← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد الأربعمائة: (٤٥٧) أقولُ لعبد الله لما سقاؤنَا ... ونَحْنُ بِوادي عَبْدِ شمسِ وهاشِمِ أقول: جملة "شِمْ" من فعل الأمر وفاعله المستتر فيه مقول القول، وعبد الله المقول له، ولما: ظرف بمعنى حين متعلقة بأقول، وليست شرطية حتى تحتاج إلى جواب، فتقدير المصنف إياه مستغنى عنه، وجملة "ونحن بوادي عبد شمس": حال من فاعل أقول، وقول المصنف وهي بمعنى سقط، إنما وهى بمعنى تخرَّق وانشق كما في "الصّحاح" وغيره، وإليه أشار المصنف في "موقد الأذهان" بقوله: أي: أقول لما وَهَى سقاؤنا ونحن بوادي شمس، ولم يبق فيه شيء من الماء، "شم" البرق. انتهى. وهو أجود مما هنا، فإنَّ فيه إشارة إلى أ، مفعول "شم" محذوف وهو البرق، وإنما أمره بالشيم ترجيًّا للمطر، وقرينة هاشم لعبد شمس أبعدت فيهم المراد. ولأجل التعمية كتبَ وها بالألف دون الياء مع أنَّ واجب رسمه بالياء، لأنه يائي. والبيت نسبه المصنف في "موقد الأذهان" إلى تميم بن رافع المخذومي وأورد السُّيُوطي في كتاب "المزهر" بعد قوله أقول لعبد الله لمَّا سقاؤنا ... البيت، بيتًا للفرزدق من قصيدة وهو: على حالةٍ لو أنَّ في القومِ حاتمًا .. على جُودِهِ لَضنَّ بالماء حَاتِمُ فأوهم أنَّ البيتين من قصيدة واحدة لشاع واحد لتناسبهما، والبيت الأول ليس من شعر الفرزدق قطعًا، وقد نظرت قصيدته التي منها قوله: على حالة لو أن في القوم حاتمًا ... فلم أرَ ذلك للبيت فيها، وإنما هو لمن ذكر المصنف، وقد اغتر ابن وحيي بصنيع السيوطي، فقال: البيتان من قصيدة للفرزدق.

стр. 1752

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد الأربعمائة: (٤٥٨) قَالَتْ لَهُ بِاللهِ يَا ذَا البُرْدَينْ ... لَمَّا غَنِثْتَ نَفَسًا أو اثنَيْنْ على أنَّ "لَمّا" فيه بمعنى إلاَّ، والقسم استعطافي، وغنث بالغين المعجمة والنون المثلثة جاء من ضرب، ومن باب فرح، حكى الأول أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" عن أبي عمرو مع هذا الرجز، وكذا في "جمهرة ابن دريد" وحكى الثاني الأزهري في "التهذيب" عن الليث، وقد جمعهما الصاغاني في "العباب"، فقال: قال الليث: غنث من اللبن -بكسر النون- يغنث غنثًا، وهو أن يشرب ثم يتنفس، يقال: إذا شربت منه، بفتح النون، وأنشد: قَالَتْ لَهُ تَاللهِ يَاذَا البُرْدينْ ... إلى آخره وهذه المادة لم يذكرها الجوهري في "الصحاح". وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد الأربعمائة: (٤٥٩) لَمَّا رَأَيْتُ أَبَا يَزِيدَ مُقَاتِلًا ... أَدَعَ الْقِتَالَ وأَشْهَدَ الهَيْجَاءَ على أنَّ أصله: لن أدع القتال، وأشهد الهيجاء ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا، ففَصَل بين "لن" والفعل المتصل بها لضرورة الشعر، كذا في كتاب "الضرائر" لابن عصفور، وقال ابن جبي في باب الشجاعة في العربيّة من "الخصائص" يريد: أن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا، وكأنه شبّه لن بأنَّ، فكما جاز الفصل بين أنَّ واسمها بالظرف في نحو قولك: إنَّ في الدار زيدًا كذلك شبّه لن مع الضرورة بها، وفصل بينها وبين منصوبها بالظرف الذي هو ما رأيت أبا يزيد، أي: مُدَّة رؤيتي. انتهى كلامه.

стр. 1753

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستون بعد الأربعمائة: (٤٦٠) عَافَتِ الماءَ في الشِّتَاءِ فَقُلْنَا ... بَرِّديهِ تُصَادِفِيهِ سَخِينا على أنَّ أصله: بل رديه، وهو أحد قولين فيه، قال ابن الأنباري في كتاب "الأضداد": قال بعض أهل اللغة: برّدت من الأضداد، يقال: برّد الشيء على المعنى المعروف، ويقال: برَّد الشيء: إذا سخَّنه، واحتجوا بقول الشاعر: عَافَتِ الماءَ في الشِّتَاءِ فَقُلْنَا ... البيت قال أبو بكر: فإذا صحَّ هذا القول، صلح أن يقال للحار: بارد، وأن يقع البرد على الحر إذا فهم المعنى، قال أبو بكر: وحكى لي بعض أصحابنا عن أبي العباس أنه كان يقول في تفسير البيت: بل رديه من الورود، فأدغم اللام في الراء، فصارتا راءً مشددة. انتهى كلامه، وهذا الأخير هو قول المازني، روي أن المازني سُئل عن البيت، فأفكر فيه، ثم قال: أيها السَّائِلونَي عنْ عَويصٍ ... حارتِ الأفكارُ أنْ يسْتبِينَا إنَّ لامًا في الراء ذاتُ ادغامٍ ... فافْصِلَنْهَا تَرَى الجَوابَ يقيِنا حكاه السيوطي في باب الملاحن والألغاز من كتاب "المزهر" وعاف الرجل الطعام والشراب يعافه ويعفيه عِيافة بالكسر: إذا كرهه، وصادفه: وجده، ولقيه، والسخين: الساخن. وأنشد بعده: وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي ... تمامه: أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثاني والعشرين بعد الأربعمائة.

стр. 1754

" لَنْ " أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والستون بعد الأربعمائة: (٤٦١) لَنْ تَزَالوا كَذلِكُمْ ثُمَّ لَا زِلْـ ... ـتُ لَكُمْ خَالِدًا خُلُودَ الجِبَالِ على أنَّ فيه للدعاء، قال ابن السراج في كتاب "الأصول": وقال قوم: يدعى بلن مثل قوله: (فَلَنْ أكُونَ ظهيرًا لِلمجْرِمينَ) [القصص/١٧]، وقال الشاعر: لَنْ تَزَالوا كَذلِكُمْ ... البيت، والدعاء بلن غير معروف. انتهى. وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": لا حجة في ذلك، أمّا الآية فلأنَّ الدعاء لا يكون للمتكلم، لا يجوز أن تقول: لا أسقي زيدًا، ولا سقيت زيدًا عن طريق الدعاء، وإنما يكون ذلك للمخاطب وللغائب، أعني أن فاعل الدّعاء إنما يكون مخاطبًا وغائبًا نحو: يا رب لا غفرت لزيد، ونحو لا غفر الله لزيد، وأما البيت فيحتمل قوله: لن تنالوا البر أن يكون خبرًا، ومع احتماله ذلك يسقط الاستدلال به. انتهى. وقول المصنف: ويرده قوله: ثم لازلت لكم إلى آخره، يعني: أن هذا دعاء قطعًا، وهو معطوف على لن تزالوا، ولو جاز أن يكون خبرًا، لزم عطف الإنشَاء على الخبر، قال الدماميني: لا يعنيه كون المعطوف بم دعاء بناء على جواز عطف الإنشاء على الخبر. والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري مدح بها الأسود بن المنذر اللخمي، وكان غزا أسدًا، فأصاب أسرى وسبيًا من بني سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة والأعشى غائب، فلما قدم، ووجد الحيَّ مباحًا أتاه فأنشده هذه القصيدة، وسأله الأسرى، فوهبهم له، وسأله أن يحملهم، ويردّهم، ففعل، وهذا مطلعها: مَا بُكاءُ الكبيرِ بالأطْلالِ ... وسُؤالي فَمَا يَرْدُّ سؤَالي

стр. 1755

دِمْنةٌ قَفْرةٌ تعَاوَرَها الضَّيْفُ ... بِريجْينِ مِنْ صبًا وشمالِ لاتَ هنَّاد ذِكرى جبيرة أو مَنْ ... جاء منها بطائفِ الأهوال إلى أن قال في آخر القصيدة يخاطبه: رُبَّ رِفْدٍ هَرَقتهُ ذلك اليوْ ... مَ وأسرى من معشرٍ أقتالِ وشيوخُ حربي بشطَّي أريك ... ونِساءٍ كأنهُّنَّ السّعالي وشريكين في كثير من المَا ... لِ وكانا مُخالفي إقلالِ فسَمَا الطارفَ المفدا من الغُنْـ ... مِ فآبا كلاهما ذو مالٍ لنْ يزالوا كَذلِكُمْ ثمَّ لا زِلْـ ... تَ لهم خالدًا خُلُودَ الجبالِ وهذا آخر القصيدة، وهي طويلةٌ أكثر من سبعين بيتًا. وقوله: ما بُكاءُ الكبير إلى آخره، عنى بالكبير نفسه، عذل نفسه في وقوفه على الأطلال، وسؤاله إياها، ثم رجع إلى نفسه، فقال: وما الذي يرد عليَّ سؤالي؟ ! والمعاورة: أن يهبَّ الشّمال مرة، ثم تعقبها الجنوب ثانية، أو الصِّبا، وكل ريح عاقبتها، فقد عاورتها. وقوله: لات هنا ذكرى جبيرة إلى آخره. يقول: ليس حين ذكرها، ولا حين يطرق خيالها. وقد شرحنا هذه الأبيات الثلاثة في الشاهد السّابع والثمانين بعد السبعمائة من شواهد الرضي. وقوله: رب رفد هرقته ... إلى آخره، الرفد: القدح والجفنة، وكل شيء حلبت فيه، وأطعمت فيه، أو سقيت فيه، فهو رفد، يقول: رب شريف قد قتلته ذلك [اليوم]، فكأنَّ رفده هُرِيق، فلم يطعم، ولم يستق، وإنما هذا مثل. وقوله: وشيوخ حربى إلى آخره: جمع حريب الرجال ماله، أي: سُلب، ويأتي إن شاء الله شرح هذا مفصلًا في الباب الخامس، وقوله: وشريكين، إلى آخره، يقول: كانا فقيرين، فلما غزوا معك، استغنيا، وقوله: لن يزالوا كذلكم إلى آخره بالياء التحتية بضمير الغيبة الراجع لمجموع من ذكر من قتلوا وأسروا، وسُبُوا، ونهبوا من الأعداء، وممن غزا معه وقتل، وغنم من الأولياء. وقوله: ولا زلت بالخطاب

стр. 1756

الممدوح، ولهم ضمير الغيبة، فظهر مما ذكر أنَّ البيت قد رُوي في كتب النحو على خلاف الرواية الصحيحة. وترجمة الأعشى قد تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والستون بعد الأربعمائة: (٤٦٢) واللهِ لَنْ يَصِلُوا إليكَ بِجَمْعِهمْ ... حتَّى أُوَسَّدَ في التُرابِ دَفيِنَا على أنَّ لن مع منصوبها قد تقع جوابًا للقسم بقلة كما هنا، وهو أول أبيات خمسة لأبي طالب عم النّبي ﷺ . قالها لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لما أخافته قريش، وبعده: فانفذ لأمرك ما عليك غضاضةٌ ... فكفى بذا دنيا لَديك ودِينَا ودعوتي وزعمْتَ أنَّك ناصحٌ ... فلقد صدقتَ وكنتَ قبلُ أمينا وعَرَضْتَ دينا قدْ علمتُ بأنه ... من خير أديان البرية دينَا لولا الملامة أو حذارِي سُبَّةً ... لوجدتني سمْحًا بذاكَ ضَنِيَا كذا في ديوانه، وأوسد بالبناء للمفعول بمعنى: أوضع، وقوله: فانفذ من نفذ في الأمر: إذا مضى فيه، ورُوي: فاصدع بأمرك، أي: أظهره، وتكلم به جهارًا، والغضاضة: النقيصة والعيبُ، لأنه يغضّ منه البصر احتقارًا. وقوله: فكفى بذا، أي: بمجموع ما ذكر من عدم الوصول، والصدع بالأمر، وعدم الغضاضة. وروي بدله: وابْشِرْ بذاكَ وقرَّ منهُ عيُونا قر منه، أي: من أجله عينًا، ومجيء التمييز جمعًا شاذ، وقر: أمرُ "قررتُ به عينًا" أقر بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع. والمصدر القرة، والقرور بضمها قال المرزوقي في شرح "فصيح ثعلب": قولهم أقر الله عينك معناه: لا أبكاك فتسخن بالدمع عينك، فكأنه قال: سرّك الله، ويجوز أن يكون معناه: صادفت

стр. 1757

ما يرضيك لتقر عينك من النظر إلى غيره، وأما قول بعضهم: معناه برَّد اللهُ دمعتها، لأن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة، فإنه خطأ، لأنَّ الدمع كله حارّ. انتهى. وقوله: ودعوتني، أي: إلى الإيمان، وزعمت، أي: قلت، وقوله: من خير أديان "من" للتبعيض، وقوله: لولا الملامة، أي: لوم قريش للمشركين، وسبّة: مفعول حذاري، وهو مصدر مضاف إلى فاعله، والسُبّة بالضم: ما يُسب به، والسمح: المنقاد، وضنينًا، أي: بخيلًا بتركه. روي في كتب السير وغيرها أن قريشًا جاءت إلى أبي طالب، فكلموه في النبيّ ﷺ ، فبعث إليه، فقال له: يا ابن أخي إنَّ قومك جاؤوني، وقالوا لي: كذا وكذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أُطيق، فظنَّ النبيّ ﷺ أن قد بدا لعمّه فيه، وأنه خاذله فقال: "يا عم والله لو وضعت الشمس في يميني، والقمر في شمالي ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك في طلبه" ثم استعبر رسول الله ﷺ ، فلمّا ولّى، قال له: يا ابن أخي امض على أمرك، وافعل ما أحببت، فو الله لا أُسلِمك لشيء أبدًا، وقال هذه الأبيات الخمسة، وترجمة أبي طالب تقدمت في الإنشاد السابع بعد المائتين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والستون بعد الأربعمائة: (٤٦٣) فَلَنْ يَحْلَ للعينينِ بَعْدَكِ مَنْظَرُ على أنَّ لن قد تجزم، فإن "يحل" مجزوم بحذف الألف، قال ناظر الجيش: قيل: إن الجزم بها لغة، وأنشد هذا المصراع والبيت كأبي حيّان. وأقول: المصراع

стр. 1758

عجز، وصدره: أيادي سبَايَا عزَّ ما كنتُ بعدكمْ ... فلم يحلْ بالعينينِ بعدك منظرُ كذا أنشده ابن الأنباري في "المقصور والممدود" وكذا أنشده القاني أيضًا في "المقصور والممدود" النسختان صحيحتان قديمتان. أما نسخة ابن الأنباري، فتاريخ كتابتها سنة خمس وسبعين وثلاثمائة بعد وفاته بسبع وأربعين سنة، وأما نسخة القالي، فتاريخها سنة ثنّي عشرة وخمسمائة، وكاتبها من أولاد المصنف، قال في آخرها: تم جميع الديوان، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعبده، وفرغ من نسخة في عقب جمادى الآخرة سنة ثني عشرة وخمسمائة، وكتبه عبد الله بن محمد بن عمر بن أبي علي لنفسه نفعه الله به. انتهى. قال ابن الأنباري: وقد أجمعت العرب على ترك الهمزة في قولهم: هذه أيدي، وأيادي سبا. وأصله الهمزة، ولكنه جرى في هذا المثل على السكون، فترك همزهُ قال العجاج: مِنْ صادرٍ أو وَاردٍ أيدي سَبَا وقال كثير: أيادي سبَايَا عزَّ ما كنتُ بعدكمْ ... فلم يحلْ بالعينينِ بعدك منظرُ ويكتب بالألف، لأنَّ أصله الهمزة. انتهى كلامه. ونقله القالي بعينه من غير زيادة ولا نقص، وعزاه إليه. وقال ابن ولاد أيضًا في "المقصور والممدود": وَأما قول العرب: تفرقوا أيادي سبا، وأيدي سبا، فإنه جرى في كلامهم غير مهموز، وكتابه بالألف. انتهى. وكذا أنشده صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كلَّ ممزق) من سورة سبأ [الآية ١٩] قال: أحاديث يتحدث الناس بها، ويتعجبون من أحوالهم، وفرقناهم تفريقًا، اتخذهُ الناس مثلًا مضروبًا، يقولون: ذهبوا أيدي سبا، وتفرقوا أيادي سبا، قال كثير: أيادي سبايَا عزَّ ... البيت.

стр. 1759

وقال الطبي: قوله: أيادي سبا يا عزَّ ... البيت، تقديره: يا عزّة كنت بعدكم أيادي سبا، وما مزيدة، أو للداوم، يقال: حلا الشيء في فمي يحلو، وحليّ بعيني وقلبي يحلى، أي: كنت بعدكم مثل أيادي سبا، وقولهم: ذهبوا أيدي سبا، أي: مثل أيدي سبا، ووجب إضمار مثل، لأن أيدي سبا وقع حالًا عن فاعل ذهبوا وهو معرفة، لأنَّ إضافته حقيقة، ومن حق الحال أن يكون نكرة، والتقدير: متفرقين، وسبا مهموز في الأصل، غير أنه التزم التخفيف في هذا المثل، والأيدي كناية عن التفرقة، لأنهم تفرقوا في البلاد من قولهم: أخذ يد البحر، أي: طريقه، وقيل: أيدي سبا، أي: أولاد سبا، سُمُّوا أيدي، لأنَّ الأولاد أعضاؤه لتقويّه بهم. انتهى كلامه، ومن خطه الشريف نقلت. والمنظر: إمّا مصدر ميمي، أو اسم مكان، والمعنى كنت بعد فراقك يا عزة مشتّت الحال، مفرق البال، فلم يحل لعيني نظر أن منظر، فظهر بهذا أن المعنى مع لم، فإنَّ ما ذكره حكاية حال ماضية، لا إخبار عن أمر مستقبل، والرواية: فلك يحلّ بالعينين، بالباء لا باللام، وهو المذكور في كتب الّلغة. والله أعلمُ بحقيقة الحال. وترجمة كثير عزة تقدمت في الإنشاد التاسع عشر. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والستون بعد الأربعمائة: (٤٦٤) لنْ يخِبِ الآنَ مَنْ رَجَاكَ وَقَدْ ... حَرَّكَ مِنْ دونِ بابكَ الحَلَقَةْ على أنَّ لن فيه أيضًا جازمة بدليل حذف الياء التي هي عين الفعل لالتقاء الساكنين، وأما كسر الآخر، فهو عارض لالتقاء الساكنين، ولو كانت ناصبة، لقيل: لن يخيب بإثبات الياء وفتح الآخر، قال أبو حيان: قد حكي أن الجزم بها لغة، وهذا البيت أنشده أبو الحسين بن الطراوة، والمصراع السابق أنشده غيره. وأقول:

стр. 1760

كيف يصح اجتماع "لن" مع الآن، ولا يصح ذكر الآن إلا مع لم، فإن قلت: اجعل الخيبة المقيّدة الآن منفية في المستقبل، قلت: الخيبة المنفية إنما هي المقيدة الآن بدليل ما رواه ابن السيد البطليوسي فيما كتبه على "كامل المبرد" قال: روى الحسن عن إسماعيل، عن سليمان بن موسى، عن جعفر بن محمد قال: بلغني أن أعرابيًا دخل المدينة، فبينما هو يجول في أزقتها، إذ مر بباب الحسين علي بن أبي طالب ﵄، فلما عرف الدار أنشأ يقول: لن يخِبِ الآن من رَجاكَ ومنْ ... حرَّكَ من دونِ بابكَ الحلقهْ أنت جوادٌ وأنت مُعتبرٌ ... أبُوكَ قد كان قاتل الفسقهْ لولا الذي كان من أوائلكمْ ... كانت علينا الجحيم منطبقهْ فسمعه الحسين ﵁ وهو يصلي، فأوجز في صلاته، ثم خرج، فإذا هو بأعرابي في أسمال، فقال: رويدك يا أعرابي، ثم نادى: يا قنبر ما معك من النفقة؟ قال: ألف درهم، قال: فائت بها، فقد أتى من هو أحق بها منا، ثم أخذها من قنبر، فصيّرها في أحدى رُدنين كانت معه، ثم دفعها للأعرابي من داخل الباب، وقال: خذها فإني إليكَ معتذرٌ ... واعلم بأنيَّ عليكَ ذو شفقهْ لو كان في سَيْرِنَا الغداةَ غضًا ... كانتْ سَمَانَا عليكَ مُنْدفِقهْ لكنَّ ريبَ الزمانِ ذو غيرٍ ... والكفُّ مِنَّا قليلةُ النفقهْ فأخذها الأعرابي فقال: مطهراتٌ نقياتٌ جيوبهمُ ... تجري الصلاة عليهم أينما ذُكِرُوا فأنتمُ أنتمُ الأعلون إنَّ لكمْ ... أُمَّ الكتابِ وما جاء به السُّورُ مَنْ لم يكُن عَدَويًا حين تنسبِهُ ... فلن يكونَ له في الناس مفتخرُ قال البطليوسي: وجزم الأعرابي بلن، وذكر اللحياني أن ذلك لغة بعض العرب يجزمون بالنواصب، وينصبون بالجوازم، وسكن اللغويون لام الحلقة، وفتحها الأعرابي، وقال ابن جني: يقال حلقة حديد، وحلقة من الناي بسكون اللام،

стр. 1761

والجمع حلق بفتحها، وحكي عن يونس حلقة وحلق، بفتح اللام فيهما، وقال أبو عمرو الشيباني: ليس في كلامهم حلقة بفتح اللام إلا في جمع حالق. انتهى كلام ابن السيد، وهكذا ذكر ثعلب في "فصيحه" أن حلقة بفتح اللام إنما هو جمع حالقٍ. وروي البيت هكذا أيضًا: لنْ يخِبْ من رجائك مَنْ ... حرَّكَ من دون بابك الحلقهْ (لَيْتَ) أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس والستون بعد الأربعمائة: (٤٦٥) فَيَاليتَ الشبابَ يعُودُ يومًا ... فأُخيّرهُ بما فَعَلَ المَشِيبُ على أنَّ ليت فيه متعلقة بالمستحيل، فإنَّ عود الشباب محال، وهو من أبيات لأبي العتاهية أنشدها الجاحظ في كتاب "البيان" وثعلب في "أماليه" وهي: عريتُ من الشبابِ وكانَ غضًّا ... كما يعْرَى من الوَرَقِ القضيبُ ونُحْتُ على الشبابِ بدَمْعِ عيني ... ومنتحبًا فما أغنى النحيبُ فيا أسفا أسفتُ على شبابٍ ... نعاهُ الشيبُ والرأسُ الحَضيبُ تجلَّاني وبيّضَ عَارِضيّ ... وغيَّرني فأنكرني الحبيبُ الغضُّ: الطري، ونحت: بكيت، والنحيب: أشد البكاء، والنعي: الإخبار بموت أحد، وتجلاني: غطاني وشملني، وأصله: تخلّلني بلامين، والعارض والعارضة: صفحة الحد، ورأيت في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين ما هو أحسن من هذا وهو:

стр. 1762

بكيتُ على شبابٍ قد تولَى ... فيا ليتَ الشبابَ لنا يعودُ فلو كانَ الشبابُ يباعُ بيعًا ... لأعطيتُ المُبايِع ما يريدُ ولكنَّ الشبابَ إذا تولَّى ... على شرفٍ فمطلبُهُ بعيدُ وشعر أبي العتاهية ليس مما يستشهد به، قال ابن السيد فيما كتبه على كامل المبرد: أبو العتاهية هو إسماعيل بن القاسم بن سُويد بن كيسان مولى عنزة، وكنيته أبو اسحاق، وأبو العتاهية لقب له، وكان في أول مرة يخنّث، ويحمل زاملة المخنثين، ثم كان يبيع الفخار بالكوفة، ثم قال الشعر فبرع فيه، ويقال: أطبع الناس بشار وأبو العتاهية والسيد. وما قدر أحد قط جمع شعر هؤلاء لكثرته إلا أنه كثير المرذول، وكان ينسب إلى القول بمذاهب الفلاسفة، وأنه لا يؤمن بالبعث، وقال له المهدي: أنت إنسان متحذلق متعتّه، فاشتقت له من ذلك كنية غلبت عليه، ويقال للرجل المتحذلق: عتاهية، كما يقال للطويل: شناحية، ويقال أبو عتاهية بإسقاط الألف واللام، وحكى ميمون بن هارون عن مشايخه قال: كان يحب الشهوة والمجون فكني لرعونته بأبي العتاهية وكان أبوه حجّامًا، ولذلك يقول: وليستْ على عبدٍ تقيٍ نقيصةٌ ... إذا صحّح التقوى وإنْ حاكَ أو حجمَ وقيل لبشار: منْ أشعر أهل زماننا؟ قال: مخنث ببغداد: يعني أبا العتاهية. انتهى. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والستون بعد الأربعمائة: (٤٦٦) يا ليتَ أيامَ الصِّبَا رَوَاجعا على أنَّ ليت قد تنصب الجزءين كما هنا، وهو من شواهد سيبويه لم يعرف قائله، ولا تتمه، وقد تكلمنا على ما يتعلق به في الشاهد الواحد والأربعين بعد الثمانمائة من شواهد الرضي.

стр. 1763

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والستون بعد الأربعمائة: (٤٦٧) مرَّت بِنَا سَحَرًا طيرٌ فقُلتُ لَها ... طُوباكِ يا ليتني إيَّاكِ طُوباكِ على أنَّ ليت فيه قد نصبت الجَزءين: أولهما الياء، وثانيهما إيّاك، وهو من شعرٍ لابن المعتزّ قاله عندما سُلِّم لمؤنس ليقتله، وهو: يا نفسُ صبرًا لعلَّ الخير عُقْباكِ ... خانتكِ من بعدِ طُولِ الأمْنِ دُنياكِ مرَّت بنا سحرًا طيرٌ فقلت لَها ... طوباك يا ليتني إياكِ طوباكِ إنْ كان قصدُكِ شوقًا بالسلامِ على ... شاطيء الفراتِ ابلغني إن كان مئواكِ مِنْ موثقٍ بالمُنى فكاك لهُ ... يبكي الدماء على إلفٍ لهُ باكِي إلى أن قال: أظنُّهُ آخر الأيامِ من عمرِي ... وأوشَكَ اليومَ أن يَبْكي لَه الباكي ومحاسن عبد الله بن المعتز كثيرة، وكان قتله في ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين. نشد بعده: قَالَت ألا لَيْتمَا هذا الحمامَ لَنَا ... البيت وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والتسعين.

стр. 1764

(لعَلَّ) أنشد فيه وهو الإنشاد الثامن والستون بعد الأربعمائة: (٤٦٨) لَعَلَّ أبي المغوارِ منك قريبُ على أنَّ لعلَّ فيه حرف جر، قال ابن جني في "سر الصناعة": حكى أبو زيد أن لغة عُقيل: لعلَّ زيدٍ منطلق، بكسر اللام الآخرة من لعلّ، وجر زيد، قال كعب بن سعد الغنوي: فقُلتْ ادعُ أخرى وارفع الصوت ثانيًا ... لعَلَّ أبي المغوارِ منكَ قريبُ وقال أبو الحسن: ذكر أبو عبيدة أنه سمع لام لعل مفتوحة في لغة من يجرّ في قول الشاعر: لعلَّ اللهِ يمكنني عليهَما ... جهارًا منْ زهيرٍ أوْ أسيدِ انتهى. وعقيل بالتصغير: أبو قبيلة، وهو عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وما نقله المصنف عن الفارسي قاله في "الحجة" قال عند قوله تعالى: (ولكِنَّ الشياطينَ كفروا) [البقرة/ ١٠٢]: فأما ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر: فقلتُ ادعُ أخرى وارفعِ الصوتَ دعوةً ... لعلَّ أبي المِغوارِ ... البيت ولعل أبي المغوار، فينبغي أن يكون على إضمار القصة والحديث، كأنه خفف لعل وأعملها كما تخفف إن وتعمل، فمن فتح اللام، وجر الاسم، فقال: لعل أبي المغوار، فاللام لام الجر إلا أنه فتحها مع المظهر كما تفتح مع المضمر، وزعم أبو الحسن أنه سمع فتح اللام مع المظهر من يونس وأبي عبيدة، وخلف الأحمر، وزعم أنه سمع هو أيضًا ذلك من العرب، ويكون الجر في أبي المغوار على هذه اللغة،

стр. 1765

ومن قال: لعل أبي المغوار حذف لام لعل، وأضمر القصة أو الحديث وكسر اللام مع المظهر على اللغة التي هي أشيع، والتقدير: لعل لأبي المغوار منك جواب قريب، أي: لعل نصره لا يبعد عليك، ولا يتأخر عنك، وإن قلت: إنه حذف اللام لاجتماع اللامين كما حذفت من (أنَّا معكمْ) ونحو ذلك، كان قولًا. انتهى كلامه. وقد جاء من رواية أخرى: لعل أبا المغوار على الأصل، وقد أوردنا ما يتعلق بهذه المسألة نقلًا وبحثًا، وأطنبنا فيها في الشاهد السابع والسبعين بعد الثمانمائة، والبيت من قصيدة طويلة لكعب بن سعد الغنوي رثى بها أخاه أبا المغوار أوردنا غالبها هناك، وهي بتمامها مذكورة في "أمالي القالي" وفي "منتهى الطلب"، وبعضهم يرويها لسهم الغنوي وهو من قومه، وليس بأخيه، وقبل البيت: وداعٍ دعا يا مَنْ يجيبُ النِّدا ... فلمْ يستجبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجيبُ فقُلتْ ادعُ أخْرى ... البيت. يُجِبْكَ كما قدْ كان بفعلُ إنهُ ... مُجيبٌ لأبوابِ العَلاء طَلُوبُ قوله: وداع، الواو واو ربّ، والنَّدى بالكسر: الصوت، وأصله المد، فقصر للضرورة، ويجوز أن يكون بالفتح، والقصر بمعنى الجود. وقوله: فلم يستجبه أورده صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (فاستجابَ لهمْ ربُّهمْ) [آل عمران/ ١٩٥]، على أنَّ الاستجابة تارة تتعدى بنفسها كما في البيت، وتارة باللام كما في الآية، وهو أكثر شيوعًا، هذا في التعدية إلى الداعي، وأما إذا عُذي إلى الدَعاء، فبدون اللام أكثر شيوعًا نحو: استجاب الله دعاه، ولهذا قال في سورة القصص: هذا البيت فيه حذف مضاف، أي: لم يستجب دعاءه، وقوله: لعل أبي المغوار هذا الترجي ناشيء من شدة ذهوله من عظم مصابه بأخيه. وكعب بن سعد الغنوي شاعر إسلامي ذكرنا ترجمته في الشاهد الثاني والسبعين بعد الستمائة من شواهد الرضي.

стр. 1766

وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والستون بعد الأربعمائة: (٤٦٩) وجيرانٍ لنَا كانُوا كرامِ على أنَّ كان عنده زائدة في البيت، وهذا نص سيبويه. وقال الخليل: إنَّ من أفضلهم كان زيدًا، على إلغاء كان، وشبّهه بقول الشاعر: فكيفَ إذا رأيتَ ديارَ قَوْمي ... وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ انتهى. قال الأعلم: الشاهد فيه، إلغاء كان وزيادتها توكيدًا وتبيينًا لمعنى المضي، والتقدير: وجيران لنا كرام كانوا كذلك، وقد ردَّ المبرد هذا التأويل، وجعل قوله: لنا خبرًا لها، والصحيح ما ذهب إليه الخليل وسيبويه من زيادتها، لأن قوله: لنا، من صلة الجيران، ولا يجوز أن يكون خبرًا لكانوا، واللام للاختصاص، وقد أيد كلام، سيبويه، ورد توجيه المبرد، وقد أوردناه، وذكرنا ما للناس فيه من كلام في الشاهد الواحد والثلاثين بعد السبعمائة. وروى علي بن حمزة البصري في "التنبيه على ما وقع من الأغلاط في نوادر أبي زياد" عن الجلودي في أخبار الفرزدق أنه حضر عند الحسن البصري فأنشدهَ: أقولُ إذا رأيتُ ديارَ قومِي ... وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ فقال له الحسن: كرامًا يا أبا فراس، فقال الفرزدق: ما ولدتني إلاَّ ميسانية إن جاز ما تقول يا أبا سعيد، قال: وأم الحسن من ميسان، فهذا ردّ الفرزدق عن نفسه، وقد أصاب، وتقدير قوله: وجيران كرام كانوا لنا. انتهى. وميْسانُ

стр. 1767

من قرى العراق، يريد أني لم أكن من العرب، بل من المولودين إن صح ما لحنتي فيه. والبيت من قصيدة له مدح بها هشام بن عبد الملك وهجا جريرًا، وأولها: ألستمْ عائجينَ بنا لَعَنَّا ... نرى العرصات أو أثرَ الخيامِ فقالوا إنْ عرضتَ فأغنِ عنَّا ... دُمُوعًا غير راقئةِ السجامِ فكيف إذا مررت بدارِ قومٍ ... البيت. والهمزة للاستفهام التقريري، وعائج: اسم فاعل من عجت البعير أعوجه عوجًا: إذا عطفت رأسه بالزمام، ولعنا: لغة في لعلّنا، وعرصة الدار: ساحتها، وعرضت: أتيت العروض وهي مكة والمدينة وما حولهما، وروى ابن سلام الجمحي في "الطبقات" بدله: "إذا وقفت، وكيف إذا رأيت ديار قوم، وأغن عنا" أمر من أغنيت عنه، أي: أجزأت عنه، أراد أن أصحابه لم يوافقوه على عطف الزمام، ودموعًا، أي: بدموع، وراقئة بالهمزة من رقأ الدمع رقُوءًا: إذا سكن، والسّجام مصدر سجم الدمع، أي: سال، وقوله: فكيف إذا مررت ... إلى آخره، كيف: استفهام فيها معنى التعجب، وهي ظرف عاملها محذوف، والتقدير: كيف يكون حالي، وترجمة الفرزدق تقدّمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السبعون بعد الأربعمائة: (٤٧٠) ... لعلَّمَا ... أضاءتْ لكَ النَّارُ الحمارَ المُقيَّدَا على أنَّ لعل إذا اتصلت بها ما الكافة كفتها عن العمل. قال أبو حيان في "التذكرة": صارت لعل بما الكافة ابتداء يقع بعدها الفعلية والاسمية، ولهذا لم تعمل، لأنه زال اختصاصها، وزعم ابن درستويه أن "ما" ههنا اسم بمنزلة المضمر المجهول، والجملة تفسره، ولم يتنزل شيء من الأسماء بمنزلة هذا المضمر، فيكون هذا مثله، وعدموا وجوه "ما" الاسمية، ولم يذكروا هذا، ولا وجد له نظير، فالقول به باطل. انتهى كلامه. وفي "شرح أبيات الإيضاح" للفارسي: لا تكون ما بمعنى الذي.

стр. 1768

لأنَّ القوافي منصوبة، ولا يتقدم خبرها على اسمها، ويجوز أن بمعنى الأمر، والجملة بعدها في موضع خبرها كما قالوا: إني مما أن أفعل، وذهب ابن درستويه وبعض الكوفيين إلى أنها نكرة مبهمة، ويقوي ما ذكرته قوله: أضاءت بلفظ الماضي، أي: لعل الأمر أضاءت. هذا كلامه، وقد رده أبو حيان، والبيت من مقطوعة للفرزدق هجا بها جرايرًا يخاطب بها عمر لجأ التيميّ، وهي: رأي عبدُ قيسٍ شوَّرتْ بها ... يَدَا قابسٍ أهْوَى بها ثُمَّ أخمدَا عسى أنْ يُعيدَ المُوقدُ النارَ فالتمسْ ... بعينيك نارَ المصطَلِي حيثُ أوقدا أعِد نظرًا يا عَبْدَ قيْسٍ لعلَّمَا ... أضاءت لكَ النارُ الحمارَ المقيدَّا حمارَ كليبينَ لم يشهدوا بهِ ... رهانًا ولم يلفوا على الخيل روَّدا ولا شهدوا يوم النِّسارِ ولمْ تعُدْ ... نساؤهمُ مِنْهُمْ كميًا مُوَسَّدا حمارٌ بمروُّتِ السُخَامَةِ قارَبَتْ ... كليبيةٌ قينيهْ حتى ترَدَّدَا كليبيةٌ لم يجعل الله وجههَا ... كريمًا ولم تُزجِر لها الطيرُ أسْعُدا إلى أن قال بعد خمسة أبيات: لئنْ عبث نار ابنِ المراغةِ إنها ... لأ لأمُ نارٍ مصطلينَ وموقِدًا إذا ثقبوها بالكدادةِ لم تضِئ ... رئيسًا ولا عندَ المنيخينَ مرفدًا ولكن ظرابي عندها يصطلونها ... يصُفُّونَ للزِرَّبِ الصفيحَ المُسنَدَّا قنافذ درَّامون حولَ جحاشهمْ ... لما كانَ إيَّاهُمْ عطيةُ عُوَّدَا أوردها ابن حبيب في "النقائض". وقال: عبد قيس هذا: عدي بن الجندب بن العنبر، وشوّرت بها: أشارت بها أو رفعتها يعني النّار، وقابس: مقتبس، وأخمد: أطفأ، انتهى. وهو من رهط جرير، وأراد بالخفقة: التهاب النار، وصوت حريقها،

стр. 1769

يقول: رأى التهاب نار أوقدها قابسُها، ثمَّ أخمدها بقطع الوقود عنها، وقوله: أعد نظرًا إلى آخرها. أضاء هنا متعد، أي: بيّن لك ضوء النار، وأشار إلى أنهم أهل ذلة وقلة لا يأمنون من يطرقهم، فلذلك قيدوا حمارهم، وهذا بخلاف قول الأخنس بن شهاب التغلبي حيث أشار إلى كثرتهم وعزتهم بقوله: وكلُّ أناسٍ قاربوا قيدَ فحلِهْمِ ... ونحن خلعنا قيده فهو سَارِبُ وقال ابن جني: يهزأ به يقول: أنت صاحب حمير، فإنما أضاءت لك النار ما تعالجه، ولست بصاحب خيل. انتهى. وقال الخوارزمي: يهجوه بأنهم يقيدون الأتن ليأتوها، قاله أبو علي الدقاق وهذا كلام من لم يقف على سياق الأبيات، وغفلة عن لفظ الحمار، وروى أبو بكر الصولي بسنده عن أبي زيد الأنصاري أنه قال: كان المفضل إذا لم يرض الجواب، أنشد: أعِدْ نظرًا يا عبدَ قيسٍ ... البيت وقال ابن حبيب بعد قوله: الحمار المقيّدا: يعني حمارًا من حمير بني كُليب، لأنهم أصحاب حمير. انتهى. وبنو كليب رهط جرير، وقوله: حمار كليبين بالنصب بدل من الحمار المقيد، ويوم النّسار، بكسر النون، يوم من أيام العرب، والكمي: الشجاع، والموسّد: الجريح المتكئ على وسادة، ومرّوت السّخامة: موضع له يوم، وقاربت: ربطت، وقيناه: وظيفاه، والوظيف: موضع الشكال من قوائم الدابة، وتردد، أي: دار يرعى بقرب منها، وقوله: لئْن عبت، الخطاب لعمر بن نجأ، وابن المراغة: لقب جرير: لقبه به الفرزدق، والمّراغة: الأتان، ومصطلين: تمييز من ألأم، والكُدادة بالضم، قال ابن حبيب: اسم موضع بالمرّوت، وموضع "ظرابي" نصب يعني تضيء ظرابيًا، والصفيح: صخور رقاق عراض،

стр. 1770

والزرَّب: حظيرة للغنم، وجمعها زِراب. انتهى. وثقبوها: حركوها بعود لتتقد، وإنما وصف نارهم بقلة الإضاءة إشارة إلى خستهم وبخلهم لا يوقدون حطبًا كثيرًا لئلا يقصدهم الضيوف، والكريم يوقد ناره في أعلا موضع، ويكثر وقودها حتى يراها الضيف والمنقطع من مكان بعيد، فيقصده، وأما هؤلاء فقد أوقدوا نارهم في الزرب، وأسندوا عليه الحجارة العراض حتى لا يظهر ضؤوها لأحد فيقصدهم، ومع ذلك، فلا يوقدونها بشدة، فلا تبين الرئيس منهم، والمنيخ: الضيف الذي ينيخ راحلته، والمِرفَد بالكسر: القدح الضخم، وقوله: ولكن ظرابي هو جمع ظربان بفتح فكسر: دويبة كالهرّة منتنة الفساء إذا فَسَت بين إبل تشرَّدت من نتنه، وتأتي إلى جحر الضب، فتفسو فيه، فيسدر من خبث رائحته، فتأكله، وإذا فست في ثوب لم تذهب رائحة النتن منه حتى يبلى، شبههم بهذه الدابة، فلا يقدر أحد يقربهم بنتن فساهم. وقوله: قنافذ درّامون، قال ابن حبيب: درّامون: يمشون مشيًا متقاربًا في سرعة، ويقال: درامون: ضراطون. انتهى. وجحاش: جمع جحش، وعطية: أبو جرير. وقال ابن سلّام الجمحي في ترجمة جرير من "طبقات الشعراء": حدثني حاجب بن يزيد بنِ شيبان بن علقمة بن زرارة قال: قال جرير بالكوفة: لقد قادني من حب ملوية الهوَى ... وما كنت إلفًا للحبيبة أقوَدَا أحب ثَرَى نجدٍ وفي الغور حاجةٌ ... فغار الهوى يا عبد قيسٍ وأنجدَا أقولُ له يا عبد قيسٍ صبابةً ... بأي ترى مستوقد النار أوقدًا فقال أراها أرثت بوقودهَا ... بحيث استفاض القمع شيحًا وغرْقَدا فأعجب الناس، وتناشدوها، فحدثني جابر بن جندل قال: فقال جرير: أأعجبتكم هذه الأبيات؟ قالوا: نعم، قال: كأنكم بالقينِ –يعني الفرزدق- قد قال:

стр. 1771

أعدْ نظرًا يا عبد قيسٍ فإِنَما ... أضاءت لكَ النارُ الحمارَ المُقَيّدَا فلم يلبثوا أن جاءهم في قول الفرزدق هذا البيت، وبعده: حمارٌ بمرّوتِ السّخامة قاربتْ ... وظيفيهْ حولَ البيتِ حتى ترَدَّدا كليبية لم يجعل اللهُ وجهْهَا ... كريمًا ولم تزجرها الطيرُ أسعُدَا فتناشدها الناسُ، فقال الفرزدق: كأنكم بابن المراغة قد قال: وما عبتَ من نارٍ أضاءَ وقودُها ... فراشًا وبسطام بن قيس مقيّدا فإذا قد جاء لجرير هذا البيت، ومعه: وأوقدت بالسيدان نار مذلةٍ ... وأشهدت من سوآت جعثن مشهدَا انتهى ما رواه الجمحي، وأورده هذه الحكاية بعينها الأصبهاني أيضًا في كتاب "الأغاني". وماوية: امرأة، وأقود: منقاد، وغار وأنجد: ذهب إلى الغور وإلى نجد، وقوله: بأي، أي: بأيّ حطب، ومستوقد: موضع الوقود، وأُوقِدَ، بالبناء للمفعول، وكذا أُرئت، مجهول أرثتُ النار أوقدتها، وتأرثت: اتقدت، والوقود، بالفتح: الحطب الذي يوقدها، والشيح: نبت، والغرقد: شجر عظام، وقيل هو العوسج، والسيّدان بالكسر: موضع زعم جرير أنّ أخت الفرزدق جعثن أسرت فيه. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والسبعون بعد الأربعمائة: (٤٧١) لَعَلَّ لَهَا عُذْرٌ وَأَنْتَ تَلُومُ على أنه أول لحن سمع بالبصرة، وقال الغزالي: أول لحن سمع بالبصرة: "هذه عصاتي" وبعده: لعلَّ لها عذرٌ وأنتَ تلُوُلعلَّ لها عذرٌ وأنتَ تلُوُمُ

стр. 1772

والصواب: عذرًا، انتهى. نقله عنه من المالكية التتائي في شرح "مختصر خليل" في باب الجمعة، ويجوز أن يكون اسم "لعل" ضمير الشأن، والجملة بعدها من المبتدأ والخبر في موضع خبرها، كذا قال المصنف، ورأيت في بعض نسخ "المغني" مصراعًا قبله، وهو: فلا تبدها باللومِ قبل سؤالها وأصله: فلا تبدأها بالهمزة، فخفقت بالحذف، يعني: ينبغي أن لا تلومها ابتداء قبل سؤالك إياها، فقد يكون عذر لا يستحق معه اللوم، وقد كشفت عنه في كتب الأوليات، فلم أر له ذكرًا فيها، وأورده الميداني في "مجمع الأمثال" لكن بضمير المذكر، ونصب العذر على القياس. قال: لعل عذرًا أو أنتَ تلُومُ، يضرب لمن يلوم من له عذر، ولا يعلمه اللائم، وأوله: تأنَّ ولا تعجلْ بلومِك صاحبًا انتهى. وكذا في "مستقصى الأمثال" للزمخشري. وقال الجاحظ في كتاب "البيان" قال مسلم بن الوليد: لعلَّ له عذرًا وأنتَ تلومُ ... وكمْ لائمٍ قد لامَ وهو مُلِمُ ومليم من ألام الرجل: إذا فعل فعلًا استحقّ عليه اللوم، وأنشد أبو منصور الثَّعالبي هذا البيت بعينه في كتاب " التمثيل والمحاضرة" لمنصور النمريّ. ورأيت في كتاب "العباب" لحسن بن صالح اليمني في "شرح أبيات الآداب" لابن سناء الملك بن شمس الخلافة: إذا ما رأيتَ المرءَ يشربُ آسنًا ... منَ الماء يستمريهِ وهوَ وخيمُ فلا تُكثرَن لومًا عليه وخلّهِ ... لعلَّ له عذرًا وأنتَ تلُومُ وقد جاء هذا المثل في شعر أبي العلاء المعرّي أيضًا، قال في شعر: لكَ اللهُ لا تذعر وليًا بغضبةٍ ... لعلّ له عذرًا وأنت تلُومُ فلو زارَ أهل الخُلدِ عتبك زورَةً ... لأوهمهم أن الجنانَ جحيمُ

стр. 1773

وفي الأمثال: رُبَّ ملومٍ لا ذنب له، وأورد الجاحظ في "البيان" قول ابن المقفع: فلا يلم المرء في شأنهِ ... فرُبّ ملومٍ ولم يّذنِبِ وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والسبعون بعد الأربعمائة: (٤٧٢) لعلَّلكَ يومًا أن تُلِمَّ مُلِمَّةٌ تمامه: عليكَ منَ اللائي يدعنكَ أجدعَا على أنَّ خبر لعل يقترن بأن كثيرًا حملًا على عسى، وكذا قال الرضي إلا أنه لم يقل بكثرة، والكثرة إنما هي بالنسبة إلى اقترانه بحرف التنفيس، وأما بالنسبة إلى التجرّد فاقترانه بأن قليل قطعًا، ويؤيده أن المبرد قال في "الكامل" بعد إنشاده هذا البيت: إنَّ التجرد من "أن" هو الجيد، والاقتران بها غير جيّد، وخصّه الزمخشري في "المفصل" بالضرورة، وزعم بعضهم أنَّ الخبر محذوف تقديره: لعلك معدّ لأن تلم ملمة. والبيت من قصيدة في آخر "المفضليات" لمتمم بن نويرة الحصابي، رثى بها أخاه مالك بن نويرةَ لمَّا قتله خالد بن الوليد بتهمة الردة وقد تقدَّم الكلام عليه في الإنشاد الواحد والخمسين. وهذه أبيات منها، إلى آخر القصيدة: ألم تأتِ أخبار المحل سراتكُمْ ... فيغضب منكم كلُّ من كان موجِعَا بمشمتَهِ إذ صادف الحتفُ مالكًا ... ومشهده ما قد رأي ثمَّ ضيعًا

стр. 1774

أآثرت هدما باليًا وسويةً ... وجئت بها تعدو بريدًا مقزَّعًا فلا تفرحن يومًا بنفسك إنّني ... أرى الموتَ وقاعًا على من تشجعا لعلك يومًا أن تلِم ملمةٌ ... عليك من اللائي يدعنك أجدعا نعيت أمرًا لو كان لحمك عنده ... لآواهُ مجموعًا له أو ممزَّعا فلا يهنئ الواشين مقتل مالك ... فقد آب شانيه إيابًا فودعا قوله: ألم تأت أخبار المحل إلى آخره، هو بضم الميم، وكسر الحاء المهملة: رجل من بني ثعلبة مرّ بمالك مقتولًا فنعاه كأنه شامت به، فذّمه متمم، وقال ابن الأنباري في شرحه: المحل بن قدامة مرّ بمالك، فلو يُواره. والسراة: الأشراف، وقوله: بمشمته متعلق بموجعًا، وهو مصدر شمت به شماتة ومشمتًا، ومشهده معطوف على مشمته، والضمائر كلها للمحل. وقوله: أآثرت: استفهام توبيخي، والخطاب للمحل، والهدم بالكسر: الثوب الخلق، والبالي: الفاني، والسَوِّية بفتح فكسر: كساء محشو بثمام ونحوه يجعل على ظهر الإبل كالحلقة لأجل السنام، قلا أبو جعفر: أعطيَ المحل سلب مالك ففرح به، وأقبل راجعًا، وقزَّع الرجل بالقاف والزاي المعجمة: إذا أسرع في سيره، وقزَّع القوم رسولًا: إذا أرسلوا، أراد أنّك تسعى بخبر موته مسرعًا كمجيء البريد. وقوله: فلا تفرحن ... إلخ: دعاء عليه، أي: لا فرحت بنفسك، وقوله: وقاعًا على من تشجعا، أي: لا يُفلت من الموت أحد يقول: آثرت الثيابِ، وجئت تعدو بشيرًا تُري الناس أنك قد فزعت لمقتله، وإنما ذلك شماتة منكَ. وقوله: لعلك يومًا إلى آخره، الإلمام: النزول، والملمة: البلية النازلة، والأجدع: المقطوع الأنف والأذن، ويستعمل في الذَّليل، وهو المراد هنا، يقول: أيها الشامت، لا تكن فرحًا بموت أخي، عسى أن تنزل عليك بلية من البليات التي يتركنك ذليلًا خاضعًا. وقوله: نعيت: أمرًا إلى آخره، النعي: الإخبار بالموت، والممزّع: الممزق والمفرق، يقول: لو كنت أنت القتيل لآوى لحمك بدفنه، سواء كان مجموعًا أو ممزَّقًا. وقوله: فلا يهنئ الواشين، إلى آخره، هذا دعاء عليهم في صورة النهي.

стр. 1775

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والسبعون بعد الأربعمائة: (٤٧٣) فقُولَا لَهَا قولًا رفيقًا لَعَلَّهَا ... ستَرْحمُني من زفرَةٍ وعويلِ على أنَّ اقتران خبر لعل بالسين قليل. قال أبو حيان في "الارتشاف": وحكى الأخفش: لعل زيدًا سوف يقوم، ولم يجز: ليت زيدًا سوف يقوم، ثم قال وامتنعوا من الجمع بين ليت وسوف، وجاز ذلك مع لعل: فقولا لها قولًا رقيقًا ... البيت. وحكى الأخفش: لعل زيدًا سوف يقوم. انتهى. وقوله: رفيقًا هو من الرفق خلاف العُنفِ، والزفرة: اسم لمدّ التنفس على سبيل التألم، والعويل: اسم لرفع الصوت بالبكاء، يقال: أعول الرجال إعوالًا: إذا فعل ذلك. وأنشد بعده: بدَا لي أنّي لستُ مدركَ ما مضَى ... ولا سابقٍ شيئًا إذَا كانَ جائِيَا وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثالث والثلاثين بعد المائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد الأربعمائة: (٤٧٤) وبُدِّلتُ قرحًا داميًا بعد صحةٍ ... لعلَّ منايانَا تحوَّلْنَ أبؤُسَا على أنه يجوز أن يكون خبر "لعل" فعلًا ماضيًا كما في الحديث والبيت، خلافًا للحريري، فإنه منعه "درة الغواص" قال فيها: ويقولون لعله ندم، ولعله قدم، فيلفظون بما يشتمل على المناقضة، وينبئ عن المعارضة، ووجه الكلام

стр. 1776

أن يقال: لعله يفعل، أو لعله لا يفعل، لأن معنى لعل التوقع لمرجو، أو لمخوف، والتوقع إنما يكون لما يتجدد ويتولد، لا لما تقضى وتصرَّم، فإذا قلت: خرج فقد أخبرت عما قضي الأمر، واستحال معنى التوقع له، فلهذا لم يجز دخول "لعل" عليه. انتهى. وقال ابن بري فيما كتبه عليها: اعلم أنَّ "لعل" وإن كان معناها ما ذكر، فإنَّ مخرج الكلام المشكوك فيه والمظنون، والشك والظن يكونان فيما مضى، وفيما يستقبل يدلك على صحة ذلك قول الفرزدق: لعلك في حدراء لمت على الَّذي ... تخيّرتِ المعزى على كلِّ حالبِ ومثله قول امرئ القيس: وبُدلت قرحًا داميا ... البيت، ومثله قوله ﷺ : "وما يدريك لعل الله اطلع" الحديث، ومثله قول الفرزدق: أعد نظرًا يا عبد قيسٍ ... البيت. انتهى. وقال ابن الحنبلي في شرحها: فإن قلت: قد جزم ابن بري باستعمالها مع الماضي مع قوله بأنَّ معناها ما ذكر من التوقع المقتضي لأن تستعمل مع المستقبل فحسب، قلت: وجهه أنه إذا كان معناها التوقع حقيقة، والتوقع يلزمه الشك والظن، ومن ثمة استحال على الله حتى قيل: إنه في قوله تعالى (فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى) [طه/ ٤٤] مصروف للمخاطبين، أي: اذهبا على رجائكما استعملت عند ذلك في مجرد الشك والظن اللازم لمعناها الحقيقي مجازًا، فساغ استعمالها مع الماضي أيضًا، لأنّ الشك والظن يكون فيما مضى أيضًا، انتهى. والبيت من قصيدة لامرئ القيس، وقبله: تأوبني دائي القديم فغلسَا ... أُحاذر أن يرتد دائي فأنكسَأ وما خِلتُ تبريح الحياةِ كما أرى ... تضيق ذراعي أن أقومَ فألبْسَا فلو أنها نفسٌ تموت سويّة ... ولكنها نفسٌ تساقط أنفسا

стр. 1777

وبُدِّلت قرحًا داميًا بعد صحةٍ ... لعلَّ منايانا تحوّلن أبؤسَا لقد طمح الطمَّاح من بُعد أرضهِ ... ليُلبسَني من دائهِ ما تلبَّسَا وكان من حديث هذه القصيدة أن امرأ القيس لما قتل أباه بنو أسد، خرج إلى قيصر يستنجده، فأمدّه بعسكر، ولما كان عنده عشقته ابنة قيصر، فكان يأتيها، وكان معه حين خرج إلى قيصر عدة من العرب، منهم عمرو بن قميثة الشاعر، ومنهم الطماح بن قيس، وكان أبو امرئ القيس قتل أباه، فكان أمرؤ القيس يخبرُ أصحابه بأمر بنت قيصر، فقال له الطماح إلى قيصر، فقال له: هذا رجل جاء يطلب نصرك يخونك في أهلك، وأراه القارورة، فعرف صدقه، وقد كان حمل امرأ القيس وخاصّته على البريد، وتخلف سائرهم في جهازهم، فبعث إليه الحلة المسمومة، فلبسها في يوم شديد الحر، وقد كان يجسده قرح، فلما وقعت الحلة عليه تفطر جسده، وتناثر لحمه، فمات بأنقرة. قال الأصمعي: تأوبني، أي: أتاني مع الليل، وغلّس: أتى مع الغلس، وهو ظلام الصباح بعد البُرء، وما خلت: ما ظننت، والتبريح: الشدة، وألبس بالبناء للفاعل، أي: يعجز مما به من شدة المرض أن يقوم، فيلبس ثوبه، وقوله: فلو أنها نفس تموت إلى آخره، قال الأصمعي: معناه لو أنّي أموت بدفعة واحدة لاسترحت، ولكن نفسي تتقطع قليلًا قليلًا، وقال غيره: يريد أن بموتي يموت ناس كثير، فعلى الأول تساقط بالفتح وأصله تتساقط، وأنفسًا: مفعول، وبدلت بالبناء للمفعول، والقرح بالفتح والضم: الحرج، أبؤس: جمع بؤس، وهو الشدة، قال الأصمعي: معناه: لعل ما قدّر للناس من مقدار تحول بؤسًا، والمنية: القدر. انتهى. وتحول من أخوات صار، وبه استشهد في كتب النحو.

стр. 1778

وقوله: لقد طمح، أي: ارتفع. قال أبو عبيدة: الطماح رجل من بني أسد اسمه حبيب، وقيل: منقذ، وسمّي الطماح بقول امرئ القيس، وقال الأصمعي: قوله: لقد طمح الطماح، يعني قيصر، وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب. وأنشد بعده: أعِدْ نظرًا يا عبد قيسٍ لعلمَا ... البيت. لما تقدَّم قبله، وهو من إنشاد سيبويه في كتابه. وأقول: هذا البيت لا يوجد في غالب نسخ كتاب سيبويه، قال أبو جعفر النحاس في شرح شواهده: هذا البيت في كتاب سيبويه: لم يروه غير أبي الحسن الأخفش. انتهى. وقد تقدم شرحه قريبًا. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والسبعون بعد الأربعمائة: (٤٧٥) فليتَ كفافًا كان خيرك كلهُ ... وشرُّكَ عني ما ارتوى الماءَ مرتوِي على أن هذا البيت مشكل، وقد لخص المصنف كلامه عليه من "أمالي ابن الشجري" فإنه أورد الكلام عليه في مجلسين منها: المجلس الأول وهو الثامن والعشرون، والثاني هو المجلس السادس والثلاثون، وكان المناسب أن يورد هذا البيت في بحث "ليت" لكنه لما فاته هناك أورده هنا بمناسبة، وهو جواز مجيء خبر ليت فعلًا ماضيًا كخبر لعل، وقد تكلم في إعراب هذا البيت غالب أئمة النحويين كأبي علي وعبد القادر والعبدي، وابن الشجري، وابن الحاجب في "أماليه" وأبي حيان في "تذكرته" والرضي وغيرهم، وقد جمعنا كلامهم، ولخصناه في شرح الشاهد الرابع والثمانين بعد الثمانمائة، ومن أراد التبحّر في إعرابه فلينظر هناك. والبيت من قصيدة ليزيد بن الحكم بن أبي العاصي الثقفي، قال صاحب "الأغاني" عاتب فيها ابن عمه عبد الرحمن بن عثمان بن أبي العاصي، وله قصائد أخر عاتب

стр. 1779

فيها أخاه عبد ربه بن الحكم، وأورد هذه القصيدة القالي في "أماليه" والأصبهاني في "أغانيه" وابن الشجري في "أماليه" مختصرة، وعند كلٍ ما ليس عند الآخر، وأرودها أبو علي بتمامها في "المسائل البصرية" وهي هذه: تكاشرني كرها كأنك ناصحٌ ... وعينك تبدي أن صدرط لي دوِي لسانك لي أريٌ وغيبك علقمٌ ... وشرُّك مبسوطٌ وخيرك مُلتوِي تفاوض من أطوي طوى الكشح دونه ... ومن دون ما صفافيته أنت مُنطوِي تصافح من لاقيت لي ذا عداوة ... صفاحًا وعنيّ بين عينيك منزوي أراك إذا استغنيت عنا هجرتنا ... وانت إلينا عند فقرك مُنطوِي إليك انعوى نُصحي ومالي كلاهُما ... ولست إلى نصحي ومالي بمنعوي أراكَ إذا لم أهوَ أمرًا هويتهُ ... ولستُ لما أهوى من الأمرِ بالهوِي أراكَ اجتويت الخيرَ منيَ واجتوى ... أذاك فكل مجتوٍ قربَ مجتوي فليت كفافًا كان خيرُك كلهُ ... وشرُّك عني ما ارتوي الماء مُرتوي لعلك أن تنأى بأرضك نيةٌ ... وإلا فإني خليلًا صالحًا بك مقتوي فلم يُغوني ربي فكيف اصطحابُنا ... ورأسُك في الأغوى من الغيِّ مُنغوي عدوُّك يخشى صولي إن لقيته ... وأنت عدُّوي ليس ذلك بمستوِي وكم موكن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلَّةِ النيقِ مُنهوي نداك عن المولى ونصرك عاتمٌ ... وأنت له بالظلم والغمر مختوي توّدُ له لو ناله نابُ حيَّةٍ ... ربيبُ صفاةٍ بين لهبين منحَوِي إذا ما بنى المجد ابن عمك لم تعِن ... وقلت ألا بل ليت بناينهُ خوِي كأنك إن قيل ابن عمك غانمٌ ... شج أو عيمدٌ أو أخو مغلة لوي تملأت من غيظٍ فلم يزلْ ... بك الغيظ حتى كدتَ في الغيظ تنشوي

стр. 1780

فما برحت نفسٌ حسودٌ حشيتَها ... تذيبك حتى قيل هل أنت مُكتوي وقال النَّطاسيون إنك مشعرٌ ... سُلالًا ألا بل أنت من حسدٍ جَوي فديت أمرءًا لم يدو للنأي عهدهُ ... وعهدكَ من قبل التنائي هو الدَّوِي جمعت وفحشًا غيبةً ونميمةً ... خلالًا ثلاثًا لست عنها بمرعوي أفحشًا وخبًا واختناءً عن الندى ... كأنَّك أفْعى كُديةٍ فرَّ محجوي فيدحُو بك الدَّاحي إلى كل سوأةٍ ... فياشرَّ من يدحوا بأطيش مدحوي أتجمع تسألَ الأخلاء ما لهُمْ ... ومالكَ من دونِ الأخلاءِ تحتوْي بدا منكَ غشٌ طالما قد كتمتهُ ... كما كتمت داء ابنها أمُّ مُدَّوِي هذا آخرها وتركنا منها بيتين حرفهما الكاتب. قوله: أن صدرك لك دوي، هو وصف من دوي صدره دوَى كفرح فرحًا: إذا انطوى على حقد، والأري كفلس: العسلُ، وتفاوض: مضارع فاوضه: إذا أظهر له أمره، وطوى كشحه على فلان: إذا أعرض عنه، وبين عينك مرفوع مبتدأ، ومنزوي خبره، وانزوت الجلدة: تجمّعت وانقبضت، وانطوى إليه: لجأ، وانضم إليه، وانعوى: انعطف مطاوع عواه: عطفه، واجتواه بالجيم: كرهه، وأن تنأى: أن تبعد، ومنتوي: عازم، وقوله: بك مقتوي بفتح الميم: الخادم، نسبة إلى مقتة بالفتح والقصر وهو مصدر قتا يقتو قتوًا ومقتىً، أي خدَم، وقوله: وكم موطن لولاي طحت، بضم الطاء وكسرها، لأنَّ مضارعه يطوح ويطيح: إذا هلك، والأجرام جمع جرم بالكسر وهو الجسد، كأنه جعل كل عضو جرمًا، وقيل: الجمع جرم بالضم وهو الذنب، ومنهوي: الهاوي. وقد شرحنا هذا البيت في الشاهد الثالث والتسعين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي، والندى: الجود، والمولى: ابن العم، وعاتم: بطيء، يقال: عمّ بالعين المعملة والمثناة من باب

стр. 1781

ضرب: إذا أبطأ وقصّر، والغمر بالكسر: الحقد، ومختوي بالحاء المعجمة: الجائز المُقسط، ونابه: أصابه، وناب الحيّة: سنها، والحية: تطلق على الذكر والأنثى، والمراد هنا: الذكر، والصفاة: للصخرة الملساء، واللِهب بكسر اللام وسكون الهاء: الشقّ في الجبل، والمنحوي بالنون والحاء المهملة: المجتمع، وخوي المنزل: سقط، والشجي: الحزين، والعميد: الذي قد هدَّه المرض حتى احتاج إلى أن يُعمد، أي يُسند، والمغلة: بفتح الميم وسكون الغين المعجمة: على تكون في الجوف، واللَّوي: الذي في جوفه وجه، وفعله لوي من باب فرح، والنطاسي بكسر النون: العالم بالطب، ومُشعر اسم مفعول، مُلبَس، والسُلال بالضم: مرض السلّ، والجوي وصف من الجوى بفتحتين، وهو داءٌ للقلب. وقوله: جمعت وفحشًا غيبة ... البيت، قد بسطنا شرحه في الشاهد الثمانين بعد المائة من شواهد الرضي. وقوله: أفحشًا وخبثًا إلى آخره، الخِبّ بكسر الخاء المعجمة مصدر خبّ من باب علم: إذا خدع ومكر، والاختناء بالخاء المعجمة وكسر المثناة الفوقية بعدها نون: التقبض، والتجمع، والندى: الجود، والكُدية بالضم: الأرض الصُلبة، والافعى هنا: الأفعوان، ومحجوي: المنطوي بتقديم الحاء المهملة على الجيم، والدحو: الرمي، دحا الفرس يدحو: إذا رمى بيديه رميًا، والسوءة بالفتح: القبيح والعيب، والطيش: الخفة، ومدحوي: مرمي، بناه من ادحواه لغة في دحاه، أي: رماه، وقوله: كما كتمت داء ابنها أمّ مدوي، يضرب بها المثل لمن يورّي بالشيء عن غيره، ويكني به عنه، وأصله أنَّ امرأة منالعرب خطبت على ابنها جارية، فجاءت أمّها إلى أمّ الغلام لتنظر إليه، فدخل الغلام، فقال لأمّه: ادّوي بتشديد الدال على وزن افتعل، فقالت له: اللحام معلق بعمود البيت، والسرج في جانبه، فأظهرت انَّ ابنها أراد أداة الفرس للركوب، فكتمت بذلك زلة ابنها عن الخطأ به، وإنما أراد ابنها أكل الدّواية، بضم الدال وهي القشرة التي تعلو اللبن والمرق، تقول منه: دوَّى البنُ بتشديد الواو، وقد ادَّويتُ على وزن افتعلت فأنا مُدَّوٍ بتشديد الدال

стр. 1782

فيها، أي: أكلتُ الدوَّاية، وقد بسطنا شرح هذه القصيدة في الشاهد الثمانين بعد المائة. ويزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي البصري شاعر مشهور حدث عن عمه عثمان، وروى عنه معاوية بن قرة، وعبد الرحمن بن إسحاق، حكى أن الفرزدق مرَّ على يزيد هذا وهو ينشد في المسجد، فقال: من هذا الذي ينشد شعرًا كأنه شعرنا! قالوا: يزيد بن الحكم، فقال: أشهد بالله أن عمّتي ولدته، وأم يزيد بكرة بنت الزبرقان بن بدر وأمها هنيدة بنت صعصعة بن ناجية، وورد يزيد على الحجاج بن يوسف بالعراق، فولاه فارس، فلما جاء لأخذ عهده، قال له: يا يزيد أنشدنا من شعرك يريد مديحًا، فأنشده قصيدة يفتخر فيها، فقام الحجاج مغضبًا، ودخل القصر، وانصرف يزيد، والعهد في يده، فقال الحجاج لخادمه: اتبعه، وقل له: اردد علينا عهدنا، فإذا أخذته، فقل له: هل أورثك أبوك مثل هذا العهد؟ ففعل الخادم، فقال: قل للحجاج: أورثني أبي مجده وفعاله، وأورثك أبوك أعنزًا ترعاها، ثم سار تحت الليل، فلحق بسليمان بن عبد الملك وهو ولي عهد الوليد، فضمه إليه، فقال له سليمان: كم كان أجرى لك في عمالة فارس؟ قال: عشرين ألفًا، قال: هي لك ما دُمتُ حيًا، ومدحه بقصائد، وقد ترجمناه بأكثر من هذا في الشاهد التاسع من أوائل شواهد الرضي. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والسبّعون بعد الأربعمائة: (٤٧٦) فليت دفعت الهمَّ عنِّي ساعةً تمامه: فنمنا على ما خيّلتْ ناعمي بالِ على أنَّ اسم ليت محذوف سواء كان ضمير شأن أو ضمير مخاطب، قال أبو زيد بعد ما أنشده في "نوادره": قال أبو عمرو: أراد: فليتك دفعت، فأضمر اسم

стр. 1783

ليت وهو ضعيف رديء، لا يجوز ف الكلام، وقلما جاء في الشعر، وقال السكري: أراد: فليت الأمر فأضمر. انتهى. وقال أبو الحسن بن علي بن سليمان الأخفش فيما كتبه على "نوادر أبي زيد": الأحسن في العربية أن يكون أضمر الهاء كأنه قال: فليته دفعت، يريد: فليت الأمر هذا كما تقول: إنّه أمَةُ الله ذاهبةٌ، وإنه زيد منطلق، أنشدنا أبو العباس المبرد قال: أنشدني عمارة لنفسه يصف نخلًا: كأنهَّهُنَّ الفتياتُ اللُعْسُ ... كأنَّ في أظلالهنَّ الشمسُ والقوافي مرفوعة، يريد: كأنه في أظلالهنَّ الشمس، فإذا أضمر الكاف، والكاف للمخاطب، والمخاطب لا يحتاج إلى تبيين، وإنما تبين الهاء بالأمر إذا كانت مبهمة يفسرها ما بعدها، وإظهارُها هو الجيّد، وإنما يجوز إضمارها إذا اضطر شاعر لما بينت لك. انتهى. ومثله لمحمد بن محمد أحمد بن السيف الإسفراثيي المعروف بالفاضل في كتاب "لباب الإعراب" قال: ولا يحذف الاسم في باب إنَّ إلاَّ إذا كان ضمير الشأن نحو: إنَّ من لامَ في بني بنتِ حسَّا ... نَ ألُمْهُ وأعصِهِ في الخُطُوبِ أي: إنه، وإلا زال الجزاء عن صدر الكلام، ونحو: فلو أنَّ حقَّ اليوم منكم إقامةٌ ونحو: فليتَ دفعتَ الهمَّ عني ساعةً ونحو: فليت كفافًا كان خيركَ كلُّهُ على أحد التأويلين. ونحو: كأنَّ في أظلالهنَّ الشمْسُ

стр. 1784

وإلاّ انتصب الشمس، ونحو: وتقليني لكنَّ إياك لا أقلْي ولا يجوز هذا في غير الاضطرار عند الأكثر. انتهى. وكذا قال المحقق الرضي، وعند ابن عصفور: حذف الضمير في غير ضمير الشأن أولى من حذفِ ضمير الشأن، قال في كتاب "الضرائر": ومنه حذف ضمير الشأن أو القصة إذا كان اسمًا لإن وأخواتها، ثم بعد أن مثل بأبيات، قال: فحذف هذا الضمير يحسن في الشعر، ويقبُح في الكلام والشعر، لأنها حروف طالبة للأسماء فاستقبحوا لذلك مباشرتها للأفعال، وإنما صحَّ حذفه في الكلام وإن يؤد الحذف إلى المباشرة إنَّ وأخواتها للأفعال لأنه مفسر بالجملة التي بعده، فأشبهت الجملة لذلك وإن كانت في موضع الخبر الجملة الواقع صفة في أن كل واحدة من الجملين مفسرة لما قبلها، والجملة الواقعة صفة يقبح حذف موصوفها وإبقاؤها، فكذلك أيضًا يقبح حذف ضمير الشأن، وإبقاء الجملة المفسرة له، وأيضًا يستعمل في موضع التعظيم، والحذف مناقض لذلك، فأما قول الراعي: فلو أنَّ حقَّ اليومَ منكم إقامةٌ ... البيت وقول الآخر: فليت دفعتَ الهمَّ عني ساعةً ... البيت فيحتمل أن يكون المحذوف فيها ضمير الشأن، فيكون التقدير: فلو أنه حق اليوم منكم إقامة، وفليته دفعت، ويكون البيتان إذ ذاك من قبيل ما يقبح في الكلام والشعر لما يلزم في البيت الأول من ولاية الفعل لأن، وفي البيت الثاني لولايته للبيت، ويحتمل أن يكون المحذوف ضمير المخاطب، فيكون التقدير: فلو أنكم حق اليوم، وليتك دفعت لهم، وحملهما على هذا الوجه أولى، لأنه لا يلزم فيه من القبح ما يلزم

стр. 1785

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد الأربعمائة: ممم هل هو خطأ هنا ممم (٤٢٨) ولوْ قلَمٌ أُلقِيتُ في شقِّ رأسِهِ ... من السُّقمِ ما غَيَّرتُ من خطِّ كاتبِ على أنَّ المبني قد قيل: إنه قد لحن في هذا البيت، لأنه لا يمكن أن يقدر: ولو ألقى قلم. هو قول أبي حيّان قال في "شرح التسهيل": فأمّا قول أبي الطيّب المتنبي: فلو قلم ألقيت ... البيت فلحن، لأنه لا يمكن أن يقدر: لو ألقي قلم، وصار نظير: إن زيد ضربت بسيفه كان كذا، ولهذا لحن، لأنه لا يمكن حمله على تقدير فعل. انتهى. وقول المصنّف: وأقول روي بنصب "قلم" وبرفعه إلى آخره، ما ذكره ملخص من كلام ابن الحاجب، قال في "أماليه": يروى بالرفع والنصب، ولكل وجه، ولكن النّصب هو الوجه، لأنَّ "لو" ههنا حرف شرط يقتضي الفعل لازمًا مثل "إن" كما يجب النصب فيه الفعل عن المفعول بضميره، وإنما جاء وَهَمُ الرفع عند قائله من جهتين: منها أنه لم يُعَدَّ الفعل المفسّر إلاّ بحرف الجر، ولم يدخل على المضمر العائد على الأول إلا بواسطتين، ومنها، وهو ما أظهرها إيهامًا: أنه جاء على صيغة ما لم يسم فاعله، فتوهم أنه مثل قولك: لو زيد ذهب به، لكان كذا. أما كونه لم يعدّ بنفسه، فليس بشيء، إذ لا فرق بين قولك في وجوب نصب: إن زيدًا ضربته، وإن زيدًا مررت به، وأما كونه لم يدخل على المضمر إلاّ بواسطتين فغير معتبر أيضًا، وإنما المعتبر وجود الضمير معدّى إليه الفعل، أو إلى ما يتعلق به بنفسه، أو بواسطة

стр. 1786

كذا في ديوان عدي بن زيد، وبعدها أبيات أخر تركناها. وقوله: ألا يا انعمن بالًا: ألا للتنبيه، ويا: حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره يا نعما، وهو النعمان بن المنذر ملك الحيرة وقد ذكرنا سبب قتله عديًا في ترجمته، في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين. وانعمن: فعل أمر من النعمة، بالفتح، وهو الخفض والدّعة والترفّه، وفعله كسمع ونصر وضرب، والبال: الحال والخاطر، يقال هو رخي البال، أ: مترفه الحال، وبالًا: منصوب على التمييز المحول عن الفاعل، والمسمى بالضم: الإمساء وهو الدخول في المساء، وقوله: أجدَّك: الهمزة للاستفهام، وجدّك منصوب بنزع الباء، وهو بالكسر، نقيض الهزل، والمعنى أبجد منك، ومثله: أحقًا، ومعنى أحقًا وجدك متقاربان، وتعذرني من عذرته فيما صنع عذرًا من باب ضرب: رفعت عنه اللوم، والاسم: العذر. وقوله: ألم يشفينك مؤكد بالنون الخفيفة، وتوكيد الفعل في هذا شاذ، لأنه ماض معنى، ولا حظّ للماضي في التوكيد بالنون، ولما كان الغضب الكامن كالدّاء، كان النيل بالمكروه كالشفاء وأني مسهد: في تأويل مفرد فاعل يشفي، وشوقي معطوف على الفاعل المؤوَّل، وهو مصدر مضاف إلى المفعول من شاقه: إذا ربطه وأوثقه، ويعتريني: يصيبني ويحدث بي من العقوبة، والتسهال: مصدر سُهِل زيد بالبناء للمفعول: إذا انطلقت بطنه، ومصدر الثلاثي إذا أريد به المبالغة بنوه على التفعال كالتلعاب والترداد والتجوال، فإنكار الأخفش لهذه الكلمة لا وجه له، ورواية تسآلي غير مناسبة، وقوله: على ما خيّلت، هذا التركيب قد صار كالمثل في استعماله بالماضي، وجعل فاعله ضمير النفس المعلومة من المقام، قال المفضل بن سلمة الضبي، في "الفاخر": قولهم: على ما خيلت، أي: أرت وأوهمت، وأصل ذلك في السحاب يقال: قد خيَلَّت السحابة وتخيلتْ: إذا أرَتْ أنها ماطرة، والخال: السحابُ الذي يُخيلُك المطر. انتهى.

стр. 1787

وقال ابن قتيبة في أوائل "أدب الكاتب": أفعل ذلك على ما خيّلت، أي: على ما شبهت من قولك هو مخيلٌ للخير، أي: خليق له. قال شارحه الحواليقي: وقولهم على ما خيّلت معناه: على أرت الحال، وشبّهت، فأضمر الحال، ولم يجر لها ذكر لعلم المخاطب بها، كما قال تعالى: (حتى توارت بالحجاب) [ص/ ٣٢] يعني الشمس، فأضمرها، ولم يجر لها ذكر، ويقال: معنى قولهم: على ما خيلت، أي: على ما أرتك نفسُك أنه الصواب، ويقال: على ما تخيلت وخيّلت هو الكلام الجيّد، والأصل فيه من قولهم: خيّلت السّحابة، وتخيّلت: إذا أرت مخيلة المطر والمخيلة نفسُ السحابة، فإذا أردت الفعل قلت: مخيلة والفعل منه خالت وأخالت وأخيلتت وتخيلت. انتهى كلامه، وقال الزمخشري في "مستقصى الأمثال": على ما خيلت الضمير للنفس أو للحال، المعنى: افعل ذلك، ما أرتك نفسك وأوهمتك من سهولة وصعب يضرب في إيجاب الفعل. وقال في "أساس البلاغة": افعل ذلك على ما خيّلت، أي على ما أرتك وشبّهت وأوهمت، وفلان يمضي على المخيّل، أي: على ما خيّلت. انتهى. وفي "عباب الصاغاني": وفلان يمضي على المخيّل، أي: على ما خيّلت. أي شبّهت يعني على غرر من غير يقين. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد الأربعمائة: (٤٧٧) ولوْ أنَّ واشٍ باليمامةِ دارُهُ ... وداريِ بأعلى حَضَرَموَتَ اهتدَى لِيَا على أنَّ أصله: فلو أنَّ واشيًا، فسكّن الياء لضرورة الشعر، ثمَّ حذفها لالتقاء السّاكنين، وروى: "فلو كان واشٍ" فلا شاهد فيه، وبعده: وماذا لهم لا أحسن الله حفظهمْ ... من الحظُ في تصريم ليلى حباليا وهما من قصيدة طويلة شهيرة لمجنون ليلى، ومنها:

стр. 1788

خليلي لا والله لا أملك الذي ... قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليَا قضاها لغيري وابتلاني بحبهَا ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيَا روى صاحب "الأغاني" بسنده عن ابن الكلبي أن المجنون لما قال هذا نودي في الليل أأنت المتسخط لقضاء الله وقدره، والمعترض في أحكامه! ؟ واختلس عقله، وتوحش منذ تلك الساعة، وذهب مع الوحش على وجهه. والواشي: النمام الذي يزوق الكلام ليفسد بين اثنين، من وشى الثوب يشيه وشيئًا: إذا نقشه وحسّنه. واليمامة: اسم بلد كان في الجاهلية اسمها الجوّ، وحضر موت بفتح الميم وضمها: مدينة باليمن، وقوله: اهتدى ليا اللام بمعنى إلى، والتصريم: التقطيع، والحبال: جمع حبل، مستعار للوصلة والألفة بين اثنين، واختلف في اسم مجنون ليلى، ويقال له: مجنون بني عامر، والأشهر أن اسمه قيس بن الملوح وتقدمت ترجمته في الإنشاد السابع عشر من أوائل الكتاب. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد الأربعمائة: (٤٧٨) أكل امرئٍ تحسبين امرًا ... ونارٍ توقد بالليل نارَا على أن أصله: وكل نارٍ، فحذف "كل" وبقي المضاف إليه على جرّه، كذا قال سيبويه فيه، قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه أراد أن يقول: وكل نارّ، فحذف "كلًا" وهو يريدها وقد جربها نارًا، واكتفى بذكر "كل" في اول البيت. قال سيبويه: ومثله: ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة، قال أبو جعفر: استشهد بهذا، لأنه عطف على عاملين فخفض النار، عطفها على امرئٍ، ونصب نارًا

стр. 1789

الثانية عطفها على امرئٍ الثاني، قال أبو جعفر: ومن لم يعطف على عاملين. رواه: ونارًا، قال أبو الحسن: تقديره: وكل نار، ثم تحذف، كقوله تعالى: (وَاسأَلِ القَريَةَ) [يوسف/٨٢] وقال ابن الحاجب في "أماليه": أكلَّ امرئٍ وامرءًا مفعولان لتحسبين، وقوله: ونار عند سيبويه مخفوض على حذف المضاف الذي هو "كل" لدلالة الأول عليه، وأراد به موجودًا مقدرًا، فلذلك بقي المضاف إليه على إعرابه، وهذا وإن كان على خلاف قياس حذف المضاف مخصوص عنده بكل ومثل إذا قصد بها التحقيق، لا التشبيه، كقولك: ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك، وإنما اختصتا بذلك من حيث كانا لذات واحدة في المعنى، فلما تقدم ما يدل على ذلك، اغتفر في الحذف، وبقي أثره على ما كان عليه، فعلى ذلك لا يكون قوله: "ونار" عطفًا على عاملين من حيث كان "نار" مخفوضًا بكل مقدرة في حكم الوجود، فكأنه قال: وكل نار، ولو صرح وقال: وكل نار لم يكن عطفًا على عاملين اتفاقًا وكذلك إذا كان "كل" مرادًا وجودها، لأنه يكون عطفًا على معمولي "تحسبين" خاصة، وهو عامل واحد، وكثير من النحويين لا يقدر تقدير سيبويه، لأنه عنده يوجب إعرابه بإعراب المحذوف على القياس المعروف في حذف المضاف، فيجعله معطوفًا على امرئ المخفوض أولًا ويجعل نارًا المنصوبة معطوفًا على امرءًا، ويجوز هذا الضرب من العطف على عاملين، وهو أن يكون الأول منها مخفوضًا، وأن يكون المعطوف جاء على الترتيب الأول، كقولك: في الدار زيد واحجرة عمرو، وأشباه ذلك، وسيبويه يمنع في هذه المسائل، ويتأول ذلك كله فرارًا من العطف على عاملين، انتهى المقصود منه. والبيت آخر قصيدة عدتها خمسة عشر بيتًا لأبي الإيادي ذكر فيها أنه صاد بمهره ثورًا وبقرة وحشيين، ثم خاطب امرأته على سبيل الافتخار والتمدّح: أكل امرئ تحسبينه مثلث، وكل نار توقد بالليل تحسبينها نار قرى وضيافة. وتوقد: مضارع، واصله تتوقد، وروي بدله: تحرّق مثله، وأولها:

стр. 1790

ودار يقول لها الرائدُو ... ن ويل ام دار الحذاقي دارا فلما وضعنا به بيتنَا ... نتجنا حوارًا وصدنا حمارَا يقول. رب منزل ينزل فيه يقول لها الرائدون –وهم الذين يترددون في طلب المرعى والمنزل- ذلك تعجبًا منها. وفي "جمهرة أنساب العرب": ومن بني حذاقة أبو داود الشاعر، واسمه جارية بن حمران بن بحر بن عصام بن نبهان بن منبّه بن حذاقة وأخواه مارية وآرية، ومنهم الأعور الذي ينسب إليه دير الأعور، ولموضع الدير يقول أبو داود: ودارٍ يقول لها الرائدون .. البيت انتهى. وحذاقة، بضم الحاء المهملة بعدها ذال معجمة: قبيلة إيادهم رهط أبي دواد، وهو حذاقة بن زهر بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان. وقوله: وضعنا بها بيتنا، أي: نصبنا بها خباءنا، ونتجنا من النتاج بالكسر: وهو اسم يشمل وضع البهائم من الإبل والغنم وغيرهما، وإذا ولي الإنسان ناقة أو شاة ما خضًا حتى تضع قيل: نتجها نتجًا، من باب ضرب، فالإنسان كالقابلة، لأنه يتلقى الولد ويصلح من شأنه، والبهيمة منتوجة، والأصل في الفعل أن يتعدى إلى مفعولين، فيقال: نتجها ولدًا لأنه بمعنى ولدها ولدًا كذا في "المصباح"، وأردا بالحمار: حمار الوحش، وأورد المبرد في "الكامل" البيت الشاهد نظيرًا لقول أعرابيّ: ألا تسأل المكي ذا العلم ما الذي ... يحل من التقبيل في رمضانِ فقال لي المكي أما لزوجةٍ ... فسبع وأما خلة فثمانِ أي: وأما لخلة فحذف اللام، وقال: أنشد سيبويه لعدي بن زيد:
следующие страницы →