← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

ضمَّة بناء، فكذلك فتحة تاء خلة فتحة بناء. انتهى. واشتهر آخر البيت بالراقع، وصوابه "الراتق" وإلاَّ يلزم أن يكون مركبًا من شعرين، والمصراع الذي آخره الراقع صدره غير هذا المذكور، وإنما هو من شعر أورده الآمدي في "المؤتلف والمختلف" لابن حمام الأزدي الجاهلي، بضم الحاء المهملة وبميمين، وهو: كفا نداريها وقد مزِّقت ... واتَّسع الخرق على الرَّاقع كالثَّوب إن أنهج فيه البلى ... أعيى علي ذي الحيلة الصانع وأنهج الثوب: أخذ في البلى والتَّمزق، الذي أوله: لا نسب اليوم ولا خلَّةً إنما هو من شعر لابن حارثة السلمي قال أبو محمد الأسود الاعرابي في كتاب "فرحة الأديب": قرأت على أبي الندى في في كتاب بني سليم قال: جاور أبو عامر بن حارثة السلمي أخواله بني مرة، فأطردوا إبله، فخرج هو ومرة بن جارية، وسنّة ابن جارية، وسنان بن جارية، حتى أوقعوا ببني مرّة بين أبانين، وهما جبلان، فقتلوا أناسًا منهم، وأطردوا إبلًا منهم عظيمة، فقال أبو عامر في ذلك: أعرف أخوالي وأدعوهم ... كأنَّ أمي ثمَّ من بارق لا نسب اليوم ولا خلَّةً ... اتَّسع الخرق على الرَّاتق إنَّ بغيضًا نسب فاسخ ... ليس بموثوقٍ ولا واثق أسيافنا تأخذ أولاهم ... خطف عصيِّ المورد الواسق لا صلح بيني فاعلموه ولا ... بينكم ما حملت عاتقي سيفي وما كنَّا بنجد وما ... قرقر قمر الواد بالشّاهق ومعنى قوله: وما قرقر قمر الواد بالشاهق، يعني: أنه يجيء من السيل ما لا يمكن

стр. 1542

الطير أن يسكن الرياض، فيلجأ إلى الالأشجار والجبال الشواهق، فحينئذ يكثر الكلأ والخصب، فتهيج الحرب بينهم. انتهى كلام الأسود. وبارق أبو قبيلة باليمن، واسمه: سعيد بن عدي بن حارثة بن عمرو بن مزيقياء ابن عامر، وهو ماء السماء. والراتق: الذي يلحم الفتق، وبغيض: أبو حي وهو بغيض بن ريث بن غطفان ونغيض: جدّ بني مرة، لأن مرة هو بن عوف بن سعد ابن ذبيان بن بغيض، والفاسخ: الضعيف، وخطف: مصدر تشبيهي، أي: ونخطفهم كخطف، والخطف: النهب والاستلاب وعصي بكسرتين: جمع عصا، والمورد: الذي يورد إبله الماء، والواسق: الطارد، وجملة "فاعلموه": معترضة بين المتعاطفين، والعاتق: موضع الرداء من المنكب والعنق، مذكر، وقد يؤنث كما هنا. وفيه من عيوب الشعر التضمين، وهو توقف البيت على ما بعده، فإنَّ قوله: سيفي مفعول لحملت، وما مصدرية نائبة عن ظرف في المواضع الثلاثة، وحذف الياء من الوادي، وهو اسم منقوص غير منون للضرورة، وقرقر الطائر قرقرةً: صوَّت، وقمر، بالضم: إما جمع أقمر، كحمر جمع أحمر، وإما جمع قمري كروم جمع رومي، قال الجوهري، وأنشد هذا الشعر، والشاهق: الجبل المرتفع. وأبو عامر: جاهلي، وهو جد العباس بن مرداس الصحابي السلمي، وبعض الناس نسب هذا الشعر إلى أنس بن عباس المذكور، والصواب الأول. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد الثلاثمائة: (٣٧٤) لتقم أنت يابن خير قريشٍ ... فلتقضي حوائج المسلمينا هذا البيت قلما خلا عنه كتاب من كتب النحو، وأول من استشهد به بعض الكوفيين، وهو مجهول لا يعرف قائله، والياء في "فلتقضي" للإشباع، نشأت من إشباع الكسرة.

стр. 1543

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والسبعون بعد الثلاثمائة: (٣٧٥) أمُّ الحليس لعجوز شهربه على أنَّ اللام قيل زائدة، وقيل داخلة علي مبيتدأ محذوف. أما الأوَّل فقد حكاه ابن السراج في "كتاب الأصول" قال فيه: قال أبو عثمان: وقرأ سعيد بن جبير: (ألا أنَّهم ليأكلون الطَّعام)] الفرقان/٢٠ [فتح أن، وجعل اللام زائدة، كما زيدت في قوله: أمَّ الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من اللَّحم بعظم الرَّقبة انتهى. ولم يرتض ابن جني بزيادتها، وإنما هي عنده للتوكيد فارقت موضعها للضرورة، وتبعه ابن عصفور في كتاب "الضرائر" قال في "سر الصناعة": وأما الضرورة التي تدخل لها اللام في غير خبر إن فمن ضرورات الشعر، ولا يقاس عليها، والوجه أن يقال: لأم حليس عجوز شهربه، كما يقال: لزيد قائم، وقال الآخر: خالي لأنت ومن جرير خاله ... ينل السماء ويكرم الأخوالا فهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون أراد: لأنت خالي، فقدَّم الخبر على المبتدأ، وإن كانت فيه اللام ضرورة. انتهى. وأما الثاني فلم يرتضه أيضًا ابن جني، قال: وأخبرنا أبو علي أنَّ أبا إسحاق ذهب في قوله تعالى: ﴿إنَّ هذان لساحران﴾] طه/٦٣ [إلى أنَّ "إنَّ" بمعنى نعم، وهذان مرفوع بالابتداء، وأنَّ اللام في (لساحران) داخلة في موضعها علي غير ضرورة، والتقدير: نعم هذان لهما ساحران.

стр. 1544

وحكي عن أبي إسحاق إنه قال: هذا الذي عندي فيه، والله أعلم، وكنت عرضته على عالمنا محمد بن يزيد، وذكرا أنه أجود ما سمعناه. واعلم أنّ هذا الذي رواه أبو إسحاق في هذه المسألة مدخول غير صحيح، وأنا أذكره لتقف منه على ما في قوله، ووجه الخطأ فيه أنّ"هما" المحذوفة التي قدرها مرفوعةً بالابتداء لم تحذف إلا بعد العلم بها، ولولا ذلك لكان في حذفه مع الجهل بمكانه ضرب من تكليف الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفًا فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام، ألا ترى أنه يقبح أن تأتي بالمؤكد وتترك المؤكّد فلا تأتي به؟ ! أولا ترى أنّ التأكد من مواضيع الإسهاب والإطناب، والحذف من مواضع الاكتفاء والاختصار؟ فهما إذن لما ذكرت ضِدّ ان لا يجوز أن يشتمل عليها عقد كلام، ويزيدك وضحًا امتناع أصحابنا من تأكيد الضمير المحذوف العائد على المبتدأ في نحو: زيد ضربت، فيمن أجازه، فلا يجيزون: زيد ضربت نفسَه على أن تجعل النفس توكيدًا للهاء المرادة ضربته، لأن الحذف لا يكون إلاّ بعد التحقق والعلم، وإذا كان ذلك فقد استغنى عن تأكيده، ويؤكد عندك ما ذكرت أنّ أبا عثمان وغيره من النحويين حملوا قول الشاعر: أمٌ الحليسٍ لعجوز شهربه على أنّ الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة، ولو كان ما ذهب إليه أبو إسحاق جائزًا لما عدل عنه النحويون، ولا حملوا الكلام على الاضطرار إذا أجدوا له وجهًا ظاهرًا قويً، وحذف المبتدأ وإن كان سائغًا في مواضع كثيرة، فإنه إذا نقل عن أول الكلام قبح حذفه، إلى هنا كلام ابن جني. وهو مبني على أنّن اللام مؤكدة للمفر، وهو ممنوع، وإنما هي من مؤكدات مضمون الجملة، بخلاف النفس والعين، فإنهما يؤكدان المفردات، وذهب الإسفراييني في"اللباب" إلى أنّن اللام إنما دخلت على الخبر لتوهم ذكر إنّ، فكأن قيل: إنّ أمً الحليس، وهذا جيد وله نظائر. والحليس، بضم الحاء المهملة، وفتح اللام: مصغر الحلس، والشهربة: العجوز

стр. 1545

الكبيرة، ويقال: شهيرة أيضًا، ولم أقف على قائله. وقال الصاغاني في"العباب": هذا الرجز لعنّرة بن عروس، وقد رددناه في شرح الشاهد الخامس والخمسين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد الثلاثمائة: (٣٧٦) لهنَّك من برق علىَّ كريم على أنّ لام التوكيد موضعها في الأصل قبل"إنّ" كما جاء هذا على الأصل، و"لهنك" أصله"لشنّك" أبدلت الألف هاء، فلام لهنك هي اللام التي تكون مع"إن" وهو أحد أقوال أربعة. ثانيها: أنها لام جواب قسم مقدر، ثالثها: أنها زائدة. رابعها: أنّ اللام والهاء بقية لفظ الجلالة. أمًا الأوّل فهو مذهب أبي علي في"التذكرة القصرية" وهي المسائل التي جرت بينه وبين صاحبه الطيب محمد بن طوسي المعروف بالقصري، قال فيها: لهنك لرجل صدق، بمنزلة ما جاء على أصله من العينات المعتلة، ليدلوا بذلك على أنّ أصل المعتل هذا، وأوقعت اللام التي كانت في الخبر"إنك لرجل صدق" قبل إن، ليدلّ ذلك على أن حقها أن حقها أن تقع قبل إنّ، فأتوا بهذا على أصله، وأبدلوا الهمزة هاء، فرارًا من إيقاع اللام قبل إن، فغيسّر اللفظ على ذلك، لأنه ليس يخلو امتناعهم عن إيقاع اللام قبل إن من أن يكون ذلك من جهة المعنى، أو من جهة اللفظ، فلا يجوز أن يكون من جهة المعنى، بدلالة قولهم: إنّ في الدار لزيدًا، فللام قد وليت إنّ من جهة المعنى، فثبت أنّ المكروه لفظهما، فإبدال الهمزة هاء بمنزلة الفصل بين أن واللام بالظرف فجاز لهنك، ويؤكد أنّ اللام في لهنك لام الابتداء إبدال الهاء من الهمزة، وإبدالٌ الهاء من الهمزة يؤكد أنّ اللام غير زائدة، واللام التي في لرجل زائدة، لأنه لا يجوز أن يكونا جميعًا غير زائدتين، لأنك إن فعلت ذلك لزمك أن تدخل اللام في لرجل على اللام التي في لهنك، فإن

стр. 1546

قلت: اجعل لام لهنك زائدة، قلت: غير جائزة، لأنّ لام لهنك قد وقعت موقعها، فلا يستقيم أن تقدرها أنها ليست واقعة في هذا الموضع، وهذا يجوز في لام لرجل، لأنها لم وتقع موقعها الذي هو قبل إن. ومثل امتناع تقديم لام لهنك زائدة. لأنها قد وقعت موقعها، فلا يستقيم أن يقدر بها غير ذلك قولك: ضرب زيدًا غلامه، لا يجوز فيه أن تقول: ضرب غلامه زيداّ، لأنّ الغلام قد وقع موقعه، فلا يستقيم أن يقدر به غير ذلك. انتهى كلامه، وتبعه تلميذه ابن جني، وحققه في باب إصلاح اللفظ من"الخصائص" وفي حرف اللام من"سر الصناعة". وأما القول الثاني فهو مذهب سيبويه، وهذا نصه: لهنك لرجل صدقٍ. هذه كلمة تتكلم بها العرب في حال اليمين، وليس كل العرب يتكلم بها، فهي إن، ولكنهم أبدلوا الهاء مكان الألف، كقولك: هرقت، ولحقت هذه اللام"إنّ" كما لحقت"ما" حين قلت: إن زيدًا لما لينطلقنّ، فلحقت"عن" اللام في اليمين، كما لحقت"ما" فاللام الأولى في لهنك لام اليمين، والثانية لام إن، وفي"لما لينطلقنّ" اللام الأولى لإن، والثانية لليمين، والدليل على ذلك أن النون معها. انتهى نصه. وتبعه ابن السراج في"الأصول" ونقل كلامه هذا بحروفه. وأما القول الثالث فهو لابن مالك، قال في"التسهيل": وربما زيدت اللام قبل همزتها مبدلة هاء مع تأكيد الخبر وتجريده. انتهى. وهو في هذا تابع للجوهري في "الصحاح". وأمًا القول الرابع فقد اختلف فيه على قولين: أحدهما للفراء، وثانيهما للكسائي، حكاه عنه الجوهري، قال السيرافي: في لهنك ثلاثة أقوال: أحداها: قول سيبويه، وهو أنّ أصلها"أبدلو همزتها هاء، ولحقت اللام التي قبل الهاء لليمين، والثانية لام إن.

стр. 1547

والثاني: قول الفراء، قال: هذه من كلمتين كانتا تجتمعان. كانوا يقولون: والله إنك لعاقل، فخلطتا فصار فيها اللام والهاء من الله ﵎، والنون من إن المشدودة، وحذفوا ألف إن، كما حذفوا ألف إن، كم حذفوا الواو من أول"والله". والثالث: قول حكاه المفضل بن سلمه لغير الفراء، ومعناه: لله إنك لمحسن، قال: وهذا أسهل في اللفظ، وأبعد في المعنى. والذي قال الفراء أصح في المعنى، لأنّ قول القائل: والله إنك لقائم لقائم، اللام في الجواب دليل على القسم، وقولهم: لله تعجب، والتعجب لا يدخل معه إن. هذا حكاية كلام المفضل بن سلمه. انتهى كلام السيرافي باختصار. وقد اختار أبو علي في كتاب"نقض الهاذور" مذهب الكسائي، ونسبه إلى زيد، وأيده بدلائل، ونقص ما حققه في"التذكرة القصرية" وأفرغ جهده في تزييفه وتزييف سائر الأقوال، وقد ذكره ابن جني في"الخصائص" ورده وقال: على أنّ أبا علي قد كان قوًاه بأخرة، وفيه تعسف، وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة بنقل كلام أبي علي وابن جني وغيرهما في شرح الشاهد الواحد والستين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي. والبيت الشاهد من أبيات لغلام من بني كلاب فيما رواه ثعلب، ولغلام من بني نمير فيما حكاه القالي وأبو هلال العسكري، أما ثعلب فقد رواها في أوّل الجزء الثالث من"أماله" قال: حدثني أبو سعد عبد الله بن شبيب قال: حدثني هارون ابن أبي بكر قال: حدثني محمد بن معن الغفاري قال: أقحمت السّنة المدينة ناسًا من الأعراب، فحل المذاد منهم صرم من بني كلاب، وكانوا يدعون عامهم ذلك الجراف، قاّل: فابرقوا ليلةً في النجد، وغدوت عليهم فإذا غلام منهم قد عاد جلدا وعظما، ضيعة ومرضا وضمانة حب، فإذا هو رافع عقيرته بأبيات قد قالها من الليل:

стр. 1548

ألا يا سنا برقٍ على قلل الحمىّ ... لهنّك من برق علىّ كريم لمعت اقتذاءّ الطير والقوم وهجّع ... فهميّجت أسقامًا وأنت سليم فبتٌ بحدّ المرفقين أشيمه ... كأني لبرق بالسّتار حميم فهل من معيرٍ طرف عين جلية ... فإنسان طرف العامريّ كليم رمي قلبه البرق الملاليّ رميةّ ... بذكر الحمى وهنًا فظلّ يهيم فقلت له: في دون ما بك ما يفحم عن الشعر! قال: صدقت، ولكن البرق أنطقي. قال: ثم- والله- ما لبث يومه ذلك تاماٌ حتى مات قبل الليل، ما بتّم عليه غير الوجد. انتهى ما حكاه ثعلب يعني في"أماليه". وأما أبو هلال العسكري فإنّه قال في كتاب"ديوان المعاني": أخبرنا أبو أحمد قال القالي في"أماليه": حدثني أبو يعقوب وراق أبي بكر بن دريد قال: حدثنا الفضل بن محمد العلاّف قال: لما قدم بغا ببني نمير أسرى كنت كثيرًا ما أذهب إليهم فأسمع منهم، وكنت لا أعدم أن ألقى الفصيح منهم، فأتيتهم يومًا في عقب مطرٍ، وإذا فتى حسن الوجه، قد نهكه المرض ينشد: ألا يا سنا برقٍ على قلل الحمى إلى آخر الأبيات إلاّ البيت الثالث، فقلت له: يا هذا إنك لفي شغل عن هذا، فقال: صدقت. ولكن أنطقتني البرق. زاد عليه القالي: ثّم اضطجع، فما كان ساعة حتى مات، وما يتوهم عليه غير الحبّ. وروى ابن جني في"سّر الصناعة"وفي"الخصائص" البيت الشاهد عن ثعلب قال: قرأت على محمد بن الحسن، وقرئ عليه وأنا حاضر عن أحمد بن يحيى، وحدثنا به أيضًا عن أبي العباس محمد بن يزيد محمد بن سلمه: ألا يا سنا برق .. البيت. وأحمد بن يحيى هو ثعلب، ومحمد بن يزيد هو المبرد، ومحمد بن سلمة هو الراوي عن المبرد، وكان ابن بري وقع نظره على

стр. 1549

سند ابن جني، ولم يحقق النظرة، فنسب الشعر في"أماليه على الصحاح" إلى محمد ابن سلمه، وتبعه العيني على ذلك. والمذاد، بالفتح: والنّجد، بضم النون والجيم: موضعان بالمدينة المنورة، والضمانة، بالفتح: الزَّمانة، وهو أن لا يقدر على القيام، والعقيرة، بفتح العين وكسر القاف: الصّوت، والسنا، بالقصر: ضوء البرق، والقلل: جمع قلَّة، بضم أولها: أعلى الجبل وغيره. ورواه ابن بري"قنن" وهو بمعناه وزنًا ومعنى، والحمى: المكان الذي يحمى من الناس فلا يقربه أحد، وأراد به أرض حبيبه. ومن برق: تمييز مجرور بمن، وكريم: خبر لهنك، على متعلق به، والكريم: من كرم على الشيء، أي: عزّ ونفس. وقوله: لمعن اقتذاء الطير .. ألخ، لمع الشئ: أضاء واقتذاء، بالقاف والذال المعجمة، قال ابن بري: اقتذاء الطير: هو أن يفتح عينه ثّم يغمضها إغماضة، وكذا في"القاموس" والمصدر هنا قائم مقام الظروف، يريد أنّ البرق لمع وقت فعل الطير ذلك، وذلك يكون قبيل الصبح، ويقال: إنّ كل طائر إذا كان آخر الليل فتح عينه ثّم فتح، وأصل ذلك من القذى، وهو ما يسقط في العين. وروى أبو هلال"الطرف" بدل الطير، وهو في الأصل نظر العين، مصدر طرف البصر، من باب ضرب وقوله: فبت بحدّ المرفقين، الخ، حد كل شيء: طرفه، وأشيم: مضارع شمت البرق: إذا نظرت إلى سحابته أين تمطر، أراد: إني اتكأت على طرفي مرفقي، فنظرت إليه، والسّار، بكسر السين المهملة بعدها مثناه: جبل بالحجاز، قال ياقوت: الستار في كتاب الأصمعي: جبال صغار سود لبني أبي بكر بن كلاب، والسّتار: ثنايا فوق أنصاب الحرم، سميت بذلك لأنها سترة بين الحل والحرم. والستار: جبل بأجأ، وناحية بالبحرين ذات قرى، وجبل بالعالية في ديار بني سليم. وذكر ياقوت أنه اسم جبال وأماكن غير ما ذكر، والحميم: القريب. وقوله: البرق الملالي، قال أبو عبيد البكري في"شرح أمالي القالي": هكذا رواه أبو علي القالي بلا همز، نسبة إلى ملال، وهو موضع نسب إليه البرق. وغيره ينشده: "البرق الملألي" بالهمز، من التلألؤ، ونقل هذا الكلام بعينه

стр. 1550

في كتابه"معجم ما استعجم" ولم يعين الموضع، ولم يذكره ياقوت في"معجم البلدان". وروى أبو هلال بدله: "البرق اليماني". وبغا: أعظم قائد من قواد الواثق بالله بن المعتصم بن هارون الرشيد، قال أبو عبيد البكري في"شرح الأمالي": ذكر أبو علي عن مفضل بن أحمد قال: لما قدم بغا بيني نمير أسرى، في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، آخر أيام الواثق، وذكر سبب قتل بني نمير وأسرهم، وقد أوردناه في شرح الشاهد الثالث والستين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي، وكنا ذكرنا هناك أنّ هذه الأبيات لم نرها في"أملي ثعلب" وقد أنعم الله علينا بنسخة أخرى صحيحة من" أماليه" فوجدنا فيها روايتها كما نقلناها هنا، والحمد لله على ذلك. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد الثلاثمائة: (٣٧٧) فغبرت بعدهم بعيش ناصبٍ ... وإخال إنيّ لاحقٌ مستتبع على أنّ إخال معلق عن العمل بلام مقدرة، والأصل: وإخال إني للاحق وبقي كسر إن على حاله حذفها وكذا استشهد به جميع، منهم صاحب"الموشح" وشرح الكافية الحاجبية، والمشهور فتح همزة إن على إعمال إخال، وبه استشهد المصنف في"شرح بانت سعاد" قال: إخال بمعنى أظن، وهما سيّان في نصب المفعولين، وجواز سدّ"إنّ" و"أن" وصلتهما مسد هما، وجواز الإلغاء للتوسط والتأخر، إلى أن قال: ومثال سد ما ذكر مسد هما قول الهذلي: فغبرت بعدهم .. البت. وهو من قصيدة لأني ذؤيب الهذلي رئى بها أولاده. وكانوا خمسة هاجروا إلى مصر، فهلكوا بها بالطاعون. وقد تقدّ شرح أبيات من أولها من أولها في الإنشاد الثامن والعشرين بعد المائة.

стр. 1551

قال أبو بكر القاري في شرحها: تقول استتبع فلانًا: ذهب به، ومستتبع: مستلحق. انتهى. فمستتبع اسم مفعول. وقال الإمام المرزوقي في شرحها أيضًا: غبرت: بقيت، ويروى: "فلبثت" يقول: بقيت بعد بنيّ بعيشٍ ذي نصب، وأظن أنّ الغم قد تناهى، وقد استتبعت. وقوله: يعيش ناصب، أي: غبرت عائشًا ذا نصبٍ، وناصب عند سيبويه، يراد به النسب، كأنه وضع موضع نصبي، كما قيل: تاجر، موضع تجاري، وخباز، موضع خبزىّ، ولو جاء على الفعل لقيل: عيشٌ منصبٌ، وحكى الدريدي: نصبه المرض وأنصبه: إذا أثر فيه، وكذلك الحزن، وعليه فالأمر واضح، جعل النصب للعيش لما كان فيه، كما يقال: نهارٌ صائمٌ، وليل قائم. وقال بعضهم: أنصب فهو ناصب، كأيفع الغلام فهو يافع، وأصبح الرجل فهو صابح، والوجه الأول. إخال: غلب عليه في الاستعمال لغة من يكسر زوائد الفعل المضارع إلا الياء في فعل، وفيما زاد على الثلاثي، والأصل: خلت أخاك، بالفتح، ويجوز استعماله أيضًا، وقد حمل الظن في هذا البيت على اليقين، كأنّ المعنى: وأتيقن أني لاحق بهم، وتابع لهم، كما قال تعالى (الذّين يظنون أنّهم ملاقوا الله) [البقرة/٢٤٩] والصواب أن يترك في بابه، لأنّ قوله: لاحق، ومستتبع حال أولى بهما من الاستقبال، لتجردهما عن القرائن، وإذا كان كذلك، وكان أبو ذؤيب لتبريح حياته، وانتهاء الشقاء به في عيشه، قدر أنّ عمره ينقطع في حالته تلك لشدة الأمر به، وغلبة اليأس عليه، ولم يتيقنه، فيجب أن يكون إخال بمعنى: أظن لا غير، فعلى هذا أول البيت تألم، وآخره إظهار يأس، وعلى طريقتهم يصير الكلام على طريقة واحدة كلامه. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد الثلاثمائة: (٣٧٨) إن كنت قاضي نحي يوم بينكم ... لو لم تمنوا بوعد غير توديع على انه حذفت اللام الفارقه، لظهور معنى الإثبات، ولو ذكرت لكًانت مع خبر

стр. 1552

كنت تقديره: أن كنت لقاضي نحي، كما في قوله تعالى: (وإن كانت لكبيرة) [البقرة/١٤٣] قال الدّماميني: هذا من شواهد ترك اللاّم الفارقة مع الإهمال، لعدم اللّبس، إذ المعنى لو لم تمنو بوعدٍ صادق متٌ يوم فراقكم، فجواب لو محذوف يدل عليه ما قبله، وهو مثبتٌ بدلالة المقام، ولو كان منفيًا لاختلّ النظام وفسد الكلام. انتهى. وقاضي بالنصب: خبر كان، وهو مضاف لنحي، والنحب: المدّة، وقضاء النحب كناية عن الموت، والبين: الفراق، والمن: الإنعام، يريد: لو لم تنعموا يوم الفراق بوعد وصال مغاير للترك. ورواية الدمامين"بوعد غير مكذوب" والقافية عنده بائية لا عينية. ولم أقف على قائله ولا على تتمته قبله أو بعده، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد الثلاثمائة: (٣٧٩) إن الحق لا يخفى على ذي بصيرة ... وإن هو لم يعدم خلاف معاند على أنّ اللم الفارقة يجب حذفها مع نفي الخبر كما هنا. قال ابن مالك في "شرح التسهيل": لو كان الخبر منفيًا لم يجز اتصال اللام فيه، لان أكثر حروف النفي أوله بلام. وقال أبو حيان: ونقول: أصل هذه اللام ان تدخل على المبتدأ، وإذا كان المبتدأ قد دخل عليه حرف النفي لم تدخل هذه اللاّم عليه، فإذا قلت: ما زيد منطلق، أو لا رجل في الدار ولا امرأة، فلا يجوز ان تدخل لام الابتداء على هذا المبتدأ، فذلك إذا كان الخبر منفيًا لا تدخل عليه هذه اللام إلاّ في ندور على ما أنشد ابن جني: واعلم أنّ تسليمً وتركًا ... للا متشابهان ولا سواء انتهى، وبما ذكرنا يدفع قول الدماميني: انظر لم وجب تركها مع النافي؟ فإن

стр. 1553

قيل: كراهة اجتماع اللامين، قلنا: قد يكون النافي فلا يجتمع مقلان، وقد يقال: حمل علي ما فيه اجتماعهما طردًا للباب. انتهي. وقوله: وإن هو لم يعدم ... الخ، وهو ضمير راجع إلي ذي بصيرة، ويجوز أن يعود إلي الحق، ويعدم مضارع عدمته، من باب فرح، أي: فقدته، وخلاف: مصدر خالفه. وهذا البيت أيضًا لم أقف علي قائله وأصله، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد الثلاثمائة: (٣٨٠) أمسى أبان ذليلًا بعد عزَّته ... وما أبان لمن أعلاج سودان علي أنَّ الكوفيين استدلوا به علي أنَّ اللام التي مع "إن" الخفيفة بمعني "إلا" وإن نافية، كما إذا كان بدل إن حرف آخر من حروف النفي، كما في هذا البيت، والمعني عندهم: وما أبان إلاَّ من أعلاج سودان. وأجاب ابن مالك في "التسهيل" بأن الَّلام زائدة، كما نقله المصنف فيما يأتي، قال أبو حيان في "شرحه": فعلي تقدير ابن مالك نفي أن يكون أبان من أعلاج سودان، وعلي تقدير الكوفيين أثبت أنه منهم علي طريق الحصر، ويحتمل عندي أن يكون قوله، وما أبان، استفهامًا على سبيل التحقير، ويكون قوله: لمن أعلاج سودان، على إضمار "هو" أي: لهو من أعلاج سودان، وللاَّم لام الابتداء، دخلت على مبتدأ محذوف، ويكون المعني، علي شأن أبان، كما أنه كذلك في تقدير الكوفيين جملة، وفي تقديرنا جملتان. انتهي كلامه. ومنه علم أنَّ ما قاله المصنف مأخوذ منه، وبين قول ابن مالك وقول الكوفيين تناف بالنفي والإثبات. قال الدماميني: ويمكن التوفيق بينهما بأن يجعل التنوين في سودان للتحقير علي القولين السابقين، وهما كون اللاَّم بمعني إلاَّ، وكونها للابتداء، أي: هو من أعلاج سودان حقراء، أو للتعظيم علي كون اللاَّم زائدة، أي: وما هو من أعلاج سودان عظام، بل هو من أعلاج سودان حقراء. انتهي.

стр. 1554

وأبان: اسم رجل، وأعلاج جمع علج، بالكسر، وهو الكافر من غير العرب، وسودان: جمع أسود، كعميان جمع أعمي. وهذا البيت أيضًا لم يعرف قائله ولا يقيته، والله أعلم. وأنشد بعده أمٌّ الحليس لعجوز شهربه وتقدَّم شرحه قريبًا في الخامس والسبعين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد الثلاثمائة: (٣٨١) ولكنَّني من حبها لعميد علي أنَّ اللام في خبر لكن زائدة. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": نقل المصنف وابن عصفور أنَّ الكوفيين أجازوا دخول اللام بعد لكن، قال المصنف: اعتبارًا ببقاء معني الابتداء معها، كما بقي إن، واحتجاجًا بقول بعض العرب: ولكنَّني من حبها لعميد ولا حجة في ذلك، أما الأول فلأن اللام لم تدخل بعد إن لبقاء معني الابتداء فحسب، بل لأنها مثلها في التوكيد، ولكن بخلاف ذلك، ولأنَّ معني الابتداء معني لم يبق مع "لكن" فإنه مفتقر إلي كلام قبله، فأشبهت "أن" المفتوحة المجمع علي امتناع دخول اللام بعدها، واللام تقطع سابق، حتى إنها تعلق الأفعال القوية، وأما: "ولكنني من حبها لعميد" فلا حجة فيه، لشذوذه، إذ لا يعلم له تتمة ولا قائل، ولا راٍو عدل يقول: سمعته ممن يوثق بعربيته، والاستدلال بما هو هكذا في غاية الضعف، ولو صح إسناده إلي من يوثق بعربيته لوجَّه يجعل أصله: ولكن أنَّني،

стр. 1555

ثمَّ حذفت إنني ونون لكن، وجيء باللام في الخبر لأنه خبر إن. أو حمل علي أنَّ لامه لام زائدة. انتهي كلامه. وقال أبو جعفر بن النحاس: واعلم أنَّ اللام لا تدخل علي شيء من أخوات إن إلاَّ علي قول الفراء، فإنه أجاز أن تدخل اللام على خبر لكن، وأنشد: ولكنَّني من حبها لعميد قال: وإنما جاز دخولها في "لكن" لأنَّ معناه: لكن إنني، فخفف لكن، وترك الهمز من إن، وأسقطت نون لكن حيث استقبلت ساكنًا، كما قال: فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل انتهي كلام أبي جعفر، وبين تخالف، وهو أنَّ المصنف وابن عصفور نقلا ذلك الكوفيين، والنحاس عن الفراء وحده. وفي كلام المصنف مناقشات: الأولي: أنه قال: "احتجاجًا بقول بعض العرب" فقد أقر بأنه قول بعض العرب، ثمَّ قال: ولا حجة فيه إذ لا يعلم له تتمة ولا قائل، وهذا لا يقدح في الاحتجاج، بل متى روي أنه من كلام العرب فليس من شرطه تعيين قائله. وأما كونه لا تتمة له، فلا يقدح ذلك، لأنه إنما وقع الاعتناء بمكان الشاهد، ولا حاجة إلي معرفة ما قبله وما بعده، إذ لا شاهد فيه. وأما قوله: ولا راٍو عدل يقول: سمعته ممن يوثق بعربيته، وكفي بذلك نقل الكوفيين أو الفراء، وإنشادهم إياه من العرب وفي "كتاب سيبويه" أبيات استشهد بها لا يعرف لها قائل، ولا تروي إلاَّ من الكتاب، واكتفينا بنقل سيبويه إياها، واستشهاده بها.

стр. 1556

المناقشة الثانية: "فأشبهت أن المفتوحة المجمع علي امتناع دخول اللام بعدها" وليس كذلك، بل فيه خلاف شاذ عن المبرد، وهو مسموع من كلام العرب، وقرأ بعض القراء: ﴿إلاَّ أنَّهم ليأكلون الطَّعام﴾] الفرقان/٢٠ [بفتح الهمزة، وقال الشاعر: ألم تكن حلفت الله العلي ... أنَّ مطاياك لمن خير المطيّ روي بفتح همزة، إن. وينبغي أن يحمل ذلك علي زيادة اللاّم، ولا يقاس علي ما ورد منه. المناقشة الثالثة: قوله: "ولو صحَّ إسناده لوجه .. الخ" وهذا قول الفراء في توجيه اللاَّم في خبر لكن. هذا آخر كلام أبي حيان، وسقناه برمته لفوائده. والعميد: المعمود، وهو الذي هدهًّ العشق، وروي بدله: "لكميد" وهو الحزين، من الكمد وهو الحزن المكتوم، وفعله من باب تعب وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد الثلاثمائة: (٣٨٢) وما زلت من ليلي لدن أن عرفتها ... لكالهائم المقصى بكلِّ مراد علي أنَّ اللام قد زيدت في خبر زال. وأورد ابن عصفور هذا في "الضرائر الشعرية" ومنها إدخال لام التأكيد في موضع لا تدخل فيه سعة الكلام، نحو ما أنشده قطرب من قوله: ألم تكن حلفت بالله العلي ... أنَّ مطاياك لمن خبر المطيّ فزاد اللاَّم في خبر "أن" المفتوحة، مثله قول الآخر، أنشده ابن دريد عن أبي عثمان المازني: فنافس أبا المعزاء فيها ابن دارع ... علي أنَّه فيها لغير منافس

стр. 1557

وقول الآخر، أنشده الفراء: وأعلم أنَّ تسليمًا وتركًا ... للا متشابهان ولا سواء ألا تري أنَّ اللام قد زيدت في البيتين في خبر أنَّ المفتوحة؟ وقد جاء مثل ذلك في الشاذ، قرأ ابن جبير (إَّلا أنَّهم ليأكلون الطَّعام)] الفرقان/٢٠ [بفتح أنَّ، ونحوه قول الآخر، أنشده أبو علي: مرُّوا عجالًا وقالوا كيف صباحكم ... قال الَّذي سألوا أمسي لمجهودا فزاد اللاَّم في خبر أمسي، وقول الآخر، أنشده ابن الأعرابي: تمَّت يعدو لكأن لم يشعر ... رخو الإزار زمخ التَّبختر فزاد اللاَّم في كأن. وقول الآخر: وما زلت من ليلي لدن أني عرفتها ... لكالهائم المقصي لكلِّ بلاد فزاد اللام في خبر زال، وقول الآخر: ولكنَّني من حبِّها لعميد فزاد اللاَّم في خبر لكن، وقول الآخر: أم الحليس لعجوز شهربه فزاد اللاَّم في خبر المبتدأ. فأمّا رواه أبو الحسن الأخفش عن العرب من قولهم: إنَّ زيدًا وجهه لحسن، فالذي سهّله كون الجملة من المبتدأ والخبر في موضع خبر إنَّ، وهو مع ذلك ضعيف. انتهي كلامه. والبيت من قصيدة لكثير عزَّة، لكن قافيته قد تغيرت، ورويت علي وجوه، فابن النّاظم رواها: "بكل مراد" وتبعه المصنف هنا، وقال في "شرح أبيات ابن الناظم": المراد بفتح الميم: الموضع الذي يذهب ويجاء، وظنَّ أنه ليس من شعر

стр. 1558

كثير عزَّة، فقال: ولكثير عزَّة بيت يشبه هذا في معناه وغالب لفظه، فلا أدري من الآخذ من صاحبه، وقد يكونان تواردا، وهو: وما زلت من ليلي لدن طرَّ شاربي ... إلي اليوم كالمقصي بكلِّ سبيل انتهي. وتبعه السيوطي هنا. وبعضهم صحّفها "بمذاد" بالميم والذال والمعجمة، وهو محل الذود، أي: الطّرد، ووقع في إنشاد ابن عصفور "بكل بلاد" كما رأيت. وقد حرف بيت آخر من هذه القصيدة، وقد تقدَّم في الإنشاد الثامن والخمسين من يحث اللاَّم قريبًا، وهو قوله: أريد لأنسي ذكرها فكأنما ... تمثَّل لي ليلي بكلِّ سبيل استشهد به صاحب "الكشاف" والقاضي في سورة الحديد، قال شارح شواهدهما خضر الموصلي: صواب البيت هكذا، وكذا أورده الفاضل اليمني والطيبي، والعلامة الشيرازي، إذ هو من قصيدة لامية، وأورده صاحب "الكشف" بلفظ "مكان" بدل "سبيل" ونسبه للمجنون، وليس في شعره المنسوب إليه، وقد ظفرت به في شعر كثير عزَّة. انتهي كلامه. والبيت من قصيدة طويلة لكثير، كلها نسيب جيّد ومنها: وقالوا نأت فاختر من الصَّبر والبكا ... فقلت البكا أشفي إذًا لغليلي ولم أر من ليلي نوالًا أعده ... ألا ربَّما طالبت من غير منيل وكم من خليلٍ قال لي هل سألتها ... فقلت نعم ليلي أضنٌّ بخيل وأبعده نيلًا وأوشكه قِلًى ... وإن سئلت عرفًا فشرٌّ مسول حلفت بربِّ الرًّاقصات إل منًى ... خلال الملا يمددن كلَّ جديل

стр. 1559

لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسرّ ولا أرسلتهم برسول فلا تعجلي يا ليل أن تفهَّمي ... بنصحٍ أتي الواشون أم بحبول ورسول في هذا البيت مصدر بمعني الرِّسالة، وبه استشهد صاحب "الكشاف" والقاضي عند قوله تعالي: (فقولا إنَّا رسول ربِّ العالمين)] الشعراء/١٦ [وحبول: جمع حبل، بكسر الحاء المهملة وسكون الوحدة، وهو الفساد. وقوله: لدن أن عرفتها، روي بدله "لدن طر شاربي" يقال: طر النبت يطر- بالضم- طرورًا: نبت، ومنه: طرَّ شارب الغلام. قال المصنف: وفيه استعمال لدن بغير من، ولم تأت في التنزيل إلاَّ مقرونة بمن. انتهي. والهائم قال صاحب "المصباح": هام يهيم: خرج علي وجهه لا يدري أين يتوجه، فهو هائم إن سلك طريقًا مسلوكًا، فإن سلك طريقًا غير مسلوك فهو راكب التعاسيف. انتهي. وقال الدماميني: الهائم من الإبل: الذي يصيبه داء فيهيم، أي: يذهب علي وجهه في الأرض ولا يرعي. والمراد: محل الرَّود، أي: طلب الكلأ، شبه نفسه في طرد ليلي له بالبعير الذي يصيبه داء الهيام، فيطرد عن الإبل خشية أن يصيبها ما أصابه. انتهي. والمقصي: اسم مفعول، من أقصاه، أي: أبعده. وترجمة كثير عزة تقدمت في الإنشاد التاسع عشر من أوائل الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثمانون بعد الثلاثمائة: (٣٨٣) وقد جعلت قلوص ابني سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب علي أنَّ الجملة الاسمية قد استعيرت فيه مكان الجملة الفعلية، قال ابن جني في "إعراب الحماسة": أوقع الجملة من المبتدأ والخبر موقع الجملة من الفعل والفاعل،

стр. 1560

إراد: وقد جعلت قلوص ابني سهيل يقرب مرتعها من الأكوار. انتهي. وأقول: الصواب في التقدير: تقرب من المرتع بإسناد الفعل إلي ضمير القلوص، فإن جميع أفعال المقاربة لا يكون فاعل خبرها إلاَّ ضمير اسمها. نص عليه المحقق الرَّضي. والبيت من أبيات ثلاثة أوردها أبو تمام في "الحماسة" وهي. ولست بنازل إلاَّ ألمَّت ... برحلي أو خيالتها الكذوب فقد جعلت قلوص ابني سهيلٍ ... من الأكوار مرتعها قريب كأنَّ لها برحل القوم بوًا ... وما إن طبها إلاَّ اللغوب قوله: ولست بنازلٍ ... الخ، فعال ألمَّت ضمير المرأة، وألمت: نزلت، الإلمام: النزول، والرحل: مسكن المسافر وما يستصحبه من الأثاث، وخيالتها: معطوف علي الضمير المستتر في ألمت، مع عدم توكيد المستتر بمنفصل، واكتفي بوجود الفصل بالظرف. والخيالة: الطيف، يقال: خيال وخيالة، كما يقال: مكان ومكانة، والكذوب: صفة الخيالة، ووصفها بالكذب لأنه لا حقيقة لها، ولم يؤنث الكذوب لأنَّ فعولا يستوي فيه المذكر والمؤنث. يقول: لا أنزل محلًّا إلاَّ رأيت الحبيبة تتصوَّر لي من شدة شوقي إليها، أو رأيت خيالها في النوم، ولا أنفكٌّ منها في يقظة أو نوم. وقوله: وقد جعلت قلوص .. الخ، قال المرزوقي والتبريزي وغيرهما من شراح "الحماسة": جعلت هنا بمعني طفقت، وبعد هذا قالوا: إنَّ جملة "مرتعها قريب" حال، وهذا أمر غريب منهم. ونقل التبريزي عن أبي العلاء المعري أنه قال: كثير من الناس يرفع القلوص، وهو وجه ردئ لأنَّ القائل إذا قال: جعلت، وهو يريد المقاربة، لم يكن بد من إتيانه بالفعل، وأحسن من هذه الرواية أن تنصب "قلوصًا" ويكون في "جعلت" ضمير المرأة المذكورة، وليست جعلت في هذا القول في معني المقاربة، وإنما هي

стр. 1561

صيرت، فلا تفتقر إلي فعل، ويكون مرتعها قريب في موضع المفعول الثاني. انتهي. وهذا أجود، وبه ترتبط الأبيات الثلاثة، ولم يصب العيني في ضبط جعل هنا بالبناء للمفعول. وللشلوبين هنا كلام أوردناه في شرح الشاهد الرابع والخمسين بعد السبعمائة من شواهد الرضي. والقلوص: الناقة الشابة، وروي "ابني زياد" بدل "ابني سهيل" بتثنية ابن في الروايتين. والأكوار: جمع كور، بالضم، وهو الرحل بأداته، يقول: إذا سرحت لم تبعد في المرعي لشدة كلالها، وقد شرحه قول الآخر: من الكلال لم يذقن عودا ... لا عقلًا تبقي قيودا ولقد أبعد الدماميني في قوله: الكور، بالفتح، وهي الجماعة الكثيرة من الإبل. وقوله: كان لها ... إلي آخره، قال المرزوقي: يقول: كأن لهذه الناقة ولدًا برحل تتعطف عليه ولا تتباعد عنه، وما داؤها إلاَّ الإعياء. والطب، بالكسر: أصله العلم، والمراد به هنا: الذي يعلم ويعرف، البو: أصله جلد فصيل، يحشي تبنًا لتدر الأم عليه. انتهي. وقال غيره من الشراح: أي: ما شأنها وداؤها، وقال آخر: الطب هنا السقم، ومنه "آخر الطب الكي"، واللغوب: الإعياء، ولغب لغوبًا، كدخل دخولًا، وجاء من باب فرح. ولم أقف علي صاحب هذا الشعر، وقد تكلمنا عليه أيضًا في شرح الشاهد الثاني والخمسين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثمانون بعد الثلاثمائة: (٣٨٤) لمتى صلحت ليقضين لك صالح ... ولتجزينَّ إذا جزيت جميلًا علي أنَّ اللام الموطئة قد تدخل على غير "إن" الشرطية، كدخولها هنا علي "متى" قال ابن مالك في "التسهيل": وتقرن أداة الشرط المسبوقة بلام مفتوحة تسمي

стр. 1562

المواطئة، قال أبو حيان: أداة الشرط أعم من أن تكون "إن" أو غيرها، إلاَّ أنَّ "إن" اقترانها باللام كثير، ومثال دخولها على غير "إن" من أدوات الشرط قول القطامي: ولما رزقت لتأتينَّك سيبه ... جلبًا وليس إليك ما لم ترزق وقول الآخر: لمتى صلحت ليقضين لك صالح .. البيت. وعلي ذلك حمل المصنف وغيره قوله تعالي: (لما آتيناكم من كتاب وحكمة) الآية] ٨١/آل عمران [. وقوله: المسبوقة، أي بقسم ملفوظ أو مقدر، فالملفوظ به: ٠ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم)] الأنعام/١٠٩ [والمقدر: الموطئة أي: وطأت الجواب للقسم المذكور قبلها أو المنوي، وتسمي أيضًا المؤذنة، آذنت بالقسم، وقد شبه بعضهم إذ بإن فأدخل عليها اللام، قال: غضبت علي وقد شربت بجزَّةٍ .. البيت وقوله: لمتى صلحت .. الخ، اللام الأولي المواطئة، والثانية: لام جواب القسم، والثالثة مع دخولها: معطوفة علي جواب القسم، ويقضين: مضارع مجهول مؤكد بالنون الخفيفة، وصلح بفتح اللام وضمها: ضد فسد، والقضاء: الحكم، وصالح: نائب الفاعل، ولتجزينَّ بالبناء للمفعول، وجزيت إن كان بالبناء للفاعل بمعني صنعت وعملت، يكون مع ما قبله قد تنازع جميلًا. وإن كان بالبناء للمفعول، كان جميلًا مفعولًا لقوله: تجزين، ولا تنازع، لأنَّ معناه حينئذ عوملت بالجزاء. والبيت لم أقف علي قائله، والله أعلم.

стр. 1563

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد الثلاثمائة: (٣٨٥) غضبت عليَّ لإن شربت بجزةٍ ... فلإذ غضبت لأشربن بخروف علي أنَّ اللام الموطئة دخلت علي "إذ" تشبيهًا له بإن الشرطية. قال ابن جني في "سر الصناعة": وقد شبه بعضهم "إذ" بإن، فأولاها اللام فقال: غضبت عليَّ وقد شربت بجزَّة ... البيت انتهي. قال الدماميني: ووجه شبه "إذ" بإن أنَّ "إذ" ترد للتَّعليل و "إن" للشرط، وهما متقاربان في المعني، بل ادَّعي ابن الحاجب أنَّ معني قولك: إن أتيتي أكرمتك، وقولك: أكرمك لإتيانك، واحد. انتهي. والبيت من أبيات نسبها الأصمعي وغيره لأعرابي، وعزاها الجاحظ في كتاب "البيان" لراع من الرعاة، ووقع في رواية الجميع: "فلئن غضبت" بإن الشرطية لا بإذ. قال أبو علي القالي في "أماليه": حدثنا أبو بكر قال: أخبرنا عبد الرحمن أو أبو حاتم، الشك من أبي علي عن الأصمعي، قال: اشتري أعرابي حمرًا بجزة صوف، فغضبت عليه امرأته فأنشأ يقول: غضبت عليَّ لئن شربت بصوف ... ولئن غضبت لأن شربن بخروف ولئن غضبت لأشربنَّ بنعجةٍ ... دهساء مالئة الإناء سجوف ولئن غضبت لأشربنَّ بناقةٍ ... كوماء ناوية العظام صفوف ولئن غضبت لأشربنَّ بسابحٍ ... نهد أشمَّ المنكسبين منيف ولئن غضبت لأشربنَّ بواحدي ... ولأجعلنَّ الصبر عنه حليفي ولقد شهدت الخيل تعثر بالقنا ... وأجبت صوت الصاروخ الملهوف ولقد شهدت إذا الخصوم تواكلوا ... بخصام لا نزقٍ ولا علفوف قال أبو علي: الصَّفوف: التي تصفٌّ بين رجليها عند الحب، ويقال: إلي يصف بين محلبيها. والسجوف: التي لها سجفتان من الشحم، أي طبقتان، والسجف

стр. 1564

القشر، سجفت الشيء: قشرته. والعلفوف: الجافي. انتهى ما في "الأمالي". وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الحباب السعدي، وتوفي بمصر في سنة خمس وخمسين وخمسمائة في كتاب "مساوئ الخمر": وشرب أعرابي بصوف كان عنده، فلحته امرأته وهجرته، فقال: غضبت عليَّ لإن شربت بصوف .. إلى قوله: ولئن غضبت لأشربنَّ بواحدي .. البيت. وقال: يعني الذي لا ولد له سواه. انتهى. والجزَّة، بكسر الجيم وتشديد الزاي، قال صاحب "القاموس": جزَّ الشعر والحشيش جزًا، وجزَّة: قطعه، والجزَّة بالكسر: ما يجز منه، أو هي صوف نعجة تجز فلم يخالطه غيره، أو صوف شاة في السنة، أو الذي لم يستعمل بعد جزّه. انتهى. والدهساء بسين مهملة: العظيمة العجز، والكوماء، بفتح الكاف والمد: العظيمة السنام، والناوية، بالنون: السمينة، والسابح: الفرس الهيّن الجري، والنهد: المرتفع العالي، وتواكلوا: تظاهروا بالعجز والاعتماد على الغير في أمرهم، والنزق، بفتح النون وكسر الزاي: السيء الخلق. وأنشد بعده: من يفعل الحسنات الله يشكرها تمامه: والشَّرّ بالشرّ عند الله سيان وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثمانين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثمانون بعد الثلاثمائة: (٣٨٦) لئن كانت الدُّنيا عليَّ كما أرى ... تباريح من ليلى فللموت أروح

стр. 1565

على أنَّ اللام في لئن زائدة، والجواب للشرط، لأنه جاء مقرونًا بالفاء. وزعم الفراء أن الشرط قد يجاب مع تقدم القسم عليه، وظاهره أنَّ الفراء لا يقول بزيادة اللام والفاء جانب القسم، وأنَّ ذلك غير مخصوص بالشعر، وليس الأمر كذلك. وهذا كلامه في تفسير صريح في خلاف ما نقل عنه، قال عند قوله تعالى: ﴿لئن اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾ [الإسراء/ ٨٨] لا يأتون: جواب لقوله: ﴿لئن﴾ والعرب إذا أجابت "لئن" بـ "لا" جعلوا ما بعد لا رفعًا، لأنَّ لئن كاليمين، وجواب اليمين بلا مرفوع، وربما جزم الشاعر؛ لأن "لئن" إن التي يجازي بها زيدت عليها لام، فوجّه الفعل فيها إلى فعل، ولو أتى بيفعل لجاز جزمه. وقد جزم بعض الشعراء بلئن، وبعضهم بلا التي هي جوابها قال الأعشى: لئن منيت بنا عن غبِّ معركة ... لا تلفنا من دماء القوم ننتفل وأنشدتني عقيلية فصيحة" لئن كان ما حدِّثته اليوم صادقًا .. إلخ وأنشدني الكسائي للكميت بن معروف: لئن تك قد ضاقت عليكم بلادكم ... ليعلم ربِّي أنَّ بيتي واسع انتهى كلام الفراء. وكذا قال في تفسير سورة البقرة إلاَّ أنه يخصه بالشعر قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾ [البقرة/ ١٠٢] ما نصّه: صيَّروا جواب الجزاء بما يلقى به اليمين، إمّا بلام، وإمّا بإنَّ، وإما بما، فتقول في "ما": لئت أتيتني ما ذلك لك بضائع، وفي "إنّ": لئن أتيتني إنَّ ذلك لمشكور، وفي "لا": ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم﴾ [الحشر/ ١٢]، وفي اللام: ﴿ولئن نصروهم ليولُّنَّ الأدبار﴾ وإنما صيروا جواب الجزاء كجواب اليمين؛ لأنَّ اللام التي دخلت في: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾ وفي ﴿لما آتيتكم من كتابٍ﴾ [آل عمران/ ٨١]

стр. 1566

وفي ﴿لئن أخرجوا﴾ إنما هي لام اليمين، وكان موضعها في آخر الكلام، فلما صارت في أوله صارت باليمين، فلقِّيت بما يلقَّى به اليمين. وإن أظهرت الفعل بعدها على يفعل جاز ذلك وجزمته، فقلت: لئن تقم لا نقم إليك، وقال الشاعر: وإن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم .. البيت وأنشدني بعض عقيل: لئن كان ما حدِّثته اليوم صادقًا .. إلخ. فألغى جواب اليمين من الفعل، وكان الوجه في الكلام: لئن كان كذا لآتينَّك. وتوهم إلغاء اللام، كما قال الآخر: فلا يدعني قومي صريحًا لحرَّةٍ ... لئن كنت مقتولًا ويسلم عامر فاللام في لئن ملغاة، ولكنها كثرت في الكلام حتى صارت كأنها إن، ألا ترى أنَّ الشاعر قد قال: فلئن قومٌ أصابوا غرَّةً ... وأصبنا من زمانٍ رققا للقد كانوا لدى أزماننا ... لصنيعين: لبأسٍ وتقى فأدخل على "لقد" لامًا أخرى، لكثرة ما تلزم العرب اللام في لقد، حتى صارت كأنها منها. وأنشدني بعض بني أسد: فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبدًا دواء ومثله قول الشاعر: كما ما امرؤٌ في معشرٍ غير رهطه ... ضعيف الكلام شخصه متضائل قال كما، ثمَّ زاد معها ما أخرى لكثرة كما في الكلام، فصارت كأنها منها، وقال الأعشى: لئن منيت بنا عن غبِّ معركةٍ .. البيت

стр. 1567

فجزم لا تلفنا، والوجه الرفع، كما قال تعالى: ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم﴾ [الحشر/ ٥٩] ولكنه لما جاء بعد حرف ينوى به الجزم صيِّر مجزومًا، وهو في معنى رفع. وأنشد القاسم بن معن عن العرب: حلفت له إن تدلج الليل لا يزل ... أمامك بيتٌ من بيوتي سائر والمعنى: حلفت له لا يزال بيت، فلما جاء بعد المجزوم صيّر جوابًا للجزم. إلى هنا كلام الفراء. وقال ابن مالك في "التسهيل": وقد يغني جواب الأداة مسبوقة بالقسم، وقال في شرحه: ولا يمتنع الاستغناء بجواب الشرط مع تأخره، ومن شواهده كذا وكذا، وأنشد ما أنشده الفراء من الأبيات وغيرها، قال أبو حيان: هذا الذي أجازه المصنف هو مذهب الفراء، وقد منعه أصحابنا والجمهور، وقالوا: لا يجوز جعل الفعل جوابًا للشرط المتوسط بينه وبين القسم، وقالوا: اللام في لئن ينبغي أن تكون زائدة، هذا كلامه، وتبعه المصنف هنا. وأقول: الحكم بزيادة اللاَّم هو قول الفراء كما رأيت، فكيف يجعل جواب البصريين ويرد به على الفراء؟ ! ومختار البصريين هو مختار الفراء، فكيف ينسب إليه شيء لم يقل به، ثم يرد عليه؟ هذا أمر عجيب! وابن مالك لم يصرح بزيادة اللام في هذه المسألة، فكيف يكون تابعًا للفراء، وإنما صرح بزيادتها في نحو: قلَّ العزاء لئن كان الرَّحيل غدا وقد قال الفراء بزيادة الَّلام في هذا أيضًا كما تقدَّم في كلامه. وقال ناظر الجيش: وهذه الأبيات أدلَّة ظاهرة على المدَّعى، غير أنَّ ابن مالك لم ينسب هذا المذهب لبصري ولا كوفي جريًا منه على طريقته المألوفة، وهي أنه إذا قام الدَّليل عنده على شيء اتبعه، ثمَّ إنه قد ينبِّه على خلاف ذلك إن كان، وقد لا يتعرَّض إلى ذلك، والجماعة يذكرون أنَّ هذا القول إنما هو للفراء.

стр. 1568

قال ابن عصفور: لا يجوز جعل الفعل جوابًا للشرط إذا توسط بينه وبين القسم واللام في "لئن" في تلك الأبيات ينبغي أن تكون زائدة. وأقول: إنَّ ابن عصفور لم يذكر دليلًا على امتناع ما ذكره المصنف، بل عمد إلى الأدلة فأخرجها عن ظاهرها بغير موجب، وحكم بزيادة اللام مع إمكان القوم بعدم الزيادة. وبعد، فلا يخفى على الناظر وجه الصواب، والوقوف على ما ورد عن العرب، حيث لا مانع يمنع من الحمل على ظاهر ما ورد عنهم. هذا كلامه، وهو كأبي حيان وابن عصفور لم يقفوا على كلام الفراء. والبيت من قصيدة طويلة لذي الرمة، كلها نسيب بميَّته، وفي أوائلها بيت يأتي في الباب الخامس. وهذه أبيات منها: قد احتملت ميُّ فهاتيكَ دارها ... بها السُّحم تردي والحمام الموشَّح ولمَّا شكوت الحبَّ كيما تثيبني ... بوجدي قالت إنَّما أنت تمزحُ بعادًا وإدلالًا عليَّ وقد رأت ... ضمير الهوى قد كاد بالجسمِ يَبرح أبيت على ميّ حزينًا وبعلها ... يبيت على مثل النَّقا يتبطَّح لئن كانت الدنيا عليَّ كما أرى .. البيت قال جامع ديوانه: السُّحم: الغربان، والحمام الموشّح: القماري. وتثيبني: تجزيني، وبعادًا مباعدة، ويبرح من أبرح، أي: يشقُّ بالجسم مشقة، وتباريح: عذاب ومشقّة. انتهى. وقد أورد المبرّد البيت مع أبيات أخر من القصيدة كذا: تباريح من ذكراك للموت أروح وقال: التباريح الشدائد، يقال: برَّح بي تبريحًا، ويقال: ما لقيت منك برحًا يا فتى، والعرب لا تعرفه إلَّا ساكن الراء. انتهى. وعليه فالبيت جار على نهج

стр. 1569

القاعدة، وأروح: أفعل تفضيل من الراحة. وترجمة ذي الرّمة، بضم الراء، تقدَّمت في الإنشاد الرابع والخمسين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد الثلاثمائة: (٣٨٧) لئن كان ما حدِّثته اليوم صادقًا ... أصم في نهار القيظ للشَّمس باديا على أنَّ اللام في "لئن" زائدة كما تقدَّم. وقد أنشد الفراء هذا البيت مع بيت بعده في كلامه السّابق في آية البقرة، قال: أنشدني بعض عقيل: لئن كان ما حدِّثته اليوم صادقًا ... أصم في نهار القيظ للشمس باديا وأركب حمارًا بين سرجٍ وفروةٍ ... وأعر من الخاتام صغرى شماليا وما: اسم موصول، أي: الكلام الذي حدثته بالبناء للمفعول، والتاء للخطاب: نائب الفاعل، والهاء العائد على ما، وصادقًا: خبر كان، وأصم: جواب الشرط، والقيظ: شدة الحرّ، والقيظ: الفصل الذي يسمّيه النّاس الصيَّف، كذا في "المصباح" والبادي وهو حال من ضمير أصم، واللَّام متعلَّقة به. وقوله: وأركب بالجزم: معطوف على أصم، والفروة: خمار المرأة، وركوب الحمار بين السّرج والفروة: كناية عن التّنديد والتّشهير للنكال، فإنَّ السّرج للفرس لا للحمار، والفروة من لباس المرأة لا الرّجل، فالجمع بينهما على الحمار يكون للعقوبة والتشهير والإفضاح بين النّاس. وأعر: معطوف على أصم أيضًا، وهو مجزوم بحذف الياء، مضارع أعرى إعراءً، أي: جعله عاريًا، والخاتام كالخيتام: لغة في الخاتم، وأراد بصغرى شماله: الخنصر، فإنَّ الخاتم يكون بها زينة للشمال، واليمين يكفيها فضيلة اليمن؛ فجعل الخاتم في الشمال للتعادل: يقول: إن كان ما نقل عني لك من الحديث صحيحًا أكن صائمًا في القيظ، بارزًا للشمس،

стр. 1570

وأركبه الله حمارًا للخزي، والنكال، وجعل خنصر شماله عارية من زينتها بقطعها. وعقيل بالتصغير: أبو قبيلة، وهو عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وأنشد بعده وهو الإنشاد الثامن والثمانون بعد الثلاثمائة: (٣٨٨) ألمم بزينب إنَّ البين قد أفدا ... قلَّ الثَّواء لئن كان الرَّحيل غدًا لما تقدَّم قبله من زيادة اللام، وتقدَّم مثله في كلام الفرّاء، وهو قول الشاعر: فلا يدعني قومي صريحًا لحرَّة ... لئن كنت مقتولًا ويسلم عامر قال ابن مالك في "التسهيل": وقد يجاء بـ "لئن" بعد ما يغني عن الجواب؛ فيحكم بزيادة الَّلام. انتهى. ويريد بالجواب جواب الشّرط، بدليل زيادة اللاَّم. وألمم به: نزل عنده واجتمع معه. والبين: الانفصال، وأفد: بفتح الألف وكسر الفاء، بمعنى قرب. والثّواء، بالفتح والمدّ: الإقامة. وروي بدله: "العزاء" وهو الصَّبر. وهو أوَّل أبيات لعمر ابن أبي ربيعة. روى صاحب "الأغاني" عن مصعب الزّبيري قال: اجتمع نسوة، فذكرن عمر ابن أبي ربيعة وشعره، وظرفه، وحسن مجلسه، وحديثه، وتشوقن إليه، وتمنَّيته، فقالت سكينة: أنا آتيكنَّ به، فبعثت إليه رسولًا أن توافي الصّورين ليلة كذا. فوافاها على رواحله، ومعه الغريض، فحدَّثهمَّ حتى وافى الفجر، وحان انصرافهنَّ، فقال لهنَّ: والله إني لمشتاق إلى زيارة قبر رسول الله ﷺ ، والصَّلاة في مسجده، ولكن لا أخلط زيارتكنَّ بشيء، ثمَّ انصرف إلى مكّة، وقال: ألمم بزينب إنَّ البين قد أفدا ... قلَّ الثَّواء لئن كان الرَّحيل غدا قد حلفت ليلة الصُّورين جاهدةً ... وما على الحرِّ إلاَّ الصَّبر مجتهدا لأختها ولأخرى من مناصفها ... لقد وجدت به فوق الَّذي وجدا لعمرها ما أراني إن نوىً نزحت ... وهكذا الحبُّ إلاَّ ميِّتًا كمدا

стр. 1571

وانصرف عمرٌ بالغريض معه. فلما كان بمكة، قال عمر: يا غريض، إني قد قلت في [هذه] اللّيلة التي كنا فيها شعرًا، فامضِ به إلى النّسوة. فأنشدهنَّ ذلك، فحمل الغريض الشعر ورجع إلى المدينة المنوَّرة، فقصد سكينة، وقال لها: "إنَّ عمر وجَّهني إليك قاصدًا، وحمَّلني شعرًا، وأمرني أن أنشدك إيّاه. قالت: يا ويحه! ما كان عليه أن لا يرحل في غده، فوجّهت إلى النّسوة، فجمعتهنَّ، وأنشدهنَّ الشعر. فقالت سكينة: أحسنت وأحسن عمر! يا بنانة، أعطيه بكلّ بيت ألف درهم، فأخرجت إليه أربعة آلاف درهم، وقالت: لو زادنا عمر لزدناك. انتهى. ثمَّ قال صاحب "الأغاني": ومن النّاس من ينسب هذا إلى معبد، وأوله يا أمَّ طلحة إنَّ البين قد أفدا ... قلَّ الثَّواء لئن كان الرَّحيل غدا أمسى العراقيُّ لا يدري وإن برزت ... من ذا تطوَّف بالأركان أو سجدا لعمرها ما أراني إن نوًى نزحت ... ودام ذا الحبُّ إلاَّ قاتلي كمدا قد حلفت ليلة الصُّورين واجتهدت ... إلى آخر البيتين. لو جمع النّاس ثمَّ اختير صفوتهم ... شخصًا من النَّاس لم أعدل به أحدا الشّعر للأحوص، ويقال إنّه لعمر أيضًا، والغناء لمعبد. انتهى. والمناصف: جمع منصف، بفتح الميم وكسرها؛ الخادم. والأنثى: منصفة، والنّوى: النّية التي ينويها المسافر من قرب أو بعد، ونزحت: بعدت، والغريض، بإعجام الطّرفين كأمير، مغنٍّ مشهور، ومعبد كذلك. وترجمة عمر ابن أبي ربيعة تقدَّمت في الإنشاد السّادس من أوَّل الكتاب. "لا" أنشد فيه، وهو الإنشاد التّاسع والثمانون بعد الثلاثمائة: (٣٨٩) فلا ثوب مجدٍ غير ثوب ابن أحمدٍ ... على أحدٍ إلَّا بلؤمٍ مرقَّع

стр. 1572

على أنَّ "لا" فيه نافية للجنس، واسمها منصوب، لكونه مضافًا. وروي بالرفع؛ فلا تكون من هذا الباب، كما يأتي. وهذا الفصل لخّصه المصنّف من المجلس السّابع والسّتين من "أمالي ابن الشجري"، كأنه أورد بحث "لا" فقال: فإن وليها المضاف أو الطّويل، وهو الذي يعمل فيما بعده نصبًا أو رفعًا، فالفتحة نصب صريح؛ لأنَّ التركيب لا يكون فيما جاوز جزءين. فمثال المضاف: "لا طالب حق في الدّار". ومنه قول المتنبي: فلا ثوب مجدٍ غير ثوب ابن أحمد .. البيت إلى أن قال: فالفتحة [في قولك]: "لا صاحب حقّ" وفي [قوله] "فلا ثوب مجد" نصب صريح. انتهى. والبيت من قصيدة للمتنبي، قالها في صباه مدح بها عليّ بن أحمد الطّائي مطلعها: حشاشة نفسٍ ودَّعت يوم ودَّعوا ... فلم أدر أيَّ الظَّاعنين أشيِّع أشاروا بتسليم فجدنا بأنفسٍ ... تسيل من الآماق والسُّمُّ أدمع حشاي على جمرٍ ذكيٍّ من الهوى ... وعيناي في روضٍ من الحسن ترتع إلى أن قال: فيا ليلةً ما كان أطول بثَّها وسمُّ الأفاعي عذب ما أتجرَّع تذلَّل لها واخضع على القرب والنَّوى ... فما عاشقٌ من لا يذلُّ ويخضع ولا ثوب مجدٍ غير ثوب ابن أحمد .. البيت. انتقل من النسيب إلى المدح من غير مناسبة على طريق الاقتضاب، وهي طريقة للعرب قديمة. قال الواحد: يقول: لم يخلص المجد لغيره، وإنما خلص له، ومجد غيره مشوب باللؤم، ومجده خالص من الذم والعيب، ومن روى: "فلا ثوب" بالرَّفع، فلأنه عطف على قوله: "فما عاشق انتهى". والظّاهر أنها حينئذ تكون عاملة عمل ليس، ويكون خبرها متعلَّقّ "على أحد" تقديره "موجودًا على أحد" و"غير" في الوجهين منصوبة على الاستثناء.

стр. 1573

وأنشد بعده، وهو الإنشاد التّسعون بعد الثلاثمائة: (٣٩٠) قفا قليلًا بها عليَّ فلا ... أقلَّ من نظرةٍ أزوَّدها على أن "أقلّ" مبنيّ مع "لا" على الفتحة ويجوز رفعه على أنها عاملة عمل ليس. قال ابن الشّجري: وأمّا قوله: قفا قليلًا عليَّ .. البيت، فيجوز في "أقل" الرّفع والنصب، فالرَّفع على تشبيه "لا" بليس، والنصب على تشبيه "لا" بأن والفتحة في "أقلّ" إعراب لطوله [بمن] انتهى. وقد ذكر الوجهين الواحدي في شرحه. والبيت من قصيدة للمتنبي قالها في صباه أيضًا، مدح بها أبا الحسين محمد بن عبد الله العلوي وقبله: يا حاديي عيرها وأحسبني ... أوجد ميتًا قبيل أفقدها نادى الحاديين لعيرها، والعير بالكسر، قال صاحب "المصباح": هي الإبل التي تحمل الميرة، ثمَّ غلب على كلّ قافلة. وجملة "وأحسبني" إلى آخر البيت: معترضة بين النداء وبين المقصود به، وهو قوله: قفا قليلًا .. إلخ، وأفقدها: أصله أن أفقدها، فلمّا حذفت أن ارتفع الفعل، وهو من باب ضرب. وقوله: قفا بها، أي احبساها عليَّ زمانًا قليلًا لأنظر إليها، وأتزوَّد منها نظرة فلا أقلّ منها، وهذا قريب من قول ذي الرّمة: وإن لم يكن إلاَّ تعلُّل ساعةٍ ... قليلٌ فإنّي نافعٌ لي قليلها وضمير بها: للعير، ويجوز أن يكون لمحبوبته. وأزوَّدها بالبناء للمفعول من زوّد، أي: أعطيته زادًا.

стр. 1574

وقد ضمَّن بعضهم البيت الثاني شعره وأجاد في التضمين قال: أصبح برذوني المرقَّع باللّصقات في حسرةٍ يكابدها رأى حمير الشَّعير عابرةً ... عليه يومًا فظلَّ ينشدها قفا قليلًا بها علي .. البيت. وأنشد بعده: إنَّ محلًّا وإنَّ مرتحلًا ... وإنَّ في السَّفر إذ مضوا مهلا وتقدَّم شرحه في الإنشاد التّاسع عشر بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد الثلاثمائة: (٣٩١) من صدَّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيسٍ لا براح على أنَّ "لا" هنا عاملة عمل ليس، وبراح: اسمها، والخبر محذوف تقديره لي. وأنشده سيبويه أيضًا على إجرائها مجرى ليس في بعض اللّغات. قال ابن خلف: ويجوز رفع "براح" على الابتداء، غير أنَّ الأحسن- حينئذ- تكرير "لا" قال: المبرد- كما نقله النحاس- لا أرى بأسًا أن تقول: "لا رجل في الدار" في غير ضرورة، وكذا "لا زيد في الدّار" في جواب: "هل زيد في الدار" وصد: أعرض، والضمير في نيرانها للحرب، وقوله: فأنا ابن قيس أي: أنا المشهور في النجدة كما سمعت، وأضاف نفسه إلى جدّه كما سمعت، وأضاف نفسه إلى جدّه الأعلى لشهرته به، وجملة "لا براح لي" حال مؤكدة لقوله: أنا ابن قيس ثابتًا في الحرب. وإتيان الحال بعد أنا ابن فلان كثير كقوله: أنا ابن دارة معروفًا بها نسبي

стр. 1575

وقيل: الجملة في محل رفع خبر، وقيل: تقرير للجملة التي قبلها، ويجوز نصب "ابن قيسٍ" على الاختصاص، فيتعيّن جملة: "لا براح لي" كونها خبرًا لأنا، وهو أفخر وأمدح. قال الإمام المرزوقي في قوله: إنَّا بني نهشلٍ لا ندَّعي لأبٍ الفرق بين أن تنصب "بني نهشل" على الاختصاص، وبين أن ترفع على الخبريَّة، هو، أنه لو جعله خبرًا لكان قصده إلى تعريف نفسه عند المخاطب، وكان فعله لذلك لا يخلو عن خمول فيهم، وجعل من المخاطب بشأنهم، وإذا نصب أمن من ذلك؛ فقال: مفتخرًا أنا أذكر من لا يخفي شأنه، لا نفعل كذا وكذا. انتهى. والبراح، بفتح الواحدة، مصدر برح الشيء براحًا، من باب تعبِ: إذا زال من مكانه. وهذا البيت من قصيدة لسعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، وهو فارس شاعر جاهلي، وهو أحد سادات بكر بن وائل. وتقدَّم شرح أبيات منها في الإنشاد التاسع والخمسين بعد الثلاثمائة، وقد ذكرنا منشأ هذا الشّعر في شرح الشاهد الواحد والعشرين بعد المائتين من شواهد الرّضى. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد الثلاثمائة: (٣٩٢) تعزَّ فلا شيءٌ على الأرض باقيًا ... ولا وزرٌ ممَّا قضى الله واقيا

стр. 1576

على أنَّ خبر "لا" هذه قد يذكر فلا يحذف، كما هنا، وهو قليل. وتعزّ: فعل أمر، من العزاء، وهو الصّبر. والوزر: الملجأ. والبيت مشهور في كتب النحو، ولم أقف على قائله، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والتسعون بعد الثلاثمائة: (٣٩٣) نصرتك إذ لا صاحبٌ غير خاذلٍ ... فبوِّئت حصنًا بالكماة حصينًا على أنَّ "لا" هنا لا يتعين أن تكون عاملة، بل هي مهملة عمل "ليس" لجواز أن تكون "غير" منصوبة على الاستثناء، ويكون الخبر محذوفًا، تقديره لك، وهذا رد على شراح "التسهيل" في زعمهم أنها عاملة، والخاذل: من خذله؛ إذا لم يعنه، ولم ينصره. وبوئت، بالبناء للمفعول والخطاب؛ أي: أسكنت مثله، من المباءة بالفتح والمدّ، وهو المسكن. يقال: بوَّأه الله منزلًا؛ أي: أسكنه إيَّاه، والباء: متعلّقة بما بعدها، وهو حصين. وهذا البيت أيضًا لم أقف على قائله مع شهرته في كتب النحو، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرّابع والتسعون بعد الثلاثمائة: (٣٩٤) وحلَّت سوادا القلب لا أنا باغيًا ... سواها ولا في حبِّها متراخيا على أنها عاملة في المعرفة عند ابن جني، وابن الشّجري، قال ابن الشّجري: كتب إليَّ رجل من أماثل كتَّاب العجم يسأل عن هذا البيت: أصحيح إعرابه أم فاسد؟ وذكر أنه لشاعر أصفهاني من أهل هذا العصر، وهو: يؤلِّل عصلًا لا بناهنَّ هينةً ... ضعافًا ولا أطرافهنَّ نوابيا رفع بناهن بـ "لا" ونصب هينة بأنه خبرها، وإنما فعل ذلك لنصب القافية؛ لأنه

стр. 1577

لما أعمل "لا" الأولى هذا العمل أعمل "لا" الثانية عمل الأولى. ولحّنه في هذا نحويّ من أهل أصفهان؛ لأنه جعل اسم "لا" معرفة وقال: إنّ من شبّه "لا" بليس من العرب رفعوا بها النَّكرة دون المعرفة، فأجبت عن هذ بأني وجدت قومًا النحويين معتمدين على أنَّ "لا" المشبَّهة بليس إنما ترفع النَّكرات خاصَّة، وعلَّلوا هذا بأنَّ "لا" ضعيفة في باب العمل، لأنها إنَّما تعمل بحكم الشّبه لا بحكم الأصل في العمل، والنّكرة ضعيفة جدًا، فلذلك لم يعمل العامل الضَّعيف إلاَّ في النكرات، كقولك: عشرون رجلًا، ولي مثله فرسًا، وزيد أحسنهم أدبًا، فلمّا كانت "لا" أضعف العوامل، والنَّكرة أضعف المعمولات، خصّوا الأضعف بالأضعف. وجاء في شعر أبي الطَّيب إعمال "لا" في المعرفة في قوله: إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذى .. البيت. ووجدت أبا الفتح عثمان بن جني، غير منكر في ذلك في تفسيره لشعر المتنبي، ولكنه قال بعد إيراد البيت: شبّه "لا" بليس، فنصب بها الخبر. وأقول: إنَّ مجيء مرفوع "لا" منكورًا في الشّعر القديم هو الأعرف، إلاَّ أنَّ خبرها كأنَّهم ألزموه الحذف، وذلك في قول سعد بن مالك بن ضبيعة: من صدَّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيسٍ لا براح أراد: لا براح لي، أو عندي. وفي قول رؤبة: والله لولا أن تخشَّ الطُّبَّخ ... بي الجحيم حين لا مستصرخ أراد: لا مستصرخ لي. ومرَّ بي بيت للنّابغة الجعدي، فيه مرفوع "لا" معرفة وهو: وحلَّت سواد القلب لا أنا مبتغٍ ... سواها ولا عن حبِّها متراخيًا وقبله: دنت فعل ذي حبٍّ فلمّا تبعتها ... تولَّت وردَّت حاجتي في فؤاديا

стр. 1578

وبعده: وقد طال عهدي بالشَّباب وظلِّه ... ولا قيت أيامًا تشيب النَّواصيا وإنما ذكرت هذين البيتين مستدلًا بهما على نصب القافية، لئلا يتوهّم متوهّمٌ أنَّ البيت فرد مصنوع، لأنَّ إسكان الياء في قوله: متراخيًا ممكن مع تصحيح الوزن، على أن يكون البيت من الطّويل الثالث، مثل قوله: أقيموا بني النُّعمان عنّا صدوركم ... وإلاَّ تقيموا صاغرين الرّؤوسا وإذا صحَّ نصب قافية البيت، فلا تخلو "لا" الأولى أن تكون معملة أو ملغاة، فإنْ كانت معملة فمبتغ خبرها، وكان حقّه أن ينصب، ولكنه أسكن الياء في موضع النّصب، كما أسكنها الآخر في قوله: كفى بالنَّأي من أسماء كاف وكان حقّه كافيًا؛ لأنّه حال بمنزلة المنصوب في قوله تعالى: ﴿وكفى بالله نصيرًا﴾ [النساء/ ٤٥]. ومثله في إسكان الياء في موضع النّصب قول الفرزدق: يقلِّب رأسًا لم يكن رأس سيِّدٍ ... وعينًا له حولاء بادٍ عيوبها كان حقّه: باديًا، إتباعًا لقوله: [عينًا، ولا يجوز أن يكون عيوبها مبتدأ وخبره باد، لأنه لو أراد ذلك لزمه أن يقول: بادية، ألا ترى أنّك لو قدمت العيوب لم يصح أن تقول: عيوبها بادٍ؟ كما لا تقول: الرجال جالس: وإذا كان كذلك فالنصب في قوله]: متراخيًا، بالعطف على مبتغ؛ لأنه منصوب الموضع،

стр. 1579

فكأنه قال: لا أنا مبتغيًا سواها, ولا متراخيًا عن حبّها. فإن جعلت"لا" الأولى ملغاة, كان قوله: "أنا مبتغ" مبتدأ وخبرًا, ولزمك أن تعمل الثّانية, ويكون اسمها محذوفًا تقديره: ولا أنا عن حبّها متراخيًا, وحسن حذفته لتقدّم ذكره, فإن قيل: فهل يجوز أن يكون متراخيًا حالًا, والعامل فيه الظّرف الذي هو عن, كما يعمل الظّرف في الحال إذا قلنا: زيد في الدَّار جالسًا؟ قيل: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ عن ظرف ناقص, وإنما يعمل في الحال الظّرف التَّام, ألا ترى قولك: زيد في الدَّار, كلام مفيد, ولو قلت: زيد عنك راحلًا لم يجز, لأنّك لو أسقطت راحلًا فقلت: زيد عنك, ولم يكن كلامًا مفيدًا, فإذن لا يصحّ إلاُّ أن ترفع راحلًا, وتعلّق الجار به. ووجدت بعد انقضاء هذه الأمالي في كتاب عتيق يتضمن المختار من شعر الجعدي: "لا أنا باغيًا سواها" فهذه الرّواية تكفيك تكلّف الكلام على مبتغٍ. فأمّا قوله: " يؤلّل عصلًا" فمعنى يؤلّل: يحدِّد أنيابًا عصلًا, والعصل: شدُّة النّاب مع اعوجاج فيه, وهو ناب أعصل. والبنى: جمع بنية, يريد أصول الأنياب, وهينة: مخفف هينّة, كقولهم في ميّت ميت, والنّوابي من قولهم: نبا السيف ينبو: إذا ضربت به فرجع إليك, ولم يعمل في الضّريبة. وقول رؤبة: تحشّ الطُّبَّخ, يقال: حششت النّار أحشُّها: إذا أذكيتها, والطَّبخ: جمع طابخ, شبّه ملائكة النّار بالطَّبَّاخين. وقوله: حين لا مستصرخ, أي: حين لا أحد هناك يستصرخ كما يوجد في الدنّيا. إلى هنا كلام ابن الشّجري. وقد أول ابن مالك في "شرح الكافية" قال: ويمكن عندي أن يجعل "أنا" مرفوع فعل مضمر ناصب "باغيًا" على الحال، تقديره: لا أرى باغيًا, فلمّا أضمر الفعل برز الضَّمير وانفصل, ويجوز أن يجعل "أنا" مبتدأ, والفعل المقدَّر بعده خبرًا ناصبًا باغيًا على الحال, ويكون هذا من باب الاستغناء بالمعمول عن العامل لدلالته عليه, ونظائره كثيرة منها قولهم: حكمك مسمّطًا, أي: حكمك لك مسمّطًا, أي: مثبتًا, فجعل مسمّطًا,

стр. 1580

وهو حال مغنيًا عن عامله مع كونه غير فعل, فأن يعامل "باغيًا" بذلك, وعامله فعل أحق وأولى. انتهى كلامه. ولا يخفى أنّه إذا فتح الباب التَّأويل فإنه يجري أيضًا في قوله: تعزَّ فلا شيء .. البيت. والتقدير: فلا يرى شيء, وفي قوله: وكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعةٍ ... بمغنٍ فتيلًا عن سواد قارب ويكون فيه التقدير: يوم لا يرى ذو شفاعة, فلا يثبت لا العاملة عمل ليس. وقوله: دنت فعل ذي حب, أي: قربت كقرب ذب محبّة, وتولّت: أدبرت, وحلّت: سكنت, من الحلول وهو النزول. وقوله: لا أنا باغيًا .. الخ. الجملة: حال, والتقدير: حلّت سواد القلب مني, أو: سواد قلبي في حالة إمحاضي المحبّة لها. والنابغة الجعدي: صحابي, قيل: اسمه حسّان بن قيس بن عبد الله, وقيل: قيس بن عبد الله من بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة, وهو أحد المعمّرين, وكان أكبر من النابغة الذّبياني, ومات الذبياني قبله, وعاش بعده إلى أن وفد على النبيّ ﷺ فأسلم, وأنشده شعرًا فدعا له, وشهد مع علي صفِّين, قال ابن قتيبة: عمر النابغة مائتين وعشرين سنة, ومات بأصبهان في زمن الحجّاج, وكان شاعرًا مقدّمًا, وكان مغلبًا, ما هاجى أحدًا قط إلا غلب, هاجى أوس بن مغراء, وكعب بن جعيل, وليلى الأخيلية فغلبوه جميعًا وله مع ليلى الأخيلية أهاجٍ كثيرة, وتقدَّم بعضه معها, قال أبو عبيدة: كان النّابغة الجعدي ممن ذكر في الجاهلية وانكر الخمر والأزلام, وكان على دين إبراهيم ﵇, ويصوم, فسبق النّاس إليه جميعًا وتبعوه. وأنشد بعده, وهو الإنشاد الخامس والتّسعون بعد الثلاثمائة: (٣٩٥) إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيًا
следующие страницы →