد والرجل, وقوله: فقمت للطيف, هو الخيال الطائف في النوم, مخفف طيف بالتشديد, وروري: «فقمت للزور» وهو مصدر معنى الزائر يستوي فيه الواحد والجمع, والمذكر والمؤنث. والمرتاع: الخائف الفزغ, وأرقني: سهرني, وقوله: أهي سرت: بسكون الهاء بعد همزة الاستفهام. وبه استشهد المحقق الرضي في هذا البيت تبعًا لصاحب «المفصل» قال ابن مالك في شرح «تسهيله»: إنه لم يجئ إلا في الشعر, ولابن جني كلام عليه نقلناه في شرح هذا البيت في الشاهد التاسع والسبعين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي.
وعادني, أي: جاءني بعد إعراضه, وقيل: اعتادني, وقيل: زارني,
стр. 205
من عيادة المريض, لأن العاشق مريض العشق دائمًا. والحلم بضمتين ويسكن: الرؤبا.
قال ابن الحاجب في «أمالي المفصل»: يريد أني قمت من أجل الطيف مذعورًا للقائه, وأرقني لما لم يحصل اجتماع محقق, ثم ارتبت لعدم الاجتماع, هل كان على التحقيق أو كان ذلك في المنام! ويجوز أن يريد: فقمت للطيق وأنا في النوم إجلالًا, في حال كوني مذعورًا لاستعظامها, وأرقني ذلك لما انتبهت فلم أجد شيئًا محققًا, ثم من فرط صبابته شك! أهي في التحقيق سرت أم كان ذلك حلمًا؟ ! على عادتهم في مبالغتهم, كقوله: «آأنت أم أم سالم» انتهى.
وقال الدماميني بعد نقل كلام ابن الحاجب, حاصله احتمال كون القيام في اليقظة وفي المنام, وأما الشك في الاجتماع هل كان في اليقظة أو في المنام! فئابت على كلا الاحتمالين.
وقوله: وكان عهدي بها, في «المصباح»: وعهدته بمال, أي: عرفته به, والأمر كما عهدت, أي: كما عرفت. وهو قريب العهد بكذا, أي: قريب العمل والحال, وعهدته بمكان كذا, أي: لقيته, وعهدي به قريب, أي: لقائي. وقوله: «يهضها» كذا في النسخة التي نقلت منها من «الحماسة» بالضاد قال صاحب «القاموس»: بهضني الأمر كمنع, وأبهضني, أي: فدحني
стр. 206
وبالظاء أكثر. وقال في بهظ: بهظه بالأمر كمنعه: غلبه, وثقل عليه وبلغ به مشقة, قال التبريزي: جملة: والمشي يبهضها, خبر كان, والواو في قوله: وكان عهدي بها, واو الحال من قوله: سرت, انتهى, وقوله: من القريب أي: من المكان القريب, وقوله: ومنها النوم والسأم, هذه الجملة معطوفة على جملة: والمشي يبهضها.
والهوينى: منصوب على المصدر, أي: مشيًا هونًا. وقوله: وما يبدو لها قدم, أي: لطول أذيالها فهي تجرها على الأرض.
وقوله: بيض ترائبها: جمع تربيه كقرينة, وهو أعالي الصدر, ومرفق أدرم: إذا لم يكن له حجم لاكتنازه باللحم, والخلق بالفتح: الخلقة, والعمم: بفتح العين المهملة: الطول.
وقوله: رويق: منادى مرخم رويقة, ونخلة: موضع قرب مكة, قال أبو عبيد البكري: نخلة على لفظ واحدة النخل: موضع على ليلة من مكة, وهي التي نسب إليها بطن نخلة, وهي التي ورد فيها الحديث ليلة الجن انتهى. وزعم التبريزي, وتبعه العيني أنه موضع قرب المدينة. وحرم بضمتين: جمع حرام كسحب جمع سحاب بمعنى المحرم, وروي أيضًا: «وما حج الجميع له».
قال ابن جني في «إعراب الحماسة»: ما هنا: تحتمل أن تكون عبارة عن الله تعالى, وأراد في «ما» الثانية تقدير له, ويجوز أن تكون مصدرية, فتكون الهاء في «له» لله تعالى وإن لم يجر له ذكر لأنه قد جرى ذكر الحج,
стр. 207
فدلت الطاعة على المطاع, سبحانه, فكأنه قال: إني وحج الحجيج لله تعالى, ويؤكد ذلك أنه لم يعد مع الثانية له, لأنه غير محتاج إليها من حيث كان مصدرًا. ويجوز أن تكون عبارة عن البيت فأقسم به, فحينئذ تحتمل الهاء في «له» أن تكون للبيت, على أن اللام بمعنى إلى, وأن تكون لله تعالى, أي: والبيت الذي حجه الحجيج لطاعة الله تعالى انتهى.
وقوله: لم ينسني, هو مضارع أنساه, وذكركم: مفعول مقدم, وعيش: فاعل مؤخر, وقدم: بكسر القاف معطوف على عيش. قال ابن جني: هذا البيت جواب القسم, وأجاب بلم, وحرفنا الجواب في الني أنهما ما ولا, ولكن اضطر فشبه لم بما, كما اضطر إلى ذلك الأعشى في قوله:
أجد لم تغتمض ليلة
فاعرف ذلك فإنه لطيف. انتهى.
وبعد: مبنية على الضم, لحذف المضاف إليه, أي: بعدك, وغانية: فاعل يشاركك, والغانية: المرأة الحسناء التي استغنت بحسنها عن الزبنة. وقوله: لا والذي, لا: زائدة جاءت لتأكيد النفي السابق, والذي مقسم به, فإن قلت: أين جواب القسم؟ قلت محذوف دل عليه لم يشاركك .. الخ, كقولك: ما فعلت والله, والنعم بكسر النون: جمع نعمة.
والمرار: شاعر إسلامي في الدولة الأموية من معاصري الفرزدق وجرير, وهو بفتح الميم وتشديد الراء, قال ابن قتيبة في كتاب «الشعراء»: المرار العدوي هو ابن منقد من صدي بن مالك بن حنظله, وأم صدي بالتصغير من
стр. 208
جل بن عدي, فيقال لولده: بنو العدوية انتهى.
واسم المرار هذا: زياد بن منقذ, قاله الحصري في «زهر الآداب» قال: أنشد أبو عبيدة هذا الشعر لزياد ابن منقذ الحنظلي, وهو المرار العدوي نسب إلى أمه العدوية وهي فكيهة بنت تميم بن الديل بن جبلة بن عدي بن عبد مناة بن تميم بن أد بن طابخة, فولدت لماك بن حنظلة عديًا ويربوعًا, فهؤلاء من ولده, يقال لهم: بنو العدوية, وكان زياد نزل بصنعاء فاجتواها, ومنزله في نجد, فقال في ذلك قصيدة يقول فيها, وذكر قومه. وإلى اسمه نسب الشعر في «الحماسة» قال شراح «الحماسة»: هولزياد بن منقذ, وهو أحد بني العدوية من تميم ولم يقل غير هذه القصيدة, ولم يقل أحد مثلها, وكان قد أتى اليمن فنزع إلى وطنه ببطن الرمة. قال أبو العلاء: الرمة: واد بنجد ويقال بتشديد الميم وتخفيفها. انتهى. وصحفه بعضهم, وتبيعه العيني فقال: ببطن الرمث, بالمثلثلة.
وزعم بعضهم أن هذه القصيدة لزياد بن حمل بن سعيد بن عميرة بن حريث, ولم يصب أبو عبيد البكري في زعمه أن زياد بن حمل هو المرار العدوي. وزعم صاحب «الأغاني» [في الأغاني] والخالديان في [شرح] «ديوان مسلم بن الوليد» أنهما للمرار بن سعيد الفقعسي, قال ياقوت الحموي في «معجم البلدان»: والصواب أنها لزياد بن منفذ العدوي, لقوله في القصيدة:
стр. 209
بل ليت شعري متى أغدو تعارضني ... جرداء سابحة أو سابح قدم
نحو الأميلح من سمنان مبتكرًا ... بفتيةٍ فيهم المرار والحكم
والمرار والحكم أخواه.
وذكر الآمدي في «المؤتلف والمختلف» أن من يقال له المرار ستة: أولهم: المرار الفقعسي, وثانيهم: هذا المترجم, وثالثهم: المرار بن سلامة العجلي, وهو إسلامي أيضًا, ورابعهم: المرار بن بشير السدوسي, وخامسهم: المرار الكلبي, وسادسهم: المرار بن معاذ الجرشي.
وأنشد بعده, وهو الانشاد الثالث والخمسون:
(٥٣) لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... شعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر
على أن الهمزة المقدرة مع «أم» لطلب التعيين, وليست الهمزة فيه التسوية, وإن تقدم عليها ما أدري, وأن المعنى: ما أدري أي النسبين هو الصحيح.
وعلى هذا لأخير بني كلام ابن الشجري, وقد أخذ كلامه من «شرح الكافيه» لابن مالك, وهذه عبارته فيها: و «أم» سميت متصلة, لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى أحدهما عن الآخر, وشرط ذلك أن يقرن ما يعطف بها عليه بهمزة التسوية, أو بهمزة يطلب بها وبأم ما يطلب بأي, وعلامة ذلك صلاحية الاستغناء بها عنها, فمن لوازم ذلك كون الناطق «بأم» المذكورة مدعيًا العلم بنسبة الحكم إلى أحد المذكورين دون تعيين, وقد يكون مصحوباهما اسمين نحو: أزيد عندك
стр. 210
أو عمرو, أو فعلين الفاعل واحد في المعنى, نحو: أقام زيد أم قعد, أو فعلين لفاعلين متباينين, كقول الشاعر:
ما أبالي أنب بالحزن تيس ... أم جفاني بظهر غيبٍ لئيم
ولا يمنع كونهما جملتين اسميتين إذا كان معنى الكلام معنى أي, ومنه قول الشاعر:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا
شعيث ابن سهمٍ أم شعيث ابن منقر
أراد: ما أدري أشعيث ابن سهم, أم شعيث ابن منقر, لأن المعنى معنى أي, كأنه قال: ما أدري أي النسبين هو الصحيح.
وابن سهم وابن منقر خبران لا صفتان, وحذف التنوين من شعيث على حد حذفه من عمرو في قول القالئل:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه
ففي هذا حجة على وقوع أم المتصلة بين جلمتين ابتدائيتين, ومنه قول الآخر:
ولست أبالي بعد فقدي مالكًا ... أمو تي ناء أم هو الآن واقع إلى هنا كلام «شرح الكافية» وفيه أمران:
أولهما: أنه جعل الهمزة الصالح موضعها لأي قسيمة لهمزة التسوية, مع أنه
стр. 211
في «التسهيل» وشرحه جعل الهمزة الصالح موضعها لأي شاملة لكلا الهمزتين, وأقره عليه من شراحه أبو حيان والمرادي وابن عقيل, وهذا هو الموافق لصريح كلام سيبويه كما يأتي نصه.
وثانيهما: أنه جعل الهمزة بعد ما أبالي, وبعد لا أدري لغير التسوية, وهو الاستفهام الحقيقي, لصلاحية «أي» موضع الهمزة وأم ومدخولهما, ولهذا قال: لأن المعنى معنى أي, ومدار الاستفهام مع أم عنده صحة حاول أي محلهما, سواء كان قبلهما ما أدري أم لا أبالي, أم ليت شعري, أم سواء أم لا, وحينئذ لم يبق لهمزة التسوية موضع يخصها, فإن في هذه المواضع الأربعة يصح حاول أي موضع الهمزة وأم, فلا وجه حينئذ لجعل همزة التسوية عديلة لهمزة الاستفهام الحقيقي, وهذا مخالف لكلام النحويين, فإنهم قالوا: إن همزة التسوية هي المسوقة بسواء, أو ما أبالي, أو ما أدري, أو ليست شعري ونحوهن, وجعلوها قسيمة لهمزة الاستفهام الحقيقي.
قال سيبويه في باب «أم إذا كانالكلام بها بمنزلة أيهما وأيهم» وذلك [قولك]: أزيد عندك أم عمرو, وأزيدًا لقبيت أم بشرا؟ فأنت الآن مدع أن عنده أحدهما, لأنك إذا قلت: أيهما عندك؟ أو: أيهما لقيت؟ فأنت مدع أن المسؤول قد لقي أحدهما, أو أن أحدهما عنده إلا أن علمك استوي فيهما, لا تدري أيهما هو, إلى أن قال: ومن هذا الباب قوله: ما أبالي لزيدًا لقيت أم عمرًا, وسواء على أزيدًا كلمت أم عمرًا, وإنما جاز حرف الاستفهام هنا لأنك سويت الأمر [ين] عليك كما استويا حين قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فجرى هذا على حرف الاستفهام, كما جرى على حرف النداء قولك: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة,
стр. 212
وإنما لزمت أم هنا لأنك تريد معنى أيهما, ألا ترى أنك تقول: ما أبالي أي ذلك كان, وسواء على أي ذلك كان, والمعنى واحد. وأي ههنا تحسن وتجوز كما جازت في المسألة, ومثل ذلك: ما أدري أزيد ثم أم عمرو, وليت شعري, أزيد ثم أم عمرو, فأوقعت أم ههنا كما أوقعته في الذي قبله, لأن هذا يجري على حرف الاستفهام حيث استوى علمك كما جرى الأول, ألا ترى أنك تقول ليت شعري أيهما ثم, وما أدري أيهما, فيجوز أي ويحسن, كما جاز في قولك: أيهما ثم. هذا كله كلام سيبويه.
فأنت ترى كيف أشرك الهمزتين في أي, وفصل الكلام على همزة التسوية الواقعة بعد تلك الكلمات الأربع عن همزة الاستفهام الحقيقي بقوله: ومن هذا الباب, ومثل لهمزة التسوية بأمثلة وقعت أم فيها بين مفردي جملة واحدة, وأقره عليه السيرافي وأبو علي الفارسي في تعليقته على «الكتاب».
قال السيرافي بعدما قرر كلام سيبويه وشرحه: وقد اتسعت العرب في ذلك, أي: في الاستفهام, فاستعماوه في غير الاستفهام في مواضع مختلفة إلى أن قال: ومنه: م أدري أزيد في الدار أم عمرو؟ فهذه حال السائل. فإذا سأل وهذه حاله قال: أزيد في الدار أم عمرو, ومنه قول القائل: ليت شعري أزيد في الدار أم عمرو, وتمنى أن يعلم ما يسأل عنه السائل إذا قال: أزيد في الدار أم عمرو, ومنه: ما أبالي أزيد جاءك أم عمرو, سويت بين الأمرين في منزلتهما عندك, وهو أنهما عليك سواء, ومنه: سواء علي أقمت أم قعدت, ومعناه: قيامك وقعودك علي مستويان, وإنما جاز الاستفهام وأم في هذه الأشياء, وإن لم تكن استفهامًا, لما فيها من التسوية والمعادلة, فشبهت من الاستفهام بما فيها من التسوية والمعادلة, لاجتماعهما في التسوية والمعادلة, لا في حرف الاستفهام, كما جرى
стр. 213
حرف النداء في قولك: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة, ولست تناديه, وإنما تخصه فتجريه على حرف النداء, لأن النداء فيه اختصاص, فيشبه به الاختصاص لا لأنه منادى. انتهى.
ولما رأى ناظر الجيش المخالفة بين كلامي ابن مالك, حاول التوفيق بينهما, فقال في «شرح التسهيل»: لأا شك أن المسألة تحتاج إلى تحقيق, ويظهر أن يقال: إن «ما أبالي» يمكن أن يقال لإرادة معنى التسوية بالكلام الي هي فيه, بمعنى أن الأمرين المذكورين بعدهما مستويان عند المتكلم بهما, ويمكن أن يقال: لإرادة عدم المبالاة, أي: لا أبالي فعلك, وكذا لا أدري يمكن أن يراد بهما استواء الأمرين عند المتكلم بها, بمعنى أنهما استويا عنده في عدم العلم, ويمكن أن يراد بها عدم الالتفات, والمعنى حينئذ يرجع إلى معنى عدم المبالاة, وإذا كان كذلك, كان لكل من الكلمتين اعتباران فيحسن الاستشهاد بهما لمعنى التسوية, وللمعنى الآخر.
هذا كلامه. فعلى ما ذكرنا, كيف يجوز تغليط ابن الشجري مع إمامته, وهو في ذلك تابع لكلام سيبويه وأصحابه! وعلى فرض أنه لم يوجد لسيبويه نص ينزل على نحو ما ذكره ناظر الجيش, وما قاله ابن الشجري في بيت زهير أورده في موضعين من «أماليه» أولهما في المجلس الرابع والثلاثين في بحث همزة الاستفهام وثانيهما في المجلس السابع والسبعين في بحث «أم».
وقول المصنف: وأن الكلام معها قابل للتصديق والتكذيب لأنه خبر .. الخ, منقوض بصور وقعت فيها أم متصلة بعد همزة ليست للتسوية ولا للاستفهام الحقيقي بل للإنكار أو التعجب, وقد ذكره المصنف في قوله تعالى: ﴿أمن هو قانت﴾ [الزمر/٩] وأم المقدرة فيه متصلة وتقديرها: أمن هوقانت خير أم هذا الكافر,
стр. 214
والهمزة لغير الاستفهام الحقيقي كما صرح به, وليست أم منقطعة, لأن حرف الإضراب لا يقدر لعدم الدال عليه.
وأجاب الدماميني بأن المراد بقوله: الاستفهام معها على حقيقته ليس كونه كذلك دائمًا, وإنما المراد في الجملة, فوجه الفرق أن «أم» في التسوية لا استفهام معها البتة, لأنه خبر محض دائمًا, والواقعة بعد غيرها يوجد معها الاستفهام الحقيقي في الجملة في بعض الصور, ثم قال: إنه يأباه قوله بعده: إن الهمزة إذا كانت للإنكار كانت بمزلة النفي, والمتصلة لا تقع بعده, وهذا يقدح في هذا الجواب, فالإشكال باق على حاله.
قال شيخنا الخفاجي: الجواب المذكور لا يدفع الإشكال, فإنه إذا ثبت ما يخالفه ولو في صورة واحدة, لم يحصل الفرق, فالإشكال باق مجاله, وإن تبعه جميع الشراح فيما قال. انتهى.
وقول المصنف في أم بعد همزة التسوية: لا تقع إلا بين جملتين, لم أره بالحصر لأحد إلا لناظر الجيش, فإنه قال في «شرح التسهيل»: إن كانت الهمزة للتسوية فلا يكون مصحوباهما إلا جملتين, والجملتان في تأويل مفردين, ويكونان فعليتين واسميتين ومختلفتين, ومثل بما مثل به المصنف, وهو مخالف لما مثل به سيبويه في كلامه الذي نقلناه من وقوع أم بين مفردي جملة, ومن شواهده بيت زهير المذكور, وقول بثينة ترثي جميلًا:
سواء علينا يا جميل بن معمرٍ ... إذا مت بأساء الحياة ولينها
وقول الآخر:
سواء إذا ما أصلح الله أمرهم ... علي أوفر ما لهم أم أصارم
стр. 215
وقال أبو حيان في «شرح التسهيل»: ومما عودل فيه بين الجملة وبين المفرد قوله:
سواء عليك النفر أم بت ليلة ... بأرض القنان من نمير وعامر
وكذا قال في «الارتشاف» وقول المصنف: إن أم الأخرى تقع بين جملتين ليستا في تأويل المفرد, هذا القيد لم أره في كلام أحد, بل رأيت ابن الناظم صرح بخلافه في شرح الألفية, قال: وتقع أم بعد هذه الهمزة بين مفردين نحو: أزيد في الدار أم عمرو, وبين جملتين في تأويل المفردين, وقد يكونان فعليتين أو ابتدائيتين, أو إحداهما فعلية والأخرى ابتدائية, ومثل بالأبيات التي مثل بها المصنف. ولأبي حيان مثله, قال في «شرح التسهيل»: ويأتي بعد أم هذه المفرد والجملة في تقدير المفرد أو في معناه, فالجملة في تقدير المفرد, نحو قوله:
أمخدج اليدين أم أتمت
فأتم في تقدير المفرد, وتقديره: أمخدج اليدين أم متمًا, والجملة في معنى المفرد: أقام زيد أم قعد, تريد: أي الفعلين كان, والمعنى: أكان من زيد قيام أم قعود. انتهى. وكذا في «الارتشاف» وهذا هو الصواب, لأن الجمل التي بعد: ليت شعري, وما أبالي وما أدري, وقعت معلقة بالاستفهام عن العامل, وهو طالب للعمل في محلها.
والقاعدة: أن كل جملة لها محل من الإعراب لابد أن تكون حالة محل المفرد, وأبو حيان حكم لها بالإفراد حتى في الجمل المستأنفة التي لم يطلبها عامل, كما رأيت في كلامه. وقول المصنف: ومثله بيت زهير السابق, أراد أن معنى بين زهير: ما أدري أي الفريقين آل حسن. كما قال في بيت شعيث, والمعنى:
следующие страницы →