← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

من غص فلان بالطعام غصصًا من باب تعب أيضًا إذا لم يقدر على بلعه، والغصة، بالضم: ما غص به الإنسان من طعام أو غيظ على التشبيه به، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أغصصته به، والاعتصار: أن يغص الإنسان بالطعام، فيعتصر بالماء وهو أن يشربه قليلًا قليلًا ليسيغه، قال الجوهرية، وأنشد هذا البيت. وتحقيقه أن معنى الاعتصار: الالتجاء قال علي بن حمزة البصري فيما كتبه على كتاب "النبات" للدينوري: العصر بفتحتين، والعصرة بالضم: الملجأ، قال الشاعر: فارس يستغيث غير مغاثٍ ... ولقد كان عصرةً النُّجودِ أي: ملجأ المكروبن ويقول أعصرني فلان: إذا ألجأك إليه، واعتصرت أنا اعتصارًا، قال عدي بن زيد: لو بغيرِ الماءِ حلقيِ شرِقٌ .. البيت. انتهى وكذا قال أبو عبيد في "أمثاله" قال: والمعنى لو شرِقت بغير الماء أسغت شرقي بالماء، فإذا غصصت بالماء، فبم أسيغه؟ ! وقد صار البيت مثلًا للتأذي ممن يرجى إحسانُه. وقد ابنُ عبد ربه في "العقد الفريد": هذا البيت أول ما قيل في هذا المعنى، وقال آخر: إلى الماءِ يسعى من يغصُّ بريقهِ ... فقل أين يسعى من يغص بماءِ انتهى. وقبله: إذا كنتُ ألقى السمَّ عند أحبتي ... فهل عند أعدائي يكون شفائي والبيت من قصيدة لعدي بن زيد العبادي أرسلها إلى النعمان بن المنذر وكان محبوسًا عنده، ثم قتله، وقد ذكرنا سبب حبسه وقتله مستوفى في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين. وقبله وهو مطلع القصيدة: أبلغ النعمانَ عني مالكًا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري وأبلغ فعل أمر من الإبلاغ وهو الإيصال، والمالك، بسكون الهمزة وضم اللام:

стр. 1682

الرسالة، وقال الزجاج عند تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا) [الإسراء/ ٦١] مالك: جمع مألكة، وأنشد هذا البيت، وبعدهما: فلئن دهرٌ تولى خيرُهُ ... ,جرت بالنحس لي منه الجواري لبما ألهو بخودٍ رشأٍ ... تملأُ العينينِ مشماعٍ نوارِ والحَوْد، بفتح الخاء المعجمة: المرأة الحيية: والمشماع بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة: المزاحة، والنوار، النفور من الريبة. وقوله: لبما، أي: كثيرًا ما. والقصيدة مذكورة في "العقد الفريد" وفي "الأغاني" وغيرهما. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد الأربعمائة: لوفي طُهيَّةَ أحلامٌ لما عَرَضُوا ... دُونَ الذي أنا أرميِه ويرميني على أنَّ "لو" دخلت على جملة اسمية، فيقدر كان الشأنية، فتكون الجملة الاسمية في محل نصب خبرها، وفي البيت دخول اللام في جواب "لو" المنفي، وروايته كذا: لو في طهيةَ أحلامٌ لما اعترضُوا ... دونّ الذي كنتُ أرميه ويرميني وهو من قصيدة لجرير هجا بها الفرزدق. ومطلعها: ما بالُ جهلِك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيبٌ حين لا حينِ للغانيات وصالٌ لستَ قاطعَهُ ... على مواعِدَ من خُلْفٍ وتلوينِ ماذا يهيجك من دارٍ تباكِرُها ... أرواحُ مخترقٍ هوجُ الأفانينِ ثمَّ وصف الدار بيتين، فقال: مجاشعٌ قصبٌ جوفٌ مكاسِرُهُ ... صفرُ القلوبِ من الأحلام والدين ينفشون لحاهم بعد جارهم ... لا بارك اللهُ في تلكَ العثانينِ

стр. 1683

قالتْ قريشٌ وللجيرانِ محرمةٌ ... أين الحواري يا فيش البراذين جُرُّوا بجعثنِ إذ جرَّتْ علانيةً ... وأبغُوا الزبيرَ نجاةً ثم سبوني يا شبَّ ويلك ما لاقت فتاتكم ... والمنقري جرافٌ غيرُ عنينِ بالحقٍ أندُبُ يربُوعًا وترفعني ... بحيث تقصر أيدي مالك دوني لا ترهبُنَّ ورائي ما حييتُ لكم ... جهلَ الغواةِ وخلوهم وخلوني لو في طهيةَ أحلامٌ لما اعترضوا ... دون الذي كنت أرميه ويرميني عندي طبيبٌ وقد أحمى مواسمه ... يكوي طهيةَ من داءِ المجانينِ نبئتُ عقبةَ خَضَّافًا يعيبني ... يا رُبَّ آدرَ مِنْ ميثاء مأفونِ يا عقب إني من القومِ الذين لهم ... نُعمى عليك وفضلُ غير ممنون وهذا آخر القصيدة. قوله: ما بال جهلك .. إلخ، الخطاب لنفسه يعظها و"لا" زائدة عند النحويين، وقد شرحناه في الشاهد التاسع والخمسين بعد المائتين. وقوله: ماذا يهيجك إلخ .. ، قال شارح ديوانه: المخترق: البارح من البوارح، أي: الريح الحارة في الصيف، وأفانين: ضروب رياحه، شبه الرياح في اختلافها بالأهوج الذي لا عقل له ولا جهة. انتهى. وقوله: مجاشع قصب .. إلخ .. ، مجاشع: هو مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو أحد أجداد الفرزدق، فإنه ابن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. والجوف: جمع أجوف وجوفاء، قال في "القاموس": والجوفاء من القنا والشجر: الفارغة، والمكاسر جمع مكسر: وهو موضع الكسر يريد أنهم ضعفاء لا قوة لهم. وقوله: يا شب، هو مرخم شبة بن عقال بن شبة بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. والجراف بضم الجيم: الكثير الجماع. وقوله: بالحق أندب يربوعًا .. إلخ. يربوع: أبو قبيلة جرير، وهو يربوع بن حنظلة المذكور، ويجتمع نسب الفرزدق وجرير عند حنظلة، والفرزدق ينتهي نسبه إلى دارم بن مالك بن حنظلة، وجرير ينتهي نسبه إلى كليب بن يربوع بن حنظلة.

стр. 1684

قال شارح ديوانه: أندبهم: أذكر مناقبهم، ومالك: هو ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة انتهى. وقوله: لا ترهبن، هو فعل مسند إلى ضمير الجمع وهي الواو المحذوفة لسكونها وسكون نون التوكيد، والخطاب لقومه، والرهبة: الخوف، وجهل الغواة، مفعوله، والجهل: السفاهة. وقوله: لو في طهية أحلام .. إلخ، طهية بالتصغير: أراد بنيها، وهم أبو سود وعوف ابنا مالك بن حنظلة، فهم حي من قوم الفرزدق نسبوا إلى أمهم طهية بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، والأحلام: العقول، والاعتراض الدخول بين اثنين، ودون: قدَّام، وأراد "بالذي" الفرزدق، فإن كلًا منهما يرمي الآخر بالهجو، ويقذف صاحبه به، وأراد بالمعترض: الحائل بينهما. هو قوله: نبئت عقبة، وهو عقبة بن سنيع الطهوي من بني ميثاء، وهي بنت شيبان ابن ربيعة بن أبي سود، [عرفوا بها وهم بنوزهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود] وهم شيطان وشداد وجعونة وثعلبة، كذا في "جمهرة الأنساب" وفي شرح ديوانه: ميثاء بنت زهير بن شداد الطهوي والله أعلم. والخضاف بمعجمتين الضراط: في "القاموس": خضف يخضِف خضْفًا وخِضَافًا: إذا ضرط، ويعيبني: يرميني بالعيب: ورب: يحتمل أن تكون لإنشاء التقليل والتكثير، والآدر: الذي له أدرة وهي انتفاخ الخصية، والمأفون: الضعيف العقل، وجواب رُبَّ محذوف يدل عليه يعيبني. وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر من أوائل الكتاب. وأنشد بعده: [إليَّ] فهلَّا نفسُ ليلى شفيعُها صدره: ونبئتُ ليلى أرسلتْ بشفاعةٍ وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثامن بعد المائة.

стр. 1685

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد الأربعمائة: ولو قلَمٌ أُلقيتُ في شقِّ رأسِهِ ... مِنَ السُّقْمِ ما غيَّرْتُ مِنْ خطِّ كاتِبِ على أنِّ المتنبي قد قيل: إنه قد لحن في هذا البيت، لأنه لا يمكن أن يقدر: ولو ألقي قلم. هو قول أبي حيان قال في "شرح التسهيل": فأما قول أبي الطيب المتنبي: فلو قلم ألقيت ... البيت فلحن، لأنه لا يمكن أن يقدر: لو ألقي قلم، وصار نظير: إن زيد ضربت بسيفه كان كذا، ولهذا لحن، لأنه لا يمكن حمله على تقدير فعل. انتهى. وقول المصنف: وأقول روي بنصب "قلم" يروي بالرفع والنصب، ولكل وجه، ولكن النصب هو الوجه، لأن "لو" ههنا حرف شرط يقتضي الفعل لازمًا مثل "إن" كما يجب النصب في مثل: إنَّ زيدًا تضرب غلامه أضربه، فكذلك ههنا وهو من باب ما اشتغل فيه الفعل عن المفعول بضميره، وإنما جاء وهمُ الرفع عند قائله من جهتين: منها أنه لم يعد الفعل المفسر إلا بحرف الجر، ولم يدخل على المضمر العائد على الأول إلا بواسطتين، ومنها، وهو أظهرها إيهامًا: أنه جاء على صيغة ما لم يسم فاعله، فتوهم أنه مثل قولك: لو زيد ذهب به، لكان كذا. أما كونه لم يعد بنفسه، فليس بشيء، إذ لا فرق بين قولك في وجوب نصب: إن زيدًا ضربته، وإن زيدًا مررت به، وأما كونه لم يدخل على المضمر إلا بواسطتين فغير معتبر أيضًا، وإنما المعتبر وجود الضمير معدّى إليه الفعل، أو إلى ما يتعلق به بنفسه، أو بواسطة

стр. 1686

حرف الجر، ألا ترى أنه لا فرق بين قولك: إن زيدًا ضربته، وإن زيدًا ضربت غلامه، وإنما يجيء اللبس عند الضعفاء من جهة فهمهم أنه يقدر مثل ذلك الفعل، كقولك: زيدًا ضربته، أو ما في معناه من كل وجه، كقولك: زيدًا مررت به، لإمكان: جاوزت زيدًا، وليس الأمر كما توهموه، بل يقدر مثل الفعل إن أمكن، أو ما في معناه من كل وجه إن تعذر نفس الفعل، أو الملابسة إن تعذر الأمران مثل هذه المسألة التي نحن فيها. وأما كونه جاء على ما لم يسم فاعله، فليس بمستند، إذ لا فرق بين نصب: الدرهم أعطيت له، وبين نصب: الدرهم أعطيته، وإنما المعتبر كون الفعل معدى إليه تعدي الناصب، وليس "زيد ذهب به" مثله؛ لأن الفعل لم يتعدَّ إليه تعدي الناصب، لأن الجار والمجرور في موضع رفع، فوجب الرفع لذلك، إذ شرط النصب كون الفعل معدى إلى المضمر، أو إلى ما يتعلق به تعدي الناصب، نعم لو قلت: الثوب كسيته، لجاء جواز النصب، وكل موضع يجوز النصب فيه إذا طرأ فيه ما يوجب الفعل وجب النصب، فتبين أن النصب واجب في قوله: ولو قلمًا، على تقدير: ولو لابست قلمًا ألقيت في شق رأسه، ولو قيل: ولو قلم ألقي به، وشبهه لوجب الرفع، وكان مثل ذلك: زيد ذهب به، لما تقدم من أن تعلقه بما يتعلق بالضمير على غير وجه تعدي الناصب، ولو قيل: إنه ليس من هذا الباب، وإنما هو من باب ما حذف منه فعله لكثرته في الكلام كقولهم: ائتني بدابة ولو حمار أو شبهه، فيكون التقدير: ولو كان قلم. ويكون ألقيت في موضع رفع صفة لقلم، لا أنه جيء به لتفسير فعل محذوف، كأنه قيل: ولو كان قلم أنا ملقىً في شق رأسه لما غير، إلا أنه ليس بالكثير، ولا بالظاهر في هذا، ولأن المفهوم من القائل: لو ألقيت في شق القلم، لا لو كان قلم. وقوله: من السقم متعلق بألقيت لا بغيرت، وإن كان المعنى يقوي غيرت لو ساعد الأمر اللفظي عليه، وعلى أن المعنى في تعلقه بألقيت مستقيم، أما كونه لا يصح تعلقه بغيرت، فلأن ما في حيز جواب الشرط لا يتقدم على الجواب، كما أن ما في حيز الشرط لا يتقدم عليه باتفاق، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: إن

стр. 1687

تضربني في الدار أحسنت إليك، على أن يكون في الدار متعلق بأحسنت، بل يحكم قطعًا بأنه متعلق بتضربني، فكذلك هذا، على أن ثم مانعًا آخر، وهو أن ما في حيز النفي لا يتقدم عليه، إلا أنه لا ينبغي أن يستمسك به هنا لما وقع من الخلاف في مثله، لتقدم الظروف عليه، لاتساعهم فيه. وأما بيان أن المعنى يستقيم بتعلقه بألقيت، فمن جهة صحة تعليله به، لأن إلقاءه فيه إنما صح من أجل السقم الذي هو عليه، ولولا ذلك لم يمكن باعتبار الطريق الذي يقصده الشعراء في استعمال الأوهام. وجواب لو قوله: ما غيرت، واللام محذوفة، وحذفها سائغ، فصيح في القرآن والشعر. كقوله تعالى: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا) [الواقعة/ ٧٠]، وقوله: من خط كاتب، مبالغة من وجهين: أحدهما أنه أتى بمن المشعرة بالتبعيض. كأنه قال: ما غيرت شيئًا أصلًا. أو بمن الزائدة للتأكيد، وهي تقتضي تقوية ذلك المعنى. والثاني: أنه أتى بكاتب نكرة، ليفيد التعميم في كل خط لكل كاتب. وهو أبلغ من أن يكون مختصا فيها، أو في أحدهما. انتهى كلام ابن الحاجب برمته، وجميعه جيد إلا قوله: واللام محذوفة. فإن جواب لو المنفي لا يدخله اللام إلا قليلًا، والفصيح تركه. وقول المصنف: وقد يعلق بغيرت .. إلخ، يوهم صحة تعلقها به مع أنه لا يصح، لأن ما في حيز الجواب لا يجوز تقدمه، كما نبه عليه ابن الحاجب، فكان الأولى بتلخيص المصنف أن يقتصر على هذا، وكان المقدرة الرافعة لقلم تامة. ولم يكتب الواحدي على هذا البيت شيئًا أصلًا، وهو من قصيدة مدح بها أبا القاسم طاهر بن الحسين العلوي، مطلعها: أعِيدُوا صباحي فهوَ عندَ الكواعبِ ... ورُدُّوا رُقادي فهو لحظُ الحبائبِ

стр. 1688

وأنشد بعده وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد الأربعمائة: إذا ابنُ أبي موسى بلالًا بلغتِهِ تمامه: فقامُ بفأسٍ بينَ وصليكِ جازِرُ على أنه روي برفع ابن، فيقدر له فعل رافع له على النيابة عن الفاعل، كما قدره، وبلال ينبغي أن يكون بالرفع، لأنه بدل من ابن، أو بيان له، وقد رأيته مرفوعًا في نسختين صحيحتين مقروءتين من "إيضاح" الشعر" لأبي علي الفارسي، إحداهما بخط ابن جني، وفي نسخ "المغني" نصبه مع رفع ابن، وقدر له الدماميني فعلًا آخر، أي: إذا بلغ ابن أبي موسى بلغت بلالًا بلغته، وتكلفه ظاهر مستغنى عنه، فإنَّ بلالًا تابع لابن رفعًا ونصبًا، فالمخالفة إنما جاءت من الناسخ، وروي بنصب ابن أيضًا قال سيبويه: والنصب عربي كثير، والرفع أجود. قال أبو جعفر النحاس: قد غلَّطه المبرد في الرفع، لأنَّ "إذا" بمنزلة حروف المجازاة، فلا يجوز أن يرتفع ما بعدها بالابتداء، وقال أبو إسحاق الزجاج: الرفع فيه بمعنى إذا بلغ ابن أبي موسى بلال. انتهى. وقوله: فقام بفأس .. إلخ، هذا جواب إذا، ودخلت الفاء على الفعل الماضي، لأنه دعاء كما تقول: إن أعطيتني، فجزاك الله خيرًا، ولو كان خيرًا لم تدخل عليه الفاء، وجازر: فاعل قام من جزرتُ الناقة: إذا نحرتها، والذي اتخذ النحر صنعة جزّار، وصنعة الجِزارة بالكسر. والبيت من قصيدة لذي الرّمة مدح بها بلال بن أبي موسى الأشعري، وقبله يخاطب ناقته: أقولُ لها إذْ شمَّرَ السيرُ واستوَتْ ... بها البيد واستنت عليها الحرائر شمر السير: جد، واستوت بها البيد، أي: لا علم بها يهتدي به، واستنت: اطردت وتتابعت، والحرائر جمع حرور: وهي ريح السموم.

стр. 1689

وبلال من الطبقة الخامسة من التابعين مات سنة نيف وعشرين ومائة، قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب": هو أمير البصرة وقاضيها، روى عن أنس فيما قيل: وعن أبيه، وعمه أبي بكر، وروى له الترمذي حديثًا واحدًا، وذكره البخاري في "الأحكام"، وذكره [أبو العرب] الصقلي في كتاب "الضغفاء"، قال خليفة بن خياط: ولاَّه خالد القسري القضاء سنة تسعة ومائة، وحكي عن مالك بن دينار أنه قال لما ولي القضاء: يالكِ أمة هلكت ضياعًا، فلم يزل قاضيًا حتى قدم يوسف بن عمر سنة عشرين ومائة فعزله. وروى المبرد أن أول من أظهر الجور من القضاة في الحكم بلال، وكان يقول: إن الرجلين ليختصمان إليَّ، فأجد أحدهما أخفَّ على قلبي، فأقضي له. وروى ابن الأنباري أنه مات في حبس يوسف بن عمر. وأنه قتله دهاؤه. قال للسجان: أعلم يوسف أني قد مت، ولك مني ما يغنيك، فأعلمه. فقال يوسف: أحب أن أراه ميتًا، فرجع إليه السجان، فألقى عليه شيئًا فغمه حتى مات. انتهى. وروي المرزباني في "الموشح" عن الجرجاني، عن المبرد، عن التوزي أنه قال: أنشد ذو الرمة قصيدته في بلال. فلما بلغ قوله: إذا بن أبي موسى بلالًا بلغته .. البيت. قال له عبد الله بن محمد بن وكيع: هلاَّ قلت كما قال سيّدك الفرزدق: قدِ استبطأتُ ناجيةً ذَمُولًا ... وإنَّ الهَمَّ بي وَبِها لَسَامِي أقولُ لناثتي لمَّأ ترامتْ ... بنا يدٌ مُسَرْبَلَةُ القَتَامِ إلامَ تلفتين وأنتِ تحتي ... وخيرُ الناسِ كلِّهِمُ أمَامِي

стр. 1690

متى تردِي الرُّصافةَ تستريحي ... من التصديرِ والدَّبْرِ الدَّوامِي انتهى. وأقول: الفرزدق قد سلك طريقة الأعشى ميمون في مدح النبي ﷺ وهو قوله: فآليتُ لا أرثي لها من كلالةٍ ولا من حفيً حتى تُلاقي مُحمَّدا متى ما تُنَاخي عندَ بابِ ابن هاشمٍ ... تُراحي وتلقَى من فواضِلِهِ نَدَى وذُو الرمّة مأخذه من قول الشماخ: رأيتُ عرابةَ الأوسي يسمُو ... إلى الخيراتِ منقطعَ القرينِ إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ ... تلقَّاها عرابةُ باليمينِ إذا بلغتني وحملتِ رَحْلي ... عرابةَ فاشرَقي بِدَمِ الوتينِ وقد عاب بعضُ الرواة قوله: فاشرقي بدم الوتين، فقال: كان ينبغي أن ينظرَ لها مع استغنائه عنها، فقد قال رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها، فقال رسول الله ﷺ : "لبئسما جزيتها"، وقال ﷺ : "لا نذر في معصية الله جل وعز، ولا نذر للإنسان في غير ملكه"، وقد استقصينا ما قيل على الطريقتين، وبسطنا الكلام على مسألة البيت

стр. 1691

الشاهد، وعلى ترجمة بلال في شرح الشاهد الستين بعد المائة من شواهد الرضي وترجمة ذو الرّمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين. وأنشد بعده: ونحنُ عنْ فضلِكَ ما استغنينَا وتقدَّم شرحه في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد الأربعمائة: عندِي اصطِبَارٌ وأمَّا أنَّني جَزِعٌ ... يومَ النوى فَلِوَجْدٍ كاد يبريني على أنه قد جاء خبر المبتدأ الواقع بعد أمّا مؤخرًا، فإنَّ قوله: أنَّني جزع، بفتح أن في تأويل مصدر، وهو جزعي، والخبر الجار والمجرور بعد الفاء، وجملة "كاد يبريني" في محل الصفو لوجد، ويوم متعلق بجزع، والنوى هنا: الفراق، وأصل التركيب: إما يكن من شيء، فجزعني لوجد، فحذف الشرط، وأخر الفاء إلى الخبر كراهة التقاء حرفي الشرط والجزاء، وتأخير الخبر جائز إذا كان المبتدأ أنِّ ومعمولها مع أما، وبدون أمّا يجب تقديمه نحو قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ) [فصلت/ ٣٩]، وأورده المصنف في "شرح الألفية" على أن المبتدا إذا كان أن وصلتها يجب تقديم الخبر خوفًا من التباس إن المكسورة بالمفتوحة، ومن التباس المصدرية بالتي بمعنى لعل ما لم تكن بعد أما كما في البيت، فإنه يجوز فيه التقديم والتأخير، وكذا قال السيد عبد الله الخبيصي في "شرح الكافية" وفي"شرح اللب" قال: إذا كانت أنَّ مصاحبة لأمّا لا يجب تأخير المبتدأ لعدم لبس المفتوحة بالمكسورة حينئذ،

стр. 1692

لأنَّ أما لا يليها إن المكسورة، فجائز أن يقال: أمّا معلوم، فإنك فاضل، وأمّا أنك فاضل فمعلوم، ومنه قوله: دأبي اصطبار .. البيت، والرواية عنده في الكتابين: دأبي اصطراب، والدأب: العادة والشأن، قال الزمخشري: الدأب في الأصل مصدر دأب في العمل: إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، والوجد: الحزن، والبري: النحت، يقول: شأني وعادتي الاصطبار على الشدائد، وأما جزعي يوم الفراق، فلوجد كاد يهلكني، قال آخر: لقتلٌ بحدِّ السيفِ أهونُ مَوْقِعًا ... على النفسِ مِنْ قتلٍ بحدِّ فِراقِ والبيت مشهور في كتب النحو، ولم يعرف قائله والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد الأربعمائة: ما أطيبَ العيشَ لو أن الفتى حجرٌ ... تنبُو الحوادِثُ عنه وهو ملمُومُ على أنَّ خبر أنَّ الواقعة بعد لو فيه اسم جامد، قال أبو حيّان في "شرح التسهيل": زعم السيرافي أنه لابدَّ أن يكون خبر أنَّ الواقعة بعد لو فعلًا، قال بعض أصحابنا: وذلك على جهة الغلط من السيرافي، ونسب المصنف - يعني ابن مالك - هذا المذهب إلى الزمخشري، قال المصنف في "شرح الكافية": وقد حمل الزمخشري ادعاؤه إضمار "ثبت" بين لو وأنّ على التزام الخبر فعلًا، ومنعه أن يكون اسمًا، ولو كان بمعنى فعل، نحو: لو أنَّ زيدًا حاضر، وما منعه شائع ذائع في كلام العرب، كقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ) [لقمان/ ٢٧] وكقول الزاجر: لَوْ أنَّ حيًّا مُدْرِكُ الفلاحِ

стр. 1693

وكقول الآخر: ولوْ أنَّ حيًّا فائتُ الموت فاتَهُ ... أخُو الحربِ فوقَ القارح العدوان وكقول الآخر: ولو أن ما أبقيتِ مني معلقٌ بعودِ ثُمامٍ ما تأوَّدَ عُودُهَا وكقول الآخر: ولو أنَّهَا عصفورةٌ لحسِبْتُها ... البيت. انتهى وأنشدنا أحد المنتسبين لعلم النحو، وهو الشيخ أبو عمر عثمان المدلجي بالقاهرة: ما أطيبَ العيشَ لو أنَّ الفتى حجرٌ .. البيت وقال امرؤ القيس: فلو أنَّ ما أسعُى لأدْنى معيشةٍ .. البيت. هذا آخر كلام أبي حيان، وتعقب الدماميني المصنف بأنَّ هذه الآية التي تبجح باستخراجها، لو فيها للتمني لا للشرط، والكلام في لو الشرطية، وقد ذكر المسألة ابن الحاجب في منظومته، فقال: لّوْ للتمنِي ليسَ منْ ذَا الباب ... لو أنَّهُمْ بادُونَ في الأعرابِ انتهى. قال بعض مشايخنا فيما كتبه على "الألفية": يدعي أن لو التي للتمني شرطية أشربت معى التمني، كما نقله في "المغني" وصححه أبو حيان في "الارتشاف" وذلك لأنهم جمعوا لها بين جوابين: جواب منصوب بعد الفاء، وجواب باللام كما تقدَّم، فلعله يختار هذا القول، فتبجحه على مختاره، خصوصًا وكلام الزمخشري في "المفصل" يميل إليه، وحينئذ فقول ابن الحاجب ليس من ذا الباب، أي من باب لو الشرطية ممنوع عنده، وكلامه في "المغني" يشعر بأن هذا الحكم ثابت للوفي جميع أحوالها؛ لأنه بعد أن ذكر، أقسامها قال: وهنا مسائل إحداها: أن لو .. الخ، ولم يقيدها في تلك المسائل بقسم، ويرجع النزاع بينه وبين ابن الحاجب في إثبات ذلك، ويصير تبجحه صحيحًا. انتهى كلامه.

стр. 1694

والبيت لتميم بن أبي بن مقبل، وبعده: لا تُحرِزُ المرءَ أحجاءُ البلادِ ولا ... تُبنى له في السمواتِ السلاليمُ لا ينفعُ المرءَ أنصارٌ ورابيةٌ بأبَى الهوانَ إذَا عُدَّ الجراثيمُ كذا أوردها أبو محمد عبد الله الشهر بابن بري في "شرح أبيات الإيضاح" قوله: لو أن الفتى حجر، ذكر الحجر، وأراد لازمه، وهو طول البقاء، قال ابن جني في "الخصائص": الحجارة مما يوصف بالخلود والبقاء، ألا تراه كيف قال ابن مقبل: ما أطيبَ العيشَ .. البيت؟ وقال: بقاء الوحي في الصُّمِّ الصِّلابِ. انتهى. وقال ابن خلف في "شرح شواهد سيبويه": ومما وقع فيه العام موقع الخاص قول ابن مقبل: ما أطيب العيش .. البيت. لم يرد أن يكون حجرًا على الحقيقة، وإنما أراد من الحجر بقاءه وثباته مع مرور الحوادث عليه، يشهد بهذا المعنى قوله: "ما أطيب العيش"، والحجر لا يجد لين عيش ولا خشونته، فقوله: "ما أطيب العيش" ينفي أن يكون تمنى أن يكون حجرًا على القحيقة، وإنما تمنى بقاءه لا غير، فأوقع الحجر وهو عام موقع البقاء، وهو خاص. هذا كلامه. وتنبو: تبعد، من نبا الشيء نبوًا، من باب قتل، ونبوًا على مفعول: إذا بعد، أو من نبا السّيفُ عن الضريبة: إذا رجع من غير قطع، أو من نبا السهم عن الهدف: إذا لم يصبه، أو من نبا الطبعِ عن الشيء: إذا نفر ولم يقبله، والملموم: المجموع. وقوله: لا تحرز المرء: من أحرزه، إذا صانه وحفظه، والمرء: مفعوله، وأحجاء فاعله، وهو جمع حَجا، بفتح الحاء المهمملة فجيم فألف مقصورة، قال الأزهري في "تهذيب اللغة": قال الليث: وأحجاء البلاد: نواحيها وأطرافها، قال ابن مقبل: لا يحرز المرء أحجاء البلاد .. البيت.

стр. 1695

وقال القالي في كتاب "المقصور والممدود": الحجا، بفتح أوله والقصر: الملجأ الذي يُلتجأ إليه، ويقال: هو الجانب أنشد أحمد بن يحيى: لا تحرز المرء أحجاء البلاد .. البيت، وكذا قال ابن ولاَّد في كتاب "المقصور والممدود" والسلاليم: جمع سلم، وقياسه السلالم، قال ابن بري وغيره: والياء في السلاليم إشباع، زادها ضرورة، والرابية: ما ارتفع من الأرض، وأراد به القلعة العالية المرتفعة، والهوان، بالفتح: الذلّ، والجراثيم: جمع جرثومة، وهي الأصل، يقال: إنه لفي جرثومة من قومه، وإذا: ظرف ليأبى، وفاعل يأبى ضمير المرء. وتميم: هو تميم بن أُبيّ - بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد الياء - ابن مقبل بن عوف بن حنيف بن قتيبة بن العجلان بن كعب بن ربيعة بن عامر بن عصعصة، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وعاش مائة وعشرين، وكان يهاجي النجاشي، فهجاه النجاسي، فاستعدي عليه عمر بن الخطاب، فحبس النجاشي وضربه، وبعضهم بغير اسم أبيه، فيقول: تميم بن أبي مقبل، والصواب ما ذكرنا. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد الأربعمائة: ولو أنهّا عُصفورةٌ لحسبتَها ... مسوَّمَةً تدعُو عُبَيْدًا وأَزْنَمَا لما تقدَّم قبله، والبيت من قصيدة للعوامَ بن شوذب الشيباني، كذا في كتاب "مقاتل الفرسان" أبي عبيدة معمر بن المثني، وكذا في "العقد الفريد" لابن عبد ربه، أوردها له في العُظالى وفي كتاب "التصحيف" أيضًا للإمام العسكري، قال في يوم العُظالى، وفي "معجم ما استجم" لأبي عبيد البكري قاله في مليحة اسم مكان، وكذا في "العباب" الصاغاني في مادة "عصفور". وقال

стр. 1696

السيوطي: البيت من مقطوعة لجرير قالها في يوم العُظالى، وقبله بيتان، ووقع في "شواهد العيني الكبرى" نسبة: ولو أنها عصفورة .. البيت، إلى العوّام بن شوذب الشيباني، ولا أدري من أين له ذلك، فإنه مع البيتين من قبله في ديوان جرير، انتهى كلامه، وأقول: بل القصيدة في ديوان جرير، لكن ليست لجرير، وإنما هي للعوّام المذكور، أوردها شارح ديوانه محمد بن حبيب بعد ذكر يوم العُظالى، قال العسكري: العين من عُظالى مضمومة غير معجمة، والظاء منقوطة، سُمي بذلك لتعاظلهم على الرياسة، والتعاظل: الاشتباك والاجتماع، يوم بين بني تميم وربيعة، وفرّ بسطام بن قيس الشيباني في هذا اليوم، فقال فيه العوام بن شوذب، وأنشد الأبيات الثلاثة التي أنشدها السيوطي، وهي مطلع القصيدة. قال ابن حبيب في "شرح ديوان حرير": كان من قصّة العُظالى أنَّ بسطام بن قيس بن مسعود وهانئ بن قبيصة بن هانئ أحد بني أبي ربيعة بن ذهل وبسطام بيت ربيعة، وهانئ بيتها الثاني، ومفروق بن عمرو بن قيس الأصم خرجوا متساندين على ثلاثة ألوية، فساروا في خيل عظيمة من بني شيبان حتى نزلوا هضبة الحصيّ من أرض بني يربوع فأشرفوا من مرقب الخصيِّ، فإذا هم بالناس بالحديقات، فبعثوا طليعتهم فأخذوا المطوّح بن أطيط [بن قرط بن عاصم] وهو غلام في إبل له، فأتوا به بسطامًا فعرفه، فقال له: إيه يا مطوّح أين قومك من السواد الذي أرى؟ قال: أما السواد الذي رأيت، فهم بنو زبيد بن سليط بن يربوع، وأما قومي بنو ثعلبة، فإنهم نزلوا اليوم روضة الثمد من بطن مليحة، فقال: أخبرني من شهد من فرسان قومك الحيّ، فقال: أما عُبيد فها هنا منهم بنو أزنم وبنو عاصم، قال: نعم، قال: أثمَّ من آل عتيبة أحد؟ قال: نعم عمارة بن عتيبة، قال: أفمن آل أبي مُليل؟ قال: نعم بنو الغطفانية، قال: أفي هذا السواد الذي أرى أسيد بن حِنّاءة السليطيّ؟ قال: نعم، قال: يا بني شيبان تقبّضوا على هذا الحيّ الحريد، فأصبحوا غدوة في بطن الإياد غانمين سالمين، فقال له هانئ: لقد امتلأ سَحَرُك يا أبا الصهباء

стр. 1697

إنًّ عتيبة قد مات! قال: أما إذ قلت هذا فسأحدّثك ما أنت لاق، أما أنت فلن تَغُرِّ أسيد بن حناءة من رأس الشقراء الليلة، فإذا أحس غُدوة بكم جال قفي متن الشقراء، ثمَّ أشرف مليحة، فإذا أشرف نادى يال ثعلبة، فيلقاك طعن ينسيك الغنيمة فباتوا وقد حسبوا المطوح حتى ركبوا بليل فتقبضوا على بني زبيد، وذلك بسواد، غير أنَّ أسيدًا وثب على الشقراء، فتبعه أربعة فوارس منهم، فأقبل عليهم فقال: من أنتم؟ اللهِ لا نتكاذب، فقال أحدهم: بسطام ومفروق وهانئ والدَّعَّاء، فقال: أبا سوء صباحاه! ثم ركض حتى أشرق فنادى: يال ثعلبة، فركب بنو ثعلبة حتى وافى سبعة فوارس من بني ثعلبة فيهم قعنب ومعدان ابنا عصمة، وعفاق بن عبد الله، وعمارة بن [عتيبة وهو هجين] عتيبة، ووديعة بن مرثد، ودرّاك بن النجّار، وعمارة بن [عتيبة وهو هجين] عتيبة، ووديعة بن مرثد، ودرّاد بن النجّار، وأُحيمر بن عبد الله، وأقبلت بنو شيبان يسوقون بني زبيد معهم، فلما برز الفوارس السبعة قال قعنب: يا بني ثعلبة إنَّ خببَ الخيل جبن، قال عمارة: أما أنا فإليَّ وازع الخيل، وقال وديعة: كل امرئ سَيُرى وقعُه، حتى التقوا بالأفاقة، فقال الأحيمر: يا بني ثعلبة لئن صدِّت خيلكم [قيس] قدر سوطي لا تُدعى لكم داعية بعد اليوم، ولقي بسطام الأحيمر، فقال [له]: ويلك يا أحيمر إني لأنفسك على الموت، قال: وهل أبقيت مني [إلاَّ] شلوًا؟ والله لا تغرب الشمس وكلانا حي، ثم رماه بالشقراء، فاختلفا طعنتين، فانكسر رمح الأحيمر [فأمال بسطام يده بذات النسوع]. وحمل وديعة بن مرثد على هانئ بن قبيصة فأسره، وقتل فُقْحُلُ ابن مسعدة أحد بني أبي ربيعة عمارةَ بن عتيبة، فحمل عليه قعنب بن عصمة فقتله، ففرَّ بسطام والدّعّاء ومفروق والضُّرَيْس وعمرو بن الحزوّر أخو بني الحارث بن همام، وحمى الناسَ بسطامٌ، وكان رجلًا ثقيلًا، وكانت عليه الدرع، وكان على مهر، فمر برمل فنزع درعه فألقاها، ثمَّ هال عليها، وأتبعهم الخيل، حتى إذا كانوا ببطن موضوح لحق عفاق بن عبد الله فأخلف له عمير بن الحزوّر الرمح، فقتله فحمل عليه قعنب فأسره، وكان من فرسان بني الحارث، فدفعه إلى أبيه أبي مُليل، فقتله بعفاق صبرًا، وعانق الأحيمر الضُّرَيْس فأسره، وحمل قعنب وأسيد، فابتدرا

стр. 1698

مفروق ابن عمرو، فطعناه طعنة أثقلته، فمات، وأسر عتوة بن أرقم بن نويرة رجلًا من بني الحارث بن همام يقال له العوام بن شوذب، فقال في ذلك وهو في أيدي بني يربوع: إنْ يكُ في يومِ الغبيط ملامةُ ... فيومْ العظالىَ كانَ أخزىَ وألأوما وفر أبو الصهباءِ إذْ حمس الوغى ... وألقى بأبد ان السلاح وسلما وأيقنَ أن الخيل إن تلتبس به ... تمْ عرسهُ أوْ تملأ البيتَ مأتما ولو أنها عصفورةُ لحسبتها ... البيت أنالكَ قيدًا بالغبيط لقاهمُ ... ويومَ العظالى إذ نجوت مكلما فررتم ولمْ تلووا على مرهقيكمُ ... لو الحارثُ المقدامُ فيها لأقدما ولو أن بسطامًا أطيعَ بأمرهِ ... لأدى إلى الأحياء بالحنوِ مغنما ولكنَّ مفروقَ القفا وابن أمهِ ... ألاما وليما في البيات وشئتما أناخا يريدانِ الصباحَ فصبحًا ... فكانت على الركبان ساعةَ أشأما فلما بلغ بسطاما ذلك أغار على لقائح لأمه، فأخذها فقالت في ذلك: أرى كل ذي شعرِ أصاب بشعرهِ ... سوى أن عوامًا بما قال عيلا أي: صير أهله عالةً فقراء. قوله: إن يك في يوم الغبيط، بقتح الغين المعجمة، وكسر المعجمة، قال صاحب "العقد الفريد": غزا بسطام قبل يوم العظالى على بني ثعلبة بن يربوع فانهزمت الثعالب، واستاقوا إبلهم، فركب عليهم بنو مالك فيهم عتيبة بن الحارث، فأدركوهم بغبيط المدرة، فقاتلوهم حتى هزموهم، ولحق عتيبة بسطامًا، فقال: استأسر يا أبا الصهباء، فأسره، ولم يزل عنده حتى فادى

стр. 1699

نفسه بأربعمائة بعير وثلاثين فرسًا وجز ناصيته، وعاهدة أن لا يغزو بني شهاب أبدًا. انتهى. وقوله: وفر أبو الصهباء: هو كنية بسطام؛ وحمس كفرح: اشتد، والوغي: الحرب. وقوله: تئم عرسه، أي: تبقى امرأه بلا زوج، والعرس بالكسر: الزوجة، وآمت تثيم أيما إذا صارت أيما كسيد، وهي التي لا زوج لها، و "أو" بمعنى "إلى"، والمأتم: جماعة النساء يجتمعن لفرح أو حزن، والمراد هنا الثاني. وقدر روى هذا المصراع كذا: "يقد عانيًا أو يملؤوا البيت مأتمًا" يعني: يقودونه أسيرًا. ولو أنها عصفورة .. إلخ، ضمير أنها راجع إلى شيء معلوم من المقام، أي: ولو أن التي تخيلت لك عصفورة، قال الصاغاني في "العباب": قال أبو حاتم في "كتاب الطير": العصفور والنقاز، بضم النون وفتحها واحد، فالذكر أسود الرأس والعنق، وسائر إلى الورقة، وفي جناحيه حمرة، والأنثى عصفورة بالهاء، ولونها إلى الصفرة والبياض، ولم يحسن أبو الدقيش صفته، ويقال لها: نقازة، وأنشد للعاوام بن شوذب الشبياني: ولو أنها عصفورة .. البيت. انتهى. وقوله: لحسبتها، بالخطاب بعد الغيبة من باب الالتفات، وعبيد بالتصغير وأزنم: بطنان من بني يربوع لا ينصرفان، ومسومة، أي: خيلًا مسومة، وهي الخيل المعلمة بعلامة، وقال الأزهري: الخيل المسومة المرسلة وعليها ركبانها، قال أبو بكر التاريخي في "طبقات النحاة": قال أبو عمرو بن العلاء: سرق جرير من العوام الشيباني قوله: ولو أنها عصفورة .. البيت، فقال: ما زلتَ تحسبُ كلَّ شيءٍ بعدهمْ ... خيلًا تكر عليهمُ ورجالًا وحدثني الحارث بن أبي أسامة عن المدلئي قال: أنشد الأخطل قول جرير: ما زلتَ تحسبُ كل شيءٍ بهدهم .. البيت.

стр. 1700

وقيل له: لقد أحسن، فقال: نعم إلا أنه أخذه من كتابهم: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ) (المنافقون/٤) انتهى. ولم يصب الدماميي في قوله: هذا كلام من أخذ الخوف مجامع قلبه، يقول: لو أن الذات التي أراها عصفورة، خيل إلي من شدة الجزع أنها فرس مسومة، أي: معلمة تدعو هذين الشخصين للقتال. انتهى. فظن أن حسبتها بالتكلم، وأن "عبيد وأزنم" شخصان لا قبيلتان. وقوله: ولم تلووا، أي: لم تعطفوا، ومرهق: اسم فاعل من أرهقه، أي: ضايقة وكلفه مالا يطيقه. وقوله: لو الحارث المقدام فيها، هذا دليل على حذف كان وحدها، فإن الحارث اسمها، والمقدام، أي: الجريء، صفته و"فيها" خيرها، والحارث هنا: الحارث بن شريك، وهو الحوفزان، وقوله: لأدى إلى الأحياء، جمع حي بمعنى القبيلة. وقوله: ألاما، يقال: ألام الرجل: إذا فعل ما يستحق به اللوم، وليما: أوقع عليها اللوم، وشئما: أي: نسبا إلى الشؤم. وصاحب هذا الشعر جاهلي، وهذا اليوم من أيام الجاهلية. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد الأربعمائه: لَوْ أن حيًا مدركُ الفلاحِ ... أدركهُ مُلاعبُ الرماحِ على أن خبر أن بعد لو قد جاء وصفًا اسم فاعل، كذا في "صحاح الجوهري" ورواه ابن الأنباري في "شرح المفضليات": "لو كان حي مدرك الفلاح"، ورواه الشريف الحسيني في "حماسة": "لو كان شيء مدرك الفلاح" وعليهما لا شاهد فيه. قال الجوهري في مادة "لعب": كان يقال لأبي براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب ملاعب الأسنة، فجعله لبيد ملاعب الرماح لحاجته إلى القافية، فقال:

стр. 1701

"لو أنَّ حيًا مدرك الفلاح .. إلخ". وقال أيضًا في مادة "رمح" مثل ذلك إلى أن قال: فقال لبيد يرثيه وهو عمه: قوما تنوحانِ معَ الأنواحِ ... وأبنا ملاعبَ الرماحِ أبا براءٍ مدرهَ الشياحِ ... في السلبِ السودِ وفي الأمساحِ انتهى. وقوما: فعل لامرأتين، وجملة تنوحان: حال، وأنواح: نساء نائحات، وأبنا أمر لهما بالتأبين، وهو مدح الميت. وأبو براء، بفتح الموحدة والمد: كنية عم لبيد، قال ابن قتيبة في ترجمة لبيد من كتاب "الشعراء": وملاعب الأسنة عم لبيد، وهو عامر بن مالك، وسمي ملاعب الأسنة بقول أوس بن حجر: ولاعبَ أطرافَ الأسنة عامر ... فراحَ لهُ حظ الكتيبةِ أجمعُ وكان ملاعب الأسنة أخذ أربعين مرباعًا في الجاهلية. انتهى. والمرباع: ربع الغنيمة التي تؤخذ في الحروب، والأسنة: جمع سنان، وهي حديدة الرمح التي يطعن فيها، وملاعب: اسم فاعل، يراد أنه يلاعب الفرسان بها في الحروب. وقال الزمخشري في "أمثاله": "أفرس من ملاعب الأسنة" إنما لقبت بذلك، لأنه صارع ضرار بن عمرو فصرعه كرات، فقال له: من أنت يا فتى؟ كأنك ملاعب الأسنة، وقيل: لقب به لقول أو بن حجر يعير أخاه طفيل بن مالك: فرارًا وأسلمتَ ابنَ أمكَ عامرًا .. يلاعبُ أطرافَ الوشيج المزعزعِ انتهى. قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": ملاعب الأسنة جماعات، منهم: أبو براء المذكور، ثانيهم: ملاعب الأسنة الحارثي، واسمه عبد الله بن الحصين بن يزيد، والثالث: ملاعب الأسنة أوس بن مالك الجرمي، فارس شاعر. انتهى.

стр. 1702

والمدره، بكسر الميم وآخره هاء: زعيم القوم والمتكلم عنهم، من درهت عن القوم: دفعت عنهم، مثل درأت وهو مبدل منه، والشياح بالكسر: جمع شيح، بالكسر أيضًا وهو الجاد في المور. والسلب بضمتين جمع سلاب بالكسر، وهي ثياب المأتم السود. والأمساح: جمع مسح، بالكسر، وهو البلاس. ونسب الرجز الشاهد الشريف ضياء الدين هبة الله علي بن محمد بن حمزة الحسيني في "حماسته" إلى بنت ملاعب الأسنة، رثت به أباها، والبيتنا أول رجز وهو: لوْ كانَ شيءْ مدركَ الفلاح ... أدركهُ ملاعبُ الرماحِ لوْ غياثَ المرمل المتاح ... وعصمةٍ في الزمنَ الكلاحِ ومعملَ تشكو ألمَ الجراح ... وذائدَ الكتيبة الرداحِ بالخيل تشكو ألمَ الجراحِ ... وفتيةٍ هبوا إلى المراحِ باكراتهمْ بحللٍ وراحِ ... وفينةٍ ومزهرٍ صداحِ وزعفرانٍ كدمِ الأذباحِ هذا ما أورده الشريف. ومدرك: اسم فاعل من أدركه: إذا لحقه وبلغه، والفلاح: البقاء، وغياث بالنصب: خير كان، واسمها مستر فيها، والغياث: اسم الإغاثة، وهي الإعانة والنصر، والمرمل: اسم فاعل من أرمل الرجل: إذا نفد زاده وافتقر، والممتاح: اسم فاعل من امتاح: إذا سأل، والكلاح بالضم: السنة المجدبة، قاله الجوهري وأنشد هذا البيت، ومعمل: اسم فاعل من أعمل بمعنى استعمل، والناحية: الناقة السريعة، والوقاح بفتح الواو: الصلب، والذائد: الطارد، والكتيبة: الطائفة المجتمعة من الجيش، والرداح بفتح الراء قال الجوهري: وكتيبة رداح: ثقيلة في السير لكثرتها. وقوله: وفتية، أي: رب فتية، وهبوا: قاموا من النوم، والمراح بكسر الميم: اسم للمرح مصدر مرح من باب تعب، وهو شدة الفرح والنشاط، وباكرتهم: جواب رب المقدرة وهو خطاب، والراح: الخمر، والقينة: الأمة المغنية، والمزهر بكسر الميم: الدُّف، وهو من آلات اللهو،

стр. 1703

وصداح: مبالغة صادح، من صدح الديك والغراب صدحًا، أي: صاح، قاله الجوهري، وأنشد البيت، وأذباح: جمع ذبح بالكسر: وهو ما يذبح. ولبيد: صحابي تقدمت ترجمته في الإنشاد الواحد والستين. وعمه أبو براء شاعر فارس جاهلي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد الأربعمائة: (٤٣٤) لو يشأ طار به ذو ميعةٍ ... لاحقُ الآطالِ نهدٌ ذو خصلْ على أن جماعة منهم ابن الشجري قالوا: إن "لو" تجزم في الشعر كما في هذا البيت، والذي بعده. قال ابن مالك في "التسهيل" في فصل لو: واستعمالها في المضي غالبًا، فلذا لم يجزم بها إلا اضطرارًا، وزعم اطراد ذلك على لغة. انتهى. وقال في "شرح الكافية": وأجاز الجزم بها في الشعر قوم منهم ابن الشجري، واحتج بقول الشاعر: لوْ يشأ طارَ بهِ ... البيت. وهذا لا حجة فيه، لأن من العرب من يقول: جايجي، وشايشا بترك الهمزة، فيمكن أن يكون قائل هذا البيت من لغته ترك همزة يشاء ثم ابدل الألف همزة، كما قيل في عالم عألم، وخاتم خأتم، وكما فعل ابن ذكوان في (تأكلُ منسأتهُ) (سبأ/٣٤) حين قرأ: (منسأته) بهمزة ساكنة، فهو في الأصل منسأة مفعلة، من نسأة، أي: زجره بالعصا، ولذلك سميت منسأة، فأبدل الهمزة ألفًا، ثم أبدل الألف همزة ساكنة، فعلى ذلك يحمل قوله: لو يشا. وأما قول الآخر: تامت فؤادك لو يحزنك .. البيت، فهذا من تسكين ضمة الإعراب تخفيفًا، كما قرأ أبو عمرو (وَيَنْصُرْكُمْ) (التوبة ٧/ ١٤) (وَيُشْعِرْكُمْ) (النعام/ ١٠٩) وكما قرأ بعض السلف (وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف/ ٨٠) بسكون اللام. انتهى كلامه. وقال أبو حيان في شرح

стр. 1704

"التسهيل": "وزعم اطراد ذلك على لغة" ما نصه: وأجاز الجزم بها في الشعر جماعة منهم ابن الشجري، واحتج بقول الشاعر السابق، فعلى هذا يكون في "لو" مذاهب: أحدها: أنها لايجزم بها في الكلام، ولا في الشعر. الثاني: أنه يجزم بها في ضرروة الشعر. الثالث: أنه يجزم بها على اطراد في لغة. انتهى. وأورد ابن الشجري البيت الشاهد في موضعين من "أماليه"، الموضع الأول في المجلس الثامن والعشرين، قال فيه: بيت للرضي من قصيدة رثى بها أبا إسحاق إبراهيم ابن هلال الكاتب الصابئ: إنَّ الوفاءَ كما اقترحت فلوتكن ... حيًا إذنْ ما كنتَ بالمزدادِ جزم بلو، وليس حقها أن يجزم بها، لأنها مفارقة لحروف الشرط، وإن اقتضت جوابًا كما تقتضيه "إن" الشرطية، وذلك أن حرف الشرط ينقل الماضي إلى الاستقبال، كقولك: إن خرجت غدًا خرجنا، ولا تفعل ذلك لو، وإنما تقول: لو خرجت أمس خرجنا، وقد جاء الجزم بلو في مقطوعة لامرأة من بني الحارث بن كعب: فارسًا ما غادروه ملحمًا ... غير زميلٍ ولا نكسٍ وكلْ لوْ يشأ طاربهِ ذو ميعةٍ ... لاحق الآطالِ نهدٌ ذو خصلْ غير أنَّ البأسَ منهُ شيمةٌ ... وصروفُ الدهرٍ تجري بالأجل انتهى. وكتب ابن الخشاب في هامش النسخة بخطة: ليس للرضي، ولا لأمثاله أن يرتكب ما يخالف الأصول، ولكن لو جاء مثل هذا عن العرب في ضرورات شعرهم، لاحتمل منهم، وذلك أن "لو" وإن كانت تطلب جوابًا كما يطلبه حرف الشرط، ليست موجبة للاستقبال كإذا، بل يقع بعدها الماضي للماضي، كما يقع

стр. 1705

المستقبل للمستقبل، فلا يجزم بها البتة، وليس في قوله: يشأ شاهد على الجزم بلو، ولكنه مقصور غير مهموز، كما يقصر الممدود في الشعر. انتهى. والموضع الثاني في المجلس الأربعين، قال فيه: ولو من الحروف التي تقتضي الأجوبة، ويختص بالفعل، ولكنهم لم يجزموا به، لأنه لا ينقل الماضي إلى الاستقبال، كما يفعل ذلك حروف الشرط، وربما جزموا به في الضرورة، قالت امرأة من بني الحارث بن كعب: فارسًا ما غادروهُ ملحمًا ... الأبيات الثلاثة. واقتدى بها في الجزم به أبو الحسن الرضي، ﵁، في قصيدة رثي بها أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابئ: إنَّ الوفاءَ كما اقترحتَ فلو تكنْ ... البيت. انتهى. وكتب هنا أيضًا ابن الخشاب: قد تقدمت هذه الأبيات، وذكره في "لو يشاء" الجزم، وجعله إياها حجة للرضي في الجزم بلو، وقد رددت ذلك هناكبما يغني عن الإعادة. انتهى. والأبيات الثلاثة أوردها أبو تمام، في آخر باب المراثي من "الحماسة" منسوبة إلى تلك المرأة الحارثية، ولم يتكلم شراحه بما يتعلق بجزم "يشأ" ووقع "فارس" في روايى "الحماسة" وشروحها بالرفع، ورواه ابن الشجري بالنصب ويجوز فيه الرفع وتبعه ابن الناظم، رواه في باب الاشتغال بالنصب، وقال ابن الخشاب فيما كتبه على "أمالي ابن الشجري": الرواية برفع "فارس"كذا رواه أبو زكريا عن المعري وغيره، وكذا قرأناه على الشيوخ عنه. قال ابن الشجري: الرواية نصب "فارس" بمضمر يفسره الظاهر، وما صلة، والمفسر من لفظ المفسر، لأن المفسر متعد بنفسه إ"لى ضمير المنصوب، ولكن لو تعدى بحرف جر، أضمرت له من معناه دون لفظه، كقولك: أزيدًا مررت به؟ التقدير أجزت زيدًا؟ لأنك إن أضمرت "مررت" أضمرت الدار، وذلك مما لا يجوز، فالتقدير إذن: غادروا فارسًا، ويجوز رفع فارس بالابتداء،

стр. 1706

وجملة غادروه وصف له، وغير زميل: خبره، ولا موضع من الإعراب في وجه النصب لجملة "غادروه" لأنها مفسرة، فحكمها حكم الجملة المفسرة، وحسن رفع فارس بالابتداء وإن كان نكرة، لأنه تخصص بالصفة، وإذا نصبته نصبت غير زميل وصفًا له، ويجوز أن يكون وصفًا للحال التي هي ملحمًا، والملحم: الذي ألحمته الحرب وذلك أن ينشب في المعركة، فلا يتجه له منها مخرج، ويقال للحرب: الملحمة، والزميل: الجبان الضعيف، والنكس من الرجال: الذي لا خير فيه مشبه بالنكس من السهام وهو الذي ينكسر فوقه، فيجعل أعلاه أسفله، والوكل: الذي يكل أمره إلى غيره، والميعة: النشاط، وأول جري الفرس، وأول الشباب، والآطال: الخواصر، واحدهما إطل وقد يخفف، وهو أحد ما جاء من الأسماء على فعل ومنه إبل، ولاحق الآطال، أي: قد لصقت إطلة بأختها من الضمر، وجمعت الإطل في موضع التثنية وذلك أسهل من الجمع في موضع الوحدة، كقولهم: شابت مفارقة، ولو قالت: لاحق الإطلين، بسكون الطاء أعطت الوزن والمعنى حقهما، والنهد من الخيل: الجسيم المشرف، وقولها: غير أن البأس، نصب غير على الاستثناء المنقطع، والبأس: الشدة في الحرب، والشيمة: الطبيعة، وصروف الدهر: أحداثه. انتهى كلامه. وأقول: المناسب أن يكون "فارس" خير ضمير المرثي، فإن المراد ذكر ما يتعلق به من الصفات الحميدة لا الإخبار عن فارس بكذا وكذا، و"ما" صلة للتفخيم، كقولهم: لأمرٍ ما يسود، وفسر أبو زكريا "ملحمًا" بضم الميم بقوله: طعمة للسباع، وهو حال من الهاء في غادروه، وضبطه بعضهم بفتح الميم، وفسره بهذا التفسير، وضبطه آخر بضم الميم، وفتح الجيم، أي: مقيدًا كالفرس الملجمة، فلا تقدر على التصرف في نفسها. والزميل، بضم الزاي وفتح الميم المشددة، وسكون الياء، والنكس، بكسر النون، والوكل، بفتح الواو والكاف، ولاحق: بمعنى ضامر. يقول: لو شاء، لأنجاه فرس له ذو نشاط. وقوله. غير أن البأس .. إلخ، هو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، يقول: لو اختار الفرار، لأمكنه، لكنه كان سجيته البأس والأنفة من العار بالفرار فثبت، وبالأجل حال، وقيل: الباء للتعدية، أي: تجري الأجل، وعلى هذا اقتصر أبو زكريا.

стр. 1707

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد الأربعمائة: (٤٣٥) تامتْ فؤادكَ لوْ يحزنكَ ما صنعتْ ... إحدى نساءٍ بني ذهلِ بنِ شيبانا لما تقدم قبله، وكذا أنشده الجوهري في "الصحاح"، وقال ابن بري في "أماليه" على "الصحاح": المشهور في إنشاده: لم تقض الذي وعدت. انتهى. ومنه يعلم أن نسخة الدماميني من "الصحاح" كانت محرفة، فإنه قال: الذي أنشده الجوهري: "لم يحزنك" بـ "لم" لا بـ "لو"، ورواه أبو علي في "التذكرة القصرية" عن ابن دريد: تامتْ فؤادكَ لمْ تنجزكَ ما وعدتْ فلا شاهد فيه، وكشفت عنه في "الجمهرة" فوجدته فيها، قال: وتامت المرأة الرجل تتيمة تيمًا، وتيمته تتيمًا: إذا ذهبت بعقله، قال الشاعر: تامتْ فؤادكَ لمْ تنجزكَ ما وعدتْ ... البيت. ويروي: لم تقض الذي وعدت. انتهى. ورواه ابن عبيد عبد ربه في "العقد الفريد": "تامت فؤادك لو تقضي الذي وعدت"، وقال فيه: روي عن الشيباني أ، هـ قال: حدثنا بعض أصحابنا أن زرارة بن عدس نظر إلى ابنه لقيط، فقال: ما لي أراك مختالا؟ كأنك جئتني بابنه ذي الجدين، أو مائة من هجائن النعمان! قال: والله لا مس رأسي دهن حتى آتيك بهما، أو أبلى عذرًا، فانطلق حتى أتى ذا الجدين، وهو قيس بن مسعود الشيباني، فوجده جالسًا في نادي قومه من شيبان، فخطب إليه ابنته علانية، فقال له: هلا ناجيتني؟ قال: علمت أني إن ناحيتك لم أخدعك، وإن عالنتك لم أفضحك، قال: ومن أنت؟ قال: لقيط بن زرارة، قال: لا جرم لا تبين فينا عزبًا ولا محرومًا، فزوجه، وساق عنه المهر، وبني بها من ليلته تلك،

стр. 1708

ثم خرج إلى النعمان، فجاء بمائتين من هجائنه، وأقبل إلى أبيه وقد وفي نذره الذي نذر، فبعث إليه قيس بن مسعود بابنته مع ولده بسطام بن قيس، فخرج لقيط يتلقاها في الطريق ومعه ابن عم له يقال له: قراد، فقال لقيط: هاجتْ عليكَ ديارُ الحي أشجانا ... واستقبلوا منْ لوىَ الحيرانِ قرمانا نامتْ فؤادكَ لو تقضي التي وعدتْ ... إحدىَ نساءِ بني ذهلِ بن شيبانا فانظرْ قرادُ وما بي نظرةٍ فرحًا ... عرض الشقائقِ هلْ ينبنَ عقيانا فيهنَّ جاريةٌ نضحُ العبير بها ... تكسىَ ترائبها دراٌ ومرجانا كيفْ اهتديتَ ولا نجمٌ ولا علمٌ ... وكنتَ عندي نؤومَ الليل وسنانا انتهى. قوله: هاجت علين، خطاب لنفسه، وهاجت: هيجت وحركت، وديار: فاعله، وأشجان: مفعوله جمع شجن، بفتحتين وهو الحزن، واللوى: ما التوى من الرمل، والحيران، بفتح المهملة: اسم جبل، وقرمان، بفتح القاف وسكون الراء المهملة بعدها ميم: وهو موضع، كذا في "معجم البكري"، وقوله: لو يحزنك ما صنعت. لو: شرطية، وجوابها محذوف يدل عليه تامت، وفؤادك مفعول تامت، وإحدى: فاعله إن أضمرنا في "صنعت" ضميره على سبيل التنازع، وما: فاعل يحزنك، والمعنى أنها لو أرادت حزنك بشيء مما تصنعه كتمنع من المجيء إليك لهيمتك، ولكنها قصدت سرورك، فجاءت إليك، والمعنى على روايه "لم يحزنك": هيمتك مع كونها لم تفعل شيئًا مما يحزنك، فكيف لو فعلت. وأورد الميداني هذا البيت للقيط المذكور في قولهم: "أتيم من المرقش" قال: يعنون المرقش الأصغر، وكان متيمًا بفاطمة بنت المنذر الملك، ثم قال: وأتيم: أفعل من المفعول يقال: تامة الحب وتيمىه، أي: عبده وذلله، قال لقيط: تامتْ فؤادكَ لمْ يحزنكَ ما صنعتْ ... البيت. وقوله: فانظر قراد، هو منادى بإضمار "يا" يقول لابن عمه: انظر عني،

стр. 1709

فإن عيني لشدة الفرح قد شرقت بدمعة السرور لا تقدر على النظر. وعرض، بضم العين، وسكون الراء المهملتين: ظرف لـ "انظر" وعرض الشيء: ناحيته من أي طرف جئته، والشقائق: هو شقائق النعمان، والعقيان: الذهب، قال الجوهري: هو الذهب الخالص، يقال: هو ما ينبت نباتًا، وليس مما يحصل من الحجارة، والنضح: اللطخ والرش، والعبير: الزعفران، والترائب: جمع تربية فعيلة، وهي أعلى الصدر. ولقيط بفتح اللام وكسر الاف هو ابن زرارة، بضم المعجمة ابن عدي، بضم ففتح، قال الكلي: كل عدس في العرب بضم العين وفتح الدال إلا عدس ابن زيد، فإنه مضموم الدال. وينتهي نسب لقيط إلى دارم بن مالك بن حنظلة التميمي سيد قبائل تميم، ولقيط فارس جاهلي قتل يوم جبلة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد الأربعمائة: (٤٣٦) ولوْ نعطى الخيارَ لما افترقنا ... ولكنْ لا خيارَ معَ الليالي على أن اللام دخلت بقلة على جواب "لو" المنفي، قال ابن مالك في "شرح الكافية": وقلما يخلو، أي: جواب "لو" من اللام إن كان مثبتًا، ثم قال: وإن كان منفيًا بلم، امتنعت اللام، وإن كان منفيًا بما، جاز لحاقها، واخلو منها، إلا أن الخلو منها أجود، وبذلك نزل القرآن الكريم، كقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) (البقرة/٢٥٣) انتهى. ونعطى بالبناء للمفعول، والخيار: بمعنى الاختيار، ومنه يقال له: خيار الرؤية، كذا في "المصباح"، وخص الليالي بالذكر، لأنها أسبق من الأيام بدليل أن الشهر أوله الليل، ولأن الحوادث الكونية والمقدرات تحدث غالبًا في الليل.

стр. 1710

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد الأربعمائة: (٤٣٧) أما والذيِ لوْ شاءَ لمْ يخلقِ النوىَ ... لئنْ غبتِ عنْ عيني لما غبتِ عنْ قلبي على أن جواب القسم المنفي قد دخله اللام بقلة، قال أبو علي القالي في أواخر "الأمالي": أنشدنا أبو بكر، قال: أنشدنا أبو علي العنزي، قال: أنشدنا مسعود ابن بشر: أما والذيِ لوْ شاء لم يخلقِ النوىَ ... لئنْ غبتِ عنْ عيني لما غبتِ عن قلبي يوهمنيكِ الشوقُ حتى كأنما ... أناجيكِ منْ قربٍ وإنْ لم تكن قربي انتهى. فقد ذكر السند، ولم يصرح بقائل البيتين، ورأيتهما في ديوان العباس ابن الأحنف، والمصراع الأخير كذا: أناجيكِ منْ قربٍ وليسِ بذي قربِ قال الخطيب في "تاريخ بغداد": العباس بن الأحنف الشاعر كان ظريفًا حلوًا مقبولًا، حسن الشعر، ولم يقل في المديح والهجاء إلا شيئًا نزرًا، وشعره كله في الغزل، وله أخبار كثيرة مع هارون الرشيد وغيره، وينتهى نسبة إلى عدي بن حنيفة بن لجيم بن صعب علي ابن بطر وائل، وقيل: هو من ولد الديل بن حنيفة أخي عدي بن حنيفة، ابن بكر بن وائل، وقيل: هو من ولد الديل بن حنيفة أخي عدي بن حنيفة، وقيل: أصله من عرب خراسان، ومنشؤه ببغداد، ومات في سنة ثمان وثمانين ومائة على قول عمر بن شبة، وكان الزبير بن بكار يوقل العباس بن الأحنف أشعر أهل زمانه في قوله: تعتلُّ بالشغل عناَّ تكلمنا ... الشغلُ للقلبِ ليس الشغل للبدنِ ويقول: لا أعلم شيئًا من أمور الدنيا خيرها وشرها إلا وهو يصلح أن يتمثل فيه

стр. 1711

بهذا النصف الأخير، وعنه أيضًا أن بشارًا أنشد قول العباس بن الأحنف أول ما قال الشعر: لما رأيتُ الليلَ طريقهُ ... عني وعذبني الظلامُ الراكدُ والنجمُ في كبدِ السماءِ كأنهُ ... أعمىَ تحيرَ ما لديهِ قائدُ ناديتُ منْ طردَ الرقادَ بنومهِ ... عما ألاقي وهوَ خلوه هاجدُ قال: قاتل الله هذا الغلام. ما رضي أن يجعله أعمى حتى يجعله بلا قائد. وقال هارون الرشيد في ليلة بيتًا، ورام أن يشفعه بآخر، فامتنع القول عليه، فقال: علي بالعباس بن الأحنف، فلما طرق، فزع، وذعر أهله، فلما وقف بين يدي الرشيد قال: وجهت إليك ببيت قلته، ورمت أن أشفعه بمثله، فامتنع القول علي، فقال: يا أمير المؤمنين دعني حتى ترجع نفسي إلى، فإني قد تركت عيالي على حال من القلق عظيمة، ونالي من الخوف ما يتجاوز الحد، فانتظره هنيهة، ثم أنشد البيت: جنانٌ قدْ رأيناها ... ولمْ نرَ مثلها بشرا فقال العباس بن الأحنف: يزيدكَ وجهها حسنًا ... إذا ما زدتهُ نظرا فقال له الرشيد: زدني، فقال: إذا ما الليلُ مالَ عليكَ بالإظلام واعتكرا ودجَّ فما ترى قمرًا ... فأبرزها ترى قمرا فقال الرشيد: قد ذعرناك، وأفزعنا عيالك، فأقل الواجب أن نعطيك ديتك، وأمر له بعشرة آلاف درهم وصرفه.

стр. 1712

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد الأربعمائة: (٤٣٨) لوْ شئتِ قد نفعَ الفؤادُ بشربةٍ ... تدعُ الحوائمَ لا يجدنَ غليلا على أن جواب "لو" قد اقترن بقد وهو غريب، وهو من قصيدة لجرير هجا بها الفرزدق مطلعها: لمْ أرَ مثلكِ يا أمامَ خليلا ... أناى بحاجتنا وأحسنَ قيلا لوْ شئتِ قد نقعَ الفؤادُ بمشربِ ... يدعُ الحوائمَ لا يجدنَ غليلا كذا في ديوانه، وأمام: مرخم أمامة، بضم الهمزة: امرأة، والخليل: الصديق، والأنثى خليلة، كذا في "العباب" وإنما لم يؤنثه للحمل على صديق، فإنه يقال: رجل صديق، وامرأة صديق. وأنأى: وصف لخليل، وهو أفعل تفضيل من النأءي وهو العبد، والقيل: القول، يريد أنها تقول ما لا تفعل، فقولها قريب حسن مطمع في حصول المراد، وهي أبعد بحصوله من كل شيء. وزعم العيني أن قوله: أنأى من قولهم أناءه الحمل: إذا أثقله وهو غير صحيح، لأن أفعل التفضيل لا يكون من غير الثلاثي، ولأن المراد من حسن القول قرب المأمول، ويقابله بعده، لا إثقاله وقوله: لو شئت .. إلخ، خطاب لتلك المرأة، قال شارح ديوان جرير: نقع: روي، يقال: نقع ينقع نقوعًا، والحائم: الطالب للحاجة، يقال: حام يحوم حؤومًا، وأصله من الحوم حول الماء، والغلي: العطش. انتهى. والمشرب: مصدر ميمي، والشربة: المرة من الشرب، وأراد به ماء ريقها، ويجدن بكسر الجيم، وروي بضمها في هذا البيت، قال ابن جني في "شرح تصريف المازني": وأما قول الشاعر: لا يجدنَ غليلًا، فشاذ والضمة عارضة، ولذلك حذفت الفاء كما حذفت الفاء كما حذفت في يقع ويزعُ، وإن كانت الفتحة هناك، لأن الكسر هو الأصل، وإنما الفتح عارض. انتهى. ونقل أبو حيان من "نوادر القالي" في تذكرته أن العرب تقول: "يجد" إلا

стр. 1713

بني عامر، فإنهم يرفعون الجيم، أنشد بعضهم: لا يجدن غليلًا. البيت، وبعض تميم يقول: هو يجد بصاحبه وفي الجزم: لم أجد بك، ولم أجد بك، أنشدني بعضهم: فوَ اللهِ لولا بغضهمْ ما سببتكمْ ... ولكنني لمْ أجدِ منْ سبكمْ بدا انتهى. والجيم في أمثلته ساكنة، والدال في الجزم مكسورة ومفتوحة. وقد بسطنا الكلام على هذه الكلمة في الشاهد الواحد والعشرين من شواهد "شرح الشافية" للرضي وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر. وأنشد بعده: لولا رجاؤكَ قدْ قتلتُ أولادي على أن جواب لولا أيضا قد اقترن بقد، وهو غريب أيضًا، وهو من قصيدة لجرير تقدم شرحه مع أبيات منها في الإنشاد الثالث والتسعين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد الأربعمائة: (٤٣٩) قالتْ سلامةُ لمْ يكنْ لكَ عادةٌ ... أنْ تتركَ الأعداءَ حتى تعذرا لوْ كانَ قتلٌ يا سلامُ فراحةٌ ... لكنْ فررتُ مخافةً أنْ أوسرا على أن جواب لو هنا قد جاء مقترنًا بالفاء مع حذف المبتدأ تقديره: فهو راحة، كذا استدل به ابن مالك على ما حكاه أبو حيان وناظر الجيش في شرحيهما على "التسهيل" عن ابن المصنف، قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين: انفردت لو بلزوم كزن جوابها في الغالب مضارعًا مجزومًا بلم، أو ماضيًا مثبتًا، أو منفيًا بما، وقوله: "في الغالب": احتراز من مجيء جواب لو جملة اسمية مصدرة باللام، كقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ) (البقرة/ ١٠٣) وبالفاء كما أنشده الشيخ من قول الشاعر: قالتْ سلامةُ لمْ يكنْ لكَ عادةٌ .. البيتين.

стр. 1714

فحمل ما بعد الفاء على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهو راحة، والجملة جواب للو، وجاز أن تجاب بجملة اسمية مقرونة بالفاء تشبيهًا بإن، ويجوز عندي أن يكون بعد الفاء معطوفًا على فاعل كان، وجواب لو محذوف تقديره: لو كان قتل فراحة لثبت، كما حذف في مواضع كثرة. انتهى، وهو كلام والده في "شرح الكافية" ألا تصدر جملة الجواب بالفاء، والبيتين، كأنه ذكر ذلك في غير الشرح المذكور، لأنه ذكر أن البيتين من إنشاداته. انتهى كلام ناظر الجيش، ولم أر ما نقلاه عنه في فصل "لو" من شرحه لألفية والده، والله أعلم. والبيتان لعدو الله ورسوله عامر بن الطفيل قاتله الله تعالى، وبعدهما: وسبقتُ قبلَ المقرفينَ فواريًا ... لبني فزارةَ دارعينَ وحسرا أصعدتهما في الجرَّ ثمَّ حدرتها ... في الوعر إذ منعوا الطريقَ الأعسرا وليتهمْ كتفيَّ وهيَ ملحةٌ ... تدعُ الهنابكَ والعجاج الأكدرا وهي خمسة أبيات لا غير، والرواية: "أن تترك الأصحاب حتى تعذرا" فإنه فز من الحرب، وترك أصحابه فيها فلامته على ذلك، فأجابها بما ذكره، وليسن الرواية "أن تترك الأعداء" كما وقع في المتن. وتبعه في ترك الأصحاب الحارث بن هشام لما فر يوم قبل إسلامه، وترك أصحابه المشركين، فقال يعتذر من فراره: اللهُ يعلمُ ما تركتُ قتالهمْ ... حتى علوا فرسي بأحمر مزبدِ وعلمتُ أنيِ إنْ أقاتلْ واحدًا ... أقتلْ ولا يضررْ عدوي مشهدي فصدفتُ عنهمْ والأحبةُ فيهمُ ... طمعًا لهم بعقاب يومٍ مفسدِ وقوله: حتى تعذرا، قال جامع ديوانه: أي: حتى تبلغ عذرًا، قال عروة بن الورد: ومبلغُ نفسٍ عذرها مثلُ منجحِ انتهى. يريد أنه من أعذر الرجل إذا أتى بعذر بالضم، وهو الشيء الذي يرتفع به اللوم، وقوله: لم تكن لك عادة. الراوية: تكن بالمثناة الفوقية، ورفع عادة على أنه

стр. 1715

اسمها، "ولك" كان في الأصل صفتها، فلما قدم صار حالًا منها، وأن تترك الأصحاب: في تأويل مصدر منصوب خبر تكن، ويجوز الإخبار بالمعرفة عن النكرة في باب كان كما تقدم بيانه عند قوله: وربما فات قومًا حل أمرهم ... البيت، ويجوز أن يكون يكن بالمثناة التحتية، ونصب عادة أنه خبرها مقدمًا، وأن تترك الأصحاب: اسمها مؤخرًا، وتجويز الدماميني تقدير همزة الاستفهام مبني على ثبوت الأعداء موضع الأصحاب. وقوله: يا سلام، بفتح الميم مرخم سلامة، ويجوز ضمها، ومخافة: مفعول لأجله، وأن أوسرا بالبناء للمفعول مؤول مصدر مجرور بمن مضمرة، وقوله: وسبقت قبل المقرفين ... إلخ، والحسر: جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه. انتهى. وقوله: أصعدتها، الضمير للفوارس، قال جامع ديوانه: أصعدتها: جعلتها مصعدة، والجر: أصل الجبل قال الشاعر: هلاَّ صبرتمْ غداةَ الجرَّ من أحدٍ وهو بفتح الجيم، وتشديد الراء، والوعر: الخشن من الطريق. انتهي. وحدرتها: أنزلتها، والواو في منعوا ضمير الأعداء، والأيسر: السهل، والذي فيه يسر. يسر. وقوله: وليتهم كتفي، مثنى كتفت، أي: جعلت كتفي قريبة منهم، فكانوا أمامي، وكنت خلفهم لأحميهم، وضمير وليتهم، وهي كلاهما للفوارس، وتدع: تترك، قال جامع ديوانه: الهنابك الخبار من الأرض، وهي الرخوة والواحدة هنبكة. انتهى. اخبر أن الفوارس سلكزا الطريق الوعر، وتركوا الطريق السهل لئلا يلحقهم العدو، وملحة: اسم فاعل من الإلحاح، أراد أنها ملحة في السير غير متهاونة به، افتخر بحماية أعقاب المنهزمين إلى أن أوصلهم مأمنهم من الطريق الوعرة. وعامر بن الطفيل: فارس شاعر جاهلي من بني عامر وهو ابن عم لبيد الصحابي، وأتى النبي ﷺ ، وأسلم، فقال ﷺ : "اللهم اكفني عامرًا، واهد بني عامر" فانصرف وهو يقول: لأملأنها خيلًا جردًا، ورجالًا مردًا، ولأربطن بكل نخلة فرسًا. فطعن في طريقة فمات، وهو يقول: : غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية".

стр. 1716

" لولا " أنشد فيه، وهو الإنشاد الأربعون بعد الأربعمائة: (٤٤٠) يذيبُ الرعبُ منهُ كلَّ عضبٍ ... فلولا الغمدُ يمسكهُ لسالا على أن جماعة لحنوا المعري في ذكر "يمسكه" وكان الواجب حذفه، قال ابن مالك في "التوضيح" عند حديث: "لولا قومك حديثو عهد بكفر"، تضمن هذا الحديث ثبوت خبر المبتدأ بعد لولا وهو ممر خفي على النحويين، إلا الرماني والشجري، وقد يسرت لي في هذه المسألة زيادة على ما ذكراه، فأقول: إنَّ المبتدأ بعد لولا على ثلاثة أضرب: الأول: مخبر عنه بكون غير مقيد نحو: لولا زيد لزارنا عمرو، فمثل هذا يحذف خبره، لأن المعنى: لولا زيد على كل حال من أحواله، لزارنا عمرو، فلم تكن حال من أحواله أولى بالذكر من غيرها. الثاني: مخبر عنه بكون مقيد لا يدرك معناه إلا بذكره نحو: لولا زيد غائب لم أزرك، فخبر هذا النوع واجب الثبوت، لأن معناه يجهل عند حذفه، ومنه قوله ﷺ : "لولا" قومك حديثو عهد بكفر" فلو اقتصر في مثل هذا على المبتدأ لظن أن المراد: لولا قومك على كل حال من أحوالهم، لنقضت الكعبة، وهو خلاف المقصود، لأن من أحوالهم بعد عهدهم بالكفر فيما يستقبل، وتلك الحال لا تمنع من نقض الكعبة، الثالث: وهو المخبر عنه بكون مقيد يدرك معناه عند حذف، كقولك: لولا أخو زيد ينصره، لغلب، فيجوز في مثل هذا إثبات الخبر وحذفه، لأن فيه شبهًا بلولا زيد لزارنا عمرو، وشبهًا بلولا زيد غائب، ولم أزرك، فجاز فيها

стр. 1717

ما وجب فيهما من الحذف والثبوت، ومن هذا النوع قول المعري في وصف سيف: فلولا الغمدُ يمكسهُ لسالا وقد خطأه بعض النحويين. انتهى كلامه باختصار بعض الأمثلة. وقال أبو حيان في "التذكرة": لا ينبغي أن يلحن المعري، ففي الحديث: "لولا قومك حديث عهدهم بكفر، لأقمت البيت على قواعد إبراهيم" ويمكن تخريج بيت المعري على الحال وإن كان أبو الحسن قد منع من ذلك قياسًا على الخبر، لأن الحال ضرب من الخبر، ووجدت فيما علقته عن الأستاذ على "الكتاب" أن خبر مبتدأ لولا إنما يحذف إذا كان موجودًا أو ما في معناه، وأجاز: لولا زيد ضاحك لكان كذا، ولولا زيد آكل أو يأكل، وكذلك ما كان في معناه، وعلى ذلك حمل الحديث المتقدم وقال في قول المعري: إنَّ لفظة "يمسكه" تدل على معاناة الإمساك ومعالجته، فهو أقوى فيما قصده من حذفه وذكر دريودىفي كتابة في غير موضع منه أن إثباته جائز، والجيد إضمار الخبر. انتهى. وما ذهب إلى جوازه عالم لا ينبغي أن يقال فيه لحن، مع أنه ليس في كلام سيبويه نص صريح بالتزامهم حذف هذا الخبر، وذكر صاحب "الترشيح" أنه يجوز إظهاره عند قوم، وعلى كل حال، فحذفه أكثر، وغيره قليل، ويقطع بصحة الحال بعده ما حكاه الكسائي من قولهم: لولا رأسك مدهونًا، استدل بلك على أن المرفوع بعدها فاعل بفعل مضمر: فلولا سلاحي عندَ ذاكَ وغلمتي ... لكانَ لهمْ يومٌ منَ الشرٌ أيومُ

стр. 1718

وتأوله ابن الدهان على أنه متعلق بما في سلاحي من معنى الشدة، وذلك عندي تعسف. انتهى كلام أبي حيان وقال في "الارتشاف": وتأوله بعضهم على إضمار "أن" التقدير: أن يمسكه، وأعربه بدلًا، أي: إمساكه. والبيت من قصيدة طويلة للمعري مدح بها سعيد بن شريف بن علي بن حمدان العدوي، وقبله: فإنْ عشقتْ صوارمكَ الهوادي ... فما عدمتْ لمنْ تهوى اتصالا ولولا ما بسيفكَ من نحولٍ ... لقلنا أظهر الكمد انتحالا إلى أن قال بعد خمسة أبيات: إذا بصرَ الميرُ وقدْ نضاهُ ... بأعلى الجو ظنَّ عليه آلا ودبتْ فوقهُ حمرُ المنايا ... ولكنْ بعدَ ما مسختْ نمالا يذيبُ الرعبُ منهُ كل عضبٍ ... فلولا الغمدُ ما مسختْ نمالا يذيبُ الرعبُ منهُ كلَّ عضبٍ ... فلولا الغمدُ يمكسهُ لسالا ومن يكُ ذا خليلٍ غير سيفٍ ... يصادفْ في مودتهِ اختلالا قوله: فإن عشقت صوارمك ... إلخ. قال ابن السيد البطليوسي في شرحه: الصوارم: السيوف، والهوادي: الأعناق، يقول: إن كانت سيوفك تعشق رقاب الأعداء، فقد الأعداء، فقد بلغتها أملها مما عشقت، وأمكنتها من الذي أحبت، وهذا أحسن من قول أبي الطيب: رقتْ مضاربهُ فهنَّ كأنما ... يبدينَ منْ عشق الرقاب نحولا لأن لأ أبا الطيب لم يذكر أنها بلغت من معشوقها بغية. وقوله: ولولا ما بسيفك .. إلخ قال: الكمد: الحزن مع تغير الوجه، فجعل السيف لما عليه من أثر الدم المغير للونه، المذهب لرونقه وصقله كأنه (ذو) كم، والدم يحيل رونق السيف. يقول: لولا أن نحول سيفك قد دلنا على أنه عاشق للرقاب، لحسبنا أنه يظهر من الكمد غير ما يجن،

стр. 1719

ويبدي من الأيف خلاف ما يبطن، فإن قيل: كان يجب أن لا يصفه بنحول ولا اكتئاب حين وصفه بمواصلة الرقاب! فالجواب: أنه قد يكون العاشق عند ذلك أحرص عليه وأشد صبابة إليه، كما قال ابن الرومي: أعانقها والنفسُ بعدُ مشوقةٌ ... إلأيها وهلْ بعدَ العناقِ تداني وألثمُ فاها كيْ تموتَ حرارتي ... فيشتدُّ ما ألقى من الهيمان وقوله: إذا بصر الأمير .. إلخ، قال: يقال نضوت السيف، وانتضيته: إذا سللته، والجو: ما بين السماء والأرض، والآل: السراب، شبه به ماء السيف الذي يرى عليه وهو من التشبيه البديع، لأن السراب شيء لا يتحصل كما أن ما يرى على السيف من الماء شيء لا حقيقة له. وقوله: ودبت فوقه ... إلخ، قال: العرب تشبه فرند السيف وما عليه من الوشي بآثار النمل، فجعل أبو العلاء تلك الآثار آثار المنايا، ووصف أنها دبت فيها لتصل إلى الأرواح، وقوله: يذيب الرعب .. إلخ، أذابه: أسأله، والرعب: الخوف، والغضب: السيف القاطع، والرعب فاعل، وكل مفعول. والمعري: هو أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي، ولد بمعرة النعمان بين حلب ودمشق سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وذهب بصره بعلة الجدري سنة سبع وستين، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، ورحل إلى بغداد سنة ثمان وتسعين، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى بلده، فأقام، ولزم منزله إلى أن مات يوم الجمعة الثاني من ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وكان غزير الفضل، شائع الذكر، وافر العلم، غاية في الفهم، عالمًا باللغة، حاذقًا بالنحو، جيد الشعر، جزل الكلام، واختلف في اعتقاده، فقيل: إنه من خلص الموحدين، وقيل: إنه رأس الملحدين. والله أعلم به.

стр. 1720

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد الأربعمائة: (٤٤١) فو الله لولا الله تخشى عواقبهْ ... لزعزعَ من هذا السرير جوانبهْ على أن الكلام فيه ما تقدم في بيت المعري من التوجيهات الثلاثة، قال السيوطي في ترجمة عمر بن الخطاب من "تاريخ الخلفاء": روينا من غير وجه أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج ذات ليلة يطوف في المدينة، وكان يفعل ذلك كثيرًا، إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقًا عليها بابها، وهي تقول: تطاولَ هذا الليلُ تسرى كواكبهْ ... وأرقني إذ لا ضجيعَ ألا عبهْ فو اللهِ لولا الله تخشى عواقبهْ ... لزعزع منْ هذا السرير جوانبهْ ولكنَّني أخشي رقيبًا موكلًا ... بأنفسنا لا يفترُ الدهرَ كاتبهْ مخافةَ ربي والحياءُ يصدني ... وأكرم بعلي أنْ تنال مراكبهْ فكتب إلى عماله بالغزو أن لا يحسبوا أحدًا أكثر من أربعة أشهر. انتهى.
следующие страницы →