← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

" لولا " أنشد فيه، وهو الإنشاد الأربعون بعد الأربعمائة: (٤٤٠) يذيبُ الرعبُ منهُ كلَّ عضبٍ ... فلولا الغمدُ يمسكهُ لسالا على أن جماعة لحنوا المعري في ذكر "يمسكه" وكان الواجب حذفه، قال ابن مالك في "التوضيح" عند حديث: "لولا قومك حديثو عهد بكفر"، تضمن هذا الحديث ثبوت خبر المبتدأ بعد لولا وهو ممر خفي على النحويين، إلا الرماني والشجري، وقد يسرت لي في هذه المسألة زيادة على ما ذكراه، فأقول: إنَّ المبتدأ بعد لولا على ثلاثة أضرب: الأول: مخبر عنه بكون غير مقيد نحو: لولا زيد لزارنا عمرو، فمثل هذا يحذف خبره، لأن المعنى: لولا زيد على كل حال من أحواله، لزارنا عمرو، فلم تكن حال من أحواله أولى بالذكر من غيرها. الثاني: مخبر عنه بكون مقيد لا يدرك معناه إلا بذكره نحو: لولا زيد غائب لم أزرك، فخبر هذا النوع واجب الثبوت، لأن معناه يجهل عند حذفه، ومنه قوله ﷺ : "لولا" قومك حديثو عهد بكفر" فلو اقتصر في مثل هذا على المبتدأ لظن أن المراد: لولا قومك على كل حال من أحوالهم، لنقضت الكعبة، وهو خلاف المقصود، لأن من أحوالهم بعد عهدهم بالكفر فيما يستقبل، وتلك الحال لا تمنع من نقض الكعبة، الثالث: وهو المخبر عنه بكون مقيد يدرك معناه عند حذف، كقولك: لولا أخو زيد ينصره، لغلب، فيجوز في مثل هذا إثبات الخبر وحذفه، لأن فيه شبهًا بلولا زيد لزارنا عمرو، وشبهًا بلولا زيد غائب، ولم أزرك، فجاز فيها

стр. 1717

ما وجب فيهما من الحذف والثبوت، ومن هذا النوع قول المعري في وصف سيف: فلولا الغمدُ يمكسهُ لسالا وقد خطأه بعض النحويين. انتهى كلامه باختصار بعض الأمثلة. وقال أبو حيان في "التذكرة": لا ينبغي أن يلحن المعري، ففي الحديث: "لولا قومك حديث عهدهم بكفر، لأقمت البيت على قواعد إبراهيم" ويمكن تخريج بيت المعري على الحال وإن كان أبو الحسن قد منع من ذلك قياسًا على الخبر، لأن الحال ضرب من الخبر، ووجدت فيما علقته عن الأستاذ على "الكتاب" أن خبر مبتدأ لولا إنما يحذف إذا كان موجودًا أو ما في معناه، وأجاز: لولا زيد ضاحك لكان كذا، ولولا زيد آكل أو يأكل، وكذلك ما كان في معناه، وعلى ذلك حمل الحديث المتقدم وقال في قول المعري: إنَّ لفظة "يمسكه" تدل على معاناة الإمساك ومعالجته، فهو أقوى فيما قصده من حذفه وذكر دريودىفي كتابة في غير موضع منه أن إثباته جائز، والجيد إضمار الخبر. انتهى. وما ذهب إلى جوازه عالم لا ينبغي أن يقال فيه لحن، مع أنه ليس في كلام سيبويه نص صريح بالتزامهم حذف هذا الخبر، وذكر صاحب "الترشيح" أنه يجوز إظهاره عند قوم، وعلى كل حال، فحذفه أكثر، وغيره قليل، ويقطع بصحة الحال بعده ما حكاه الكسائي من قولهم: لولا رأسك مدهونًا، استدل بلك على أن المرفوع بعدها فاعل بفعل مضمر: فلولا سلاحي عندَ ذاكَ وغلمتي ... لكانَ لهمْ يومٌ منَ الشرٌ أيومُ

стр. 1718

وتأوله ابن الدهان على أنه متعلق بما في سلاحي من معنى الشدة، وذلك عندي تعسف. انتهى كلام أبي حيان وقال في "الارتشاف": وتأوله بعضهم على إضمار "أن" التقدير: أن يمسكه، وأعربه بدلًا، أي: إمساكه. والبيت من قصيدة طويلة للمعري مدح بها سعيد بن شريف بن علي بن حمدان العدوي، وقبله: فإنْ عشقتْ صوارمكَ الهوادي ... فما عدمتْ لمنْ تهوى اتصالا ولولا ما بسيفكَ من نحولٍ ... لقلنا أظهر الكمد انتحالا إلى أن قال بعد خمسة أبيات: إذا بصرَ الميرُ وقدْ نضاهُ ... بأعلى الجو ظنَّ عليه آلا ودبتْ فوقهُ حمرُ المنايا ... ولكنْ بعدَ ما مسختْ نمالا يذيبُ الرعبُ منهُ كل عضبٍ ... فلولا الغمدُ ما مسختْ نمالا يذيبُ الرعبُ منهُ كلَّ عضبٍ ... فلولا الغمدُ يمكسهُ لسالا ومن يكُ ذا خليلٍ غير سيفٍ ... يصادفْ في مودتهِ اختلالا قوله: فإن عشقت صوارمك ... إلخ. قال ابن السيد البطليوسي في شرحه: الصوارم: السيوف، والهوادي: الأعناق، يقول: إن كانت سيوفك تعشق رقاب الأعداء، فقد الأعداء، فقد بلغتها أملها مما عشقت، وأمكنتها من الذي أحبت، وهذا أحسن من قول أبي الطيب: رقتْ مضاربهُ فهنَّ كأنما ... يبدينَ منْ عشق الرقاب نحولا لأن لأ أبا الطيب لم يذكر أنها بلغت من معشوقها بغية. وقوله: ولولا ما بسيفك .. إلخ قال: الكمد: الحزن مع تغير الوجه، فجعل السيف لما عليه من أثر الدم المغير للونه، المذهب لرونقه وصقله كأنه (ذو) كم، والدم يحيل رونق السيف. يقول: لولا أن نحول سيفك قد دلنا على أنه عاشق للرقاب، لحسبنا أنه يظهر من الكمد غير ما يجن،

стр. 1719

ويبدي من الأيف خلاف ما يبطن، فإن قيل: كان يجب أن لا يصفه بنحول ولا اكتئاب حين وصفه بمواصلة الرقاب! فالجواب: أنه قد يكون العاشق عند ذلك أحرص عليه وأشد صبابة إليه، كما قال ابن الرومي: أعانقها والنفسُ بعدُ مشوقةٌ ... إلأيها وهلْ بعدَ العناقِ تداني وألثمُ فاها كيْ تموتَ حرارتي ... فيشتدُّ ما ألقى من الهيمان وقوله: إذا بصر الأمير .. إلخ، قال: يقال نضوت السيف، وانتضيته: إذا سللته، والجو: ما بين السماء والأرض، والآل: السراب، شبه به ماء السيف الذي يرى عليه وهو من التشبيه البديع، لأن السراب شيء لا يتحصل كما أن ما يرى على السيف من الماء شيء لا حقيقة له. وقوله: ودبت فوقه ... إلخ، قال: العرب تشبه فرند السيف وما عليه من الوشي بآثار النمل، فجعل أبو العلاء تلك الآثار آثار المنايا، ووصف أنها دبت فيها لتصل إلى الأرواح، وقوله: يذيب الرعب .. إلخ، أذابه: أسأله، والرعب: الخوف، والغضب: السيف القاطع، والرعب فاعل، وكل مفعول. والمعري: هو أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي، ولد بمعرة النعمان بين حلب ودمشق سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وذهب بصره بعلة الجدري سنة سبع وستين، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، ورحل إلى بغداد سنة ثمان وتسعين، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى بلده، فأقام، ولزم منزله إلى أن مات يوم الجمعة الثاني من ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وكان غزير الفضل، شائع الذكر، وافر العلم، غاية في الفهم، عالمًا باللغة، حاذقًا بالنحو، جيد الشعر، جزل الكلام، واختلف في اعتقاده، فقيل: إنه من خلص الموحدين، وقيل: إنه رأس الملحدين. والله أعلم به.

стр. 1720

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد الأربعمائة: (٤٤١) فو الله لولا الله تخشى عواقبهْ ... لزعزعَ من هذا السرير جوانبهْ على أن الكلام فيه ما تقدم في بيت المعري من التوجيهات الثلاثة، قال السيوطي في ترجمة عمر بن الخطاب من "تاريخ الخلفاء": روينا من غير وجه أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج ذات ليلة يطوف في المدينة، وكان يفعل ذلك كثيرًا، إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقًا عليها بابها، وهي تقول: تطاولَ هذا الليلُ تسرى كواكبهْ ... وأرقني إذ لا ضجيعَ ألا عبهْ فو اللهِ لولا الله تخشى عواقبهْ ... لزعزع منْ هذا السرير جوانبهْ ولكنَّني أخشي رقيبًا موكلًا ... بأنفسنا لا يفترُ الدهرَ كاتبهْ مخافةَ ربي والحياءُ يصدني ... وأكرم بعلي أنْ تنال مراكبهْ فكتب إلى عماله بالغزو أن لا يحسبوا أحدًا أكثر من أربعة أشهر. انتهى.

стр. 1721

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد الأربعمائة: (٤٤٢) تعدونَ عقرَ النيبِ أفضلَ مجدكمْ ... بني ضوطرى لولا الكميَّ المقنعا على أن الفعل بعد لولا محذوف، والتقدير: لولا عددتم، لا: لولا تعدون لما ذكره، وفيه نظر، لأن قرينة المحذوف مضارع، فقدروا المحذوف مضارعًا ليطابق قرينه، فإذا أريد بالمذكور حكاية الحال كان المراد بالمقدر كذلك، وممن قدره مضارعًا المبرد، قال في "الكامل": "لولا" هذه لا يليها إلا الفعل لأنها للأمر والتخضيض مظهرًا أو مضمرًا، كما قال: "تعدون عقر النيب .. البيت." أي: هلا تعدون الكمي المقنع، وتعدون بمعنى تحسبون يتعدى إلى مفعولين، فعقر النيب: المفعول الأول، وأفضل مجدكم: المفعول الثاني، والكمي مفعول تعدون المضمر بتقدير مضاف، والمفعول الثاني محذوف أيضًا بقرينة المتقدم، والأصل: لولا تعدون عقر الكمي المقنع أفضل مجدكم، ففيه حذف ثلاثة مضافات، وإنما قدر عقر، ولم تجعل الكمي مفعولًا، لأن معنى البيت ليس الفخر في عقر النوق والجمال، إنما الفخر بقتل الشجعان والأبطال. وقال ابن الشجري: أراد لولا تعدون الكمي، أي: ليس فيكم كمي، فتعدوه. انتهى. فيكون المعنى عنده: هلا تعدون الكمي المقنع منكم، فأنتم جبناء لا كماة فيكم، وهذا وإن كان في نفسه معنى صحيحًا إلا أنه ليس بمراد أصالة، وإنما المراد: أنتم إنما تقدرون على قتل البهائم، ولا تقدرون على قتل الرجال، وما قال لازم ما ذكرناه، لأن من لا يقدر على قتل الرجال يلزم أن لا يكون شجعيًا، وقال أبو علي في كتاب "الشعر": الناصب للكمي هو الفعل المراد بعد لولا، وتقديره: لولا تلون الكمي، أو تبارزون، أو نحو ذلك، إلا أن الفعل حذف لدلالتها عليه.

стр. 1722

هذا كلامه. وهذا عندي أحسن مما تقدم، وأبلغ أما حسنه، فقلة الحذف فيه، وأما كونه أبلغ، فلأن معناه: إنكم تظنون عقر الإبل أفضل مجدكم، ولا تقدرون على مبارزة كمي فضلًا عن قتله. والعقر: مصدر عقر الناقة بالسيف من باب ضرب: إذا ضرب قوائمها به، هذا موضوع الكلمة، وربما قيل: عقر البعير بمعنى: نحره، والنيب: جمع ناب، وهي الناقة المسنة، والمجد: الشرف، وبني ضوطرى: منادى بإضمار يا. قال شارح ديوان جرير: ضوطرى: لقب مجاشع جد الفرزدق، وهو العبد الكثير اللحم، ويقال فيه: ضواطر أيضًا بلا ألف، قال جرير في هجو الفرزدق أيضًا: وما نوخوها قينكمْ آلَ ضواطرٍ ... لألأمَ منْ يحذيَ على قدمٍ نعلًا أراد: لم ينزلوا المرأة في منزل الفرزدق كما تناخ الناقة، ويقال: ضاطر أيضًا. قال جرير في هجوه أيضًا: وجدَ الزبيرُ بذي السباع مجاشعًا ... للحيثلوطِ ونزوةً منْ ضاطرِ قال شارحه: أراد وادي السباع، وبه قتل الزبير، والحيثلوط: العبد الحسيس، وضاطر: عبد كثير اللحم نسبهم إليه، والكمي: الشجاع المتكمي في سلاحه، لأنه ككمى نفسه، أي: سترها بالدرع والبيضة، قال الجوهري: وجمعه كماة، قال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل": الذي على رأسه المغفر والبيضة، والمعنى: إنكم تفخرون بذبح الإبل المسنة التي لا ينتفع بلبنها ولا يرجى نسلها، ولا تقدرون على مبارزة الأقران، ومقارعة الشجعان، يرميهم بالجبن والخور. والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الفرزدق، وحكاية عقر الإبل مشهورة في كتب التواريخ محصلها أن أهل الكوفة أصابتهم مجاعة، فخرج أكثر الناس إلى البوادي، وكان غالب أبو الفرزدق رئيس قومه، وكان سحيم بن وثيل الرياحي رئيس قومه، فاجتمعوا في أطراف السماوة من بلاد كلب على مسيرة يوم من

стр. 1723

الكوفة، فعقر غالب لأهله ناقة صنع منها طعامًا، وأهدى إلى قوم من تميم جفانًا وأهدى إلى سحيم جفنة، فكفأها، وضرب الذي أتى بها، وقال: أنا مفتقر إلى طعام غالب؟ ! ونحر سحيم لأهله ناقة، فلما كان من الغد، نحر غالب لأهله ناقتين، ونحر سحيم ناقتين، وفي اليوم الثالث نحر غالب ثلاثًا، فنحر سحيم ثلاثًا، فلما كان اليوم الرابع، نحر غالب مائة ناقة، ولم يكن لسحيم هذا القدر، فلم يعقر شيئًا، ولما انقضت المجاعة، دخل الناس الكوفة. قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدهر هلا نحرت مثل ما نحر غالب، وكنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين، فاعتذر أن إبله كانت غائبة نحو ثلاثمائة ناقة، وكان في خلافة علي بن أبي طالب ﵁، فمنع الناس من أكلها، وقال: إنها مما أهل لغير الله، ولم يكت الغرض منه إلا المفارخة والمباهاة، فجمعت لحومها على كناسة الكوفة، فأكلها الكلاب والعقبان والرخم، وقد أورد القالي هذه الحكاية في "ذيل أماليه" بأبسط مما ذكرنا، وأورد ما قيل فيها من الأشعاؤ، وما مدح به غالب، وهجي به سحيم. وكان السبب في هجو جرير الفرزدق بالقصيدة التي منها البيت الشاهد أن الفرظدق كان قد تزوجت حدراء الشيبانية، وكان أبوها نصرانيًا، وهي من ولد قيس بن بسطام، وماتت قبل أن يصل إليها الفرزدق، وقد ساق إليها المهر، فترك المهر لأهلها وانصرف وكان جرير عاب عليه في تزوجها فقال الفرزدق في ذلك: يقولونَ زرْ حدراءَ والتربُ دونها ... وكيفَ بشيءٍ قدْ تقطعا يقولُ ابنُ خنزيرٍ بكيتَ ولم تكنْ ... على امرأةٍ عيني إخالُ لتدمعا وأهونَ رزءٍ لامرئٍ غيرِ عاجزٍ ... رزيةُ مرتجَّ الروادفِ أفرعا وما ماتَ عندَ ابنِ المراغةِ مثلها ... ولا تبعتهُ ظاعنًا حيثُ دعدعا فأجابة جرير بقصيدة منها:

стр. 1724

وحدْ راءُ لوْ لمْ ينجها اللهُ برزتْ ... إلى شرَّ ذي حرثٍ دمالًا ومزرعا إلة أن قال: تعدونَ عقرَ النيب أفضل سعيكم ... بني ضوطرى هلاَّ الكميَّ المقنعا كذا في رواية "منتهى الطلب، من أشعار العرب" والقصيدتان مذكورتان فيه. وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد الأربعمائة: (٤٤٣) عافٍ تغيرَ إلا النؤيُ والوتدُ على أنه رفع ما بعد إلا وكان القياس نصبه لأنه بعد موجب تام، وإنما رفع، لأن تغير في معنى لم يبق على حاله، وهذا يطلب فاعلًا، فرفع ما بعد إلا على الفاعلية بطريق الاستثناء المفرغ. وهو من قصيدة للأخطل النصراني، مدح بها عبد الله بن معاوية بن أبي سفيان، وأخاه يزيد بن معاوية، ومطلعها: حلتْ صبيرةُ أمواهَ العدادِ وقدْ ... كانتْ تحلُّ وأدنى دارها ثكدُ وأقفرَ اليوم ممنْ حلةُ الثمدُ ... فالشعبتانِ فذاك الأبرق الفردُ وبالصريمةِ منها منزلٌ خلقٌ ... عافٍ تغيرَ إلاَّ النؤيُ والوتدُ حلتْ: نزلت، وصبيرة، بضم الصاد المهملة، وروي بالمعجمة أيضًا، وفتح الموحدة: اسم امرأة، وأمواه: جمع ماء، وأدنى: أقرب، وثكد، بضم المثلثة والكاف: اسم ماء معروف، والعداد جمع عد، بكسر العين المهملة: وهو القليب الذي له مادة من الأرض، والثمد بفتحتين: قليب يجتمع فيه ماء السماء يشرب منه الناس شهرين من الصيف، فإذا دخل الصيف، انقطع، فهو الثمد، وجمعه ثماد والشعبتان، بالضم: موضع، مثنى شعبة، والأبرق: الجبل مخلوط برمل، وهي البرقة

стр. 1725

بالضم، وكل شيء مخلوط بشيء فقد برق، والفرد بفتحتين: هو الفرد بسكون الراء، يقال: فرد وفرد، وواحد ووحد، والصريمة: الرملة المتقطعة. جميع ما ذكر كلام السكري في شرح ديوانه. وخلق بفتحتين: بال، وعافٍ، من عفا المنزل: إذا درس، وذهب أثره، والنؤي بضم النون، وسكون الهمزة فياء: حفيرة تحفر حول الخباء والخيمة لئلا يدخل المطر، وجمعه نئي، بضم النون وكسر الهمزة وتشديد الياء. وبالصريمة الجار والمجرور: خبر مقدم، ومنزل مبتدأ مؤخر، ومنهم: حال من منزل، وقيل: من فاعل تغير، وخلق وعاف صفتان لمنزل، وكذا جملة تغير. وترجمة الأخطل تقدمت في الإنشاد السابع والأربعين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد الأربعمائة: (٤٤٤) ألا زعمتْ أسماءُ أنْ لا أحبها ... فقلتُ بلى لولا ينازعني شغلي قال ابن مالك في "التسهيل" وقد يلي الفعل لولا غير مفهمةٍ تخصيصًا، فيؤول بلو لم، أو تجعل المختصة بالأسماء والفعل صلة لأن مقدرة وذلك كهذا البيت، فتكون في التأويل كلمتين لا كلمة مركبة من كلمتين، وعلى الوجهين لا بد من الجواب، و "لا" في الأول بمعنى "لم" وفي الثاني جزء كلمة وقدر "أن" في الوجه الثاني حتى يؤول منها ومن الفعل اسم، فإن لولا الامتناعية لا يليها إلا الاسم، وظاهر كلام الإمام المرزوقي هنا جواز أن يليها الفعل من غير تقدير "أن" فإنه قال: ولولا يدخل لامتناع الشيء لوجود غيره وهو يربط جملة من مبتدأ وخبر بجملة نمن فعل وفاعل إلا أن خبر المبتدأ يحذف تخفيفًا، ويكتفي بجواب "لولا" عنه، وقد يؤتي بالفعل

стр. 1726

والفاعل بدلًا من المبتدأ والخبر، وهذا كما نحن فيه، ألا ترى أنه قال: لولا ينازعني شغلي. انتهى. والبيت مطلع قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، وبعده: جزيتكِ ضعفَ الودَ لما استثبته ... وما إن جزاكِ الضعف من احدٍ قبلي واستثبته: طلبت ثوابه، والثواب: الجزاء، قال المزروقي: زعمت زعمًا وزعمًا، ويستعمل فيما يرتاب به ولا يحقق، ويتعدى إلى مفعولين و "أن لا أحبها" قد سد مسدهما، و "أن" هذه مخففة من الثقيلة أراد أني لا أحبها، أو أن الأمر والحديث لا أحبها، كأنه استزادت زيارته لها، وتوفره عليها، واستقصرت تهالكه فيها، وشغفة بها، وادعت عليها أنه قد حال عن العهد، وتحول متراجعًا في درجات الود، فقال مجيبًا لها، ومبطلًا لدعواها: بل أحبك وأرى من المثابرة عليك، والسعي في تحصيل بعض المراد بالنيل منك ما هو الهوى، والمنى لولا الشغل المنازع والعائق المانع وجواب "لولا" في قوله: بلي، وقد تقدم، والتقدير: لولا مجاذبة الشغل الذي أنا بصدده، لقمت فيك مقام المحب، فإني أحبك، ومثل هذا في تقدم الجواب، وكون الفعل والفاعل مكان المبتدأ والخبر قول لآخر: لا درّ إني قدْ رميتهمُ ... لولا حددتُ ولا عذرىَ لمحدودِ وذكر بعضهم أن جواب "لولا" فيما بعده وهو قوله: جزيتكِ ضعف الود .. ويروى: اشتكيته بدل استثبته، وحكى عن الأصمعي أنه قال: لك يصبْ في قوله: ضعف الود، وتوسط ما بين الأصمعي وأبي ذؤيب يقتضي قولًا مبسوطًا، وأنا أذكر ما يحسن ههنا، والله ولي التوفيق.

стр. 1727

اعلم أن الضعف في اللغة: المثل تضاعفت به الشيء، ويكون الشيء المضاعف أيضًا، قال الخليل: يقال أضعفت الشيء، وضعفته وضاعفته: إذا جعلته مثلين أو أكثر، ويقال: ضعفته، بالتخفيف في هذا المعنى، فهو مضعوف ضعفًا، قال لبيد: وعالينَ مضعوفًا وفردًا سموطهُ ... جمانٌ ومرجانٌ يشلٌ المفاصلا فقد تبين من كلامه لما قال: وفردًا، أن المضعوف: ما جعل معه مثله، فنى، وأضعف به، وإذا كان الأمر على هذا، فالضعف بالفتح: المصدر، والضعف بالكسر: المثل الذي تضاعف به غيره، وغذا ثبت هذا صح أن يسمى الأول الذي ضم إليه مثله فيضاعفه: ضعفًا، كما سمي المثل الذي أضعف هو به ضعفًا، لاشتراكهما في أن كلا منهما مثل للأخر، وقد تضاعفت به، وهذا كما تقول تنيت الشيء تثنيته، وتثنيته ثنيًا بالتخفيف والفتح: إذا جعلت معه ثانيًا، ثم تسمي ما ثني الأول به ثنيًا بالكسر، والأول الذي تثني به أيضًا، وعلى هذا قولهم في أسماء العدد: واحد واثنان، لأن الواحد هو الذي لا ثاني له، فلما جعل له ثان تثنى به خرج من أن يكون واحدًا، فسمي الثاني ثنيًا لتثني الأول به، والول أيضًا ثنيًا لاشتراكهما في أن تثني كل منهما بصاحبه، فقيل: اثنان، والأصل ثنيان، وقال طرفة: لعمركَ إنَّ الموتَ ما أخطأَ الفتى ... لكالطولِ المرخى وثنياه باليدِ فأتي به على أصله، وكما جاء الضعف بمعنى المضاعف جعلوا الثني بمعنى المثنى أيضًا، ومن الحجة في الضعف الذي بمعنى المثل سوى ما ذكرناه قول الله : (يضاعفْ لها العذابُ ضعفينِ) (الأحزاب/٣٠) أي: يجعل عذاب جرمها كعذابي جرمين، فيصير مثلي ما قوبل به جرم غيرها، والدليل على ذلك قوله تعالى: (نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) (الأحزاب /٣١) ألا ترى أنه لا يكون أن تعطى على

стр. 1728

الطاعة أجرين، وتعذب ثلاثة أعذبة، وهذا ما ذهب إليه أصحاب المعاني فيها، والحجة في أن الضعف يكون بمعمى المضاعف قول الله جل من قائل في موضع آخر: (فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ) (الأعراف/٣٨) أي: مضاعفًا، ألا ترى أنه لا يحسن أن تجعل المعنى عذابًا مثلًا، وإلى هذا ذهب أبو ذؤيب في قوله: "جزيتك ضعف الود"، أي: مضاعف الود، والمعنى: الود الذي ضوعف، فصار مثلي ود غيري، وإذا كان المر على ما ذكرناه، سلم كلامه من الطعن، ويكون الأصمعي عادلًا عن مراده، وذاهبًا في غير مذهبه، ولعمري أنه لو جعل الضعف بمعنى المثل، لوجب عليه أن يقول: ضعفي الود، ولكن أراد ما بيناه، على أن في قول أبي ذؤيب في عجز البيت: وما إنْ جزاكِ الضعفَ منْ أحدٍ قبلي فيه أكمل بيان أنه لم يرد بالضعف المثل، وإنما أراد المضاعف، فلا أدري كيف غفل الأصمعي عنه، أو كيف اجترأ على تخطئته قبل إنعام النظر. وقوله: من أحد في موضع رفع، وزيادة "من" للاستغراق، كما أن زيادة أن للتأكيد. إلى هنا كلام المرزوقي. وترجمة أبي ذؤيب تقدمت في الإنشاد الخامس من أول الكتاب.

стр. 1729

" لوما " أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد الأربعمائة: (٤٤٥) لوما الإصاخةُ للوشاةِ لكانَ لي ... تمامه: ... منْ بعدِ سخطكَ في رضاكَ رجاءُ على أنها هنا بمعنة "لولا" الامتناعية، والإصاخة: الاستماع، والواشي: النمام الذي يشي الكلام ويزوقه، ورجاء: اسم كان، ولي خبرها، وفي رضاكمتعلق برجاء، ومن متعلقة به أيضًا، يقول: لولا أنك تستمع بقبولٍ كلامَ الأعداء في، لكنت أرجو رضاك بعد غضبك علي. " لمْ " أنشد فيه، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد الأربعمائة: (٤٤٦) لولا فوارسُ من نعمٍ وأسرتهمْ ... يومَ الصليفاءِ لمْ يوفونَ بالجارِ على أن لم غير عاملة. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وقول المصنف: وقد لا يجزم بها حملًا على لا، أنشد الأخفش: لكن فوارسُ من جرمٍ وأسرتها ... البيت. فلم يجزم يوفون بلم، إذ قد ثبت النون، وظاهر كلامه جواز ذلك على قلة، وأنه لا يلتحق بالضرورة، وإنما أنشده الناس على أنه وقع ذلك في الشعر على سبيل

стр. 1730

الضرورة. وقوله أيضًا حملًا على "لا" ليس يجيد، لأن "لا" الغالب فيها أنها لا ينفي بها الماضي، ألا ترى أن قولك: لا قام زيد، قليل، وإنما ذكرو أن ذلك حملًا على كما، لأن "ما: ينفى بها الماضي كثيرًا. انتهى. وجرم: قبيلة، وروي بدله: ذهل، بضم المعجمة، وهو قبيلة أيضًا، ونعم بضم النون: اسم امرأة تحريف من ذهل، وفوارس: جمع فارس شاذ، وأسرتهم روي بالرفع عطفًا على فوارس، وبالجر عطفًا على جرم، وأسرة الرجل بالضم: رهطة، والصليفاء: مصغر الصلفاء، وهي الأرض الصلبة، ويوم الصلفاء يوم من أيام العرب، لكن الشاعر صغره، وهو يوم لهوازن على فزارة وعبس وأشجع، والواو في يوفون ضمير الذين هجاهم الشاعر، والجار: المستجبر والحليف، وفيه حذف مضاف، أي: لم يوفون بذمة الجار. والبيت مشهور في كتب النحو، ولم أقف على قائلة، ولا على تتمته، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد الأربعمائة: (٤٤٧) في أي يوميَّ منَ الموتِ أفرْ ... أيومَ لمْ يقدرَ أمْ يومَ قدرْ على أن اللحياني زعم أن النصب بلم لغة، وقيل: الأصل لم يقدرون، ثم حفت النون، قال ابن جني في أوائل باب الهمزة من "سر الصناعة" ذهبوا فيه إلى أنه اراد النون الخفيفة، ثم حذفها ضرورة، فبقي الراء مفتوحة، وأنكر بعض أصحابنا (هذا)، وقال: هذه النون لا تحذف إلا لسكون ما بعدها، ولا سكون ها هنا بعدها، والذي أراه أنا في هذا، وما علمت أحدًا من أصحابنا ولا غيرهم ذكره، ويشبه أن يكونوا لم يذكروه للطفه، وهو أن أصله: أيوم لم يقدر أم (يوم قدر) بسكون الراء للجزم، ثم إنها جاورت الهمزة المفتوحة والراء ساكنة، وقد أجرت العرب الحرف الساكن إذا جاور الحرف المتحرك مجرى المتحرك، وذلك قولهم فيما حكاه سيبويه: المراة والكماة، يريدون: المرأة والكمأة، ولكن الميم والراء لما كانتا ساكنتين، والهمزتان بعدهما مفتوحتان صارت الفتحتان اللتان في الهمزتين

стр. 1731

كأنهما في الراء والميم، وصارت الراء والميم كأنهما مفتوحتان، وصارت الهمزتان لما قدرت حركتاهما في غيرهما كأنهما ساكنتان، فصار التقدير فيهما مرأة وكمأة، ثم خففتا فأبدلت الهمزتان الأفين، لسكونهما وانفتاح ما قبلهما، فقالوا: مراة وكماة، كما قالوا: في رأس وفأس لما خففا: راس وفاس، وعلى هذا حمل أبو علي قول عبد يغوث: وتضحكُ مني شيخةٌ عبشميةٌ .. البيت. قال: جاء به على أن تقديره محققًا: كأن لم ترأ، م إن الراء لما جاورت وهي ساكنة الهمزة متحركة صارت الحركة كأنها في التقدير قبل الهمزة، واللفظ بها كأن لم ترا، ثم أبدل الهمزة ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها، فصارت ترا، فالألف على هذا التقدير بدل من الهمزة التي هي عين الفعل، واللام محذوفة للجزم على مذهب التحقيق وقول من قال: رأى يرأى، قال سراقة البارقي: أري عينيَّ ما لمْ تراياهُ ... البيت، وقد رواه أبو الحسن: ما لم ترياه على التخفيف الشائع عنهم في هذا الحرف، وقرأت على أبي علي في "نوادر أبي زيد": ألمْ ترَ مالا قيتُ والدهرُ أعصرٌ ... ومن يتمل العيش يرأ ويسمعُ كذا قرأته عليه تر مخففًا، ورواه غيره ترأ ما لاقيت، إلى هنا كلام ابن جني. وقد أعاده مختصرًا في باب إجراء المتصل مجرى المنفصل من كتاب "الخصائص" قال: كذا أنشده أبو زبد بفتح الراء، وقال: أراد النون الخفيفة فحذفها، وحذف نون التوكيد وغيرها من علاماته جارٍ عندنا مجرى إدغام الملحق في أنه نقض الغرض، إذا كان التوكيد من أماكن الإسهاب والإطناب، والحذف من مظان الاختصار والإيجار، لكن القول فيه عندي أنه أراد: (أ) يوم لم يقدر أم يوم قدر، ثم خفف همزة أم، فحذفها، وألقي حركتها على راء يقدر، فصار تقديره: (أيوم) لم يقدر ام (ثم أشبع فتحه الراء فصار تقديره: أيوم لم يقدر ام)، فحرك الألف لالتقاء الساكنين، فانقلبت همزة فصار تقديره يقدر أم، واختار الفتحة اتباعًا

стр. 1732

لفتحه الراء، وكنت ذاكرت الشيخ أبا على بهذا منذ بضع عشرة سنة، فقال: هذا إنما يجوز في المتصل، قلت: فأنت أبدًا تكرر ذكر إجرائهم المنفصل مجرى المتصل، فلم يزد شيئا، وقد ذكرت قديمًا هذا الموضع في كتابي في "سر صناعة الإعراب". انتهى. وهذا الرجز أنشده ابن الأعوابي في "نوادره" للحارث بن المنذر الجرمي، وأورد بعد ذلك: إنَّ أخواليَ منْ شقرةَ قدْ ... لبسوا لي عمسًا جلدَ النمرْ قال أبو محمد الأسود فيما كتبه على "نوادر ابن الأعرابي" وهو كتاب "ضالة الأديب": قد ترك أبو عبد الله بينهما بيتًا لا بدَّ منه وهو: يومَ لا يقدرُ لا أخشى الردىَ ... وإذا قدرَ لا يغني الحذرْ وهذا المقدار يوجد في ديوان علي بن أبي طالب ﵁، قال ابن عبد ربه في باب الحروب من "العقد الفريد": كان علي بن أبي طالب ﵁ يخرج كل يوم بصفين حتى يقف بين الصفين، ويقول: أي يومي من الموت أفرْ ... يوم لا يقدرُ أمْ يومَ قدرْ يومَ لا يقدرُ لا أرهبهُ ... ومن المقدور لا ينجي الحذرْ وكذا أورده أيضًا في باب فضائل الشعر من ذلك الكتاب، والظاهر أنه ﵁ كان يتمثل به، فإن رواته قد أجمعوا على أنه للحارث المذكور، وبعد قوله: إنَّ أخوالي من شقرة ... إلى آخره أربعة أبيات وهي: نحتوا أثلتنا بغيًا ولمْ ... يرهبوا غبَّ الوبالِ المستعمرْ فلئنْ طأطأتُ في قتلهمُ ... لتهاضنَّ عظامي عنْ عقرْ ولئنْ غادرتهمْ في ورطةٍ ... لأصيرنْ نهزةَ الذئب الفقر ولئن أعرضت عنهم بعد ما ... أوهنتني لتصيبني بقرْ وقوله: أي يومي بالنصب على الظرفية لأفر، ويروى في كتب النحو "في أي

стр. 1733

يومي" بزيادة في، وفي بعضها: "من أي يومي" بزيادة "من" وهي زيادة على وزن الشعر، وهي عادتهم يزيدون صدر البيت حرفًا أو حرفين أو ثلاثة أو أربعة، وفي أول العجز حرفًا أو حرفين فقط، وهو عنجهم جائز، واسمه الخزم، بمعجميتين، والبيت مخزوم. ويومي: مثنى حذفت نونه للإضافة إلى الياء، وقوله: يوم لا يقدر ظرف مضاف للجملة بعده، وهمزة الاستفهام محذوفة، يدل عليها أم وهي ثابتة في رواية من زاد في أوله في، وهي خارجة عن وزنه، وقوله: لا يقدر، هذه الرواية لا شاهد فيها، يقول: لا ينبغي ترك الحرب خوفًا من الموت، فإن يوم الحرب إن قدر فيه الموت، فالنجاة منه محال، وإن لم يقدر، فليس للوقوع فيه مجال. هذا معنى الأبيات الأربعة. وقال الدماميني: يعني أنه لا فرار من الموت، فإن كل يوم مت أيام الحي لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون اليوم الذي قدر فيه هلاكه، أو يكون اليوم الذي يقدر فيه موته، وفي كلا اليومين لا ينجيه الفرار من الموت، هذا كلامه، ومقتضاه لا بد من الموت في اليوم الذي لم يقدر فيه، وهو خلف من القول لا يصح، وعذره أنه لم يقف على البيتين بعد الأولين، وقوله: إن أخوالي من شقرة، بفتح الشين المعجمة، وسكون القاف، هو ابن ربيعة بن كعب بن سعد بن خبة بن أد، وعمسا: مصدر عمس كفرح: إذا اشتد، ولبس جلد النمر: مثل يضرب لإظهار العداوة وكشفها، ويقال أيضًا للرجل الذي يجد في الأمر: ليس جلد النمر. وقوله: نحتوا أثلتنا، الأثلة بسكون المثلثة/ الأصل، ونحتها: توهينها، قال صاحب "العباب": يقال: فرن ينحت أثلتنا: إذا قال في حسبه قبيحًا، قال الأعشى: ألستَ منتهيًا عنْ نحتِ أثلتنا ... ولستَ ضائرها ما أطتِ الإبل وغب الشيء بالكسر: عاقبته، والوبال: ثقل الشيء المكروه ووخامته، والمستعر: المتقد، وهو مطاوع سعرت النار، أي: أوقدتها، ويقال أيضًا أسعرتها

стр. 1734

وسعرتها تسعيرًا، وقوله: فلئن طأطأت، أي: أسرعت، وأصله من طأطأ الفارس فرسه: إذا ركضه بفخذيه، ثم حركه للحضر، وقوله: لتهاضن عظامي بالبناء للمفعول: مضارع هاض العظم يهيضه هيضًا: إذا كسره بعد الجبور، وهذا وجعه أشد من الكسر ابتداء، وعقر، بضم العين والقاف: الأصل، أي: لتهاضن جميع عظامي، فلا يبقى لي عظم صحيح، واصل القاف السكون، ومنه الحديث: "ما غزي قوم في عقرِ دارهم إلا ذلوا"، وقوله: ولئن غادرتهم إلى آخره، أي تركتهم، والورطة: الشدة، والنهزة بالضم: الفرصة، والذئب الفقر بفتح الفاء وكسر القاف، المكسور الفقار بالفتح وهي خرزات الظهر، يريد: أصير طعمة للعاجز. وقوله: ولئن أعرضت عنهم، الضمير لأخواله، وأعاده مؤنثًا في قوله: أوهنتني، لأنه جمع مكسر بتأويل جماعة. وقوله: أصابتني بقر، قال الصاغاني في "العباب": القر بالضم: القرار، ومنه قولهم عند شدة تصيبهم: صابت بقر، أي: صارت الشدة في قرارها، قال طرفة بن العبد: كنتُ فيكمْ كالمغطي رأسهُ ... فانجلى اليومَ قناعي وخمرْ سادرًا أحسبُ غيي رشدًا ... فتناهيتُ وقدْ صابتْ بقرْ والحارث هذا هو من بني عبد الجن بن عائذ الله بن أسعد بن سعد بن كثير بن غالب، وينتهي نسبه إلى جرم قضاعة، قال صاحب "جمهرة الأنساب": ومن بني عبد الجن الحارث بن نمر الشاعر، وقد شهد صفين مع معاوية بن أبي سفيانـ، وهو القائل: منْ أيَّ يوميَّ منَ الموتِ أفرْ ... أيومَ لمْ يقدرَ أمْ يومَ قدرْ انتهى. كذا رأيته نمر بدل المنذر، وظهر مما تقدم أنه إسلامي.

стр. 1735

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد الأربعمائة: (٤٤٨) كأنْ لمْ ترى قبليِ أسيرًا يمانيا على أن أبا علي خرجه على ذلك، كما نقله ابن جني في "سر الصناعة"ـ، وقال القالي في "ذيل الأمالي": قال الأخفش: رواية أهل الكوفة: "كأنْ لم ترى" بالألف، وهذا عندنا خطأ، والصواب: ترى بحذف النون للجزم، انتهى. وكذا جزم ابن السيد، فقال: قوله كأن لم تري رجوع من الإخبار إلى الخطاب، ويروى على الإخبار وفي إثبات الألف (وجهان)، أحدهما: أن يكون ضرورة، والثاني: أن يكون على لغة من قال: راء مقلوب رأى، فجزم، فصار ترأ، ثم خفف الهمزة فقلبها ألفًا لانفتاح ما قبلها، وهذه لغة مشهورة، وكأن مخففة، واسمها مضمر تقديره على الوجه الأول: كأنك لم ترى، وعلى الثاني: كأنها لم ترا. انتهى. والبيت من قصيدة لعبد يغوث الحارثي، مطلعها: ألا لاتلوماني كفى اللومَ ما بيا ... فما لكما في اللومِ خيرٌ ولا ليا ألمْ تعلما أنَّ الملامةَ نفعها ... قليل وما لومي أخي منْ شماليا أيا راكبًا إما عرضتَ فبلغنْ ... ندامايَ منْ نجرانَ أنْ لا تلاقيا إلى أن قال: أقولُ وقدْ شدوا لساني بنسعةٍ ... أمعشر تيمٍ اطلقوا عن لسانيا أمعشرَ تيمٍ قد ملكتمْ فأسجحوا ... فإنَّ أخاكمْ لم يكنْ منْ بوائيا وتضحكُ مني شيخةٌ عبشميةَّ ... كأنْ لمْ ترى قبلي أسيرًا يمانيا وقد علمتْ عرسي مليكة أنني ... أنا الليثُ معدوًا عليه وعاديا

стр. 1736

وهي عشرون بيتًا مسطورة في "المفضليات" وفي "ذيل أمالي القالي" قالها عبد يغوث بعد أن أسر في يوم الكلاب الثاني - بضم الكاف- وهو ماء لتميم بين الكوفة والبصرة. وكان من حديثه ان كسرى لما أوقع بيني تميم، فقتلت المقاتلة، وبقي الذراري، بلغ ذلك مذحج، فمشى بعضهم إلى بعض، وقالوا: اغتنموا بني تميم، فتجمعوا اثني عشر ألفًا وكان رئيس مذحج عبد يغوث، فقاتلوا بن تميم عند الكلاب، فنصر الله تميمًا عليهم، فأوسعوهم قتلًا وأسرًا، وكان الذي أسر عبد يغوث في من بني عبد شمس أهوج، فقالت أمة: من هذا؟ فقال عبد يغوث: أنا سيد القوم، فضحكت، وقالت: قبحك الله من سيد قوم حين أسرك هذا الأهوج! وإليه أشار بقوله: وتضحكُ مني شيخةٌ عبشميةُ ... البيت. ثم قال: أيتها الحرة هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: أعطي ابنك مائة من الإبل، وينطلق بي إلى الأهتم، فإني أخاف أن تنتزعني سعد والرباب منه، فضمن لها مائة من الإبل، وأرسل إلى بني الحارث، فسرحوا بها إليه، فقبضها العبشمي، وانطلق به، إلى الأهتم، فقال عبد يغوث: أأهتمُ يا خيرَ البريةِ والدًا ... ورهطًا إذا ما الناس عدوا المساعيا تداركْ أسيرًا عانيًا في حبالكمْ ... ولا تثقفني التيمُ ألقَ الدواهيا فمشت سعد والرباب إلى الأهتم فيه، فقالت الرباب: يا بني سعد قتل فارسنا وهو النعمان بن جساسٍ، ولم يقتل لكم فارس، فدفعه إليهم، فأخذه عصمة التيمي على نفسي، فسقوه الخمر، ثم قطعوا عرق الكحل وتركوه ينزف دمه، وخلوا معه رجلين، فقالا لعبد يغوث جمعت أهل اليمن، ثم جئت لتصطلمنا كيف رأيت صنيع الله بك؟ ! فقال هذه القصيدة عند الموت: ألا لا تلوماني .. البيت.

стр. 1737

وقوله: ألم تعلما أن الملامة إلى آخره قد شرحنا هذا البيت في الشاهد التاسع والستين من شواهد شرح الشافية للرضي، والشمال: الخلق والطبع. وقوله: أيا راكبًا إما عرضت. أي: إن أتيت العروض، وهي مكة والمدينة وما حولها. وندامى: جمع ندمان، بمعنى نديم، ونجران: مدينة بالحجاز من شق اليمن. وقد استوفينا الكلام على هذا البيت وسائر أبيات القصيدة مع ترجمة قائلها في شرح الشاهد الخامس عشر بعد المائة. وقوله: أقول وقد شدوا إلى آخره، فيه قولان: الأول للقالي، وابن الأنباري: أن هذا مثل، قالا: لأن اللسان لا يشد بنسعة - بكسر النون وهو سير منسوج- وإنما أراد افعلوا بي خيرًا لينطلق لساني بشكركم، وإلا فلساني مشدود لا أقدر على مدحكم، والثاني للجاحظ، ولصاحب "الأغاني": أنهم ربطوا لسانه بها خوفًا من هجائه. وقوله: وقد علمت عرسي .. الخ. العرس بالكسر: الزوجة وقد شرحنا هذا البيت في الشاهد السادس الثمانين بعد المائة من شواهد شرح الشافية للرضي. وعبد يغوث: سيد بني الحارث بن كعب في الجاهلية، وكان فارسًا شاعرًان قال الجاحظ في "البيان": ليس في الأرض أعجب من طرفة بن العبد وعبد يغوث، فإنا قسنا جودة أشعارهما في وقت موتها، فلم تكن دون سائر أشعارهم في حال الأمن والرفاهية. وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد الأربعمائة: (٤٤٩) أري عينيَّ ما لمْ ترْأياهُ على أنه جاء على الأصل من تحقيق الهمزة دون حذفها، وتقدم كلام ابن جني فيها، وقال الزجاجي في كتاب "الأخبار" قوله: ترأياه رد إلى الأصل، والعرب لم تستعمل يرى وترى، وأرى ونرى إلا بإسقاط الهمزة تخفيفًا، فأما في

стр. 1738

الماضي، فالهمزة مثبتة، وكان المازني يقول: الاختيار عندي أن أرويه: ترياه بغير همز، لأن الزحاف أيسر من رد هذا إلى أصله، وكذلك كان ينشد قول الآخر: أَلمْ ما لا قيتُ والدهرُ أعصرُ ... ومن يتمل العيش يرى ويسمعُ بتخفيف الهمزة. انتهى. ونقل أبو حيان في "تذكرته" من كتاب "لغات القرآن" للفراء أنه قال: رأيت بالهمزة، ويجتمعون جميعًا على يرى ونرى وأرى بغير همز إلا بني أسد وتيم الرباب، فإنهم يهمزون ترى، فيقولون تراى، أنشدني بعض بني أسد: ألا تلك جارتنا بالغضا ... تقول أتر أينهُ لنْ يضيفا وأنشدني معاذ: أري عينييَّ ما لمْ ترأياهُ ... كلانا عالمٌ بالترهاتِ وأنشدني المفضل: ألمْ تر ما لا قيتُ والدهرُ أعصرٌ ... ومن يتمل العيش يرأ ويسمعا انتهى. وأنشده أبو زيد في "النوادر" كما تقدم، وقال: ورواه أبو حاتم عن أبي عبيدة: ما لم تبصراه، والترهات: الأباطيل. قال الجاحظ في فصل محاسن الدهاء والحيل من كتاب "المحاسن والأضداد": قال الهيثم بن الحسن بن عمارة: كان سراقة البارقي من ظرفاء أهل الكوفة، فأسره رجل من أصحاب المختار فأتى به المختار، فقال له: أسرك هذا؟ قال سراقة: كذب والله ما أسرني إلا رجل عليه ثياب بيض على فرس أبلق، فقال المختار: أما إن الرجل قد عاين الملائكة، خلوا سبيله، فلما أفلت أنشأ يقول: ألا أبلغْ أبا إسحاقَ أني ... رأيتُ البلقَ دهمًا مصمات أري عينيَّ ما لمْ ترأياهُ ... كلانا عالمٌ بالترهاتِ كفرتُ بوحيكمْ وجعلتُ نذرًا ... عليَّ قتالكمْ حتى المماتِ

стр. 1739

انتهى. وأورد له حكاية أخرى ظريفة، وأورد له أيضًا هذا الشعر: قالوا سراقةُ عنينٌ فقلتُ لهمْ ... الله يعلمُ أني غيرُ عنينِ فإنْ ظننتمْ بي الشيءَ الذي زعموا ... فقربوني من بنتِ ابنِ يامينِ وكذا أورد حكاية الأبيات الثلاثة الأصبهاني في "الأغاني" وقال ابن عبد ربه في "العقد الفريد" قال أبو حاتم: حدثنا أبو عبيدة قال: أخذ سراقة بن مرداس البارقي أسيرًا يوم جبانة السبيع فقدم في الأسرى إلى المختار، فقال: امننْ عليَّ اليوم يا خيرَ معدْ ... يا خيرَ منْ لبى وصلى وسْ فعفا عنه المختار، ثم خرج مع إسحاق بن الأشعن، فأتي به إلى المختار أسيرًا، فقال له: ألأم أعف عنك، وأمنن عليك؟ أما والله لأقتلنك، قال: لا والله لا تفعل إن شاء الله، قال: ولم؟ قال لأنَّ أبي أخبرني أنك تفتح الشام حتى تهدم مدينة دمشق حجرًا وأنا معاك، ثم أنشده: ألا أبلغْ أبا إسحاقَ أنا ... حملنا حملةً كانتْ علينا خرجنا لا ترى الضعفاء شيئًا ... وكانَ خروجنا بطرًا وحينا تراهمْ في مصفهمُ قليلًا ... وهم مثلُ الدبا لما التقينا فأسجحْ إذ قدرت فلو قدرنا ... لجرنا في الحكومة واعتدينا تقبل توبة مني فإني ... سأشكر إنْ جعلتَ النقدَ دينا قال: فخلى سبيله، ثم خرج إسحاق بن الأشعت، ومعه سراقة، فأخذ أسيرًا، وأتي به إلى المختار، فقال: الحمد لله الذي أمكني منك يا عدو الله هذه ثالثة، فقال سراقة: أما والله ما هؤلاء الذين أخذوني فأين هم لا أراهم إنا لما التقينا رأينا قومًا عليهم ثياب بيض، وتحتهم بلق، تطير بين السماء والأرض فقال المختار: خلوا سبيله ليخبر الناس، ثم دعا لقتاله، فقال:

стр. 1740

ألا منْ مبلغ المختار عني ... بأن البلق دهم مضمرات أري عيني ما لم ترأيناهُ إلى آخر الأبيات الثلاثة، انتهى. وهذه الرواية تقتضي الإقواء، فإن البيت الأول مرفوع، وإن قرئ بإضافة دهم إلى مضمرات بتشديد الميم المفتوحة فلا إقواء، ويكون من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: خيل مضمرات دهم، والأبلق: ما فيه سواد وبياض، قال ابن الأنباري في "الزاهر": ثوب مصمت: هو الذي لونه لون واحد، ويقال: أدهم مصمت: إذا كان لا يخالط لونه غير الدهمة، وأنشد هذا البيت ,اري، بضم الهمزة وكسر الراء: مضارع من الإرادة وسراقة: منسوب إلى بارق، وهي قبيلة باليمن. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد الأربعمائة: (٤٥٠) فذاكَ ولمْ إذا نحنُ امترينا ... تكنْ في الناسِ يدرككَ المراءُ على أن الأصل فذاك ولم تكن، ففصل بينهما بالظرف لضرورة الشعر. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": قوله: وقد يلي "لم" معمول مجزومها اضطرارًا: لا يجوز الفصل بين الجازم والمجزوم بشيء، وإذا لم يجز ذلك في الناصب إلا إذن لعلة تخفيها، فأحرى أن لا يجوز في الجازم، وقد جاء ذلك في الضرورة، وأنشد البيتين، وقال يريد: "كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش" و "فذاك ولم تكن يدركك المراء إذا نحن امتينا". وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: ذلك من أقبح الضرائر، فلا يقاس عليه في شعر ولا غيره. انتهى. ويدركك بالرفع، والمراء: فاعله، والجملة خبر تكن، والمراء: مصدر ماراه: إذا جادله قال صاحب "المصباح": ويقال: ماريته أيضًا: إذا طعنت في قوله تزييفًا للقول، وتصغيراُ

стр. 1741

متعلق بيدرك والأصل: ولم تكن في الناس يدركك المراء إذا نحت امترينا. انتهى. والبيت مشهور، ولم أقف على قائله، ولا على تتمته، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد الأربعمائة: (٤٥١) فأصبحتْ مغانيها قفارًا رسومها ... كأنْ لمْ سوى أهلٍ من الوحشِ تؤهلِ لما تقدم قبله، والأصل: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش. قال الدماميني: سوى على قول سيبويه والجمهور ظرف مكان لازم للنصب، وأما على رأي غيرهم، فتكون مفعولًا به مقدمًا. انتهى. والبيت من قصيدة طويلة لذي الرمة وقبله: فيا كرمَ السكنِ الذين تحملوا ... عنِ الدارِ والمستخلفِ المتبدلِ وبعده: كأنْ لمْ تحل الرزق ميٌ ولمْ تطأ ... بجرعاءِ حزوى نير مرطٍ مرحلِ قوله: فيا كرم: المنادى وناصب كرم محذوفان تقديرهما: يا صاح انظر كرم السكن، قال صاحب "المصباح": كرم الشيء كرمًا: نفس وعز، فهو كريم، وكرائم الأموال: نفائسها وخيارها، والسكن: أهل الدار جمع ساكن، كصحب جمع صاحب، وتحملوا: ارتحلوا، والمستخلف: معطوف على الدار، وهو المتبدل، رويا على صيغة اسم الفاعل، وعلى صيغة اسم المفعول، يريد أن الدار تبدلت بالسكن الوحوش، يعني أن الدار استخلفت واستبدلت الوحش، واستشهد به

стр. 1742

صاحب "الكشاف" على أن التبدل في قوله تعالى: (ولا تتبدلوا الخبيثَ بالطيبِ) (النساء/٢) بمعنى الاستبدال، كالتعجل والتأخر بمعنى الاستعجال والاستئخار. وقوله: فأصبحت، أي صار، والمغاني: جمع مغنى، وهو المقام من غني بالمكان، كرضي: إذا قامبه، والقفار جمع قفر، وهي المفازة لا ماء بها ولا نبات، ودار قفر: خالية من أهلها، والرسم: الأثر، ورسومها فاعل قفار، والذي رأيته في ديوانه: فأضحتْ مباديها قفارًا بلادها قال شارحة: مباديها: حيث تبدو في الربيع، والبلاد: جمع بلدة، وهي القطعة من الأرض، وأهل المكان أهولًا من باب: قعد: عمر بأهله، وقربة آهله، وأهلت بالشيء: أنست به، قال شارح الديوان: تؤهل تنزل، يقال: بلد مأهول ذو أهل، وقال ابن الأنباري في "شرح المفضليات" أهل هذا المكان، وسمعت يقال: مكان أهل، أي: ذو أهل وأنشد هذا البيت، وقال: وبنو عامر يقولون: أهلتُ به آهل به أهولًا، أي: أنست به. وقوله: كأن لم تحل الزرق ... إلى آخره، جمع أزرق، قال شارح اليدوان: الزرق أكثبة بالدهاء والجرعاء من الرمل، وحزوى، بضم المهملة: موضع، والمرط: الإزار، ونيره: علمه، والمرحل بتشديد الحاء المفتوحة: الموشى على لون الرحال، وترجمة ذي الرمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد الأربعمائة: (٤٥٢) ظننتُ فقيرًا ذا غنى ثم نلتهُ ... فلمْ ذا رجاءٍ ألقهُ غير واهبِ على أن مجزوم لم محذوف، وهو الناصب لذا رجاءٍ، يفسره الفعل المشتغل بضميره، والتقدير: فلم ألق ذا رجاء ألقه، والبيت مشهور في كتب النحو،

стр. 1743

ولم أقف على قائله، ولا علة تتمته. قال الدماميني: فقيرًا: حال من التاء، وهي المفعول الأول النائب عن الفاعل، وذا غنى: هو المفعول الثاني: وضمير نلته: عائد إلى الغنى، والمعنى: ظننت غنيًا في حال كوني فقيراُ، ثم نلت الغنى، فلم ألف ذا رجاء في حالة كوني غير واهب له، بل ألقاه منعمًا عليه محسنًا إليه، وهذا رجل عرف قدر النعمة، فشكر، جزاه الله خيرًا. انتهى. (لما) أنشد فيه، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد الأربعمائة: (٥٣) فإنْ كنتُ مأكولًا فكنْ خير آكلٍ ... وإلا فأدركني ولما أمزق على أن منفي لما يستمر نفيه إلى حال التكلم. قال أبو حيان: نفى التمزيق عنه إلى زمام إخباره، لا يريد انتفاء التمزيق فيما مضى، ثم مزق، وقد اضطرب كلام المصنف في "لما" هذه، فقال في هذا الكتاب ما ذكره، وقال في شرح "الكافية": لا يشترط كون المنفي بلا قريبًا من الحال، بل الغالب كونه قريبًا، وكذلك اختلفت عبارة أصحابنا، فبعضهم يقول: لما لنفى الماضي المتصل بزمان الحال، وبعضهم يقول: لما لنفي الماضي القريب من الحال، وزاد المصنف أن نفيها للماضي القريب من الحال ليس شرطًا، بل غالبًا، فعلى هذا قد تكون نافية للماضي الذي لا يتصل بالحال، ولا يقرب من الحال، فتكون إذ ذاك مساوية في النفي في مطلق الانتفاء هذا آخر كلام أبي حيان. والبيت من قصيدة للممزق العبدي أوردها صاحب "الحماسة البصرية" واقتصر على بعضهما ابن قتيبة في كتاب "الشعراء" وهو هذا: وناجيةٍ عديتُ من عندِ ماجدٍ ... إلى واجدٍ من غيرِ سخطٍ مفرقِ وقدْ تخذت رجلي إلى جنبِ غرزها ... نسيفًا كأفحوص القطاة المطرق

стр. 1744

تروحُ وتغدو ما يحل وضينها ... إليك ابنَ ماءِ المزن وابن محرقِ تبلغني منْ لا يدنسُ عرضهُ ... بعذرٍ ولا يزكو لديه تملقي أحقًا أبيت اللعن أن ابن فرتني ... على غير إجرام بريقي مشرقي فإن كنت مأكولًا فكنْ أنت آكلي ... وإلا فأدركني ولما أمزق فأنت عميد الناس مهمتا تقل يقلْ ... ومهما يكنْ منْ باطلٍ لا تحقق آكلفتني أدواءَ قومٍ تركتهمْ ... فإلا تداركني منَ البحر أغرقِ فإن يعمنوا أشئتم خلافًا عليهم ... وإن يتهموا مستحقبي الحرب أعرق قوله: وناجية مجرور برب المضمرة بعد الواو، ومحله النصب على أنه مفعول لعديت، أي: جاوزتها، والناجية: الناقة السريعة، والماجد: الشريف، والواجد: اللئيم السيء الحلق، لأنه يجد من غير وجد للؤمه. وقوله: وقد تخذت رجلي: استشهد به أبو علي في "الإيضاح"على أن تخذ بمعنى أخذ، والغرز للرحل كالركاب للسرج، والنسيف: الأثر في جنبي الناقة من القدمين، وأفحوص القطاة: مبيضها تفحصه وتنقيه، وتبيض فيه، والمطرق، بفتح الراء: التي تضيق عن بيضتها شيئاُ، وأصله المرأة يخرج بعض ولدها ويبقى بعضه، فيغشى عليها. وقوله: ما يحل وضينها بالبناء للمفعول، والوضين: بطان عريض منسوج من سيور أو شعر، ولا يكون إلا من جلد. وقوله: إليك ابن ماء المزن ... إلى آخره، ابن: منادى بإضمار "يا" وماء السماء من ملوك الشام من قبيلة غسان، واسمه عامر بن حارثة الغطريف، وسمي ماء السماء لأنه كان يحتبي في المحل، فينوب عن الغيث بالرفد والعطاء، ومحرق: هو الحارث بن عمرو بن عامر بن حارثة الغطريف، والحارث هو أخو جفتة أبي ملوك الشام، وسمي محرقًا لأنه أول من عاقب بالنار، وقوله: إن ابن فرتنى بفتح الفاء وسكون الراء بعدها مثناة مفتوحة فنون: هي المرأة الزانية والأمة أيضًا، وأراد بابن فرتني: الواشي، وهي كلمة سب، وإجرام: مصدر أجرم، أي أذنب،

стр. 1745

ومشرقي: اسم فاعل من أشرقي بريقي: أي أغصني به متعدي شرق بريقه: إذا لم يقدر أن يبلعه. وقوله: وإلاَّ فأدركني، أي: وإن لم تكن آكلي، وأدركني: أمر من أدركه: إذا طلبه، فلحقه، يعني فأعثي قبل أن أقتل، وأمزّق بالبناء للمفعول، وبهذا سمي الممزق بصيغة اسم المفعول، قال العسكري في كتاب "التصحيف": الممزَّق العَبْدي: مفتوح الزاي اسمه شأس بن نهار، وسمي بهذا البيت الممزق، قال أبو اليقظان: الممزق من بني منبّه بن نُكرة بن لُكيز، وكان من عبدة الأوثان، قتل كافرًا. انتهى. قال المبرد في أوائل "الكامل": كتب عثمان بن عفان إلى علي بن أبي طالب حين أُحيط به: أما بعد، فإنه قد جاوز الماءُ الزُّبى، وبلغ الحِزامُ الطُّبيين، وتجاوز الأمر بي قدره، وطمع فيَّ من لا يدفع عن نفسه فإن كنت مأكولاُ فكن خير آكِلٍ .. البيت. قوله: قد جاوز الماءُ الزبى، الزبية: مصيدة الأسد، ولا تتخذ إلَّا في قُلَّة أو رابية أو هضبة، وتقول العرب: "قد علا الماء الزُبى"، و"قد بلغ السِّكينُ العظم"، و"بلغ الحِزامُ الطُّبيين"، و"قد انقطع السَّلى في البطن"، والسَّلى من المرأة والشاة: ما يتلفّ فيه الولد في البطن، ويقال لمواضع الأخلاف من السباع والحيل أطباء جمع طُبي، كقُفل، كما يقال في الظِّلف والخُفّ من السباع والخيل جمع طُبي، كقُفل، كما يقال في الظِّلف والخُف خِلفٌ مكان هذا، وإذا بلغ الحزام الطُّبيين فقد انتهى في المكروه. وتمثُّلُهُ بالبيت يُشاكل قول القائل: فَإنْ أَكُ مَقْتُولًا فَكنْ أنتَ قاتِلي ... فَبَعْض مُنَايَا القَوْمِ أكْرَمُ مِنْ بعضٍ إلى هنا كلام المبرد، قال صاحب "نشوار المحاضرة": هذا البيت لطرفة بن العبد، قال: وأخذه عبد الله بن الحجاج التغلبي، فأفسده، فقال: فَإنْ كُنْتُ مَأكولًا فَكُنْ خيرَ آكلٍ ... وإنْ كُنْتُ مَذبُوحًا فكنْ أنتَ ذابحي

стр. 1746

وقوله: فأنت عميد الناس، العميد: السيّد الذي يعمَدهُ الناس، أي: يقصدونه، وقوله: لا تحقق بالخطاب والنهي. وأدواء: جمع داء، وإلَّا تداركني، أي: إن لم تغثني، وأعمن: إذا أتى "عمان" بالضم والتخفيف، وأشأم: أتى الشام، وأتهم: أتى تهامة، وأعرق: أتى العراق، واستحقبه: ادّخره لوقت الحاجة. قال ابن قتيبة: الممزق العبدي: هو من نُكرة، واسمه شأس بن نهار، وسمّي الممزَّق بقوله: فإن كنت مأكولًا ... البيت، وهو جاهلي قديم، وإنما يعني بهذا الشعر بعض بني محرّق. انتهى. وقال صاحب "الحماسة البصرية": الممزق شأس بن نهار العبدي، مدح بهذه القصيدة عمرو بن النعمان بن المنذر الأكبر، وكان قد همَّ أن يغزُو عبد القيس، فلما سمع القصيدة رجع عن ذلك. انتهى. وقال ابن السيِّد البطليوسي فيما كتبه على "كامل المبرد": كان سبب قول الممزق هذا الشعر أنّ عمرو بن هند أو قابوس أخاه كان يعشو على البحرين، فاستقبله الممزق، ودخل عليه في جوف الليل، وقال له: أنا رجل من بني تميم بلغني أن الملك يريد عبد القيس، فجئته لأدله على عورتهم، فقربه الملك، وسار معه، فهجم به على بني عمرو بن تميم، فأخذ القتل فيهم، فلما عرف قصته، قال: ما حملك على ما صنعت، فأخبره أنه من عبد القيس، وأنه إنما فعل ذلك لأنَّ بني تميم هم الذين حملوا الملك على عبد القيس، فدفعه إلى بني تميم، فقال: اقتلوه، فهموا بتقطيعه، فقال هذا الشعر، فخلصه الملك منهم، وبهذا البيت سمي الممزق، واسمه شأس بن نهار. انتهى. وأورد الآمدي في "المؤتلف والمختلف" من يقال له الممزق –بفتح الزاي- وهما اثنان، ومن يقال له الممزق –بكسر الزاي-: وهو واحد، قال: الممزق بالفتح: شأس بن نهار العبدي صاحب القصيدة التي على القاف، يقول فيها لعمرو بن

стр. 1747

المنذر بن عمرو بن النعمان وكان همَّ بغزو عبد القيس: فإن كنتُ مأكولًا ... البيت، فلما بلغته القصيدة انصرف عن عزمه، وكان عبد الله بن حُذافة السهمي سهم بن عمرو بن هُصَيْص أحد شعراء قريش يقال له: الممزق، ذكر ذلك ابن سلام الجمحي في شعراء مكة، وهو [القائل]: وتِلكْمُ قُرَيْشٌ تَجْحَدُ اللهَ حَقَّهُ ... كما جَحَدَتْ عَادٌ وَمَدْيَنُ والحِجْرُ فإنْ أنا لم أُبْرِقْ فلا يَسَعَنَّي ... مِنَ اللهِ بَرٌ ذُو فَضاءٍ ولا بحرُ وأما الممزِّق -بكسر الزاي-: فهو متأخر، وهو الممزق الخضرمي أنشد له دعبل بن علي الخزاعي: إذَا وَلَدَتْ حَلِيلَةُ باهَليّ ... غلامًا زيدَ في عَدَدِ اللِّئَامِ وَعِرْضُ البَاهِلِيِّ وإن تَوَقَّى ... عَلَيْهِ مِثْلُ مِندِيلِ الطَّعامِ ولَوْ كَانَ الخَلِيفَةُ بَاهِيلِيًا ... لَقَصَّرَ عَنْ مُسايَرَةِ الكِرَامِ قال: وابنه عبّاد بن الممزِّق، ويعرف بالمخرِّق، وله أشعار كثيرة وهو القائل: أنا المُخرِّقُ أعْرَاضَ اللِّئامِ كما ... كان المُمزِّقُ أعْرَاضَ اللئَامِ أبي وأنشدناه أبو الحسن الأخفش عن أبي العباس المبرد [إلا أنه قال: الممزق بن المخرق]، وأنشدنا عن أبي العباس لأبي الشمقمق في الممزق: كنت الممزِّقَ مرةً ... فاليوم قد صرت الممزَّقْ لمَّا جَريت مع الضَّلا ... لِ غرقت في بحر الشمقمقْ انتهى.

стр. 1748

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد الأربعمائة: (٤٥٤) وَكُنْتَ إذْ كُنْتَ إِلهي وَحْدَكَا ... لَمْ يَكُ شَيءٌ يَا إِلهي قَبْلَكَا على أنَّ بن مالك قال: إن لم فيه للنفي المنقطع، وردُّ المصنف عليه مأخوذ من "شرح التسهيل" لأبي حيان قال: ومثَّل المصنف في "شرح الكافية" للانتفاءِ المنقطع بالآية الكريمة وهي: "هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ" [الإنسان/١] وهو تمثيل صحيح، ويقول الراجز: وكُنتَ إذْ كُنتَ إلهي ... إلى آخره، وهو تمثيل وَهِم فيه، إذ ليس من الانتفاء المنْقَطِع، لأنه لا يمكن [أن] يريد: لم يكن شَيء يا إلهي قبلك، ثم كان شيء قبلك، وإنما كان يكون من هذا النوع لو كان لم يك شيء يا إلهي معك لحسن ثم كان معك، وكذلك مثَّل بالرجز ابنه متبعًا أباه، فوهما في ذلك، إذ لم يُمعِنا الفكر في ذلك. انتهى كلامه. قال ناظر الجيش بعد نقله: وهذا استدراك جيّد، وأجاب السراج البلقيني عن ابن مالك، وقال: الصواب ما قاله، لأن القبلية محالة في حق الله ، فتعينت المعية، فالمعنى: لم يك شيء معك قبل خلق العالم، ثم وجد العالم. انتهى كلامه. نقله الشمي. وهذا الرجز من شواهد سيبويه ذكره في باب إضافة المنادى إلى الياء ونسبه إلى عبد الله بن الأعلى القرشي، قال الأعلم: الشاهد فيه إثبات الياء في قوله يا إلهي على الأصل، وحذفها أكثر في الكلام، لأن النداء باب حذف وتغيير، والياء يشبه التنوين في الضعف والاتصال، فيحذف كما يحذف التنوين من المنادى المفرد، ولو حذفها هنا لقام الوزن، ولكنه روى بإثبات الياء، وتقدير البيت: وكنت يا إلهي إذ كنت وحدك، لم يك شيء قبلك. انتهى. و"كان" في الأولين تامة، والثالثة خبرها قبلك، قال الشمي: وكان عبد الله هذا بدعيًا متهمًا في أموره.

стр. 1749

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد الأربعمائة: (٤٥٥) فَجِئتُ قُبُورَهُمْ بَدْءاُ وَلَمَّا ... فَنَاديتُ القُبُورَ فَلَمْ تُجِبْنَهْ على أن مجزوم لمّا محذوف تقديره: ولما أكن بَدْءًا، أي: سيّدًا، والأوْلى كما قدره الجعبري: ولمَّا أَسُدْ، والبدءُ، بفتح الموحدة وسكون الدال بعدها همزة: السيد، سمّي به لأنه يُبدأ به في العدّ وغيره، يقول: ما كنت سيدًا حين قتلوا، بل صرت سيّدًا بعدهم، وهذا كقول حارثة بن بدر الغداني: خَلَتِ الدِّيَارُ فَسُدْتُ غيرَ مُسَوَّدِ ... ومِنَ العَنَاء تَفَرُّدِي بالسُّؤدُدِ وبعده: وكيف تُجيبُ أصداء وهامٌ ... وأبدانٌ بُدِرِنْ وما نخِرْنَه والأصداء: جمع صدى بالقصر، وهو ذكر البوم يسكن القبور، وكذلك الهام جمع هامة، والهامة: طير من طيور الليل، وبُدرن بالبناء للمفعول، أي: طعن في بوادرهم، والبادرة: النحر، وقوله: وما نخرنه، من نخر العظم نخرًا من باب تعب: إذا بلي وتفتّت، وقبلهما ثلاثة أبيات أخر، وهي لرجل من بني أسد، وقد شرحناها شرحًا وافيًا في الإنشاد الثامن والسبعين بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد الأربعمائة: (٤٥٦) احْفَظْ وَدِيعَتَكَ التي استودعتهَا ... يَوْمَ الأَعازِبِ إنْ وصَلْتَ وَإنْ لَمِ على أن مجزوم لم قد حذف لضرورة الشعر، تقديره: وإن لم تصل. قال أبو حيان في "تذكرته": قد حذفوا الفعل بعد لم حملًا على لمّا، قال ابن هرمة:

стр. 1750

احفظ وديعتك ... البيت، يريد: وإن لم تصل. انتهى. وأنشد ابن عصفور في كتاب "الضرائر" قول ابن هرمة أيضًا: وعَلَيْكَ عَهْدُ اللهِ إنَّ بِبَابِهِ ... أَهْلُ السَّيَالةِ إنْ فَعَلْتَ وإنْ لَم يريد: وإن لم تفعل، ثم قال: وإنما لم يُجز الاكتفاء بلم، وحذف ما تعمل فيه إلا في الشعر لأنها عامل ضعيف، فلم يتصرفوا فيها بحذف معمولها في حال السعة، بل إذا كان الحرف الجار وهو أقوى في العمل منه، لأنه من عوامل الأسماء، وعوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال لا يجوز حذف معمولها، فالأحرى أن لا يجوز ذلك في الجازم، فإن قيل: فلم جاز الاكتفاء بلما، وحذف معمولها في سعة الكلام وهي جازمة، فالجواب: أن الذي سوَّغ ذلك فيها كونها نفيًا لـ"قد" فعل" ألا ترى أنك تقول في نفي: "قد قام زيد": لما يقم، فحملت لذلك على قد، فكما يقال: لم يأت زيد، وكان قد، أي: وكأن قد أتَى، فيكتفى بقد، فكذلك أيضًا قالوا: قاربت المدينة ولما، أي: ولما أدخلها، فاكتفوا بلما. انتهى كلامه باختصار. وقوله: احفظ: أمر، واستودعها على بناء المفعول، ويوم الأعازب: لم أقف عليه في كتب أيام العرب. وابن هرمة بفتح الهاء وسكون الراء بعدها ميم، وهو إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة، قال الأصمعي: ساقة الشعراء: ابن ميّادة، وابن هرمة، ورُؤبة، وحكم الخُفريّ حي من محارب، وقد رأيتهم أجمعين، وهم آخر من يحتج بشعرهم، وابن هرمة من مخضرمي الدولتين، مدح الوليد بن يزيد، ثم أبا جعفر المنصور، وكان منقطعًا إلى الطالبين، وكان مولده سنة سبعين، ووفاته في خلافة الرشيد بعد الخمسين ومائة تقريبًا، وله في آل البيت أشعار لطيفة منها قوله: ومَهْمَا أُلامُ على حُبِّهِمْ ... فإنِّي أُحبُّ بني فاطِمَهْ بَني بِنْتِ مَنْ جاءَ بالمُحْكما ... تِ والدَّينِ والسُّنَّةِ القائمهْ وترجمته في "الأغاني" طويلة.

стр. 1751

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد الأربعمائة: (٤٥٧) أقولُ لعبد الله لما سقاؤنَا ... ونَحْنُ بِوادي عَبْدِ شمسِ وهاشِمِ أقول: جملة "شِمْ" من فعل الأمر وفاعله المستتر فيه مقول القول، وعبد الله المقول له، ولما: ظرف بمعنى حين متعلقة بأقول، وليست شرطية حتى تحتاج إلى جواب، فتقدير المصنف إياه مستغنى عنه، وجملة "ونحن بوادي عبد شمس": حال من فاعل أقول، وقول المصنف وهي بمعنى سقط، إنما وهى بمعنى تخرَّق وانشق كما في "الصّحاح" وغيره، وإليه أشار المصنف في "موقد الأذهان" بقوله: أي: أقول لما وَهَى سقاؤنا ونحن بوادي شمس، ولم يبق فيه شيء من الماء، "شم" البرق. انتهى. وهو أجود مما هنا، فإنَّ فيه إشارة إلى أ، مفعول "شم" محذوف وهو البرق، وإنما أمره بالشيم ترجيًّا للمطر، وقرينة هاشم لعبد شمس أبعدت فيهم المراد. ولأجل التعمية كتبَ وها بالألف دون الياء مع أنَّ واجب رسمه بالياء، لأنه يائي. والبيت نسبه المصنف في "موقد الأذهان" إلى تميم بن رافع المخذومي وأورد السُّيُوطي في كتاب "المزهر" بعد قوله أقول لعبد الله لمَّا سقاؤنا ... البيت، بيتًا للفرزدق من قصيدة وهو: على حالةٍ لو أنَّ في القومِ حاتمًا .. على جُودِهِ لَضنَّ بالماء حَاتِمُ فأوهم أنَّ البيتين من قصيدة واحدة لشاع واحد لتناسبهما، والبيت الأول ليس من شعر الفرزدق قطعًا، وقد نظرت قصيدته التي منها قوله: على حالة لو أن في القوم حاتمًا ... فلم أرَ ذلك للبيت فيها، وإنما هو لمن ذكر المصنف، وقد اغتر ابن وحيي بصنيع السيوطي، فقال: البيتان من قصيدة للفرزدق.

стр. 1752

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد الأربعمائة: (٤٥٨) قَالَتْ لَهُ بِاللهِ يَا ذَا البُرْدَينْ ... لَمَّا غَنِثْتَ نَفَسًا أو اثنَيْنْ على أنَّ "لَمّا" فيه بمعنى إلاَّ، والقسم استعطافي، وغنث بالغين المعجمة والنون المثلثة جاء من ضرب، ومن باب فرح، حكى الأول أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" عن أبي عمرو مع هذا الرجز، وكذا في "جمهرة ابن دريد" وحكى الثاني الأزهري في "التهذيب" عن الليث، وقد جمعهما الصاغاني في "العباب"، فقال: قال الليث: غنث من اللبن -بكسر النون- يغنث غنثًا، وهو أن يشرب ثم يتنفس، يقال: إذا شربت منه، بفتح النون، وأنشد: قَالَتْ لَهُ تَاللهِ يَاذَا البُرْدينْ ... إلى آخره وهذه المادة لم يذكرها الجوهري في "الصحاح". وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد الأربعمائة: (٤٥٩) لَمَّا رَأَيْتُ أَبَا يَزِيدَ مُقَاتِلًا ... أَدَعَ الْقِتَالَ وأَشْهَدَ الهَيْجَاءَ على أنَّ أصله: لن أدع القتال، وأشهد الهيجاء ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا، ففَصَل بين "لن" والفعل المتصل بها لضرورة الشعر، كذا في كتاب "الضرائر" لابن عصفور، وقال ابن جبي في باب الشجاعة في العربيّة من "الخصائص" يريد: أن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا، وكأنه شبّه لن بأنَّ، فكما جاز الفصل بين أنَّ واسمها بالظرف في نحو قولك: إنَّ في الدار زيدًا كذلك شبّه لن مع الضرورة بها، وفصل بينها وبين منصوبها بالظرف الذي هو ما رأيت أبا يزيد، أي: مُدَّة رؤيتي. انتهى كلامه.

стр. 1753

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستون بعد الأربعمائة: (٤٦٠) عَافَتِ الماءَ في الشِّتَاءِ فَقُلْنَا ... بَرِّديهِ تُصَادِفِيهِ سَخِينا على أنَّ أصله: بل رديه، وهو أحد قولين فيه، قال ابن الأنباري في كتاب "الأضداد": قال بعض أهل اللغة: برّدت من الأضداد، يقال: برّد الشيء على المعنى المعروف، ويقال: برَّد الشيء: إذا سخَّنه، واحتجوا بقول الشاعر: عَافَتِ الماءَ في الشِّتَاءِ فَقُلْنَا ... البيت قال أبو بكر: فإذا صحَّ هذا القول، صلح أن يقال للحار: بارد، وأن يقع البرد على الحر إذا فهم المعنى، قال أبو بكر: وحكى لي بعض أصحابنا عن أبي العباس أنه كان يقول في تفسير البيت: بل رديه من الورود، فأدغم اللام في الراء، فصارتا راءً مشددة. انتهى كلامه، وهذا الأخير هو قول المازني، روي أن المازني سُئل عن البيت، فأفكر فيه، ثم قال: أيها السَّائِلونَي عنْ عَويصٍ ... حارتِ الأفكارُ أنْ يسْتبِينَا إنَّ لامًا في الراء ذاتُ ادغامٍ ... فافْصِلَنْهَا تَرَى الجَوابَ يقيِنا حكاه السيوطي في باب الملاحن والألغاز من كتاب "المزهر" وعاف الرجل الطعام والشراب يعافه ويعفيه عِيافة بالكسر: إذا كرهه، وصادفه: وجده، ولقيه، والسخين: الساخن. وأنشد بعده: وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي ... تمامه: أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثاني والعشرين بعد الأربعمائة.

стр. 1754

" لَنْ " أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والستون بعد الأربعمائة: (٤٦١) لَنْ تَزَالوا كَذلِكُمْ ثُمَّ لَا زِلْـ ... ـتُ لَكُمْ خَالِدًا خُلُودَ الجِبَالِ على أنَّ فيه للدعاء، قال ابن السراج في كتاب "الأصول": وقال قوم: يدعى بلن مثل قوله: (فَلَنْ أكُونَ ظهيرًا لِلمجْرِمينَ) [القصص/١٧]، وقال الشاعر: لَنْ تَزَالوا كَذلِكُمْ ... البيت، والدعاء بلن غير معروف. انتهى. وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": لا حجة في ذلك، أمّا الآية فلأنَّ الدعاء لا يكون للمتكلم، لا يجوز أن تقول: لا أسقي زيدًا، ولا سقيت زيدًا عن طريق الدعاء، وإنما يكون ذلك للمخاطب وللغائب، أعني أن فاعل الدّعاء إنما يكون مخاطبًا وغائبًا نحو: يا رب لا غفرت لزيد، ونحو لا غفر الله لزيد، وأما البيت فيحتمل قوله: لن تنالوا البر أن يكون خبرًا، ومع احتماله ذلك يسقط الاستدلال به. انتهى. وقول المصنف: ويرده قوله: ثم لازلت لكم إلى آخره، يعني: أن هذا دعاء قطعًا، وهو معطوف على لن تزالوا، ولو جاز أن يكون خبرًا، لزم عطف الإنشَاء على الخبر، قال الدماميني: لا يعنيه كون المعطوف بم دعاء بناء على جواز عطف الإنشاء على الخبر. والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري مدح بها الأسود بن المنذر اللخمي، وكان غزا أسدًا، فأصاب أسرى وسبيًا من بني سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة والأعشى غائب، فلما قدم، ووجد الحيَّ مباحًا أتاه فأنشده هذه القصيدة، وسأله الأسرى، فوهبهم له، وسأله أن يحملهم، ويردّهم، ففعل، وهذا مطلعها: مَا بُكاءُ الكبيرِ بالأطْلالِ ... وسُؤالي فَمَا يَرْدُّ سؤَالي

стр. 1755

دِمْنةٌ قَفْرةٌ تعَاوَرَها الضَّيْفُ ... بِريجْينِ مِنْ صبًا وشمالِ لاتَ هنَّاد ذِكرى جبيرة أو مَنْ ... جاء منها بطائفِ الأهوال إلى أن قال في آخر القصيدة يخاطبه: رُبَّ رِفْدٍ هَرَقتهُ ذلك اليوْ ... مَ وأسرى من معشرٍ أقتالِ وشيوخُ حربي بشطَّي أريك ... ونِساءٍ كأنهُّنَّ السّعالي وشريكين في كثير من المَا ... لِ وكانا مُخالفي إقلالِ فسَمَا الطارفَ المفدا من الغُنْـ ... مِ فآبا كلاهما ذو مالٍ لنْ يزالوا كَذلِكُمْ ثمَّ لا زِلْـ ... تَ لهم خالدًا خُلُودَ الجبالِ وهذا آخر القصيدة، وهي طويلةٌ أكثر من سبعين بيتًا. وقوله: ما بُكاءُ الكبير إلى آخره، عنى بالكبير نفسه، عذل نفسه في وقوفه على الأطلال، وسؤاله إياها، ثم رجع إلى نفسه، فقال: وما الذي يرد عليَّ سؤالي؟ ! والمعاورة: أن يهبَّ الشّمال مرة، ثم تعقبها الجنوب ثانية، أو الصِّبا، وكل ريح عاقبتها، فقد عاورتها. وقوله: لات هنا ذكرى جبيرة إلى آخره. يقول: ليس حين ذكرها، ولا حين يطرق خيالها. وقد شرحنا هذه الأبيات الثلاثة في الشاهد السّابع والثمانين بعد السبعمائة من شواهد الرضي. وقوله: رب رفد هرقته ... إلى آخره، الرفد: القدح والجفنة، وكل شيء حلبت فيه، وأطعمت فيه، أو سقيت فيه، فهو رفد، يقول: رب شريف قد قتلته ذلك [اليوم]، فكأنَّ رفده هُرِيق، فلم يطعم، ولم يستق، وإنما هذا مثل. وقوله: وشيوخ حربى إلى آخره: جمع حريب الرجال ماله، أي: سُلب، ويأتي إن شاء الله شرح هذا مفصلًا في الباب الخامس، وقوله: وشريكين، إلى آخره، يقول: كانا فقيرين، فلما غزوا معك، استغنيا، وقوله: لن يزالوا كذلكم إلى آخره بالياء التحتية بضمير الغيبة الراجع لمجموع من ذكر من قتلوا وأسروا، وسُبُوا، ونهبوا من الأعداء، وممن غزا معه وقتل، وغنم من الأولياء. وقوله: ولا زلت بالخطاب
следующие страницы →