Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
وقوله: إني حلفتُ بربّ الرّاقصات .. الخ. حلف الملعون هنا على طريقة المسلمين بذكر ما يتعلق بمكة المكرَّمة من النسُك تعظيمًا له، وهو إنما فعل هذا نفاقًا وتقربًا إلى ممدوحه، والراقصات: الإبل المسرعة، من الرقص - بفتحتين - وهي الخبب، ولا يوصف به غير الإبل، والهدي كغني: ما يهدي إلى مكة كالهدْي بسكون الدال، والمذارع بالذَّال المعجمة: قوائم الدابَّة، والنَّواجي، والنّسك: العبادة، واسم الذَّبيحة أيضًا. وأيام التشريق: أيَّامُ منى، والتشريق: تقديدُ اللَّحم. وتنحار: مصدر بمعنى النَّحر، وشمط: جمع أشمط: وهو الذي قد اختلط البياض بسواد شعر رأسه. والعون، جمع عوان: وهي المرأة الوسط.
وقوله: لألجأتني: هو جواب القسم، يقال ألجأت فلانًا، أي عصمته، ودافعت عنه، وأما لجأ بلا ألف، فهو بمعنى: لاذ، ويأتي ألجأه بمعنى اضطره، وليس بمراد هنا. وخائفًا: حال من الياء، ومؤلتني: جعلتني ذا مال، والإقتار: الفقر. قال السكري: حدق يحدقُ حُدُوقًا، وأحْدَقَ إحدَاقًا. وقوله: شدُّوا مآزرهم: كناية عن ترك الجماع، فإنَّ المئزر وهو الإزار إنما يحلٌّ عند إرادة الجماع، وقوله: ولو باتت بأطهار. قال المبرّد: معناه أنَّه يجتنبها في طهرها، وهو الوقت الذي يستقيم له غشيانها فيه، وأهل الحجاز يرون أنَّ الأقراء الطّهر، وأهل العراق يرونه الحيض، وأهل المدينة يجعلون عدد النساء الأطهار يحتجون بقول الأعشى:
وفي كُلّ عامٍ أنتَ جاشِمُ غَزْوَة ... تَشُدُّ لأقصاهَا عَزِيمَ عزائِكَا
مُوَرِّثَةً مالًا وفي الأصلِ رِفْعَةً ... لما ضاعَ فيها مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا
انتهى. قال أبو جعفر: القرء في اللغة: اسم للوقت، فاحتمل أن يقع على وقت الطّهر، وعلى وقت الحيض، وأهل العراق يتأوَّلون قول الأعشى على أنَه أراد قد ضاع وقت نسائك في جماعك. انتهى.
وقال المبرّد: يكتب صاحب اليمن إلى عبد الملك في وقت محاربته ابن الأشعث: إني قد وجّهت إلى أمير المؤمنين بجارية اشتريتُها بمال عظيم، ولم يُر مثلها، فلمَّا دخل
стр. 1647
بها عليه، رأى وجهًا جميلًا وخلقًا نبيلًا، فألقى إليها قضيبًا كان في يده، فنكّست لتأخذه، فرأى منها جسمًا بهره، فلمّا همَّ بها، أعلمه الأذن أنَّ رسول الحجّاج بالباب، فأذِنَ له، ونحّى الجارية، وأعطاه كتابًا من عبد الرحمن. فكتب إليه عبد الملك جوابه، ثم ثاب يقلّب كفَّ الجارية، ويقول: ما أفدتُ فائدةً أحبَّ إليَّ منكِ، فتقول: فما بالك، وما يمنعك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ما قاله الأخطل لأني إن خرجت منه. كنت الأمَ العرب:
قومٌ إذا حاربُوا شدُّوا مآزِرَهُمْ ... دونَ النساءِ ولو باتت بأطهارِ
فما إليك سبيلٌ، أو يحكُم اللهُ بيننا وبين عدوِّ اللهِ عبدِ الرحمن بن الأشعث، فلم يقربها حتى قتل عبد الرحمن. انتهى باختصار.
وأصل قولِ الأخطل من الحُطَيئة، فإنّه قال:
إذا هَمَّ بالأعداءِ لم يثنِ همَّه ... كَعَابٌ عليها لؤلؤ وشفوف
حصان لها في البيت زيٌّ وبهجةٌ ... ومشيٌ كما تمشِي القطاةٌ قطوفٌ
ومثلُهُ قولُ كثير عزَّة:
إذا ما أرادَ الغزوَ لم يثنِ همَّهُ ... حصانٌ عليهَا عِقْدُ دُرٍّ يزينُها
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثَّامن عشر بعد الأربعمائة:
أَرَى وأسمَعُ ما لو يسمَعُ الفِيلُ
على أنَّ المراد من المضارع هنا المضيّ، لأنَّ المقصود فرض سماعه الآن. وهذا المصراعُ من قصيدة كعب بن زهير المشهورة بـ "بانت سعاد" مدح بها
стр. 1648
النبيَّ ﷺ ، وقد تقدَّم بيت منها مع خبر القصيدة في الإنشاد العشرين بعد الثلاثمائة، وصدره:
لقدْ أقومُ مقامًا لو يقُوُم بهِ ... أرى وأسمَعُ ما لو يسمَعُ الفِيلُ
لظَلَّ يُرْعَدُ إلا أنِ يكونَ لهُ ... منَ الرسولِ بإذنِ اللهِ تنويلُ
وهذا التفات من خطاب الرسول ﷺ إلى الإخبار عن نفسه، وإظهار مقدار ما في قلبه من خوفه من النبي ﷺ إذ كان أهدر دمه. ومقام: ظرف مكان، وجملة "لو يقوم" صفة له، والباء بمعنى في متعلق بيقوم، وأبى مع فاعله المستتر، ومفعوله المحذوف، أي: أرى ما لو يراه الفيل: حالٌ من ضمير "أقوم". وقوله: لظلّ يرعد. جوابٌ لـ "لو" الأولى وهو دال على جواب "لو" الثانية المقدَّرة في صلة معمول أرى، ولو الثالثة الواقعة في صلة مفعول أسمع، والفيل فاعل ليقوم، أو يسمع على التنازع، وليس بين أرى وأسمع تنازع في المفعول، وهو: ما لو يسمع، إذ ليس المراد: أرى ما لو يسمعه الفيل: بل المراد: أرى ما لو رآه الفيل، لظلَّ يُرعدُ، وأسمع ما لو سمعه، لظلَّ يرعد. ويُرعد بالبناء للمفعول، يقال: أرعد فلان إذا أخذته الرِّعدة، والمضارع يقتضي تجدُّد الفعل ودوامه، والتنويل: العطاء، والمراد به الأمان، والعفو عنه، وخصَّ الفيل تهويلًا وتعظيمًا لقوَّته وضخم جسمه وعظم اسمه. وأقوم في موضع الماضي، والتقدير: لقد قمتُ مقامًا صفتُه كذا.
حتى وضعتُ يميني لا أنازِعُهُ
ليتناسب أطرافُ الكلام، فيكون الفعلُ وغايتُه من نوع واحد.
стр. 1649
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع بعد الأربعمائة:
ما كان ضركَ لو مننتَ ورُبَّما ... مَنَّ الفتى وهوَ المغيظُ المُحنَقُ
على أن لو فيه مصدرية، فتكون من مننت في تأويل المنَ. قال الدماميني: ولو مننت يحتمل أن يكون اسم كان، وضرك خبرها، أي: ما كان مَنُّك، فترك على ما هو الأصح من جواز تقديم الخبر الفعلي على الاسم في هذا الباب، ويحتمل أن يكون فاعلًا بضرك، والجملة خبر كان، واسمها ضمير شأن. انتهى كلامه. وهو مبنيّ على أنَّ ما نافية، ويجوز أن تكون استفهاميّة محلّها الرّفع على الابتداء، وفي كلّ من كان وضرّك ضميرُ ما، وجملة ضرّك خبر كان، وجملة كان ضرّك خبرُ ما، ولو مننت في تأويل مصدر مجرور بالباء السببيَّة، والتقدير: أي شيء كان ضرّك بسبب المن عليه؟ والاستفهام إنكاريّ، ولم يذكر شرَاح "الحماسة" في هذا البيت شيئًا غير الطبرسي، فإنَّ كلامه أشعر بأنَّ ما استفهامية، والعيني لم يذكر إلا كونها استفهامية، ولم يبين موقع المصدر المؤول من الإعراب، وقد خلط في "لو" فجعلها شرطيَّة ومصدرية معًا، ولم يقل بهذا أحد، قال: ما استفهامية مبتدأ و"كان ضرّك" في محل الرفع على الخبرية، واسم كان مستتر فيه، وضرك خبره، ولو للشرط، ومننت فعل الشرط، وصدر الكلام أغنى عن جواب لو، والاستشهاد فيه أنَّ لو ههنا مصدرية، والشرط فيها أن يصلح موضعها "أنْ" المصدرية، والتقدير: وما كان ضرّك المنَ عليه. هذا تقديره.
وجوَّز بعض مشايخنا أن تكون كان زائدة على الاستفهام، والتقدير: ما ضرك في المن، وعلى النفي تكون غير زائدة، أي: ما كان ضارًا لك فيه. هذا كلامه. وقد تكلَّم على هذا البيت أبو علي الفارسي في كتاب "إيضاح الشعر" ولم يجوز كون لو مصدرية سواء كانت ما استفهامية أو نفيًا لعدم السابك، وجوَّز أن تكون همزة الاستفهام سابكة دونها، لأنها ليست حرف مصدر عنده.
стр. 1650
فقول ابن مالك في "شرح التسهيل" وتبعه المصنّف وغيرُه أنَّ ممّن ذهب إلى مصدريَّة "لو" أبا عليّ فيه نظر، وهذا كلام أبي علي في ذلك الكتاب نقلناه برُمّته لفوائده:
ما يضُرُّ البحرَ أمسَى زَاخِرًا ... أن رَمَى فيهِ غُلامٌ بحَجَرْ
القول في فاعل يضرّ أنَّه يحتمل أن يكون أحد شيئين، أحدهما: أن تجعل ما استفهامًا، فيصير في يضر ضميرها، ويكون "أن رمى" في موضع نصب على هذا؛ فيكون التقدير: بأن رمى فيه، كأنه قال: أي شيء يضر بالبحر يرمي غلام فيه بالحجر؟ ويجوز أن تجعل ما نفيًا، فيصير موضع "أن رمى" رفعًا بأنَه فاعل تقديره: ما يضرّ البحر رَمْيٌ غلامٍ فيه بحجر، ومن ذلك قوله:
مَا ضرَّ تَغْلِبَ وائلٍ أهُجَوتَهَا ... أمْ بُلْتَ حيث تناطحَ البحرانِ
إن جعلتَ ما استفهامًا صار في "ضرّ" ذكر يكون فاعل ضرّ، وعائد إلى المبتدأ كقولها "مَا كانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ .. البيت". فكما أنَّ فاعل ضرّك في هذا البيت في المعنى ما يعود إلى ما؛ كذلك يكون قوله: ما ضرّ تغلب وائل: أيّ شيء ضرّها؟ وهذا هو الوجه. فإن قلتَ: فهل يجوزُ أن أجعل ما نفيًا في قوله: ما ضرّ تغلب وائل؟ فإنَّك إن جعلتها كذلك لم يكن للفعل فاعل، فإن قلت: أجعل الفاعل فيه أحد شيئين، أحدهما: أني إذا قلت: "ما ضرّ" دلَّ الفعل على المصدر، فأجعل الفاعل ضمير المصدر، فيكون التقدير: ما ضرّها ضرَ أو ضير، لأنه بمعنى الضرّ، وقد قال: لا ضير، بمنزلة: قيل فيه قول، وذهب به مذهب، ويكون قوله: "أهجوتها أم بلتَ حيث تناطح البحران" اتّصاله بالكلام على المعنى كأنه يريد: هجوك لها وقولك في هذا المكان سواء في أنهما لا يضرّانِها، ويقوي ذلك أنّه ليس باستفهام، ألا ترى أنّه ليس يستفهمه عن ذلك! ومثل هذا في تأويل قول سيبويه قول الشّاعر:
فَقُلتُ تحَمَّلْ فوقَ طوقِكَ إنها ... مُطبَّعة مَنْ يأتِهَا لا يضِيرُهَا
стр. 1651
إلا أنَّ الفاعِل لا يكون إلَّا ما دلَّ عليه يضيرها، لأنه ليس في الكلام ما يجوز أن يكون فاعلًا غير ذلك. والآخر أن يكون الكلام محمولًا على المعنى، فيكون الفاعل ما دلَّ عليه: أهجوتها أم بلت، كأنّه قال: ما ضرَّ تغلب وائل هجاؤك وبولك بهذا المكان. وحسن تجويز ذلك أنَّ ما ذكرنا من هذين الاسمين قد تعاقبا لفظ الاستفهام، فجاء (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [المنافقون/ ٦] فما دخلت عليه الهمزة وأم في موضع خبر المبتدأ، فكما كان هذان الاسمان في موضع خبر المبتدأ كذلك يجوز أن يكونا فاعلين في هذه المواضع، ويحمل الكلام على المعنى. وإن شئت جوزتَ في قولها: "ما كان ضرك لو مننت" أن تكون ما نافية، فأضمرت في الفعل الضُّرّ، ولا يستقيم أن تجعل لمن الذي دلَّ عليه قولها لو مننت الفاعل كما استقام ذلك في همزة الاستفهام وأم، ألا ترى أنّه ليس في "لو" ما في الهمزة و"أم" من معاقبة الاسمين بعد لو كما تعاقبا بعد سواء. هذا آخر كلام أبي علي.
ومقتضاه أن لو شرطيَّة وجوابها محذوف دلَّ عليه ما قبلها ولا مانع منه.
والبيت أحد عشرة أبيات لقتيلة بنتِ النّضر بن الحارث رثت بها أباها النّضر، وعاتبت النبي ﷺ في قتله، ولم يُطلقه بفدية، وكان أسر ببدر، وقتل بعد الوقعة. قال ابن هشام، في "السيرة" النّضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مَناف قتله عليَّ بن أبي طالب صبرًا عند رسول الله ﷺ بالصَّفراء. قال ابن هشام: بالأُثَيْل، ويقال: النّضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف. انتهى. وقد أورد أصحاب السير أبياتها في كتبهم، ولم يصب ابن هشام في قوله: قتيلة بنت الحارث أخت النّضر بن الحارث، قال السَهيلي: الصَّحيح أنها بنت النّضر لا أخته، كذلك قال الزبير وغيره، وكذلك وقع في كتاب "الدلائل".
وقتيلة هذه كانت تحت الحارث بن أمية الأصغر، فهي جدة الثريا بنت عبد الله
стр. 1652
ابن الحارث التي يقول فيها عمر بن أبي ربيعة حين خطبها سهيل بن عبد الرحمن ابن عوف:
أَيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يلتقيانِ
هِيّ شاميةٌ إذَا مَا استقلتْ ... وسُهَيْلٌ إذا استقلَّ يماني
ورهط الثريا هذه يُقال لهم العبلات، لأنَّ أمَّهم عبلة بنت عبيد بن جاذب انتهى.
وقد أورد أبو تمام الأبيات في باب الرثاء، وأسقط منها بيتين، ونسبها لقتيلة بنت النضر على الصَّواب، وهذه روايتها من يسرة ابن هشام:
يا راكِبًا إنَّ الأُثيلَ مظنَّةٌ ... مِنْ صُبْحِ خامسة وأنتَ موفقُ
أبلغ بها ميتًا بأن تحيةً ... ما إن تزالُ بها النجائب تخفِقُ
مني إليهِ وعَبْرَةً مسفوحةً ... جادَتْ بواكِفِها وأخرَى تخنُقُ
هل يسمعنَّ النَّضْرُ إن ناديتُهُ ... أم كيفَ يسمعُ ميتٌ لا ينطِقُ
أمُحمَّدٌ ولأنتَ ضِنءُ كريمةٍ ... في قومِها والفحل فحلٌ معرِقُ
ما كانَ ضرَّكَ لو مننتَ وربما ... مَنَّ الفتى وهو المغيظُ المُحنّقُ
أو كنتَ قابلَ فِديةٍ فلينفقنْ ... بأعزِّ ما يغلُو بِهِ ما يُنفَقُ
فالنَّضرُ أقربُ مَنْ أسرْتض قرابةً ... وأحقُّهُمْ إنْ كانَ عتقٌ يُعتَقُ
ظلت سيوفُ بني أبيه تنوشُهُ ... للهِ أرحامٌ هناكَ تشقَّقُ
صبرًا يقاد إلى المنية مُتعبًا ... رسف المقيدِ وهو عانٍ موثَقُ
قال ابن هشام: ويقال - والله أعلم - إنَّ رسول الله ﷺ ، لما بلغه هذا الشّعر قال: "لو بلغني هذا قبل قتله، لمننتُ عليه" انتهى.
стр. 1653
وقال شرّاح "الحماسة": كان رسول الله ﷺ تأذّى به، فقتله صبرًا، وكان من جملة أذاه أنَّه كان يقرأ الكتب في أخبار العجم على العرب، ويقول: محمّد يأتيكم بأخبار عاد وثمود، وأنا أنبئكم بأخبار الأكاسرة والقياصرة، يريد ذلك القدحّ في نبوته، وأنه إن جاز أن يكون بذلك نبيًا، فإني قد أتيتُ بمثلها.
وذكر ابن عباس في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [لقمان/ ٦] أنها نزلت في النّضر بن الحارث الدَّاري، كان يشتري كتب الأعاجم، فارس والروم، وكتب أهل الحيرة فيحدّث بها أهل مكّة. وقتيلة لما جاءت إلى النبي، ﷺ ، وأنشدته الأبيات رق لها وبكى، وقال: لو جئتني م نقبل قتله، لعفوتُ عنه، ثمَّ قال: "لا تقتل قريش بعد هذا صبرًا". انتهى.
والأُثَيْل: على وزن مصغر الأثل: موضع بالصفراء فيه قبر النّضر بن الحارث، والصفراء: قرية فوق ينبغ كثيرة المزارع والنخل، ماؤها عيون، يجري فضلها إلى ينبع، وبين ينبع والمدينة ست مراحل، والصفراء: على يومين من جبل رضوى، كذا في "معجم ما استعجم" للبكري. ومظنَّة: موضع الظن، وقولها: من صبح خامسة، تريد: من السير الذي آخره صبح خامس ليلة، وقولها: وأنت موفق، أي: وفقت بإصابة الجادة ولم تخرجِ عنها، وتخفق: تضطرب وتتحرك بشدة، ومنّي: متعلق بمحذوف صفة لتحيّة، والعبرة: الدَّمعة، والمسفوحة: المصبوبة. وقوله: وأخرى تخنق، أي: وعبرة أخرى قد خنقتني، ولم توجد بعد، و"أم" للإضراب. وقولها: أمحمد ولأنت، قال ابن جني في "إعراب الحماسة": هذا على مذهب سيبويه، أعني تبقية الضمة في المادى مع التنوين اللاحق اضطرارًا، كقوله:
سلامُ اللهِ يا مطرٌ عليهَا
стр. 1654
وقياسه عند عيسى بن عمر: أمحمدًا بالنصب، ومثال هذا مما نون اضطرارًا والحركة قبل التنوين حركة بناء لا حركة إعراب ما رواه يونس في قول الشاعر:
لا نسبَ اليومض ولا خُلَّةً ... البيت ...
من أنَّ التنوين في خلّة إنما دخل اضطرارًا لإقامة الوزن، وأنه إنما أراد: ولا خلة، فنون اضطرارًا، فكما أن ضمّة يا مطر بناء، فكذلك فتحة تاء: ولا خلةَ فتحة بناء. انتهى.
ورواه السهيلي: "أمحمدا" بألف، وقال: قال قاسم: أرادت: يا محمداه على الندبة، قال: والضَّنءُ: الولد، والضنءُ الأصل، يُقال: ضنأَت المرأة، وأضنأت، وضنت تضنو: إذا ولدت. انتهى. وروي: "أمحمد ها أنت". وها للتنبيه دخلت على الجملة الاسمية، والضنء بفتح الضاد المعجمة وكسرها وسكون النون بعدها همزة، وتريد بالفحل: الأب، والمعنى: أنت كريم الطرفين، عريق من الجهتين. وقولها: ما كان ضرّك .. إلخ، من مَنّ عليه بالعتق من باب قتل، أي: أنعم عليه به، وربما للتقليل، والمغيظ: اسم مفعول من الغيظ، قال صاحب "المصباح": الغيظ الغضب المحيط بالكبد، وهو أشدّ من الحنق، وفي التنزيل (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) [آل عمران/ ١١٩] وهو مصدر غاظه الأمر، والمحنق: اسم مفعول من أحنقته: إذا غظته، وحَنِقَ من باب تعب: اغتاظ. وقولها: لله أرحام .. إلخ كالمستعطفة والمتعجبة. لله أرحام وقرابات في ذلك المكان قطعت، فاللام للتعجب، وإذا عظموا شيئا نسبوه إلى الله تفخيمًا لأمره، وقولها: صبرًا يقاد .. إلخ في "المصباح": قتلته صبرًا. كل ذي روح يوثق حتى يقتل، فقد قتل صبرًا، ورسف في قيده رسفًا من بابي ضرب وقتل: إذا مشى فيه، والعاني: الأسير، وقتيلة: بضم القاف وفتح المثناة الفوقية: علم منقول من مصغر القتل.
стр. 1655
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد الأربعمائة:
ورُبَّما فاتَ قومًا جُلُّ أمرِهِمُ ... مِنَ التأنِّي وكانَ الحزمُ لو عجِلُوا
على أنَّ لو فيه أيضًا مصدريّة، وكذا في "شرح التسهيل" فيكون الحزم اسم كان، ولو عجلوا في تأويل مصدر منصوب يكون خبرها، والتقدير: وكان الحزم عجلتهم، ولا يجوز جعل "لو" هنا شرطية لعدم دليل الجواب. فلو قدرت خبرًا لكان، وقلت: لو عجلوا، لكان الحزم خيرًا لهم، فلا يصح، نعم لو نصب الحزم خبرًا لكان، وقيل: لو عجلوا لكان حزمًا لهم، أي: لكان أمرهم حزمًا، صحّ. وقال الدماميني: والمختار نصب الحزم على أنه خبر كان. ولو عجلوا اسمها، لأنَّ الحرف المصدري المقدر بمعرف يحكم له بحكم الضمير، ولهذا قرأ السبعة (مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا) [الجاثية/ ٢٥] (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا) [العنكبوت/ ٢٤] بنصب الأول والرفع ضعيف لضعف الإخبار بالضمير عما هو دونه في التعريف، نص المصنف على ذلك في أول الباب الرابع. انتهى.
وفي كلامه نظر من وجهين، وفي كلام المصنف نظر من وجوه: أما الذي في كلامه، فهو أنه قال: المختار نصب الحزم، فإنه يشعر أنه روي بالوجهين، والرواية إنما هي برفع الحزم. والثاني: أنه حكم للمصدر المؤول من لو والفعل بذلك، والمصنف إنما خصه بأنْ وأنّ دون ما وكي ولو، قال هناك: واعلم أنهم حكموا لأن وأنَّ المقدرتين بمصدر معرّف حكموا بحكم الضمير، لأنه لا يوصف كما أنَّ الضمير كذلك، فلهذا قرأت السبعة إلى آخر ما ذكره الدماميني، لكن قد وقع للمصنف في النوع الثاني من الجهة السادسة من الباب الخامس في الرد على أبي البقاء
стр. 1656
أنه قال: والحرف المصدري صلته في نحو ذلك معرفة فلا يقع صفة للنكرة، ولم يخصصه بأن وأنّ. وأما ما ذكره المصنف، ففيه أولًا إخبار بخلاف الواقع، فإنَّ النحويين يؤولون الحرف المصدري مع الفعل المسند إلى الضمير تارة بمصدر معرفة مطلقًا، وتارة بمصدر نكرة بحسب الاقتضاء، قال ابن جنبي في "الخاطريات": قال أبو الحسن في قول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) [التوبة/ ١١٣] يقول: وما كان لهم استغفار للمشركين، وقال: (مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [يونس/ ١٠٠] أي: ما كان لهم الإيمان إلا بإذن الله، ففسر أبو الحسن: "أن يستغفروا" بالنكرة التي هي استغفار، وفسر "أن تؤمن" بالمعرفة التي هي الإيمان أخذ بالأمرين جميعًا، وذلك أن أبا الحسن كان يجيز أن يكون أن وصلتها الفعل المنصوب بها نكرة، كما تجيز الجماعة أن يكون معرفة، فقلت لأبي علي يومًا: قد وجد هذا الذي أجازه أبو الحسن من تنكير أن الموصولة في شعر امرئ القيس:
فدمعُهمَا سَحٌّ وسكبٌ وديمةٌ ... وَرَشٌّ وتوكافٌ وتنهمِلانِ
أي: وانهمال، ألا ترى أن جميع ما قبله من المصادر نكرة وأصله: وأن تنهملا، ثم لما حذف أن رفع الفعل، كقوله:
ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أحضُرُ الوَغَى
فرضي بذلك، وقبله، ودلني شاهد حاله حينئذ على أنه ما كان وقع له هو ذلك فيما قبل. ولما كان الاستغفار للمشركين محظورًا نكر المصدر الدال عليه تحقيرًا لشأنه، ولما كان الإيمان مما يرغب فيه ويُرجى، عرَّف المصدر الدال عليه تفخيمًا. انتهى كلام ابن جني. وفيه تصريح بجواز التأويل بنكرة وبمعرفة باللام، وبموافقة أبي علي وابن جني لأبي الحسن، وبحكاية ابن جني عن النحويين جواز التأويل بالمعرفة مطلقًا
стр. 1657
بقوله: كما تجيز الجماعة أن يكون معرفة، وهذا كان سندًا لما قلنا. وقد أول البيضاوي في بعض الآيات بنكرة، قال في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى) [يونس/ ٣٧] قال: أي: افتراء من الخلق والمصنف نفسه أول الآية كذا في الرابع من الجهة الثانية من الباب الخامس من هذا الكتاب، وفي باب كان وما جرى مجراها من الباب الخامس أيضًا في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) [الشورى/ ٥١] أول قوله تعالى: (أو يرسل) بقوله: أو إرسالًا.
الوجه الثاني: أنه لا يلزم من كونه لا يوصف أن يكون بمنزلة الضمير طردًا وعكسًا فإن "اللهم" لا يوصف، وليس هو بمنزلة الضمير، والمضاف إلى الضمير في مرتبة الضمير، مع أنه يوصف، وإنما لم يوصف المصدر المؤول من الحرف والفعل، لأن لفظه مانع منه، لكونه مركبًا من حرف وفعل، ومثله لا يوصف.
الوجه الثالث: أنَّ اتفاق السبعة على النصب ليس لأجل أن في الرفع ضعف الإخبار بالضمير عما دونه، بل إنما اتفقوا عليه، لأن المعنى عليه، لأن القول المذكور مقرر، والمتنازع فيه إنما هو الحجية، فلا يصح فيه إلا الخبرية. كما لا يخفى على من له بصيرة، فإنه إنما يراعي في الإخبار جعل المقصود بالإفادة خبرًا. سواء كان أعلى أو أدنى، أو مساويًا، تقول لمن قال لك: من هذا الرَّجل منك؟ الرجل ابني، فتخبر بالأعلى بغير تردد، ولو عكست لم يصحّ كما قرره النّحاة، وأهل المعاني.
الوجه الرَّابع: أنهم صرحوا بأنَّ المضاف في رتبة المضاف إليه، فالمضاف إلى الضمير في مرتبته، فتساويا، فإن أبيت إلا أنه دونه لاكتسابه التعريف منه، فهذا أيضًا كذلك، وما المانع من الإخبار عنه بما هو في رتبته. لا سيما وقد جوزوا في النواسخ الإخبار بالمعرفة عن النكرة فكيف بما انحطت رتبته. قال الرضى في باب كان: واعلم أنه يخبر في هذا الباب عن النكرة المحضة، ولا يطلب التخصيص مع حصول الفائدة، وقد يخبر في هذا الباب، وفي باب أنَّ بمعرفة عن نكرة، ولم يجز ذلك في باب
стр. 1658
المبتدأ والخبر للإلباس لاتفاق إعرابي الجزءين هناك، واختلافهما هنا، وقال الزمخشري: لا يخبر ههنا عن نكرة بمعرفة، إلا ضرورة، وقال ابن مالك: بل يجوز ذلك اختيارًا، ولا خلاف عند من يجوزه اختيارًا أيضًا أن الأولى جعل المعرفة اسمًا والنكرة خبرًا، ألا ترى أنهم قالوا: إنّ "أن" أولى بالاسمية بما تقدم في نحو قوله تعالى: (مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا) [الجاثية/ ٢٥] مع كونهما معرفتين. انتهى المراد منه باختصار.
الوجه الخامس: قال الدماميني قوله المقدرتين بمصدر معرف يقتضي أنهما لو كانتا مقدرتين بمصدر منكر لم يثبت لهما حكم الضمير، فيجوز وصفهما كما إذا قيل: أعجبني ما صنع رجل حسن، على أن تجعل الصفة للمصدر المقدر، أي: صنع رجل حسن، وفي جواز مثله نظر، فتأمله. انتهى.
وقول الشاعر: وربما فات قومًا .. إلخ "ربما" هنا يحتمل أن تكون لإنشاء التكثير، ويحتمل أن تكون للتقليل، والراجح الأول، لأن البيت في ذم التأني، ومدح العجلة، وفات: سبق، وجلّ الشيء بالضم: معظمه. وروي بدله بعض، والتأني: مصدر تأنّي في الأمر: تمكّث، ولم يعجل، و"من" للتعليل، والحزم: التيقظ، وإتقان الأمر وضبطه، مصدر حزم رأيه من باب ضرب: إذا أتقنه. والبيت لم أعرف قائله، ولا تتمته، وقد نسبه المصنف إلى الأعشى، وليس له شعر على هذا الوزن والرَّويّ إلا قصيدته التي مطلعها:
ودَّعْ هريرةَ إنَّ الركبَ مُرْتحِلُ ... وهلْ تُطيقُ وداعًا أيُّها الرجلُ
وليس فيها هذا البيت.
وقال السيوطي: هو من قصيدة للقطامي مطلعها:
إنا محيوكَ فاسلَمْ أيُّهَا الطَّلَلُ ... وإن بلِيتَ وإنْ طالتْ بِكَ الطِّيَلُ
إلى أن قال:
والعيشُ لا عيشَ إلا ما تقرُّ بِهِ .. عينٌ ولا حالَ إلَّا سوفَ تنتقِلُ
стр. 1659
والنَّاسُ مَنْ يلقَ خيرًا قائلُونَ لَه ... ما يشتهِي ولأمِّ المُخطيءِ الهَبَلُ
قد يُدرِكُ المُتَأنِّي بعضَ حاجتَه .. وقد يكونُ معَ المستعجِلِ الزَّلَلُ
وربما فاتَ قومًا جلُّ أمرهمُ ... البيت.
وقد راجعت ديوان القطامي، فلم أجد البيت في هذه القصيدة، ولا في غيرها من شعره، وقد أورد السيد المرتضى هذه القصيدة في أماليه "الدّرر والغرر" وليس فيها هذا البيت، وقال ابن قتيبة في ترجمة القطامي من كتاب "الشّعراء": ومما يتمثل من هذه القصيدة بقوله:
قد يَدرِكُ المتأني .. البيت.
ولو كان ذلك البيت منها لذكره معه كما أنشد بيتين معًا مما يتمثل منها، ولا شكّ في أنَّ البيت لغير القطامي، فإنَّه في ذم التأني، وبيت القطامي الذي هو قد يدرك المتأني بعض حاجته في مدحه، وهما متباينان. ومما يشهد لما قلنا أن ابن أبي الإصبع أوردهما في باب العكس والتبديل من "تحرير التحبير" قال: وهو أن يأتي الشاعر إلى معنى لنفسه أو لغيره فيعكسه، إلى أن قال: ومن هذ االقسم قول القطامي:
قد يدرك المتأني بعض حاجته .. البيت، فعكسه غيره فقال:
وربما فاتَ بعض القومِ أمرهُمُ ... مع التأني وكانَ الحزمُ لَوْ عِجِلُوا
انتهى.
ومما يشهد أيضًا ما حكاه الصّفدي في "شرح رسالة ابن زيدون الجمهورية" عند قول عديّ بن زيد العبادي:
قد يُدركُ المبطئ من حظِّه ... والحينُ قد يسبِقُ جُهْد الحريص
قال: وبمعناه قول القطامي:
قد يدركُ المتأني بعضَ حاجَتِهِ ... البيت
стр. 1660
وسمعه أعرابيّ، فقال: هذا يثبط الناس، هلا قال بعده:
وربما ضرَّ بعضُ الناسِ بُطؤُهُمُ ... وكان خيرًا لهم لو أنهمْ عَجِلُوا
فلو كان البيت الشاهد بعد البيت القطامي من قصيدته ما صح استدراك ذلك الأعرابي عليه بالبيت المذكور، لأنه بمعناه، أو هو بعينه، لكن غيرت كلماته. ثم قال الصفدي: وعكس بشار بن برد قول القطامي فقال:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهجُ
واختصره سلم الخاسر وجوَّدَ فقال:
من راقب الناس مات غمًا وفاز باللذةِ الجسُورُ
انتهى. وقال ابن عبد ربه في "العقد الفريد" في فصل الرفق والأناة، قال النبي صلى االله عليه وسلم: "من أوتيّ حظَّهٌ من الرفقِ فقد أوتي حظَّهُ منْ خيرِ الدنيا والآخرةِ"، وقالت الحكماء: يدرك بالرفق ما لا يدركُ العنف ألا ترى أنَّ الماء على لينه يقطع الحجر على شدته! وقال أشجع السلمي لجعفر بن يحيى ابن خالد:
ما كانَ يُدرَكُ بالرجالِ ولا ... بالمالِ ما أدركتَ بالرفقِ
وقال النابغة:
الرفق يمن والأناة سعادة فاستأن في رفقٍ تُلاقٍ نجاحَا
وقالوا: العَجَل بريدُ الزّلل، وأخذ القطامي التّغلبي هذا المعنى، فقال:
قد يدركُ المتأني بعض حاجته .. البيت ..
وقال عديَ بن زيد:
قد يُدْرِكُ المُبْطِيءُ مِنْ حظِّهِ ... البيت .. انتهى.
стр. 1661
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد الأربعمائة:
تجاوزتُ أحراسًا إليها ومعشرًا ... عليَّ حِرَاصًا لو يشرُّونَ مقتلي
على أنَ لو فيه أيضًا مصدرية، والمصدر المؤول من لو والفعل مجرور على أنه بدل اشتمال من الضمير المجرور بعلى، ولم يذكر التبريزي في شرح البيت غير مصدرية لو، والبيت من معلقة امرئ القيس. وقبله:
وبيضةِ خِدرٍ لا يُرَامُ خباؤُهَا ... تمتعتُ مِنْ لهوٍ بها غيرَ مُعْجَلِ
الواو واو رُبَّ، والبيضة مستعارة للمرأة الحسناء، قال الزوزني: تشبه النساءُ بالبيض من ثلاثة أوجه، أحدها: بالصحة، والسلامة عن الطمث. الثاني: الصيانة والستر، لأن الطائر يصون بيضه ويحضنه. الثالث: في صفاء اللون ونقائه، وربما شبهت النساء ببيض النعامة، وأريد أنهن بيض يشوب ألوانهن صفرة، وكذلك بيض النعامة، والخِدر بالكسر: السّتر، ويطلق الخدر على البيت إن كان فيه امرأة، وأخدرت الجارية: لزمت الخدر، وأخدرها أهلها، يتعدّى ولا يتعدّى، كخدّرها بالتشديد والتخفيف، والمعنى: ستروها وصانوها عن الامتهان والخروج لقضاء الحوةائج. وقوله: لا يرام، أي: لا يطلب، والروم: الطلب، والخِباء بالكسر والمد: بيت يعمل من وبر أو صوف أو شعر، ويكون على عمودين أو ثلاثة، والبيت أكبر منه، يكون على ستة أعمدة إلى تسعة، وتمتعت: جواب ربّ، والتمتع: التلذذ بالمتاع، وهو كلّ ما ينتفع به كالطعام والبر وأثاث البيت، واللهو: ترويح النفس بما لا تقتضيه الحكمة. و"غير" روي بالجرّ على أنّه صفة اللهو، وبالنَّصب على أنه حال من التاء. ومعجل: اسم
стр. 1662
مفعول من أعجله، أي: حمله على العجلة، قال التبريزي: أي غير خائف، أي: لم يكن ذلك مما كنت أفعله مرة.
وقوله: تجاوزت أحراسًا: جمع حرس بفتحتين، وهو جمع حارس: كخدم جمع خادم. ويجوز أن يكون أحراسًا جمع حارس، كأصحاب جمع صاحب، كذا قال الزوزني، ,إليها متعلق بتجاوزت، وعني بالمعشر قومها، وعلى متعلق بحراص، وهو صفة لمعشر جمع حريص، ككرام جمع كريم، وروي أيضًا: "تجاوزت أحراسًا وأهوال معشر عليَّ حراصٍ"، وقوله: لو يشرون مقتلي، قال العسكري في كتاب "التصحيف": ومما يروى على وجهين هذا البيت، روى الأصمعي: "يشرون" بالشين المعجمة، ومعناه: يظهرون، يقال: أشررت الشيء، إذا بسطته، ومعناه: ليس يقتل مثلي خفاء، فيكون قتلهم إيّاه هو الإظهار ورواه غيره: "لو يسرون" أي: هم حراص على إسرار قتلي، وذلك غير كائن لنباعتي وذكري. انتهى. وقال أيضًا في موضع آخر من ذلك الكتاب: قال أبو عبيدة: ومعنى يسرون مقتلي: يظهرونه، ورواية الأصمعي: "لو يشرّون" أي: يظهرون، يقال: أشررت الثَّوب، إذا نشرته، وشررته أيضًا. انتهى. ومعنى الروايتين متفق، فيكون معنى الإسرار والإشرار، بالمهملة والمعجمة واحدًا، وهو الإظهار وترجمة امرئ القيس تقدَّمت في الإنشد الرابع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد الأربعمائة:
ولُبْسُ عباءةٍ وتقَرَّ عيْني ... أحبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفوفِ
على أنَّ تقرَّ منصوب بأن مضمرة بعد واو المعية، والمصدر المؤول من أن والفعل
стр. 1663
مرفوع بالعطف على لبس، قال سيبويه: لما لم يستقم له أن يحمل وتقر وهو فعل على لبس وهو اسم، ولما ضممته إلى الاسم، وجعلت أحب لهما، ولم ترد قطعه، لم يكن بد من إضمار أن. انتهى. قال الأعلم: نصب تقرّ بإضمار أن ليعطف على لبس، لأنه اسم، وتقر فعل، فلم يمكن عطفه عليه [فحمل] على إضمار أن، لأنَّ أن وما بعدها اسم، فعطف اسمًا على اسم، وجعل الخبر عنهما واحدًا وهو أحب والمعنى للبس عباءة مع قرة العين، وصفاء العيش أحبّ إليَّ من لبس الشفوف مع سخنة العين ونكد العيش.
وقال ابن هشام اللخمي في "شرح أبيات الجمل": ولو رفعت تقر لجاز على أن ينزَّل الفعل منزلة المصدر على نحو قولهم:
"تسمع بالمعيدي" فتسمع منزل منزلة سماعك، وكقول جرير يعني الفرزدق:
نفاكَ الأغَرُّ ابنُ عبدِ العزيزِ ... وحقُّكَ تُنْفَى مِنَ المسجِدِ
وقول امرئ القيس:
قدمعهما سحٌّ وسكبٌ وديمةٌ ... ورشٌ وتوكافٌ وتنهمِلانِ
قال يريد: وحقُّك النفيُ، وانهمالٌ. انتهى.
والبيت من أبيات لميسون بنت بحدل الكلبية، وهي:
لبيتٌ تخفُقُ الأرواحُ فيهِ ... أحبُّ إليَّ مِنْ قصرٍ مُنيفِ
وبكرٌ يتبَعُ الأظعَانَ سَقْبًا ... أحبُّ إليَّ مِنْ بغلٍ زَفُوفِ
وكلبٌ ينبَحُ الطُّرَّاقَ عنِّي ... أحبُّ إليَّ مِنْ قِطٍّ أَلُوفِ
ولُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني ... أحبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
وأكْلُ كُسَيرةٍ في كِسْرِ بيتٍ ... أحبُّ إليَّ مِنْ أَكْلِ الرَّغِيفِ
стр. 1664
وأصواتُ الرياحِ بكلِّ فجٍّ ... أحبُّ إليَّ مِنْ نقرِ الدُّفُوفِ
وخِرْقٍ مِنْ يني عَمِّي نَحِيفٍ ... أحبُّ إليَّ مِنْ عِلْجٍ عَنيفِ
خُشُونَةُ عِيشَتي في البَدْوِ أشهى ... إلى نفسي من العيشِ الطَّريفِ
فما أبغي سِوَى وَطَني بدِيلًا ... فَحَسْبي ذاكَ منْ وَطَنٍ شريفِ
قال اللخمي: ميسون زوج معاوية بن أبي سفيان، وأم ابنه يزيد، وكانت بدويةن فضاقت نفسها لما تسرى عليها، فعذلها على ذلك، وقال لها: أنت في ملك عظيم، وما تدرين قدره، وكنتٍ قبل اليوم في العباءة، فقالت هذه الأبيات فلما سمعها، قال لها: ما رضيت يا ابنة بحدل حتى جعلتني علجًا عنيفًا! فالحقي بأهلك، فطلقها وألحقها بأهلها، وقال لها: كنتِ فبنتِ، فقالت: ولا واللهِ ما سُرِرْنا إذ كنا، ولا أسفنا إذ بنا. ويقال: إنها كانت حاملًا بيزيد، فوضعته في البادية، فمن ثمَّ كان فصيحًا. انتهى.
وميسون لا ينصرف للعلمية والتأنيث، من مسنه بالسوط: إذا ضربه، أو من: ماس يميس ميسًا: إذا تبختر، ولا نظير له إلا زيتون، فوزنه على الأول فيعول، وعلى الثاني فعلون. وبحدل، بفتح الموحدة، وسكون الحاء المهملة، والخفق: الاضطراب، وفعله من باب: ضرب، والمنيف: العالي، والبكر، بالفتح: الفتيّ من الإبل، والأظعان: جمع ظعينة: وهي المرأة ما دامت في الهودج، والسّقب: الذكر من ولد الناقة، وهو حال مؤكدة، والزفوف بالزاء المعجمة، وبفاءين: المسرع، والطّراق، جمع طارق: وهو الذي يأتي ليلًا، والعباءة وكذا العباية: الجبة من الصوف ونحوها، وقَرَّت العين قرة بالضم وقرورًا: بردت سرورًا والفعل من بابي ضرب وتعب، والشفوف جمع شف، بالكسر والفتح: الثوب الرقيق، والكسيرة بالتصغير: وهي القطعة من الخبز، والكسر بكسر الكاف: طرف الخباء من الأرض، والخرق بكسر الخاء المعجمة: الكريم، والعلج بالكسر: الحمار وحمار الوحش السمين، والرجل من كفار العجم. كذا في "القاموس".
стр. 1665
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد الأربعمائة:
فلوْ نُبِشَ المقابرُ عن كُلَيْبٍ ... فيُخْبِرَ بالذَّنَائِبِ أيُّ زيرِ
بيومِ الشَّعْثَمَيْنِ لقرَّ عينًا ... وكيفَ لِقاءُ مَنْ تحتَ القبورِ
على أنّ لو فيه للتمني، أجيبت بجوابين: أحدهما منصوب بأن المضمرة بعد الفاء، والآخر مقرون باللام، فهذا كله ملخص من شرح "التسهيل" لأبي حيان، قال ابن السراج في "الأصول": قالوا: الاختيار في جواب "لو" الرفع، وقد نصب معها الجواب، قال الشاعر:
ولَوْ نُبِشَ المقابرُ عن كُلَيْبٍ ... فيُعْلَمَ بالذَّنَائِبِ أيُّ زيرِ
ذهب به مذهب ليت، والكلام الرفع نحو قوله : (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ] القلم: ٩]. انتهى.
وجعل ابن السيد البطليوسي فيما كتبه على "كامل" المبرد نصب "يخبر" من باب العطف على المعنى قال: وإنما نصب، فيخبر على معنى: لو وقع نبش فإخبار، لأن لو فيها معنى الشرط، فصار بمنزلة قوله: إن تأتني، فتحدثني أحسن إليك وهو قبيح إنما يحسن فيما يخالف فيه الثاني الأول من أجوبة الأشياء الستة المشهورة. انتهى.
وإليه جنح الدماميني، قال: ويمكن أن يخرج على وجهين كل منهما يخدش في الاستدلال:
أحدهما: أن يقال: لا نسلم: "أنه منصوب في جواب التمني" وإنما هو منصوب بأن مضمرة مؤول بمصدر مرفوع فاعل يحصل محذوفًا، وهذه الجملة الفعلية معطوفة على جملة الشرط، أي: فلو نبش المقابر عن كليب، فحصل إخباره باليوم الذي تمَّ فيه على أعدائه ما تمَّ لقرَّ عينًا، فلو هي التعليقية، على بابها، ولا تمني أصلًا.
الثاني: أن يقال نصب "يخبر" بأن مضمرة بعد الشرط لمشابهته النفي، والمعنى: فلو حصل نبش المقابر فالإخبار لقرَّ عينًا، فهو عطف على مصدر متصيد من فعل الشرط،
стр. 1666
وإذا كانوا جوزوا مثل هذا على قلة في الشرط في نحو: إن تأتني، فتكرمني آتك، بنصب تكرم، فتجويز ذلك في لو أولى لدلالتها على انتفاء الشرط وضعًا، وهذا الوجه أولى من الأول لأن في ذلك أضمر أن في غير محلها. انتهى.
والبيت من قصيدة لمهلهل رثى بها أخاه كليبًا، وذكر فيها أنه أدرك بثأره ومطلعها:
أليتَنَا بذي حُسُمٍ أنيرِي ... إذَا أنتِ انقضيتِ فلَا تَحُوري
فإنْ يَكُ بالذَّنَائبِ طال لَيْلي ... فقدْ أبكِي من الليلِ القصيرِ
وأنقذني بياضُ الصبحِ منهَا ... لقد أُنقِذْتُ مِنْ شرٍ كبيرِ
ثمَّ وصف نجومَ الليلِ في ثمانية أبياتٍ فقال:
فلو نُبِشَ المقابرُ عن كليبٍ .. إلى آخر البيتين
فإني قد تركتُ بواردات ... يُجيرًا في دَمٍ مِثْلِ العَبيرِ
وهّمَّامَ بنَ مُرَّةَ قَدْ تَرَكْنَا ... عليهِ القشعَمَانِ من النُّسورِ
على أن ليس عدلًا من كُليبٍ ... إذا طُرِدَ اليتيمُ عنِ الجزورِ
على أن ليس عدلًا من كُليبٍ ... إذا خِيفَ المخُوفُ مِنَ النُّفُورِ
وكرّر المصراع الأول في ستة أبيات أخر كذا، وقال:
فِدِّى لِبَني الشقيقةِ يومَ جاؤوا ... كأُسْدِ الغابِ لجَّتْ في زَئِيرِ
إلى أن قال بعد ستة أبيات:
كأّنَّا غُدْوَةً وبني أبينا ... بجنبِ عُنيزة رحيَا مُديرِ
تظلُّ الريحُ عاكفةً عليهِمْ ... كأنَّ الخيلَ تدحضُ في غديرِ
فلولا الريحُ أسمعَ أهلَ حجرٍ ... صَليلَ البيضِ تُقْرَعُ بالذُّكُورِ
وهذا آخر القصيدة، وقوله: أليتنا .. الخ، الهمزة للنداء، وذو حُسم بضم الحاء والسين المهملتين: واد بنجد، قاله أبو عبيد البكري، وأنشد هذا البيت، وأنيري: أمر لتلك الليلة بالإنارة، وتحوري بالحاء المهملة: مضارع حار: إذا رجع،
стр. 1667
شكى شدة الليل عليه مع ظلامه. وقوله: فإن يك بالذنائب .. إلخ، قال القالي في "أماليه": يقول: إن طال بهذا الموضع لِقتل أخي، فقد كنت أستقصر الليل وهو حي. انتهى.
قال الصاغاني في "العباب": الذنائب ثلاث هضبات بنجد، وبها قبر كليب وائل، وأنشد هذا البيت.
وقوله: ولو نبش المقابر .. إلخ، أي: لو كشف تراب المقابر عن كليب، فأخبر عن الإدراك بثأره، لقرّ عينًا وسُرَّ بذلك. قال أبو عبيدة البكري في "اللآلي شرح أمالي القالي": اسم كليب: وائل، وكنيته: أبو الماجدةـ، وإنما لقب كُليبًا بالجِروِ الذي اتخذه. انتهى.
وقال حمزة الأصفهاني في أمثاله "أعز من كليب" بلغ من عزه أنه كان يحمي الكلأ، فلا يُقرب حماه، ويعمِد إلى الروضة تعجبه، فيشد قوائم كلب، ويلقيه في وسط الروضة فحيث بلغ عواء الكلب كان حمىً لا يرعى، وكان إذا أتى الماء وقد سُبِقَ إليه أخذ الماتح فألقى عليه الكلاب حتى تنهشه، وكان يجير الصيد فلا يهاج. انتهى.
وقال ابن عبد ربه في "العقد الفريد": كليب بن ربيعة هو الذي يقال فيه: أعزّ من كليب وائل، وقاد معدًا كلها، وجعلوا له تاج الملك وتحيته، فغبر بذلك حينًا، ثم دخله زهو شديد، وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمي مواقع السحاب، فلا يرعى حماه، ويجير على الدَّهر، فلا تخفر ذمته، ويقول: وحش كذا في جواري فلا يُهاج، ولا يورد أحد مع إبله، وتزوج جليلة بنت مرة بن ذهل بن شيبان، وأخوها جساس بن مرة، وكانت البسوس [بنت منقذ التميمية، خالة جساس بن مرة، وكانت] نازلة في بني شيبان مجاورة لجساس، وكانت لها ناقة يقال لها: سراب، كقطام، ولها تقول العرب: "أشأم من البسوس، وأشأم من سراب" فمرت إبل لكليب بسراب ناقة البسوس، فاختلطت بها حتى انتهت إلى كليب وهو على الحوض، فلما رآها أنكرها فرمى ضرعها بسهم، فنفرت الناقة وهي ترغو، فلما رأتها البسوس، صاحت: واذلَّاه فأحمست جسّاسًا، فركب
стр. 1668
فرسه وتبعه عمرو بن الحارث بن ذهل ومعه رمحه دخلا على كليب الحمى، فقتلاه، فرحلت بنو شيبان، وتشمر المهلهل، فاستعد لحرب بكر، وترك النساء والغزل، وحرَّم القمار والشراب، وجمع قومه وحاربهم.
وفي أوَّل وقعة كانت الشوكة في بني شيبان، والغلبة لتغلب، وكانت الوقعة بالنهي، وهو ماء من مياه بني شيبان، قتل فيها شراحيل بن مرة بن همان بن مرَّة، ثم التقوا بوازدات، فظفرت تغلب أيضًا وكثر القتل في بكر، قتل شعثم وعبد شمس ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة، وقتل همام بن مرة وغيرهم، ثم التقوا بعنيزة، فظفرت تغلب أيضًا، ثم كانت بينهم وقائع كثيرة، وكلها الغلبة لتغلب على بكر، وقال مهلهل يصف الأيام وينعاها على بكر في قصيدة طويلة، أولها:
أليتنا بِذي حُسُمٍ أنيري
وكان الحارث بن عباد قد اعتزل تلك الحروب حتى قتل مهلهل بجيرًا ابنه، فلما بلغ الحارث قتله قال: نعم القتيل أصلح بين ابني وائل، وظنَّ أن مهلهلًا أدرك به ثأر كليب، وجعله كفءًا له فقيل له، إنما قتله بشسع نعل كليب فغضب الحارث، وتولى أمر الحرب، فقاتل تغلب، فقتلهم، وتفرقت قبائل تغلب، وأسر الحارث بن عباد مهلهلًا وهو لا يعرفه، فقال له: دلني على مهلهل، وأخلي عنك، فقال له: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال: نعم، قال: أنا مهلهل، فجزَّ ناصيته، وتركه، ثمَّ إنَّ مهلهلً فارق قومه ونزل في بني جنب وجنب في مذحج، فخطبوا إليه ابنته، فمنعهم، فأجبروه على تزويجها وساقوا إليه في صداقها جلودًا من أدم، فقال في ذلك من أبيات:
أنُكَحَها فقدُها الأراقِمَ مِنْ ... جَنْبٍ وكانض الحِباءُ مِنْ أَدَمِ
هذا ما اختصرته من "العقد الفريد" وكانت مدة حرب البسوس أربعين سنة،
стр. 1669
وقوله: أي وزير، قال أبو الحسن الأخفش فميا كتبه على "كامل المبرد"، يقال: فلان زير نساء، وطلب نساء وتبع نساء وخِلْم نساء، كلها بكسر الأول وسكون الثاني إذا كان صاحب نساء، وذلك أن مهلهلًا كان صاحب نساء، وكان كليب يقول: إنَّ مهلهلًا زير نساء لا يدرك بثأر، فلما أدرك مهلهل بثأر كليب، قال: أيُّ زير، فرفع أيًا بالابتداء، والخبر محذوف، فكأنه قال: أي زير أنا في هذا اليوم، والذنائب: موضع. انتهى.
وقال ابن السيد البطليوسي: وروى الكسائي: "أيِّ زير" بالنصب على تقدير أيّ زير كنت. انتهى. والجيد أن يكون أيّ زير خبرًا لأنا المقدر، وأي هنا هي الدالة على معنى الكمال. ولم يصب الدماميني في قوله: المراد بأيّ زير كليب، فهو ظاهر أقيم مقام المضمر. انتهى.
وقوله: بيوم الشعثمين الباء بمعنى في متعلقة بمحذوف صفة لزير، ويوم الشعثمين هو يوم واردات، وفيه حذف مضاف، أي: يوم قتل الشعثمين، وهما شعثم، وعبد شمس ابنا معاوية، كما تقدم نقله من "العقد الفريد" وثناهما بلفظ أحدهما على سبيل التغليب، وكذا قال الصاغاني في "العباب" وقال أبو عبيد البكري في "اللآلي، شرح أمالي القالي": الشعثمان: شعثم وشُعيث ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة، وهو قول ابن حبيب في كتاب "المثنى" وهما ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة، ففيه حذف واختصار، واسم شعثم حارثة عن ابن السكيت. انتهى. وقال الإمام المرزوقي في "شرح ديوان أبي تمام": الشعثمان قيل: رجلان، يقال لأحدهما شعثم وللآخر شعثب، وقيل: كان الآخر لعثمًا، وهما ابنا معاوية بن عامر بن ذهل قتلهما مهلهل في طلبه دم كليب، وكان يسميه وهو حي: زير نساء، ولذلك قال:
стр. 1670
فلو نبش المقابر عن كليب. البيتين. انتهى. وقال أبو القاسم الزجاجي في كتاب "الأخبار": الشعثمان هما من بني عامر بن ذهل، ولم يكن يقال لواحد منهما شعثم، ولكنهما نسبا إلى أبيهما شعثم، ومثله المهالبة والأصامعة والمسامعة والأشعرون الواحد أشعر، والمعاول نسبوا إلى أبيهم معول بن شمس، والقتيبات نسبوا إلى أبيهم قتيبة، ومثلهم الرفيدات إلى رفيدة، والجبلات بنو جبلة، والعبلات بنحو عبلة، والسلمات بطن من قريش يقال لأبيهم سلمة. انتهى. وقد جمعهما الأخطل على شعاثم يريد الشعثمين ومن قتل معهما. قال في قصيدة يفخر بقومه بني تغلب:
بقومِ هُمُ يومَ الذنائبِ أهلكوا ... شعاثم رهط الحارث بن عُبادِ
وقال القالي في "أماليه": الشعثمان موضع معروف ولم أرّ هذا القول لغيره، ولم يذكره أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم" ولا غيره، ولو كان موضعًا لذكر في أيام العرب، ولم يذكره أحد ممن شرح حرب البسوس، وذكر أيامها. ولم يصب الدماميني في قوله: فالظاهر أنَّ هذا اليوم نسب إلى هذين الأخوين لاختصاصهما بالغلبة فيه، أو لغير ذلك وباء بيوم الشعثمين للإلصاق المعنوي. هذا كلامه. وكأنه لم يكشف عن حرب البسوس حتى يعلم أن مهلهلًا قتلهما. وقصّر صاحب "القاموس" في قوله: وقول مهلهل بيوم الشعثمين لم يفسروه، والظاهر أنه موضع كانت به وقعة. انتهى.
وقوله: فإني قد تركت بواردات .. إلخ. قال أبو عبيد البكري: هو موضع، وبواردات كان اليوم الثالث من حروب بكر وتغلب، والأول: بالنهي من مياه بني شيبان، والثاني: بالذنائب، وكانت الثلاثة لتغلب على بكر. والرابع: يوم عنيزة، وكان لتغلب أيضًا، ويجير: بضم الموحدة وفتح الجيم: هو ابن الحارث بن عباد، كان أرسله أبوه ليقول له: قد أفنيت قومك، فاكتف بما قتلت، وقد اعتزلنا من الفريقين لعلمنا أنهم ظلموك، فغدر به مهلهل، فقتله، والعبير: الزعفران،
стр. 1671
وهمام بن مرة: هو أخو جساس بن مرة، قال القالي في "أماليه": قوله: عليه القشعمين، ويروى: عليه القشعمان، فمن رفع جعله حالًا، كأنه قال: وعليه القشعمان من النسور، والقشعم: الهرم. انتهى. وقوله: على أن ليس عدلًا من كليب. قال السيد المرتضى في "أماليه": التكرار في سورة الرحمن إنما حسن للتقرير بالنعم المختلفة المعددة. فكلما ذكر نعمة أنعم بها، قرر بها ووبخ على التكذيب بها، كما يقول الرجل لغيره: ألم أحسن إليك بأن خوَّلتك الأموال؟ ! ألم أحسن إليك بأن خلصتك من المكاره؟ ! ألم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا وكذا؟ ! فيحسن فيه التكرير لاختلاف ما يقرره به. وهذا كثير في كلام العرب وأشعارهم، قال مهلهل ابن ربيعة يرثي أخاه كليبًا:
على أنْ ليسَ عدلًا مِنْ كُليبٍ ... إذا طُرِدَ اليتيمُ عنِ الجزورِ
وأنشد الأبيات الثمانية، وأورد أشعارًا على هذا النمط لليلي الأخيلية وغيرها، ثم قال: وهذا المعنى أكثر من أن نحصيه، وهذا هو الجواب عن التكرار في سورة المرسلات لقوله تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) فإن قيل: في جملة ذلك ما ليس بنعمة. وهو قوله تعالى: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ) الآية [الرحمن/ ٣٥]، قلنا: الإنذار بالعقاب من أكبر النعم، لأن فيه زجرًا عما يستحق به العقاب. انتهى.
وقوله: كأنا غُدوة وبني أبينا، قال ابن السيد في "شرح أبيات أدب الكاتب": يريد ببني أبيه بكر بن وائل، وعنيزة بالتصغير: موضع كما تقدم، وشبه الجيشين برحيين يديرهما مدير للطحن، ورحا الحرب: وسطها، لأنهم يستديرون فيها عند القتال، أو لأنها تُهلك من حصل فيها كما تطحن الرحا الحب، قال ربيعة بن مقروم:
فدارتْ رَحَانا بفُرسانِهِمْ ... فعادُوا كأنْ لم يكونُوا رميما
انتهى.
стр. 1672
وقال أبو عبيد البكري في شرح "نوادر القالي" المسمى "بقرة النواظر في شرح النوادر" الرحيان: إذا أدارهما مدير أثرت إحداهما في الأخرى، وهما من معدن واحد، وكذلك هؤلاء هم من أصل واحد يتماحقون ويقتتلون. انتهى.
وقوله: كأن الخيل تدحض في غدير بالحاء المهملة، والضاد المعجمة، قال القالي: تدحض: تزلق، يقال: مكان دحض ومدحضة ومزلة، وقوله: فلولا الريح أسمع أهل حجرٍ بفتح الحاء المهملة، وسكون الجيم: مدينة وهي قصبة اليمامة، وأهل مفعول، وصليل: فاعل، والصليل: الصوت، والبيض، بفتح الموحدة: الحوذ وهما المغفر واحدهما بيضة وخوذة، وتقرع: يضرب، والقرع: الضرب بشيء صلب على شيء صلب، والذكور جمع ذكر بفتحتين. وهو السيف من الفولاذ. قال القالي: والذكور: السيوف التي عملت من حديد غير أنيث، وحجر: قصبة اليمامة، وحربهم إنما كانت بالجزيرة. انتهى.
وقد أخذ هلا ابيت القُحيف العُقيلي فقال في يوم الفلج:
ولولًا الرِّيحُ أسمعَ أهلَ حجرٍ ... صياحُ البيضِ يقرَعُها النِّصَالُ
قال أبو العباس الأحول: هذا أوَّل كذب سمع في الشعر، وزعم الحاتمي أنَّ دعبل بن علي قال: هذا أكذب بيت قيل. وقال المبرد في "الكامل" عند ذكر مثل هذا: وحدثني التوزي قال: سألت أبا عبيدة عن مثل هذه الأخبار، فقال: إن العجم تكذب، فتقول: كان رجل ثلثُه من نحاس، وثلثُه من نار، وثلثُه من ثلجَ، فتعارضها العرب بهذا وما أشبهه، من ذلك قول مهلهل:
فلولا الريح أسمع .. البيت. انتهى
وقال ابن السيّد في شرح أبيات "أدب الكاتب" قال أبو جعفر بن النحاس: يقال: إنَّ هذا أوَّ كذب سمع في الشعر، وإن قوله: كأنا غدوة، أول تناصف سمع في الشعر. وهذا الذي حكاه غير صحيح، لأنَّ الشعر موضوع على الكذب والتخييل إلا القليل منه، وإنما أراد قائل هذا أن يقول: إن هذا أول غلو سمع في الشعر،
стр. 1673
لأنَّ قتالهم كان بالجزيرة، وحجر قصبة اليمامة، وبين الموضعين مسافة عظيمة، فعبر عن الغلو بالكذب. انتهى كلامه وهو حسن.
ومهلهل اسمه امرؤ القيس بن ربيعة، وسمي مهلهلًا لأنه هلهل الشعر. أي: أرقّه، وهو أول من قصَّد القصيد. قال الفرزدق:
. . ومُهَلْهِلُ الشَّعَرَاءِ ذاكَ الأوَّلُ
ولم يقل أحد قبله عشرة أبيات، وقال الغزل، واعتنى بالنسيب في شعره، وهو خال امرئ القيس بن حجر صاحب المعلقة، وهو أخو كليب، وهو جاهليّ، وقال أبو عبيد البكري في شرح "الأمالي" تبعًا لغيره: وقيل: اسمه عدي، والشاهد لذلك قوله:
ضربَتْ صدرُها إليَّ وقالَتْ ... يا عديَّا لقد وقتكَ الأواقي
ومن قال: إنَّ اسمه امرؤ القيس يروي هذا البيت:
ضَربَتْ صدرَهَا إليَّ وقالتْ ... يا امرأَ القيسِ حانَ وقتُ الفِرَاقِ
ويقال: إنَّ عديًا إنما هو أخوه. انتهى.
أقول: هذا القول الأخير هو الصحيح، فإنَّ السكري أورد البيت من قصيدة في أشعار تغلب بعد أشعار مهلهل لعدي بن ربيعة يرثي بها مهلهلًا وكليبًا، ويذكر من هلك من قومه في تلك الحروب التي كانت بين بكر وتغلب، وكذا في "العباب" للصاغاني قال في مادة "علق" بالعين المهملة: عدي بن ربيعة يرثي أخاه مهلهلًا، وقال الطوسي: إنما سمّي مهلهلً ببيت قاله لزهير بن جناب وهو:
لمَّا توعَّرَ في الكُرَاعِ هجينُهُمْ ... هلهلتُ أثأرُ مالكًا أو صنبلًا
فأجابه زهير بن جناب بقوله:
إنَّا مهلهلُ ما تطيشُ رماحُنا ... أيامَ ننقُفُ في يديكَ الحنظلا
قال السكري: فكان هذا البيت هو الذي هلهل مهلهلًا. انتهى.
стр. 1674
وتوَعّرَ: وقع في الوعر، وهو المكان الصعب الشديد، والكراع: أنف ممتد يتقدم الحرة، وهي أرض ذات حجارة، والهجين: من أمُّهُ أمةٌ، وهلهلت: شرعت، وأثأر: مضارع ثأرت به كمنع: إذا طلبت دم المقتول، وأخذت بثأره، ومالك وصنبل كزبرج رجلان.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد الأربعمائة:
لوْ غيرُكُمْ عَلِقَ الزُّبَيْرُ بحبلِهِ ... أدَّى الجَوَارَ إلى بَني العَوَّامِ
على أنَّ غيركم مرفوع بفعل يفسّره ما بعده تقديره لو علق غيركم، هذا مقتضى كلام المصنف، وهو لا يصح، لأن المتعلق بالحبل ابن الزبير لا الغير، ووجهه بعضهم بأنَّ التعلق من الطرفين من ابن الزبير بالالتجاء، ومن الغير بحفظ الذمام، وقال آخر: الظاهر أنَّ هذا من القسم الرابع، فيقدر كان الشأنية، ويكون جملة علق الزّبير بحبله من المبتدأ والخبر خبر كان، وقال آخر: ويمكن أن يكون الفعل المقدر عاهد، لقوله فيما بعد: بحبله، فإنَّ الحبل بمعنى العهد والذمَّة، وأن يكون أجاز لقوله أدى الجوار، وهذا غير مطابق المسألة.
وهذا البيت قد وقع في أصول ابن السراج، وفي شرح "التسهيل" ولم أر من قيد غيركم بالرفع، قال ابن السراج: والوجه الآخر أنَّ الأسماء تقع بعد لو على تقدير الفعل فمن ذلك قول الله تعالى: (قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ) [الإسراء/ ١٠٠]، وقال جرير: لو غيركم علق الزبير بحبله. البيت. وفي المثل: "لو ذات سوار لطمتني"، وكذلك: لو أنك جئت، أي: لو وقع مجيئك لأنِّ المعنى عليه. انتهى.
стр. 1675
وقال أبو حيان في شرح قول "التسهيل": وإنَّ وليها اسم، فهو معمول فعل مضمر مفسر بظاهر بعد الاسم، مثال ذلك ما روي في المثل من قولهم: "لو ذات سواء لطمتني"، وقول عمر ﵁: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة"، وقال الشاعر:
أخِلَّايَ لو غيرُ الحِمَامِ أصابَكُمْ ... عتبت ولكن ما على الدهرِ معتبُ
وقال آخر:
لو غيركم علق الزبيرُ بحبلِهِ ... البيت
وقال آخر:
ولو غيرُ أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوقَ العرانين ميسما
فالأسماء التي وليت لو في هذا كله معمولة لفعل مضمر يفسره ما بعده، كأنه قال: لو لطمتني ذات سوار لطمتني. هذا كلامه، وليس فيه تقييد معمول بالرفع، فيجوز أن يكون بعضها معمولًا للفعل المحذوف بالفاعلية، وبعضها بالمفعولية كما في هذا البيت، وقد صرَّح بنصبه المبرد في "الكامل" قال: "لو" لا يليها إلا الفعل مظهرًا أو مضمرًا، لأنها تشارك حروف الجزاء في ابتداء الفعل وجوابه، تقول: لو جئتني لأعطيتك، فهذا ظهور الفعل، وإضماره قوله تعالى (قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ) [الإسراء: ١٠٠]، والمعنى: لو تملكون، فهذا الذي رفع "أنتم"، ولما أضمر ظهر بعده ما يفسره، ومثل ذلك "لو ذات سوار لطمتني" أراد: لو لطمتني ذات سوار، ومثله: ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي. البيت. وكذلك قول جرير: لو غيركم علق الزبير بحبله. البيت. فنصب بفعل مضمور يفسره ما بعده، لأنها للفعل وهو في التمثيل: لو علق الزبير غيركم، وكذلك كل شيء للفعل نحو: الاستفهام، والأمر، والنهي، وحروف الفعل نحو: إذ وسوف، وهذا مشروح في كتاب "المقتضب" على حقيقة الشرح. انتهى كلامه.
стр. 1676
وإنما لم يجعله مفعولًا مقدمًا لعلق المذكور لأنه، قد استوفى معموله، وهو قوله "بحبله" فيكون "غير" منصوبًا بفعل آخر يفسره المذكور في باب الاشتغال، كقولك: زيدًا مررت به، وعَلِقَ من باب فرح، جاء متعديًا بنفسه وبالباء كما في "القاموس" وغيره، والأوَّل بمعنى أمسك، والثاني بمعنى: نشبن قال الزمخشري في "أساس البلاغة": علق به وعلقه نشب به، قال:
إذا عَلِقَتْ قِرْنًا خطاطيفُ كفه ... رأى الموتَ في عينيه أسود أحمرا
وقال جرير:
إذا علقت مخالبه بقرنٍ أصابَ القلبَ أو هتكَ الحجابَا
انتهى. وقد رواه شارح "المناقضات": لو غيركم علق الزبير ورحله، بنصب غير، ورفع رحله بالعطف على الزبير وهو أثاث المسافر، فيكون غيركم مفعولًا مقدمًا لعلق المتعدي لا من باب الاشتغال، وكذا الإعراب في رواية صاحب "منتهى الطلب من أشعار العرب": "لو غيركم علق الزبير وحبله" والحبل: العهد. وقال ابن وحيي في شرحه: وفي "القاموس" علقه وبه، فعلى هذا يكون الزبير من قوله: لو غيركم علق الزبير بحبله منصوبًا، ويكون المعنى: لو علق غيركم الزبير بحبله، أي: علقه به، وهو أظهر، ولا يحتاج إلى ما ذكرنا سابقًا من تقدير كان الشأنية. هذا كلامه، ولم أقف على رواية نصب الزبير، والله أعلم.
والحبل مستعار للعهد والأمان، وأدَّى: من أدَّى الأمانة إلى أهلها: إذا أوصلها والجوار بالكسر: أن تعطي الرجل ذمة، فيكون فيها جارك فتجيره، والمراد بتأديتها الوفاء بها، والخروج من عهدتها كما ينبغي.
والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الفرزدق، مطلعها:
سرتِ الهُمومُ فبتن غيرَ نيامِ ... .وأخُو الهُمومِ يرومُ كلَّ مرامِ
ذُمَّ المنازِلَ بعدَ منزلةِ اللوى ... والعيشَ بعدَ أولئكَ الأيامِ
стр. 1677
إلى أنْ قال:
مهلًا فرزدقُ إنَّ قومَك فيهمُ ... خَوَرٌ القُلُوبِ وخِفَّةُ الأحلامِ
الظاعِنُونَ على العما بجميعهم ... والنازلون بشرٍّ دارِ مُقَامِ
لو غيرُكُمْ علقَ الزبيرُ ... البيت.
وذم فعل أمر، والبيت استشهد به صاحب "الكشاف" والبيضاوي عند قوله تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ) [الإسراء: ٣٦] على أنَّ أولئك وإن غلب في العقلاء جاء لغيرهم كما في البيت، وكذا استشهد به المصنف في "شرح الألفية"، ووقع في بعض نسخ "المناقضات" وفي "منتهى الطلب" الأقوام بدل الأيام، وزعم ابن عطية أنَّ هذه الرواية هي الصواب، وأنَّ الطبري غلط في إنشاده الأيام، وتبعه الزجاج. وقوله: مهلًا فرزدق، هو منادى بـ "يا" مضمرة، والحَوَر، بفتحتين: الضعف والجبن، والأحلام: جمع حلم بالكسر، وهو العقل. وقوله: الظاعنون .. إلخ. قال شارح "المناقضات" ابن حبيب: معناه أنهم يركبون ما لا ينالون غايته، وينزلون شر البقاع لنذالتهم لا يمكنون من موضع جيد.
وقوله: لو غيركم علق الزبير بحبله .. البيت. يشير إلى غدر رهط الفرزدق بالزبير ﵁، وهذا أحد الأمور التي نعاها جرير على الفرزدق، والتزم هجوه بها، ومنها تسمية أبيه القين، فإن جبيرًا كان قينًا لعصعصة جد الفرزدق، فنسب أباه غالبًا إلى القين، ومنها عدم معرفته بركوب الخيل والمحاربة، ومنها أسر أخته جعثن، وفعل الفاحشة بها، وكان جرير يقول: أستغفر الله فيما قلت لجعثن، فإنها كانت إحدى الصالحات. قال في قصيدة أخرى:
أتمدَحُ يا ابن القينِ سعدًا وقد جرت ... لجعثن فيهم طيرها بالأشاتم
تنادي بنصفِ الليلِ يالَ مُجاشِعٍ ... وقد قشروا جلد استها بالعُجارمِ
فما وجدَ الجيرانُ حبلَ مجاشعٍ ... وفيًا ولا ذا مرةٍ في العزائمِ
стр. 1678
ولامت قريشٌ في الزبيرِ مجاشعًا ... ولم يعذروا من كان أهلَ الملاومِ
وكان الغدر بالزبير بعد انصرافه من وقعة الجمل، قال الحافظ ابن عبد البر في "الاستيعاب": شهد الزبير بن العوام الجمل، فقاتل فيه ساعة، فناداه علي، وانفرد به، فذكره أن رسول الله ﷺ قال له وقد وجدهما يضحكان بعضها إلى بعض: "أما إنك ستقاتل عليًا وأنت له ظالم" فذكر الزبير ذلك، فانصرف عن القتال نادمًا مفارقًا للجماعة التي خرج فيها، منصرفًا إلى المدينة، ولما بلغ سفوان موضع من البصرة كمكان القادسية من الكوفة لقبه النُعر، رجل من بني مجاشع، فقال: أين تذهب يا حواري رسول الله؟ إليَّ فأنت في ذمتي لا يوصل إليك، فأقبل معه، وأتى إنسان الأحنف بن قيس، فقال: هذا الزبير قد أتى سفوان، فقال الأحنف: ما شاء الله كان، قد جمع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم حواجب بعض بالسيوف، ثم يلحق ببيته وأهله، فسمعه عمرو بن جرموز السعدي، وفضالة بن حابس ونفيع في غواة من بني تميم، فركبوا في طلبه، فلقوه معه النعر، فأتاه ابن جرموز من خلفه وهو على فرس له ضعيفة، فطعنه طعنة خفيفة، وحمل عليه الزبير وهو على فرس له يقال له: ذو الخمار حتى إذا ظن أنه قاتله نادى صاحبيه يا نفيع، يا فضالة، فحملوا عليه حتى قتلوه، ولما جاء قاتل الزبير عليًا، استأذن عليه، فلم يأذن له، وقال للآذن: بشره بالنار، فقال:
أتيتُ عليًّا برأسِ الزبيرِ أرجو لديهِ بهِ الزلفهْ
فبشرَ بالنارِ إذ جئتُهُ فبئس البشارةُ والتُحفّهْ
وسيانِ عندي قتلُ الزُّبيرِ وضرطَهُ عنزٍ بدِي الجُحفَهْ
انتهى. وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر من أول الكتاب.
وكان الفرزدق هجاه بقصيدة، فأجابه جرير بهذه القصيدة، ومن قصيدة الفرزدق بعد المطلع يهجوه ويهجو قومه بني كليب بلسان أمه، وكان يسميه ابن المراغة، لأن قومه أصحاب حمير:
стр. 1679
قالَ ابنُ صانعةِ الزروبِ لقومِهِ ... لا أستطيعُ رواسيَ الأعلامِ
قالتْ تجاوبُهُ المراغةُ أمُّهُ ... قد رُمْتَ ويلَ أبيكَ غيرَ مُرامِ
فاسكت فإنك قد غُلبتَ ولم تجد ... للقاصعاء مآثرَ الأيامِ
ووجدتْ قومك فقؤوا من لؤمهم ... عينيك عندَ مكارمِ الأقوامِ
صغرت دلاؤهم فما ملؤوا بها ... حوضًا ولا شهدوا عراك زحام
أرداك حينك أن تعارض دارمًا ... بأدقةٍ متأشبين لئام
وحسبت بحر بني كليبٍ مصدرًا ... فغرقت حين وقعت في القمقام
في حومةٍ غمرت أباك بحورُها ... في الجاهليةِ كان والإسلامِ
وهذا البيت الأخير شاهد لزيادة كان عند لنحويين شرحناه مع هذه الأبيات في الشاهد التاسع والعشرين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد الأربعمائة:
لا يأمَنُ الدهرَ ذو بغيٍ ولو مَلِكًا ... جنودُهُ ضاقَ عنها السهلُ والجبلُ
على أنَّ كان قد حذفت مع اسمها بعد لو، والتقدير: ولو كان ملكًا واسمها ضمير ذي بغي، ولا ناهية، ويجوز أن تكون نافية، فيكون الكلام خبرًا، ويأمن: فعل متعد، والدهر، مفعوله بتقدير مضاف، أي: تقلب الدهر ونحوه، ويجوز أن يكون ظرفًا لتنزيل يأمن منزلة اللازم، أي: لا يكون ذا أمن، والبغي: مصدر بغي على الناس، أي: ظلم واعتدى، والجندُ: الأنصار والأعوان، والواحد: جندي كروم ورومي، والبيت مشهور في كتب النحو، ولم يعرف قائله، والله أعلم.
стр. 1680
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد الأربعمائة:
لو بغيرِ الماء حلقي شرقٌ ... كنتُ كالغصانِ بالماءِ اعتصاري
على أنَّ لو دخلت في الظاهر على جملة اسمية، واختلف في التخريج أحدها لابن جني قال: وضعت الاسمية موضع الفعلية شذوذًا والباء متعلقة بشرق الواقع خبرًا لحلقي، ثانيها لأبي علي قال في "الإيضاح الشعري": موضع "حلقي" رفع بأنه فاعل، والرافع له فعل مضمر يفسره شرق، كأنه قال: لو شرق حلقي بغير الماء، ولا يكون "شرق" خبر حلقي، هذا الظاهر، لأن ما بعد "لو" لا يكون مبتدأ كما أن ما بعد "إن" وما بعد "إذا" لا يكون كذلك، فإذا لم يجز أن تجعله خبر حلقي، وجب أن تضمر له مبتدأ، والتقدير: هو شرق، فيكون "هو شرق" بمنزلة شرق تفسيرًا للفعل المضمر بعد "لو" ويكون ذلك بمنزلة ما يحمل على المعنى، ألا ترى أن: هو شرق، بمنزلة شرق في المعنى؟ وقوله: بغير الماء يتعلق بالجار فيه بالفعل الواقع لحلقي، وهو اسهل من تعلقه بشرق هذا الظاهر وإن لم تقدر هذا المضمر، لزم أن يكون لو قد ابتدأ بعدها الاسم، فإذا ثبت في هذا الموضع إضمار الفعل، فحكم سائر ما أشبهه مثله. انتهى باختصار. وقال أبو حيان: وذهب أبو الحسن بن خروف إلى إضمار كان الشأنية بعد "لو" والجملة الاسمية في محل نصب خبر كان، وقوله: بالماء اعتصاري، الجار والمجرور خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر، قال أبو علي: موضع الجملة نصب بأنه خبر كنت، والعائد إلى الاسم الياء في اعتصاري، و"كالغصان" في موضع حال، والعامل فيه "كنت" ولا يكون الخبر، لأن الحال إذا تقدمت لم يعمل فيها معنى الفعل كما يعمل في الظرف إذا تقدمه، وزعم العيني أن قوله: "كالغصان" خبر كنت، ولم يذكر موقع الجملة بعده من الإعراب، ومما قاله أبو علي هو الذي يقتضيه المعنى. وشرق فلان بريقه أو بالماء من باب تعب: إذا غص به، ولم يقدر على بلغه، والغصان
стр. 1681
من غص فلان بالطعام غصصًا من باب تعب أيضًا إذا لم يقدر على بلعه، والغصة، بالضم: ما غص به الإنسان من طعام أو غيظ على التشبيه به، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أغصصته به، والاعتصار: أن يغص الإنسان بالطعام، فيعتصر بالماء وهو أن يشربه قليلًا قليلًا ليسيغه، قال الجوهرية، وأنشد هذا البيت. وتحقيقه أن معنى الاعتصار: الالتجاء قال علي بن حمزة البصري فيما كتبه على كتاب "النبات" للدينوري: العصر بفتحتين، والعصرة بالضم: الملجأ، قال الشاعر:
فارس يستغيث غير مغاثٍ ... ولقد كان عصرةً النُّجودِ
أي: ملجأ المكروبن ويقول أعصرني فلان: إذا ألجأك إليه، واعتصرت أنا اعتصارًا، قال عدي بن زيد:
لو بغيرِ الماءِ حلقيِ شرِقٌ .. البيت. انتهى
وكذا قال أبو عبيد في "أمثاله" قال: والمعنى لو شرِقت بغير الماء أسغت شرقي بالماء، فإذا غصصت بالماء، فبم أسيغه؟ ! وقد صار البيت مثلًا للتأذي ممن يرجى إحسانُه. وقد ابنُ عبد ربه في "العقد الفريد": هذا البيت أول ما قيل في هذا المعنى، وقال آخر:
إلى الماءِ يسعى من يغصُّ بريقهِ ... فقل أين يسعى من يغص بماءِ
انتهى. وقبله:
إذا كنتُ ألقى السمَّ عند أحبتي ... فهل عند أعدائي يكون شفائي
والبيت من قصيدة لعدي بن زيد العبادي أرسلها إلى النعمان بن المنذر وكان محبوسًا عنده، ثم قتله، وقد ذكرنا سبب حبسه وقتله مستوفى في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين.
وقبله وهو مطلع القصيدة:
أبلغ النعمانَ عني مالكًا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري
وأبلغ فعل أمر من الإبلاغ وهو الإيصال، والمالك، بسكون الهمزة وضم اللام:
стр. 1682
الرسالة، وقال الزجاج عند تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا) [الإسراء/ ٦١] مالك: جمع مألكة، وأنشد هذا البيت، وبعدهما:
فلئن دهرٌ تولى خيرُهُ ... ,جرت بالنحس لي منه الجواري
لبما ألهو بخودٍ رشأٍ ... تملأُ العينينِ مشماعٍ نوارِ
والحَوْد، بفتح الخاء المعجمة: المرأة الحيية: والمشماع بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة: المزاحة، والنوار، النفور من الريبة. وقوله: لبما، أي: كثيرًا ما. والقصيدة مذكورة في "العقد الفريد" وفي "الأغاني" وغيرهما.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد الأربعمائة:
لوفي طُهيَّةَ أحلامٌ لما عَرَضُوا ... دُونَ الذي أنا أرميِه ويرميني
على أنَّ "لو" دخلت على جملة اسمية، فيقدر كان الشأنية، فتكون الجملة الاسمية في محل نصب خبرها، وفي البيت دخول اللام في جواب "لو" المنفي، وروايته كذا:
لو في طهيةَ أحلامٌ لما اعترضُوا ... دونّ الذي كنتُ أرميه ويرميني
وهو من قصيدة لجرير هجا بها الفرزدق. ومطلعها:
ما بالُ جهلِك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيبٌ حين لا حينِ
للغانيات وصالٌ لستَ قاطعَهُ ... على مواعِدَ من خُلْفٍ وتلوينِ
ماذا يهيجك من دارٍ تباكِرُها ... أرواحُ مخترقٍ هوجُ الأفانينِ
ثمَّ وصف الدار بيتين، فقال:
مجاشعٌ قصبٌ جوفٌ مكاسِرُهُ ... صفرُ القلوبِ من الأحلام والدين
ينفشون لحاهم بعد جارهم ... لا بارك اللهُ في تلكَ العثانينِ
стр. 1683
قالتْ قريشٌ وللجيرانِ محرمةٌ ... أين الحواري يا فيش البراذين
جُرُّوا بجعثنِ إذ جرَّتْ علانيةً ... وأبغُوا الزبيرَ نجاةً ثم سبوني
يا شبَّ ويلك ما لاقت فتاتكم ... والمنقري جرافٌ غيرُ عنينِ
بالحقٍ أندُبُ يربُوعًا وترفعني ... بحيث تقصر أيدي مالك دوني
لا ترهبُنَّ ورائي ما حييتُ لكم ... جهلَ الغواةِ وخلوهم وخلوني
لو في طهيةَ أحلامٌ لما اعترضوا ... دون الذي كنت أرميه ويرميني
عندي طبيبٌ وقد أحمى مواسمه ... يكوي طهيةَ من داءِ المجانينِ
نبئتُ عقبةَ خَضَّافًا يعيبني ... يا رُبَّ آدرَ مِنْ ميثاء مأفونِ
يا عقب إني من القومِ الذين لهم ... نُعمى عليك وفضلُ غير ممنون
وهذا آخر القصيدة. قوله: ما بال جهلك .. إلخ، الخطاب لنفسه يعظها و"لا" زائدة عند النحويين، وقد شرحناه في الشاهد التاسع والخمسين بعد المائتين. وقوله: ماذا يهيجك إلخ .. ، قال شارح ديوانه: المخترق: البارح من البوارح، أي: الريح الحارة في الصيف، وأفانين: ضروب رياحه، شبه الرياح في اختلافها بالأهوج الذي لا عقل له ولا جهة. انتهى.
وقوله: مجاشع قصب .. إلخ .. ، مجاشع: هو مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو أحد أجداد الفرزدق، فإنه ابن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. والجوف: جمع أجوف وجوفاء، قال في "القاموس": والجوفاء من القنا والشجر: الفارغة، والمكاسر جمع مكسر: وهو موضع الكسر يريد أنهم ضعفاء لا قوة لهم. وقوله: يا شب، هو مرخم شبة بن عقال بن شبة بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. والجراف بضم الجيم: الكثير الجماع. وقوله: بالحق أندب يربوعًا .. إلخ. يربوع: أبو قبيلة جرير، وهو يربوع بن حنظلة المذكور، ويجتمع نسب الفرزدق وجرير عند حنظلة، والفرزدق ينتهي نسبه إلى دارم بن مالك بن حنظلة، وجرير ينتهي نسبه إلى كليب بن يربوع بن حنظلة.
стр. 1684
قال شارح ديوانه: أندبهم: أذكر مناقبهم، ومالك: هو ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة انتهى. وقوله: لا ترهبن، هو فعل مسند إلى ضمير الجمع وهي الواو المحذوفة لسكونها وسكون نون التوكيد، والخطاب لقومه، والرهبة: الخوف، وجهل الغواة، مفعوله، والجهل: السفاهة. وقوله: لو في طهية أحلام .. إلخ، طهية بالتصغير: أراد بنيها، وهم أبو سود وعوف ابنا مالك بن حنظلة، فهم حي من قوم الفرزدق نسبوا إلى أمهم طهية بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، والأحلام: العقول، والاعتراض الدخول بين اثنين، ودون: قدَّام، وأراد "بالذي" الفرزدق، فإن كلًا منهما يرمي الآخر بالهجو، ويقذف صاحبه به، وأراد بالمعترض: الحائل بينهما. هو قوله: نبئت عقبة، وهو عقبة بن سنيع الطهوي من بني ميثاء، وهي بنت شيبان ابن ربيعة بن أبي سود، [عرفوا بها وهم بنوزهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود] وهم شيطان وشداد وجعونة وثعلبة، كذا في "جمهرة الأنساب" وفي شرح ديوانه: ميثاء بنت زهير بن شداد الطهوي والله أعلم. والخضاف بمعجمتين الضراط: في "القاموس": خضف يخضِف خضْفًا وخِضَافًا: إذا ضرط، ويعيبني: يرميني بالعيب: ورب: يحتمل أن تكون لإنشاء التقليل والتكثير، والآدر: الذي له أدرة وهي انتفاخ الخصية، والمأفون: الضعيف العقل، وجواب رُبَّ محذوف يدل عليه يعيبني.
وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده:
[إليَّ] فهلَّا نفسُ ليلى شفيعُها
صدره:
ونبئتُ ليلى أرسلتْ بشفاعةٍ
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثامن بعد المائة.
стр. 1685
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد الأربعمائة:
ولو قلَمٌ أُلقيتُ في شقِّ رأسِهِ ... مِنَ السُّقْمِ ما غيَّرْتُ مِنْ خطِّ كاتِبِ
على أنِّ المتنبي قد قيل: إنه قد لحن في هذا البيت، لأنه لا يمكن أن يقدر: ولو ألقي قلم. هو قول أبي حيان قال في "شرح التسهيل": فأما قول أبي الطيب المتنبي: فلو قلم ألقيت ... البيت فلحن، لأنه لا يمكن أن يقدر: لو ألقي قلم، وصار نظير: إن زيد ضربت بسيفه كان كذا، ولهذا لحن، لأنه لا يمكن حمله على تقدير فعل. انتهى. وقول المصنف: وأقول روي بنصب "قلم" يروي بالرفع والنصب، ولكل وجه، ولكن النصب هو الوجه، لأن "لو" ههنا حرف شرط يقتضي الفعل لازمًا مثل "إن" كما يجب النصب في مثل: إنَّ زيدًا تضرب غلامه أضربه، فكذلك ههنا وهو من باب ما اشتغل فيه الفعل عن المفعول بضميره، وإنما جاء وهمُ الرفع عند قائله من جهتين: منها أنه لم يعد الفعل المفسر إلا بحرف الجر، ولم يدخل على المضمر العائد على الأول إلا بواسطتين، ومنها، وهو أظهرها إيهامًا: أنه جاء على صيغة ما لم يسم فاعله، فتوهم أنه مثل قولك: لو زيد ذهب به، لكان كذا. أما كونه لم يعد بنفسه، فليس بشيء، إذ لا فرق بين قولك في وجوب نصب: إن زيدًا ضربته، وإن زيدًا مررت به، وأما كونه لم يدخل على المضمر إلا بواسطتين فغير معتبر أيضًا، وإنما المعتبر وجود الضمير معدّى إليه الفعل، أو إلى ما يتعلق به بنفسه، أو بواسطة
следующие страницы →