Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
فلمّا قدّم صار حالًا يقول: لمّا رأت زوجتي إيثاري للمحتاجين ألبان هذه الإبل تألّمتْ كأنما أخذتها الحُمّى النّافض من شحّها.
وقوله: رأت رجلًا كيصى، أي: بخيلًا، فيمرّ به وهو مغطى على القوم الحاضرين؛ فلا يعطيهم.
وقوله: فلمّا رأته .. الخ، جواب لمّا محذوف أي: أعجبها. وقوله: "وقالت": معطوف على هذا المحذوف، أو الواو زائدة، وقالت هو الجواب، وأبونا، أي: أبو منزلنا، وهو مثل قوله: أمّنا.
وقوله: وقالت فلان .. الخ، يقول: إنَّ امرأته قالت: إنَّ صاحب الوطب قد أعاش عياله، وأنت تسقي النّاس اللَّبن غير عيالك، فقد هزلتهم.
وقوله: وقسّم .. الخ، هذا من مقولها أيضًا، والرّسل، بالكسر: اللّبن، واللّقاح: جمع لقوح، وهي ذات اللّبن، والمحالب: جمع محلب، بكسر الميم، إناء يحلب فيه، والمهبل بفتح الأوَّل والثّالث: المطلب.
وقوله: إذا وردت .. الخ، هذا أيضًا من مقولها، يعني: قالت: إذا وردّتْ اللّقاح من الماء، فآثرْ العيال بلبنها على كلّ حقّ يلزمك، وبعد العيال اشربْ أنت ومن تحسن إليه.
وقوله: ألم يك .. الخ، هذا من كلامه جوابًا لها يقول: قد أعاننا صبيان العطن، وأهل مجلس قريب، فنستحي أن نلقي الوطب ولا نسقيهم.
وقوله: عليهنَّ .. الخ، يقول: على اللّقاح يوم يردن الماء حقٌّ يسقي ألبانهنَّ من حضر الماء، ثمَّ يصبحن يوم غبّهنَ عندكِ حُفَّلًا، أي: ممتلئات الضّروع، فاصبري واحتملي ذلك اليوم.
وقوله: فإن تصدري .. الخ، المعجّل: الّذي يجيء بالإعجالة قبل ورود الإبل بيومٍ أو بيومين، معه الوطاب، وذلك اللّبن الّي يجيء به يقال له: الإعجالة، ليسقي النّاس والأضياف، يقول: إنْ تصدري من الماء مع الإبل حلبت دونك حلبة للأضياف، وإن تحضري الماء يبطيء عليك المعجّل.
стр. 1612
وفي هذه القصيدة بيت أورده المصنّف في الباب الخامس في بحث حذف "لا" النّافية، إن شاء الله نشرحه هناك مع أبيات منها إلى آخر القصيدة. وترجمة النّمر ابن تولي تقدَّمت في الإنشاد الواحد والثّمانين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس بعد الأربعمائة:
يَقُولُون لا تبعَدوهُمْ يَدْفِنُونَني ... وأَيْنَ مكانُ البُعْدِ إلَّا مَكانِيَا
على أنَّ "لا" فيه للدّعاء، وهو ظاهر، والبعد: خلاف القرب، والموت، وفعلهما ككرم وفرح بُعدًا وبَعَدًا فهو بعيد وباعد، كذا في "القاموس" ومثله لآخر، وهو من شواهد التّفسير:
يَقُولُونَ لا تَبْعَدْ وهَم يدفِنونَهُ ... ولَا بُعْدَ إلَّا ما تُواري الصَّفائحُ
وقرأ عيسى بن عمر: (بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ) [التوبة/ ٤٢] وبعِد وبعُد لغتان، لكن في الأغلب المكسور العين يختصّ ببعد الموت، وقولهم للميت: لا تبعد، تنبيه على شدَّة الحاجة إليه، وتناهي الجزع وغلبة التّحسُر عليه. والصّفائح: الأحجار العريضة التي يسقف بها القبر، جمع صفيحة.
والبيت من قصيدة عدَّتها ثمانية وخمسون بيتًا لمالك بن الرّيب المازني، رثى بها نفسه، مطلعها:
ألا ليتَ شِعْرِي هَلْ أبيتنَّ ليلَةً ... بجَنْبِ الغَضا أُزْجي القِلاص النَّواجِيا
وآخرها:
فيا صاحبي إمّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ .. بني مازِن والرَّيْب أنْ لَا تَلاقيا
أُقَلِّبُ طَرْفي حَولْلَ رَحْلي فلا أرَى ... بِهِ مِنْ عُيُونِ المؤنسّاتِ مُرَاعِيا
وبالرَّمْلِ مِنَّا نِسْوَةٌ لَوْ شَهِدُنَني ... بَكَينَ وَفَدَّيْنَ الطَّبِيبَ المُداوِيا
وَمَا كانَ عَهْدُ الرَّمْلِ عندي وَأهلُهُ ... ذَميمًا ولا وَدَّعْتُ بالرَّمْلِ قَالِيا
فَمْنْهُنَّ أمِّي وابْنَتَاهَا وَخَالَتي ... وَبَاكِيَةٌ أُخْرى تَهيجُ البَوَاكيَا
стр. 1613
ومالك: هو من مازن تميم، وكان لصًا يقطع الطّريق مع شِظاظ الضبّي الذي يضرب به المثل، فيقال: "ألصّ من شظاظِ". قال القالي في "ذيل أماليه": قال أبو عبيد: لمّا ولّى معاوية سعيد بن عثمان بن عفّان خراسان، سار فيمن معه فأخذ طريق فارس، فلقيه بها مالك بن الرّيب، وكان فيما ذّكر من أجمل العرب جمالًا، وأبينهم بيانًا، فلمّا رآه سعيد أعجبه، فقال له: ويحك يا مالك ما الذي يدعوك إلى ما يبلغني عنك من قطع الطّريق؟ ! قال: أصلح اللهُ الأمير، العجز عن مكافأة الإخوان، قال: فإن أغنيتك أتكفّ عمّا تفعل وتتبعني؟ قال: نعم، فاستصحبه وأجرى عليه خمسمائة دينار في كل شهر، وكان معه حتى قتل بخراسان، ومكث مالك فمات هناك، فقال يذكر مرضه وغربته. وقال بعضهم: بل مات في غزوة سعيد، طعن فسقط، وهو بآخر رمق. وقال آخرون: بل مات في خان فرثته الجن لما رأت من غربته، ووجدته ووضعت الصّحيفة التي فيها القصيدة تحت رأسه، والله أعلم أيّ ذلك كان. انتهى. وقد أودعنا القصيدة بتمامها في شرح الشّاهد الخامس عشر بعد المائة من شواهد الرّضى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّادس بعد الأربعمائة:
فَلا تَشْلَلْ يَدٌ فَتَكَتْ بِعَمْروٍ ... فإنَّكَ لَنْ تَذِلَّ وَلَنْ تُضامَا
على أنَّ "لا" فيه أيضًا للدّعاء، دعا له بأن لا تشل يده. قال أبو زيد في أوَّل "نوادره" قال رجل من بكر بنِ وائل جاهلي:
فَلَا تَشْلَلْ يَدٌ فَتَكَتْ بِبَحْرٍ ... فَإِنَّكَ لَنْ تَذِلَّ وَلَنْ تُلَاما
وَجَدْنَا آل مُرَّةَ حِينَ خِفْنَا ... جَرِيرَتَنَا هُمُ الأُنُفَ الكِرَاما
وَيَسْرَحُ جَارُهُمْ منْ حَيْثُ أَمْسَى ... كَأنَّ عَلَيْهِ مُؤُتَنَفًا حَرَاما
стр. 1614
وكتب بعد البيت الأوَّل أبو عمرو: بدأ فقال: لا تشلل، ثمَّ أقبل على صاحب اليد يخاطبه، فقال: فإنَّكَ لَنْ تَذِلَّ، أي: لا أشلَّها اللهُ، يقال: شَلَّتْ يَدُه، ولا يُقال شُلَت، ولكن أُشِلَّت، ويُقال: فتكتُ به أَفْتِكُ فَتكًا وفِتكًا: إذا وثبتَ به من غيرِ أن يعلم، فقتَلَته، أو قطعتَ منه شيئًا.
وكتب بعد البيت الثّاني: الجريرة، ما جرُّوا على أنفسهم من الذُّنوب، وجمع جريرة جرائر، وجمع جناية جنايا. والأُنُف: الذين يأنفُون من احتمال الضَّيم.
وكتب بعد البيت الثّالي السكر: يسرح، أي: يرسل ماشية في المرعى. مؤتنفًا حرامًا: يريد شهرًا حرامًا، فلا يُهاج فيه، أي: يرسل ماشية في المرعى. مؤتنفًا حرامًا: يريد شهرًا حرامًا، فلا يُهاج فيه، أي: هو من الأمر كأنه في شهر حرام، وكانوا لا يهيجونَ أحدًا في الشّهر الحرام. السّكري: وفي كتابي: مؤتنفًا، بكسر النّون، فإن لم يكن غلطًا، فإنّه أراد: كأنَّ عليه وهو مُؤتَنِفٌ مستأنف شهرًا حرامًا، فنصب "مؤتنفًا" على الحال. انتهى.
وقوله: ثمَّ أقبل على صاحب اليد يخاطبه، يريد أنّه من الالتفات، دعا له على الغيبة، ثمَّ خاطبه.
وقال أبو الحسن الأخفش فيما كتب على "النّوادر": ويُروى فتكت بعمرو. وقوله: يُقال: شَلَّت يدُه، أي: بالبناء للفاعل، وشلَّت بمعنى: يبست، واسترخت، ولا يُقال شُلّت، أي: بالبناء للمفعول، فإنّه فعل لازم، ولكن أُشِلَّت مجهول أشلّها اللهُ بتعديته بالهمزة. وقولُه: ويُقال: فتكت، يريد أنَّه جاء من باب نصر، وجاء في المصدر كسر الفاء أيضًا، وقوله: وجدنا آل مرّة الأُنُفَ، هو المفعول الثّاني لـ "وجدنا" وهم ضمير الفصل، وحين ظرف لوجدنه وجريرتنا مفعول "خفنا" وَأُنُف، بضمتين، جمع أَنِفَ بفتح الألف وكسر النّون، من أَنِفَ منه كفرح أَنَفًا وَأَنَفَةً محركتين، استنكف فهو أَنِف، ككَتِف وصاحب، والأوَّل أفصح كذا في "القاموس".
стр. 1615
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّابع بعد الأربعمائة:
إذَا مَا خَرَجْنَا مِنْ دِمَشْقَ فَلَا نُعدْ ... لَهَا أَبَدًا ما دامَ فِيهَا الجُراضِمُ
على أنَّ "لا" فيه تحتمل النهي والدّعاء، واقتصر ابن الشّجري في "أماليه" على الدّعاء، ونسب البيت للفرزدق، وفسّر الجراضم بالعظيم البطن، فالمصنّف أخذ منه، ونكّت عليه بأن "لا" تحتمل النّهي أيضًا ونعُد مضارع عاد إذا رجع، واللَّام بمعنى "إلى" والجُراضِم بضمّ الجيم وكسر الضّاد المعجمة، قال الدّماميني: فسّره المصنّف بالعظيم البطن، ولم يفسّر في "الصِّحاح" ولا في "القاموس" إلَّا بالأكُول. انتهى وروي: فلا بدت لنا أبدًا. وعليه لا شاهد فيه، فإنَّ لا مع الماضي ليست ناهية، وإن كانت دعائية، وهذه رواية ابن السّكيت قال في كتاب "أبيات المعاني" قال الأصمعي: وأظنّه للوليد بن عقبة:
إذا ما خَرَجْنا مِنْ دِمشقَ فلا بدَتْ ... لَنَا أبدًا ما دامَ فيها الجُرَاضِمُ
بَصِيرٌ بما في الطَّبْلِ بالنَّقْلِ عالمٌ ... جَرُوزٌ بما التَفَّتْ عَلَيْهِ اللَّهَازِمُ
قال: الحراضم: معاوية، قال: والطّبل: السَّبذ يريد أنَّ يده تَبَاقَلُ إذا صارت في السّبذ تأخذ منه ما تريد، وتترك ما لا تريد كما يُباقل الفرس. انتهى.
قوله: والطَّبل: السّبذ بفتح السّين والموحدة، وثالثه ذال معجمة: وهو شبه المكتل، معرَّب من الفارسيّة، واسمِه بالعربيّ سلَّة، ويقال: طبلة أيضًا، وهو طبق يوضع فيه ما يؤكل. وقوله: إنَّ يده تباقل، أي: ترعى كما يُباقل الفرس، أي: كما يرعى البقل وهو كلّ نبات نبت في زره لا في عِرقه. والجروز أوَّله جيم، وآخره زاء معجمة: هو الأكُول، وقيل: السريع الأكل، وصف من جرز، أي: أكَلَ أكلً سريعًا. وأراد باللهازم طرف الحنكين ممَا يلي الأذن، فإنَّ شِدَّةَ المضغ هناك. وكان معاوية شديدَ الأكل جدًا، ومع ذلك ما كان يشبع، وذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ أرسل إليه أنس بن مالك يدعوه، وكان يأكل، فتمادى فيه حتى أرسله النبيّ ﷺ مرَّةً ثانية، فتمادى فيه، فسأله عن
стр. 1616
ذلك، فقال: هو في الأكل، فقال ﵊: "لّا أشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ" فمن ذلك اليوم ما تلّذَّذ معاوية بالأكل، وكان يأكل ما يأكل العشرة والعشرون في اليوم، ولا يشبع. كذا قال العيني هنا.
قال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب": الوليد بن عقبة أخو عثمان بن عفّان لأمّه أسلم يوم الفتح هو وأخوه خالد بن عقبة، ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أنَّ قوله (إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات/ ٦] نزلت في الوليد بن عقبة، وله أخبار شنيعة قد ترجمناه فيما يتعلّق بالبيت العاشر من "شرح بانت سعاد".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثّامن بعد الأربعمائة:
ويِلْحَيْنَني في اللَّهْوِ أنْ لا أُحِبَّهُ ... ولِلَّهْوِ داعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ
على أنَّ "لا" زائدة. واليبت للأحوص وقبله:
ألا يَا لَقَوْمي قَدْ أَشَطَّتْ عَواذِلي ... ويِزْعُمْنَ أن أوْدَى بحَقِّي باطِلي
نادى قومه على وجه الاستغلاثة من عواذله في تجاوزهنَّ وركوبهنَّ الشَّطَطَ في لومه على حبّه الحسان، والميل إلى اللهو مع وجود باعث ذلك فيه، وهو الشَّباب والعشق، فلا يمكنه قبول نصحهنَّ مع وجود هذا الباعث فيتعيّن أن تكون لا زائدة؛ لأنَّ الناضح إنما يلومه على الاشتغال بأسباب المحبَّة واللهو، لا على ترك ذلك.
ولمّا لم يقف الدّماميني على البيت السّابق لم يتّضح له وجه زيادتها، فردد المعنى بين احتمالين ممكنين حتى تظهر قرينة تعيّن المراد منهما، قال: يحتمل "يلحينني" أن يضبط بياء الغيبة أو بتاء الخطاب، ومعنى اللّحي: اللّوم، واللهو: اللّعب، و"أن" يحتمل أن تكون خفيفة ناصبة للمضارع، وأن تكون مخفّفة من الثَّقيلة، فالمضارع
стр. 1617
المذكور مرفوع، والجملة خبر "أن" واسمها ضمير شأن محذوف على رأي الأكثرين، أو غيره على رأي المحققين، أي: أنني لا أحبَه، والدائب: الجادَ: يقال: دأت فلان في عمله، أي: جدَّ، وإنما تتعيّن زيادة "لا" إذا كان المراد: لحَيْنَهُ على حبّ اللهو وارتكابه إيّاه، ويكون عجز البيت كالعذر له في ذلك، فيكون مستأنفًا، ويحتمل أن تكون لا نافية، ، ويكون لومهنَّ له على اللهو لا على حبّه، ويكون عجز البيت حينئذٍ جملة حالية إمّا من فاعل يلحى أو مفعوله. وقصد الشّاعر أنَه مبغض للهو لا محبّ له، وأنَّ اللّواحي يلمنه على ذلك في حالة أنَّ داعي اللهو جادّ في الدعاء إليه غير غافل عنه، يصف نفسه بالجدّ والثَّبات عليه، وعصيانه للَّواحي مع توفّر الدّواعي إلى اللهو، فهو عكس المعنى الأوَّل، فإن وُجدت قرينة تعيّن المراد، عمل بمقتضاه، وإلا فاللّفظ محتمل، ويترجَح ما قلناه بسلامته من دعوى الزّيادة، وهي خلاف الأصل. هذا كلامه برمّته.
وبالبيت السّابق تعيّن زيادة "لا" وأنّه بياء الغيبة وأنَّ" أن" خفيفة لا مخففة لعدم تقدّم ما يفيد علمًا أو ظنًا، وقد أنشده أبو علي في آخر سورة الفاتحة من "الحجّة" على زيادة "لا" ونصب "أحبّه" بأن، فيكون "أن أحبّه" في تأويل مفرد مجرور بدل اشتمال من اللهو، والدّماميني مسبوق بفرض احتمال معنى النّفي في البيت. قال أبو حيّان في آخر تفسير سورة الفاتحة من "البحر" بعد إنشاد البيت: قال الطّبري، أي: أن أحبّه، وقال غيرُه: معناه إرادة أن لا أحبّه، فـ "لا" فيه متمكّنة، يعني في كونها نافية لا زائدة. انتهى. وصاحب هذا القول أيضًا كأبي حيّان لم يقف على البيت السّابق، وهو قرينة على تعيين زيادة "لا"، وممّن ذكر زيادتها في هذا البيت ابن الأنباري في كتاب "الأضداد".
والأحوص: هو ابن محمّد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري الأوسي. وكان عاصم يسمّى حَمِيَّ الدَبْر؛ كان رسول الله ﷺ بعثه في بعث، فقتله
стр. 1618
المشركون، وأرادُوا أن يصلِبُوه، ويُمَثّلوا به، فحمته الدَّبْرة، وهي النّحل، فلم يقدِرُوا عليه. والأحوص مقدَّم عند أهل الحجاز وأكثر الرّواه، لولا أفعاله الدّنية، لأنّه أسمحهم طبعًا، وأسلمهم كلامًا، وأصحهم معنى، ولشعره رونق وحلاوة، وعُذوبة ألفاظ ليست لأحد، وهو محسن في الغزل والفخر والمدح، وكان يُشبّب بنساء أشراف المدينة فنُهي، فلم ينته، فشكي إلى سليمان بن عبد الملك، فأمر عامله بالمدينة أن يضربه مائة، ويقيمه على البُلُس للنّاس، ثمَّ يسيّره إلى دِهْلِك ففعل به ذلك، والبُلُس بضمّتين جمع بلاس ككِتاب، وهي غرائر كبار من مُسُوحٍ يجعل فيها التّبن يُشهّر عليها من يُنكّل، ويُنادي عليه. ومن دعائهم: "أرانيك اللهُ على البُلُس" وبقي منفيًّا بِدِهْلك إلى أن مات عمر بن عبد العزيز، وولي مكانه يزيد بن عبد الملك، فخلى سبيله، وأعطاه أربعمائة دينار. وقد بسطنا ترجمته في الشّاهد الخامس والثّمانين من شواهد الرّضى.
والأحوص من الحوص بمهملتين، وهو ضيق في مؤخّر العين، وهذا الشّعر نسبه إليه ابن الأنباري، وأبو حيّان، وأنشد البيتين المبرّد في أوائل "الكامل" قال: معنى شطّت: تباعدت، ويقال: أشطّ فلان في الحكم إذا عدل عنه متباعدًا قال تعالى: (فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ) [ص/ ٢٢] وقال الأحوص:
ألا يَا لَقَوْمي قَدْ أشَطّتْ عواذِلي ... إلى آخر البيتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التّاسع بعد الأربعمائة:
أبَى جُودُهُ لا البُخْلِ واستعجلَتْ بِهِ ... نَعَمْ مِنْ فتىً لا يَمْنَعُ الجُودَ قَاتِلَهْ
على أنَّ "لا" فيه أيضًا زائدة على وجه من أوجه رواية نصب البخل، ومحصل ما روي في البخل وجهان: النّصب، والجرّ، ومحصل ما قيل في النّصب ثلاثة
стр. 1619
أقوال: كون "لا" زائدة، وكونها اسمًا، والبخل بدل، وكونها اسمًا أيضًا، والبخل مفعول لأجله بتقدير مضاف وما قيل في الجرّ وجه واحد وهو كون "لا" اسمًا أريد به اللّفظ وهو مضاف، والبخل مضاف إليه. وروى الجرّ والنّصب أبو الحسن الأخفش سعيد بن مسعدة المجاشعي في كتاب "المعاياة" وهو من أبيات المعاني قال: أضاف "لا" إلى البخل أراد أبي جوده "لا" التي تكون للبخل. وقال بعضهم: لا البخلَ، جعلَ "لا" زائدة، ونفيت البخل ونفيت قاتله، لأنّه أراد: لا يمنع الفتى الجوع قاتله، وقاتل الجوع الخبز، وما يؤكل. انتهى. وكذا قال أبو علي في "الحجّة" عند قوله تعالى: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) [الأنعام/ ١٠٩] قال: ومثل "لا" هذه هي أنها - تكون في تأويلٍ - زائدةٌ، وفي آخر غيرُ زائدة قول الشّاعر: أبى جُودُهُ .. البيت. ينشد: أبى جُودُهُ لا البخلَ، ولا البخلِ. فمن نصب البخل جعلها زائدة، كأنّه قال أبي جُودُهُ لا البخلَ، ولا البخلِ. فمن نصب البخل جعلها زائدة، كأنّه قال أبي جُودُه البخلَ، ومن قال: لا البخلِ، أضاف لا إلى البخل. انتهى. وقال أيضًا في "إيضاح الشّعر" وأنشدوا قول الشّاعر: أبى جُودُه .. البيت. على ضربين لا البخلَ ولا البخلِ بالنّصب والجرَ، والجرّ قول أبي عمرو فيما رواه يونس عنه، وجعلها مضافةً لأنّه قد تكون للجود والبخل، ألا ترى أنَه لو قال: امْنَعِ الحّقَّ. واحْرِمِ المساكينَ، فقال: لا، كان هذا جُودًا، فأما بقاؤها على حرفين، فميل: فَا زيدٍ، وذّا مال. انتهى.
وكذا رواه بالنّصب والجرّ ابن الشّجري في "أماليه"، قال: قد روي بنصب البخل وجرّه. فنصبه على أن تكون "لا" زائدة، وجرَه على إخراج "لا" من الحرفيّة إلى الاسميّة، وإضافتها إليه، لأنَّ "لا" تكون للبخل ولغير البخل، فأراد أنّه يمتنع من "لا" الّتي للبخل خاصّة. فمثال الّتي للبخل أن يقول له: هل تجود عليَّ بدرهم؟ فيقول: لا، ومثال التي لغير البخل أن يقول له: هل تمنعني عطاءك؟ فيقول: لا. انتهى. وكذا أورده بالوجهين ابن جني في "الخصائص" وذكر
стр. 1620
للنّصب وجهين، قال: فمن نصبه، فعلى ضربين أحدهما: أن يكون بدلًا من "لا" لأنَّ "لا" موضوعة للبخل، فكأنه قال: أبى جُودُه البخل. والآخر أن تكون "لا" زائدة حتى كأنّه قال: أبى جُودُه البخل لا على البدل، لكن على زيادة لا، والوجه هو الأوَّل، لأنّه قد ذكر بعدها نعم، ونعم لا تزاد، فكذلك ينبغي أن تكون "لا" هنا غير زائدة. والوجه الآخر على الزّيادة صحيح أيضًا لجري ذكر لا في مقابلة نعم، وإذا جاز لـ "لا" أن تعمل وهي زائدة في قوله:
لوْ لمْ تكُنْ غَطَفانُ لا ذُنُوبَ لها ... إليَّ لامَتْ ذَوو أحْسَابها عَمَرا
كان الاكتفاء بلفظها من غير عمل له أولى بالجواز، ومن جرَه فبإضافة "لا" إليه، لأنَّ "لا" كما تكون للبخل قد تكون للجود أيضًا، فلمّا كانت "لا" قد تصلح للأمرين جميعًا، أضيفت إلى البخل لما في ذلك من التّخصيص الفاصِل بين المعنيين الضّدّين. فإن قلت: فكيف تضيفها وهي مبنيّة؟ ألا تراها على حرفين، الثاني حرف لين، وهذا أدلّ شيءٍ على البِناءِ؟ قيل: الإضافة لا تنافي البناء، بل لو جعلها سببًا له لكان أعذر من أن يجعلها نافية له، وقد قالوا: كم رجلٍ قد رأيت! "فكم" مبنيّة وهي مضافة. وقالوا: لأضْرِبنَّ أيُّهُمْ أفضَلُ، وهي مبنيّة عند سيبويه انتهى كلامه، واقتصر ابن السّكيت في "أبيات المعاني" على رواية الجرّ، قال: جعل "لا" اسمًا وأضافها إلى البخل، ونصب الجوع وقاتله؛ يريد: لا يمنع الجائعِ الخبزَ، كأنّه قال: لا يمنع الجوعَ دواءَه ودواءُ الجوع الخبز. انتهى، وسيأتي أنه ليس في هذا كبير مدح.
وكذلك اقتصر على رواية الجرّ أبو علي في "المسائل العسكريّة" قال: وما يجري مجرى "فم" في الإضافة في كونه على حرفين آخرهما حرف لين قولهم: ذو مال، ومنه أيضًا ما حكاه أبو الحسن عن يونس عن أبي عمرو من أنّه كان ينشد: أبي جوده لا البخلِ. فهذا على قول أبي عمرو مضاف، فإذا أضافه، فقد جعله اسمًا، وإذا
стр. 1621
جعله اسمًا، لزمه أن يكون على ما تكون عليه الأسماء، وساغت الإضافة، لأنَّ "لا" قد تكون للجود كما تكون للبخل، فقياس الألف في "لا" أن تكون عينًا في موضع حركة، ولا تكون على حدها قبل النّقل، ألا ترى أنَّ الضّمّة في قولك: هي الفُلُك غير الضّمة في قولك: هو المُلُك. انتهى.
وقول المصنّف: وقال آخر: لا، مفعول به، والبخل، مفعول لأجله .. الخ. قال أبو حيّان في تفسير (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) من سورة الأعراف [الآية/ ١٢]، قال الزّجَاج: "لا" مفعولة، والبخل بدل منها، وقد خرجته أنا تخريجًا آخر وهو أن ينتصب البخل على أنّه مفعول من أجله، و"لا" مفعولة. انتهى.
وقال أبو عبد الله محمّد بن مرزوق في "شرح قصيدة البردة": يُروى البخل بالجرّ على إضافة "لا" إليه، والمعنى أبو جودُه النّطق بلا التي للبخل، ومفهومه أنَّ التي للجود لا يأباها، ويروى بنصب البخل على أن يكون البخل بدلًا من "لا"، أو عطف بيان، أو مفعولًا من أجله على حذف مضاف، أي: كراهة البخل، وعلى النّصب فالمعنى أنّه لا ينطق بلا قط، لئلَّا يقع في البخل، ومفهوم العلّة يقتضي أنها إن لم يكن فيها بخل، فلا يمتنع من النّطق بها، وعلى التّقديرين، فلا بدَّ من تخصيص "لا" بالتي للبخل، والمعنى الذي قصده النّاظم وهو قوله:
نَبِيُّنَا الآمِرُ النَّاهي فَلَا أَحَدٌ ... أبَرَّ في قَوْلِ لَا مِنْهُ وَلَا نَعَمِ
أشمل من هذا وأجمع، وكذا هو أجمع وأصح من قول من مدح إنسانًا بالكرم فقال:
ما قَالَ لَا قَطُّ إلَّا في تَشَهُّدِهِ ... ولَا نَعَمْ قَطُّ إلَّا جاءَتِ النَّعَمُ
فإنَّ هذا يقتضي أن لا ينطق بلا الجود. انتهى.
стр. 1622
وقول المصنّف: وقال أبو علي في "الحجّة" قال أبو الحسن: فسّرته العرب .. الخ. أقول: قاله أبو علي في آخر سورة الفاتحة بهذا اللّفظ من غير زيادة ولا نقص، وكذا أورده في هذا الموضع أبو حيّان في "البحر" قال: واستدلّوا أيضًا على زيادة "لا" ببيت أنشده المفسّرون وهو: أبي جوده لا البخلَ" زعموا أنَّ "لا" زائدة والبخل مفعول بأبى، ولا دليل في ذلك بل الأظهر أنَّ "لا" مفعول بأبى، وأنَّ لفظة "لا" لا تتعلق بها وصارا اإسنادًا لفظيًا ولذلك قال: واستعجلت به نعم، فجعل "نعم" فاعلة بقوله استعجلت، وهو إسناد لفظيّ، والبخل: بدل من لا، أو مفعول من أجله. انتهى.
وقد أورد الجوهري البيت في آخر "الصّحاح" ورواه بنصب البخل وجره وفي بعض نسخه: الجوع، وفي بعضها: الجود. وبيّن ابن بري في "أماليه" وجه النّصب والجرّ ولم يتعرّض لرواية الجود والجوع. قال: من خفض البخل فعلى الإضافة. ومن نصبه جعله نعتًا لـ "لا" ولا اسم وهي مفعول لأبى. هذا كلامه.
أقول: قد بيّن كونه نعتًا على بن عيسى الرّماني في كتاب "الحروف" قال في نصب البخل: "لا" زائدة، وفيه وجه ثانٍ، وهو أن يكون البخل بدلًا من "لا" لأنَّ المعنى مشتمل عليه، وتكون "لا" على هذا الوجه اسمًا، وكان يجب أن يمدّ إلَّا أنّه حكاها على نحو ما يستعمل، ليعلم أنها تلك بعينها، ويجوز أن يكون البخل وصفًا لـ "لا" على تقدير حذف المضاف، كأنّه قال: أبى جوده لا ذات البخلِ، ثمَّ حذف فأقيم المضاف إليه مقامه. انتهى. وذات بمعنى: صاحبة. وقال الأندلسي في "شرحِ المفصّل": ويجوز رفع البخل على أنّه خبر مبتدأ، أي: هو البخل، يريد أنَّ الرّفع على الذّم، وكذا يجوز في رواية النّصب أن يكون منصوبًا على الذَّم بتقدير: أعني أو أذم فيكون في النّصب خمسة أوجه.
وقال ابن مرزوق: والبيت وجد في نسخة مظنون بها الصّحة من "صحاح الجوهري" لفظة "الجوع" بدلًا من "الجود" بالعين مكان الدّال، وقال بعض من طرر على
стр. 1623
هذا المحلّ: إنَّ المعنى لا يمنع الجوع قاتل الجوع. أي: لا يمنع الخبز، وهذا كما ترى ليس فيه كبير بلاغة مدح بالنّسبة إلى معنى لفظ: الجود، بالدّال، لأنَّ المعنى معها: لا يمنع هذا الممدوح الجود قاتله. أي: لو قدّرنا أنَّ شخصًا ضربه، فأنفذ مقاتله، ثمَّ أتى الضّارب يسأل هذا المضروب أن يجود عليه بشيء يطلبه منه، لما منعه إيّاه مع علمه بأنّه هو الذي أنفذ مقاتله، فيوافق في المعنى قول الآخر:
هُوَ البَحْرُ مِنْ أيُّ النَّواحي أتيتَهُ ... فَلُجَّتُهُ المعْرُوفُ والجُودُ ساحلُهْ
فَلَوْ لمْ يكَنْ في كَفِّهِ غيرُ نفسِهِ ... لجادَ بها فَلْيَتَّقِ اللهَ سَائِلُهْ
وهذا مَعنى بليغ في المدح بالجود، فأين ممّا يفيده لفظ الجوع بالعين، وفاعل يمنع ضمير فتى. والجود: مفعوله الأوَّل، وقاتله الثاني، وبالدّال وجدته في بعض نسخ الجوهري. وفي نسخ مظنون بها الصّحة من "تفسير ابن عطيّة" في قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) [الأعراف/ ١٢] تأمّل إعراب قوله: من فتى، والأولى أن يكون صفة أو حالًا من نعم، أي: صادرة نعم المستعجلة به من فتى شأنه هذا، وإذا صدرت "نعم" من الجواد الموصوف بهذه الصفة لم يتخلّف مقتضاها. انتهى كلام ابن مرزوق، وهو غاية في جودة المعنى.
وقال الزمحشري في "أحاجيه" بعد أن فِسّر البيت الأوَّل بما فسّر به المصنّف: وأمّا بقيّة البيت فلم يفسّره أبو الحسن، وهو مشكل جدًا، وأقول في معناه: إنّه مدح كريم أبى جوده أن ينطق بـ "لا" التي للبخل، واستعجلت بجوده نعم، أي: سبقت نعم "لا" كما قال:
واستَعجَلونا وكانُوا مِنْ صَحابتِنا ... كما تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِورَّادِ
أي: سبقونا وتقدَّمُونا، أي: إنَّ نعم استعجلت لا، أي: سبقتها صادرة من فتى لا يمنع الجود، والهاء في قاتله يعود على نعم، أي: قاتل نعم لا يمنع الجود،
стр. 1624
ثمَّ قال: وقوله: لا يمنع الجود قاتله، أراد: إنَّ الجود وإن قتله لا يمنع، فقاتله منصوب على الحال، أي: لا يمنع في حال قتله إيّاه، لأنَّ الجود يفقره، ويجوز أن ينصب قاتله على أنه مفعول، أي: لا يمنع من يريد أن يقتله الجود، يدلك عليه كما قال آخر:
ولَوْ لمْ يكُنْ في كَفِّهِ غيرُ نفسِهِ .. لجادَ بها فليتَّقِ اللهَ سَائِلُهْ
ويجوز أن يكون معنى "قاتله" من قَتَلْ من تكرَّمَ عليه، لأنَّ فاعل ذلك قاتله له، ومع ذلك فلا يمنعه ذلك أن يجود عليه، وقد قال تعالى: (فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوَهُمْ) [البقرة/ ١٩١] ولا يصحّ أن يكون هذان البيتان في شعر واحد؛ لأنَّ الأوَّل منصوب، وهذا مرفوع، هذا كلامه. وفيه قلاقة.
ونقل ابن المستوفي في "شرح أبيات المفصّل" عن أبي العبّاس أحمد المعروف بابن الحبّاز قال: قوله: لا يمنع الجود قاتله، معناه: لا يمنع جوده الذي قتله، أي: لا يحرم جوده من يقتله، ورفع قاتله بقوله يمنع، ويكون على هذا لا يمنعه قاتله الجود، ويكون قد حذف المفعول الأوَّل، وهذا متكلّف، وما سبق أولى. انتهى.
ولم أر من روى قاتله بالرَّفع، وهؤلاء كلّهم بنوا شرح البيت على رواية الجود بالدّال، ورواية الجوع بالعين غير مقبولة عندهم لكن قد جاء هذا عند العرب في إطعام الطّعام كثيرًا، وافتخروا به، ومدحوا، قال زهير بن أبي سلمى:
إذا مَا أتَوْا أبوابَهُ قالَ مَرْحَبًا ... لِجُوا البابَ حتى يأتيَ الجوعَ قاتِلُهْ
وأنشد أبو تمّام في "الحماسة":
تَرَكْنَا فتىً أيقنَ الجوعُ أنَّهُ ... إذا ما ثَوَى في أَرْحُلِ القوْمِ قاتلُهْ
стр. 1625
وقال عبد الله بن الزّبير الأسدي، وضمّن بيت زهير:
ترى الجُنْدَ والأغرابَ يغشونَ بابَه ... كما وَرَدَتْ ماءَ الكلابِ هَوَامِلُهْ
إذا ما أتَوْا أبْوَابَهُ قال مَرْحَبَا .. البيت.
وقال أبو خراش الهذلي في مدح رجل:
يُقَاتِلُ جُوعَهُمْ بمكَلَّلاتٍ ... مِنَ الفُرنيِّ يَرْعَبُهَا الجَميلُ
أي: بجفان مكلّلات قد كللت بالشحم. ويرعبها: يمؤلها، والجميل: الشحم والودك.
ولم أقف على تتمة البيت الشاهد ولا على قائله مع شهرته في كتب النّحو والتفسير واللغة والأدب والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد الأربعمائة:
لَا وأَبِيكِ ابنَةَ العَامِرِيِّ لَا يَدَّعِي القَوْمُ أَنِّي أَفِرّْ
على أنَّه قيل: زيادة "لا" في صدر القسم للتَّمهيد بأنَّ الجواب منفيّ، وردَّ بقوله تعالى: (لا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ) [البلد/ ١] الآيات، فإنَّ جوابه مثبت، وهو: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) ويجاب بأنَّ زيادتها هناك لذلك أغلبي.
والبيت مطلع قصيدة لامرئ القيس، وتقدَّم بيت منها في الإنشاد الثالث والعشرين بعد الثلاثمائة. والكاف من أبيك خطاب لمؤنّث، أقسم بأبيها تعظيمًا لها، وابنة العامري: منادى بياء محذوفًا، وابنة العامري اسمها هرّ، وقد ذكرها في هذه القصيدة بقوله:
وَهِرٌّ تَصِيدُ قُلُوبَ الرِّجالِ ... وأَفْلَتَ مِنْهَا ابنُ عَمْرٍو حِجْر
والعامري: هو من بني عمرو بن عامر من الأزد، واسمه: سلامة بنُ عبد الله،
стр. 1626
وقل هرّ لقبها، واسمها: فاطمة بنت عبيد بن ثعلبة بن عامر بن عوف بن عذرة. وبعده:
تَمِيمُ بنُ مُرٍّ وأشْياعُهَا ... وَكِنْدَةُ حَوْلي جَمِيعًا صُبُر
بضمتين جمع صابر، وتميم مبتدأ، وصبر خبره، والجملة حال من فاعل أفر. لا بدل أو عطف بيان للقوم كما قيل. فإنّه قال بعده:
إذّا رّكِبُوا الخَيْلَ واسْتَلأمُوا ... تحرَّقَتِ الأرضُ واليوْمَ قُرّ
استلأمُوا، لبسوا اللأمة، بالهمز. وهي الدّرع، وتحرَّقت: اشتعلت من شدّة الحرب، وقُر: بالضمّ: بارد.
وقيل: مطلع القصيدة بيت قبل المذكور، وهو:
أحَارِ بنَ عَمْرٍو كأنّي خَمِرْ ... وَبَعْدُو عَلَى المَرْءِ مَا يَأتَمِرْ
وحار: مرخم حارث. وخمر: بفتح الخاء المهجمة وكسر الميم، وهو الّذي يخالطه سكر أو داء، ويعدو: يرجع، ما يأتمر: ما يريد أن يوقعه بغيره، وقيل: ما: مصدرية، أي: ويعدو على الرّجل ائتماره أمرًا ليس برشد، لأنه إذا ائتمر أمرًا ليس برشد فكأنه يعدو عليه فيهلكه، والواو: استئنافية، أو للتَّعليل على رأي من أثبته، ومعناه: كأني خامرني داء؛ لأجل عدوان الائتمار بأمر ليس برشد.
وقال الأعلم: معناه: يصيبه وبنزل عليه مكروه ما يأتمر به ويحمل نفسه على فعله. وهذا نحو قول العامّة: "من حفر حفرة وقع فيها".
وترجمة امرئ القيس تقدَّمت في الإنشاد الرّابع من أوّل الكتاب.
стр. 1627
" لَاتَ "
أنشد فيه، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد الأربعمائة:
(٤١١) طَلَبوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أَوَانٍ
على أن الفرّاء زعم أنَّ لات حرف جرّ تجرّ أسماء الزمان خاصّة.
أقول: ليس في كلام الفرّاء تقييد مجرورها بكونه من أسماء الزمان، وهذه عبارته في تفسير آية "صاد" قال هناك: يقول: ليس حين فرار، والنّوص: التأخر، ومن المعرب من يضيف لات فيخفض، أنشدوني:
وَلَاتَ سَاعَةِ مَنْدَمِ
ولا أحفظ صدره، والكلام أن ينصب بها في معنى ليس، أنشدني المفضل:
تَذكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لاتَ حيِنَا ... وأضحَى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرينا
فهذا نصب، وأنشدني بعضهم:
طَلَبوا صُلْحَنَا ولاتَ أوانٍ ... فوأجبنا أن ليس حين بقَاء
فهذا خفض، هذا كلام الفرّاء برمَته
والبيت الذي لم يعرف صدره أنشده ابن السكيت في كتاب "الأضداد" قال فيه:
قال ابن الأعرابي: أخلاق مشمولة، أي: مشؤومة وأخلاق سوء. وأنشد:
ولتعرفنَّ خلائقًا مشمولةً ... ولتندَمَنَّ ولاتَ ساعةَ مندمِ
ويقال أيضًا: رجل مشمول الخلائق، أي: كريم الأخلاق، قال: وأنشد أبو عمرو لرجل من بني سعد:
стр. 1628
كأنْ لم أعشْ يومًا بصهباء لذةٍ .. ولم أندُ مشمولًا خلائقُهُ مِثْلي
وأندو بالنون: بمعنى أجالس، ومنه النادي وهو المجلس. وقد أخل الرَّضي بالنقل عن الفراء، فإنه قال: وقال الفراء: تكون لات مع الأوقات كلها، وأنشد: "ولات ساعة مندم" انتهى.
فإنّه أورد هذا الكلام في باب "ما" و"لا" و"لات" العاملات عمل ليس، ولم يقيد "لات" بكونها حرف جر، فيظن أنَّ الفراء أنشده بنصب "ساعة"، ولهذا قال الدماميني: فإن قلت: هلا حملت نقل الرضي عن الفراء أنها تكون مع الأوقات كلها على ما إذا كانت عاملة للجر، كما نقله المصنف هنا، وحملت حكاية كلام المصنف أولًا أنها لا تعمل إلا في لفظ الحين على ما إذا كانت عاملة للنصب، فلا يكون بين النقلين تعارض، قلت: لأنَّ الرضي لما ذكر عنه أنها تعمل في الأوقات كلها أنشد: "ولات ساعة مندم" والرواية فيه بنصب الساعة، فلم يبق إذن للتوفيق بهذه الطريقة مجال. انتهى. أقول: إنما رواه بالجر، فالتوفيق ممكن. وقول المصنف: وأجيب عن البيت بجوابين أحدهما: على إضمار من الاستغراقية، جواب غير سديد، لأن تقدير من يقتضي أن لا يكون لـ "لات" معمول، وإذا لم يكن لها معمول اقتضى كونها غير عاملة.
ومن الغريب قول أبي حيّان: إن من المقدرة ومجرورها موضعها رفع على أنهما اسم لات، كما تقول: ليس من رجل قائمًا، والخبر محذوف. انتهى.
وقوله: والثاني: أن الأصل: ولات أوان صلح. إلخ، أقول: تقدير المضاف إليه جملة هو المناسب، لتشبيه أوان بيومئذ في البناء، وفي كون التنوين بدلًا من المضاف إليه، وأما تقديره مفردًا، ثم تعليل بنائه بقطعه عن الإضافة، ففيه أن ما ذكره مختص بالظروف النسبية، ويكون بناؤها حينئذٍ على الضم، وأما "أوان" فإنه ظرف متصرف كما يأتي قريبًا عن ابن جني، وليس مضمومًا كقبل وبعد، فالمناسب: ولات أوان نصطلح، فإنَّ المنفي في الحقيقة أوان الصلح، أو بقدر جملة اسمية، أي: ولات أوان صلحنا ممكن، فأوان: خبر لات، وهو منصوب لفظًا أو مبنى
стр. 1629
على الفتحة لإضافته إلى مبني، واسمها محذوف، أي: ولات الأوان ... قال أبو علي في "المسائل المنثورة": قال أبو العبّاس المبرد: أوان هنا مبنيَّة، لأنّ أوان تضاف إلى المبتدأ والخبر، فكأنك حذفت منه المبتدأ والخبر، فنونت ليعلم أنّك قد اقتطعت الإضافة منه. انتهى. ولم يرتض ابن جني في "الخصائص" كون التنوين عوضًا كيومئذ، وفرق بينهما بأن إذ ظرف ناقص، وأوان ظرف متصرف، قال: وتأول أبو العباس المبرد قول الشاعر:
طَلَبُوا صُلحَنَا ولاتَ أوانٍ
على أنّه حذف المضاف إليه أوان، فعوض التَّنوين منه على حدّ قول الجماعة في تنوين [إذ] وهذا ليس بالسّهل، وذلك أنَّ التنوين في نحو هذا إنما دخل فيما لا يضاف إلى الواحد، أي: المفرد، وأمّا أوان، فمعرب، ويضاف إلى الواحد كقوله:
فَهَذَا أوَانُ العِرْضِ حَيٌّ ذُبابُه ... زنانيرُهُ والأزرقُ المُتلَمِّسُ
وقد كسروه على آونة وتكسيرهم إيّاه يبعّده عن البناء لأنه أخذٌ به في شق التصريف والتصرف انتهى كلامه. وقد بسط هذا الكلام في "سرّ الصّناعة" وقال في آخره: وأمّا الجماعة غير المبرّد، وغير أبي الحسن، فعندهم أنَّ أوان مجرورة بات، وأنّ ذلك لغة شاذة، روينا عن قُطرب قال: قرأه عيسى: (ولات حين مناصٍ) [ص: ٣] بالجر. انتهى. وهذا حق لا شبهة فيه، فالوجه كون لات في البيت حرف جرِ كما نقله الفرَّاء في قوله: ولات ساعة مندم وفي هذا البيت أيضًا وكذلك نقله أبو علي في "المسائل المنثورة" عن أبي عمر الجرمي، واستشكله بأنَّ حروف الجرّ لا بدَّ أن تتعلّق بشيء، ولات هنا لا تتعلَّق بشيء وجوابه أن لنا حروف جرّ لا تتعلّق بشيءٍ منها "لولا" كما بيَّنه الرّضي. وقول المصنّف: وعن القراءة بالجواب الأوَّل قد
стр. 1630
قدَّمنا أنَّه لا يصحّن وقوله: وتوجيههم أن الأصل حين مناصهم .. إلخ، هذا الأصل غير صحيح أيضًا، لأنَّ معمول "لات" لا يجوز إضافته إلا إلى نكرة، ودعوى أنَّ المضاف وهو "حين" اكتسب البناء من المضاف إليه، ففيها أن شرط اكتساب البناء بالإضافة أن يكون المضاف زمانًا مبهمًا والمضاف إليه إمّا "إذا" أو فعل، أو جملة اسميّة، ومناص ليس واحدًا من الثلاثة، ثمَّ إنَّ البناء إنما سمع فيما ذكرنا على الفتح لا على الكسر.
والبيت الشاهد من قصيدة لأبي زبيد الطّائي النصراني، حكى أبو عمرو الشيباني وابن الأعرابي قالا: نزل رجل من بني شيبان اسمُه المكّاء برجل من طي، فأضافه وسقاه، فلما سكر، وثبت إليه الشيباني بالسيف، فقتله، وخرج هاربًا، وافتخر بنو شيبان بذلك، فقال أبو زبيد هذه القصيدة، وهذه أبيات منها:
خَبَّرتَنَا الرُّكبانُ أنْ قَدْ فرحتم ... وفخرتم بضربة المكاء
ولعمري لعارها كان أدنى ... لكم من تقى وحسنِ وفاء
ظل ضيفًا أخوكم لأخينا ... في صبوح ونعمة وشواء
لم يهب حرمة النديم وحقت ... يا لقومي للسوأة السواء
فاصدقوني وقد خبرتم وقد ثا ... بت إليكُم جوائبُ الأنباءِ
هل علمتم من معشرٍ سافهونا ... ثمَّ عاشوا صفحًا ذوي غلواء
كم أزالت رماحنا من قبيل ... قاتلونا بنكبة وشقاء
بعثوا حربنا إليهم وكانوا ... في مقام لو أبصروا ورخاء
ثم لما تشذرت وأنافت ... وتصلوا منها كريه الصلاء
طلبوا صلحنا ولات أوانٍ ... أليبت إلى أن قال:
أَبَديءُ أَنْ تقتلوا إذ قتلتم ... أم لكم بسطةٌ على الأكفاء
أم طمعتم بأن تريقوا دمانا ... ثم أنتم بنجوةٍ في السماء
فلحى اللهُ طالبَ الصلحِ منا ... ما أطاف المبس بالدهناء
стр. 1631
قوله: لم يهب حرمة النديم إلخ .. أورده صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (كيفق يواري سوأة أخيه) [المائدة/ ٣١] على أنَّ السوأة ما يقبح كشفهن والسواء: وصف مؤكد للسوأة، كقولهم: الليلة الليلاء. ويهب: من الهيبة، والمعنى: أنه لم يعظم حرمة الصاحب، وحقت تلك الحرمة أن تهاب، ثم نادى قومه ليعجبهم من هذه الفعلة القبيحة التي هي هتك حرمة النديم. وقد أنشد صاحب "الكشاف" عجز هذا البيت فقط. قال الطيبي: لم أظفر بصدره، ولا بقائله. وجوائب الأنباء: جمع جائبة من الجوب وهو القطع، قال صاحب "الصحاح": يقال: هل جاءكم [من] جائبة خبر، أي: خبر يجوب الأرض من بلد إلى بلد. والأنباء جمع نبأ كالخبر وزنًا ومعنى. وقوله: سافهونا، من السفه وهو ضد الحلم، وصفحًا: إعراضًا عنهم، وذوي حال من الواو في عاشوا، والغلواء: النشاط والبطر، وقوله: لو أبصروا "لو" للتمني، وتشذرت بالشين والذال المعجمتين، قال صاحب "الصحاح"، يقال: تشذَّر فلان: إذا تهيأ للقتال، وتشذَّر القوم في الحرب، أي: تطاولوا. وأنافت: زادت، وتصلوا: مبالغة صلي بالنار: إذا وجد حرّها، والصلاة ككتاب: حر النار.
وقوله: طلبوا صلحنا .. الخ، جواب لما. ومن العجائب قول العيني: طلبوا فعل وفاعله مستتر فيه. وقوله: ولات أوان، في محل الحال من الصلح، وأن مصدرية بتقدير الباء يقال: أجابه بكذا، وقال السيوطي: هي تفسيرية، والبقاء: اسم من قولهم أبقيت على فلان إبقاءً: إذا رحمته، وتلطفت به، والمشهور أنَّ الاسم منه البقيا بالضم، والبقوى بالفتح، وقال العيني وتبعه السيوطي: المعنى بقاء الصلح. وقوله أبدئ: الهمزة للاستفهام الإنكاري، والنجوة بالنون والجيم: المكان المرتفع، وقوله: فلحى اللهُ .. إلخ .. ، أي: قبح الله، وما مصدرية، ظرفية، وأطاف كطاف بمعنى دار حول الشي، والمبس: حادي الإبل، وهو اسم فاعل من
стр. 1632
أبسستُ الإبلَ، إذا زجرتها، والدهناء بالمدَ: موضع في بلاد تميم.
وأبو زُبيد اسمه: المنذر بن حرملة الطائي، قال أبو حاتم في كتاب "المعمرين" وابن قتيبة في كتاب "الشعراء" وغيرهما: عاش أبو زبيد مائة وخمسين سنة، وكان نصرانيًا، ومات على نصرانيته، واستعمله عمر بن الخطاب ﵁ على صدقات قومه، ولم يستعمل نصرانيًا غيره، وقد بسطنا الكلام في المسألة، والقصيدة وترجمته في شرح الشاهد الثاني والثمانين بعد المائتين من شواهد الرضى، وفي الشاهد الثمانين بعد المائتين منها.
وأنشد بعده:
ألا رجلٍ جزاهُ اللهُ خيرًا ... يدلُّ على محصلةٍ تبيتُ
على أنَّ قوله: "رجل" مجرور بمن، قال الصاغاني في "العباب": روي بالجر على تقدير مضاف، تقديره: ألا دلالة رجل، أي: ألا تحصلون لي دلالة رجل، ويدل على هذا المحذوف في البيت "يدلّ" لا على إضمار من، لما يلزمه من إعمال الجار محذوفًا مع كونه زائدًا. انتهى.
وقد أنشده المصنف في بحث "ألا" بالنصب، وشرحناه هناك في الإنشاد الثاني بعد المائة.
стр. 1633
(لَوْ)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد الأربعمائة:
ولو أنَّمَا أسعَى لأدنى معيشةٍ ... كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجدَ المؤثلَ أمثالي
على أنَّ "لو" يُفهم منها عدم وقوع الفعل، ولهذا يصح تعقيبه بحرف الاستدراك داخلًا على فعل الشرط إلى آخر ما ذكره، وقد بسط الكلام المصنف على هذا الشعر بما لا مزيد عليه في بحث الأشياء التي تحتاج إلى الرابط من الباب الرابع فأغنانا عن التكلم عليه، وهو من شواهد سيبويه ونذكر إن شاء الله ما يتعلق به هناك.
والبيتان من قصيدة طويلة لامرئ القيس تقدم شرح مطلعها في الإنشاد التاسع والسبعين بعد المائتين. وتقدم بعضها ايضًا في الباء المفردة، وبعضها في رب، وبعضها في قد، وبعضها في اللام المفردة، وهما آخر القصيدة.
قال ابن الأنباري في "شرح المفضليات" المؤثل: المجموع، ومنه قول امرئ القيس: ولكنما أسعى لمجد مؤثل .. البيت، وقال يعقوب بن السكيت، المؤثل: المثمر المثبت، يقال: قد تأثل فلان بأرض كذا، أي: ثبت فيها، وقال: قال أبو عبيدة: يقال: مجد مؤثل: قديم له أصل، والتأثل: اتخاذ أصل مال، والأثلة: الأصل، قال الأعشى:
ألستَ منتهيًا عن نحتِ أثلتنا ... ولستَ ضائرها ما أطت الإبلُ
стр. 1634
انتهى. وقليل: فاعل كفاني، ومفعول لم أطلب محذوف تقديره: لم أطلب المجد المؤثل وهو الملك والسلطنة، فلا تنازع، وقال أبو عبد الله الحسن بن موسى الدينوري، والذي يقوي في نفسي، وما سبقني إليه أحد أن قوله: "ولم أطلب": ولم أسع، وهو غير متعد، فلذلك لم يحفل به، ولا أعمل الأول، ولا أدري كيف خفي على الأفاضل من أصحابنا حتى جعلوا البيت شاهدًا على إعمال الأول. انتهى. بقول: لو أن سعيي لاكتساب المال، لكفاني اليسير منه عن الجهد في الطلب، ولكنني ساع لطلب استرجاع المجد القديم، وإدراك الغاية، والأخذ بالثأر.
وقد أخذهما بعض الشّعراء وغير قافيته، أنشد أبو تمام في كتاب "مختار أشعار القائل" لخفاف بن الغضبن بن البراجم:
فلو أنَّما أسعَى لنفسي وحدها ... لزاد يسيرٍ أو ثيابٍ على جلدي
لأنتُ على نفسي وبلَّغَ حاجتي ... من المال مالٌ دونَ بعضِ الذي عندي
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثلٍ ... وكان أبي نال المكارم عن جدي
أنتُ على نفسي: رفقت بها، وأبقيت عليها. انتهى. وكذا أوردها الآمدي في كتاب "المؤتلف والمختلف" من أسماء الشعراء قال: ومنهم خُفاف بن غُضين بن حَزْن بن ديافي بن نفنف بن عمرو بن حنظلة البرجمي، وهو القائل:
ولو أنما أسعى لنفسي وحدها .. إلى آخر الأبيات الثلاثة.
وخفاف بضم الخاء المعجمة وخفة الفاءين كغراب، وغضين، بضم الغين وفتح الضاد المعجمتين على وزن المصغر. وشعر هذا الرجل أوضح معنى شعر امرئ القيس الذي فهمه البصرون، وفيه رد على الكوفيين في فهمهم معناه على خلاف مراده والله أعلم. وخفاف هذا أظنه جاهليًا والله أعلم به. روى الخالدي في "اختيار شعر مسلم بن الوليد" عن المفضل ابن محمد الضبي أنه قيل للفرزدق: أي بيت قالته العرب أحكم؟ قال: بيت امرئ القيس: ولكنما أسعى لمجد مؤثل .. البيت. قيل: فأيُّ بيت قالته العرب في الوصف أحسن؟ قال: بيت امرئ القيس:
стр. 1635
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرِها العُنَّابُ والحشَفُ البالي
قيل: فأيُّ بيتٍ قالته العربُ أنسب؟ قال: بيت امرئ القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل
قيل: وأي بيت قالته العرب أجمع في وصف الفرس؟ قال: بيت امرئ القيس: له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ وإرخاءُ سرحانٍ وتقريبُ تتفلِ
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد الأربعمائة:
فلو كان حمدٌ مخلِدَ الناسِ لم يمت ... ولكنَّ حمدَ الناسِ ليسَ بمخلدِ
لما تقدم قبله: والبيت من أواخر قصيدة لزهر بن أبي سلمى مدح بها هرم بن سنان المري، وبعده:
ولكن منه باقياتٍ وارثةً ... فأورِث بنيك بعضها وتزود
تزود إلى يوم الممات فإنه ... ولو كرهته النفس آخر موعد
يقول: لو أن الفعل المحمود يخلد صاحبه، لخلدك ولم تمت، ولكنه لا يخلد أحدًا، غير أنه منه ما يبقى ويتوارث، فيقوم مقام الحياة لصاحبه. فأورث بعض مكارمك ومحامدك، وتزود بعضها لما بعد موتك، فإنّ الموت موعد ولا بدَّ منه، وإن كرهته النفس، فينبغي أن تتزود له.
وهذا الشعر يدل على إقرار صاحبه بالحشر والجزاء وإن كان جاهليًا. وقد أخذ البيت الأول الأحوص الأنصاري فقال:
ولوْ كانَ بذلُ المالِ والعرفُ مخلِدًا ... من الناس إنسانًا لكنتَ المُخَلَّدا
стр. 1636
وأخذه جرير أيضًا فقال:
فلو كانَ الخُلُودُ لفضلِ قومٍ ... على قومٍ لكان لنا الخُلُودُ
وزهير بن أبي سلمى جاهلي تقدمت ترجمته في الإنشاد الخمسين، ويأتي إن شاء الله بعض أبيات من هذه القصيدة في الباب الخامس.
وأنشد بعده:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهلِ بن شيبانا
وبعده:
إذنْ لقامض بنصري معشرٌ خُشُنٌ ... عِندَ الحفيظةِ إن ذُو لُوثَةٍ لانَا
لكن قومي وإن كانوا .. البيت.
وتقدم شرحها في بحث "إذن" في الإنشاد العشرين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد الأربعمائة:
ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دونِ رمسينا من الأرضِ سَبْسَبُ
لظل صدى صوتي وإن كنت رمة ... لصوتِ صدى ليلى يهشُّ ويَطْرَبُ
على أنَّ لو فيه حرف شرط للاستقبال، وهو ظاهر. والبيتان آخر قصيدة لأبي صخر الهذلي، ومطلعها:
ألمَّ خيالٌ طارقٌ مُتَأوِّبُ ... لأمِّ حكيمٍ بعدَما نِمْتُ مُوصِبُ
стр. 1637
وألمَّ: زارَ زيارةً خفيفةً، والطّارق: الذي يأتي ليلًا، والمتأوِّبُ: الرّاجع و"لأمِّ حكيم" متعلق بمحذوف صفة أخرى لخيال، وموصِب أيضًا وصف له، وهو اسم فاعل من أوصبه: إذا أمرضه، وبعد متعلّق بألمَّ.
وقوله: ولو تلتقي أصداؤنا: هو جمع صدى، وهو الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها، والمراد: لو أنَّ إنسانًا رفع صوته باسمي، وآخر رفع صوته باسمها في موضع يرجع فيه الصّدى، التقى صديانا لظلَّ صدى صوت اسمي يهشّ لصدى صوت اسمها، ففي الموضعين الأوَّلين حذف مضاف، أي: ولو تلتقي أصداء أسمائنا، ولظلّ صدى صوت اسمي. وأما قوله: لصوت صدى ليلى، فلا حذف فيه، لكن فيه قلب، أي: لصدى صوت ليلى بقرينة ما قبله، والرّمس: القبر، أصله تراب القبر، والسَّبسّب كجعفر: القفر والمفازة، والرّمة بكسر الرّاء: العظم البالي، ورم العظم يرم من باب ضرب: إذا بلي، ويهشُّ مضارع هشَّ الرّجل هشاشة إذا تبسَم وارتاح من بابي تعب وضرب، والطّرب هنا: خفَّة تلحق لفرح. وأبو صخر الهذلي: اسمه عبد الله بن سالم السّهمي الهذلي شاعر إسلامي، تقدَّمت ترجمته في الإنشاد الرّابع والسّبعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد الأربعمائة:
وَلَوْ أَنَّ ليْلى الأخيلية سلَّمَتْ ... عَلَيَّ وَدُوني جَنْدَلٌ وصَفَائِحُ
لَسَلَّمْتُ تَسْليمَ البشاشة أو زقا ... إليها صدىً مِنْ جانب القبر صائِحُ
لما تقدَّم قبله. والبيتان أوردهما أبو تمام في "الحماسة" لتوبة بن الحمير مع ثالث وهو:
стр. 1638
وَأُغْبَطُ مِنْ ليلى بما لا أنالُهُ ... ألا كُلُّ ما قَرَّتُ بِهِ العينُ صالحُ
قال شارح "الحماسة" أمين الدين الطبرسي: الصفائح: الحجارة العراض تكون على القبور يقول: لو سلّمت عليّ وأنا ميت، وحال بيني وبينها صفائح القبر تسرّعت إلى جوابها مع بشاشة وطلاقة وجه، أو صاح لها صدى لي من داخل قبري بدل الجواب منّي، وهذا على اعتقادهم أنَّ عظام الموتى تصير أصداء وهامًا.
وقوله: وأغبط من ليلى .. إلخ، يقول: إني محسود منذ عرفت ليلى، وإن لم أنل منها مطلوبًا، ثمّ قال: ألا كل ما قرَّت به العين صالح، يريد: أني قرير العين بأن أذكر بها، وهذا القدر نافع، وإن تجرَّد عمَّا سواه. انتهى. وكذا أوردها ثلاثة أبيات القالي في "أماليه" عن ابن دريد، وقال أنشدنا ابن دريد: قال: أنشدنا الأشنانداني، عن التَّوَّزيِّ لطهمان بن عمرو من بني أبي بكر بن كلاب:
وَلَوْ أَنَّ لَيْلى الحارِثيَّةَ سَلَّمَتْ ... عَلَيَّ مُسَجَّى في الثِّيَابِ أسُوقٌ
حَنُوطي وَأَكْفاني لَدَيَّ مُعَدَّة ... وَلِلنَّفْسِ مِنْ قُرْبِ الوَفَاة شَهيقُ
إذًا لحَسِبْتُ الموْتَ يَتْرُكُني لهَا ... وَيفْرَجُ عَنِّي غَمُّهُ فَأُفيقُ
انتهى.
وأورد السكري هذه الأبيات الثلاثة في ضمن قصيدة طويلة لطهمان المذكور
стр. 1639
قال: وزعم ابن غَّلاق أنها للفأفاء بن حيان بن عمرو بن كلاب، وأورد ابن قتيبة في كتاب "الشعراء" البيتين الشّاهدين فقط، وقال: ويروي: لسلمت تسليم المحبّين. وكذا أوردهما السيّد المرتضى في "أماليه" وقال: قال محمَد بن يحيى الصولي: إنِّي لأحسب أبا حيَّة النّميري قد تبع توبة بن الحميّر في قوله:
حَدِيثٌ إذَا لمْ تخْشَ عَيْنًا كأنَّه ... إذا سَاقَطَتْهُ الشَّهْدُ بَلْ هُوَ أَطيبُ
لَوَ انَّكَ تَستَشْفي بهِ بعد سكرةٍ ... من الموتِ كادَتْ سكرَةُ الموتِ تذهبُ
وأوَّلُ من سبق إلى هذا المعنى فأحسن الأعشى في قوله:
لَوْ أَسْنَدَتْ ميْتًا إلى نَحْرِهَا ... عَاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قَابِرِ
حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رَأوْا ... يَا عَجَبًا للمَيِّتِ النّاشِرِ
ومعنى النَّاشر: المنشور، يقال: أَنشر الله الميت، فنشر، وهو ناشر بمعنى منشور مثل ماء دافق، أي: مدفوق انتهى.
وليلى الأخيلية: هي بنت عبد الله بن كعب بن معاوية. ومعاوية هو الأخيل بن عبادة. وهي من أشعر النِّساء لا يُقدَّم عليها غيرُ الخنساء، وكان توبة بن الحمير يحبّها. ولمَّا قتل. رثته بمراث جيدة، قال ابن قتيبة وقوله: أَو، زقا بالزاء المعجمة والقاف.
قال صاحب "القاموس": زقا الصّدَىَ يزقو زقوًا صاح، كزقي يزقي زقيًا انتهى. والصَّدى: طائر قال ابن الأنباري في كتاب "الأضداد": كانت العرب تزعم أن عظام الميّت تجتمع، فتصير هامة، ثمَّ تطير، ويسمون الطّائر الَّذي يخرج منها الصّدى، وقيل: الصّدى ذكر البوم، قال توبة بن الحميِّر:
وَلَوْ أَنَّ لَيْلى الأَخْيلِيَّةَ ... البيتين. انتهى.
стр. 1640
وقال المبرّد في "الكامل" بعد قول النّمر بن تولب:
أعَاذِلُ إنْ يُصْبِحْ صَدَايَ بقَفْرةٍ ... بَعيدًا نآني صَاحبِي وَقَريني
الصَّدَى على ستَّة أوجه، أحدها: ما يبقى من الميِّت في قبرة. والصَّدى: الذَّكر من البوم، والصَّدى: حُشْوَةُ الرَّأس، يقال لذلك الهامة والصَّدى. وتأويل ذلك عند العرب في الجاهلية: أنَّ الرَّجل كان عندهم إذا قتل، فلم يدرك به الثَّار يخرج من رأسه طائر كالبومة - وهي الهامة، والذَّكر: الصّدى - فيصيح على قبره: اسقوني اسقوني، فإن قتل قاتله، كفّ ذلك الطّائر، قال ذو الإصبع:
يا عَمْرُو إنْ تَدَعْ شَتْمي وَمَنْقّصَتي ... أضرِبْكَ حتى تقولَ الهَامَةُ اسْقُوني
والصَّدَى: ما يرجع عليك من الصَّوت إذا كُنْتَ بمُتَّسَعٍ من الأرض، أو بقرب جبل، والصَّدأ مهموز: صدأ الحديد وما أشبه ذلك، والصَّدى مصدر الصَّدى وهو العطشان. انتهى باختصار. قال الوقشي فيما كتبه على "الكامل": قوله: الصَّدى على ستَّة أوجه المهموز أحد السِّتَّة، فالمقصور إنما هو خمسة، ذكر أبو عليّ القالي في "المقصور" الصَّدى: العطش، والصَّدى: الذي يجيب الصَّوت إذا كنت في بيت خال أو جبل، والصَّدى: طائر يقال له: ذكر البوم، وإنما سمّى صدى، لأنه يأوي القبور، فسمّي بصدى الميّت وهو بدنه. وقال ابن الأنباري: الصَّدى: طائر ليس بذكر البوم تتشاءم به العرب، ويزعم بعضهم أنَّه يجتمع من عظام الميِّت، والصَّدى أيضًا: العالم بالإبل بمصلحتها، والصَّدى أيضًا الضَّعيف الجسد عن أبي عبيد، والصَّدى أيضًا: السَّمع، يقال: صمّ صداه، وأصمَّ سالله صداه وهو السَّمع والدّماغ وحشو الرَّأس عن أبي زيد، وما ذكره أبو العبَّاس من الصَّدى المهموز فغلط أن يُعد مع هذه. انتهى كلامه.
وفسَّر الدَّماميني الصَّدى هنا بطائر يخرج من رأس المقتول إذا بلي بزعم الجاهليَّة،
стр. 1641
وفسَّره العيني، وتبعه السّيوطي بالذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها.
والبيتان من قصيدة اقتصرنا منها على ما اختاره أبو تمام، وقد ذكر جماعة لهذين البيتين حكاية عجيبة، منهم الجاحظ في كتاب "المحاسن والمساوئ"، ومنهم أبو عبيد البكري في كتاب "اللآلي" في شرح "أمالي القالي"، ومنهم الأصبهاني في كتاب "الأغاني". ومنهم المعافى بن زكريا في كتاب "الجليس والأنيس"، قال البكري: ومن غريب ما اتفق في أمر هذا الصّدى ما رواه أبو عبيدة من أنِّ ليلى الأخيلية مرّت مع زوجها في بعض نُجَعهم بالموضع الذي فيه قبر توبة، فقال لها زوجها: لا بدَّ أن أعرّج بك إلى قبر توبة بن الحميّر كي تسلِّمي عليه حتَّى أرى هل يُجيبك صداه كما زعم في قوله: ولو أنَّ ليلى الأخيليَّة سَلَّمَتْ. البيتين، فقالت: وما تريد من رِمَّة وأحجار؟ قال: لا بدَّ من ذلك، فعدل بها عن الطريق إلى القبر، وذلك في يوم قائظ، فلمَّا دنت راحلتها من القبر، ورفعت صوتها بالسّلام عليه إذا بطائر قد استظلَّ بحجارة القبر من فيح الهاجرة، فطار، فنفرَّ راحلتها، فوقصت بها فماتت، فدفنت إلى جنبه، انتهى. وقال الجاحظ: وكانت قطاةٌ مستظلَّة في نقب القبر، فلمَّا سمعت الصّوت، طارت، وصاحت، فنفر البعير، ورمى بليلي، فماتت، فدفنت إلى جنب قبر توبة. وقال صاحب "الأغاني": وكانت إلى جنب القبر بومة كامنة، وزاد صاحب "كتاب الجليس" بعد قوله: فدفنت إلى جانب قبره، فنبتت على قبره شجرة، وعلى قبرها شجرة، فطالتا، فالتفتا أقول: كيف يصحّ هذا مع قول أرباب التواريخ: إنها دفنت بساوة من بلاد العجم بعد ما كبرت وعجزت، وكانت تهاجي النَّابغة الجعدي. فهرب منها إلى خراسان، فهذبت خلفه، فلمَّا رجعت، ماتت في الطريق، قال المرزباني في أخبار ليلى الأخيليَّة وأشعارها، من كتاب "أشعار النِّساء" عند اجتماعها بالحجَّاج بن يوسف: روي عن أبي عمرو الشيباني أنَّ الحجَّاج قال لها: ما حاجتك؟ قالت: حاجتي أن تحملني إلى قتيبة بن مسلم إلى خراسان على البريد، فحملها فاستظرفها قتيبة، ووصلها، ثمَّ
стр. 1642
رجعت، فماتت بساوة، فقبرها بها. وقال ابن قتيبة في ترجمة توبة بن الحميّر من كتاب "الشعراء": وسألت الحجاج أن يوفدها إلى قتيبة بن مسلم بخراسان، ففعل، فلما انصرفت، ماتت بساوة قبرها هناك. انتهى. وقيل: ماتت بالريّ. روى المرزباني عن الأصمعي أن الحجاج أمر لليلى بعشرة آلاف درهم، وقال لها: هل لكِ من حاجة؟ قالت: نعم أصلح الله الأمير، تحملني إلى ابن عمّي قتيبة بن مسلم وهو على خراسان يومئذ، فحملها إليه، فأجازها، وأقبلت راجعة تريد البادية، فلمّا كانت بالرّيّ، ماتت فقبرها هناك. انتهى. والله أعلم أيّ ذلك قد كان. وتقدَّمت ترجمة توبة بن الحمير في الإنشاد السابع والثمانين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّادس عشر بعد الأربعمائة:
لَا يُلْفِكَ الرَّاجُوكَ إلَّا مُظْهِرًا ... خُلُقَ الكِرِامِ وَلَوْ تَكُونُ عَدِيما
لما تقدَّم قبله من أن الفعل الذي بعد "لو" للاستقبال، وكذا أورده المرادي في "الجنى الاني"، وفي شرح الألفيّة وغيره. ولا يظهر لي معنى الاستقبال هنا. قال العيني: يقول: لا يجدك أحد من السائلين إلا وأنت تظهر لهم خلقًا جميلًا مثل أخلاق الكرماء، ولو كنت حالتئذ لا تملك شيئًا والاستشهاد في قوله: ولو تكون عديمًا فإنَّ "لو" فيه حرف شرط في المستقبل مع أنَّه لم يجزم، لكنَّه إذا دخل على الماضي يصرفه إلى المستقبل، وإذا وقع بعده مضارع، فهو مستقبل المعنى. هذا كلامه. وقال الكرماني في "شرح شواهد الموشح" قوله: ولو تكون عديمًا، أي: لو تكون عادمًا خلق الكرام، والمراد بالاستشهاد: أنَّ "لو" فيه بمعنى إن، والمضارع بعدها مستقبل، لأنَّ المعنى على الاستقبال. انتهى. وبهذا التأويل ظهر معنى الاستقبال. وأمّا تفسير عديم بالفقير كما فسَّره الدّماميني وغيره، فلا يُظْهِرُ معنى الاستقبال،
стр. 1643
بل هو ماضي المعنى، وعديم: وصف من عدمته من باب: فرح: إذا فقدته، والرّاجوك أصله الرّاجون جمع، وبه روي أيضًا، فلما أضيف إلى الكاف، حذفت النّون، وروي أيضًا الرّاجيك بالإفراد، ومظهرًا مفعول لألفى بمعنى وجد على سبيل التفريغ، وخلق: مفعول مظهر، ولم أقف على تتمَّته، وعلى قائله. والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السّابع عشر بعد الأربعمائة:
قومٌ إذا حارَبُوا شَدٌّ, امآزِرَهُمْ ... دُونَ النِّسَاءِ ولو باتتْ بِأَطْهَارِ
على أنَّ باتت متعيّن فيه معنى الاستقبال، ولو فيه بمعنى إن للشّرط في المستقبل، لأنَّ لو الوصليّة يكون شرطها مستقبلًا. قال المبرّد في "الكامل" قوله: ولو باتت بأطهار، أصلها في الكلام أن تدلّ على وقوع الشيء لوقوع غيره، تقول: لو جئتني، لأعطيتك، ولو كان زيد هنا لضربته، ثمَّ تتسعُ فتصير في معنى "إن" الواقعة للجزاء، تقول: أنت لا تُكرمني ولو أكرمتك، تريد: وإن، قال الله : (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) [يوسف/ ١٧]، فأمّا قوله : (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ) [آل عمران/ ٩١] فإنَّ تأويله عند أهل اللغة لا يقبل أن يتبرر به وهو مقيم على الكفر، ولا يقبل إن افتدى به، فـ "لو" في معنى إن. انتهى كلامه.
وتبعه ابن عصفور في "المقرّب" واعترضَ عليه ابن الحاج في نقد المقرّب، فقال قوله إنَّ "لو" تجيء بمعنى "إن" خطأ، والقاطع بذلك أنَّك لا تقول لو يقوم عمرو، فعمر منطلق كما تقول: إن لم يَقم زيد، فعمرو منطلق، فأمّا "ولو باتت بأطهار"، فنصَّ فيه المؤلّف على أنَّ لو فيه بمعنى إن، والفعل بعدها مستقبل، وليس ذلك بلازم، لأنَّ المعنى ليس على الاستقبال ولا بدَّ، فمبيت النّساء بأطهار يحقِّق المضي، وكذلك كفّهم عنهنّ، كأنه قال: ولو طهرت، لكان ذلك، وإنما مدحهم بأمر قد ثبت لهم، وتحقّق، ومضى من أفعالهم، ووجود إذا في البيت لا يخالف ما قلت،
стр. 1644
لأنَّ الشَّاعر لم يقصد أنهم سيفعلون كذا، فإنَّ المدح بذلك تقصير، وإنما قصد أنهم على صفة ثابتة من شرف الهمَّة بحيث إنهم متى حاربوا، كفّوا عن النساء، وكلّ ذلك ماض من أفعالهم، وإنما وردت إذا هنا دون إذ لأنَّ إذا تعطي المادح أن هذه عادتهم المألوفة لهم ليس أنهم فعلوا ذلك مرّة واحدة في الدّنيا أو هذا كقولك: كنت عادتهم المألوفة لهم ليس أنهم فعلوا ذلك مرّ! ة واحدة في الدنيا أو هذا كقولك: كنت صابرًا إذا ضربت، وكان فلان جوادًا إذا سُئل، ثمَّ إني أقول إن صح: لو تكرمني غدًا أكرمتك، يكون قد صحَّ أنَّ ما بعدها يكون ماضيًا ومستقبلًا، فتكون لما سيقع لوقوع غيره، وليست في ذلك معارة معنى إن، ولا محمولة عليها. وذهب المبرّد في "الكامل" إلى أن "لو" بمعنى "إن" في (وَلَوِ افْتَدَى بِهِ) [آل عمران/ ٩١] وفي (وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) [يوسف/ ١٧].
وفي: ولوْ خالَهسا تَخْفَى على النَّاسِ تُعْلَمْ
وفي: وَلَوْ تَكَبَّسَ أوْ كانَ ابنَ أحْذارِ
وفي: ولَوْ قطَّعُوا رأسي لديك وأوصالي
والاستقبال في "ما" بعد "لو" في هذا ظاهر ومن كلامهم: "ادفع الشَّرَّ ولو كانَ أصبعا" و"التمس ولو خاتمًا من حديد" وإن لا تصلح هنا. وتجد "لو" تقع بين العامل والمعمول كثيرًا نحو: اضرب زيدًا ولو قاعدًا، واملأ الإناءَ ولو ماءً، واضرب ولو زيدًا، وليقم ولو بكر. ولا يجوز أن
стр. 1645
تصلح هنا "إن" ولست أدري ألذلك معنى، أم مجرّد استعمال؟ والاستقبال في هذا ظاهر. وينظر في أجوبة "لو" في هذه الأشياء، وفي تحقيق معناها، فقد بقي عليّ في ذلك نظر. هذا آخر كلام ابن الحاج ونقلته من "تذكرة أبي حيّان".
والبيت آخر قصيدة للأخطل النّصراني، قال السكري جامع ديوانه: مدح بها يزيد بن معاوية، وهذا أوّل المديح:
إني حَلَفْتُ بِرَبِّ الرَّاقِصَاتِ ومَا ... أضحى بمكةَ مِنْ حُجْبٍ وأستارِ
وبالهَديِّ إذَا احْمَرَّتْ مَذَارِعُهَا ... في يومِ نسكٍ وتشريقٍ وتنحارِ
وما بزمزمَ مِنْ شُمْطٍ مُحَلِّقَة ... وما بيثرِبَ مِنْ عُونٍ وأبْكارِ
لألجأتَني قُرَيْشٌ خائفًا وَجِلًا ... ومولتني قُرّيشٌ بَعْدَ إقتارِ
المنعمون بنو حربٍ وقد حدقت ... بيَ المنيةُ واستبطأتُ أنصاري
بهِمْ تكَشَّفُ عَنْ أحيَائها ظُلَمٌ ... حتى ترَفَّعَ عَنْ سمعٍ وأبصارِ
قومٌ إذا حاربوا شدُّوا مآزرَهُمْ ... البيت ...
ومن أوّل القصيدة إلى ما ابتدأنا منه نسيب، وذكر خمر ونديم، ومنها:
وشاربٍ مُرْبِحٍ بالكأسِ نادمني ... لا بالحصورِ ولا فيها بسوارِ
نازعتُه طيِّبَ الراحِ الشمولِ وقد ... صاح الدجاجُ وحانت وقفةُ الساري
واستشهد به صاحب "الكشاف" على أنَّ الحصور هو الذي لا يدخلُ معهم في الميسر، لأنه كان عندهم من أفحش البخل. و"ربّ" مقدرة بعد الواو، والمربح: الذي يشتري الخمر بربح كأنه يجعل صاحبها رابحًا بأكثر مما تساوي، وإن شط بائعها في السوم، وقوله: لا بالحصور، أي: لا هو بالحصور، و"لا" ليست عاملة، ولهذا كررت، والباء تزاد في الخبر المنفي مطلقًا، وأخطأ خضر الموصلي في زعمه أنَّ "لا" عاملة عمل ليس بدليل زيادة الباء، وغفل عن أنها لا تعمل إلا في النكرة. وأنَّ الباء يجوز زيادتها قياسًا في كل خبر منفي. وسوار: معربد، من ساوره، إذا واثبه. ونازعته/ حاذيته، والدَّجاج هنا: الدّيك، والسَّاري: الذي يقوم سحرًا ليسير.
стр. 1646
وقوله: إني حلفتُ بربّ الرّاقصات .. الخ. حلف الملعون هنا على طريقة المسلمين بذكر ما يتعلق بمكة المكرَّمة من النسُك تعظيمًا له، وهو إنما فعل هذا نفاقًا وتقربًا إلى ممدوحه، والراقصات: الإبل المسرعة، من الرقص - بفتحتين - وهي الخبب، ولا يوصف به غير الإبل، والهدي كغني: ما يهدي إلى مكة كالهدْي بسكون الدال، والمذارع بالذَّال المعجمة: قوائم الدابَّة، والنَّواجي، والنّسك: العبادة، واسم الذَّبيحة أيضًا. وأيام التشريق: أيَّامُ منى، والتشريق: تقديدُ اللَّحم. وتنحار: مصدر بمعنى النَّحر، وشمط: جمع أشمط: وهو الذي قد اختلط البياض بسواد شعر رأسه. والعون، جمع عوان: وهي المرأة الوسط.
وقوله: لألجأتني: هو جواب القسم، يقال ألجأت فلانًا، أي عصمته، ودافعت عنه، وأما لجأ بلا ألف، فهو بمعنى: لاذ، ويأتي ألجأه بمعنى اضطره، وليس بمراد هنا. وخائفًا: حال من الياء، ومؤلتني: جعلتني ذا مال، والإقتار: الفقر. قال السكري: حدق يحدقُ حُدُوقًا، وأحْدَقَ إحدَاقًا. وقوله: شدُّوا مآزرهم: كناية عن ترك الجماع، فإنَّ المئزر وهو الإزار إنما يحلٌّ عند إرادة الجماع، وقوله: ولو باتت بأطهار. قال المبرّد: معناه أنَّه يجتنبها في طهرها، وهو الوقت الذي يستقيم له غشيانها فيه، وأهل الحجاز يرون أنَّ الأقراء الطّهر، وأهل العراق يرونه الحيض، وأهل المدينة يجعلون عدد النساء الأطهار يحتجون بقول الأعشى:
وفي كُلّ عامٍ أنتَ جاشِمُ غَزْوَة ... تَشُدُّ لأقصاهَا عَزِيمَ عزائِكَا
مُوَرِّثَةً مالًا وفي الأصلِ رِفْعَةً ... لما ضاعَ فيها مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا
انتهى. قال أبو جعفر: القرء في اللغة: اسم للوقت، فاحتمل أن يقع على وقت الطّهر، وعلى وقت الحيض، وأهل العراق يتأوَّلون قول الأعشى على أنَه أراد قد ضاع وقت نسائك في جماعك. انتهى.
وقال المبرّد: يكتب صاحب اليمن إلى عبد الملك في وقت محاربته ابن الأشعث: إني قد وجّهت إلى أمير المؤمنين بجارية اشتريتُها بمال عظيم، ولم يُر مثلها، فلمَّا دخل
стр. 1647
بها عليه، رأى وجهًا جميلًا وخلقًا نبيلًا، فألقى إليها قضيبًا كان في يده، فنكّست لتأخذه، فرأى منها جسمًا بهره، فلمّا همَّ بها، أعلمه الأذن أنَّ رسول الحجّاج بالباب، فأذِنَ له، ونحّى الجارية، وأعطاه كتابًا من عبد الرحمن. فكتب إليه عبد الملك جوابه، ثم ثاب يقلّب كفَّ الجارية، ويقول: ما أفدتُ فائدةً أحبَّ إليَّ منكِ، فتقول: فما بالك، وما يمنعك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ما قاله الأخطل لأني إن خرجت منه. كنت الأمَ العرب:
قومٌ إذا حاربُوا شدُّوا مآزِرَهُمْ ... دونَ النساءِ ولو باتت بأطهارِ
فما إليك سبيلٌ، أو يحكُم اللهُ بيننا وبين عدوِّ اللهِ عبدِ الرحمن بن الأشعث، فلم يقربها حتى قتل عبد الرحمن. انتهى باختصار.
وأصل قولِ الأخطل من الحُطَيئة، فإنّه قال:
إذا هَمَّ بالأعداءِ لم يثنِ همَّه ... كَعَابٌ عليها لؤلؤ وشفوف
حصان لها في البيت زيٌّ وبهجةٌ ... ومشيٌ كما تمشِي القطاةٌ قطوفٌ
ومثلُهُ قولُ كثير عزَّة:
إذا ما أرادَ الغزوَ لم يثنِ همَّهُ ... حصانٌ عليهَا عِقْدُ دُرٍّ يزينُها
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثَّامن عشر بعد الأربعمائة:
أَرَى وأسمَعُ ما لو يسمَعُ الفِيلُ
على أنَّ المراد من المضارع هنا المضيّ، لأنَّ المقصود فرض سماعه الآن. وهذا المصراعُ من قصيدة كعب بن زهير المشهورة بـ "بانت سعاد" مدح بها
стр. 1648
النبيَّ ﷺ ، وقد تقدَّم بيت منها مع خبر القصيدة في الإنشاد العشرين بعد الثلاثمائة، وصدره:
لقدْ أقومُ مقامًا لو يقُوُم بهِ ... أرى وأسمَعُ ما لو يسمَعُ الفِيلُ
لظَلَّ يُرْعَدُ إلا أنِ يكونَ لهُ ... منَ الرسولِ بإذنِ اللهِ تنويلُ
وهذا التفات من خطاب الرسول ﷺ إلى الإخبار عن نفسه، وإظهار مقدار ما في قلبه من خوفه من النبي ﷺ إذ كان أهدر دمه. ومقام: ظرف مكان، وجملة "لو يقوم" صفة له، والباء بمعنى في متعلق بيقوم، وأبى مع فاعله المستتر، ومفعوله المحذوف، أي: أرى ما لو يراه الفيل: حالٌ من ضمير "أقوم". وقوله: لظلّ يرعد. جوابٌ لـ "لو" الأولى وهو دال على جواب "لو" الثانية المقدَّرة في صلة معمول أرى، ولو الثالثة الواقعة في صلة مفعول أسمع، والفيل فاعل ليقوم، أو يسمع على التنازع، وليس بين أرى وأسمع تنازع في المفعول، وهو: ما لو يسمع، إذ ليس المراد: أرى ما لو يسمعه الفيل: بل المراد: أرى ما لو رآه الفيل، لظلَّ يُرعدُ، وأسمع ما لو سمعه، لظلَّ يرعد. ويُرعد بالبناء للمفعول، يقال: أرعد فلان إذا أخذته الرِّعدة، والمضارع يقتضي تجدُّد الفعل ودوامه، والتنويل: العطاء، والمراد به الأمان، والعفو عنه، وخصَّ الفيل تهويلًا وتعظيمًا لقوَّته وضخم جسمه وعظم اسمه. وأقوم في موضع الماضي، والتقدير: لقد قمتُ مقامًا صفتُه كذا.
حتى وضعتُ يميني لا أنازِعُهُ
ليتناسب أطرافُ الكلام، فيكون الفعلُ وغايتُه من نوع واحد.
стр. 1649
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع بعد الأربعمائة:
ما كان ضركَ لو مننتَ ورُبَّما ... مَنَّ الفتى وهوَ المغيظُ المُحنَقُ
على أن لو فيه مصدرية، فتكون من مننت في تأويل المنَ. قال الدماميني: ولو مننت يحتمل أن يكون اسم كان، وضرك خبرها، أي: ما كان مَنُّك، فترك على ما هو الأصح من جواز تقديم الخبر الفعلي على الاسم في هذا الباب، ويحتمل أن يكون فاعلًا بضرك، والجملة خبر كان، واسمها ضمير شأن. انتهى كلامه. وهو مبنيّ على أنَّ ما نافية، ويجوز أن تكون استفهاميّة محلّها الرّفع على الابتداء، وفي كلّ من كان وضرّك ضميرُ ما، وجملة ضرّك خبر كان، وجملة كان ضرّك خبرُ ما، ولو مننت في تأويل مصدر مجرور بالباء السببيَّة، والتقدير: أي شيء كان ضرّك بسبب المن عليه؟ والاستفهام إنكاريّ، ولم يذكر شرَاح "الحماسة" في هذا البيت شيئًا غير الطبرسي، فإنَّ كلامه أشعر بأنَّ ما استفهامية، والعيني لم يذكر إلا كونها استفهامية، ولم يبين موقع المصدر المؤول من الإعراب، وقد خلط في "لو" فجعلها شرطيَّة ومصدرية معًا، ولم يقل بهذا أحد، قال: ما استفهامية مبتدأ و"كان ضرّك" في محل الرفع على الخبرية، واسم كان مستتر فيه، وضرك خبره، ولو للشرط، ومننت فعل الشرط، وصدر الكلام أغنى عن جواب لو، والاستشهاد فيه أنَّ لو ههنا مصدرية، والشرط فيها أن يصلح موضعها "أنْ" المصدرية، والتقدير: وما كان ضرّك المنَ عليه. هذا تقديره.
وجوَّز بعض مشايخنا أن تكون كان زائدة على الاستفهام، والتقدير: ما ضرك في المن، وعلى النفي تكون غير زائدة، أي: ما كان ضارًا لك فيه. هذا كلامه. وقد تكلَّم على هذا البيت أبو علي الفارسي في كتاب "إيضاح الشعر" ولم يجوز كون لو مصدرية سواء كانت ما استفهامية أو نفيًا لعدم السابك، وجوَّز أن تكون همزة الاستفهام سابكة دونها، لأنها ليست حرف مصدر عنده.
стр. 1650
فقول ابن مالك في "شرح التسهيل" وتبعه المصنّف وغيرُه أنَّ ممّن ذهب إلى مصدريَّة "لو" أبا عليّ فيه نظر، وهذا كلام أبي علي في ذلك الكتاب نقلناه برُمّته لفوائده:
ما يضُرُّ البحرَ أمسَى زَاخِرًا ... أن رَمَى فيهِ غُلامٌ بحَجَرْ
القول في فاعل يضرّ أنَّه يحتمل أن يكون أحد شيئين، أحدهما: أن تجعل ما استفهامًا، فيصير في يضر ضميرها، ويكون "أن رمى" في موضع نصب على هذا؛ فيكون التقدير: بأن رمى فيه، كأنه قال: أي شيء يضر بالبحر يرمي غلام فيه بالحجر؟ ويجوز أن تجعل ما نفيًا، فيصير موضع "أن رمى" رفعًا بأنَه فاعل تقديره: ما يضرّ البحر رَمْيٌ غلامٍ فيه بحجر، ومن ذلك قوله:
مَا ضرَّ تَغْلِبَ وائلٍ أهُجَوتَهَا ... أمْ بُلْتَ حيث تناطحَ البحرانِ
إن جعلتَ ما استفهامًا صار في "ضرّ" ذكر يكون فاعل ضرّ، وعائد إلى المبتدأ كقولها "مَا كانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ .. البيت". فكما أنَّ فاعل ضرّك في هذا البيت في المعنى ما يعود إلى ما؛ كذلك يكون قوله: ما ضرّ تغلب وائل: أيّ شيء ضرّها؟ وهذا هو الوجه. فإن قلتَ: فهل يجوزُ أن أجعل ما نفيًا في قوله: ما ضرّ تغلب وائل؟ فإنَّك إن جعلتها كذلك لم يكن للفعل فاعل، فإن قلت: أجعل الفاعل فيه أحد شيئين، أحدهما: أني إذا قلت: "ما ضرّ" دلَّ الفعل على المصدر، فأجعل الفاعل ضمير المصدر، فيكون التقدير: ما ضرّها ضرَ أو ضير، لأنه بمعنى الضرّ، وقد قال: لا ضير، بمنزلة: قيل فيه قول، وذهب به مذهب، ويكون قوله: "أهجوتها أم بلتَ حيث تناطح البحران" اتّصاله بالكلام على المعنى كأنه يريد: هجوك لها وقولك في هذا المكان سواء في أنهما لا يضرّانِها، ويقوي ذلك أنّه ليس باستفهام، ألا ترى أنّه ليس يستفهمه عن ذلك! ومثل هذا في تأويل قول سيبويه قول الشّاعر:
فَقُلتُ تحَمَّلْ فوقَ طوقِكَ إنها ... مُطبَّعة مَنْ يأتِهَا لا يضِيرُهَا
следующие страницы →