← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وملكت: من ملك على الناس أمرهم، إذا تولى السلطنة، فهو ملك، بكسر اللام، والاسم ملك، بالضم كما هنا، فهو مفعول مطلق، والعراق: بلاد من عبادان إلى الموصل طولاً، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا، يذكر ويؤنث، سميت بذلك لأنها على عراق النهرين: دجلة والفرات، أي: شاطئيها، ويثرب: مدينة الرسول ﷺ ، غير منصرف للعلمية والوزن والتأنيث، وصرف هنا للضرورة. والبيت من قصيدة لابن ميادة مدح بها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وكان أمير المدينة المنورة، ومنها: من كان أخطأه الربيع فإنَّه ... نصر الحجاز بغيث عبد الواحد إن المدينة أصبحت محمودة ... بمتوَّجٍ حلو الشمائل ماجد وتقدَّمت ترجمة ابن ميادة في الإنشاد الثامن والستين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد الثلاثمائة: (٣٥٨) أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تمثل لي ليلى بكلِّ سبيل لما ذكره، وعند المبرد الإضافة، تقول: لزيد ضربت، ولعمرو أكرمت، إنما تقديره إكرامي لعمرو وضربي لزيد، فأجرى الفعل مجرى المصدر، وأحسن ما يكون ذلك إذا تقدم المفعول؛ لأن الفعل إنما يجيء وقد عملت اللام، كما قال تعالى: ﴿إن كنتم للرُّؤيا تعبرون﴾ [يوسف/٤٣] وإذا أخر المفعول فهو عربي حسن، والقرآن محيط بجميع اللغات الفصيحة، قال : ﴿وأمرت لأن أكون أول المسلمين﴾ [الزمر/١٢]، والنحويون يقولون في قوله تعالى: (ردف لكم) [النحل/٧٢] إنما هو ردفكم، وقال كثير: أريد لأنسى ذكرها .. البيت. انتهى.

стр. 1507

والبيت من قصيدة لكثير عزَّة أوردها العيني في شواهد الإضافة والسيوطي أورد بعضها هنا، وهي مشهورة، قال الأصبهاني في (الأغاني): أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام، قال: كان لكثير في النسيب حظ وافر، وجميل مقدم عليه وعلى أصحاب النسيب في النسيب، وكان كثير رواية جميل، وكان جميل صادق الصبابة والعشق، ولم يكن كثير بعاشق لكنه يتقول، وكان الناس يستحسنون بيت كثير في النسيب: بيت كثير في النسيب: أريد لأنسى ذكرها فكأنما .. البيت قال: ورأيت من يفضل عليه بيت جميل: خليليَّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي قال ابن سلام: وهذا الذي لكثير أخذه من جميل حيث قال: أريد لأنسى ذكرها فكأنَّما ... تمثَّل لي ليلى على كل مرقب قال: ولقي الفرزدق كثيرًا فقال له الرزدق: يا أبا صخر، أنت أنسب العرب في قولك: أريد لأنسى ذكرها فكأنَّه .. البيت يعرض له بسرقته من جميل، فقال له كثير: وأنت يا أبا فراس أفخر الناس حيث تقول: ترى النّاس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى النّاس وقَّفوا يعرض له بسرقته من جميل أيضًا. فقال الفرزدق: ها كانت أمك ترد البصرة؟ قال: لا، ولكن أبي كان كثيرًا يردها. انتهى. وزاد القالي في (ذيل أماليه) بعد هذه الحكاية: قال طلحة بن عبد الله: والذي نفسي بيده، لعجبت من كثير وجوابه، وما رأيت قط أحمق منه. رأيتني أنا وقد دخلت عليه ومعي جماعة من

стр. 1508

قريش، وكان عليلاً، فقلنا: كيف تجدك يا ابا صخر؟ قال: بخير، هل سمعتم الناس يقولون شيئًا؟ وكان يتشيع، فقلنا: نعم، يتحدثون أنك الدجال، قال: والله لئن قلت ذاك، إني لأجد ضعفًا في عيني هذه منذ أيام! انتهى. وقال المرزباني في (الموشح): أخبرنا عبد الله بن بيان قال: قال الهيثم بن عدي عن صالح بن حسان قال: كانت عقيلة بنت عقيل بن أبي طالب تجلس للناس، فبينا هي جالسة إذ قيل لها: العذري بالباب، فقالت: ائذنوا له، فدخل فقالت له: أنت القائل: فلو تركت عقلي معي ما بكيتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي إنما تطلبها عند ذهاب عقلك! لولا أبيات بلغتني عنك ما أذنت لك، وهي: علقت الهوى منها وليدًا فلم يزل ... إلى اليوم ينمى حبها ويزيد فلا أنا مرجوع بما جئت طالبًا ... ولا حبُّها فيما يبيد يبيد يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها فيعود ثم قيل: هذا كثير بالباب، فقالت: ائذنوا له، ثمَّ أقبلت عليه فقالت: أما أنت يا كثير فألأم العرب عهدًا في قولك: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثَّل لي ليلى بكل سبيل ولم تريد أن تنسى ذكرها؟ ! أما تطلبها إلاَّ إذا مثلت لك؟ ! أما والله لولا بيتان قلتهما ما التفت إليك، وهما قولك: فيا حبَّها زدني جوى كلَّ ليلةٍ ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر عجبت لسعي الدَّهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدَّهر انتهى. وقال ابن عبد ربه في (العقد الفريد) قال بعض الناس: إن كان كثيّر يحبها فلماذا يريد أن ينسى ذكرها؟ ! هلاَّ قال كما قال مجنون بني عامر:

стр. 1509

فلا خفَّف الرَّحمن ما بي من الهوى ... ولا أقلع الرَّحمن عن حبِّها حبِّي فما سرَّني أنَّي خليُّ من الهوى ... ولو أنَّ لي ما بين شرقٍ إلى غرب وقد أخذ أبو نواس معنى بيت كثير، ونقله إلى المدح فقال: ملك تصوَّر في القلوب مثاله ... فكأنما لم يخل منه مكان وترجمة كثير تقدَّمت في الإنشاد التاسع عشر من أوائل الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد الثلاثمائة: (٣٥٩) يا بؤس للحرب الَّتي ... وضعت أراهط فاستراحوا على أن اللام مقحمة بين المتضايفين لتوكيد الاختصاص، قال ابن الشجري في (أماليه): قال أبو العباس المبرد: من قال: يا بؤسناً لزيد، جعل النداء بمعنى الدعاء على المذكور، وكذلك قول سعد بن مالك بن ضبيعة: يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا كأنه دعاء على الحرب، وأراد: يا بؤس الحرب، فزاد اللام. انتهى. وقد أوضح ابن جني توكيد الاختصاص في (إعراب أبيات الحماسة) فقال: أراد: يا بؤس الحرب، فزاد اللام توكيدًا للإضافة، ومثله بيت النابغة: يا بؤس للجهل ضرَّارًا لأقوام أي: يا بؤس الجهل. ومثل ذلك في زيادة الحرف لتوكيد المعنى به زيادة (لا) لتوكيد النفي قوله:

стр. 1510

من غير لا عصفٍ ولا اصطراف أي: من غير عصف، ونحو من ذلك زيادة ياء الإضافة في الأوصاف لتوكيد معنى الصفة نحو قولهم: أحمر وأحمري، وأشقر وأشقري، فأكدوا معنى الوصف بها. انتهى. ومعنى (وضعت أراهط) أي: أخملتهم، فلم يكن لهم ذكر في هذه الحرب، فاستراحوا من مكابدة شرها ومقاساة حرِّها. وأراهط: جمع أرهط، قال رؤبة: هو الذَّليل نفرًا في أرهطه وأرهط: جمع رهط، ورهط الرجل: قومه وقبيلته الأدنون. قال ثعلب: الرهط، والنفر، والقوم، والمعشر والعشيرة: معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وهذا تعريض بقعود الحارث بن عباد- بضم العين وخفة الموحدة- عن الحرب، فإن الحارث كان قد اعتزل الحرب مع قومه حين هاجت بين بكر وتغلب لقتل كليب، ويقال لها: حرب البسوس، وقال: هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل. ولما لم يقف الدماميني على منشأ هذا الشعر قال: يتعجب من شدة الحرب التي ذهبت بتلك الأراهط. انتهى. والبيت مطلع قصيدة عدتها خمسة عشر بيتًا لسعد بم مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، أوردها أبو تمام في (الحماسة) وبعده: والحرب لا يبقى لجا ... حمها التخيُّل والمراح إلا الفتى الصَّبَّار في النجدات والفرس الوقاح وهما من شواهد سيبويه، وأردهما على أن الفتى وما بعده بدل من التخيل والمراح على الاتساع والمجاز.

стр. 1511

والجاحم: بتقديم الجيم على الحاء المهملة: المكان الشديد الحر، من جحمت النار فهي جاحمة: إذا اضطرمت، ومنه الجحيم، والتخيل: التكبر، من الحيلاء، يقول: إنها تزيل نخوة المنخو، والمراح، بكسر الميم: النشاط، أي إنها تكف حدة النشيط، وهذا أيضًا تعريض بالحارث، والصبّار: مبالغة صابر، والنجدة: الشدة والبأس في الحرب، والوقاح بفتح، الواو: الفرس الذي حافره شديد صلب، ومنه الوقاحة، وفيها: من صدَّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيسٍ لا براح ويأتي إن شاء الله تعالى شرحه في بحث (لا) وقد شرحنا هذا الشعر، وأوردنا ما يتعلق به في شرح الشاهد الواحد والثمانين وفي شرح الشاهد الواحد والعشرين بعد المائتين من شواهد الرضي. وسعد بن مالك بن ضبيعة البكري صاحب هذا الشعر هو جد طرفة بن العبد الشاعر، قال الآمدي: كان سعد هذا أحد سادات بكر بن وائل وفرسانها في الجاهلية، وكان شاعرًا، وله أشعار جياد في كتاب بني قيس بن ثعلبة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستون بعد الثلاثمائة: (٣٦٠) إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلاً فإني لست آكله وحدي على أن اللام في (له) قيل إنها زائدة للتقوية، والصحيح أنها للتعليل لما ذكره المصنف. قال الدماميني: كلامه قابل للبحث، وذلك أن قوله: أكيلاً بمعنى مؤاكل، غير مسلم؛ لجواز أن يكون بمعنى آكل، قال صاحب (الصحاح): الأكيل: الذي يؤاكلك، والأكيل أيضًا: الأكل، فيمكن أن يكون محولاً عن مجازٍ للفعل للمبالغة، بأن يكون لأكل الزاد مبالغًا قي الأكل، وهذا أليق بمقصد الشاعر في التمدح بالكرم. هذا كلامه. وأقول: هذه غفلة عن آخر البيت، فإنه قال: لست آكله وحدي، وعن مرود الشعر، قال الأصبهاني في (الأغاني): أخبرنا

стр. 1512

ابن دريد قال: حدثني عمي عن العباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: تزوج قيس ابن عاصم المنقري منفوسة بنت زيد الفوارس الضبي، وأتته في الليلة الثانية من بنائه بها بطعام، فقال: فأين أكيلي؟ ! فلم تعلم ما يريد، فأنشأ يقول: أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلاً فإني لست آكله وحدي أخًا طارقًا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي وكيف يسيغ المرء زادًا وجاره ... خفيف المعا بادي الخصاصة والجهد وللموت خير من زيارة باخلٍ ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد وإني لعبد الضيف ما دام ثاوبًا ... وما في إلاَّ تلك من شيم العبد فقالت تجيبه: أبى المرء قيس أن يذوق طعامه ... بغير أكيل إنَّ ذا لكريم فبوركت حيًا يا أخا الجود والندى ... وبوركت ميتًا قد حوتك رجوم والرجوم بالجيم: جمع رجم- بفتحتين- وهو القبر كأسود جمع أسد، قال ابن جني في (إعراب الحماسة): أراد ابنة واحدة، ولكنه أعادها لاتصال المضاف [بالمضاف] إليه، ويدلّك على أنها ابنة واحدة لا أكثر قوله: إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له .. زلم يقل: صنعتن. انتهى. قال التبريزي في (شرح الحماسة): عنى بذي البردين عامر بن أحمير بن بهدلة، وإنما لقب به لأنَّ الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء، فأخرج بردين وقال: لقيم أعز العرب قبيلة فليأخذها، فقام عامر فأخذهما، فقال له المنذر: أنت أعز العرب قبيلة، قال: العز والعدد في معدّ، ثمَّ في نزار، ثمَّ في مضر، ثمَّ في خندف، ثمَّ في ثميم، ثمَّ في سعد، ثمَّ في كعب، ثمَّ في عوف، ثمَّ في بهدلة، فمن أنكر هذا فليفاخرني؛ فسكت الناس، ثمَّ قال: أنا أبو عشر، وأخو عشرة، وعم عشرة، ثمَّ وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها عن مكانها

стр. 1513

فله مائة من الإبل، فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، وفاز بالبردين. انتهى. والفرس الورد: بين الكميت والأشقر. وقوله: لست آكله وحدي، يجوز أن يكون بكسر الكاف وفتح اللام على أنه اسم فاعل خبر ليس، ويجوز ضم الكاف واللام على أنه مضارع مع فاعله، يكون خبر ليس. وقيس بن عاصم صحابي قدم في وفد تميم سنة تسع على رسول الله ﷺ ، وكان سيدًا عاقلاً حليمًا. وقيل: الشعر لحاتم الطائي، وقيل: لعروة بن الورد، وقيل: لغير ذلك. وقد تقصَّينا الكلام على قائله، وشرح هذه الأبيات في شرح ديباجة (شرح بانت سعاد) للمصنف، فإن فيه فوائد عزيزة الوجود ولله الحمد. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والستون بعد الثلاثمائة: (٣٦١) هذا سراقة للقرآن يدرسه تمامه: والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب على أنهم قالوا: الضمير في يدرسه مفعول مطلق لا ضمير القرآن، قال السيرافي: الهاء في يدرسه للمصدر، تقديره: للقرآن يدرس درسًا، وكنى عن الدرس ولو قلنا: ضربته زيدًا على هذا التأويل لجاز. تقديره: ضربت الضرب زيدًا، وكنى عنه لأنَّ الضرب قد دلَّ عليه ضربت، ولا يحسن أن يكون الهاء ضمير القرآن، لأنَّ القرآن وإن كانت فيه اللام، فقد جعل بمنزلة المفعول، واللام صلة يدرس، ولو قلنا: القرآن يدرسه، لم يجز أن ينصب القرآن بيدرس والهاء ضميره، وكذلك قوله تعالى: ﴿للذين هم لربهم يرهبون﴾ [الأعراف/١٥٤] ولا يجوز يرهبونه، والهاء للرب تعالى، ومثل هذا قول زهير بن جناب: من كل ما نال الفتى ... قد نلته إلاَّ التَّحيَّه على معنى: قد نلت النيل، وحق الكلام: من كل ما نال الفتى قد نلت، كأنه قال: كل ما نال الفتى قد نلت، ومن أجل الهاء كان الأصمعي ينكر هذه الرواية، ويروي: (ولكل ما نال الفتى قد نلته) وكان لا يتوهم في نلته المصدر. هذا آخر

стр. 1514

كلامه. وقال أبو علي في (الحجة) عند قوله : (ولولا دفع الله الناس) [البقرة/ ٢٥١] الهاء في يدرسه للمصدر، ألا ترى أنها لا تخلو من أن تكون للمصدر أو للمفعول به؟ فلا يجوز أن يكون للمفعول به؛ لأنه قد تعدى إليه الفعل باللام، فلا يكون أن يتعدى إليه مرة ثانية، فإذا لم يجز ذلك علمت أنه للمصدر. انتهى. وقال أيضًا في (التذكرة القصرية) لا يجوز أن يكون على إضمار فعل يفسره يدرسه لأجل حرف الجر، ولا يجوز أن يكون مثل: بحسبك زيد؛ لقلته، ولكن التقدير: هذا سراقة للقرآن يدرسه درسًا، فالهاء ضمير المصدر، كما قال سيبويه في (ظننته) إنه ظننت الظن، وقد يجوز أن يكون (للقرآن) بمنزلة (لك) في قولك: سقيًا لك، أتى للبيان، ويكون الهاء ضمير القرآن. فإن قيل: يكون التقدير على هذا تأخير القرآن وهذا يؤدي إلى أنه أضمر قبل الذكر، قيل: قد حصل شرط الإضمار، وهو تقدم الضمير منه في اللفظ، والتقدير به التأخير غير ضائر إذ حصل شرط الإضمار، وهو تقدمه في اللفظ. انتهي. وبه يسقط قول المصنف في حواشي (التسهيل): إن (للقرآن) مبتدأ، واللام زائدة، مثلها في بحسبك زيد. وقال أبو علي في (الحجة) أيضًا: قرأ ابن عامر: (اقتده) بكسر الدال وإشمام الهاء الكسر، من غير بلوغ ياء، ووجهها أن تجعل الهاء كناية عن المصدر، لا التي تلحق للوقف، وحسن إضماره لذكره الفعل الدال عليه، ومثل ذلك قول الشاعر: فجال على وحشيه وتخاله ... على ظهره سبتًا جديدًا يمانيا قال: تخال خيلانًا على ظهره سبتًا جديدًا، فعلى متعلق بمحذوف، وعلى هذا قول الشاعر: هذا سراقة للقرآن .. البيت. فالهاء كناية عن المصدر، ودل يدرسه على الدرس، ولا يجوز أن يكون ضمير القرآن؛ لأنَّ الفعل قد تعدى إليه باللام، فلا يجوز أن يتعدى إليه وإلى ضميره، كما أنك إذا قلت: أزيدًا ضربته؟ لم تنصب زيدًا بضربته، لتعديه إلى الضمير. ومثل ذلك ما حكاه أبو الحسن من قراءة بعضهم: ﴿ولكلٍّ وجهة هو مولّيِها﴾ [البقرة/ ١٤٨] فاللام متعلق بمول، والهاء كناية

стр. 1515

عن التولية فعلى هذا قراءة ابن عامر وقياسيتها إذا وقف عليه أن يقول: (اقتده) فيسكن هاء الضمير، وفي الوصل بإشباع كسرتها. انتهى. وقد أورد سيبويه هذا البيت في كتابه لغير ما ذكر. قال: ولا يحسن: إن تأتني آتيك، من قبل أنَّ (إن) هي العاملة، وقد جاء في الشعر، قال جرير بن عبد الله البجلي: إنَّك إن يصرع أخوك تصرع أي: إنك تصرع إن يصرع أخوك. ومثل ذلك قوله: هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرُّشا إن يلقها ذيب أي: والمرء ذئب غن يلق الرشا. قال الأصمعي: هو قديم أنشدنيه أبو عمرو. انتهى كلام سيبويه. وكذا أورده ابن السراج في (الأصول) وأورده أبو حيّان في (تذكرته)، قال: متى جزم الشرط لم يستغن عن جوابه إلا في الشعر، وأنشده. قال الأعلم في (شرح شواهد سيبويه) تقديره عنده: والمرء عند الرشا ذئب إن يلقها، والمبرد يجعله على إرادة الفاء. هجا الشاعر رجلاً من القراء، نسب إليه الرياء، وقبول الرشا، والحرص عليها. والهاء في يدرسه كناية عن المصدر، والفعل متعدَّ باللام إلى القرآن لتقدمه على حد قولك: لزيد اضرب، والتقدير: هذا سراقة يدرس القرآن درسًا. انتهى كلامه. وكان القياس أن يقال: وهو عند الرشا، بالضمير، لكنه أعاده ظاهرًا مساويًا له بلام العهد. وقد أبعد الدماميني في ظنه أن سراقة هذا هو سراقة بن جعشم الصحابي، وجعل المرء رجلاً آخر، وجعل البيت في وصف رجلين، أحدهما ممدوح والآخر مهجوّ، وحرّف في المصراع الثاني ثلاث تحريفات، قال: سراقة أظنه سراقة بن جعشم المدلجيّ من الصحابة، والرشا بكسر الراء: الحبل، وقصره للضرورة، وأنَّثه على معنى الآلة، والمرء: مبتدأ، وذئب خبره، وعند الرشا، متعلق به، لما فيه من معنى التأخر،

стр. 1516

والمعنى: إن يلق إنسان الرشا فهو عند إلقائها، يريد: إن سراقة درس القرآن فتقدم، والمرء متأخر عند اشتغاله بما لا يهم، كمن امتهن نفسه في السقي وإلقاء الأرشية في الآبار. هذا كلامه، والتحريف الأول: الرشا جعله بالكسر، وتكلف له تكلفين، والثاني: في (إن يلقها) جعله من الإلقاء، والثالث: ذنب، جعله بالذال والنون. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والستون بعد الثلاثمائة: (٣٦٢) أحجَّاج لا تعطي العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها على أن اللام زيدت شذوذًا مع أحد المفعولين المتأخرين عن الفعل المتعدي، والبيت لليلى الأخيلية وقد رواها الجاحظ في كتاب (المحاسن والمساوئ) والمرزباني في كتاب (أشعار النساء" والقالي في (أماليه) والحصري في (زهر الآداب) وغيرهم، والجميع متفقون على روايته كذا: ولا الله لا يعطي العصاة مناها ولم أر رواية المصنف لأحد من الرواة، ولا من استشهد به من النحويين كما استشهد به المصنف. وأتم من روى هذه الأبيات القالي، ولهذا اخترنا روايته، قال: حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: حدثني أبي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد عن أبي الحسن المدائني عمن حدثه، عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاص قال: كنت أدخل مع عنبسة على الحجاج إذا دخل، فلما رآها طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض، فجاءت حتى قعدت بين يديه، فإذا امرأة قد أسنت، حسنة الخلق، ومعها جاريتان لها، وإذا هي ليلى الأخيلية، فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له، فقال لها: يا ليلى ما رماني بك؟ ! فقالت: إخلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكلب البرد، وشدَّة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرفد. فقال لها: صفي الفجاج، فقالت: الفجاج مغبرَّة، والأرض مقشعرة، والمبرك معتل، وذو العيال مختل،

стр. 1517

والهالك للقلّ، والناس مسنتون، ورحمة الله يرجون، وأصابتنا سنون مجحفة مبطلة، لم تدع لنا هبعًا ولا ربعًا، ولا عافطة ولا نافطة، أذهبت الأموال، ومزقت الرجال، وأهلكت العيال. ثمَّ قالت: إني قد قلت في الأمير قولاً، قال: هاتي، فأنشأت تقول: أحجّاج لا يفلل سلاحك إنما المنايا بكفَّ الله حيث تراها أحجّاج لا تعطي العصاة مناهم ... ولا الله لا يعطي العصاة مناها إذا هبط الحجّاج أرضًا مريضةً ... تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الدَّاء العضال الذي بها ... علام إذا هزَّ القناة سقاها سقاها فروَّاها بشربٍ سجاله ... دماء رجال حيث نال حشاها إذا سمع الحجّاج صوت كتيبةٍ ... أعدَّ لها قبل النُّزول قراها أعدَّ لها مسمومةً فارسيَّةً ... بأيدي رجال يحلبون صراها فما ولد الأبكار والعون مثله ... ببحرٍ ولا أرضٍ يجفُّ ثراها قال: فلما قالت هذا البيت قال الحجّاج: قاتلها الله ما أصاب صفتي شاعر مذ دخلت العراق غيرها! ثمَّ التفت إلى عنبسة فقال: والله إني لأعدّ للأمر عسى أن لا يكون أبدًا، ثمَّ التفت إليها فقال: حسبك، ثمَّ قال: يا غلام اذهب إلى فلان فقل له: اقطع لسانها، فذهب بها فقال: يقول لك الأمير اقطع لسانها، فأمر بإحضار الحجّام، فالتفتت إليه فقالت: ثكلتك أمّك، إنما أمرك أن تقطع لساني بالصِّلة، فبعث إليه يستثنيه، فاستشاط الحجّاج غضبًا، وهمَّ بقطع لسانه، وقال: ارددها، فلما دخلت عليه قالت: كاد والله يقطع مقولي. ثمَّ أنشأت تقول: حجّاج أنت الذي ما فوقه أحد ... إلا الخليفة والمستغفر الصَّمد حجّاج أنت شهاب الحرب إن لفحت ... وأنت للناس نور في الدُّجى تقد ثم أقبل الحجّاج على جلسائه، فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله، إلاَّ أنّا لم نر قط أفصح لسانًا، ولا أحسن محاورةً، ولا أملح وجهًا، ولا أرصن

стр. 1518

شعرًا منها! قال: هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها، قم التفت إليها وقال: أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة، فقالت: نعم أيها الأمير: وهل تبكتن ليلى إذا متُّ قبلها ... وقام على قبري النساء النوائح كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها ... وجاد لها دمع من العين سافح وأغبط من ليلى بما لا أناله ... بلى كلُّ ما قرَّت به العين صالح فقال لها: زيدينا من شعره، فقالت هو الذي يقول: حمامة بطن الواديين ترنَّمي ... سقاك من الغرِّ الغوادي مطيرها أبيني لنا لا زال ريشط ناعمًا ... ولا زلت في خضراء غضٍ نضيرها وأشرف بالقور البقاع لعلَّني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... لقد رابني منها الغداة سفورها يقول رجال لا يضرُّك نأيها ... بلى كل ما شفتَّ النفوس يضيرها بلى قد يضرُّ العين أن تكثر البكا ... ويمنع منها نومها وسرورها وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها فقال لها الحجاج: يا ليلى ما الذي رابه من سفورك؟ قالت: أيها الأمير إنه كان يلمّ بي كثيرًا، فأرسل إليَّ يومًا إني آتيك، وفطن الحي فأرصدوا له، فلما أتاني سفرت، فعلم أن ذلك لشرّ، فلم يزد على التسليم والرجوع، فقال: لله درك! فهل رأيت منه شيئًا تكرهينه؟ قالت: لا والذي أسأله أن يصلحك، إلا أنه قال مرة قولاً ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر، فأنشأت أقول: وذي حاجةٍ له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل فلا والله ما رأيت منه شيئًا، حتى فرَّق الموت بيني وبينه (قال ثم مه! قالت: )

стр. 1519

ثمَّ لم ألبث أن خرج في غزاةٍ له، فأوصى ابن عمه إذا أتيت الحاضرين من بني عبادة فناد بأعلى صوتك: عفا الله عنك هل أبيتنَّ ليلةً ... من الدَّهر لا يسري إليَّ خيالها وأنا أقول: وعنه عفا ربّي وأحسن حاله ... فعزَّ علينا حاجة لا ينالها [قال ثم مه! قالت: ] ثم لم يلبث أن مات فأنا أبكيه، قال: أنشديني بعض مراثيك فيه، فأنشدته: لتبك العذارى من خفاجة نسوة ... بماء شؤون العبرة المتحدر فلما فرغت من القصيدة قال محصن الفقعسي، وكان من جلساء الحجاج: من الذي تقول هذه هذا فيه؟ ! فو الله إني لأظنها كاذبة، فنظرت إليه ثمَّ قالت: أيها الأمير إن هذا القائل لو رأى توبة لسرَّه أن لا تكون في داره عذراء إلاَّ وهي حامل منه، قال الحجّاج: هذا وأبيك الجواب، وقد كنت عنه غنيًا! ثمَّ قال لها: سلي يا ليلى تعطي، قالت: أعط فمثلك أعطى وأحسن، قال: لك عشرون، قالت: زد فمثلك زاد فأجمل، قال: لك أربعون، قالت: زد فمثلك زاد فأفضل، قال: ستون، قالت: زد فمثلك زاد فأكمل، قال: لك ثمانون، قالت: زد فمثلك زاد فتمم، قال: لك مائة واعلمي أنها غنم، قالت: معاذ الله أيها الأمير! أنت أجود جودًا، وأورى زندًا من أن تجعلها غنمًا! قال: فما هي ويحك؟ ! قالت: مائة من الإبل برعاتها، فأمر لها بها، ثمَّ قال لها: ألك حاجة؟ قالت: تدفع إليَّ النابغة الجعدي، قال: قد فعلت، وكانت تهجوه ويهجوها، فبلغ النابغة ذلك، فخرج هاربًا عائذًا بعبد الملك، فأتبعته إلى الشام، فخرج إلى قتيبة بن مسلم بخراسان، فخرجت على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة، فماتت بقومس، ويقال بحلوان.

стр. 1520

قال أبو علي: قولها: إخلاف النجوم، تريد: أخلفت النجوم التي يكون بها المطر، فلم تأت بمطر، وكلب البرد: شدته، والرفد: المعونة، والفج: كل سعة بين نشازين. وقولها: المبرك معتلّ، أرادت الإبل، فأقامت المبرك مقامها لعلم المخاطب، والمختل: المحتاج، والخلَّة: الحاجة، وقولها: والهالك للقلّ، أي: من أجل القلَّة. ومسنتون: مقحطون، والسنة: القحط. وقولها: مبلطة أي: ملزقة بالبلاط، وهي الأرض الملساء، والهبع: ما نتج في الصيف، والربع: ما نتج في الربيع، والعافطة: الضائنة والعفط: الضَّرط، والنَّافطة: الماعزة، والنفط: العطاس، يقال: نفطت تنفط: إذا عطست. إلى هنا كلام القالي. قال ابن قتيبة في كتاب (الشعراء): ليلى الأخيلية: هي بنت عبد الله بن الرحّالة ابن كعب بن معاوية، ومعاوية: هو الأخيل بن عبادة. وهي من أشعر النساء، لا يقدم عليها غير الخنساء، وكانت تهاجي النابغة الجعدي، ودخلت على عبد الملك وقد أسنت، فقال لها: ما رأي توبة فيك حين عشقك؟ قالت: ما أرى الناس فيك حين جعلوك خليفة؟ فضحك حتى بدت له سنّ سوداء كان يخفيها. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والستون بعد الثلاثمائة: (٣٦٣) كأنَّ قلوب الطَّير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العنَّاب والحشف البالي على أن قوله: رطبًا حال، وعاملها حرف التشبيه لما فيه من معنى الفعل. وقد أطنب المصنف في هذه المسألة، وأوردها في الباب الثالث.

стр. 1521

والبيت من قصيدة طويلة لامرئ القيس، تقدَّم شرح أولها في بحث (قد) وبعضها في بحث (ربَّ) وبعضها في بحث (الباء) وقبله: فعادى عداءً بين ثورٍ ونعجةٍ ... وكان عداء الوحش مني على بال كأني بفتخاء الجناحين لقوةٍ ... صيود من العقبان طأطأت شيمالي تخطَّف خزَّان الشَّربة بالضُّحى ... وقد جحرت منها ثعالب أورال كأنَّ قلوب الصَّير ... البيت قوله: فعادى عداءً .. الخ. وصف فرسه بأنه صاد عليها ثورًا ونعجة في طلق واحد، وقوله: كأني بفتخاء الجناحين، الفتحاء بالخاء المعجمة: العقاب الليِّنة الجناح، واللِّقوة، بكسر اللام وسكون القاف، والعقاب الأنثى، والخفيفة السريعة، وطأطأت: حركت، والجملة خبر كأني، والباء متعلقة به، وشيمالي: أصله شمالي، أراد يده الشمال خلاف اليمين، فتولدت الياء من كثرة الشين، قال ابن قتيبة في كتاب (أبيات المعاني) يقول: كأني بمطأطأتي هذه الفرس طأطأت فتخاء، وهي العقاب، سميت بذلك لفتخٍ في جناحها، والفتخ: اللين إذا انقضّت، وشيمال وشملال: خفيفة. وقال أبو عبيدة: أراد شمالي فزاد ياء، كما قالوا من يانع الثيمار، أراد: الثمار، ويقال: فلان يطأطئ في ماله، أي: يسرع. انتهى. ورواه الصاغاني في (العباب) طأطأت شملالي وقال: قال أبو عمرو: أراد بقوله: شملالي، يده الشمال، قال: والشملال والشمال سواء، وقال أبو عبيدة: من روى شيمالي بزيادة الياء بين الشين والميم، أراد الشمال فزاد ياء. انتهى. وقال أيضًا: طأطأ الفارس فرسه: غذا ركضه بفخديه، ثمَّ حركه للحضر وشمالي: مفعول طأطأت، وخصّ الشمال لأنها تمسك العنان، يقول: لما حركت شمالي بعنان هذه الفرس لتسرع، فكانت كأنها عقاب انقضَّت على الصيد، وقوله: تخطف، أصله تتخطف، فحذفت التاء، والفاعل ضمير الفتخاء، وخزَّان مفعوله، وهو بكسر

стр. 1522

الخاء وتشديد الزاء المعجمتين، جمع خزر، بضم أوله وفتح ثانيه، وهو ذكر الأرانب. والشربة، بفتح الشين والموحدة المشددة: موضع، وجحرت: دخلت جحرها بضم الجيم، وهو الموضع الذي يحتفره السباع والهوام لأنفسها مأوى لها، وأورال، بفتح الألف: موضع، يريد أن ثعالب هذا الموضع توارت في جحرتها، فلا ترعى خوفًا من هذه العقاب. وقوله: كأنَّ قلوب الطير .. الخ، وصفها بكثرة صيدها للطيور تأخذ قلوبها لتغذي به فراخها، واليابس منها هو الفاضل من الغذاء. قال ابن قتيبة: والقلوب أطيب ما في الطير، فهي تأتي به فراخها. انتهى. وقال غيره: إنَّ العقاب تأكل الطيور إلاَّ قلوبها. وأنشد هذا البيت، وقول صخر الغي الهذلي: ولله فتخاء الجناحين لقوة ... توسد فرخيها لحوم الأرانب كأنَّ قلوب الطَّير في جوف وكرها ... نوى القسب ملقى عند بعض المآدب جمع مآدبة، وهي الدعوة التي يتخذها الإنسان لأصحابه، فيكون المراد بالرطب واليابس: الجديد والقديم، والوكر بالفتح: عشُّ الطائر أين كان في جبل أو شجر، والعنّاب: ثمر معروف، والحشف بفتح الحاء المهملة، والشين المعجمة: أردأ التمر، وهو الذي يجف من غير نضج ول إدراك، فلا يكون له لحم، الواحدة حشفة، شبه القلب الرطب بالعناب في الحمرة، واليابس منه بالحشف البالي في اليبوسة والسواد. قال المبرد: هذا البيت بإجماع الرواة أحسن ما جاء في تشبيه شيئين مختلفين في حالين مختلفين. انتهى. وهو من شواهد علماء البيان للتشبيه الملفوف، وهو أن يؤتى بالمشبهات أولاً بعطف أو غيره، ثمَّ بالمشبه بها كذلك، وقد ضمّن ابن نباتة المصري المصراع الثاني، وقد دنا من امرأة مخضوبة البنان، فلم ينعظ ذكره، فقال:

стр. 1523

دنوت إليها وهو كالفرخ مطرق ... فوا خجلي لمَّا دنوت وإذلالي فقلت امعكيه بالأنامل فالتقى ... لدي وكر هالعنَّاب والحشف البالي وترجمة امرئ القيس تقدَّمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والستون بعد الثلاثمائة: (٣٦٤) فخير نحن عند البأس منكم ... إذا الدّاعي المثوّب قال يالا عي أنَّ الكوفيين قالو في يا لزيد: أصله: يا آل زيد، فحذفت همزة آل للتخفبف، إحدي الألفين لإلتقاء الساكنين، واستدلوا بهذا البيت وقالوا: لو كانت اللاَّم جارَّة ما جاز الاقتصار عليها. قال الرضي: حكى الفراء عن بعضهم أنَّ أصل يا لزيد: يا آل يزيد، فخفف، وهو ضعيف، لأنه يقال ذلك فيما لا آل له، نحو: يا للد واهي ويا لله، ونحوهما. انتهى وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": ذكر المصنف الحلاف عن الكوفيين، وقال ابن عصفور: وحكى الفراء أن من الناس من زعم أنَّ اللام في: يا لزيد، ليست لام جر، بل بقية من آل، فظاهر حكاية الفراء أنه ليس مذهب الكوفيين. ويظهر أنه لم يقل بذلك وهو من روؤس الكوفيين، فكيف ينسب هذا المذهب للكوفيين؟ ومما يدل على بطلان هذا المذهب أنَّ العرب تقول: يالك، فلو كان أصله: يا آلك، لم يجز، لأنه لا يجوز: يا غلامك. انتهى. وأجاب ابن مالك عن البيت بأنَّ أصله: يا قوم لا فرار ولا نفر. وقال أبو زيد في "نوادره": أراد يا لبي فلان، يريد حكاية الصارخ المستغيث. انتهى. وهذا مذهب أبي علي وأتباعه، خلطت لام الاستغاثة ب "يا" وجعلتا كالكلمة الواحدة وحكيتا، وصار المجموع شعارًا للاستغاثة، قال ابن جي في "الحصائص": فإن قلت: كيف جاز تعليق حرف الجر؟ قلت: لما خلط ب "لا" صار كالجزء منها، ولذلك شبه أبو علي ألفه التي قبل اللام باب ودار، فحكم عليها بالانقلاب،

стр. 1524

وحسن الحال شيء آخر، وهو تشبث اللام الجارة بألف الإطلاق، فصارت كأنها معاقبة للمجرور، ألا ترى أنك لو أظهرت ذلك المضاف إليه وقلت: يا لبي فلان؛ لم يجز إلحاق الألف هنا في منابها عما كان ينبغي أن يكون بمكانها مجرى ألف الإطلاق في منابها عن تاء التأنيث في نحو قوله: ولاعب بالعشيَّ بي بنيه ... كفعل الهرَّ يحترش العظايا وقال في موضع آخر من "الحصائص": وسألني أبو علي عن ألف "يا" من قوله: "يالا" في هذا البيت فقال: أمنقلبة هي؟ قلت: لا؛ لأنها في حرف، فقال: بل هي منقلبة، فاستدللته علي ذلك، فاعتصم بأنها قد خلطت باللام بعدها، ووقف عليها فصارت اللام كأنها جزء منها، فصارت "يال" بمنزلة "قال" والألف في موضع العين وهي مجهولة، فينبغي أن نحكم بالانقلاب عن الواو، وهذا أجمل ما قاله، ولله هو، وعليه رحمته، فما كان أقوى قياسه، وأشد بهذا العلم اللطيف الشريف أنسه، وكأنه إنما كان مخلوقًا له، وكيف لا يكون كذلك وقد أقام عليهذه الطريقة مع جلة أصحابه وأعيان شيوخها سبعين سنة؟ ! زائحة علله، ساقطة كلفه، لا يعتاقه عنه ولد، ولا يعارضه فيه متجر، ولا يسوم به مطلبًا، ولا يخدم به رئيسًا إلاَّ بأخره، وقد حطَّ من أثقاله، وألقى عصا ترحاله، ثمَّ إني لا أقول إلاَّ حقًا: إني لأعجب من نفسي في وقي هذا كيف تطوع لي بمسألة، أم كيف تطمح بي إلي انتزاع علة، مع ما الحال عليه من علق الوقت وأشجانه! ولولا مساورة الفكر واكتداده لكنت علي هذا الشأن بمعزل، وبأمر سواه على شغل. انتهى كلامه. والبيت أورده أبو زيد في "النوادر" لزهير بن مسعود الضبي مع بيت بعده، وهو: ولم تشق الغواتق من غيور ... بغيرته وخليَّن الحجالا وقال: العواتق: التي لم تتزوَّج، يعي في الفزع والغارة، وتخرج من الحجال

стр. 1525

لذلك، فلا يثقن بأن يمنعهن الأزواج والآباء والإخوة، فنحن عندهن أوثق منهم. والمثوب: الذي يدعو الناس يستنصرهم، ومنه التثويب في الآذان. انتهى. وقال أبو علي في "التذكرة القصرية": سألت عن هذا البيت ابن الخياط والمعمري، فلم يجيبا إلاَّ بعد مدة، قالا: لا يخلو من أن يكون "نحن" ارتفع بخير أو بالابتداء، ويكون "خير" الخبر، أو يكون توكيدًا للضمير الذي في "خير" والمبتدأ محذوف، أي: نحن خير، لا جائز أن يرفع بخير؛ لأنَّ خيرًا لا يرفع المظهر البتة، ولا مبتدأ، للزوم الفصل بالأجنبي بين أفعل وبين من، وهو غير جائز، فثبت أن نحن تأكيد للضمير في خير. وقال في "البغداديات": فإن قال قائل: أيجوز أن يكون "فخير" خبرًا مقدمًا لما بعده، وهو "نحن" ويكون"منكم" غير صلة، ولكنها ظرف كقوله: ولست بالأكثر منهم حصًا وتقديره: ولست بالأكثر فيهم، لا على حد: هو أفضل من زيد، ألا ترى أنَّ الألف واللام تعاقب "من" هنا؟ فالجواب: إنه بعيد، وليس المعى عليه، إنما يريد: نحن خير منكم، وإنَّ الفزع إلينا، والاستغاثة بنا، نسد ما لا تسدون، ونمنع من الثغور ما لا تمنعون، ألا ترى أنَّ بعد هذا البيت: ولم تثق العواتق من غيور .. البيت وقوله: عند البأس، العامل فيه خير، ولا يجوز أن يكون متعلقًا بالمبتدأ المحذوف على أن يكون التقدير: فنحن خير عند الناس منكم، يريد: نحن عند البأس خير منكم، لأنك أن نزلته هذا التنزيل، فصلت بين الصلة والموصول بما هو أجنبي منهما، ومتعلق بغيرهما، وأذا قدرت اتصاله بخبر، لم يكن فصل، كما لم يكن فصل بينهما من قولك: أحب إلى الله، ، فيها الصوم. انتهى كلامه. وقد تكلم عليه

стр. 1526

في سائر كتبه، ونقلنا كلامه في شرح الشاهد الرابع والثمانين من شواهد الرضي. والبأس بالموحدة: أراد به الحرب والشدة، والداعي: من دعوت زيدًا: إذا ناديته وطلبت إقباله، والأصل في المثوب أن المستغيث إذا كان بعيدًا، يتعرى ويلوح بثوبه رافعًا صوته ليرى، فيغاث. ووثق منه وبه: اطمأنَّ إليه وقوي قلبه. وجملة "لم تثق": معطوفة على مدخول إذا، وكذلك جملة "خلين الحجالا". والعواتق: جمع عاتق، وهي التي خرجت عن خدمة أبويها، وعن أن يملكها الزوج، والغيور: من غار الرجل علي حريمه يغار، من باب تعب، غيرة بالفتح، فهو غيور وغيران. وخلين: تركن، وصحفه أبو حيان بالحاء المهنلة وبالبناء للمجهول، على أنه من التحلية، وهو التزيين، والحجال: جمع حجلة، بفتح الحاء المهملة والجيم، وهو بيت كالقبَّة يسر بالثياب، ويكون له أزرار كبار، كذا في "النهاية" وفي "القانوس" أنه للعروس، وأخطأ العيي في زعمه جمع حجل، بكسر فسكون، بمعني الخلخال. وزهير بن مسعود الضبي: شاعر جاهلي. ونقلهما السيوطي أيضًا من "نوادر أبي زيد" وزاد أولهما بيتًا آخر لم أره في "الموادر" وعندي منها ثلاث نسخ صحاح لم أره فيها، وهو: ومن يك باديًا ويكن أخاه ... أبا الضَّحَّاك ينتسج الشَّمالا والله أعلم بحقيقة الحال. وأنشد بعده: فيا شوق ما أبقى ويالي من النَّوى ... ويادمع ما أجرى ويا قلب ماأصبى وتقدَّم الكلام عليه في الإنشاد الأربعين بعد الثلاثمائة. وأنشد بعده: ولقد جنيتك أكمؤًا وعسقالًا

стр. 1527

وتمامه: ولقد نهيتك عن بنات الأوبر وتقدَّم شرحه في الإنشاد السبعين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والستون بعد الثلاثمائة: (٣٦٥) فتولّى غلامهم ثمَّ نادى ... أظليمًا أصيدكم أم حمارا على أنَّ أصله: أصيد لكم، فحذفت اللام، واتصل الضمير بالفعل، فصار منصوبًا بعد أن كان مجرورًا. قال الأزهري في "التهذيب": صاد الصيد يصيده صيدًا: إذا أخذه، وصدت فلانًا صيدًا إذا صدته له، كقولك: بغيته حاجة، أي: بغيتها له. انتهى. وقال الليث: الحمار: العير الأهلي والوحشي، والظليم: الذكر من النعام، وقالت الليث أيضًا: والغلام: الطارّ الشارب، وجاء في الشعر: غلامة، للجارية، قال: يهان لها الغلامة والغلام وقد سمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكرًا: غلام، وسمعتهم يقولون للكهل: غلام نجيب، وكل ذلك فاش في كلامهم. انتهي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والستون بعد الثلاثمائة: (٣٦٦) إذا قالت حذام فأنصتوها تمامه: فإنَّ القول ما قالت حذام

стр. 1528

على أن أصله فأنصتوا لها، فحذفت اللام، فاتصل الفعل بالضمير، وكذا أنشده الفراء قبيل تفسير سورة النحل من كتاب "المعاني" قال إن العرب تقول: إني لآمرك وآمر بك، وأكفرك وأكفر بك، في معنى واحد، ومثله كثيير، منه قولهم، إذا قالت حذام فأنصتوها .. البيت يريد: أنصتوا لها، وقال الله، وهو أصدق قيل: ﴿ألا إنَّ ثمود كفروا ربَّهم﴾] هود/٦٨ [هي في موضع آخر: (يكفرون بالله) و (كفروا بالله) انتهى كلامه ورواه المبرد في "الكامل" وأصحاب كتب الأمثال والأوائل: "فصدِّقوها" فلا حذف فيه، قال أبو طالب المفضل بن سلمة الضبي في كتاب "الفاخر": قولهم: "لو ترك القطا ليلًا لنام": أول من قاله حذان ابنة الديان، وذلك أنَّ عاطس بن خلاَّج بن سهم بن شمر بن ذي الجناح سار إلي أبيها في حمير وخثعم وهمدان، فلقيهم الدَّيان في أربعة عشر حيًا من أحياء اليمن، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ثمَّ تحاجزوا، وأنَّ الدَّيان خرج تحت ليله وأصحابه هرّابًا، فساروا يومهم وليلتهم، ثمَّ عسكروا، فأصبح عاطس، فغدا لقتالهم، فإذا الأرض منهم بلاقع، فجرَّد خليه في الطلب، فانتهوا ألى عسكر الدَّيان ليلًا، فلما كانوا قريبًا منه أثاروًا القطا، فمرت بأصحاب الديان، فخرجت حذام ابنة الديّان إلى قومها فقالت: ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا ليلًا لناما أي: إن القطا لو نرك ما طار في هذه الساعة، وقد أتاكم القوم، فلم يلتفتوا إلي قولها، وأخلدوا إلى المضاجع لما نالهم من الكلال، فقام ديسم بن طارق فقال بصوت عالي: إذا قالت حذام فصدِّقوها ... فإنَّ القول ما قالت حذام وحكى أبو عبيدةأنه سمع ابن الكلبي يقول: إنَّ هذا البيت للجيم بن صعب

стр. 1529

والد حنيفة، وعجل ابي لجيم، وكانت حذام امرأته، وثار القوم فلجؤوا إلى واد كان منهم قريبًا، واعتصموا به حتى أصبحوا وامتنعوا منهم. انتهى كلامه. وكذا قال إسماعيل بن هبة الله الموصلي الشافعي في كتاب "الأوائل" وكذا في "مجمع الأمثال" للميداني. وقال في باب القاف أيضًا: "القول ما قالت حذام" أي: القول المعتد به ما قالته، وإلاَّ فالصدق والكذب يستويان في أنَّ كلاَّ منهما قول يضرب في التصديق. قال ابن الكلبي: إنَّ المثل للجيم بن صعب، وكانت حذام امرأته، فقال فيها زوجها لجيم: إذا قالت حذام فصدّقوها .. البيت ويروى: "فأنصتوها" أي: أنصتوا لها، كما قال تعالى: ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم﴾] المطففين/٣ [أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم. انتهى. وقال الصاغاني في مادة: "ضرط" من "العباب": زعموا أنه كانت تحت لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل امرأة من عنزة بن أسد بن ربيعة، يقال لها حذام بنت العتيك بن أسلم بن عنزة بن أسد بن ربيعة، فولدت له عجل ابن لجيم، والأوقص بن لجيم، ثمَّ تزوَّج بعد حذام صفية بنت كاهل بن أسد بن خزيمة، فولدت له حنيفة بن لجيم ثمَّ إنه وقع بين امرأتيه تنازع، فقال لجيم إذا قالت حذام فصدِّقوها ... فإنَّ القول ما قالت حذام ويروي: "فأنصتوها": أي: فأنصتوا لها، فذهبت مثلًا. انتهى. وهذه القصة مع أمثالها من أمور الجاهلية، وحذام مبني على الكسر. والبيت الشاهد قيل: إنه لديسم بن طارق، وقيل: للجيم زوج حذام، وكلاهما جاهليان. والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والستون بعد الثلاثمائة: (٣٦٧) لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا

стр. 1530

على أنَّ الجيد أن يقدر قوله: "لها" مؤخرًا عن قوله: "سبلًا" وكان صفة لها، فلما قدم عليها صار حالًا منها، وهذا تخريج ابن الشجري قال في "أماليه": هذا البيت مأخوذ من قول أبي تمام: لو حار مرتاد المنيَّة لم يجد ... إلاَّ الفراق على النُّفوس دليلا والأحباب: جمع حبّ، كعدل وأعدال، ومثله في الوصف نقض وأنقاض، ولا ينبغي أن يكون جمع حبيب، كشريف وأشرف، ويتيم وأيتام لأمرين، أحدهما: أنَّ الأوَّل أقيس وأكثر، والثاني: أنَّ يتيمًا وشريفًا من باب فعيل الذي بمعني فاعل، وحبيبًا من باب فعيل بمعنى مفعول، فأصله محبوب، كما أنَّ قتيلًا أصله مقتول، فقد افترقا، والمصدر الذي هو مفارقة مضاف إلى فاعله، وليس بمضاف إلى مفعوله، كإضافة السؤال في قوله تعالى: ﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك﴾] ص/٢٤ [ولا يحسن أن يقدر: لولا مفارقة المحبين الأحباب، وإن كان ذلك جائزًا من طريق الإعراب، لأنَّ المحب لا يوصف بمفارقة محبوبه، وإيجاد سبيل للمنية إلى روحه، وإنما هو مفارَق، أي: بفتح الراء، لا مفارِق. وقوله: لها، من الحشو الذي لا فائدة فيه، لأنَّ المعنى غير محتاج إليه، فهو من الزيادات الموضوعة لإقامة الوزن. وقد حمل عدم الفائدة به بعض أدباء المغرب على أن جعله جمع لهاة، على حدّ حصاةٍ وحصًا، وأضافه إلى المنايا، ورفعه بإسناد "وجدت" إليه، فاستعار للمنايا لهوات، على معنى أنها كشيءٍ يبتلع الناس، والمراد أفواه المنايا، ولكنه استعمل اللها في موضع الأفواه، لمجاورة اللهاة للفم، وهذا قول محتمل لو كان مرادًا للشاعر، وهو لعمر الله يشبه طريقته في الاستعارات. وإذا لم يكن مرادًا له حملت "لها" على ما تريده العرب مبالغة في التبيين، وإن كان الكلام مستغنيًا عنه كقولك: ما وجدت لي إليك طريقًا، فقولك:

стр. 1531

"لي" زيادة، ومثل قول محمد بن يزيد الأموي: فلا قدرت عليك يد اللَّيالي ... ولا وجدت إليك لها سبيلا وقد جاء في بيت للشمّاخ ما هو أنفر من هذا، وهو قوله: وكنت إذا لاقيتها كان سرُّنا ... لنا بيننا مثل الشِّواء الملهوج المعنى غير مفتقر إلى قوله: لنا بيننا، والملهوج من الشواء: الذي فيه نيوءة، فأما موضع قوله: لها، فإنه وصف في المعنى لسبلًا، فالأصل: سبلًا كائنة لها، فلما قدمه صار حالًا من سبل، ومثله قوله: إلى أرواحنا، الأصل: سبلًا مسلوكة إلى أرواحنا، فلما قدم بطلت الوصفية فيه، وحكم بأنه حال. هذا آخر كلام ابن الشجري. وأشار بترك ذكر تعلق "لها" بوجدت إلى ما يرد عليه من تعدي فعل الظاهر إلى ضميرهالمتصل، كما ذكره المصنف. والبيت من قصيدة للمتني مدح بها سعيد بن عبد الله بن الحسين الكلابي ومطلعها: أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا ... والبين جار على ضعفي وما عدلا وتقدَّم شرحه في الإنشاد التاسع من أوَّل الكتاب مع ترجمته. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والستون بعد الثلاثمائة: (٣٦٨) فلا تستطل منِّي بقائي ومدَّتي ... ولكن يكن للخير منك نصيب على أنَّ اللام الجازمة محذوفة تقديرها: ولكن ليكن وأورده الفراء في "تفسيره"

стр. 1532

عند قوله تعالى: ﴿والَّذين يتوفَّون منكم ويذرون ازواجًا وصيَّة﴾] البقرة/٢٤٠ [قال: "يكن" مجزوم بنية الأمر؛ لأنَّ أوَّل الكلام نهي. وقوله: "ولكن" نسق وليست بجواب، ولكن ليكن للخير فيك نصيب، ومثله قول الآخر: من كان لا يزعم أنّي شاعر ... فيدن مني ننهه المزاجر فجعل الفاء جوابًا للجزاء، فأضمر في "ليدن" لا ما يجزم بها، وقال الآخر: فقلت ادعي وأدع فإنَّ أندى ... لصوتٍ أن ينادي داعيان أراد: ولأدع. وفي قوله: وأدع، طرف من الجزاء، وإن كان أمرًا قد نسق أوله على آخره، وهو مثل قول الله : ﴿اتَّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾] العنكبوت/١٢ [والله اعلم. انتهى. وعدَّ ابن عصفور حذف اللام الجازمة من الضرائر الشعرية، قال: إضمار الجازم وإبقاء عمله أقبح من إضمار الخافض وإبقاء عمله، لأنَّ عوامل الأفعال أضعف من عوامل الأسماء، فمما جاء من ذلك قوله: محمَّد تفد نفسك كل نفسٍ .. البيت وقوله: قلت لبوَّابٍ لديه دارها .. البيت يريد: لتيذن. وقوله: أنشده الفراء: من كان لا يزعم أني شاعر .. البيت يريد: فليدن. وقوله:

стр. 1533

على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي ... البيت يريد: أو لبيك. وقوله: فقلت ادعي وأدع فإنَّ أندي .. البيت يريد: ولأدع، فحلف الجازم في جميع ذلك، وهو الأمر للضرورة، انتهى. خاطب الشاعر ابنه بهذا البيت لما سمع أنه يتمني موته، ولم أقف على قائلة، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والستون بعد الثلاثمائة: (٣٦٩) محمَّد تفد نفسك كلُّ نفس ... إذا ما خفت من شيءٍ تبالا على أنَّ لام الأمر محذوفة منه، والأصل لتفد، قال سيبويه: واعلم أنَّ هذه اللام قد يجوز حذفها في الشعر، وتعمل مضره، كأنهم شبهوها ب"أن" إذا أعملوها مضمرة، وقد قال الشاعر: محمد تفد نفسك .. البيت. وإنما أراد لتفد، وقال متمم بن نويرة: على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي .. البيت أراد: ليبك. انتهى. قال الأعلم: هذا من أقبح الضرورات؛ لأنَّ الجازم أضعف من الجار، وحرف الجر لا يضمر، وقد قيل: إنه مرفوع حذفت لامه ضرورة، واكتفى بالكسرة منها، وهذا أسهل في الضرورة وأقرب. وقال النحاس: سمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد ينشد هذا البيت ويلحّن قائله، وقال: أنشده الكوفيون، ولا يعرف قائله ولا يحتج به، ولا يجوز مثله في شعر ولا غيره؛ لأنَّ الجازم لا يضمر، ولو جاز هذا لجاز يقم زيد، بمعنى: ليقم،

стр. 1534

وحروف الجزم لا تضمر، فبعد أن حكى لنا أبو الحسن هذه الحكاية وجدت هذا البيت في كتاب سيبويه يقول فيه، وحدثني أبو الخطاب أنه سمع هذا البيت ممن قاله. قال أبو إسحاق الزجاج احتجاجًا لسيبويه: في هذا البيت حذف اللام، وإنما سماه إضمارًا لأنه بمنزلته، وأما قوله: "أو يبك من بكى" فهذا البيت لفصيح وليس هذا مثل الأول وإن كان سيبويه قد جمع بينهما، وذلك أنَّ المعطوف يعطف على اللفظ وعلى المعنى، فعطف الشاعر على المعنى؛ لأنَّ الأصل في الأمر أن يكون باللام، فحذفت تخفيفًا، والأصل: فلتخمشي، ويبك، فيكون الثاني معطوفًا على معنى الأوَّل. انتهى كلامه. وقال ابن الشجري في "أماليه" وقال بعضهم: هو خبر يراد به الدعاء، وأصله: تفدي، فاحتاج إلى حذف، وإن كان المراد به الخبر، كما حذفت في التنزيل من (نبغي) في قوله تعالى: ﴿فذلك ما كنَّا نبغ﴾] الكهف/٦٤ [، والتَّبال: الإهلاك، تبلهم الدهر: أفناهم. انتهى. ومحمد: منادى بتقدير "يا" مبني على الضم، والتَّبال، يفتح المثناة الفوقية بعدها موحدة: سوء العاقبة، قاله الأعلم. والبيت من الأبيات الخمسين التي لم يعرف قائلها، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السبعون بعد الثلاثمائة: (٣٧٠) دوامي الأيد يخبطن السَّريحا على أنَّ أصله: دوامي الأيدي، فحذفت الياء لضرورة الشعر، وأكتفى بالكسرة الدالة عليها. وأورده سيبويه في أول الكتاب في باب ما يحتمل الشعر، قال: اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف، يشبهونه بما ينصرف، وحذف ما لا يحذف، يشبهونه بما قد حذف واستعمل محذوفًا، كما قال:

стр. 1535

وطرت بمنصلي في يعملات ... دوامي الأيد يحبطن السَّريحا قال ابن خلف: الشاهد أنه حذف الياء من الأيدي، وهي جمع يد، واكتفىبالكسرة، كأنه أدخل الألف واللام على محذوفه. انتهى. وقال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومن الناس من أنكر على سيبويه وغيره من النحويين جعلهم حذف الياء من الأيدي وأمثاله من ضرورة الشعر، واستدلَّ على ذلك بأنه قد جاء في القرآن حذف الياء في غير رؤوس الآي، وقرأ به عدَّة من القراء، كقوله : ﴿ومن يهد الله فهو المهتد﴾] الإسراء/٩٧ [في آي غيرها، وهذا لا يلزم النحويين؛ لأنهم أرادوا من لغته إثبات الياء في الأيدي، وأمثاله قد يحذفها في الضرورة. انتهي. وروي: خفاف الوطء يحبطن السَّريحا فلا حذف فيه، وهو من أبيات لمضرّس بن ربعي الأسدي، وهي: وضيف جاءنا واللَّيل داجٍ ... وريح القرِّ تحفز منه روحا فطرت بمنصلي في يعملات ... خفاف الوطء يحبطن السَّريحا فعضَّ بساق دوسرة عليها ... عتيق النَّيِّ لم تحضر لقوحا وقلت لحاطبي لا تحبسنِّي ... بنزع أصوله واجدزَّ شيحا فلمّا أن تعجَّلنا شواء ... قليل النضج لكن قد أليحا خلطت لهم مدامة أذرعات ... بماء سحابة خضلًا تضوحا وفتيان شويت لهم شواءً ... سريع الشَّي كنت به نجيحا قوله: وضيف .. الخ، الواو نائبة عن ربَّ، وجملة "جاءنا" صفة لضيف، وجملة "والليل داج"، أي: مظلم، حال، وجملة، وريح القرِّ: معطوفة على الجملة الحالية، والقرّ: البرد، وتحفز بالحاء المهملة والفاء والزاء المعجمة، أي:

стр. 1536

تدفع. كأنَّ هذا الضيف لما قاسى من شدة البرد، ضعفت روحه، فصارت ريح القرِّ تدفع روحه من جثته لتخرجها منه. وقوله: فطرت .. الخ، هذه الجملة المعطوفة على جواب ربّ المحذوف، أي: تلقيته بإكرام فطرت، والمنصل، بضم الميم والصاد: السيف، واليعملة، بفتح أوله وثانيه: الناقة القوية على العمل، وخفاف: جمع خفيفة، وروي: "دوامي الأيدي" دميت أيديها من شدة السير، ووطئها على الحجارة، ويخبطن السريحا، أي: يطأن بأخفافهن الأرض، وفي الأخفاف السريح، وهي خرق تلفّ بها أيدي الإبل إذا دميت وأصابها وجع، واحدتها سريحة. وقوله: بمنصلي، في موضع الحال من التاء، أي: أسرعت ومعي سيفي، وأقبلت على اليعملات فعرقبت ناقة منها، وأطعمت لحمها لضيفي، يريد أنه نحر لضيفه راحلة من رواحله وهو مسافر مع احتياجه إليهن. وقوله: فعض، فاعله ضنير المنصل، والدوسرة: الناقة الضخمة، والجمل دوسر، وجملة "عليها عتيق النيّ" صفة لدوسرة، والنيُّ، بفتخ النون: الشحم، والعتيق: القديم، يريد أنها كانت سمينة، وفاعل تحضر ضمير الدوسر، ولقوحا: حال، وهي الحلوب، أي: لم تكن قريبة العهد بالنتاج فتجون ضعيفة. وقوله: بنزع أصوله، الباء سببية، والضنير راجع إلى الحطب المفهون من حاطبي، واجذر: افتعل من الجز، وهو القطع، وأصله في الصوف، يقول: لا تقلع أصول الحطب وعروقه، واجتف بقطع الشيح، فهو أسهل وأسرع. وروى علماء التصريف هذا البيت كذا: فقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجدزَّ شيحا وبسطنا الكلام عليه في شرح الشاهد الثالث والثلاثين بعد المائتين من شواهد "شرح الشافية" للرضى. وقوله: لقد أليحا، مجهول ألحت الشيء بالنار، أي: أحميته، ويقال أيضًا: لوّحته، والمدامة: الخمر، وأجودها عندهم خمر أذرعات، وهي من قرى الشام،

стр. 1537

والخضل: الشيء الرطب، وأراد مزجها بالماء، والنضح: الشرب دون الريّ، وضمير كنت به للشيء، ويجوز أن يريد: كنت بعملي، لأنَّ الذي ذكره عمل، والنجيح: المنجح. ومضرس بن ربعي: شاعر جاهلي، وهو بزنة اسم فاعل من التضريس، وربعيّ، بكسر الراء وسكون الموحدة وتشديد الياء، وهو فقعسي نسبة إلى فقعس، وهو أبو قبيلة من أسد بن خزيمة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والسبعون بعد الثلاثمائة: (٣٧١) على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي ... لك الويل حرَّ الوجه أو يبك من بكى على أنَّ اللام الجازمة محذوفة تقديرها: أو لبيك من بكى. وتقدَّم نقل كلام سيبويه، وتوجيه الزجَّاج في شرح قوله: محمّد تفد نفسك كلُّ نفس وأوردهما أيضًا سيبويه في باب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها" قال: واعلم أنَّ هذه اللام قد يجوز حذفها في الشعر، وتعمل مضمرة كأنهم شبهوها بأن إذا أعملوها مضمرة، وقد قال الشاعر: محمد تفد نفسك .. البيت، وإنما أراد: لتفد، وقال متمم بن نويرة: على مثل أصحاب البعوضة .. البيت أراد: لبيك انتهي كلامه. وكذا قال ابن السراج في "الأصول" وزاد قوله: ولا يجوز أن تضمر "لم" ولا "لا" في ضرورة شاعر، ولو أضمرت لالتبس التفي بالإيجاب، وقال أيضًا بعد هذا في وضع آخر: والنحويون يجيزون إضمار هذه اللام للشاعر إذا اضطر، وينشدون لمتمم بن نويرة: على مثل أصحاب البعوضة .. وقول الآخر: محمد تفد نفسك .. البيتين. قال أبو العباس: ولا أدري ذا على ما قالوا؛ لأنَّ عوامل الأفعال لا تضمر وأضعفها الجازمة، ولكن بيت متمم يحمل على المعنى إذا قال: فاخشعي، فهو في

стр. 1538

موضع: فلتخمشي، فعطف الثاني على المعنى، وأما البيت الآخر فليس بمعروف، علي أنه في كتال سيبويه على ما ذكرت لك. انتهى كلامه. ويرده رواية: "ولبيك من بكى" نقلها أبو عبيدة في "مقاتل الفرسان". قال أبو عبيد البكري: البعوضة على لفظ التي ضرب الله تعالىبها المثل، وهي ماءة في حمى فيد، بينها وبين فيد ستة عشر ميلًا، وقال أبو حاتم عن الأصمعي: البعوضة: رملة في أرض طي. وهذان القولان متقاربان، لأنَّ فيدًا شرقي سلمى أحد جبلي طي، قال متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكًا: على مثل أصحاب البعوضة .. البيت، ومالك إنما قتل يوم بطاح، فدلَّ قوله أنَّ البعوضة قبل بطاح. انتهى. وقال في بطاح: هو بضم الموحدة، وبالطاء والحاء المهملتين، ويقال بكسر أوله أيضًا، وهي أرض في بلاد بني تميم، وهناك قتل خالد بن الوليد أهل الردة من بني تميم وبني أسد، وهناك قتل مالك بن نويرة اليربوعي. انتهى. وقال ياقوت في "معجم البلدان" البعوضة: ماءة لبني أسد بنجد قريبة القعر. انتهى، وكذا قال الصاغاني في "العباب" وأنشد هذا البيت، وقال الأعلم: البعوضة هنا: موضع بعينه، قتل فيه رجال من قومه، فحض على البكاء عليهم، ومعنى اخمشي: اخدشي. انتهى. ومتمم بن نويرة من الصحابة، ﵃. وتقدمت ترجمته وسبب قتل أخيه مالك في الإنشاد الواحد والخمسين في بحث "أم". وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والسبعون بعد الثلاثمائة: (٣٧٢) قلت لبوّاب لديه دارهما ... تئذن فإنِّي حمؤها وجارها على أنه أراد: لتأذن، فحذف اللام الجازمة، وكسر حرف المضارعة، وهو مضارع أذن له إذنًا، كعلم يعلم علمًا: إذا أطلق له فعله. وأنشده الجوهري في مادة "حمي يحمى" قال: وكل شيء من قبل الزوج مثل الأب والأخ، ففيه أربع

стр. 1539

لغات: حمًا مثل قفًا، وحمو مثل أبو، وحم مثل أب، وحمء، ساكنة النيم مهموزة عن اافراء، وأنشد: قلت لبواب لديه دارها .. الخ، ويروى حمها بترك الهمزة. انتهى. وكذا في "المقصور والممدود" للقالي، وزاد لغة خامسة عن اللحياني، وهي: حمؤها، بفتح الميم والهمز، وفي "المصباح": قال ابن فارس: الحمء: أبو الزوج وأبو امرأة الرجل، وقال في "المحكم": وحمء الرجل: أبو زوجته أو أخوها أو عمها، فحصل من هذا أن الحمء يكون من الجانبين كالصهر، وهكذا نقل الخليل عن العرب. انتهى. وقال العيني: هو من رجز لمنظور بن مرثد الأسدي، وهو: جارية بسفوان دارها ... لم تدر ما الدَّهنا ولا تسفارها قد أعصرت أو قد دنا إعصارها ... تمشي الهويني ساقطًا خمارها ينحلُّ من غلمتها إزارها ... قلت لبواب لديه دارها إلى آخره. وسفوان، بالتحريك: ماء بين ديار بني شيبان وديار بني مازن، على أربعة أميال من البصرة عند جبل سنام، ومكان سفوان من البصرة كمكان القادسية من الكوفة، والد هنا: اسم رمال في ديار بني تميم، والتسفار: مبالغة السَّفر، قال الصاغاني: يقال للجارية أول ما تدرك وتحيص: معصر ومعصرة، لانعصار رحمها، أو لأنها دهلت عصر شبابها، أو بلغته، وأنشد ابن دريد: معصرة أو قد دنا إعصارها والغلمة بالضم: شهوة الجماع، وفعله من باب فرح. وتقدَّمت ترجمة منظور ابن مرثد الأسدي في الإنشاد التاسع والستين بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والسبعون بعد الثلاثمائة: (٣٧٣) لا نسب اليوم ولا خلًّة ... إتَّسع الخرق على الرّاقع

стр. 1540

على أن همزة اتسع همزة وصل، وقد قطعها الشاعر هنا في الدرج للضرورة، وحسنَّه هنا أنه في أول الشطر الثاني. قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": قطع ألف الوصل في الدرج إجراء لها مجراها في حال ابتدأها أكثر ما يكون ذلك في أولَّ النصف الثاني، قال حسان: لتسمعنَّ وشيكًا في دياركم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا وقال: ولا يبادر في الشِّتاء وليدنا ... القدر ينزلها بغير جعال ألا ترى أنَّ همزة الوصل الداخلة علي لام التَّعريف مقطوعة، وقال آخر: اتَّسع الخرق على الرّاقع ألا ترى أنه قطع ألف اتسع، وهي ألف وصل، وقد يقطع في حشو البيت، وذلك قليل، ومنه قول ابن الخطيم: إذا جاوز الاثنين سرُّ فإنَّه ... بنثّ وتكثير الوشاه قمين والبيت من شواهد سيبويه في باب "لا النافية للجنس" قال الاعلم: الشّاهد فيه نصب المعطوف، وتنوينه علي إلغاء لا الثانية وزيادتها لتأكيد النفي، ولو رفعت الخلة على الموضع لجاز. وصف شدة إصابته تبرأ منه فيها الولي والصديق وضرب اتساع الخرق مثلًا لتفاقم الأمر، وقطع الألف من "اتسع" ضرورة، وساغ له ذلك لأنَّ الشطر يوقف عليه، ثمَّ يستأنف ما بعده فيبتدأ به. انتهى. وحكى ابن جني في "اعراب الحماسة" عن يونس أن "خلةً" مما نون اضطرارًا وأنَّ الحركة بل التنوين حركة بناء لا حركة إعراب، وإنما دخل التنوين لخلة اضطرارًا لإقامة الوزن، وأنه إنما أراد: ولا خلة، فكما أنَّ ضمة راء "مطر" من قوله: سلام الله يا مطرُ عليها

стр. 1541

ضمَّة بناء، فكذلك فتحة تاء خلة فتحة بناء. انتهى. واشتهر آخر البيت بالراقع، وصوابه "الراتق" وإلاَّ يلزم أن يكون مركبًا من شعرين، والمصراع الذي آخره الراقع صدره غير هذا المذكور، وإنما هو من شعر أورده الآمدي في "المؤتلف والمختلف" لابن حمام الأزدي الجاهلي، بضم الحاء المهملة وبميمين، وهو: كفا نداريها وقد مزِّقت ... واتَّسع الخرق على الرَّاقع كالثَّوب إن أنهج فيه البلى ... أعيى علي ذي الحيلة الصانع وأنهج الثوب: أخذ في البلى والتَّمزق، الذي أوله: لا نسب اليوم ولا خلَّةً إنما هو من شعر لابن حارثة السلمي قال أبو محمد الأسود الاعرابي في كتاب "فرحة الأديب": قرأت على أبي الندى في في كتاب بني سليم قال: جاور أبو عامر بن حارثة السلمي أخواله بني مرة، فأطردوا إبله، فخرج هو ومرة بن جارية، وسنّة ابن جارية، وسنان بن جارية، حتى أوقعوا ببني مرّة بين أبانين، وهما جبلان، فقتلوا أناسًا منهم، وأطردوا إبلًا منهم عظيمة، فقال أبو عامر في ذلك: أعرف أخوالي وأدعوهم ... كأنَّ أمي ثمَّ من بارق لا نسب اليوم ولا خلَّةً ... اتَّسع الخرق على الرَّاتق إنَّ بغيضًا نسب فاسخ ... ليس بموثوقٍ ولا واثق أسيافنا تأخذ أولاهم ... خطف عصيِّ المورد الواسق لا صلح بيني فاعلموه ولا ... بينكم ما حملت عاتقي سيفي وما كنَّا بنجد وما ... قرقر قمر الواد بالشّاهق ومعنى قوله: وما قرقر قمر الواد بالشاهق، يعني: أنه يجيء من السيل ما لا يمكن

стр. 1542

الطير أن يسكن الرياض، فيلجأ إلى الالأشجار والجبال الشواهق، فحينئذ يكثر الكلأ والخصب، فتهيج الحرب بينهم. انتهى كلام الأسود. وبارق أبو قبيلة باليمن، واسمه: سعيد بن عدي بن حارثة بن عمرو بن مزيقياء ابن عامر، وهو ماء السماء. والراتق: الذي يلحم الفتق، وبغيض: أبو حي وهو بغيض بن ريث بن غطفان ونغيض: جدّ بني مرة، لأن مرة هو بن عوف بن سعد ابن ذبيان بن بغيض، والفاسخ: الضعيف، وخطف: مصدر تشبيهي، أي: ونخطفهم كخطف، والخطف: النهب والاستلاب وعصي بكسرتين: جمع عصا، والمورد: الذي يورد إبله الماء، والواسق: الطارد، وجملة "فاعلموه": معترضة بين المتعاطفين، والعاتق: موضع الرداء من المنكب والعنق، مذكر، وقد يؤنث كما هنا. وفيه من عيوب الشعر التضمين، وهو توقف البيت على ما بعده، فإنَّ قوله: سيفي مفعول لحملت، وما مصدرية نائبة عن ظرف في المواضع الثلاثة، وحذف الياء من الوادي، وهو اسم منقوص غير منون للضرورة، وقرقر الطائر قرقرةً: صوَّت، وقمر، بالضم: إما جمع أقمر، كحمر جمع أحمر، وإما جمع قمري كروم جمع رومي، قال الجوهري، وأنشد هذا الشعر، والشاهق: الجبل المرتفع. وأبو عامر: جاهلي، وهو جد العباس بن مرداس الصحابي السلمي، وبعض الناس نسب هذا الشعر إلى أنس بن عباس المذكور، والصواب الأول. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد الثلاثمائة: (٣٧٤) لتقم أنت يابن خير قريشٍ ... فلتقضي حوائج المسلمينا هذا البيت قلما خلا عنه كتاب من كتب النحو، وأول من استشهد به بعض الكوفيين، وهو مجهول لا يعرف قائله، والياء في "فلتقضي" للإشباع، نشأت من إشباع الكسرة.

стр. 1543

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والسبعون بعد الثلاثمائة: (٣٧٥) أمُّ الحليس لعجوز شهربه على أنَّ اللام قيل زائدة، وقيل داخلة علي مبيتدأ محذوف. أما الأوَّل فقد حكاه ابن السراج في "كتاب الأصول" قال فيه: قال أبو عثمان: وقرأ سعيد بن جبير: (ألا أنَّهم ليأكلون الطَّعام)] الفرقان/٢٠ [فتح أن، وجعل اللام زائدة، كما زيدت في قوله: أمَّ الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من اللَّحم بعظم الرَّقبة انتهى. ولم يرتض ابن جني بزيادتها، وإنما هي عنده للتوكيد فارقت موضعها للضرورة، وتبعه ابن عصفور في كتاب "الضرائر" قال في "سر الصناعة": وأما الضرورة التي تدخل لها اللام في غير خبر إن فمن ضرورات الشعر، ولا يقاس عليها، والوجه أن يقال: لأم حليس عجوز شهربه، كما يقال: لزيد قائم، وقال الآخر: خالي لأنت ومن جرير خاله ... ينل السماء ويكرم الأخوالا فهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون أراد: لأنت خالي، فقدَّم الخبر على المبتدأ، وإن كانت فيه اللام ضرورة. انتهى. وأما الثاني فلم يرتضه أيضًا ابن جني، قال: وأخبرنا أبو علي أنَّ أبا إسحاق ذهب في قوله تعالى: ﴿إنَّ هذان لساحران﴾] طه/٦٣ [إلى أنَّ "إنَّ" بمعنى نعم، وهذان مرفوع بالابتداء، وأنَّ اللام في (لساحران) داخلة في موضعها علي غير ضرورة، والتقدير: نعم هذان لهما ساحران.

стр. 1544

وحكي عن أبي إسحاق إنه قال: هذا الذي عندي فيه، والله أعلم، وكنت عرضته على عالمنا محمد بن يزيد، وذكرا أنه أجود ما سمعناه. واعلم أنّ هذا الذي رواه أبو إسحاق في هذه المسألة مدخول غير صحيح، وأنا أذكره لتقف منه على ما في قوله، ووجه الخطأ فيه أنّ"هما" المحذوفة التي قدرها مرفوعةً بالابتداء لم تحذف إلا بعد العلم بها، ولولا ذلك لكان في حذفه مع الجهل بمكانه ضرب من تكليف الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفًا فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام، ألا ترى أنه يقبح أن تأتي بالمؤكد وتترك المؤكّد فلا تأتي به؟ ! أولا ترى أنّ التأكد من مواضيع الإسهاب والإطناب، والحذف من مواضع الاكتفاء والاختصار؟ فهما إذن لما ذكرت ضِدّ ان لا يجوز أن يشتمل عليها عقد كلام، ويزيدك وضحًا امتناع أصحابنا من تأكيد الضمير المحذوف العائد على المبتدأ في نحو: زيد ضربت، فيمن أجازه، فلا يجيزون: زيد ضربت نفسَه على أن تجعل النفس توكيدًا للهاء المرادة ضربته، لأن الحذف لا يكون إلاّ بعد التحقق والعلم، وإذا كان ذلك فقد استغنى عن تأكيده، ويؤكد عندك ما ذكرت أنّ أبا عثمان وغيره من النحويين حملوا قول الشاعر: أمٌ الحليسٍ لعجوز شهربه على أنّ الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة، ولو كان ما ذهب إليه أبو إسحاق جائزًا لما عدل عنه النحويون، ولا حملوا الكلام على الاضطرار إذا أجدوا له وجهًا ظاهرًا قويً، وحذف المبتدأ وإن كان سائغًا في مواضع كثيرة، فإنه إذا نقل عن أول الكلام قبح حذفه، إلى هنا كلام ابن جني. وهو مبني على أنّن اللام مؤكدة للمفر، وهو ممنوع، وإنما هي من مؤكدات مضمون الجملة، بخلاف النفس والعين، فإنهما يؤكدان المفردات، وذهب الإسفراييني في"اللباب" إلى أنّن اللام إنما دخلت على الخبر لتوهم ذكر إنّ، فكأن قيل: إنّ أمً الحليس، وهذا جيد وله نظائر. والحليس، بضم الحاء المهملة، وفتح اللام: مصغر الحلس، والشهربة: العجوز

стр. 1545

الكبيرة، ويقال: شهيرة أيضًا، ولم أقف على قائله. وقال الصاغاني في"العباب": هذا الرجز لعنّرة بن عروس، وقد رددناه في شرح الشاهد الخامس والخمسين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد الثلاثمائة: (٣٧٦) لهنَّك من برق علىَّ كريم على أنّ لام التوكيد موضعها في الأصل قبل"إنّ" كما جاء هذا على الأصل، و"لهنك" أصله"لشنّك" أبدلت الألف هاء، فلام لهنك هي اللام التي تكون مع"إن" وهو أحد أقوال أربعة. ثانيها: أنها لام جواب قسم مقدر، ثالثها: أنها زائدة. رابعها: أنّ اللام والهاء بقية لفظ الجلالة. أمًا الأوّل فهو مذهب أبي علي في"التذكرة القصرية" وهي المسائل التي جرت بينه وبين صاحبه الطيب محمد بن طوسي المعروف بالقصري، قال فيها: لهنك لرجل صدق، بمنزلة ما جاء على أصله من العينات المعتلة، ليدلوا بذلك على أنّ أصل المعتل هذا، وأوقعت اللام التي كانت في الخبر"إنك لرجل صدق" قبل إن، ليدلّ ذلك على أن حقها أن حقها أن تقع قبل إنّ، فأتوا بهذا على أصله، وأبدلوا الهمزة هاء، فرارًا من إيقاع اللام قبل إن، فغيسّر اللفظ على ذلك، لأنه ليس يخلو امتناعهم عن إيقاع اللام قبل إن من أن يكون ذلك من جهة المعنى، أو من جهة اللفظ، فلا يجوز أن يكون من جهة المعنى، بدلالة قولهم: إنّ في الدار لزيدًا، فللام قد وليت إنّ من جهة المعنى، فثبت أنّ المكروه لفظهما، فإبدال الهمزة هاء بمنزلة الفصل بين أن واللام بالظرف فجاز لهنك، ويؤكد أنّ اللام في لهنك لام الابتداء إبدال الهاء من الهمزة، وإبدالٌ الهاء من الهمزة يؤكد أنّ اللام غير زائدة، واللام التي في لرجل زائدة، لأنه لا يجوز أن يكونا جميعًا غير زائدتين، لأنك إن فعلت ذلك لزمك أن تدخل اللام في لرجل على اللام التي في لهنك، فإن
следующие страницы →