Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
على أنَّ خبر "لا" هذه قد يذكر فلا يحذف، كما هنا، وهو قليل. وتعزّ: فعل أمر، من العزاء، وهو الصّبر. والوزر: الملجأ.
والبيت مشهور في كتب النحو، ولم أقف على قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والتسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٣) نصرتك إذ لا صاحبٌ غير خاذلٍ ... فبوِّئت حصنًا بالكماة حصينًا
على أنَّ "لا" هنا لا يتعين أن تكون عاملة، بل هي مهملة عمل "ليس" لجواز أن تكون "غير" منصوبة على الاستثناء، ويكون الخبر محذوفًا، تقديره لك، وهذا رد على شراح "التسهيل" في زعمهم أنها عاملة، والخاذل: من خذله؛ إذا لم يعنه، ولم ينصره. وبوئت، بالبناء للمفعول والخطاب؛ أي: أسكنت مثله، من المباءة بالفتح والمدّ، وهو المسكن. يقال: بوَّأه الله منزلًا؛ أي: أسكنه إيَّاه، والباء: متعلّقة بما بعدها، وهو حصين.
وهذا البيت أيضًا لم أقف على قائله مع شهرته في كتب النحو، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرّابع والتسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٤) وحلَّت سوادا القلب لا أنا باغيًا ... سواها ولا في حبِّها متراخيا
على أنها عاملة في المعرفة عند ابن جني، وابن الشّجري، قال ابن الشّجري: كتب إليَّ رجل من أماثل كتَّاب العجم يسأل عن هذا البيت: أصحيح إعرابه أم فاسد؟ وذكر أنه لشاعر أصفهاني من أهل هذا العصر، وهو:
يؤلِّل عصلًا لا بناهنَّ هينةً ... ضعافًا ولا أطرافهنَّ نوابيا
رفع بناهن بـ "لا" ونصب هينة بأنه خبرها، وإنما فعل ذلك لنصب القافية؛ لأنه
стр. 1577
لما أعمل "لا" الأولى هذا العمل أعمل "لا" الثانية عمل الأولى. ولحّنه في هذا نحويّ من أهل أصفهان؛ لأنه جعل اسم "لا" معرفة وقال: إنّ من شبّه "لا" بليس من العرب رفعوا بها النَّكرة دون المعرفة، فأجبت عن هذ بأني وجدت قومًا النحويين معتمدين على أنَّ "لا" المشبَّهة بليس إنما ترفع النَّكرات خاصَّة، وعلَّلوا هذا بأنَّ "لا" ضعيفة في باب العمل، لأنها إنَّما تعمل بحكم الشّبه لا بحكم الأصل في العمل، والنّكرة ضعيفة جدًا، فلذلك لم يعمل العامل الضَّعيف إلاَّ في النكرات، كقولك: عشرون رجلًا، ولي مثله فرسًا، وزيد أحسنهم أدبًا، فلمّا كانت "لا" أضعف العوامل، والنَّكرة أضعف المعمولات، خصّوا الأضعف بالأضعف. وجاء في شعر أبي الطَّيب إعمال "لا" في المعرفة في قوله:
إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذى .. البيت.
ووجدت أبا الفتح عثمان بن جني، غير منكر في ذلك في تفسيره لشعر المتنبي، ولكنه قال بعد إيراد البيت: شبّه "لا" بليس، فنصب بها الخبر. وأقول: إنَّ مجيء مرفوع "لا" منكورًا في الشّعر القديم هو الأعرف، إلاَّ أنَّ خبرها كأنَّهم ألزموه الحذف، وذلك في قول سعد بن مالك بن ضبيعة:
من صدَّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيسٍ لا براح
أراد: لا براح لي، أو عندي. وفي قول رؤبة:
والله لولا أن تخشَّ الطُّبَّخ ... بي الجحيم حين لا مستصرخ
أراد: لا مستصرخ لي. ومرَّ بي بيت للنّابغة الجعدي، فيه مرفوع "لا" معرفة وهو:
وحلَّت سواد القلب لا أنا مبتغٍ ... سواها ولا عن حبِّها متراخيًا
وقبله:
دنت فعل ذي حبٍّ فلمّا تبعتها ... تولَّت وردَّت حاجتي في فؤاديا
стр. 1578
وبعده:
وقد طال عهدي بالشَّباب وظلِّه ... ولا قيت أيامًا تشيب النَّواصيا
وإنما ذكرت هذين البيتين مستدلًا بهما على نصب القافية، لئلا يتوهّم متوهّمٌ أنَّ البيت فرد مصنوع، لأنَّ إسكان الياء في قوله: متراخيًا ممكن مع تصحيح الوزن، على أن يكون البيت من الطّويل الثالث، مثل قوله:
أقيموا بني النُّعمان عنّا صدوركم ... وإلاَّ تقيموا صاغرين الرّؤوسا
وإذا صحَّ نصب قافية البيت، فلا تخلو "لا" الأولى أن تكون معملة أو ملغاة، فإنْ كانت معملة فمبتغ خبرها، وكان حقّه أن ينصب، ولكنه أسكن الياء في موضع النّصب، كما أسكنها الآخر في قوله:
كفى بالنَّأي من أسماء كاف
وكان حقّه كافيًا؛ لأنّه حال بمنزلة المنصوب في قوله تعالى: ﴿وكفى بالله نصيرًا﴾ [النساء/ ٤٥]. ومثله في إسكان الياء في موضع النّصب قول الفرزدق:
يقلِّب رأسًا لم يكن رأس سيِّدٍ ... وعينًا له حولاء بادٍ عيوبها
كان حقّه: باديًا، إتباعًا لقوله: [عينًا، ولا يجوز أن يكون عيوبها مبتدأ وخبره باد، لأنه لو أراد ذلك لزمه أن يقول: بادية، ألا ترى أنّك لو قدمت العيوب لم يصح أن تقول: عيوبها بادٍ؟ كما لا تقول: الرجال جالس: وإذا كان كذلك فالنصب في قوله]: متراخيًا، بالعطف على مبتغ؛ لأنه منصوب الموضع،
стр. 1579
فكأنه قال: لا أنا مبتغيًا سواها, ولا متراخيًا عن حبّها. فإن جعلت"لا" الأولى ملغاة, كان قوله: "أنا مبتغ" مبتدأ وخبرًا, ولزمك أن تعمل الثّانية, ويكون اسمها محذوفًا تقديره: ولا أنا عن حبّها متراخيًا, وحسن حذفته لتقدّم ذكره, فإن قيل: فهل يجوز أن يكون متراخيًا حالًا, والعامل فيه الظّرف الذي هو عن, كما يعمل الظّرف في الحال إذا قلنا: زيد في الدَّار جالسًا؟ قيل: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ عن ظرف ناقص, وإنما يعمل في الحال الظّرف التَّام, ألا ترى قولك: زيد في الدَّار, كلام مفيد, ولو قلت: زيد عنك راحلًا لم يجز, لأنّك لو أسقطت راحلًا فقلت: زيد عنك, ولم يكن كلامًا مفيدًا, فإذن لا يصحّ إلاُّ أن ترفع راحلًا, وتعلّق الجار به. ووجدت بعد انقضاء هذه الأمالي في كتاب عتيق يتضمن المختار من شعر الجعدي: "لا أنا باغيًا سواها" فهذه الرّواية تكفيك تكلّف الكلام على مبتغٍ.
فأمّا قوله: " يؤلّل عصلًا" فمعنى يؤلّل: يحدِّد أنيابًا عصلًا, والعصل: شدُّة النّاب مع اعوجاج فيه, وهو ناب أعصل. والبنى: جمع بنية, يريد أصول الأنياب, وهينة: مخفف هينّة, كقولهم في ميّت ميت, والنّوابي من قولهم: نبا السيف ينبو: إذا ضربت به فرجع إليك, ولم يعمل في الضّريبة. وقول رؤبة: تحشّ الطُّبَّخ, يقال: حششت النّار أحشُّها: إذا أذكيتها, والطَّبخ: جمع طابخ, شبّه ملائكة النّار بالطَّبَّاخين. وقوله: حين لا مستصرخ, أي: حين لا أحد هناك يستصرخ كما يوجد في الدنّيا. إلى هنا كلام ابن الشّجري. وقد أول ابن مالك في "شرح الكافية" قال: ويمكن عندي أن يجعل "أنا" مرفوع فعل مضمر ناصب "باغيًا" على الحال، تقديره: لا أرى باغيًا, فلمّا أضمر الفعل برز الضَّمير وانفصل, ويجوز أن يجعل "أنا" مبتدأ, والفعل المقدَّر بعده خبرًا ناصبًا باغيًا على الحال, ويكون هذا من باب الاستغناء بالمعمول عن العامل لدلالته عليه, ونظائره كثيرة منها قولهم: حكمك مسمّطًا, أي: حكمك لك مسمّطًا, أي: مثبتًا, فجعل مسمّطًا,
стр. 1580
وهو حال مغنيًا عن عامله مع كونه غير فعل, فأن يعامل "باغيًا" بذلك, وعامله فعل أحق وأولى. انتهى كلامه.
ولا يخفى أنّه إذا فتح الباب التَّأويل فإنه يجري أيضًا في قوله: تعزَّ فلا شيء .. البيت. والتقدير: فلا يرى شيء, وفي قوله:
وكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعةٍ ... بمغنٍ فتيلًا عن سواد قارب
ويكون فيه التقدير: يوم لا يرى ذو شفاعة, فلا يثبت لا العاملة عمل ليس. وقوله: دنت فعل ذي حب, أي: قربت كقرب ذب محبّة, وتولّت: أدبرت, وحلّت: سكنت, من الحلول وهو النزول. وقوله: لا أنا باغيًا .. الخ. الجملة: حال, والتقدير: حلّت سواد القلب مني, أو: سواد قلبي في حالة إمحاضي المحبّة لها.
والنابغة الجعدي: صحابي, قيل: اسمه حسّان بن قيس بن عبد الله, وقيل: قيس بن عبد الله من بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة, وهو أحد المعمّرين, وكان أكبر من النابغة الذّبياني, ومات الذبياني قبله, وعاش بعده إلى أن وفد على النبيّ ﷺ فأسلم, وأنشده شعرًا فدعا له, وشهد مع علي صفِّين, قال ابن قتيبة: عمر النابغة مائتين وعشرين سنة, ومات بأصبهان في زمن الحجّاج, وكان شاعرًا مقدّمًا, وكان مغلبًا, ما هاجى أحدًا قط إلا غلب, هاجى أوس بن مغراء, وكعب بن جعيل, وليلى الأخيلية فغلبوه جميعًا وله مع ليلى الأخيلية أهاجٍ كثيرة, وتقدَّم بعضه معها, قال أبو عبيدة: كان النّابغة الجعدي ممن ذكر في الجاهلية وانكر الخمر والأزلام, وكان على دين إبراهيم ﵇, ويصوم, فسبق النّاس إليه جميعًا وتبعوه.
وأنشد بعده, وهو الإنشاد الخامس والتّسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٥) إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيًا
стр. 1581
على أنَّ "لا" فيه مثل البيت السّابق. ولم يزد الواحدي في شرحه على قوله: شبّه "لا" بليس, فنصب الخبر. انتهي. وقال ابن مالك في "شرح التّسهيل": شذَّ إعمالها في معرفةٍ في قول النّابغة الجعدي, وقد حذا المتنبي حذو النّابغة. والقياس على هذا سائغ عندي, وقد أجاز ابن جني ذلك في كتاب "التَّمام" انتهى.
قال ناظر الجيش: ومثل بيت المتنبي قول الشاعر:
أنكرتها بعد أعوامٍ مضين لها ... لا الدّار دارًا ولا الجيران جيرانًا
وقال أبو حيَّان في "البحر" عند قوله تعالى: ﴿لاخوفٌ عليهم ولا هم يحزنون﴾ من سورة البقرة [الآية ٣٨]. قال ابن عطية: والرَّفع على إعمالها عمل ليس, ولا يتعيَّن ما قاله, بل الأولى أن يكون مرفوعًا بالابتداء؛ لأنَّ إعمال "لا" عمل ليس قليلٌ جدًا, ويمكن النّزاع في صحّته, وإن صحَّ فيمكن النّزاع في اقتياسه, وإذا دخلت على المعارف لم تجر مجرى ليس, وقد سمع من ذلك بيت للنّابغة الجعدي, وتأوَّله النحاة, وقد لحَّنوا أب الطّيّب في قوله:
فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيا
انتهى. ومعنى البيت: إذا لم يتخلّص الجود من الامتنان لم يبق المال, ولم يحصل الحمد, لأنَّ المال يذهبه الجود, والأذى الذي هو المنّ يبطل الحمد.
والبيت من قصيدة في مدح كافور الإخشيدي، مطلعها:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا
وأنشد بعده, وهو الإنشاد السّادس والتّسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٦) كأنَّ دثارًا حلَّقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل
على أنَّ "لا" فيه عطفت على معمول الماضي, وفيه ردّ على من منعه, قال العلم
стр. 1582
الأندلسي في "شرح الجزولية": ومنع الزّجاج أن يعطف بها بعد الفعل الماضي, وهو ضعيف, فإنّه قد جاء في قول امرئ القيس: كأنَّ دثارًا ......
البيت. انتهى.
ونقلته من خط ابن إياز النّحوى, والبيت من أبيات له شرحنا جميعها في شرح الشاهد الثاني عشر بعد التّسعمائة, وبعضها في الإنشاد الواحد والأربعين بعد المائتين, وذكرنا منشأها في الموضعين, ودثار: اسم راعي إبل امرئ القيس, وحلّقت: من التّحليق, وهو ارتفاع الطّير في الجوّ. واللّبون من الإبل: ذات اللّبن, وهو معنى قول المصنّف: "نوقٌ ذات لبن" واعترضه الدّماميني بقوله: وبتقدير أن يكون إضافه اسم الجنس تفيد العموم, لم يتعين أن يكون هذا مراد الشاعر, إذ يحتمل أن يكون المراد بلبونه: واحد لا غير, وليس في اللفظ ما يدفعه فأين الجزم بالعموم؟ ! انتهى.
قلت: كلامه ناشٍ من عدم الاطلاع على منشأ الشّعر, وهو أنَّ امرأ القيس لما نزل على خالد بن سدوس النَّبهاني الطّائي أغار على إبله باعث بن حويص الطّائي, كما تقدَّم نقله هناك.
وتنوفى, بفتح المثناة الفوقية، وضم النّون، وبعد الواو فألف مقصورة. وروي أوله بالمثناة التحتية, وروي "تنوف" أيضًا بلا ألف, وهو جبل عال. وقد بسطنا الكلام على هذه الكلمة في شواهد الرّضي.
قال ابن الكلبي: أخبث العقبان ما آوي في الجبال المشرفة, وهذا مثل, أراد: كأنَّ دثارًا ذهبت بلبونه آفة, وأراد: أنّه أغير عليه من قبل تنوفى, وقال الأصمعي: القواعل واحدتها قاعلة. وهي جبال صغار, وقيل: القواعل, جبل دون تنوفى.
انتهى.
стр. 1583
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّابع والتسّعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٧) ولا زال منهلًّا بجر عائك القطر
على أنّه إنما لم تتكررّ "لا" لأنّه أريد الدّعاء، وهذا عجز وصدره:
ألا يا اسلمي يا دار ميَّ على البلى
وهو مطلع قصيدة طويلة لذي الرّمة، غيلان، وهو من شواهد النَّحويّين، استشهدوا به على أنَّ "زال" إنما تعمل إذا تعمل إذا تقدمَّها نفي أو نهي أو دعاء، كما هنا، و"ألا" حرف يستفتح به الكلام لتنبيه المخاطب على الإصغاء، والإقبال على ما يقوله المتكلمّ، ويا: حرف نداء، والمنادى محذوف دلَّ عليه ما بعد اسلمي، والتقدير: ألا يا دار ميّ اسلمي. وكرر النداء للتَّلذذ، واسلمي: فعل أمر، من سلم من الآفات سلامة. وميّ: اسم محبوبته، بالتنوين، وتارة يقول: مية، فلا يصرف. قال سيبويه: زعم يونس أنّه كأن يسميّها مرَّة ميًّا ومرّة ميّة. انتهى. وعلى بمعنى مع. أي: اسلمي، وإن كنت قد بليت، والبلى، بالكسر والقصر، مصدر بلي يبلي، من باب تعب، وبلى الدّار: طموس معالمها، وذهاب آثارها، والمنهلُّ: اسم فاعل لا اسم مفعول؛ لأنّه من فعل لازم. يقال إنهلَّ المطر: أي: سال بشدَّة. والجرعاء: مؤنّث الأجرع، وهي أرض ليّنة، لا يبلغ ترابها أن يكون رملًا. والقطر: المطر، قال ابن رشيق في "العمدة": وقد عاب قدامة عليه قوله: بأنّه لم يحترس كما احترس طرفة في قوله:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الرَّبيع وديمةٌ تهمي
فردَّ ذلك عليه بأنّه قدَّم الدّعاء للدّار بالسلامة في أوَّل البيت، وهذا هو الصّواب انتهي.
стр. 1584
وأجاب ابن عصفور بجواب آخر قال: إنَّ "ما زال" تقتضي ملازمة الصَّفة للموصوف مذ كان قابلًا لها على حسب ما قبلها، وذلك أنّه عهد دار ميّة في خصب؛ لسقيا المطر لها في أوقات الحاجة إلى ذلك؛ فدعا لها بأن لا تزال على عهدها عليه، من انهلال المطر بجرعائها وقت الحاجة إليه. وقد بسطنا الكلام هنا في حاشيتنا على "شرح بانت سعاد" للمصنّف عند شرح قوله:
تنفي الرّياح القذى عنه وأفرطه ... من صوب ساريةٍ بيضٌ يعاليل
وترجمة ذي الرّمّة تقدَّمت في الأنشاد الرّابع والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثّامن والتّسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٨) لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلَّا لهنَّ مطَّلب
لما تقدَّم قبله، والبيت من شواهد سيبويه، أورده في باب ما كانت الياء والواو فيه من نفس الحرف، نقل فيه عن الخليل: أنّه لما اضطروا في موضع لا بدَّ لهم فيه من الحركة أجروه على الأصل. قال: وأنشدني أعرابيّ من بني كليب لجرير:
فيومًا توافيني الهوى غير ماضيٍ ... ويومًا ترى منهنَّ غولًا تغوَّل
فقال: ألا تراهم كيف جروا حين اضطروا؟ وأورده ابن السرّاج في آخر كتاب "الأصول"في فصل الضّرائر الشّعريّة، قال: تصحيح المعتلّ يجوز في الشّعر، ولا يصلح في الكلام تحريك الياءات المعتلّة في الرَّفع والجرّ للضّرورة. وأنشد البيتين وغيرهما، وكذا أوردهما ابن جني في "شرح تصريف المازني" وقال: وحكى أبو علي عن أبي العبّاس: أنَّ أبا العباس كان ينشده:
стр. 1585
فيومًا يوافين الهوى ليس ماضيًا
وقال أبو إسحاق: كان الأصمعي ينشد:
لا بارك الله في الغواني فهل
فهذا لا ضروروة فيه. انتهي.
وقال أبوجعفر النّحاس في شرح شواهد سيبويه: قال أبو الحسن، قال أبو العبّاس، وهذا البيت مغيّر، والرواية: "لا بارك الله في الغواني أما يصبحن".
والغانية: التي استغنت بجمالها عن الزّينة، وقد قيل بزوجها. انتهى. وقال ابن المستوفي في"شرح أبيات المفصَّل": مطّلب: من اطّلب، أي: تكلّف الطّلب، أي: يطلبن الرّجال أو يطلبهن الرّجال، وقال ابن السَّيرفي: المطّلب: المتطلّب؛ يريد: أنهن لا يتركن. ويجوز أن يريد: إلاَّ لهنَّ مطلب، أي هنَّ يطلبن من يواصلنه. ولا يثبت مودتهنَّ لأحد، أي: هنَّ سريعات الصَّرم، وقد رأيت في بعض المواضع: مطلب، بكسر اللَّام، أي: لهنَّ من يطلبهنَّ، وما أحبّ هذه الرّواية لقلة من يرويها. انتهى.
والبيت من قصيدة لعبيد الله بن قيس الرّقيات، مدح بها عبد الملك بن مروان، وأوَّلها:
عاد له من كثيرة الطَّرب ... فعينه بالدُّموع تنسكب
كوفيَّةٌ نازحٌ محلَّتها ... لا أممٌ دارها ولا صقب
والله ما إن صبت إليَّ ولا ... يعلم بيني وبينهما نسب
إلا الذي أورثت كثيرة في القلب وللحبَّ سورةٌ عجب
لا بارك الله في الغوان فما ... يمسين إلا لهنَّ مطَّلب
أبصرن شيبًا علا الذُّؤابة في الرَّأس ... حديثًا كأنَّه العطب
فهنَّ ينكرن ما رأين ولا ... ينكر لي في لداتي اللَّعب
стр. 1586
ومن المديح:
ما نقموا من بني أميَّة إَّلا ... أنَّهم يحملون إن غضبوا
وأنهم معدن الملوك فما ... تصلح إلاَّ عليهم العرب
إنَّ الفنيق الَّذي أبوه العا ... صي عليه الوقار والحجب
خليفة الله فوق منبره ... جفَّت بذاك الأقلام والكتب
يعتدل التَّاج فوق مفرقه ... على جبينٍ كأنَّه الذَّهب
ونقلت إلى هنا من ديوانه. وكثيرة، بفتح الكاف وكسر المثلثة، قال جامع ديوانه: هي امرأة من مذحج، يقال لها كثيرة العراق. انتهي.
ونقل السّيوطي عن أحمد بن كامل: أنها أمّ عبد الصّمد بن عليّ بن عبد الله ابن عبّاس. انتهى.
ونازح: بعيد، وأمم، بفتحتين: قريب، والصّقب: القريب الملتصق. والسّورة، بالفتح: الحدة. والعطب، بضم العين والطّاء المهملتين: القطن. ولداتي جمع لدة، بكسر اللام، هو الّذي يولد في اليوم الّذي تولد فيه.
وقوله: ما نقموا من بني أميّة .. الخ، استشهد به عند قوله تعالى: ﴿وما نقموا منهم إلاَّ أن يؤمنوا بالله﴾ [البروج/ ٨] يريد أنهم ما أنكروا من بني أميّة شيئًا إلاَّ الحلم عند الغضب، وهذا أسُّ المحامد والمفاخر. والفنيق، بفتح الفاء وكسر النّون: الفحل المكرّم، لا يؤذى لكرامته عند أهله، ولا يركب. وروي بدله: "إنَّ الأغر الّذي الخ." روى صاحب "الأغاني": أنَّ عبيد الله بن قيس الرّقيّات، كان مع مصعب بن الزّبير حين توجّه عبد الملك بن مروان؛ فلمّا رأى مصعب معالم الغدر مّمن معه، ملأ مناطق من المال، وألبسه منها، وقال له: انطلق حيث شئت، فحلف لا يفارقه؛ فلما قتل مصعب أقبل إلى الكوفة، قال: فأوَّل بيت صرت إليه دخلته، وإذا فيه امرأة؛ فرقيت بي إلى مشربة، فأمرت لي بما أحتاج إليه، فأقمت عندها أكثر من حول، لا تسألني من أنا ولا أسألها من هي، وأنا في ذلك
стр. 1587
أسمع الصياح فيّ والجعل, فلمّا طال بي المقام, قلت لها: أحببت الشّخوص إلى أهلي, فلمّا أمسيت أظلم اللّيل قالت: إن شئت فانزل, فنزلت, وقد أعدت راحلتين عليهما ما أحتاج إليه, ومعهما عبد, وأعطته نفقة للطّريق. قالت: العبد والرّاحلتان لك, فركبت, وركب معي العبد حتي طرقت منزلي بمكّة, فقالوا: مافارقنا طلبك إلَّا في هذا الوقت, فأقمت عندهم حتى أسحرت, ثمَّ نهضت ومعي العبد حتي أتيت المدينة, فجئت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب, فكتب بالشّفاعة لي إلى أمّ البنين, بنت عبد العزيز, فشفعها عبد الملك, وقال لها: مريه أن يحضر مجلس العشية, فحضر ثمَّ أذن للنّاس, وأخر إذن ابن قيس, ثمَّ أذن له, فلمّا دخل عليه, قال عبد الملك: أتعرفون هذا؟ فقالوا لا, فقال هو ابن قيس الرّقيات الذَّي يقول:
كيف نومي على الفراش ولمّا ... تشمل الشّام غارةٌ شعواء
تذهل الشَّيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء
فقالوا: يا أمير المؤمنين! اسقنا دم هذا المنافق, قال الآن وقد أمنته وصار في منزلي وعلى بساطي! قد أخرت الإذن لتقتلوه فلم تفعلوا! . واستأذنه ابن قيس: أن ينشده مديحه, فأنشده:
عاد له من كثيرة الطَّرب
إلى أن قال:
يعتدل التّاج فوق مفرقه ... على جبينٍ كأنَّه الذَّهب
فقال له عبد الملك يا ابن قيس! تمدحني بالتّاج كأني من العجم, وتقول في مصعب:
إنما مصعبٌ شهابٌ من الله تجلّت عن وجهه الظّلماء
ملكه ملك عزَّة ليس فيه ... جبروتٌ منه ولا كبرياء
стр. 1588
أمّا الأمان فقد سبق لك, ولكن– والله– لا تأخذ مع المسلمين عطاء أبدًا! وقال ابن قيس لعبد الله بن جعفر: ما ينفعني أماني؟ تركت حيًا كميتٍ؛ فقال له عبد الله: عمِّر نفسك؟ قال: عشرين سنة, قال: كم عطاؤك؟ قال: ألفا درهم, فأمر بأربعين ألفًا, وقال: ذلك [لك] عليَّ حتى تموت, ثمَّ إنَّ ابن جعفر دخل إلى عبد الملك, ومعه ابن قيس, فلمّا قدَّم الطّعام جعل يسيء الأكل, فقال عبد الملك لابن جعفر مّن هذا؟ فقال: إنسان لا يجوز [ألاَّ] أن يكون صادقًا إن استبقي, وإن قتل كان أكذب النّاس, قال: وكيف ذلك؟ قال لأنّه يقول:
ما نقموا من بني أميّة إَّلا ... أنهم يحلمون أن غضبوا
فإن قتلته لغضبك عليه أكذبته, قال: فهو آمن, ولكن لا أعطيه من بيت المال, قال: إنك وهبت لي دمه, فأحبَّ أن تهب عطاءه, قال: قد فعلت, قال: وتعطيه ما فاته من العطاء, قال: قد فعلت, وأمر له بذلك. انتهى كلامه باختصار.
وتقدَّمت ترجمة ابن قيس الرقيات في الإنشاد الثّامن والأربعين. وقد نقلنا ما للنّاس في تلقيب قيس: بالرّقيات في شرح الشاهد الثّالث والثّلاثين بعد الخمسمائة من شواهد الرَّضي, ونقل السّيوطي من "أمالي ثعلب": أنَّ ابن قيس لمّا فارق المرأة التّي توارى عنها بالكوفة؛ قال لها: من أنت؟ قالت: أولا تعرفني؟ ! قال: لا والله, قالت: أنا التّي تقول فيها:
عاد له من كثيرة الطّرب ... الأبيات
وأقول: هذا كيف يصحّ والشّعر متأخر قاله بعدما فارقها؟ ولئن سلم أنّه قاله وهو متوارٍ عندها كيف يمكن أن يشتهر هذا الاشتهار! والله أعلم. وأنا لم أر ما نقله عن ثعلب في "أماليه". والله أعلم.
стр. 1589
وأنشد بعده, وهو الإنشاد التاسع والتّسعون بعد الثلاثمائة:
(٣٩٩) حسب المحبِّين في الدُّنيا عذابهم ... تالله لا عذَّبتهم بعدها سقر
على أنه لم تكرّر "لا" في الماضي مع القسم لأنّه مستقبل في المعنى, لأنَّ التقدير: لا تعذّبهم في الآخرة, بدليل قوله: في الدّنيا, وهو متعلّق بـ "حسب" بمعنى كافٍ.
والبيت من قصيدة للمؤمّل بن أميل المحاربي, قالها في امرأة كان يهواها من أهل الحيرة, يقال لها: "هند" وهي قصيدة مشهورة, منها:
شفَّ المؤمِّل يوم الحيرة النَّظر ... ليت المؤمِّل لم يخلق له بصر
ومنها:
قتلت شاعر هذا الحيَّ من مضرٍ ... والله يعلم ما ترضى بذا مضر
روى صاحب "الأغاني" عن علي بن الحسن الشيباني, قال: رأى المؤمَّل في نومه قائلًا يقول له: أنت المتألي على الله أنّه لا يعذّب المحبّين حيث تقول:
يكفي المحبّين في الدُّنيا عذابهم ... والله لا عذَّبتهم بعدها سقر
فقال: نعم, فقال: كذبت يا عدوَّ الله, ثمَّ أدخل أصبعيه في عينيه, وقال له: أنت القائل:
شفَّ المؤمِّل يوم الحيرة النَّظر ... البيت
هذا ما تمنّيت؟ ! فانتبه فزعًا, فإذا هو قد عمي.
وروى أيضًا, عن مصعب الزبيري أنه قال: أنشد المهدي:
قتلت شاعر الحيِّ من مضرٍ ... البيت
فضحك, وقال: لو علمنا أنها فعلت لما رضينا, ولغضبنا له, وأنكرها. انتهى.
وشفّه, بالشين المعجمة والفاء, بمعنى: أرقه وأهزله. والمتألي: بمعنى الحالف, من الأليّة, وهي اليمين.
стр. 1590
والمؤمّل: هو ابن أميل بن أسيد المحاربي, والمؤمّل, بزنة اسم المفعول, وكذا أميل, وكلاهما من الأمل, وأسيد, بفتح الهمزة وكسر السّين.
قال صاحب "الأغاني": هو كوفيّ من مخضرمي الدَّولتين, الأمويّة, والعبّاسيّة, وكانت شهرته في العبّاسيّة أكثر؛ لأنّه كان من الجند المرتزقة معهم, ومن يخصّهم ويخدمهم من أوليائهم, وانقطع إلى المهدي في حياة أبيه, وبعده, وهو صالح المذهب في شعره, ليس من المبرزين الفحول, ولا من المرذولين في شعره, وله طبع صالح. انتهى.
وقد بسطنا ترجمته في شرح الشّاهد التّاسع والعشرين بعد السّتمائة من شواهد الرّضي.
وأنشد بعده, وهو الإنشاد الموفي الأربعمائة:
(٤٠٠) لا همَّ إنَّ الحارث بن جبله ... زنا على أبيه ثمَّ قتله
وكان في جاراته لاعهد له ... وأيُّ أمرٍ سيِّيءٍ لا فعله
على أنَّ ترك تكرار "لا" هنا شاذّ, وهي مع الماضي بمعنى "لم" قال ابن الشجري في المجلس السّابع والستين من "أماليه": والثامن, أى من أقسام "لا" أنهم استعملوها بمعنى "لم" فألزموها الماضي, كقوله تعالى: ﴿فلا صدَّق ولا صلَّى﴾ [القيامة/ ٣١] أي: لم يصدِّق ولم يصلِّ, ومثله: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ [البلد/ ١١] ومن ذلك:
فأيّ أمرٍ سيِّئ لا فعله
وكذا قال في آخر المجلس الخامس والخمسين, قال: ومثل وضعه "لا" في موضع "لم" قول الآخر:
فأيّ أمرٍ سيِّئ لا فعله
стр. 1591
أي لم يفعله. ومثله في التنزيل: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ أي: فلم يقتحم.
وأجود ما يجيء ذلك مكرَّرًا؛ كقوله تعالى: ﴿فلا صدَّق ولا صلَّى﴾ أي: فلم يصدِّق ولم يصلّ, ومثله قول الرّاجز:
وأيّ عبدٍ لك لا ألمًّا
أي: لم يلم بالذّنوب. انتهى.
وقال المصنّف "زنا" بتخفيف النّون, كذا رواه يعقوب، إلى قوله: وأناب "على" عن الباء، وأقول: هذا خلاف ما قاله يعقوب بن السِّكيت, قال في "باب ما يهمز فيكون له معنى, وإذا لم يهمز كان له معنى آخر": يقال: قد زنَّأ عليه, مثقلة مهموز: إذا ضيّق عليه, والزَّناء: الضيّق. وأنشد ابن الأعرابى:
لا همُّ إنَّ الحارث بن جبله ... زنَّا على أبيه ثمَّ قتله
وركب الشّادخة المحجَّله ... وكان في جاراته لا عهد له
فأيُّ أمرٍ سيِّيءٍ لا فعله
وقوله: ركب الشّادخة المحجَّلة, أى: ركب فعلةً قبيحةً مشهورة, ويقال: شدخت الغرَّة: إذا اتّسعت في الوجه, وكان أصله: زنَّا على أبيه, بالهمز, فتركه للضّرورة, وقد زنّاه من التّزنية, ويقال: قد زنأ في الجبل, يزنأ زنأ, مثل زنعًا, إذا صعد في الجبل, وقد زنا يزني, من الزّناء. إلى هنا كلام ابن السّكِّيت, وكذا في "تهذيب إصلاح المنطق" للخطيب التبريزي.
وقوله: والزّناء: الضيق, هو بالفتح والمدّ, مثل سماء, وقوله: وقد زنّاه, من التزنية, هذا من المعتل بمعنى: نسبه إلى الزّنا.
стр. 1592
ولما ذكر المهموز المثقل ذكر المعتل المثقّل, وكذا ذكر المعتلّ المخفّف بعد المهموز المخفَّف, ومعنى كلّ منهما يغاير معنى الآخر. وكان المصنّف نقل ضبط هذه الكلمة, وتفسيرها من "أمالي ابن الشَّجري" قوله: زنا على أبيه, يروي بتخفيف النّون، وتشديدها؛ فمن رواه مخفَّفًا فمعناه: زنا بامرأة أبيه، ومن رواه مشدَّدًا فأصله زنَّأ, مهموز, ومعناه: ضيق عليه, وهذا القول أوجه, وهي رواية ابن السّكيّت. انتهى.
وأقول: لم أقف على راوية "زنا على أبيه" بتخفيف المعتلّ, وتفسيره بزنا بامرأة أبيه مع أنَّ المرأة لا ذكر لها, وكلّ من روى هذا الرَّجز رواه مشدَّدًا مهموز الأصل, مفسّرًا بالتّضييق, منهم الجوهري في "صحاحه" والأزهري في "تهذيبه" والصَّغاني في "عبابه" وخدمة "إصلاح المنطق" منهم يوسف بن السّيرافي, شارح أبياته, والخطيب التبريزي في "مهذّبه" وابن السيّد البطليوسيّ في شرحه, ومن المتقدّمين قبل ابن السّكيت, ابن الأعرابي في "نوادره" وتبعه أبو محمّد الأسود الأعرابي في "ضالة الأديب" ومنهم ابن حبيب في كتاب "المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام" ومنهم الحلواني في كتاب "أسماء الشّعراء المنسوبين إلى أمّهاتهم".
وأمّا القالي, فقد قال في "المقصود والممدود": وقال بعض اللّغويّين: زنّا فلان على فلان مثقلًا, بغير همز: إذا ضيّق عليه, وأنشد:
لا همَّ إنَّ الحارث بن جبله
إلى آخر الرّجز, فلم أر مخالفة في هذه الكلمة غير هذ, فإنّه حكم بالإعلال الظّاهر, ولم يخالف في معناها, وحكاه في "القاموس" قال: وزنّي عليه تزنية: ضيّق.
стр. 1593
قال ابن الأعرابي في "نوادره": الرَّجز لابن العيّف، وقيل: لعبد المسيح بن عسلة، وقال الخطيب التّبريزي: هذه الأبيات للحارث بن العيّف، أخي بني سلمة يهجو بها الحارث بن جبلة الغسّاني، وحمله على هجوه المنذر بن ماء السّماء.
والشّادخة: الفعلة القبيحة التي تشدخ فاعلها، والشّادخة أيضًا: بمنزلة الشادخ من الغرر، يريد: أنه ركب أمرًا واضحًا في القبيح، والمحجّلة: المشهورة التي لا خفاء بها، وقوله:
وكانّ في جاراته لا عهد له
يريد: أنه لا يحفظهنَّ، ولا يّأمنَّ على نفوسهنَّ منه. انتهى كلامه. وزاد بيتًا قبل البيت الأخير، وهو:
ليس يأوي مستضيفٌ طلله
ولم يشرح كلمة الطّلل، وهو- بفتح الطّاء المهملة واللاَّم- من الدّار كالمصطبة يجلس عليها.
وقال الصّاغاني: هذا الرّجز لشهاب بن العيّف، ويروى للحارث بن العيّف، والأوَّل هو الصحيح؛ فإنّي وجدته فى شعر شهاب بخطّ أبي القاسم الآمدي في "أشعار بي شيبان" انتهي. وكذا قال أبو محمد الأسود في "ضالة الأديب": إنها لشهاب بن العيّف، وكذا جزم ابن حبيب في "المغتالين" وقال الحلواني: هو لعمارة ابن العيّف العبدي، من سليمة عبد القيس، وهما فى بني شيبان في بني أسعد.
ومنشأ هذا الرَّجز: هو ما حكاه ابن حبيب، قال: كان المنذر ذو القرنين بن ماء السماء دعا ذات يوم النّاس؛ فقال: من يهجو الحارث بن جبلة الغسّاني؟ فدعا حرملة بن عسلة الشّيباني فيمن دعا. وأمّ حرملة من غسّان، فقال: اهجه ولك مائة من الإبل، فقال لا ينطق لساني بشتمة، وأنشأ يقول:
ألم تر أني بلغت المشيبا ... وفي دار قومي عفاءً كسوبا
وأنَّ الإله تنصَّفته ... بأن لا أعقَّ وأن لا أحوبا
стр. 1594
وأن لا أكافر ذا نعمةٍ ... وأن لا أخيِّبه مستثيبا
وغسان قومٌ هم والدي ... فهل ينسينَّهم أن أغيبا
فأوزع بها بعض من يعتريك ... فإنَّ لها من معدٍّ كليبا
فإنَّ لخالك مندوحةً ... وإنَّ عليها بعينٍ رقيبا
قال ابن الإعرابي في "نوادره" بعد إنشاد هذه الأبيات: التنصّف: الخدمة والانقياد والطّاعة، وقوله: لخالك، أي: تدع خالك وتهجو خالي. انتهى.
فانبرى شهاب بن العّيف العبدي، أحد بني سليمة؛ فقال:
اللهمَّ إنَّ الحارث بن جبله
إلى لآخره، ثمَّ إنَّ الحارث بن جبلة أخذهما بعد ذلك؛ فقال لحرملة: يا حرملة اختر ما شئت من ملكي، فسأله قينتين له فأعطاهما إياه؛ فانطلق بهما. وقال لابن العّيف: اختر مني ثلاث خلال، أمّا أن أطرحك على أسدين ضاريين في بئر، وإمّا أن أرميك من طمار سور دمشق، وإمّا أن يقوم الدلامص، وهو سيّاف له، فيضربك بعصاه هذه ضربهً؛ فاختار ضربة الدّلامص، فضربه على رأسه فانكسرت فخذه- كذا زعموا- فاحتمله راهب، وداواه حتى برأ، وهو يخمع منها، فكان هذا والحارث يومئذ بقنسرين. انتهي.
وحكى أبو محمّد الأسود في "ضالة الأديب" ويخمع بالخاء المعجمة، أي: يعرج، وابن العيّف: بفتح العين المهملة وتشديد المثناة التّحتيَّة المكسورة، والمنذر بن ماء السّماء هو المنذر الأكبر أخو من ملوك عرب الحيرة
стр. 1595
بالعراق، والحرث بن جبلة الغسائي: من ملوك عرب الشّام وهو الحارث بن أبي شمّر الأعرج الغسّاني من بني جبلة، وكانت بينهما عداوة.
واعلم أنَّ الدّماميني لما لم يقف على رواية الرّجز ولا على منشئه، اعترض المصنّف من جهات أخرى، قال: لا حاجة- على رواية تخفيف النّون- إلى أن يدعى أنَّ الأصل زناء بالهمز، بل يكون من الزّنا، والألف منقلبة عن ياء، يقال: زنى يزني: إذا فعل الفاحشة الموجبة للجلد أو الرَّجم، وضمّن الفعل معنى التّعديّ فعدّاه بعلى، أي: تعدّى على أبيه بالزّنا، والمراد أنّه زنى بامرأة أبيه، ثم لم أقف على أنَّ زنأ بالهمز وتخفيف النّون بمعني ضيّق، ولم أر هذا المعنى إلاَّ تشديد النّون. وأمّا على رواية التّشديد، فظاهر كلام المصنّف أنَّ المراد بفعل فاحشة الزّنا، ولذلك قال: والأصل: زنا بامرأة أبيه .. الخ، فهذا لا حاجه إليه أيضًا، بل المراد التّضييق كما صرَّح به الجوهري، وعليه فلا حذف ولا إنابة أصلًا، ولا حاجة إلى ارتكاب تلك الضّرورة. هذا كلامه، وهو معذور، فلله دره على هذا، فإنّه ألف هذا الكتاب في الغربة، وليست عنده مادَّة من كتب الأدب!
ولا همّ: أصله: اللهمّ، كما وقع في رواية حبيب، بالجزم بمعجمتين. والعهد: الذّمّة والحرمة، قيل: إنّه كان إذا أعجبته امرأه اغتصبها، حتى قال فيه بعض الكلابيين:
يا أيها الملك المخوف أما ترى ... ليلًا وصبحًا كيف يعتقبان
هل تستطيع الشمس أن تأتي بها ... ليلًا وهل لك بالمليك يدان
اعلم وأيقن أنَّ ملكك زائلٌ ... واعلم بأنَّ كما تدين تدان
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد الأربعمائة:
(٤٠١) إن تغفر اللَّهمَّ تغفر جمَّا ... وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا
стр. 1596
على أنَّ مجيء "لا" هنا مكرَّرة شاذ أيضًا. وهو بيت مفرد لأميّة بن أبي الصّلت الثّقفي، قال جامع ديوانه: ذكروا أنَّ أميّة بن أبي الصّلت لمّا حضره الموت، رفع رأسه إلى السّماء، فنظر ثمَّ قال: لا عشيرتي تحميني، ولا مالي يفديني، ثم أغمي عليه ساعة، ثمَّ رفع رأسه إلى السّماء فقال:
لبيَّكما لبيَّكما ... ها أنا ذا لديكما
لا بريء من الذَّنب فأعتذر، ولا ذو قوَّة فأنتصر. ثمَّ أغمي عليه الثّانية، ثمَّ أفاق فرفع رأسه إلى السّماء فقال: لبيّكما لبيَّكما، ها أنا ذا لديكما، تلبية محقود من الذنوب، مخضود من النّعم. والمحقود: المثقل الذي قد كثرت عليه الذنوب، والمخضود: المكسور من كثرة النّعم عليه، ثمَّ أغمي عليه الثّالثة، ثمَّ أفاق، فرفع رأسه إلى السّماء، فقال: لبيَّكما لبيّكما ها أنا ذا بين يديكما، تلبية من لم يأخذ ما أعطي بشكر، ولا براءة له ولا عذر، ثمَّ قال:
كلُّ عيش وإن تطاول دهرًا ... صائرٌ مرَّةً إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... فى رؤوس الجبال أرعى الوعولا
ثمَّ قال:
إن تغفر اللَّهمَّ تغفر جمّا ... وأي عبدٍ لك لا ألمَّا
يعني: أي عبد لك لم يلمم بذنبٍ، ثمَّ مات. انتهى.
وروى خضر الموصلي في شرح شواهد التفسيرين في ترجمة أميّة هذا عن الزهري أنه قال: دخل أميّة على أخته، فنام على سرير لها في جانب البيت، فانشقَّ سقف البيت، وإذا بطائرين قد وقع أحدهما على صدره وأخرج قلبه، فقال له الآخر: ردَّه ما تصنع به؟ فرد قلبه مكانه، ثمَّ نهض فأتبعه أميّه طرفه، وقال:
لبيَّكما لبَّيكما ... ها أنا ذا لديكما
أنا لا بريء فأعتذر ولا ذو عشيرة فأنتصر، فرجعا وفعلا مثل الأوّل، ثمَّ مضيا
стр. 1597
فأتبعها طرفه، وقال: لبيكما لبيكما، ها أنا ذا لديكما، لا مال يغنيني، ولا عشيرة تحميني، فرجعا وفعلا مثل ذلك، وقال في الثّالثة: لبيكما ها أنا ذا لديكما، محفوف بالنّعم، مخضود بالذّنب، ثمَّ ذهبا فقال أميّة:
إن تغفر اللَّهمَّ تفغر جمّا ... وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا
ثمَّ انطبق السّقف وجعل أمية يمسح صدره، قالت أخته: يأخي هل تجد شيئًا؟ قال: لا، ولكن أجد حرًّا في صدري، ثمَّ أنشأ يقول:
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا
اجعل الموت نصب عينيك واحذر ... غولة الدَّهر إنَّ للدَّهر غولا
وذكر ابن قتيبة أنَّ أميّة قال البيتين حين حضرته الوفاة، وذكر قبلهما بيتًا وهو:
كل عيشٍ وإن تطاول يومًا ... إلى آخره.
انتهى. وقد اشتهر هذا البيت لأبي خراش الهذلي، وأورده ابن الشّجري في "أماليه" وتبعه المصنّف. ورأيت في "طبقات النحويين" للتّاريخي: حدَّثنا أحمد ابن عبيد قال: حدَّثنا الأصمعي قال: كان أبو خراش يسعى بين الصَّفا والمروة ويقول
لا همَّ هذا خامسٌ إن تمَّا ... أتمَّه الله وقد أتمَّا
إن تغفر اللَّهمَّ تغفر جمَّا ... إلى آخره.
وقد فحصت عن هذا الشعر فى شعر أبي خراش من كتاب "أشعار الهذليين" جمع السكري فلم أجده فيه، والنّسخة التي عندي نسخة قديمة صحيحة، يغلب على ظني أنها بخطّ السّكري، وعلى ظهرها خطّ الإمام أحمد بن فارس اللّغوي صاحب "المجمل في اللّغة".
وقال السّيوطي: قال السّكري في "أشعار هذيل": قال الأصمعي: أخبرنا ابن أبي طرفة الهذلي قال: قال أبو خراش، وهو يسعى بين الصّفا والمروة ويرتجز:
لا همَّ هذا رابعٌ إن تمَّا ... أتمَّه الله وقد أتمَّا
إن تغفر اللَّهمَّ ... . . . .. البيت
стр. 1598
انتهى. ولا أدري حقيقة الحال والله به أعلم، ثمَّ قال السّيوطي: وأخرج ابن جرير في "تفسيره" عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إلاَّ اللَّمم﴾ [النجم/ ٣٢] قال: الرَّجل يلم بالذّنب ثمَّ ينزع عنه، قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون: إن تغفر اللهمَّ ... إلى آخره. وأقول: قول مجاهد يدلّ أنَّ هذا الرّجز قبل الإسلام بدهر، فإنَّ أبا خراش صحابيّ، وتقدَّمت ترجمته في الإنشاد الثامن والعشرين بعد المائتين.
وأمية بن أبي الصّلت هلك في عصر النبيّ، ﷺ كما يأتي، فجائز أن يكون كلّ منهما تلّقفه ممّن كان قبله من الجاهلية. ثمَّ قال السيّوطي: وأخرج الترمذي وابن جير والبزار، وغيرهم من طريق زكريا بن أبي إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿إلاَّ اللَّمم﴾ قال: هو الرّجل يلم بالفاحشة ثمَّ يتوب، وقال: قال رسول الله ﷺ :
إن تغفر اللَّهم تغفر جمّا ... وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا
قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. انتهى.
أقول: وأورده في "الجامع الصّغير" عن الترمذي والحاكم عن ابن عبّاس، قال شارحه المناوي في "شرحه الكبير": هذا البيت لأميّة بن أبي الصّلت، تمثّل به ﷺ ، والمحرّم عليه إنشاء الشّعر لا إنشاده، ومعناه: إن تغفر ذنوب عبادك فقد غفرت ذنوبًا كثيرة، فإنَّ جميع عبادك خطّاؤون، أخرجه الترمذي في تفسيره، والحاكم في الإيمان والتّوبة عن ابن عبّاس، قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: على شرطهما، وأقره الذَّهبي. وقوله: لا ألمّا، أي: لم يلم بمعصية، يعني: لم يتلطّخ بالذّنوب، وألم إذا فعل اللَّمم، وهو صغار الذّنوب، واللّمم في الأصل: الشيء القليل. انتهى كلامه.
стр. 1599
وأميّة بن أبي الصّلت من ثقيف. قال ابن قتيبة في كتاب "الشّعراء": وكان قد قرأ الكتب المتقدّمة، ورغب عن عبادة الأوثان. واسم أبي الصّلت: عبد الله بن ربيعة ابن عوف بن أميَّة، وكان يخبر أن نبيًّا يخرج قد أطَّل زمانه، وكان يؤمِّل أن يكون ذلك النّبي، فلمَّا بلغه خروج النبيّ ﷺ كفر به حسدًا له، ولمّا أنشد النّبيُّ ﷺ شعره قال: "آمن لسانه وكفر قلبه" وأتى بألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب، وكان يأخذها من الكتب:
بآية قام ينطق كلُّ شيءٍ ... وخان أمانة الدّيك الغراب
وزعم أنَّ الديك كان نديمًا للغراب، فرهنه على الخمر، وغدر به، وتركه عند الخمّار، فجعله الخمّار حارسًا. ومنها قوله:
قمرٌ وساهور يسلُّ ويغمد
وزعم أهل الكتاب أنَّ السّاهور غلاف القمر، يدخل فيه إذا انكسف، وكان يسمِّي السّماوات: صاقورة وحاقورة، ويقول: وأبدت الثّغرورا يريد الثّغر. وعلماؤنا لا يرون شعره حجّة على الكتاب، ولما حضرته الوفاة قال: كلّ عيش وإن تطاول ... البيت. ليتني كنت ما قد .. البيت. هذا آخر ما ذكره ابن قتيبة.
وله قصيدة جيّدة في مدح النّبيِّ ﷺ ، ولم يوفق للإسلام، وقد ذكرناها في ترجمته في الشّاهد السادس والثَّلاثين من أوائل شواهد الرَّضي.
وأنشد بعده:
آليت حبَّ العراق الدَّهر أطعمه ... والحبُّ يأكله في القرية السُّوس
وتقدَّم شرحه في الإنشاد السّابع والثّلاثين بعد المائة.
стр. 1600
تم بعونه تعالى
الجزء الرابع من شرح أبيات مغني اللبيب
стр. 1601
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني بعد الأربعمائة:
لَا أعرِفَنْ ربْرَبًا حُورًا مَدَامِعُهَا
هو صدر وعجزه:
كأنَّ أبكارَها نِعَاجُ دُوَّارِ
على أنَّ "لا" هنا لنهي المتكلّم نفسه. وأورده سيبويه في باب النّون الثقيلة والخفيفة. قال الأعلم: الشّاهد فيه "لا أعرفن" أكّده بالنّون الخفيفة، لأنه نهي ومعناه: لا تقيموا بهذا المكان، فأعرف نساءكم مسببّات. يقول هذا لبني فزارة بن ذبيان، يخوفهم من النعمان بن الحارث الغسّاني، وكانوا قد نزلوا مرعى له محميًّا لا يقربه أحد. والرّبرب: قطيع بقر الوحش، كنى به عن النّساء، والأبكار صغارها، وأراد بها الجواري من النّساء، والنّعاج: جمع نعجة، وهي البقرة الوحشية، ويقال للشاة أيضًا نعجة، ودوّار بالضمّ: ما استدار من الرَّمل. وبعده:
يُذرِينَ دَمْعًا على الأشفارِ مُنحدِرًا ... يأملنَ رِحْلةَ حِصْنٍ وابنِ سَيّارِ
انتهى. وأقول: قال شارح "ديوان النابغة الذّبياني": قال أبو عبيدة: أحْمَى النّعمان بن الحارث الأصغر بن الحارِث الأوسط، وهو الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر الغسّاني "ذا أقُرٍ"، وهو واد واسعٌ ممروء حَمْضًا ومياهًا، فاحتماه النّاس، فتربّعه بنو ذبيان، فنهاهم النّابغة، وخوَّفهم إغارة الملك، فعيَّروه خوفَه من النّعمان، وأبوا فتربّعوه، وكان النَابغة منقطعًا إليه. وقال أبو عمرو: أغار حصن بن حذيفة في بني آسد وغطفان على بعض أهل الشّام، ثمَّ نزلوا ذا أُقُرٍ، فنهاهم النّابغة عن ذلك، وحذَّرهم إغارة الملك، فغصبوه، فبعث إليهم النّعمان ابن الحارث الغسّاني جيشًا عليهم ابن الجلَّاح الكلبي، فأغار عليهم بذي أُقرٍ، فقال النّابغة في ذلك:
стр. 1602
لقدْ نهيْتُ بني ذُبْيانَ عنْ أُقُرِ ... وَعَنْ تَرَبُّعِهِمْ في كُلِّ أَضْفارِ
وقُلتُ يا قَوْم إنَّ الليثَ مُنقبِضٌ ... على براثِنِهِ لِعَدْوِهِ الضَّارِي
لا أعْرِفَنْ رَبْرَبًا حُورًا مَدامِعُها ... كأنهُنَّ نِعَاجٌ حَوْلَ دُوَّارِ
ينظُرْنَ شَزْرًا إلى مَنْ جاءَ عن عُرُضٍ ... بأوْجُه مُنْكِراتِ الرِّقِّ أحْرارِ
خَلفَ العضَارِيط مِن عُوذى ومِن عَممٍ ... مُرَدَّفاتٍ على أحناءِ أكْوارِ
يُذْرِينَ دَمْعَ مَزَادٍ دَمْعُها دِرَرٌ ... يَامُلْنَ رِحْلَةَ حِصْنٍ وابنِ سَيَّارِ
وقوله: لقد نهَيْتُ .. الخ، أُقُر، بضم الهمزة والقاف: جبل، وذُو أُقُرٍ: وادٍ لبني مرّة إلى جنب أقر، يقول: نهيتهم عن تربّعهم إيّاه في كلّ أصفار، وهو جمع صفر، وكان صفر يومئذٍ في الرَّبيع، ألا تراه يقول: عن تربّعهم، فالتربّع لا يكون إلَّا في الرَّبيع. وقال أبو عبيدة: أصفار حين يتصفّر المالِ، ويتربّل الشجر، ويبرد اللّيل، وذلك آخر الصّيف. انتهى. فعلى الأوَّل: أصفار، بفتح الهمزة، وعلى الثّاني بكسرٍ: مصدر أصفر.
وقوله: وقلت يا قوم .. الخ، منقبض: مجتمع مستعدّ للوثوب، كما ينقبض الأسد إذا أراد أن يثب لعدوه، أي: لوثبه، وما أحسن قول بعضهم:
وما الدَّهرُ في حالِ السُّكونِ بساكنٍ ... ولكِنَّهُ مُسْتَجْمِعٌ لِوُثُوبِ
والضّاري: المتعوّد للصَّيد. وقوله: لا أعرفَنْ رَبرَبًا .. الخ، الرَّبْرَب: القطيع من البقر؛ شبّه نِساءهم بها. حُورًا مدامعها، أي: عيونها حور من الحَوَر، بفتحتين، وهو شدَّة سواد الحدقة في شدَّة بياض البياض. والنَعاج: ودوّار: نسك كان في الجاهليّة يدار حوله، وقال أبو عمرو: دوّار: صنم تدور حوله الجواري والنّساء، فيقول النّسوة إذا سبين في جمعهنَّ في موضع، فشبّههنَّ بالنّساء حول دوّار. وروى أبو عبيدة والأصمعي وابن الأعرابيّ:
كأنَّ أبْكارَها نعاج دوّار
وقوله: ينظرن شزْرًا: هو نظر بغضب، وعُرض، بضمّتين: الاعتراض قال أبو عمرو: هنَّ أحرار، فلمّا سبين أنكرن الرّقّ.
стр. 1603
وقوله: خلف العضاريط، جمع عضروط، بضمّ العين المهملة: الخادم على طعام بطنه والأجير. وعوذى: بضمّ العين المهملة والقصر وذاله معجمة، وعمم: بفتح العين المهملة والميم، هما من لحم من اليمن. وقوله: مردفات، يعني: يُسْتَخَفُّ بهنَّ لأنهنَّ مأسورات، والأكوار: الرّحال، جمع كُور، بالضّم، وأحناؤه: جوانبه، واحدها حنو.
وقوله: يذرين دمع مزادٍ، واحدها مزادة، وهي شطر الرّاوية: مفعلة من الزّاد، لأنّه يتزوَّد فيها الماء. وروى أبو عبيدة والأصمعي:
يُذرِينَ دَمْعًا غِزارًا قَطْرُها دِرَرٌ
وقوله: يأمن رحلة .. الخ، أي: لفكّ أسرهنَ.
وحصن: هو ابن حذيفة بن بدر، وابن سيَّار، وهو منظور بن زبّان بن سيّار الفزاريين. وتقدَّمت ترجمة النَّابغة الذّبياني في الإنشاد الثّالث والعشرين من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثّالث بعد الأربعمائة:
جَاؤُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ
على أنَّ جملة "هل رأيت" مقول لقول محذوف صفة لمذق، لأنَّ شرط الجملة التي تقع صفة أن تكون خبريّة، وجملة "هل رأيت" ظاهرها أنها وقعت صفة لمذق، مع أنها استفهاميّة، والاستفهام نوع من الإنشاء، والإنشائية لا تقع صفة، فقدّرت معمولة للصّفة المحذوفة، والتقدير: جاؤوا بمذق مقول فيه: هل رأيت، أو يقول فيه من رآه: هل رأيت الذّئب. ورواه الدّينوري في كتاب "النّبات" وابن قتيبة في كتاب "أبيات المعاني" والزّجاجي، وابن الشّجري في "أماليهما":
جاؤوا بضَيْحٍ هَلْ رَأَيْتَ الذّئب قَطْ
стр. 1604
قال الدينوري: نزل هذا الشّاعر بقوم فقروه ضَيَاحا، وهو اللّبن الذي قد أكثر عليه من الماء. وأورده ابن جني في "المحتسب" وقال: هل رأيت ... الخ: جملة استفهاميّة إلا أنها في موضع وصف "الضّيح" حملًا على معناها دون لفظها، لأنَّ الصفة ضرب من الخبر، فكأنه قال: [جاؤوا] بضيح يشبه [لونه] لون الذّئب، والضَّيْح: اللّبن المخبوط بالماء، فهو يضرب إلى الحضرة والطّلسة. وأورده صاحب "الكشّاف" أيضًا عند قوله تعالى: (واتَّقُوا فِتْنَةً) [الأنفال/ ٢٥] كالمصنّف. والمذق أيضًا: اللّبن الممزوج بالماء، وهو يشبه لون الذّئب، لأنَّ فيه غبرة وكدرة. ومذقت اللّبن: مزجته بالماء، وقط استعملت هنا مع الاستفهام، مع أنها لا تستعمل إلَّا مع الماضي المنفي، لأنَّ الاستفهام أخو النّفي في أكثر الأحكام، لكن قال ابن مالك: قد ترد قط في الإثبات، واستشهد له بما وقع في حديث البخاري في قوله: قصَرنا الصَّلاة في السّفر مع النبيّ، ﷺ أكثر ما كنّا قط، وأمّا قوله:
جاؤوا بمذقٍ هل رأيتَ الذّئب قَط
فلا شاهد فيه؛ لأنَّ الاستفهام أخو النّفي، وهذا ممّا خفي على كثير من النّحاة. انتهى. وتبعه الكرماني في شرح هذا الحديث. واعلم أنَّ المبرّد قال في "الكامل": العرب تختصر التّشبيه، وربما أومأت به إيماء، قال أحد الرّجّاز:
بِتْنَا بحَسّانَ ومِعْزاهُ يَئِطّ ... مَا زِلْتُ أَسْعَى بينَهُمْ وألْتَبِطْ
حتى إذا كادَ الظَّلامُ يخْتَلِطْ ... جَاؤوا بمَذْقٍ هَلْ رَأَيْتَ الذّئبَ قَطْ
يقول: في لون الذِّئب، واللّبن إذا اختلط بالماء ضَرَبَ إلى الغبرة. انتهى. والمعزاء من الغنم: خلاف الضّأن، ويئط: مضارع أطّ، أي: صوّت جوفه من لاجوع، ومصدره الأطيط. وروى بعده بيتان، وهما:
يَلْحَسُ أُذنَيْهِ وحِينًا يمتَخِطْ ... في سَمَنٍ منْهُ كثيرٍ وَأَقِطْ
стр. 1605
امتَخطْ وتمَخَّطْ، أي: استنثر، والسّمن، بسكون الميم، وفتحهَا هنا للضّرورة، والأقط: اللّبن المخيض، يطبخ ثمَّ يترك حتى يمصل، وهذا يدل على دنسه وخسّته، وضمير بينهم إلى قوم حسّان، وأسعى بينهم: أتردّد إليهم، وألتبط، أي: أعدو، يقال: التبط البعير، إذا عدا فضرب بقوائِمه الأرض، وتلبّط: اضطجع وتمرَّغ، وروي بدله: "وأختبط" أي: أسأل معروفهم من غير وسيلة، وهذا يدل على كمال شحّهم، حيث كان عندهم ضيفًا لم يطعموه حتى احتاج أن يتعرَّض لمعروفهم. وقوله: حتى إذا، هو غاية لقوله: أسعى بينهم وألتبط، وروي:
حتى إذا جَنَّ الظَّلَامُ واخْتَلَطْ
أي: ستر الظّلام كلَّ شيء. وصفهم بالشّحَ وبالغ في أنهم لم يأتوا بما أتوا به إلَّا بعد سعي ومضيّ جانب من اللّييل، ثمَّ لم يأتوه إلَّا بلبن أكثره ماء. وهذا الرّجز قيل للعجاج، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرّابع بعد الأربعمائة:
فَلَا الجَارَةُ الدُّنْيَا لَهَا تَلْحَيَنَّهَا
عجزه:
ولَا الضّيفُ مِنْهَا إِنْ أَنَاخَ مُحَوَّلُ
على أنَه شبّهت "لا" النّافية بلا النّاهية، فأكّد الفعل بعدها، قال أبو حيّان في "التذكرة": قيل: إنَّ النّون جاءت لأنّه أراد النّهي، وقيل: بل هو خبر صحيح وجاءت ضرورة.
والبيت من قصيدة للنّمر بن تَولب الصّحابيَ، ومطلعها:
تَأبّدَ مِنْ أطْلَالِ جَمْرَةَ مأسَلْ ... فَقَدْ أقْفَرَتْ مِنْها شَراءٌ ويَذْبُلُ
إلى أن قال بعد ستة أبيات تتعلّقُ بالأماكن:
стр. 1606
وَدَسَّتْ رَسُولًا مِنْ بِعِيدٍ بآيَةٍ ... بأنْ حَيِّهِمْ واسْألهُمُ ما تمَوَّلُوا
فَحَيَّيْتُ عَنْ شَحْطٍ فخيرٌ حديثُنا ... ولا يأمَنُ الأيّامَ إلَّا مُضَلَّلُ
لَنا فَرَسٌ مِنْ صالِحِ الخيْلِ نِبْتغي ... عليهِ عَطاءَ اللهِ واللهُ يَنْحَلُ
يَرُدُّ علينَا العِيرَ من دُونِ إلْفِهِ ... بِقَرْقرةٍ والنَّقْعُ لا يَتِزَيَّلُ
وَحُمْرٌ مُدَمّاتٌ كَأنَّ ظُهُورَها ... ذُرى كُثُبٍ قَدْ بلَّها الطَّلُّ من علُ
عَلَيْها مِنَ الدَّهْنَا عَتيقٌ وَمَوْرَةٌ ... مِنَ الحَزْنِ كُلًّا بالمَرَابعِ تَأكُلُ
وفي جِسْمِ رَاعِيها شُحُوبٌ كأنَّهُ ... هُزَالٌ رَمى مِنْ قِلَّةِ الطَّعْمِ يَهْزُلُ
فَلَا الجَارَةُ الدُّنيَا لَها تَلْحَيَنَّها ... ولَا الضَّيْفُ منها إنْ أقامَ مُحَوَّلُ
إذا هَتَكَتْ أطنا بيتٍ وأهْلِهِ ... بمَعْطِنِها لم يوردوا الماءَ قَيَّلُوا
وما قَمْعُنا فيها الوِطابَ وحَوْلَنَا ... بُيُوتٌ عليْنَا كُلُّها فُوه مُقْبِلُ
أرى أمَّنا أضْحَتْ علينَا كأنما ... تجَلَّلَها من نافِضِ الوِرْدِ أفْكَلُ
رَأتْ رَجُلًا كيصىً يزَمِّلُ وَطْبَهُ ... فيأتي بِهِ البادِينَ وهُوَ مُزّمَّلُ
فَلَمَّا رَأتْهُ أُمُّنَا رَأيَ عَيْنِها ... وقَالَتْ أبُونا هَكذا سَوْفَ يَفْعَلُ
وقَالَتْ فُلانٌ قَدْ أعَاشَ عِيَالَهُ ... وَأوْدَى عِيَالٌ آخَرُونَ فَهَزَّلُوا
وَقَسَّمَ بينَ النَّاسِ رِسْلَ لِقَاحِنا ... وَقَدْ كانَ فيها للْمَحالِبِ مَهْبَلُ
إذا وَرَدَتْ فآثِرَنَّ عِيَالَنَا ... على كُلِّ حَقٍّ واشْرَبُوا وتَثَمَّلُوا
ألمْ يكُ صبيانٌ أعانُوا ومَجْلِسٌ ... قَرِيبٌ فَنَخْزَى إذْ يحلُّ ويحْمِلُ
عَلَيْهِنَّ يَوْمَ الوِرْدِ حَقٌّ وَحُرْمَةٌ ... وَهُنَّ غَداةَ الغِبِّ عندَكِ حُفَّلُ
فإن تَصْدُرِي يحْلِبْنَ دُونكِ حَلَبةً ... وإنْ تحْضُري يلبّثْ عليكِ المُعَجَّلُ
قوله: تأبَّد، أي: سكنها الآبدة، وهي الوحش. وجمرة، بالجيم والواو المهملة: اسم امرأته التي طلَّقها، قال صاحب "الأغاني": لما فارق النّمر بن تولب جمرة، جزع عليها جزعًا شديدًا حتى خيف عليه، فذكروا له امرأة من فخذه الأدنين يقال
стр. 1607
لها: دعد موصوفة بالجمال، فتزوَّجها ووقعت من قلبه موقعًا، وشغلته عن جمرة، وفيها يقول:
أهيمُ بدَعْدٍ ما حَييتُ وَإنْ أَمُتْ ... فواكَبِدا ممّا لَقِيتُ عَلى دعْدِ
قال: والنّاس يروون هذا البيت لنُصَيْب، وهو خطأ. انتهى.
وهو من قصيدة له أوَّلها:
أشاقَتْكَ أطْلالٌ دوارِسُ من دَعْدِ ... خلاءٌ مَغانيها كحاشيةِ البُرْدِ
وقوله: والنّاسُ يروونه لنُصَيْب .. الخ، ليس الأمر كما زعم، فإنّ بيت نُصَيْبٍ غيره، وهو:
أهيمُ بدَعْدٍ ما حيّيتُ وَإنْ أَمُتْ ... فوا حَزَني مَن ذا بهيمُ بها بَعْدِي
والمصراع الأوَّل مأخوذ من بيت النّمر. وحكاية بيت نُصَيْب هذا مع السَّيدة سكينة بنت الحسين مشهورة. ومأسَل: موضع في ديار بني ضبّة، وإليه تنسب دارة مأسَل، كذا في "معجم ما استعجم" لأبي عُبيد البكري. وقال الهجري: مأسَل: قرية ونخيل، وشَراء، بفتح الشّين المعجمة والرّاء المهملة والمدَ، قال أبو عبيدة: لا ينصرف؛ لأنه اسم أرض، وقال الأصمعى: مبنيّ على الكسر كحذام، واستشهد بهذا البيت. وقال السّكوني: هو جبل شامخ لبني ليث، وبني ظفر من بني سليمة، وهو دون عسفان من عن يسارها، وفيه عقبة تذهب إلى ناحية الحجاز لمن سلك من عسفان يقال لها: الخريطة، مرتفعة جدًا، وهي جبل صلد لا ينبت شيئًا، كذا في "معجم البكري" أيضًا. وقوله: ودسّت، أي: أرسلت بخفية، وفاعله صمير جمرة. وقوله: بآية، أي: بعلامة، أي: قالت له: اذهب إلى من علامته كذا وكذا، وحيهم: فعل من التحيّة، تعني: سلّم عليهم، وادع لهم بالبقاء، واسألهم أيّ شيء استفادوه بعدنا واتخذوه مالًا، والمال عند العرب: الماشية والأنعام، وجمع ضمير الغائب؛ لأنَّ المحيا والمسؤول هو ومن يتعلّق به، ويمكن أن يكون
стр. 1608
من تعظيم الغائب، كما يعظم المخاطب بضمير الجمع، وإليه ذهب البيضاوي في سورة يونس في قوله تعالى: (مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ) [الآية/ ٨٣] فإنَّه قال: الضَّمير في ملئهم لفرعون، جمععه على ما هو المعتاد في ضمير العظماء، وقال شراحه: أيُّ قدر لفرعون عند الله حتى يعبّر عنه بصيغة التّعظيم؟ وكذا قال المصنّف في "الأوضح" في: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ) [الأحزاب/ ٥٦] قال: لا يجوز كون يصلّون خبر إنِّ، إلَّا إن قدرت الواو للتّعظيم، مثلها في: (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) [المؤمنون/ ٩٩] وقوله: فحييت، الفاء عاطفة على حَيّا "رسولها" المحذوف، وهو معطوف على دسّت، والشحط: البعد، وقوله: فخير حديثنا، أي: فقلت: خبرنا حسن، فخير: خبر مقدّم، وحديثنا مبتدأ مؤخّر، والجملة محكيّة بالقول المحذوف.
وقوله: لنا فرس ... الخ، هذا جواب عن قولها: ما تمولوا، ونبتغي: نطلب، ويريد بعطاء الله: ما يغنمه من الغزو والصّيد، وما أشبه ذلك، يقال: نحله: أعطاه، وروي: "والله يخبل" أي: يمنح، يقال: أخبلته أي: أعرته، والفرس هنا مذكّر بدليل ضميره.
وقوله: يردّ علينا، أي: الفرس، والجملة صفة له، والعير: مفعول يردّ، وهو الذكر من حمير الوحش، وإلفه: أنثاه، وإنما خصّه بدون أنثاه، لأنّه في انفراده يكون عدوه غاية لا تلحق، وإذا كانت معه ربما فتر لأجلها، فإنّه شديد الغيرة لا يتركها. والقرقرة: الأرض المستوية ليس فيها شجر، والنّقع: الغبار، ويتزيّل: ينفصل، يقول: يصرع العير قبل أن ينقطع الغبار، وهذا غاية في شدَّة الجري، وقد أخذ المصراع الأوَّل من قول زهير بن أبي سلمى:
فَرَدَّ عليْنَا العِيرَ مِنْ دَونِ إلْفِهِ ... عَلى رَغْمِهِ يَدْمى نَساهُ وَفَائِلُهْ
стр. 1609
وقوله: وحُمْر مدمّاة: هو معطوف على فرس، أي: ولنا إبل حمر، والمدمّاة: الخالصة الحمرة، التي ليس لها كُمْتَةٌ، تكون كلون الدَّم. والكثب: جمع كثيب، وهو التلّ من الرَّمل. وقوله: قد بلّها .. الخ، يريد أنَّ أسنمتها عالية طويّة بالشّحم كتلَ الرّمل المبلول بالطّلّ. وقوله: عليها من الدّهنا، عليها: صفة لحمر، وعتيق: فاعل الظّرف، ومن الدّهنا حال من عتيق، وكان في الأصل صفة، فلمّا قدَم صار حالًا، ومورة: معطوف على عتيق، ومن الحزن: صفتها، وكلًّا: مفعول تأكل، وبالمرابع متعلّق بتأكل، وأراد بالعتيق: الشّحم العتيق من العام الماضي، والمورة: مصدر مار فيها الشّحم: جرى واستحكم. والدهنا: موضع ببلاد تميم، يمدّ ويقصر، والحزن، بفتح المهملة: موضع آخر، والمرابع: المواضع التي يرتبعون فيها، أي: يقيمون بها أيّام الربيع خاصَّة، أي: تأكل نَباتكلّ من الحَزن والدَّهْنا. وقوله: وفي جسم راعيها .. الخ، أي: راعي هذه الإبل، والشّحوب: الضُّمر والتّغيّر، يقول: إنما هزاله لأنّه يتتبّع لها الخِصْب ولا يغفل عنها، ويؤثر بألبانها غيره، وهذا البيت صفة أخرى لحمر.
وقوله: فلا الجارة الدّنيا .. الخ، الفاء للتّفريع، والجملة إخبار، أخبر عن نوقه أنَّ الجار لا يذمّها، وأنَّ الضَّيف لا يُحوَّل عنها، ثمَّ ترقى في البيت الذي بعده فقال: من حضر معطنها، ومن مرَّ بها لا يحرم من ألبانها، فكيف يحرم الجار والضَّيف؟ ! وإنما خصَّ الجارة دون الجار لأنّه الأغلب، لأنّه أراد الأرامل والعجائز، ووصفها بالقريبة، لأنَّ البعيدة ربما تستغنى عنه بكريم آخر، وربما لا يعلم حالها، فالاعتناء بشأن القريبة أهمّ وافتخار العرب بإكرام الجار والضّيف غنيّ البيان، فالجارة مبتدأ، والدّنيا: مؤنَّث الأدنى، من الدّنوّ وهو القرب: نعت الجارة، واللام من "لها" بمعنى "إلى" متعلّقة بالدّنيا، وجملة "تلحينَها": خبر المبتدأ وفيه الشّاهد حيث أكّده بعد لا النَافية، والضّيف مبتدأ، ومحول: خبره، وعنها: متعلّق به، وجملة الشّرط معترضة بين المبتدأ وخبره، وجوابه محذوف دلَّ عليه الخبر، أي: إن أناخ راحلته لا يحوّل عنها، واللحي: اللّوم، يقال: لحيت الرَّجل ألحاه لحيًا: إذا لمته، ولحاه الله بمعنى قبّحه ولعنه. كذا في "الصّحاح". فعلم
стр. 1610
ممّا شرحنا أنَّ الضّمائر راجعة إلى الحمر المدمّاة، ولم يصب العيني في قوله: الضّمائر لجمرة المرأة المذكورة في المطلع.
وقوله: إذا هتكت .. الخ، يقول: إذا قربت الإبل من بيت وطئته فأهتكت أطنابه، كما تقول: بنو فلان يطؤهم الطّريق، أي: هم قريب من الطّريق، كما قال قبله ابن هرمة:
أغْشى الطّريقَ بقُبَّني ورُواقِها ... وأحلُّ في نَشَزِ الرُّبا فأقِيمُ
إنَّ امْرًا جَعَلَ الطّريقَ لبيْتِهِ ... طُنُبًا وأنكرَ حقَّهُ للَئِيمُ
والمَعطِن، بفتح الميم وكسر الطّاء، والعَطَن بفتحتين: هو مبرك الإبل عند الماء لتشرب العلل، وهو الشّرب الثّاني، فإذا استوفت ردَّت إلى المرعى، يقال: قَيَّله فتقيّل، أي: سقاه نصف النّهار فشرب، والقّيْل: شرب نصف النّهار، ومفعول يوردوا محذوف، أي: لم يورد أهل ذلك البيت إبلهم الماء، ذلك لاستغنائهم بألبان هذه الإبل، لأنَّ الكرماء يسقون ألبان إبلهم في العطن من ساعدهم في سقيها، ومن مرَّ بهم. ومفعول قيّلوا محذوف، أي: سقى أهل ذلك البيت بعضهم بعضًا قَيْلًا من ألبان هذه الإبل. و"لم يوردوا": جواب إذا، وجملة "قيّلوا" استئناف بياني.
وقوله: وما قمعنا .. الخ، يقال: قمعت الوطب: إذا وضعت القِمَعض في فمه لتصبَّ فيه لبنًا، وقمعت القربة: إذا ثنبت فمها إلى خارجها، والقِمع بكسر القاف وفتح الميم وتسكن: ما يصبّ فيه الدّهن وغيره، والوطب: سقاه اللّبن خاصّة، وما: استفهاميّة تعجّبية، أي: كيف نملأ الوطاب من هذه الإبل، وحولنا قوم محتاجون؟ ! فجملة: "وحولنا بيوت" حال من ضمير المتكلّم مع الغير، والعامل المصدر، وكلّها: مبتدأ، وفوه: بدل اشتمال منه، ومقبل: خبر والجملة صفة بيوت، أي: واحدٍ منهم يرانا ويرى إبلنا، فكيف نملأ الوطاب.
وقوله: أرى أمّنا .. الخ، أمّه هنا امرأته، وهي أمّ منزله، ويقال للرَّجل: أبو المنزل، وتجلّلها: عمّها وغشاها والوِرد بالكسر: الحمّى، والنّافض: ذات الرّعدة منها، والأفكل: الرّعدة، وهو منصرف، ومن نافض: كان صفة لأفكل،
стр. 1611
فلمّا قدّم صار حالًا يقول: لمّا رأت زوجتي إيثاري للمحتاجين ألبان هذه الإبل تألّمتْ كأنما أخذتها الحُمّى النّافض من شحّها.
وقوله: رأت رجلًا كيصى، أي: بخيلًا، فيمرّ به وهو مغطى على القوم الحاضرين؛ فلا يعطيهم.
وقوله: فلمّا رأته .. الخ، جواب لمّا محذوف أي: أعجبها. وقوله: "وقالت": معطوف على هذا المحذوف، أو الواو زائدة، وقالت هو الجواب، وأبونا، أي: أبو منزلنا، وهو مثل قوله: أمّنا.
وقوله: وقالت فلان .. الخ، يقول: إنَّ امرأته قالت: إنَّ صاحب الوطب قد أعاش عياله، وأنت تسقي النّاس اللَّبن غير عيالك، فقد هزلتهم.
وقوله: وقسّم .. الخ، هذا من مقولها أيضًا، والرّسل، بالكسر: اللّبن، واللّقاح: جمع لقوح، وهي ذات اللّبن، والمحالب: جمع محلب، بكسر الميم، إناء يحلب فيه، والمهبل بفتح الأوَّل والثّالث: المطلب.
وقوله: إذا وردت .. الخ، هذا أيضًا من مقولها، يعني: قالت: إذا وردّتْ اللّقاح من الماء، فآثرْ العيال بلبنها على كلّ حقّ يلزمك، وبعد العيال اشربْ أنت ومن تحسن إليه.
وقوله: ألم يك .. الخ، هذا من كلامه جوابًا لها يقول: قد أعاننا صبيان العطن، وأهل مجلس قريب، فنستحي أن نلقي الوطب ولا نسقيهم.
وقوله: عليهنَّ .. الخ، يقول: على اللّقاح يوم يردن الماء حقٌّ يسقي ألبانهنَّ من حضر الماء، ثمَّ يصبحن يوم غبّهنَ عندكِ حُفَّلًا، أي: ممتلئات الضّروع، فاصبري واحتملي ذلك اليوم.
وقوله: فإن تصدري .. الخ، المعجّل: الّذي يجيء بالإعجالة قبل ورود الإبل بيومٍ أو بيومين، معه الوطاب، وذلك اللّبن الّي يجيء به يقال له: الإعجالة، ليسقي النّاس والأضياف، يقول: إنْ تصدري من الماء مع الإبل حلبت دونك حلبة للأضياف، وإن تحضري الماء يبطيء عليك المعجّل.
стр. 1612
وفي هذه القصيدة بيت أورده المصنّف في الباب الخامس في بحث حذف "لا" النّافية، إن شاء الله نشرحه هناك مع أبيات منها إلى آخر القصيدة. وترجمة النّمر ابن تولي تقدَّمت في الإنشاد الواحد والثّمانين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس بعد الأربعمائة:
يَقُولُون لا تبعَدوهُمْ يَدْفِنُونَني ... وأَيْنَ مكانُ البُعْدِ إلَّا مَكانِيَا
على أنَّ "لا" فيه للدّعاء، وهو ظاهر، والبعد: خلاف القرب، والموت، وفعلهما ككرم وفرح بُعدًا وبَعَدًا فهو بعيد وباعد، كذا في "القاموس" ومثله لآخر، وهو من شواهد التّفسير:
يَقُولُونَ لا تَبْعَدْ وهَم يدفِنونَهُ ... ولَا بُعْدَ إلَّا ما تُواري الصَّفائحُ
وقرأ عيسى بن عمر: (بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ) [التوبة/ ٤٢] وبعِد وبعُد لغتان، لكن في الأغلب المكسور العين يختصّ ببعد الموت، وقولهم للميت: لا تبعد، تنبيه على شدَّة الحاجة إليه، وتناهي الجزع وغلبة التّحسُر عليه. والصّفائح: الأحجار العريضة التي يسقف بها القبر، جمع صفيحة.
والبيت من قصيدة عدَّتها ثمانية وخمسون بيتًا لمالك بن الرّيب المازني، رثى بها نفسه، مطلعها:
ألا ليتَ شِعْرِي هَلْ أبيتنَّ ليلَةً ... بجَنْبِ الغَضا أُزْجي القِلاص النَّواجِيا
وآخرها:
فيا صاحبي إمّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ .. بني مازِن والرَّيْب أنْ لَا تَلاقيا
أُقَلِّبُ طَرْفي حَولْلَ رَحْلي فلا أرَى ... بِهِ مِنْ عُيُونِ المؤنسّاتِ مُرَاعِيا
وبالرَّمْلِ مِنَّا نِسْوَةٌ لَوْ شَهِدُنَني ... بَكَينَ وَفَدَّيْنَ الطَّبِيبَ المُداوِيا
وَمَا كانَ عَهْدُ الرَّمْلِ عندي وَأهلُهُ ... ذَميمًا ولا وَدَّعْتُ بالرَّمْلِ قَالِيا
فَمْنْهُنَّ أمِّي وابْنَتَاهَا وَخَالَتي ... وَبَاكِيَةٌ أُخْرى تَهيجُ البَوَاكيَا
стр. 1613
ومالك: هو من مازن تميم، وكان لصًا يقطع الطّريق مع شِظاظ الضبّي الذي يضرب به المثل، فيقال: "ألصّ من شظاظِ". قال القالي في "ذيل أماليه": قال أبو عبيد: لمّا ولّى معاوية سعيد بن عثمان بن عفّان خراسان، سار فيمن معه فأخذ طريق فارس، فلقيه بها مالك بن الرّيب، وكان فيما ذّكر من أجمل العرب جمالًا، وأبينهم بيانًا، فلمّا رآه سعيد أعجبه، فقال له: ويحك يا مالك ما الذي يدعوك إلى ما يبلغني عنك من قطع الطّريق؟ ! قال: أصلح اللهُ الأمير، العجز عن مكافأة الإخوان، قال: فإن أغنيتك أتكفّ عمّا تفعل وتتبعني؟ قال: نعم، فاستصحبه وأجرى عليه خمسمائة دينار في كل شهر، وكان معه حتى قتل بخراسان، ومكث مالك فمات هناك، فقال يذكر مرضه وغربته. وقال بعضهم: بل مات في غزوة سعيد، طعن فسقط، وهو بآخر رمق. وقال آخرون: بل مات في خان فرثته الجن لما رأت من غربته، ووجدته ووضعت الصّحيفة التي فيها القصيدة تحت رأسه، والله أعلم أيّ ذلك كان. انتهى. وقد أودعنا القصيدة بتمامها في شرح الشّاهد الخامس عشر بعد المائة من شواهد الرّضى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّادس بعد الأربعمائة:
فَلا تَشْلَلْ يَدٌ فَتَكَتْ بِعَمْروٍ ... فإنَّكَ لَنْ تَذِلَّ وَلَنْ تُضامَا
على أنَّ "لا" فيه أيضًا للدّعاء، دعا له بأن لا تشل يده. قال أبو زيد في أوَّل "نوادره" قال رجل من بكر بنِ وائل جاهلي:
فَلَا تَشْلَلْ يَدٌ فَتَكَتْ بِبَحْرٍ ... فَإِنَّكَ لَنْ تَذِلَّ وَلَنْ تُلَاما
وَجَدْنَا آل مُرَّةَ حِينَ خِفْنَا ... جَرِيرَتَنَا هُمُ الأُنُفَ الكِرَاما
وَيَسْرَحُ جَارُهُمْ منْ حَيْثُ أَمْسَى ... كَأنَّ عَلَيْهِ مُؤُتَنَفًا حَرَاما
стр. 1614
وكتب بعد البيت الأوَّل أبو عمرو: بدأ فقال: لا تشلل، ثمَّ أقبل على صاحب اليد يخاطبه، فقال: فإنَّكَ لَنْ تَذِلَّ، أي: لا أشلَّها اللهُ، يقال: شَلَّتْ يَدُه، ولا يُقال شُلَت، ولكن أُشِلَّت، ويُقال: فتكتُ به أَفْتِكُ فَتكًا وفِتكًا: إذا وثبتَ به من غيرِ أن يعلم، فقتَلَته، أو قطعتَ منه شيئًا.
وكتب بعد البيت الثّاني: الجريرة، ما جرُّوا على أنفسهم من الذُّنوب، وجمع جريرة جرائر، وجمع جناية جنايا. والأُنُف: الذين يأنفُون من احتمال الضَّيم.
وكتب بعد البيت الثّالي السكر: يسرح، أي: يرسل ماشية في المرعى. مؤتنفًا حرامًا: يريد شهرًا حرامًا، فلا يُهاج فيه، أي: يرسل ماشية في المرعى. مؤتنفًا حرامًا: يريد شهرًا حرامًا، فلا يُهاج فيه، أي: هو من الأمر كأنه في شهر حرام، وكانوا لا يهيجونَ أحدًا في الشّهر الحرام. السّكري: وفي كتابي: مؤتنفًا، بكسر النّون، فإن لم يكن غلطًا، فإنّه أراد: كأنَّ عليه وهو مُؤتَنِفٌ مستأنف شهرًا حرامًا، فنصب "مؤتنفًا" على الحال. انتهى.
وقوله: ثمَّ أقبل على صاحب اليد يخاطبه، يريد أنّه من الالتفات، دعا له على الغيبة، ثمَّ خاطبه.
وقال أبو الحسن الأخفش فيما كتب على "النّوادر": ويُروى فتكت بعمرو. وقوله: يُقال: شَلَّت يدُه، أي: بالبناء للفاعل، وشلَّت بمعنى: يبست، واسترخت، ولا يُقال شُلّت، أي: بالبناء للمفعول، فإنّه فعل لازم، ولكن أُشِلَّت مجهول أشلّها اللهُ بتعديته بالهمزة. وقولُه: ويُقال: فتكت، يريد أنَّه جاء من باب نصر، وجاء في المصدر كسر الفاء أيضًا، وقوله: وجدنا آل مرّة الأُنُفَ، هو المفعول الثّاني لـ "وجدنا" وهم ضمير الفصل، وحين ظرف لوجدنه وجريرتنا مفعول "خفنا" وَأُنُف، بضمتين، جمع أَنِفَ بفتح الألف وكسر النّون، من أَنِفَ منه كفرح أَنَفًا وَأَنَفَةً محركتين، استنكف فهو أَنِف، ككَتِف وصاحب، والأوَّل أفصح كذا في "القاموس".
стр. 1615
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّابع بعد الأربعمائة:
إذَا مَا خَرَجْنَا مِنْ دِمَشْقَ فَلَا نُعدْ ... لَهَا أَبَدًا ما دامَ فِيهَا الجُراضِمُ
على أنَّ "لا" فيه تحتمل النهي والدّعاء، واقتصر ابن الشّجري في "أماليه" على الدّعاء، ونسب البيت للفرزدق، وفسّر الجراضم بالعظيم البطن، فالمصنّف أخذ منه، ونكّت عليه بأن "لا" تحتمل النّهي أيضًا ونعُد مضارع عاد إذا رجع، واللَّام بمعنى "إلى" والجُراضِم بضمّ الجيم وكسر الضّاد المعجمة، قال الدّماميني: فسّره المصنّف بالعظيم البطن، ولم يفسّر في "الصِّحاح" ولا في "القاموس" إلَّا بالأكُول. انتهى وروي: فلا بدت لنا أبدًا. وعليه لا شاهد فيه، فإنَّ لا مع الماضي ليست ناهية، وإن كانت دعائية، وهذه رواية ابن السّكيت قال في كتاب "أبيات المعاني" قال الأصمعي: وأظنّه للوليد بن عقبة:
إذا ما خَرَجْنا مِنْ دِمشقَ فلا بدَتْ ... لَنَا أبدًا ما دامَ فيها الجُرَاضِمُ
بَصِيرٌ بما في الطَّبْلِ بالنَّقْلِ عالمٌ ... جَرُوزٌ بما التَفَّتْ عَلَيْهِ اللَّهَازِمُ
قال: الحراضم: معاوية، قال: والطّبل: السَّبذ يريد أنَّ يده تَبَاقَلُ إذا صارت في السّبذ تأخذ منه ما تريد، وتترك ما لا تريد كما يُباقل الفرس. انتهى.
قوله: والطَّبل: السّبذ بفتح السّين والموحدة، وثالثه ذال معجمة: وهو شبه المكتل، معرَّب من الفارسيّة، واسمِه بالعربيّ سلَّة، ويقال: طبلة أيضًا، وهو طبق يوضع فيه ما يؤكل. وقوله: إنَّ يده تباقل، أي: ترعى كما يُباقل الفرس، أي: كما يرعى البقل وهو كلّ نبات نبت في زره لا في عِرقه. والجروز أوَّله جيم، وآخره زاء معجمة: هو الأكُول، وقيل: السريع الأكل، وصف من جرز، أي: أكَلَ أكلً سريعًا. وأراد باللهازم طرف الحنكين ممَا يلي الأذن، فإنَّ شِدَّةَ المضغ هناك. وكان معاوية شديدَ الأكل جدًا، ومع ذلك ما كان يشبع، وذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ أرسل إليه أنس بن مالك يدعوه، وكان يأكل، فتمادى فيه حتى أرسله النبيّ ﷺ مرَّةً ثانية، فتمادى فيه، فسأله عن
следующие страницы →